باب القياس
"القياس لغة: التقدير والمساواة"١
٢ لما فرغنا من المباحث المتعلقة بالكتاب والسنة والإجماع شرعنا في القياس ومباحثه، وهو ميزان العقول، قَالَ الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ٣
فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم؛ لأنه نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي يساوي فلانا، ولا يساوي فلانا.
_________________
(١) ١ انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٤٠، لسان العرب ٦/١٨٧، الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧. ٢ ساقطة من ع ض. ٣ الآية ٢٥ من الحديد.
[ ٤ / ٥ ]
"و" أما القياس "شرعا" أي في عرف الشرع١ فهو: "تسوية فرع بأصل في حكم. من باب تخصيص الشيء ببعض مسمياته" فهو حقيقةٌ عرفية، مجازٌ لغويٌّ. قاله الطوفي في شرحه وغيرُه.
"و" القياس "اصطلاحا" أي في اصطلاح الأصوليين٢ علماءِ الشريعة: "ردُّ فرع إلى أصل٣ بعلة جامعة"٤.
قاله القاضي٥ وأبو الخطاب وابن البنَّاء.
وفي التمهيد أيضا: تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم. واختاره أبو الحسين البصري ٦.
قَالَ ابن مفلح: ومرادُه تحصيلُ مثل حكم الأصل. ومعناه في "الواضح" وقال: إنه أَسَدُّ ما رآه.
قَالَ ابن مفلح: لكنْ هو نتيجةُ القياس لا نفسُه. اهـ.
وذلك كردِّ النبيذ على الخمر في التحريم بعلة الإسكار، ونعني بالرد: الإلحاقَ والتسويةَ بينهما في الحكم.
_________________
(١) ١ في ض: أهل الشرع. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: أصله. ٤ في العدّة: جامعة بينهما. وفي الجدل لابن عقيل: تجمعهما. ٥ العدة ١/١٧٤. ٦ المعتمد للبصري ٢/٦٩٧
[ ٤ / ٦ ]
وللقياس تعاريفُ أخرى غيرُ ما ذُكِرَ أضربْنا عن ذكرها خشية الإطالة١.
"ولم يَرِدْ بالحدِّ قياسُ الدلالة وهو: الجمعُ بين أصل وفرع بدليل العلة"٢ كالجمع بين الخمر والنبيذ بالرائحة الدالة على الشدَّة الْمُطْرِبَةِ.
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الأصوليين للقياس في "العدة ١/١٧٤، المعتمد ٢/٦٩٧، ١٠٣١، البرهان ٢/٧٤٥، الكافية للجويني ص ٥٩، الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ١٠، اللمع ص ٥٣، إرشاد الفحول ص ١٩٨، مختصر الطوفي ص ١٤٥، شرح العضد ٢/٢٠٤، الإبهاج ٣/٢، شفاء الغليل للغزالي ص ١٨، مختصر البعلي ص ١٤٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٠٢، المستصفى ٢/٢٢٨، فواتح الرحموت ٢/٢٤٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٣، روضة الناظر ص ٢٧٥، الآيات البينات ٤/٢، المنخول ص ٣٢٣، تيسير التحرير ٣/٢٦٤، كشف الأسرار ٣/٢٦٨، الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ١/١٧٨، نهاية السول ٣/٣، المنهاج للباجي ص ١٣، المحصول ٢/٢/٩، فتح الغفار ٣/٨، مناهج العقول ٣/٣، التعريفات للجرجاني ص ٩٥، الحدود للباجي ص ٦٩، الإشارات للباجي ص ٩٥، التلويح على التوضيح ٢/٥٢٦، الإحكام للآمدي ٣/٢٦٢ وما بعدها، نشر البنود ٢/١٠٤، أصول الشاشي ص ٣٢٥، أصول السرخسي ٢/١٤٣، أدب القاضي للماوردي ١/٥٥٥، مفتاح الوصول للتلمساني ص ١٢٩، الوصول إلى مسائل الأصول للشيرازي ٢/٢١١". ٢ انظر تعريف قياس الدلالة وكلام الأصوليين عليه في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٤١، فواتح الرحموت ٢/٣٢٠، الآيات البينات ٤/١٧٣، الجدل لابن عقيل ص ١٣، البرهان ٢/٨٦٧، اللمع ص ٥٦، شرح العضد ٢/٢٠٥، تيسير التحرير ٣/٢٧٥، روضة الناظر ص ٣١٤، مختصر الطوفي ص ١٦٤، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٤٧ وما بعدها، إعلام الموقعين ١/١٣٩".
[ ٤ / ٧ ]
"ولا قياسُ العكس، وهو: تحصيلُ نقيضِ حكمِ المعلوم في غيره، لافتراقهما في علةِ الحكم"١ مثل أن يقال: لما وجب الصوم في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر، عكسه الصلاة، لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير نذر.
وقيل: بلى.
وقيل: ليس بقياسٍ.
قَالَ ابن حمدان في "المقنع" وغيرُه: المحدودُ هنا هو قياس الطرد فقط.
وقال القاضي عضدُ الدين وغيرُه: القياس المحدود هو قياس العلة ٢.
وقال البرماوي: في حجية ٣ قياس العكس خلاف، وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنعَ، لكنَّ الجمهورَ على خلافه.
قَالَ٤ أبو إسحاق الشيرازي في "الملخص": اختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين، أصحهما - وهو المذهب -
_________________
(١) ١ انظر تعريف قياس العكس وكلام الأصوليين عليه في "الإحكام للآمدي ٣/٢٦٢، مفتاح الوصول ص ١٥٩، المسودة ص ٤٢٥، المعتمد ٢/٦٩٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٤٣، الآيات البينات ٤/١٧٥، فواتح الرحموت ٢/٢٤٧، تيسير التحرير ٣/٢٧١". ٢ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٠٥. ٣ في ض: الحجة. ٤ في ز: قال قال.
[ ٤ / ٨ ]
أنه يصحُّ، استدل به الشافعي في عدة مواضع.
والدليل عَلَيْهِ١ أن الاستدلال بالعكس استدلالٌ٢ بقياسٍ مدلولٌ على صحتِهِ بالعكس. وإذا صح القياسُ٣ في الطرد - وهو غيرُ مدلول على صحته - فلأَنْ يصحَّ الاستدلالُ بالعكس - وهو قياس مدلول على صحته - أولى.
قَالَ البرماوي: ويدل عَلَيْهِ أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة:
فأما القرآنُ، فنحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٤ فدل على أنه ليس إلهٌ إلا اللهُ، لعدم فسادِ السماوات والأرض.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٥ ولا اختلافَ فيه فدل على أن القرآن من عند الله بمقتضى قياسِ العكس.
وأما السنة، فكحديث: يأتي أحدُنا شهوته ويؤجر٦؟ قَالَ:
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ش. ٣ ساقطة من ض. ٤ الآية ٢٢ من الأنبياء. ٥ الآية ٨٢ من النساء. ٦ في ض: فيؤجر.
