"الظَّاهِرِ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ خِلافُ الْبَاطِنِ١، وَهُوَ "الْوَاضِحُ" الْمُنْكَشِفُ.
وَمِنْهُ ظَهَرَ٢ الأَمْرُ: إذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ٣، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الشَّاخِصِ الْمُرْتَفِعِ٤، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الأَشْخَاصِ: هُوَ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي تَبَادَرُ إلَيْهِ الأَبْصَارُ كَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي.
"وَ" الظَّاهِرُ "اصْطِلاحًا"٥ أَيْ فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ٦ "مَا" أَيْ لَفْظٌ "دَلَّ دَلالَةً ظَنِّيَّةً وَضْعًا٧" كَأَسَدٍ "أَوْ عُرْفًا" كَغَائِطٍ٨.
_________________
(١) ١ لسان العرب ٤/٥٢٣. ٢في ش ز: ظهور. ٣ معجم مقاييس اللغة ٣/٤٧١، المصباح المنير ١/٤٥٩. ٤ لسان العرب ٤/٥٢٤. ٥ انظر تعريفات الأصوليين للظاهر في "المسودة ص٥٧٤، البرهان ١/٤١٦، الإشارات للباجي ص٨، العدة ١/١٤٠، الحدود للباجي ص٤٣، التعريفات للجرجاني ص٧٦، شرح العضد ٢/١٦٨، تيسير التحرير ١/١٣٦، أدب القاضي للماوردي ١/٦١٦، الإحكام للآمدي ٣/٥٢، الآيات البينات ٣/٩٨، حاشية البناني ٢/٥٢، فتح الغفار ١/١١٢، إرشاد الفحول ص١٧٥، التلويح على التوضيح ١/١٢٤، كشف الأسرار ١/٤٦، المستصفى ١/٣٨٤، فواتح الرحموت ٢/١٩، روضة الناظر ص١٧٨، مختصر الطوفي ص٤٢، شرح تنقيح الفصول ص٣٧، اللمع ص٢٧، أصول السرخسي ١/١٦٣، شرح الحطاب على الورقات ص١١٢". ٦ في ش ز: علماء الأصول. ٧ في ش: وصفًا. ٨ أي للخارج المستقذر إذ غلب فيه بعد أن كان في الأصل للمكان المطمئن من الأرض. "شرح العضد ٢/١٦٨".
[ ٣ / ٤٥٩ ]
فَالظَّاهِرُ الَّذِي يُفِيدُ مَعْنًى مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، فَبِسَبَبِ ضَعْفِهِ خَفِيَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ اللَّفْظُ لِدَلالَتِهِ١ عَلَى مُقَابِلِهِ -وَهُوَ الْقَوِيُّ- ظَاهِرًا.
كَالأَسَدِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ مَجَازًا، لَكِنَّهُ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ٢.
وَالْكَلامُ فِي دَلالَةِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لِيَخْرُجَ الْمُجْمَلُ مَعَ الْمُبَيَّنِ؛ لأَنَّهُ -وَإِنْ أَفَادَ مَعْنًى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ- فَإِنَّهُ لا يُسَمَّى مِثْلُهُ نَصًّا.
"وَالتَّأْوِيلُ لُغَةً: الرُّجُوعُ" وَهُوَ مِنْ آلَ يَئُولُ: إذَا رَجَعَ٣.وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ٤ أَيْ طَلَبَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ أَوَّلْت الشَّيْءَ، أَيْ٥ فَسَّرْته، مِنْ آلَ إذَا رَجَعَ٦؛ لأَنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى ذَلِكَ الَّذِي آلَ إلَيْهِ فِي دَلالَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ ٧ أَيْ مَا يَئُول إلَيْهِ بَعْثُهُمْ٨ وَنُشُورُهُمْ٩.
وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ "التَّأْوِيلُ" فِي الْمَعَانِي وَأَكْثَرُهُ فِي الْجُمَلِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ "التَّفْسِيرُ" فِي الأَلْفَاظِ، وَأَكْثَرُهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ.
