"بَابٌ"
"السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا- إلَى آخِرِهِ١". وَتُسَمَّى٢ بِهَا أَيْضًا: الْعَادَةُ وَالسِّيرَةُ. قَالَ فِي الْبَدْرِ٣ الْمُنِيرِ: السُّنَّةُ السِّيرَةُ. حَمِيدَةً كَانَتْ أَوْ ذَمِيمَةً٤. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: السُّنَّةُ السِّيرَةُ. وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ٥. اهـ. .
"وَ" السُّنَّةُ شَرْعًا: وَ"٦اصْطِلاحًا": أَيْ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ. تُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الْقُرْآنَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن أبي جُحَيفة مرفوعًا. وتتمة الحديث: "من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء". "انظرصحيح مسلم ٢/ ٧٠٥، ٤/ ٢٠٥٩، سنن النسائي ٥/ ٥٧، تحفة الأحوذي ٧/ ٤٣٨، مسند أحمد ٤/ ٣٦٢، ٢/ ٥٠٥، سنن الدارمي ١/ ١٣٠، سنن ابن: ماجه ١/ ٧٤". ٢ في ش ز: ويسمى. ٣ كذا في جميع النسخ. والصواب: المصباح. ٤ المصباح المنير ١/ ٤٤٥. ٥ القاموس المحيط ٤/ ٢٣٩. ٦ ساقطة من ز ض ب ع.
[ ٢ / ١٥٩ ]
أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ" ١.
وَتُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الْفَرْضَ وَغَيْرَهُ مِنْ الأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ٢. وَرُبَّمَا لا يُرَادُ بِهَا إلاَّ مَا يُقَابِلُ الْفَرْضَ. كَفُرُوضِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَسُنَنِهَا. فَإِنَّهُ لا يُقَابَلُ بِهَا الْحَرَامُ، وَلا الْمَكْرُوهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمُقَابَلَةُ لازِمَةً لِلإِطْلاقِ، لَكِنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ٣. وَتُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ الْبِدْعَةَ. فَيُقَالُ: أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَهْلُ الْبِدْعَةِ٤. وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ٥: "اصْطِلاحًا" مِنْ السُّنَّةِ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ. فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ٦؛ لأَنَّهَا فِي اصْطِلاحِ عُلَمَاءِ الأُصُولِ.
"قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ الْوَحْيِ" أَيْ غَيْرُ الْقُرْآنِ "وَلَوْ" كَانَ أَمْرًا مِنْهُ "بِكِتَابَةٍ" كَأَمْرِهِ ﷺ عَلِيًّا ﵁ بِالْكِتَابَةِ يَوْمَ
_________________
(١) ١ رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس وابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري مرفوعًا. "انظر: صحيح مسلم ١/ ٤٦٥، مسند أحمد ٤/ ١٢١، سنن أبي داود ١/ ١٣٧، تحفة الأحوذي ٢/ ٣٢، سنن النسائي ٢/ ٥٩، سنن ابن ماجه ١/ ٣١٣، فيض القدير ٦/ ٤٥٦". ٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٩، نهاية السول ٢/ ٢٣٨. ٣ انظر في إطلاقات السنة الحدود للباجي ص ٥٦، الإحكام ١/ ١٦٩، أصول السرخسي ١/ ١١٣، فواتح الرحموت ٢/ ٩٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٠، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، التلويح على التوضيح ٢/ ٢ ط الميمنية، أصول مذهب أحمد ص ١٩٩. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٩، الموافقات ٤/ ٤، إرشاد الفحول ص ٣٣. ٥ في ش ز ض ب ع: بقولهم. ٦ انظر تعريف السنة في العرف الشرعي العام في "إرشاد الفحول ص ٣٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٩".
[ ٢ / ١٦٠ ]
الْحُدَيْبِيَةِ١. وَقَوْلِهِ: "ﷺ: "اُكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ" ٢ يَعْنِي الْخُطْبَةَ الَّتِي خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم٣، وَأَمْرِهِ بِالْكِتَابَةِ إلَى الْمُلُوكِ٤ وَنَحْوِ ذَلِكَ٥.
"وَفِعْلُهُ ﷺ".
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا فَهُوَ عَمَلٌ بِجَارِحَةِ اللِّسَانِ. وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يُقَابِلُ الْفِعْلَ٦ كَمَا هُنَا٧، حَتَّى "وَلَوْ" كَانَ الْفِعْلُ
_________________
(١) ١ الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد عن أنس مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ٢/ ١١٢، صحيح مسلم ٣/ ١٤١١، سنن أبي داود ٢/ ٧٨، مسند أحمد ١/ ٨٦، ٣٤٢، ٤/ ٨٧، ٣٢٥، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٢٥، زاد المعاد ٢/ ٣٠٦، السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٣٦٦. ٢ هو الصحابي أبو شاه اليماني. يقال: إنه كلبي، ويقال: إنه فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن كما قال السِّلَفي. وقد جاء ذكره في الصحيحين في حديث أبي هريرة في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح، فقال أبو شاه: اكتبها لي يا رسول الله، يعني الخطبة، فقال رسول الله ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه"َ. "انظر: الإصابة ٤/ ١٠٠، الاستيعاب ٤/ ١٠٦". ٣ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٨٨، صحيح مسلم ٢/ ٩٨٨، مختصر صحيح مسلم ١/ ٢٠١، تحفة الأحوذي ٧/ ٤٢٩، سنن أبي داود ٢/ ٢٨٧، ٤٨١، سنن النسائي ٤/ ٣٨، سنن ابن ماجه ٢/ ٨٧٦، مسند أحمد ٢/ ٢٣٨". ٤ روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل، كما كتب إلى كسرى والنجاشي والمقوقس والمنذر بن ساوى وملك عُمان وصاحب اليمامة وملك غسان وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام. "انظر: صحيح البخاري ٣/ ٩٠، صحيح مسلم ٣/ ١٣٩٣، سنن أبي داود ٢/ ٦٢٨، تحفة الأحوذي ٧/ ٤٩٩، تخريج أحاديث البزدوي ص ١٨٣، خلق أفعال العباد ص ٦٣، ٦٤، زاد المعاد ٣/ ١٢٦ وما بعدها". ٥ انظر: إرشاد الفحول ص ٤٢. ٦ في ض: العقل. ٧ في ض: ههنا.