[ ٤ / ٩ ]
"أرأيتم لو وضعها في حرام؟ يعني أكان يعاقب؟ قالوا: نعم، قَالَ: فمه! ١". فقياس وضعها في حلال فيؤجر٢ على وضعها في حرا م فيؤزر بنقيض العلة ٣.
وأما الصحابة ففي "الصحيحين"٤ عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: " من مات يشرك بالله شيئا دخل النار". وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.
وفي بعض أصول مسلم روي عن النبي ﷺ ٥: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". قَالَ: وقلت أنا: من٦ مات يشرك بالله شيئا دخل النار٧.
ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عَلَيْهِ.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد في مسنده عن أبي ذر ﵁ مرفوعًا. "انظر صحيح مسلم ٢/٦٩٨، بذل المجهود ٢٠/١٨٥، مسند أحمد ٥/١٥٤، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٨". ٢ في ش: ويؤجر. ٣ في ش: العدة. ٤ صحيح البخاري ٢/٦٩، صحيح مسلم ١/٩٤. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ض د: ومن. ٧ أخرجه أبو عوانة الاسفراييني في مسنده ١/١٧ وابن مندة في الإيمان ١/٢١٥ عن ابن مسعود ﵁.
[ ٤ / ١٠ ]
لكن رواهما مسلم عن جابر مرفوعا١، فلا حاجة إلى القياس.
ويُجْمَعُ بين الروايتين أنه٢ عند ذكر كل لفظ كان ناسيا للآخَر٣، كما جمع به النووي ٤.
وظهر بذلك٥ كلِّه أنه حجة، إلا أنَّه هل يُسمَّى قياسا حقيقةً٦ أو مجازًا، أو لا يُسَمَّى قياسًا أصْلا؟
ثلاثةُ أقوالٍ، أرجحُها الثاني ٧.
"وَأَرْكَانُهُ"٨ أَيْ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ "أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ١/٩٤. ٢ في ش: بأنه وهي ساقطة من ب. ٣ في ش ز: للأخرى. ٤ قال النووي: "الجيد أن يقال: سمع ابن مسعود اللفظتين من النبي ﷺ، ولكنه في وقت حَفِظ إحداهما وتيقنها عن النبي ﷺ ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضم الأخرى إليها. وفي وقت آخر حفظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعة، فرفع المحفوظة، وضم الأخرى إليها. فهذا جمعٌ ظاهر بين روايتي ابن مسعود، وفيه موافقة لرواية غيره في رفع اللفظتين، والله أعلم". "شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٩٧". ٥ في ش: بهذا. ٦ في ش: حقيقة. ٧ انظر تحقيق المسألة في "الإحكام للآمدي ٣/٢٦٥، المعتمد ٢/٦٩٩، فواتح الرحموت ٢/٢٤٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٤٣، الآيات البينات ٤/١٧٥، تيسير التحرير ٣/٢٧٢، المسودة ص ٤٢٥، المحصول ٢/٢/٢٢". ٨ في ز: أي أركان.
[ ٤ / ١١ ]
وَحُكْمٌ"١
وَالْمُرَادُ بِالأَرْكَانِ هُنَا: مَا لا يَتِمُّ الْقِيَاسُ إلاَّ بِهِ، فَتَكُونُ٢ مَجَازًا؛ لأَنَّ أَرْكَانَ الشَّيْءِ حَقِيقَةً: هِيَ أَجْزَاؤُهُ الَّتِي يَتَأَلَّفُ مِنْهَا، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلاةِ إلاَّ أَنْ يَعْنِيَ بِالْقِيَاسِ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ الأَرْبَعَةِ مَعَ الْحَمْلِ٣ تَغْلِيبًا فَتَصِيرُ الأَرْبَعَةُ شَطْرًا لِلْقِيَاسِ٤.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، فَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ خَلَطَ الاجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْقِيَاسَ نَوْعٌ مِنْ الاجْتِهَادِ وَاَلَّذِي لا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ: هُوَ مَا سِوَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ الاجْتِهَادِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ الْمُؤَلَّفِ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لأَنَّ قَوْلَنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَلَيْسَ فِي الأَوَّلِ زِيَادَةٌ عَلَى الثَّانِي، إلاَّ ذِكْرَ الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ بِهِ وَالتَّأَنُّسِ.
_________________
(١) ١ انظر كشف الأسرار ٣/٣٤٤، العدة ١/١٧٥. ٢ في ش ز: فيكون. ٣ في ع: الجمل. ٤ في ش ع: شطرًا للقياس.
[ ٤ / ١٢ ]
وَلِهَذَا لَوْ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِذَا ثَبَتَ١ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ إلَى الْعَقْلِيِّ، لَزِمَ٢ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي الْعَقْلِيِّ، مِنْ كَوْنِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَالنَّتِيجَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ، مِنْ بَيْنِ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ فَسَقَطَ مِنْهَا بِالتَّكْرَارِ جُزْآنِ، وَهُوَ الْحَدُّ الأَوْسَطُ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ هِيَ أَرْكَانُ الْمَقْصُودِ. وَهِيَ الَّتِي يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَقْيِسَتِهِمْ.
مِثَالُهُ: قَوْلُنَا النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، جُزْآنِ: مَوْضُوعٌ وَهُوَ النَّبِيذُ، وَمَحْمُولٌ وَهُوَ مُسْكِرٌ ثُمَّ نَقُولُ٣: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. فَهَذَانِ جُزْآنِ. وَيَلْزَمُ عَنْ ٤ ذَلِكَ: النَّبِيذُ حَرَامٌ وَهُمَا٥ جُزْآنِ آخَرَانِ صَارَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ، هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ، يَسْقُطُ مِنْهَا لَفْظُ "مُسْكِرٍ" مَرَّتَيْنِ؛ لأَنَّهُ مَحْمُولٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ الأُولَى مَوْضُوعٌ فِي الثَّانِيَةِ، يَبْقَى هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَهُوَ ٦حَرَامٌ، وَهُوَ صُورَةُ قِيَاسِ الْفُقَهَاءِ.
_________________
(١) ١ في ش: حصل ثبت. ٢ في ش: لازم. ٣ في ع ض ب: يقول. ٤ في ز: من. ٥ في ض: وهو. ٦ في ش: وكل مسكر.
[ ٤ / ١٣ ]
"فَالأَصْلُ١ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ٢" عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالْخَمْرِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ، لافْتِقَارِ الْحُكْمِ وَالنَّصِّ إلَيْهِ٣.
وَقِيلَ:٤ إنَّ الأَصْلَ دَلِيلُ الْحُكْمِ، وَحُكِيَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ. فَيَكُونُ فِي الْمِثَالِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٥ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ.