"وَ" التَّأْوِيلُ "اصْطِلاحًا: حَمْلُ" مَعْنًى "ظَاهِرِ" اللَّفْظِ١٠ "عَلَى" مَعْنًى
_________________
(١) ١ في ع: دلالة. ٢ في ز: ضعفه. ٣ لسان العرب ١١/٣٢، معجم مقاييس اللغة ١/١٥٩، المصباح المنير ١/٣٩. ٤ الآية ٧ من آل عمران. ٥ في ش: أي. ٦ لسان العرب ١١/٣٣. ٧ الآية ٥٣ من الأعراف. ٨ في ش: لغيهم. ٩ لسان العرب ١١/٣٣، معجم مقاييس اللغة ١/١٦٢. في ش: وتسورهم. ١٠ في ض ب ش: اللفظ.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
"مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ"١.
وَهَذَا يَشْمَلُ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ.
"وَزِدْ٢" فِي الْحَدِّ "لِصَحِيحِهِ٣" أَيْ إنْ أَرَدْت أَنْ تَحِدَّ٤ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ -قَوْلَك "بِدَلِيلٍ" أَيْ حَمْلَهُ بِدَلِيلٍ "يُصَيِّرُهُ" أَيْ يُصَيِّرُ الْحَمْلَ "رَاجِحًا" عَلَى مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ، فَيَصِيرُ٥ حَدُّ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ: حَمْلَ ظَاهِرٍ عَلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يَصِيرُ رَاجِحًا.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمْلَ بِلا دَلِيلٍ مُحَقَّقٍ، لِشَبَهٍ٦ يُخَيَّلُ لِلسَّامِعِ أَنَّهَا دَلِيلٌ وَ٧عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَضْمَحِلُّ، يُسَمَّى٨ تَأْوِيلًا فَاسِدًا، وَأَنَّ حَمْلَ مَعْنَى اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ لا يُسَمَّى تَأْوِيلًا، وَكَذَا حَمْلُ "الْمُشْتَرَكِ" وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُتَسَاوِي٩ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْهِ أَوْ مَحَامِلِهِ لِدَلِيلٍ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا:
"فَإِنْ قَرُبَ" التَّأْوِيلُ "كَفَى١٠ أَدْنَى مُرَجِّحٍ" نَحْوَ قَوْلِهِ ﷾:
_________________
(١) ١انظر تعريفات الأصوليين للتأويل في "كشف الأسرار ١/٤٤، المستصفى ١/٣٨٧، إرشاد الفحول ص١٧٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٣، الآيات البينات ٣/٩٩، الإحكام للآمدي ٣/٥٢، تيسير التحرير ١/١٤٤، شرح العضد ٢/١٦٩، التعريفات للجرجاني ص٢٨، البرهان ١/٥١١، الحدود للباجي ص٤٨". ٢ في ش: ورد. ٣ في ش: تصحيحه. ٤ في ش: بجد. وفي ب: أن تجد. ٥ في ض: فيكون. ٦ في ش ز: بل لنسبة. وفي ع: لشانه بل. ٧ساقطة من ش. ٨في ش ز: تسمى. ٩ في ز: التساوي. ١٠ في ش: كعن.
[ ٣ / ٤٦١ ]
﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ﴾ ١ أَيْ إذَا عَزَمْتُمْ عَلَى الْقِيَامِ.
"وَإِنْ بَعُدَ" التَّأْوِيلُ مِنْ الإِرَادَةِ؛ لِعَدَمِ قَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ حَالِيَّةٍ، أَوْ مَقَالِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ "افْتَقَرَ" فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَصَرْفِهِ عَنْ الظَّاهِرِ "إلَى أَقْوَى" مُرَجِّحٍ.
"وَإِنْ تَعَذَّرَ" الْحَمْلُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ "رُدَّ" التَّأْوِيلُ وُجُوبًا.