[ ٢ / ١٦١ ]
"بِإِشَارَةٍ" عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّهُ كَالأَمْرِ بِهِ١، كَمَا فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ٢: لَمَّا تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ٣ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. فَخَرَجَ إلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ حُجْرَتَهُ فَنَادَى فَقَالَ٤: "يَا كَعْبُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - فَأَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ - أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. فَقَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُمْ فَاقْضِهِ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ٥.
_________________
(١) ١ انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، إرشاد الفحول ص ٤٢. ٢ هو الصحابي كعب بن مالك بن عمرو الأنصاري الخَزْرجي السَّلَمي، أبو عبد الله. شهد العقبة وأحدًاَ وسائر المشاهد إلا بدرًا وتبوك. وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك وتاب الله عليهم، وأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾، ومعه مرارة بن ربيعة وهلال بن أمية. روى كعب ثمانين حديثًا، وجرح يوم أحد أحد عشر جرحًا، وهو أحد شعراء رسول الله ﷺ، وكان مطبوعًا على الشعر، سأل رسول الله ﷺ عن الشعر فقال: "المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه". وقد عمي في آخر عمره، توفي بالمدينة سنة ٥٣هـ، وقيل غير ذلك. "انظر: الإصابة ٣/ ٣٠٢، الاستيعاب ٣/ ٢٨٦، تهذيب الأسماء ٢/ ٦٩، نكت الهميان ص ٢٣١، مسند أحمد ٣/ ٤٥٦، الخلاصة ص ٣٢١". ٣ هو الصحابي عبد الله بن سلامة بن عمير الأسلمي، أبو محمد، أول مشاهده الحديبية ثم خيبر. وهو الذي تزوج امرأة على أربع أواق ذهبًا، فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال: "لو كنتم تنحتون من الجبال ما زدتم". وكان ممن بايع تحت الشجرة، وله روايات في غير الكتب الستة، توفي سنة ٧١هـ. "انظر: الإصابة ٢/ ٣٢١، ٢٩٥، الاستيعاب ٢/ ٢٨٨، شذرات الذهب ١/ ٧٧". ٤ ساقطة من ش ز. ٥ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن كعب بن مالك مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ٢/ ١١٤، صحيح مسلم ٣/ ١١٩٢، سنن أبي داود ٢/ ٢٧٣، سنن النسائي ٨/ ٢١٠، مسند أحمد ٦/ ٣٨٦، سنن ابن ماجه ٢/ ٨١١".
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَاسْمُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْمُ أَبِيهِ سَلامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ١.
وَمِنْهُ إشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّلاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٢. وَطَافَ النَّبِيُّ ﷺ "بِالْبَيْتِ" ٣ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى رُكْنٍ أَشَارَ إلَيْهِ٤.
وَمِنْ الْفِعْلِ أَيْضًا: عَمَلُ الْقَلْبِ وَالتَّرْكُ. فَإِنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلاَّ بِفِعْلٍ٥. فَإِذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ شَيْءٍ كَانَ مِنْ السُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُنَحِّيَ مُخَاطَ أُسَامَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ
_________________
(١) ١ هو أبو حدرد سلامة بن عمير بن أبي سلامة الأسلمي. قال أحمد: اسمه عبد الله، وقيل عبيد، وقيل عبيدة، له صحبة، ويعد في أهل الحجاز. روى عنه ابناه عبد الرحمن وحدرد ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي. وأبو يحيى الأسلمي، ولم تؤرخ وفاته. "انظر: الإصابة ٤/ ٤٢، الاستيعاب ٤/ ٤٠، تهذيب الأسماء ٢/ ٢١٢، الخلاصة ص ٤٤٧". ٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد عن عائشة وأنس بروايات كثيرة مرفوعة. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢١٤، ١٢٥، ٢/ ١١١، صحيح مسلم ١/ ٣١٢، ٣١٥ وما بعدها، سنن أبي داود ١/ ٢١٦، سنن النسائي ٢/ ٦١، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٤٥، مسند أحمد ٥/ ٣٣٢". ٣ زيادة من البخاري. وساقطة من جميع النسخ. ٤ رواه البخاري باللفظ السابق. ورواه الترمذي والنسائي وأحمد والدارمي قريبًا منه. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد بلفظ: يستلم الركن بمحجن عن ابن عباس مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٨٠، ٢٨٣، صحيح مسلم ٢/ ٩٢٦، سنن أبي داود ١/ ٤٣٤، تحفة الأحوذي ٣/ ٦٠٢، سنن النسائي ٥/ ١٨٦، سنن ابن ماجه ٢/ ٩٨٢، مسند أحمد ١/ ٢١٤، ٢٦٤، سنن الدارمي ٢/ ٤٣". ٥ المجلد الأول ص ٤٩٠.