وَقِيلَ: إنَّ الأَصْلَ نَفْسُ حُكْمِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَفْسُ الْحُكْمِ الَّذِي فِي الأَصْلِ، كَالتَّحْرِيمِ فِي الْمِثَالِ؛ لأَنَّهُ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، لِصِحَّةِ إطْلاقِ
_________________
(١) ١ في ش: والأصل. ٢ ساقطة من ض. ٣ انظر معنى الأصل عند علماء الأصول في "العدة ١/١٧٥، إرشاد الفحول ص ٢٠٤، اللمع ص ٥٧، مختصر البعلي ص ١٤٢، الجدل لابن عقيل ص ١٠، المنهاج للباجي ص ١٣، الكافي للجويني ص ٦٠، الإحكام للآمدي ٢/٢٧٣، الحدود للباجي ص ٧٠، المحصول ٢/٢/٢٤، شرح العضد ٢/٢٠٨، تيسير التحرير ٣/٢٧٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٢، الآيات البينات ٤/١١، فواتح الرحموت ٢/٢٤٨، نشر البنود ٢/١١٥، المعتمد للبصري ٢/٧٠٠، كشف الأسرار ٣/٣٠١، الإبهاج ٣/٢٧، فتح الغفار ٣/١٤، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٠". ٤ ساقطة من ش. ٥ الآية ٩٠ من المائدة.
[ ٤ / ١٤ ]
الأَصْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا١.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ الْحُكْمُ وَالْعِلَّةُ ٢.
"وَالْفَرْعُ الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ" كَالنَّبِيذِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ، حَكَاهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ عَنْهُمْ ٣
وَقِيلَ: إنَّهُ حُكْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَهُوَ الأَصَحُّ،
وَإِنَّمَا قَدَّمَ تَعْرِيفَ الْفَرْعِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ لِمُقَابَلَتِهِ لِلأَصْلِ، فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ٤ لِمَا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، مِنْ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ،
"وَالْعِلَّةُ فَرْعٌ لِلأَصْلِ ٥وَأَصْلٌ لِلْفَرْعِ٦" اتِّفَاقًا، لِبِنَاءِ
_________________
(١) ١ في ش: منها. ٢ الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ١٠. ٣ انظر معنى الفرع عند الأصوليين في "الجدل لابن عقيل ص ١٠، الكافية للجويني ص ٦٠، الإحكام للآمدي ٣/٢٧٦، الحدود للباجي ص ٧١، المحصول ٢/٢/٢٧، العدة ١/١٧٥، إرشاد الفحول ص ٢٠٤، اللمع ص ٥٧، مختصر البعلي ص ١٤٢، المنهاج للباجي ص ١٣، شرح العضد ٢/٢٠٨، تيسير التحرير ٣/٢٧٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٢٢، الآيات البينات ٤/٢٠، فواتح الرحموت ٢/٢٤٨، نشر البنود ٢/١٢٣، المعتمد ٢/٧٠٣، كشف الأسرار ٣/٣٠١، فتح الغفار ٣/١٤". ٤ في ش: المبين للضدين. ٥ وذلك لاستنباطها من حكمه. "مختصر البعلي ص ١٤٢". ٦ وذلك لثبوت الحكم فيه بها. "مختصر البعلي ص ١٤٢".
[ ٤ / ١٥ ]
حُكْمِهِ عَلَيْهِ١.
"وَالْحُكْمُ" الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْقِيَاسِ هُوَ "الْمُعَلَّلُ" لا الْمَحْكُومُ فِيهِ٢،
_________________
(١) ١ قال ابن عقيل: "العلة: هي التي ثبت الحكم لأجلها في الفرع والأصل. وقيل: الموجبة للحكم. وقيل: أمارة الحكم ودلالته. وقيل: المعنى الجالب للحكم. والجميع متقارب". "الجدل على طريقة الفقهاء ص ١١. وانظر تعريفات الأصوليين للعلة في "العدة ١/١٧٥، إرشاد الفحول ص ٢٠٧، اللمع ص ٥٨، المنهاج للباجي ص ١٤، الكافي للجويني ص ٦٠، الإحكام للآمدي ٣/٢٧٦، الحدود للباجي ص ٧٢، نهاية السول ٣/٣٩، منهاج العقول ٣/٣٧، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٣١، الآيات البينات ٤/٣٣، روضة الناظر ص ٢٧٦، الإبهاج ٣/٢٨، فواتح الرحموت ٢/٢٤٩، الجدل لابن عقيل ص ٩، نشر البنود ٢/١٢٩، المعتمد ٢/٧٠٤، كشف الأسرار ٣/٢٩٣، فتح الغفار ٣/١٩، التلويح على التوضيح ٢/٥٥١، المحصول ٢/٢/١٧٩، المستصفى ٢/٢٣٠، تيسير التحرير ٣/٣٠٢، شرح العضد ٢/٢٠٩، المسودة ص ٣٨٥، أصول السرخسي ٢/١٧٤، مختصر البعلي ص ١٤٣". ٢ قال القاضي أبو يعلى: "وأما الحكم: فما جلبته العلة، أو ما اقتضته العلة من تحريم وتحليل وصحة وفساد ووجوب وانتفاء وجوب وما أشبه ذلك". "العدة ١/١٧٦". وقال ابن عقيل: "وأما المعلول، فقد اختلف أهل العلم فيه، فقال بعضهم: هو الحكم. وعليه الأكثرون. وهو مذهبنا، ولا شك أن وجهه هو أن ما تعلقت العلة عليه فهو المعلول، وذلك الحكم. وقال أبو علي الطبري: هو المحكوم فيه؛ وهي الأعيان التي تتعلق عليها الأحكام. مثل الكلب الذي يعلل لنجاسته أو طهارته. والأول هو المعوّل عليه". "الجدل على طريقة الفقهاء ص ٩". وانظر تعريفات الأصوليين للحكم في "إرشاد الفحول ص ٢٠٤، اللمع ص ٦١، المنهاج للباجي ص ١٤، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٧٨، تيسير التحرير ٣/٢٧٧، المحصول ٢/٢/٢٥، المعتمد ٢/٧٠٥".