"فَمِنْ" التَّأْوِيلِ "الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﷺ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ "اخْتَرْ" وَفِي لَفْظٍ: "أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" ٢ عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، أَوْ إمْسَاكِ الأَوَائِلِ" أَيْ ابْتِدَاءِ نِكَاحِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ مَعًا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ مُتَفَرِّقَاتٍ عَلَى إمْسَاكِ الأَرْبَعِ الأَوَائِلِ٣.
وَوَجْهُ٤ بُعْدِهِ أَنَّ٥ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِالإِسْلامِ لَمْ يُخَيِّرْهُ، وَقَدْ خَيَّرَهُ وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدَ السَّمَاعِ مِنْ الإِمْسَاكِ: الاسْتِدَامَةُ٦، وَالسُّؤَالُ وَقَعَ عَنْهُ وَخَصَّ التَّزْوِيجَ فِيهِنَّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ شُرُوطَ النِّكَاحِ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، لِقُرْبِ إسْلامِهِ.
وَأَيْضًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، وَلا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ: أَنَّهُ جَدَّدَ النِّكَاحَ
_________________
(١) ١ الآية ٦ من المائدة. ٢ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني البيهقي والحاكم. "انظر بذل المجهود ١٠/٣٧٨، عارضة الأحوذي ٥/٦٠، سنن ابن ماجه ١/٦٢٨، سنن الدارقطني ٣/٢٦٩، سنن البيهقي ٧/١٨١، المستدرك ٢/١٩٣". ٣ انظر تيسير التحرير ١/١٤٥، فواتح الرحموت ٢/٣١، الإحكام للآمدي ٣/٥٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٣، الآيات البينات ٣/١٠٠، شرح العضد ٢/١٦٩، المستصفى ١/٣٩٠، البرهان ١/٥٣١، روضة الناظر ص١٧٨، مختصر الطوفي ص٤٢. ٤ في ش: ووجهه. ٥ في ش: فإن. وفي ع ض ب: بأن. ٦ في ز: والاستدامة.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
وَأَيْضًا فَالابْتِدَاءُ مُحْتَاجٌ١ إلَى رِضَى مَنْ يَبْتَدِيهَا وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَارِقْ الْكُلَّ وَابْتُدِئَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شِئْت، فَيُضَيِّعُ قَوْلَهُ "اخْتَرْ أَرْبَعًا"؛ لأَنَّهُ قَدْ لا يَرْضَيْنَ٢ أَوْ بَعْضُهُنَّ.
وَأَيْضًا الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الأَصْلِ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لا تَأْوِيلَ فِيهِ وَلَوْ صَحَّ عِنْدِي لَقُلْت بِهِ.
"وَأَبْعَدُ مِنْهُ" أَيْ مِنْ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ تَأْوِيلُهُمْ "قَوْلَهُ ﷺ لِمَنْ أَسْلَمَ عَنْ٣ أُخْتَيْنِ "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا ٤ شِئْت" عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ"٥ يَعْنِي عَلَى ابْتِدَاءِ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، أَوْ إمْسَاكِ الأُولَى مِنْهُمَا، إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ٦.
وَإِنَّمَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لأَنَّ النَّافِيَ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الأَوَّلِ: هُوَ الأَمْرُ الْخَارِجُ عَنْ اللَّفْظِ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْحَالِ، وَهُنَا انْضَمَّ إلَى شَهَادَةِ الْحَالِ مَانِعٌ
_________________
(١) ١ في شك محتاج. ٢ في ش: لا يرضينه. ٣ في ش: عن. ٤ أخرجه بهذا اللفظ الترمذي من حديث فيروز الديلمي ﵁"عارضة الأحوذي ٥/٦٣" وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والبيهقي عن فيروز الديلمي أيضًا بلفظ "طلق أيتهما شئت". وفي رواية أخرى للدارقطني والبيهقي عن فيروز الديلمي قال: أسلمت وتحتي أختان، فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسك أيتهما شئت، وأفارق الأخرى. "انظر بذل المجهود ١٠/٣٨٤، سنن ابن ماجه ١/٦٢٧، سنن الدارقطني ٣/٢٧٣، سنن البيهقي ٧/١٨٤". ٥ انظر تيسير التحرير ١/١٤٥، فواتح الرحموت ٢/٢١، الإحكام للآمدي ٣/٥٥، شرح العضد ٢/١٦٩، البرهان ١/٥٣١، المستصفى ١/٣٩٠. ٦ في ش: متفرقتين.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
لَفْظًا١وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ٢ نِكَاحِهِمَا عَلَى التَّرْتِيبِ تَعْيِينَ الأُولَى لِلاخْتِيَارِ وَ٣لَفْظُ "أَيَّتَهُمَا شِئْت" يَأْبَاهُ.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَأْوِيلٌ ثَالِثٌ فِي الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ لَعَلَّهُ٤ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَانَ٥ قَبْلَ حَصْرِ النِّسَاءِ فِي أَرْبَعٍ، وَقَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا٦ سَبَقَ.