[ ٢ / ١٦٣ ]
اللَّهِ حَتَّى أَكُونَ١ أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ. قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ"
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ٢.
وَحَدِيثِ أَنَسٍ٣: "أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إلَى رَهْطٍ - أَوْ٤ أُنَاسٍ - مِنْ الْعَجَمِ. فَقِيلَ: إنَّهُمْ لا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إلاَّ بِخَاتَمٍ. فَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ٥.
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ: "أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، أَوْ بِبَرَكَةَ، أَوْ أَفْلَحَ، أَوْ يَسَارٍ أَوْ٦ نَافِعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ض ب ع ومن الترمذي. ٢ تحفة الأحوذي ١٠/ ٣٢٣، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ٣ هو الصحابي أنس بن مالك بن النضر، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، وأحد المكثرين من الرواية عنه. خرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر وهو غلام يخدمه، ودعا له النبي ﷺ بالمال والولد والجنة. وأقام مع رسول الله ﷺ بالمدينة، ثم شهد الفتوح، وقطن البصرة، ومات بها. وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة. وغزا مع النبي ﷺ ثماني غزوات، وبارك الله له في المال والولد والعمر. مات سنة ٩٣هـ، وقيل غير ذلك. "انظر: الإصابة ١/ ٧١، الاستيعاب ١/ ٧١، تهذيب الأسماء ١/ ١٢٧، الخلاصة ص ٤٠، شذرات الذهب ١/ ١٠٠". ٤ في ع: و. ٥ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أنس بن مالك مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ٣٦، شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ٦٩، سنن أبي داود ٢/ ٤٠٥، سنن الترمذي ٧/ ٥٠٣، سنن النسائي ٨/ ١٥١، سنن البيهقي ١٠/ ١٢٨، صحيح مسلم ٣/ ١٦٥٧، الموطأ ٢/ ٩٣٦". ٦ في ش ز: و. وهي رواية ثانية في الحديث.
[ ٢ / ١٦٤ ]
عَنْهُ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ١.
وَإِذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَرَكَ كَذَا. كَانَ أَيْضًا مِنْ السُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ٢. كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قُدِّمَ إلَيْهِ الضَّبُّ فَأَمْسَكَ عَنْهُ وَتَرَكَ أَكْلَهُ: أَمْسَكَ٣ الصَّحَابَةُ ﵃ وَتَرَكُوهُ، حَتَّى بَيَّنَ٤ لَهُمْ أَنَّهُ حَلالٌ، وَلَكِنَّهُ يَعَافُهُ٥. وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ مُقَيَّدٌ بِتَصْرِيحِ الرَّاوِي بِأَنَّهُ تَرَكَ، أَوْ قِيَامِ الْقَرَائِنِ عِنْدَ الرَّاوِي الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ. وَالْمُرَادُ مِنْ أَقْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالِهِ: مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الإِعْجَازِ.
_________________
(١) ١ رواه مسلم عن جابر مرفوعًا. ورواه أبو داود عن سمرة بن جندب وجابر. ورواه الترمذي بألفاظ أخرى. "انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٦، سنن أبي داود ٢/ ٥٨٦، تحفة الأحوذي ٨/ ١٢٤". ٢ انظر: إرشاد الفحول ص ٤٢. ٣ في ض: وأمسك. ٤ في ش: سن. وفي ز: يبين. وفي ض: تبين. ٥ روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه أخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة، وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبًّا منبوذًا، فقدمته لرسول الله ﷺ، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضبّ يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر، فلم يَنْهَني. وهناك أحاديث أخرى بألفاظ كثيرة في ذلك. "انظر: صحيح البخاري ٣/ ٢٩٣، ٤/ ٢٦٩، صحيح مسلم ٣/ ١٥٤٢ وما بعدها، سنن أبي داود ٢/ ٣١٧، سنن الترمذي ٥/ ٤٩٢، سنن النسائي ٧/ ١٧٤، سنن ابن ماجه ٢/ ١٠٨٠، مسند أحمد ٤/ ٨٨، نيل الأوطار ٨/ ١٣٣".
[ ٢ / ١٦٥ ]
"وَإِقْرَارُهُ" يَعْنِي أَنَّ السُّنَّةَ شَرْعًا وَ١اصْطِلاحًا: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَى الشَّيْءِ ٢يُقَالُ أَوْ٧ يُفْعَلُ، فَإِذَا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ إنْسَانًا يَقُولُ شَيْئًا، أَوْ رَآهُ يَفْعَلُ شَيْئًا. فَأَقَرَّهُ٣ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ السُّنَّةِ قَطْعًا٤. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ٥ ذَلِكَ٦. "وَزِيدَ الْهَمُّ" أَيْ وَزَادَ٧ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ: مَا هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ؛ لأَنَّهُ ﷺ لا يَهُمُّ إلاَّ بِحَقٍّ مَحْبُوبٍ مَطْلُوبٍ شَرْعًا؛ لأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ٨. وَمِنْهُ: هَمُّهُ ﷺ بِمُعَاقَبَةِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ الْجَمَاعَةِ٩.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ض ب ع. ٢ ساقطة من د. ٣ في ب ع: وأقره. ٤ انظر في تعريف السنة المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٤، مناهج العقول ٢/ ٢٣٦، نهاية السول ٢/ ٢٣٨، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٧، تيسير التحرير ٣/ ١٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، التلويح على التوضيح ٢/ ٢ ط الميمنية، التعريفات للجرجاني ص ١٢٨ ط لبنان، أصول السرخسي ١/ ١١٣، غاية الوصول ص ٩١، إرشاد الفحول ص ٣٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٩، مختصر الطوفي ص ٤٩، أصول مذهب أحمد ص ٢٠٠. ٥ في ض ب ع: تفاصيل. ٦ صفحة ١٩٤ من هذا المجلد عند بحث السكوت. ٧ في ع: وزادت. ٨ انظر: البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٤، إرشاد الفحول ص ٤١، أصول مذهب أحمد ص ٢٠١. ٩ روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوها ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا، فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم جزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ فقد أناسًا في بعض الصلوات، فقال: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها"، يعني صلاة العشاء. "انظر: صحيح البخاري ١/ ١١٩، صحيح مسلم ١/ ٤٥١، سنن أبي داود ١/ ١٢٩، تحفة الأحوذي ١/ ٦٣١، سنن النسائي ٢/ ٨٣، سنن ابن ماجه ١/ ٢٥٩، مسند أحمد ٢/ ٣٧٦، الترغيب والترهيب ١/ ١٥٣ وما بعدها".