[ ٤ / ١٦ ]
خِلافًا١ لأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ٢ الشَّافِعِيِّ٣.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ أَرْكَانِهِ شَرَعَ فِي شُرُوطِ صِحَّتِهِ، فَقَالَ:
"وَشَرْطُ حُكْمِ الأَصْلِ: كَوْنُهُ شَرْعِيًّا إنْ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا"٤ وَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ الْقَصْدُ مِنْ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. وَلأَنَّ الْقِيَاسَ لا يَجْرِي فِي اللُّغَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ قِيَاسًا. وَالْكَلامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِمَا صَحِيحٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقِيَاسِ تَسْمِيَةِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ هو الحسين بن القاسم، أبو علي الطبري، نسبة إلى طبرستان، الإمام البارع المتفق على جلالته، شيخ الشافعية ببغداد، أول من صنف في الخلاف المجرد، تفقه على أبي علي بن أبي هريرة. من مؤلفاته "المحرر" و"الإفصاح في المذهب" و"أصول الفقه" وغيرها. توفي ببغداد سنة ٣٥هـ "انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٨/٨٧، طبقات الشافعية للأسنوي ٢/١٥٤، طبقات الشافعية للسبكي ٣/٢٨٠، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/١٠٠، شذرات الذهب ٣/٣، تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٦١". ٣ في ش: والشافعي. ٤ انظر "شرح العضد ٢/٢٠٩، نشر البنود ٢/١١٦، مختصر البعلي ص ١٤٢، شفاء الغليل للغزالي ص ٦٣٥، مفتاح الوصول ص ١٥٥، الإحكام للآمدي ٣/٢٧٨، كشف الأسرار ٣/٣١٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٥، الآيات البينات ٤/١٣، الإبهاج ٣/١٠١، شرح البدخشي ٣/١١٧، إرشاد الفحول ص ٢٠٥، فتح الغفار ٣/١٦، تيسير التحرير ٣/٢٨٥، التلويح على التوضيح ٢/٥٤١، المستصفى ٢/٣٢٥، ٣٤٧، فواتح الرحموت ٢/٢٥٢، المحصول ٢/٢/٤٨٣، روضة الناظر ص ٣١٨، مختصر الطوفي ص ١٥٢، أصول السرخسي ٢/١٥٠".
[ ٤ / ١٧ ]
اللاَّئِطِ زَانِيًا، وَالنَّبَّاشِ سَارِقًا، وَالنَّبِيذِ خَمْرًا، لِيَثْبُتَ الْحَدُّ وَالْقَطْعُ وَالتَّحْرِيمُ.
فَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِلْحَاقِ نَفْسِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَلا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا.
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ: كَوْنُهُ "غَيْرَ مَنْسُوخٍ"١؛ لأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وُجُودٌ فِي الشَّرْعِ٢، فَيُلْحِقَ بِهِ الأَحْكَامَ بِقِيَاسٍ وَلا غَيْرِهِ
"وَ" يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ "لا" يَكُونَ٣ "شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ"٤ إذْ لَوْ كَانَ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ لَمْ يَكُنْ٥ جَعْلُ
_________________
(١) ١ انظر "حاشية البناني ٢/٢١٠، الآيات البينات ٤/١٠، مناهج العقول ٣/١١٩، إرشاد الفحول ص ٢٠٥، فتح الغفار ٣/١٦، تيسير التحرير ٣/٢٨٧، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٦، التلويح على التوضيح ٢/٥٤١، مفتاح الوصول ص ١٣٠، المستصفى ٢/٣٤٧، شرح العضد ٢/٢٠٩، الإحكام للآمدي ٣/٢٧٨، كشف الأسرار ٣/٣٠٣، اللمع ص ٥٨، مختصر البعلي ص ١٤٢" ٢ في ش: الشرط. وفي ض: الشرعي. ٣ أي دليل حكم الأصل. "شرح العضد ٢/٢١٣". ٤ انظر "فواتح الرحموت ٢/٣٥٣، المحصول ٢/٢/٤٨٦، نهاية السول ٣/١٢٠، إرشاد الفحول ص ٢٠٥، فتح الغفار ٣/١٦، تيسير التحرير ٣/٢٨٦، المستصفى ٢/٣٢٦، شرح العضد ٢/٢١٣، نشر البنود ٢/١١٩، مختصر البعلي ص ١٤٣، شفاء الغليل ص ٦٣٩، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٨، الآيات البينات ٤/١٥، الإبهاج ٣/١٠٢، مناهج العقول ٣/١١٨". ٥ في ش: يمكن.
[ ٤ / ١٨ ]
أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ١ أَصْلًا وَالآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا٢ وَتَطْوِيلًا بِلا طَائِلٍ.
مِثَالُهُ فِي الذُّرَةِ مَطْعُومٌ فَلا يَجُوزُ٣ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، فَيُمْنَعَ٤ فِي الْبُرِّ فَنَقُولُ٥ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" ٦ فَإِنَّ الطَّعَامَ يَتَنَاوَلُ الذُّرَةَ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبُرَّ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ دَلِيلَ الْعِلَّةِ إذَا كَانَ نَصًّا وَجَبَ أَلاَّ يَتَنَاوَلَ الْفَرْعَ بِلَفْظِهِ، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ٧: النَّبَّاشُ يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ كَالسَّارِقِ مِنْ الْحَيِّ [فَيُقَالَ: وَلِمَ قُلْتَ إنَّ السَّارِقَ مِنْ الْحَيِّ] ٨ إنَّمَا يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ؟ فَنَقُولَ٩ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ٢ في ش: ضياعًا. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ع: فنمنع. ٥ في ش ز ع: فنقول. ٦ الحديث بلفظ "الطعام بالطعام" محل الاستشهاد أخرجه مسلم والبيهقي وأحمد عن معمر بن عبد الله مرفوعًا، وليس فيه "يدًا بيد". "صحيح مسلم ٣/١٢١٤، سنن البيهقي ٥/٢٨٥، مسند أحمد ٦/٤٠٠". ٧ في ش: تقول. وفي ض ب: يكون. ٨ زيادة من شرح العضد يقتضيها السياق. ٩ في ش: فنقول.
[ ٤ / ١٩ ]
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ١ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُقْتَضِي٢ لِلْقَطْعِ.
فَيُقَالُ: [فَهَذَا] ٣ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِالنَّصِّ. فَإِنَّ ثُبُوتَ الْعِلَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَلا مُخَلِّصَ لِلْمُسْتَدِلِّ إلاَّ مَنْعُ كَوْنِهِ عَامًّا٤.
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا: أَنْ "لا" يَكُونَ "مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ" ٥أَيْ عَنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ، لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ حِينَئِذٍ.
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من المائدة. ٢ ساقطة من ز. ٣ زيادة من شرح العضد يقتضيها السياق. ٤ كلام المصنف على هذا الشرط منقول كله حرفيًا من شرح العضد ٢/٢١٣ فانظره. ٥ انظر "تيسير التحرير ٣/٢٧٨، التلويح على التوضيح ٢/٥٣٩، المستصفى ٢/٣٢٦، فواتح الرحموت ٢/٢٥٠، مفتاح الوصول ص ١٣١، المحصول ٢/٢/٤٨٩، شرح العضد ٢/٢١١، نشر البنود ٢/١١٨، أصول السرخسي ٢/١٤٩، مختصر البعلي ص ١٤٣، شفاء الغليل ص ٦٥٠ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٢، كشف الأسرار ٣/٣٠٢، ٣٠٤، ٣٠٥، روضة الناظر ص ٣٢٩، اللمع ص ٥٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٨، الآيات البينات ٤/١٥، الإبهاج ٣/١٠٤، مناهج العقول ٣/١٢١، نهاية السول ٣/١٢٢، إرشاد الفحول ص ٢٠٦، فتح الغفار ٣/١٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٢".