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا " إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا" ٧ مِنْ قَوْلِهِ ﷾: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ٨ "عَلَى إطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ".
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: لَوْ رَدَّدَهَا الْمُخْرِجُ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَتْهُ.
قَالُوا: لأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ وَدَفْعُ حَاجَةِ سِتِّينَ كَحَاجَةِ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا، فَجَعَلُوا الْمَعْدُومَ -وَهُوَ: طَعَامٌ "٩- مَذْكُورًا مَفْعُولًا بِهِ، وَالْمَذْكُورُ -وَهُوَ قَوْلُهُ "سِتِّينَ"- مَعْدُومًا لَمْ يَجْعَلُوهُ مَفْعُولًا بِهِ، مَعَ ظُهُورِ قَصْدِ الْعَدَدِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وَتَضَافُرِهِمْ١٠ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ، وَهَذَا لا يُوجَدُ فِي الْوَاحِدِ.
_________________
(١) ١ في ع: لفظ. ٢ في ش: تقدير. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: لعله. ٥ ساقطة من ش ض. ٦ في ش: لما. ٧ الآية ٤ من المجادلة. ٨ انظر "المستصفى ١/٤٠٠، الآيات البينات ٣/١٠، تيسير التحرير ١/١٤٦، حاشية البناني ٢/٥٤، الإحكام للآمدي ٣/٥٧، شرح العضد ٣/١٦٩، فواتح الرحموت ٢/٢٤، البرهان ١/٥٥٥، أصول السرخسي ١/٢٣٩ وما بعدها". ٩ في ش: إطعام. ١٠ في ع ز ض ب: تظافرهم.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
وَأَيْضًا حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ، وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ شُرِعَتْ الْجَمَاعَةُ فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَيْضًا فَلا يَجُوزُ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى مِنْ النَّصِّ يَعُودُ عَلَيْهِ١ بِالإِبْطَالِ.
"وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِنْ التَّأْوِيلِ "تَأْوِيلُهُمْ" مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد٢ وَالتِّرْمِذِيِّ٣ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي الْغَنَمِ: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ عَلَى قِيمَتِهَا" ٤ أَيْ قِيمَةِ شَاةٍ٥.
قَالُوا: لأَنَّ انْدِفَاعَ الْحَاجَةِ كَمَا يَكُونُ بِالشَّاةِ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ.
وَهُوَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلانِ الأَصْلِ؛ لأَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لَمْ تَجِبْ الشَّاةُ فَعَادَ هَذَا الاسْتِنْبَاطُ عَلَى النَّصِّ بِالإِبْطَالِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُبْطِلُوا إخْرَاجَ الشَّاةِ بَلْ قَالُوا بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّاةِ وَقِيمَةِ الشَّاةِ وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ يَعُودُ بِالتَّعْمِيمِ، كَمَا فِي "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ" ٦ يَعُمُّ٧ فِي الْخِرَقِ٨ وَنَحْوِهَا، وَفِي "لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ
_________________
(١) ١ في ع: إليه. ٢ بذل المجهود ٨/٥٣. ٣ عارضة الأحوذي ٣/١٠٨. ٤ انظر المستصفى ١/٣٩٥، تيسير التحرير ١/١٤٦، الإحكام للآمدي ٣/٥٦، شرح العضد ٢/١٦٩، فواتح الرحموت ٢/٢٢. ٥ في ع: الشاة. ٦أخرجه مسلم والنسائي والترمذي عن سلمان ﵁ مرفوعًا، ولفظه "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار". وأخرجه النسائي وأبو داود عن عائشة ﵂ مرفوعًا بلفظ "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه ثلاثة أحجار فليستطب بها فإنها تجزئ عنه". "صحيح مسلم ١/٢٢٤، سنن النسائي ١/٣٨، عارضة الأحوذي ١/٣٢، بذل المجهود ١/٩٨". ٧ في ش: ليعمم. وفي ز: يعمم. ٨ في ض د: الخزف.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
غَضْبَانُ" ١ يَعُمُّ٢ فِي كُلِّ مَا يُشَوِّشُ الْفِكْرَ وَلا يَعُودُ بِالإِبْطَالِ.
وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ الشَّارِعَ لَعَلَّهُ رَاعَى أَنْ يَأْخُذَ الْفَقِيرُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْغَنِيِّ فَيَتَشَارَكَانِ٣ فِي الْجِنْسِ فَتَبْطُلُ الْقِيمَةُ فَعَادَ بِالْبُطْلانِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَبَابُ الزَّكَاةِ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ التَّعَبُّدِ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ٤: وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيرُ "قِيمَةَ٥ شَاةٍ" يَكُونُ قَوْلُهُمْ بِإِجْزَاءِ الشَّاةِ لَيْسَ بِالنَّصِّ: بَلْ بِالْقِيَاسِ فَيَتْرُكُ الْمَنْصُوصَ ظَاهِرًا وَيَخْرُجُ، ثُمَّ يَدْخُلُ بِالْقِيَاسِ، فَهَذَا٦ عَائِدٌ بِإِبْطَالِ النَّصِّ لا مَحَالَةَ. اهـ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَبْعَدَ مِمَّا قَبْلَهُ: لأَنَّهُ٧ يَلْزَمُ أَنْ لا تَجِبُ الشَّاةُ٨ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكُلُّ فَرْعٍ اُسْتُنْبِطَ مِنْ أَصْلٍ يَبْطُلُ بِبُطْلانِهِ.
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد٩ وَالتِّرْمِذِيُّ١٠ وَابْنُ مَاجَهْ١١
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم عن أبي بكرة مرفوعًا. "انظر صحيح البخاري ٩/٨٢، صحيح مسلم ٣/١٣٤٣، سنن ابن ماجه ٢/٧٧٦، سنن الدارقطني ٤/٢٠٦، سنن النسائي ٨/٢٠٩، بذل المجهود ١٥/٢٦٦، عارضة الأحوذي ٦/٧٧، سنن البيهقي ١٠/١٠٥". ٢ في ش: ليعمم. وفي ع ب: يعمم. ٣ في ع: فيشتركان. ٤ في ش: البروي. ٥ في ز: وقيمة. ٦ في ش: يلزم. ٧ في ش: أنه. ٨ ساقطة من ض. ٩ بذل المجهود ١٠/٧٩. ١٠ عارضة الأحوذي ٥/١٣. ١١ سنن ابن ماجه ١/٦٠٥.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وَالدَّارَقُطْنِيّ١ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ٢ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" وَفِي رِوَايَةٍ "بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ". "عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ"٣.
وَوَجْهُ بُعْدِ هَذَا التَّأْوِيلِ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَيْسَتْ بِامْرَأَةٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَقَدْ أُلْزِمُوا بِسُقُوطِ هَذَا التَّأْوِيلِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا كَانَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا لا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
فَلَمَّا أُلْزِمُوا بِذَلِكَ فَرُّوا إلَى حَمْلِهِ عَلَى الأَمَةِ فَأُلْزِمُوا بِبُطْلانِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤: "فَلَهَا الْمَهْرُ" وَمَهْرُ الأَمَةِ إنَّمَا هُوَ٥ لِسَيِّدِهَا٦.