[ ٢ / ١٦٦ ]
"وَهِيَ" أَيْ وَ١أَقْسَامُ السُّنَّةِ كُلُّهَا "حُجَّةٌ" أَيْ تَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهَا عَلَى ثُبُوتِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ٢ "لِلْعِصْمَةِ" أَيْ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ الَّتِي هِيَ أَيْ الْعِصْمَةُ "سَلْبُ الْقُدْرَةِ" أَيْ سَلْبُ قُدْرَةِ الْمَعْصُومِ "عَلَى الْمَعْصِيَةِ" فَلا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا؛ لأَنَّ اللَّهَ ﷾ سَلَبَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهَا٣. وَقِيلَ: إنَّ الْعِصْمَةَ٤ صَرْفُ دَوَاعِي الْمَعْصِيَةِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ بِمَا يُلْهِمُ اللَّهُ الْمَعْصُومَ مِنْ تَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ٥.
وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ عَنْ الأَشْعَرِيَّةِ: إنَّ الْعِصْمَةَ تَهَيُّؤُ الْعَبْدِ لِلْمُوَافَقَةِ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ طَاعَةٍ. فَإِذًا الْعِصْمَةُ تَوْفِيقٌ عَامٌّ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر حجية السنة في "الرسالة للشافعي ص ٧٣ وما بعدها، المستصفى ١/ ١٢٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٨٧، أصول السرخسي ٢/ ٩٠ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٢، إرشاد الفحول ص ٣٣، مختصر الطوفي ص ٤٩، الروضة ص ٤٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٩، أصول مذهب أحمد ص ٢٠٤". ٣ بحث العصمة من بحوث علم الكلام أو العقيدة. وإنما يذكرها علماء الأصول في حجية السنة لتوقف الأدلة على عصمة رسول الله ﷺ بحسب شهادة: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". "انظر فواتح الرحموت ٢/ ٩٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٠، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، إرشاد الفحول ص ٣٤، المنخول ص ٢٢٣". ٤ في ض: المعصية. وهو تحريف. ٥ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٩٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٠. ٦ انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، التعريفات ص ١٥٦، إرشاد الفحول ص ٣٤.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْعِصْمَةُ خَلْقُ أَلْطَافٍ تُقَرِّبُ إلَى الطَّاعَةِ. وَلَمْ يَرُدُّوهَا إلَى الْقُدْرَةِ ١لأَنَّ الْقُدْرَةَ٥ عِنْدَهُمْ عَلَى الشَّيْءِ صَالِحَةٌ لِضِدِّهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ: لا تُطْلَقُ الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ إلاَّ بِقَرِينَةِ إرَادَةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ السَّلامَةُ مِنْ الشَّيْءِ. وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي "الرِّسَالَةِ" "وَأَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ" ٢ وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٣.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ السَّلامَةَ أَعَمُّ مِنْ وُجُوبِ السَّلامَةِ. فَقَدْ تُوجَدُ السَّلامَةُ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ٤ وَالْمَلَكِ اتِّفَاقًا لا وُجُوبًا. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ٥ فِي كِتَابِهِ "الإِيضَاحُ فِي الْجَدَلِ": الْعِصْمَةُ حِفْظُ الْمَحَلِّ بِالتَّأْثِيمِ وَالتَّضْمِينِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ الرسالة ص ١٠٢. ٣ انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٢٩، ٣٣٤. ٤ في ض ب: النبي ﷺ. ٥ هو يوسف بن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد التيمي البكري القرشي البغدادي، أبو محمد وأبو المحاسن ابن الجوزي، محيي الدين، العلامة الفاضل، الفقيه الأصولي، الواعظ الشهيد. كان كثير المحفوظ، قوي المشاركة في العلوم، وافر الحشمة. اشتغل بالفقه والخلاف والأصول، وبرع في ذلك، وكان أشهر فيها من والده. تولى الأعمال الجليلة، وأرسله الخليفة إلى ملوك الأطراف، وأنشأ مدرسة بدمشق، وهي المعروفة بالجوزية، ووقف عليها أوقافًا كثيرة، وكذلك فعل في بغداد، وله مصنفات كثيرة، منها: "معادن الإبريز في تفسير الكتاب العزيز"، و"المذهب الأحمد في مذهب أحمد"، و"الإيضاح في الجدل". قتل صبرًا بسيف الكفار التتار شهيدًا مع أبنائه الثلاثة سنة ٦٥٦هـ. انظر ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٨، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٨٠، شذرات الذهب ٥/ ٢٨٦، هدية العارفين ٦/ ٥٥٥".