[ ٤ / ٢٠ ]
وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِكَوْنِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، إمَّا لِكَوْنِهِ اُسْتُثْنِيَ مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَالْعَمَلِ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ فِيمَا لا١ تُقْبَلُ٢ فِيهِ٣ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ، أَوْ لَمْ يُسْتَثْنَ "كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ" وَتَقْدِيرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ٤ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ لا نَظِيرَ لَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "أَوْ لا نَظِيرَ لَهُ" وَسَوَاءٌ كَانَ "لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ" كَرُخَصِ السَّفَرِ٥ "أَوْ لا" مَعْنَى لَهُ ظَاهِرٌ، كَالْقَسَامَةِ٦. كَذَا مَثَّلَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ٧ وَغَيْرِهِ ٨.
_________________
(١) ١ في ض: لم. ٢ في ش: تقبل. ٣ في ع: به. ٤ في ع ز: الزكوات. ٥ حيث إن علتها السفر، وهو معنى مناسب للرخصة لما فيه من المشقة، ولكنّ هذا الوصف لم يوجد في موضع آخر. "انظر شرح العضد ٢/٢١١". ٦ وهي تحليف مدعي القتل مع اللوث خمسين قسمًا، وصورتها أن يوجد قتيل بموضع لا يعرف قاتله ولا بينة، ويدعي وليه قتله على شخص أو جماعة، وتوجد قرينة تُشعِر بتصديق الولي في دعواه، فيحلف الولي خمسين يمينًا، ويثبت القتل، فتجب الدية لا القصاص. "تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/٩٢" ومعناه: التغليظ في حقن الدماء، وإلا لم يتعذر للأعداء القتل بغير مشهد الشاهدين، ولا للأشرار الذين لا يزعهم وازع التقوى الحلف عليه حلفةً واحدةً، فروعي فيه المصلحتان. ولا نظير له. "شرح العضد ٢/٢١١". ٧ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢١١. ٨ الإحكام للآمدي ٣/٢٨٢.
[ ٤ / ٢١ ]
قَالَ١ الْبِرْمَاوِيُّ: لَكِنْ٢ فِي جَعْلِهِ الْقَسَامَةَ غَيْرَ٣ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَهُوَ خَفِيٌّ بِخِلافِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ: نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
"وَمَا خُصَّ مِنْ الْقِيَاسِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَ" يَجُوزُ "قِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ"٤
قَالَ أَبُو يَعْلَى: الْمَخْصُوصُ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَاسِ يُقَاسُ عَلَيْهِ وَيُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ. أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ: يَفْدِي نَفْسَهُ بِكَبْشٍ٥ فَقَاسَ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ عَلَى٦ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ
_________________
(١) ١ في ش: قاله. ٢ في ب: لكنه. ٣ ساقطة من ش. ٤ انظر تحقيق المسألة في "المحصول ٢/٢/٤٨٩، القياس لابن تيمية ص ٣٥، مفتاح الوصول ص ١٣١، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٢، التمهيد للأسنوي ص ٤٤٩، التبصرة للشيرازي ص ٤٤٨، المعتمد ٢/٧٩١، شرح تنقيح الفصول ص ٤١٥، المسودة ص ٣٩٩ وما بعدها، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ١٨٣، أصول السرخسي ٢/١٤٩، كشف الأسرار ٣/٣١١، ٣١٢، المستصفى ٢/٣٢٨، روضة الناظر ص ٣٢٩، اللمع ص ٥٧، المنخول ص ٣٨٧، الإبهاج ٣/١٠٤، التلويح على التوضيح ٢/٥٣٩". ٥ ساقطة من ش. ٦ في ض: عن.
[ ٤ / ٢٢ ]
وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ١؛ لأَنَّ الظَّنَّ الْخَاصَّ أَرْجَحُ. وَمَنَعَ ذَلِكَ٢ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، كَقَوْلِهِ ﷺ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ" ٣ أَوْ مُجْمَعًا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، كَالتَّحَالُفِ٤ فِي الإِجَارَةِ ٥ كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا وَجْهٌ، كَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَلِهَذَا لا نَقِيسُ عَلَى لَحْمِ الإِبِلِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِنَا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ.
ثُمَّ ٦ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِعَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، أَوْ مُسَاوَاتِهِ وَلِهَذَا
_________________
(١) ١ هو القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي، أبو إسحاق، شيخ المالكية في وقته، وناشر مذهب مالك في العراق، وقاضي بغداد. قال الباجي: لم تحصل درجة الاجتهاد بعد مالك إلا له. من مؤلّفاته "أحكام القرآن" و"المبسوط" في الفقه و"الأموال والمغازي" و"الأصول" و"الاحتجاج بالقرآن" وغيرها. توفي سنة ٢٨٢هـ. "انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٦/٢٨٤، الديباج المذهب ١/٢٨٢، شذرات الذهب ٢/١٧٨، المعيار المعرب للونشريسي ٢/١٧٠، الفتح المبين ١/١٦٢، شجرة النور الزكية ١/٦٥. ٢ في ش: من ذلك. ٣ في ز: الطوافين عليكم. والحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي ومالك في الموطأ وغيرهم عن أبي قتادة ﵁ مرفوعًا، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. "انظر الموطأ ١/٢٣، بذل المجهود ١/١٩٦، غارضة الأحوذي ١/١٣٧، سنن ابن ماجة ١/١٣١، سنن النسائي ١/٤٨، سنن الدارقطني ١/٧٠، سنن البيهقي ١/٢٥٤". ٤ في ش ض: التخالف. ٥ في ش: الإجازة. ٦ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٢٣ ]
نَقِيسُ١ فِي الأَشْهَرِ الْعِنَبَ عَلَى الْعَرَايَا٢. وَقَدْ قَاسَ الْحَنَفِيَّةُ الْمُقَدَّرَ، كَالْمُوضِحَةِ٣ عَلَى٤ دِيَةِ النَّفْسِ فِي حَمْلِ الْعَاقِلَةِ
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَنَا أَنَّ الاعْتِبَارَ بِوُجُودِ: الْقِيَاسِ بِشُرُوطِهِ، وَكَوْنِهِ مَخْصُوصًا لا يَمْنَعُ إلْحَاقَ مَا فِي مَعْنَاهُ
قَالُوا: لا نَظِيرَ.
قُلْنَا: لا يَخْلُو مِنْ نَظِيرٍ.