فَفَرُّوا مِنْ ذَلِكَ إلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَقِيلَ لَهُمْ: هُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لأَنَّ حَمْلَ صِيغَةِ الْعُمُومِ الصَّرِيحَةِ وَهِيَ "أَيْ"٧ الْمُؤَكَّدَةُ بِمَا مَعَهَا فِي قَوْلِهِ "أَيُّمَا" عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ لا تَخْطُرُ بِبَالِ الْمُخَاطَبِينَ غَالِبًا فِي غَايَةِ الْبُعْدُ.
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ" رَوَاهُ أَبُو
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني ٣/٢٢١. ٢ في ش: أنكحت. ٣ انظر "شرح العضد ٢/١٧٠، الإحكام للآمدي ٣/٥٨، فواتح الرحموت ٢/٢٥، روضة الناظر ص١٧٩، مختصر الطوفي ص٤٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٤، الآيات البينات ٣/١٠٢، تيسير التحرير ١/١٤٧، البرهان ١/٥١٧، المستصفى ١/٤٠٢". ٤ في تتمة الحديث: "فإن دخل بها، فلها المهر بما استحل من فرجها". انظر مراجع تخريج الحديث السابقة. ٥ ساقطة من ع. ٦ في ز: للسيد. ٧ ساقطة من ض.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
دَاوُد١ وَالتِّرْمِذِيُّ٢، وَالنَّسَائِيُّ٣ وَابْنُ مَاجَهْ٤ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى خِلافٍ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ "عَلَى" صَوْمِ "الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ"٥ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي صِحَّةِ الْفَرْضِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ٦.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَجَعَلُوهُ كَاللُّغْزِ فِي حَمْلِهِمْ الْعَامَّ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ فَإِنْ ثَبَتَ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْحُكْمِ٧ بِدَلِيلٍ -كَمَا قَالُوا - فَلْيُطْلَبْ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ عَنْ٨ هَذَا التَّأْوِيلِ٩ مِثْلُ نَفْيِ الْكَمَالِ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ١٠
_________________
(١) ١ بذل المجهود ١١/٣٣٠. ٢ عارضة الأحوذي ٣/٢٦٣. ٣ سنن النسائي ٤/١٦٦. ٤ سنن ابن ماجه ١/٥٤٢. ٥انظر: المستصفى ١/٤٠٩، تيسير التحرير ١/١٤٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٥، الآيات البينات ٣/١٢، البرهان ١/٥٢٥، الإحكام للآمدي ٣/٥٩، فواتح الرحموت ٢/٢٦، شرح العضد ٢/١٧١، روضة الناظر ص١٨٠، مختصر الطوفي ص٤٣. ٦ ساقطة من ع ض. ٧ وهو صحة صوم الفرض بنية النهار. ٨ في ش: من. ٩ انظر مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/١٦٩، ١٧١. ١٠ثم قال: "ولكنه مردود من وجهين. أحدهما: أنحمل اللفظ على نفي الكمال غير ممكن في القضاء والنذر، وهما من متضمنات الحديث، وإذا تعين حمل اللفظة على حقيقتها في بعض المسميات تعين ذلك في سائرها، فإن الإنسان الفصيح ذا الجد لا يرسل لفظة وهو يبغي حقيقتها من وجه ومجازها من وجه. فإن قالوا: ليس القضاء والنذر مقصودين كما ذكرتم. قلنا" نعم. ولكن الشاذ لا يعني باللفظ العام تخصيصًا واقتصارًا وانحصارًا عليه، ولا يمتنع أن يشمله العموم مع الأصول. والذي يحقق هذا أنه لو حمل لفظه على نوع من الصوم، ثم حمل فيه على نفي الكمال، لما كان اللفظ عامًا أصلًا، وكان مختصًا بنوع واحد، وهو من أعم الصيغ كما تقدم تقديره. والدليل عليه أن ما ذكروه من أن الرسول ﵇ لم يرد القضاء والنذر مذهبًا لذي مذهب، فإنه إذا امتنع قبول التأويل من غير دليل، فلأن يمتنع من غير مذهب أولى". "البرهان ١/٥٢٨".