[ ٢ / ١٦٨ ]
"وَلا يَمْتَنِعُ١ عَقْلًا" أَيْ فِي تَصَوُّرِ الْعَقْلِ "مَعْصِيَةٌ" أَيْ صُدُورُ مَعْصِيَةٍ مِنْ النَّبِيِّينَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَامْتِنَاعُهَا عَقْلًا "قَبْلَ الْبَعْثَةِ" مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ. فَمَنْ أَثْبَتَهُ - كَالرَّوَافِضِ - مَنَعَهَا لِلتَّنْفِيرِ فَتُنَافِي٢ الْحِكْمَةَ. وَقَالَتْهُ٣ الْمُعْتَزِلَةُ: فِي الْكَبَائِرِ. وَمَنْ نَفَى التَّقْبِيحَ الْعَقْلِيَّ لَمْ يَمْنَعْهَا٤.
"وَ" كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ فَهُوَ "مَعْصُومٌ بَعْدَهَا" أَيْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ "مِنْ تَعَمُّدِ مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ" فِيهِ "مِنْ رِسَالَةٍ٥ وَتَبْلِيغٍ" إجْمَاعًا. حَكَاهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ٦.
فَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الأَحْكَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا؛ لأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهَا. فَلَوْ جَازَ كَذِبُهُمْ فِيهَا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ٧ الْمُعْجِزَةِ٨.
_________________
(١) ١ في ض: تمتنع. ٢ في ز: فتتنافى. ٣ في ش ب ز: وقالت. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٩، ١٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٧، ٩٨، ١٠٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٠، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، المنخول ص ٢٢٣ وما بعدها، الشفاء ٢/ ١٥٧، إرشاد الفحول ص ٣٥، شرح الأصول الخمسة ص ٣٧٥. ٥ في ض ع: رسالته. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٨، تيسير التحرير ٣/ ٢١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، الشفاء ٢/ ١٢٢، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٣٠، أصول الدين للبغدادي ص ١٦٨، الإرشاد للجويني ص ٣٥٨. ٧ في ع: دلالته. ٨ انظر: الإحكام ١/ ١٧٠، تيسير التحرير ٣/ ٢١، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٢٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، إرشاد الفحول ص ٣٤، المنخول ص ٢٢٣.
[ ٢ / ١٦٩ ]
"وَلا يَقَعُ" مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ لا "غَلَطًا وَ" لا "سَهْوًا" عِنْدَ الأَكْثَرِ١.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "وَأَمَّا الْكَذِبُ غَلَطًا. فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي - يَعْنِي الْبَاقِلاَّنِيَّ - وَمَنَعَهُ الْبَاقُونَ، لِمَا مَرَّ مِنْ دَلالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ٢".
وَ٣قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": وَلِلْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ غَلَطًا وَنِسْيَانًا قَوْلانِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ هَلْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِيهَا؟ وَاخْتَلَفَ فِيهِ كَلامُ ابْنِ عَقِيلٍ اهـ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ دَلالَةَ الْمُعْجِزَةِ: هَلْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ مُطْلَقًا فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، أَوْ مَا دَلَّتْ إلاَّ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْهُمْ عَمْدًا٤؟
وَتَأَوَّلَ مَنْ مَنَعَ الْوُقُوعَ الأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي سَهْوِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّشْرِيعَ٥. كَمَا فِي حَدِيثِ "وَلَكِنْ أُنَسَّى" ٦ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٣٩، تيسير التحرير ٣/ ٢١، المستصفى ٢/ ٢١٤، الشفاء ٢/ ١٣٠، المنخول ص ٢٢٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، غاية الوصول ص ٩١، إرشاد الفحول ص ٣٤. ٢ شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، وانظر: حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، تيسير التحرير ٣/ ٢١. ٣ ساقطة من ض ب ع. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٠، تيسير التحرير ٣/ ٢١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، الشفا ٢/ ١٦٠، الإرشاد للجويني ص ٣٥٦. ٥ انظر أقوال العلماء في جواز السهو وعدمه من النبي ﷺ والقصد منه أو تأوله في "نيل الأوطار ٣/ ١٢٤-١٢٥، غاية الوصول ص ٩١، الشفاء ٢/ ١٢٨، ١٥٨، المسودة ص ١٩٠". ٦ رواه الإمام مالك بلفظ: "إني لأنسى أو أُنْسى لأَسُنَّ". قال الحافظ ابن حجر: "إن هذا الحديث لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد". "فتح الباري ٣/ ٦٥". وقال ابن عبد البر: "لا أعلم هذا الحديث روي عن النبي ﷺ مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول". "انظر: الموطأ ١/ ١٠٠، نيل الأوطار ٣/ ١٢٥".