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا "كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ"٥
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَمِنْهُ كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ، اخْتَارَهُ
_________________
(١) ١ في ز د: لا نقيس. ٢ العرايا: هو بيع الرطب في رؤوس نخله بالتمر على الأرض كيلًا. "المطلع للبعلي ص ٢٤١، المهذب ١/٢٨١، التنبيه ص ٦٥". ٣ المُوضِحة: هي الشجة التي تكشف العظم وتُبدي وضَحَه، أي بياضه. "المصباح المنير ٢/٨٢٧، المطلع ٣٦٧، النظم المستعذب ٢/١٧٩". ٤ في ش: في. ٥ انظر "تيسير التحرير ٣/٢٨٧، التلويح على التوضيح ٢/٥٤١، المستصفى ٢/٣٢٥، ٣٤٧، مفتاح الوصول ص ١٣٦، فواتح الرحموت ٢/٢٥٣، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٤، المحصول ٢/٢/٤٨٤، الجدل لابن عقيل ص ٧٣، شرح العضد ٢/٢٦٤، مختصر البعلي ص ١٤٣، التبصرة ص ٤٥٠، شفاء الغليل ص ٦٣٦، المسودة ص ٣٩٤، ٣٩٧، ٣٩٨، الإحكام للآمدي ٣/٢٧٨، كشف الأسرار ٣/٣٠٣، روضة الناظر ص ٣١٥، اللمع ص ٥٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٥، الآيات البينات ٤/١٣، الإبهاج ٣/١٠١، مناهج العقول ٣/١١٧، نهاية السول ٣/١١٩، إرشاد الفحول ص ٢٠٥، فتح الغفار ٣/١٦".
[ ٤ / ٢٤ ]
الْقَاضِي فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ
وَقِيلَ لَهُ: يَقِيسُ الرَّجُلُ بِالرَّأْيِ؟ فَقَالَ: لا. هُوَ أَنْ يَسْمَعَ١ الْحَدِيثَ فَيَقِيسَ عَلَيْهِ٢ِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ الْفَرْعِ الْمُتَوَسِّطِ عِلَّةٌ لَيْسَتْ فِي الأَصْلِ وَيُقَاسَ عَلَيْه.
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ جَوَازَ كَوْنِ الشَّيْءِ أَصْلًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ، وَفَرْعًا لِغَيْرِهِ فِي حُكْمٍ آخَرَ، لا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ٣.
وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنَّا٤، وَقَالَ: لأَنَّهُ لا يُخِلُّ بِنُظُمِ الْقِيَاسِ وَحَقِيقَتِهِ٥، وَكَذَا أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنَعَهُ أَيْضًا.
ثمَّ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَالْمَنْعُ قَالَهُ الْكَرْخِيُّ وَالآمِدِيُّ٦، وَذَكَرَهُ
_________________
(١) ١ في ش: تسمع. ٢ في ش: فتقيس. ٣ انظر المسودة ص ٣٩٥. ٤ ساقطة من ش ع ز. ٥ كما جوزه ابن عقيل فقال: "يجوز القياس على ما ثبت بالقياس، مثل حمل الذرة على الأرز، خلافًا لبعضهم وهو أبو الحسن الكرخي وبعض أصحاب الشافعي: لا يجوز ذلك. لنا: هو أن الفرع لما ثبت الحكم فيه بالقياس صار أصلًا في نفسه، فجاز أن يُستنبط منه معنىً ويقاس عليه، كالأصل الثابت بالنص". "الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ١٦". ٦ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/٢٧٨.
[ ٤ / ٢٥ ]
عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ، وَالْجَوَازُ قَالَهُ الرَّازِيّ وَالْجُرْجَانِيُّ١ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: يَجُوزُ عِنْدَنَا، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالصَّيْرَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. اهـ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: مُتَرْجَمَةٌ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْقِيَاسِ
وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ اتَّحَدَتْ فَالْوَسَطُ لَغْوٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ٢: السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ فَيَكُونُ رِبَوِيًّا كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ يَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ،
وَإِنْ لَمْ تَتَّحِدْ٣ فَسَدَ الْقِيَاسُ. لأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْفَرْعِ الأَخِيرِ وَالْمُتَوَسِّطِ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُهُ؛ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ الأَوَّلِ بِدُونِهِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْمُتَوَسِّطِ وَأَصْلِهِ لَيْسَ فِي فَرْعِهِ، كَقَوْلِ
_________________
(١) ١ المنسوبون لجرجان من العلماء كثيرون، ويغلب على الظن أن المراد به في هذا الموطن: محمد بن يحيى بن مهدي، أبو عبد الله، الجرجاني الحنفي من أعلام الحنفية، ومن أصحاب التخريج في مذهبهم، تفقه على أبي بكر الرازي، وتفقه عليه أبو الحسن أحمد القدوري وأحمد بن محمد الناطفي، له كتاب في أصول الفقه، وله كتاب "ترجيح مذهب أبي حنيفة" و"القول المنصور في زيارة سيد القبور" وغيرها، توفي سنة ٣٩٨هـ. "انظر ترجمته في الفوائد البهية ص ٢٠٢، ٢٤٠، الجواهر المضية ٢/١٤٣، كشف الظنون ١/٢٨٠، الأعلام للزركلي ٨/٥". ٢ في ش ض ب: شافعي. ٣ في ش: يتحد.
[ ٤ / ٢٦ ]
الشَّافِعِيِّ١: الْجُذَامُ عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، فَكَذَا النِّكَاحُ، كَالرَّتْقِ٢ ثُمَّ يَقِيسُ الرَّتْقَ عَلَى الْجَبِّ٣ بِفَوَاتِ الاسْتِمْتَاعِ.
وَهَذَا الْمِثَالُ: مَثَّلَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ٤.
لَكِنْ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: هُوَ عَلَى سَبِيلِ٥ ضَرْبِ الْمِثَالِ، وَإِلاَّ فَرَدُّ الْمَجْبُوبِ عِنْدَنَا إنَّمَا هُوَ لِنُقْصَانِ عَيْنِ الْمَبِيعِ نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لا لِفَوَاتِ٦ الاسْتِمْتَاعِ. وَأَمَّا إثْبَاتُ الْفَسْخِ بِالْجَبِّ فِي النِّكَاحِ فَلِفَوَاتِ الاسْتِمْتَاعِ، فَالْعِلَّتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ٧.
"وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا. كَوْنُهُ "مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ" فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمْنَعُهُ، فَلا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ فِيهِ٨.
_________________
(١) ١ في ش ض ب: شافعي. ٢ الرَّتَق: مصدر رَتِقَتْ المرأة رتقًا: إذا استدّ مدخل الذكر من فرجها، فلا يستطاع جماعها. "المصباح المنير ١/٢٥٩، المطلع ص ٣٢٣، النظم العذب ٢/٤٩". ٣ الجَبّ: هو استئصال المذاكير. ومنه المجبوب: وهو المقطوع الذكر والأنثيين. "المصباح المنير ١/١٠٩، النظم المستعذب ٢/٥٠". ٤ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢١٠. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: كفوات. ٧ الإبهاج شرح المنهاج ٣/١٠١ بتصرف. ٨ انظر "شرح البنود ٢/١١٩، المسودة ص ٣٩٦، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٢، روضة الناظر ص ٣١٥، مختصر البعلي ص ١٤٣، حاشية البناني ٢/٢٢٠، الآيات البينات ٤/١٦، مناهج العقول ٣/١١٥، نهاية السول ٣/١١٦، الإبهاج ٣/٩٨".