[ ٣ / ٤٦٨ ]
"وَ" تَأْوِيلُهُمْ أَيْضًا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ١ وَابْنُ حِبَّانَ٢ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" عَلَى التَّشْبِيهِ٣ وَنَصَبُ٤ "ذَكَاةَ أُمِّهِ" عَلَى تَقْدِيرِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ، فَنُصِبَ عَلَى إسْقَاطِ الْخَافِضِ، وَهُوَ كَافُ التَّشْبِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَمْرُون٥: تَقْدِيرُهُمْ حَذْفُ الْكَافِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ قَوْلِك: زَيْدٌ٦ عَمْرًا، أَيْ كَعَمْرٍو وَأَيْضًا فَحَذْفُ حَرْفِ الْخَفْضِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى التَّوَسُّعِ فِيهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ وَقْتَ ذَكَاةِ أُمِّهِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ وَهَذَا دَلِيلُ الْجَمَاعَةِ؛ لأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَكُونُ وَقْتًا لِلأَوَّلِ إذَا أَغْنَى الْفِعْلُ الثَّانِي عَنْ الأَوَّلِ.
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٣/٣١، ٣٩، ٤٥، ٥٣. ٢ موارد الظمآن ص٢٦٥. ٣ أي مثل ذكاتها أو كذكاتها، فيكون المراد بالجنين "الحي" لحرمة الميت عند الإمام أبي حنيفة. انظر "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٥، الآيات البينات ٣/١٠٢" ٤ في ش: ونصبوا. ٥ هو محمد بن محمد بن علي بن عمرون الحلبي النحوي، أبو عبد الله، جمال الدين، قال الفيروزابادي: إمام في العربية، أقرأها مدة بحلب، وصنف "شرح المفصل ولم يتمه، توفي سنة ٦٤٩ هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/٢٣١، البلغة في تاريخ أئمة اللغة ص٢٤٦، طبقات النحاة واللغويين لابن قاض شهبة ص٢٥٤". ٦ في ش: زيدًا.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وَيُرَجِّحُ هَذَا التَّقْدِيرَ مُوَافَقَتُهُ لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ وَهِمُوا رِوَايَةَ النَّصْبِ وَقَالُوا: الْمَحْفُوظُ الرَّفْعُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ١ وَغَيْرُهُ، إمَّا لأَنَّ "ذَكَاةَ" الأَوَّلَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَ"ذَكَاةَ" الثَّانِيَ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، أَيْ ذَكَاةُ أُمِّ الْجَنِينِ ذَكَاةٌ لَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلْجَنِينِ مَزِيَّةٌ، وَحَقِيقَةُ الْجَنِينِ مَا كَانَ فِي الْبَطْنِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُذَكَّى كَذَكَاةِ أُمِّهِ، بَلْ إنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ كَافِيَةٌ عَنْ تَذْكِيَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ٢ "ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ".
"وَ"َ أْوِيلُهُمْ أَيْضًا قَوْلَهُ ﷾ فِي آيَتَيْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ٣: عَلَى الْفُقَرَاءِ" دُونَ الأَغْنِيَاءِ "مِنْهُمْ" أَيْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى٤.
قَالُوا: لأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْخَلَّةِ، وَلا خَلَّةَ مَعَ الْغِنَى٥.
فَعَطَّلُوا لَفْظَ الْعُمُومِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّ الْقَرَابَةَ هِيَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَلَوْ مَعَ الْغِنَى، لِتَعْظِيمِهَا وَتَشْرِيفِهَا مَعَ إضَافَتِهِ بلاَّمُ التَّمْلِيكِ.
وَلا يَلْزَمُنَا نَحْنُ الْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ ذَلِكَ فِي الْيَتِيمِ، لِلْخِلافِ فِيهِ.