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ١ هَذَا بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيَقَعَ النِّسْيَانُ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ خَطَأٌ، لِتَصْرِيحِهِ ﷺ بِالنِّسْيَانِ فِي قَوْلِهِ: "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ. فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي" ٢. وَلأَنَّ الأَفْعَالَ الْعَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلاةَ. وَالْبَيَانُ كَافٍ بِالْقَوْلِ. فَلا ضَرُورَةَ إلَى الْفِعْلِ٣. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ٤ وَغَيْرُهُ الْخِلافَ فِي الأَفْعَالِ، وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الأَقْوَالِ الْبَلاغِيَّةِ إجْمَاعًا٥. وَمَعْنَاهُ لابْنِ عَقِيلٍ، فِي الإِرْشَادِ. فَإِنَّهُ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ لَمْ يُعْصَمُوا مِنْ الأَفْعَالِ فِي نَفْسِ الأَدَاءِ. فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْكَذِبُ فِي
_________________
(١) ١ في ز ض ب ع: يعبر في. ٢ هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن ابن مسعود مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٨٢، صحيح مسلم ١/ ٤٠٠، سنن أبي داود ١/ ١٣٣، سنن النسائي ٣/ ٢٤، سنن ابن ماجه ١/ ٣٨٠، ٣٨٢، مسند أحمد ١/ ٤٥٥، نيل الأوطار ٣/ ١٣٣". ٣ انظر: المسودة ص ١٩٠، إرشاد الفحول ص ٣٥. ٤ هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، أبو الفضل اليحصبي السبتي، القاضي، عالم المغرب، الحافظ. وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء والفطنة والفهم. تفقه وصنف التصانيف التي سارت بها الركبان، وبعُد صيته، وكان إمام أهل الحديث في وقته، وأعلم الناس بعلوم الحديث والنحو والأصول واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم. ولي قضاء سبتة ثم غرناطة. ومن مؤلفاته: "الشفاء"، "وطبقات المالكية"، "وشرح صحيح مسلم"، "والتاريخ"، و"المشارق"، و"الإعلام بحدود قواعد الإسلام"، و"الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع". توفي سنة ٥٤٤هـ بمراكش. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ٢/ ٤٦، طبقات المفسرين ٢/ ١٨، إنباه الرواة ٢/ ٣٦٣، شجرة النور الزكية ص ١٤٠، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٠٤، تهذيب الأسماء ٢/ ٤٣، وفيات الأعيان ٣/ ١٥٢، طبقات الحفاظ ص ٤٦٨، بغية الملتمس ص ٤٢٥". وفي ب: وعياض. ٥ الشفاء للقاضي عياض ٢/ ١٦٠. وانظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٢٩، نهاية الإقدام ص ٤٤٥، إرشاد الفحول ص ٣٥، المسودة ص ١٩٠.
[ ٢ / ١٧١ ]
الأَقْوَالِ فِيمَا يُؤَدُّونَهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا فِيمَا شَرَعَهُ مِنْ الأَحْكَامِ عَمْدًا وَلا سَهْوًا وَلا نِسْيَانًا١.
وَمَنْ قَالَ بِالْوُقُوعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لا يُقَرُّ عَلَيْهِ إجْمَاعًا٢. "وَ" أَمَّا "مَا لا يُخِلُّ" بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَةُ "فَ" هُوَ مَعْصُومٌ فِيهِ "مِنْ" وُقُوعِ "كَبِيرَةٍ" إجْمَاعًا، وَلا عِبْرَةَ بِخِلافِ الْحَشْوِيَّةِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ٣.
"وَ" كَذَا هُوَ مَعْصُومٌ مِنْ فِعْلِ "مَا يُوجِبُ خِسَّةً أَوْ إسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا ٤".
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ.
قُلْت: بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ. اهـ.
_________________
(١) ١ انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٢٩، المستصفى ٢/ ٢١٤. ٢ انظر: المسودة ص ١٩٠، الفصل في الملل والنحل ٣/ ٣، التوضيح على التنقيح ٢/ ١٤ طبع الميمنية، إرشاد الفحول ص ٣٥. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٣٩، كشف الأسرار ٣/ ١٩٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٨، المستصفى ٢/ ٢١٣، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، تيسير التحرير ٣/ ٢١، المنخول ص ٢٢٣، إرشاد الفحول ص ٣٣، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٣٠، أصول الدين للبغدادي ص ١٦٨. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٩، أصول السرخسي ٢/ ٨٦، تيسير التحرير ٣/ ٢١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، الشفاء ٢/ ١٥٤، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٣٠، أصول الدين للبغدادي ص ١٦٨، الإرشاد للجويني ص ٣٥٦، المستصفى ٢/ ٢١٣، إرشاد الفحول ص ٣٤، غاية الوصول ص ٩١.
[ ٢ / ١٧٢ ]
١وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ ذَلِكَ سَهْوًا فَفِيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ٢. وَاخْتَلَفَ كَلامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَفِي وَجْهٍ سَهْوًا٣" أَنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَهْوًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى٣.
وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تُوجِبُ خِسَّةً وَلا إسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. فَفِيهِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ٤.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. وفي ب زيادة من أصحابنا. وابن أبي موسى هو محمد بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أبي موسى الهاشمي، أبو علي الحنبلي البغدادي، صاحب التصانيف، انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان رئيسًا رفيع القدر، بعيد الصيت، له المكانة العليا عند الخليفتين القادر بالله والقائم بأمر الله. صنف "الإرشاد"، و"شرح كتاب الخرقي". توفي سنة ٤٢٨ هـ، وله ابن أخ أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أبي موسى، وكان علامة، وعند الإطلاق فالمراد الأول. انظر ترجمته في "المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٩، طبقات الحنابلة ٢/ ١٨٢، المنهج الأحمد ٢/ ١٢٦، شذرات الذهب ٢/ ٢٣٨". ٢ وهو رأي الرازي وابن حزم والحنفية وأكثر العلماء. "انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢١، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٣٠، الإحكام للآمدي ١/ ١٧١، فواتح الرحموت ٢/ ٩٩، المسودة ص ١٨٨، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢-٣، أصول الدين للبغدادي ص ١٦٨، المستصفى ٢/ ٢١٤، إرشاد الفحول ص ٣٤". ٣ في ب ع: وسهوًاَ. ٤ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٣٩، كشف الأسرار ٣/ ١٩٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٩، تيسير التحرير ٣/ ٢١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، المستصفى ٢/ ٢١٣، الإرشاد للجويني ص ٣٥٦، المسودة ص ١٨٨، إرشاد الفحول ص ٣٤، المنخول ص ٢٢٣.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَمِنْ صَغِيرَةٍ مُطْلَقًا" عَدَمُ الْجَوَازِ١، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ: يَجُوزُ الْهَمُّ لا الْفِعْلُ.
وَمَنَعَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الذَّنْبِ٢ مُطْلَقًا، كَبِيرًا أَوْ٣ صَغِيرًا، عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، أَخَلَّ بِصِدْقِهِ أَوْ لا٤، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْمَعَالِي فِي "الإِرْشَادِ٥" وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَأَبِي بَكْرٍ "وَ" ٦
_________________
(١) ١ وهو قول الحنفية. قال ابن عبد الشكور: "وهو الحق، فإن صغيرتهم كبيرة". "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٩٩، كشف الأسرار ١/ ١٩٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٣٣٠، نهاية الإقدام ص ٤٤٥، تيسير التحرير ٣/ ٢١، إرشاد الفحول ص ٣٤". ٢ في ز: الكذب. ٣ في ض ب: و. ٤ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٣٩، كشف الأسرار ١/ ١٩٩، ٢٠٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٥، إرشاد الفحول ص ٣٤. ٥ يظهر أن رأي الإمام الجويني يخالف المنقول عنه هنا، لأنه قال في "الإرشاد ص ٣٥٦": "وأما الذنوب المعدودة من الصغائر، على تفصيل سيأتي الشرح عليه، فلا تنفيها العقول، ولم يقم عندي دليل قاطع سمعي على نفيها، ولا على إثباتها قلنا: الأغلب على الظن عندنا جوازها، وقد شهدت أقاصيص الأنبياء في آي من كتاب الله تعالى على ذلك". وهذا يبين أن الإمام أبا المعالي الجويني يرى أن العقل لا ينفيها، وأن غلبة الظن في السمع بالجواز، والله أعلم. "انظر: الإرشاد ص ٣٥٦ وما بعدها". ٦ الواو إضافة ضرورية، لأن أبا بكر بن مجاهد أحمد بن موسى بن العباس، المتوفى سنة ٣٢٤هـ من القراء، ولأن المصنف نقل ذلك عن ابن حزم، وابن حزم يصرح بأن القول "لابن مجاهد شيخ ابن فُوْرك". وهو أبو عبد الله الطائي، المتكلم الأصولي، ولم يذكر في ترجمة أبي بكر بن مجاهد أقوال في الكلام والأصول. "انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٥٧، طبقات القراء ١/ ١٣٩، شذرات الذهب ٢/ ٣٠٢، معرفة القراء الكبار ١/ ٢١٦".
[ ٢ / ١٧٤ ]
ابْنِ مُجَاهِدٍ١ وَابْنِ فُورَكٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ٢ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ٣"، وَابْنِ حَزْمٍ٤ وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي "الأَوْسَطِ". وَنَقَلَهُ فِي "الْوَجِيزِ" عَنْ اتِّفَاقِ الْمُحَقِّقِينَ. وَحَكَاهُ فِي "زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ" عَنْ الْمُحَقِّقِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ٥: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَتْحِ
_________________
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي المالكي، أبو عبد الله. وهو بصري الأصل، وسكن بغداد ودرس فيها وأخذ عن القاضي التستري، وصحب أبا الحسن الأشعري. وكان فقيهًا حافظًا متكلمًا أصوليًّا، زاهدًا وورعًا. وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلاني علم الكلام والحديث. له مؤلفات في "الأصول" على مذهب مالك، "ورسالة" في العقائد، و"هداية المستبصر ومعونة المستنصر". توفي سنة ٣٧٠ هـ. وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ٢/ ٢١٠، شجرة النور الزكية ص ٩٢، تاريخ بغداد ١/ ٣٤٣، تبيين كذب المفتري ص ١٧٧، الفتح المبين ١/ ٢١٣". ٢ في ش: عن. ٣ النقل عن ابن حزم غير دقيق، لأنه نقل قول ابن فورك بجواز الصغائر حالة العمد فقط، فقال: "لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلًا، وجوزوا الصغائر بالعمد، وهو قول ابن فُورَك الأشعري". ثم قال ابن حزم: "لا يجوز أن يقع من نبي أصلًا معصية بعمد لا صغيرة ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فُورَك". ثم قال ابن حزم: "وهذا القول الذي ندين الله تعالى به". "الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢". ٤ يرى ابن حزم ﵀ أنه لا يجوز أن يقع من نبي أصلًا معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة، ويقول: "إنه يقع من الأنبياء السَّهْو من غير قصد". "الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢-٣". ٥ هو الحسين بن محمد بن أحمد المروذي، أبو علي الفقيه الشافعي، المعروف بالقاضي، كان إمامًا كبيرًا وصاحب وجه في مذهب الشافعي، وإذا أطلق القاضي في الفقه الشافعي فهو المقصود. صنف في الأصول والفروع والخلاف. ويقال له: حبر الأمة وحبر المذهب. له "التعليق الكبير". وهو كثير الفروع والفوائد. توفي سنة ٤٦٢ هـ بمروروذ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٣٥٦، تهذيب الأسماء ١/ ١٦٤، وفيات الأعيان ١/ ٤٠٠، شذرات الذهب ٣/ ٣١٠، طبقات العبادي ص ١١٢".