[ ٤ / ٢٧ ]
وَإِنَّمَا شُرِطَ ذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يَحْتَاجَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْمَنْعِ إلَى إثْبَاتِهِ فَيَكُونَ انْتِقَالًا مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَى١ أُخْرَى
"لا" أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ "الأُمَّةِ" لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ فَقَطْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ٢
وَاشْتَرَطَ قَوْمٌ ٣اتِّفَاقَ الأُمَّةِ عَلَى الأَصْلِ، وَمَنَعُوا الْقِيَاسَ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِنَقْلِ الْكَلامِ إلَى التَّسَلْسُلِ ٤. وَضَعَّفَهُ الْمُوَفَّقُ كَغَيْرِهِ لِنُدْرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ. وَلأَنَّ كُلًاّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مُقَلِّدٌ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ حُكْمٍ ثَبَتَ مَذْهَبًا لإِمَامِهِ؛ لأَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَأْخَذَهُ ثُمَّ لا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِهِ عَجْزُهُ، ثُمَّ لا يَتَمَكَّنُ أَحَدُهُمَا مِنْ إلْزَامِ مَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ٥.
"وَلا" يُشْتَرَطُ - مَعَ كَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الأُمَّةِ - أَنْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ انظر "حاشية البناني ٢/٢١٣، ٢٢٠، الآيات البينات ٤/١٦، إرشاد الفحول ص ٢٠٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦١، مختصر البعلي ص ١٤٣، نشر البنود ٢/١١٩، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٣، اللمع ص ٥٨، روضة الناظر ص ٣١٥". ٣ ساقطة من ض. ٤ نهاية السول ٣/١١٩. ٥ روضة الناظر ص ٣١٦، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٣.
[ ٤ / ٢٨ ]
يَكُونَ ذَلِكَ "مَعَ اخْتِلافِهِمَا"١
وَقِيلَ: بَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ ٢
"وَلَوْ" "لَمْ يَتَّفِقَا" يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ، وَلَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ "فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَهُ" أَيْ حُكْمَ الأَصْلِ بِنَصٍّ "ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ" بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهَا، مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ، أَوْ سَبْرٍ أَوْ إخَالَةٍ "قُبِلَ"٣ مِنْهُ اسْتِدْلالُهُ فِي الأَصَحِّ، وَنَهَضَ دَلِيلُهُ عَلَى خَصْمِهِ٤.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ٥ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ، إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً: مُتَبَايِعَانِ تَخَالَفَا، فَيَتَحَالَفَانِ وَيُتَرَادَّانِ كَمَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً، لِقَوْلِهِ ﷺ: "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَلْيَتَحَالَفَا وَلْيَتَرَادَّا" ٦ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ وَعِلَّتِهِ، وَهِيَ التَّحَالُفُ
_________________
(١) ١ في ش: اختلافهما. انظر تحقيق المسألة في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٢٠، الآيات البينات ٤/١٦". ٢ انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/٢٦٨. ٣ في ض ب: قبله. ٤ شرح العضد ٢/٢١٣. ٥ في ش: تقول. ٦ لم نعثر في دواوين السنة على الحديث بهذا اللفظ أو بمعناه المطابق، والمروي فيها ما أخرج النسائي والدارقطني والبيهقي وأحمد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "إذا اختلف البيعان، ولا شهادة بينهما، استحلف البائع، ثم كان المبتاع بالخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك" "انظر سنن النسائي ٧/٢٦٦، سنن الدارقطني ٣/١٨، سنن البيهقي ٥/٣٣٣، مسند أحمد ١/٤٦٦". وما أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم وأحمد عن =
[ ٤ / ٢٩ ]
بِالأَيْمَانِ ١
وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ ذَلِكَ٢ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ حَتَّى يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ ٣يَتَوَافَقَ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ٤ فِي الْمُنَاظَرَةِ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ الْمَنْعَ، وَاللاَّزِمُ بَاطِلٌ،
بَيَانُ الْمُلازَمَةِ: أَنَّ مَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَشْتَرِطُ فِي حُكْمِ٥ الأَصْلِ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَحْصُلَ الانْتِقَالُ مِنْ مَطْلُوبٍ إلَى آخَرَ. وَانْتِشَارُ كَلامٍ ٦ يُوجِبُ تَسَلْسُلَ الْبَحْثِ، وَيَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ مَقْصُودِ الْمُنَاظَرَةِ وَهَذَا لا يَخْتَصُّ بِحُكْمِ الأَصْلِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ مُقَدِّمَةٍ تَقْبَلُ الْمَنْعَ ٧.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَرُبَّمَا يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
_________________
(١) = ابن مسعود مرفوعًا: "إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان" "انظر سنن النسائي ٧/٢٦٦، بذل المجهود ١٥/١٨٩، سنن الدارقطني ٣/٢٠، سنن البيهقي ٥/٣٣٢، المستدرك ٢/٤٥، مسند أحمد ١/٤٦٦، سنن ابن ماجة ٢/٧٣٧". ١ شرح العضد ٢/٢١٣. ٢ في ش: ذلك منه لم يقبل. ٣ في ع ب: و. ٤ في ش: يقبل. ٥ ساقطة من ض. ٦ في ز: الكلام. ٧ شرح العضد ص/٢١٣.
[ ٤ / ٣٠ ]
مِثْلُ الأَوَّلِ، يَسْتَدْعِي مَا يَسْتَدْعِيهِ، بِخِلافِ الْمُقَدِّمَاتِ الأُخَرِ١.
"وَإِنْ" كَانَ الْخَصْمُ يَقُولُ بِحُكْمِ الأَصْلِ وَ٢"لَمْ يَقُلْ بِحُكْمِ أَصْلِهِ الْمُسْتَدَلِّ فَ ٣" هُوَ قِيَاسٌ "فَاسِدٌ" ٤
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي الصَّوْمِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ: أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَيَصِحُّ، كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَهُوَ لا يَقُولُ بِصِحَّةِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، بَلْ خَصْمُهُ هُوَ الْقَائِلُ بِهِ.
وَوَجْهُ فَسَادِهِ: كَوْنُهُ اعْتَرَفَ٥ ضِمْنًا بِخَطَئِهِ فِي الأَصْلِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الصِّحَّةِ فِي فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَالاعْتِرَافُ بِبُطْلانِ إحْدَى٦ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ٧، اعْتَرَفَ بِبُطْلانِ دَلِيلِهِ وَلا يُسْمَعُ مِنْ الْمُدَّعِي مَا هُوَ مُعْتَرَفٌ بِبُطْلانِهِ، وَلا يُمَكَّنُ مِنْ دَعْوَاهُ
فَإِنْ قِيلَ: فَذَلِكَ يَصْلُحُ إلْزَامًا لِلْخَصْمِ؛ إذْ لَوْ لَزِمَهُ٨ لَزِمَ الْمَقْصُودُ، وَإِلاَّ كَانَ مُنَاقِضًا فِي مَذْهَبِهِ. لِعَمَلِهِ٩ بِالْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ!