فَإِنْ عَلَّلُوا بِالْفَقْرِ وَلَمْ تَكُنْ قَرَابَةٌ عَطَّلُوا لَفْظَ "ذِي الْقُرْبَى"، وَإِنْ
_________________
(١) ١ معالم السنن ٤/١٢١. ٢ الحديث بهذا اللفظ غير موجود في السنن الكبرى للبيهقي، وقد جاء فيها نص قريب منه عن ابن عمر موقوفًا: "إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، وإذا خرج من بطنها حيًا، ذبح حتى يخرج الدم من جوفه". "انظر السنن الكبرى ٩/٣٣٥". ٣ الآية ٤١ من الأنفال. والآية ٧ من الحشر. ٤ انظر: البرهان ١/٥٥٣، تيسير التحرير ١/١٤٨، المستصفى١/٤٠٧، الإحكام للآمدي ٣/٦٠، فواتح الرحموت ٢/٢٨، شرح العضد ٢/١٧١. ٥ في ع: الغناء.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
اعْتَبِرُوهُمَا مَعًا فَلا يَبْعُدُ وَغَايَتُهُ: تَخْصِيصُ عُمُومٍ، كَمَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَخْصِيصِ الْيَتَامَى بِذَوِي الْحَاجَةِ.
"وَ" مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ "الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ" مَتْنَ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ١ وَأَبُو دَاوُد٢ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ٣ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ٤ - وَقَالَ: لا نَعْرِفُهُ مُسْنَدًا إلاَّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ٥ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَرُوِيَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ، وَمِنْ قَوْلِ الْحَسَنِ٦ وَهُوَ "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ" عَلَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ"٧.
وَإِنَّمَا كَانَ بَعِيدًا: لِقِصَرِ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَدْلُولاتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَظُهُورِ قَصْدِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى حُرْمَةِ الْمَحْرَمِ وَصِلَتِهِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ بذل المجهود ١٦/٢٨٢. ٣ سنن ابن ماجه ٢/٨٤٣. ٤ تحفة الأحوذي ٤/٦٠٣. ٥ المراد به هنا: الإمام الحافظ حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة. قال ابن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت أحد أشبه بمالك الأول من حماد بن سلمة، وقال ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. توفي سنة ١٦٧هـ. "انظر ترجمته في طبقات الحفاظ للسيوطي ص٨٧، تذكرة الحفاظ ١/٠٢، شذرات الذهب ١/٢٦٢، حلية الأولياء ٦/٢٤٩". ٦ عبارة الترمذي في سننه بعد ذكر الحديث: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة. وقد روى عضهم هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن عمر. شيئًا من هذا". "انظر تحفة الأحوذي ٤/٦٠٣". ٧ وهم الأصول والفروع. انظر تحقيق المسألة في "البرهان ١/٥٣٩، المستصفى ١/٤٠٥، الآيات البينات ٣/١٠٦، الإحكام للآمدي ٣/٦٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٧".
[ ٣ / ٤٧١ ]
قَالَ الْكُورَانِيُّ: فَإِنْ قُلْت لِمَا١ وَجَّهَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، إذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّأْوِيلُ صَحِيحًا عِنْدَكُمْ؟ قُلْت: لَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ لا يَزُولُ إلاَّ بِالْعِتْقِ قَاسَ عِتْقَ الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ، إذْ لا تَجِبُ عِنْدَهُ إلاَّ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَوْ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي مُسْلِمٍ٢ "لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلاَّ أَنْ يَجِدَهُ عَبْدًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" أَيْ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَقَدْ وَافَقَهُ الْخَصْمُ عَلَى هَذَا، وَبِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي عِتْقِ الْوَلَدِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٣ وَجْهُ الدَّلالَةِ: أَنَّهُ ﷾ أَبْطَلَ إثْبَاتَ الْوَلَدِيَّةِ بِإِثْبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهُمَا لا يَجْتَمِعَانِ.
_________________
(١) ١ في ش: لما. ٢ صحيح مسلم ٢/١١٤٨. ٣ الآية ٢٦ من النساء.
[ ٣ / ٤٧٢ ]