[ ٢ / ١٧٥ ]
الشِّهْرِسْتَانِيّ١، وَابْنِ عَطِيَّةَ الْمُفَسِّرِ٢، وَشَيْخِ الإِسْلامِ الْبُلْقِينِيِّ٣، وَالسُّبْكِيِّ وَوَلَدِهِ التَّاجِ٤.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني. كان إمامًا مبرزًا فقيهًا متكلمًا أصوليًّا، برع في الفقه، وتفرد في علم الكلام، وكان كثير المحفوظ، حسن المحاورة، يعظ الناس، شافعي المذهب. ومن مصنفاته: "نهاية الإقدام في علم الكلام"، والملل والنحل"، و"المناهج والبيان"، و"المضارعة"، و"تلخيص الأقسام لمذاهب الأعلام". توفي سنة ٥٤٨هـ، وقيل ٥٤٩هـ. انظر في ترجمته "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٦/ ١٢٨، وفيات الأعيان ٣/ ٤٠٣، شذرات الذهب ٤/ ١٤٩". ٢ هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية، أبو محمد الغرناطي القاضي، الإمام الكبير. كان فقيهًا عالمًا بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب. وكان غاية في الدهاء والذكاء وطلب العلم. ألف كتابه "الوجيز في التفسير"، وهو أصدق شاهد على إمامته في العربية وغيرها. وألف "البرنامج" الذي ضمنه مروياته وأسماء شيوخه. تولى القضاء وعدل فيه. توفي سنة ٥٤٠هـ بمدينة لورقة. انظر ترجمته في "طبقات المفسرين ١/ ٢٦٠، الديباج المذهب ٢/ ٥٧، شجرة النور الزكية ص ١٢٩، بغية الملتمس ص ٣٧٦، بغية الوعاة ٢/ ٧٣". ٣ هو عمر بن رسلان بن نصير البلقيني الكناني العسقلاني الشافعي، سراج الدين، الحافظ المحدث الفقيه الأصولي. كان أعجوبة زمانه حفظًا واستذكارًا، وفاق الأقران، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد. وقيل: إنه مجدد القرن التاسع، وانفرد برئاسة العلماء، ولقب بشيخ الإسلام. تولى الإفتاء والقضاء بدمشق. وله مؤلفات كثيرة، منها: "التدريب" في الفقه، وتصحيح المنهاج في الفقه ستة مجلدات، و"الملمات برد المهمات" في الفقه، و"محاسن الإصلاح" في الحديث، و"شرح البخاري"، و"شرح الترمذي"، ومنهج الأصلين في مسائل أصول الدين وأصول الفقه. توفي سنة ٨٠٥ هـ بالقاهرة. انظر ترجمته في "الضوء اللامع ٦/ ٨٥، طبقات المفسرين ٢/ ٣، طبقات الحفاظ ص ٥٣٨، الفتح المبين ٣/ ١٠، حسن المحاضرة ١/ ٣٢٩، البدر الطالع ١/ ٥٠٦، ذيل تذكرة الحفاظ ٢٠٦، ٣٦٩، شذرات الذهب ٧/ ٥١". ٤ انظر: جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ٩٥، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٣٤، الشفاء للقاضي عياض ٢/ ١٦٠.
[ ٢ / ١٧٦ ]
فَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ ﷺ وَلِسَائِرِ١ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَبِيرٍ أَوْ٢ صَغِيرٍ. عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا فِي الأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا لأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَآثَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ عَلَى الإِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَرِينَةٍ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، تَعَاضَدَتْ الأَخْبَارُ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ النَّقَائِصِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتُهُمْ عَلَى كَمَالِ أَوْصَافِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا، عَلَى الْخِلافِ فِي ذَلِكَ، وَلا سِيَّمَا فِيمَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِيمَا يُنَافِي الْمُعْجِزَةَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَوْلُهُ ﷺ: "إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً" ٣، إنَّمَا هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ٤ إلَى أَرْفَعَ مِنْهَا، لِتَزَايُدِ عُلُومِهِ وَاطِّلاعِهِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. فَهُوَ يَتُوبُ مِنْ الْمَنْزِلَةِ الأُولَى إلَى الأُخْرَى. وَالتَّوْبَةُ هُنَا ُغَوِيَّةٌ٥. اهـ.
_________________
(١) ١ في ض: وسائر. ٢ في ز: و. وفي ض: صغير أو كبير. ٣ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن أبي هريرة والأغر المزني وأنس. والمراد بالسبعين التكثير لا التحديد. وفي رواية: "مائة مرة". والقصد أن يكون دائم الحضور. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ٩٩، صحيح مسلم ٤/ ٢٠٧٥، سنن أبي داود ١/ ٣٤٨، تحفة الأحوذي ٩/ ١٤٣، سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٥٤، مسند أحمد ٤/ ٢١١، سنن الدارمي ٢/ ٣٠٢، فيض القدير ٦/ ٣٥٩". ٤ في ع: حالته. ٥ وهو رأي الشوكاني. انظر: "إرشاد الفحول ص ٣٥".
[ ٢ / ١٧٧ ]