_________________
(١) ١ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢١٣. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: و. ٤ انظر شرح العضد ٢/٢١٠. ٥ في ش: اعتراف. ٦ في ب: أحد. ٧ ساقطة من ش. ٨ في ض: لزم. وفي شرح العضد: التزمه. ٩ في ش: كعمله.
[ ٤ / ٣١ ]
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الإِلْزَامَ مُنْدَفِعٌ بِوَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ١: الْعِلَّةُ٢ فِي الأَصْلِ عِنْدِي غَيْرُ ذَلِكَ، وَلا يَجِبُ ذِكْرِي لَهَا.
الثَّانِي: بِأَنْ٣ يَقُولَ ٤: يَلْزَمُ مِنْهُ خَطَئِي فِي الأَصْلِ أَوْ٥ فِي الْفَرْعِ وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ الْخَطَأُ فِي الْفَرْعِ مُعَيَّنًا وَهُوَ مَطْلُوبُك، وَرُبَّمَا أَعْتَرِفُ بِخَطَئِي٦ فِي الأَصْلِ وَلا يَضُرُّنِي٧ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ. قَالَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ٨ وَغَيْرُهُ.
"وَمَا اتَّفَقَا" يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ "عَلَيْهِ" مِنْ حُكْمِ أَصْلٍ، لَكِنْ "لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ" فَهُوَ قِيَاسٌ مُرَكَّبٌ "وَيُسَمَّى" هَذَا "مُرَكَّبَ الأَصْلِ" سُمِّيَ بِذَلِكَ لاخْتِلافِهِمَا فِي تَرْكِيبِ الْحُكْمِ فَالْمُسْتَدِلُّ يُرَكِّبُ الْعِلَّةَ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْخَصْمُ بِخِلافِهِ٩.
_________________
(١) ١ في ش: تقول. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ش وشرح العضد: أن. ٤ في ش: تقول. ٥ في ض: و. ٦ كذا في شرح العضد. وفي سائر النسخ: بخطئه. ٧ في ش: ولا يضر. ٨ شرح العضد ٢/٢١٠ وما بعدها. ٩ انظر "شرح البنود ٢/١٢٠، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٣، المنخول ص ٣٩٥، حاشية البناني ٢/٢٢٠، الآيات البينات ٤/١٨، إرشاد الفحول ص ٢٠٦، تيسير التحرير ٣/٢٨٩، فواتح الرحموت ٢/٢٥٤، البرهان ٢/١١٠٠، مفتاح الوصول ص ١٣٧، مختصر البعلي ص ١٤٣".
[ ٤ / ٣٢ ]
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ١ مُرَكَّبًا لإِثْبَاتِهِمَا الْحُكْمَ كُلٌّ ٢بِقِيَاسٍ، فَقَدْ اجْتَمَعَ قِيَاسَاهُمَا٣ ثُمَّ إنَّ٤ الأَوَّلَ اتَّفَقَا فِيهِ عَلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ الأَصْلُ بِالاصْطِلاحِ٥ دُونَ الْوَصْفِ الَّذِي يُعَلِّلُ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فَسُمِّيَ مُرَكَّبَ الأَصْلِ"٦.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: "قِيلَ: سُمِّيَ مُرَكَّبًا لاخْتِلافِهِمَا فِي عِلَّتِهِ وَقِيلَ: فِي تَرْكِيبِهِ٧ الْحُكْمَ عَلَيْهَا فِي الأَصْلِ فَعِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ: هِيَ فَرْعٌ لَهُ، وَالْمُعْتَرِضُ بِالْعَكْسِ وَسُمِّيَ مُرَكَّبَ الأَصْلِ لِلنَّظَرِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ اهـ.
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُوَافِقًا عَلَى الْعِلَّةِ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ وَذَلِكَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الْخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ وَ" هَذَا٨ "يُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ" سُمِّيَ بِذَلِكَ لاخْتِلافِهِمَا فِي نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ٩.
_________________
(١) ١ في شرح العضد: يسمى. ٢ في ع: كله. ٣ في ب وشرح العضد: قياسهما. ٤ في ع ز: إن كان. ٥ في شرح العضد: باصطلاح. ٦ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢١٢. ٧ في ش: تركيبه. ٨ ساقطة من ش. ٩ انظر "الآيات البينات ٤/١٨، إرشاد الفحول ص ٢٠٦، تيسير التحرير =
[ ٤ / ٣٣ ]
مِثَالُ الأَوَّلِ -وَهُوَ مُرَكَّبُ الأَصْلِ- قَوْلُ الْحَنْبَلِيِّ، فِيمَا إذَا قَتَلَ الْحُرُّ عَبْدًا١: الْمَقْتُولُ عَبْدٌ، فَلا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا قُتِلَ وَتَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثًا مَعَ الْمَوْلَى فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ٢ هُنَا: إنَّهُ لا قِصَاصَ، فَيَلْحَقُ الْعَبْدُ بِهِ هُنَا، بِجَامِعِ الرِّقِّ، فَلا يَحْتَاجُ الْحَنْبَلِيُّ فِيهِ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِمُوَافَقَةِ خَصْمِهِ،
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ: إنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ جَهَالَةُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ٣، لا الرِّقُّ؛ لأَنَّ السَّيِّدَ وَالْوَارِثَ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى طَلَبِ الْقِصَاصِ لا يَزُولُ الاشْتِبَاهُ؛ لاخْتِلافِ الصَّحَابَةِ فِي مُكَاتَبٍ يَمُوتُ٤ عَنْ وَفَاءٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَمُوتُ عَبْدًا، وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُؤَدَّى الْكِتَابَةُ مِنْ
_________________
(١) = ٣/٢٨٩، فواتح الرحموت ٢/٢٥٥، البرهان ٢/١١٠٣، نشر البنود ٢/١٢١، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٤، المنخول ص ٣٩٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٢١". ١ في ض: العبد. ٢ في ض: يكون. ٣ وذلك لاحتمال أن يبقى عبدًا بعجزه عن أداء النجوم، فيستحقه السيد، وأن يصير حرًّا بأدائها، فيستحقه الورثة. وجهالة المستحق لم تثبت في العبد، فإن صحت هذه العلة بطل إلحاق العبد به في الحكم لعدم مشاركته له في العلة، وإن بطلت فيمنع حكم الأصل، ويقول: يقتل الحرّ بالمكاتب لعدم المانع. "شرح العضد ٢/٢١٢". ٤ في ش: مات.
[ ٤ / ٣٤ ]
أَكْسَابِهِ١، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ٢ فَقَدْ اشْتَبَهَ الْوَلِيُّ مَعَ هَذَا الاخْتِلافِ، فَامْتَنَعَ الْقِصَاصُ ٣.
فَإِنْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّكُمْ لا بُدَّ أَنْ تَحْكُمُوا٤ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، إمَّا٥ بِمَوْتِهِ عَبْدًا أَوْ حُرًّا وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْمُسْتَحَقُّ٦ مَعْلُومٌ
فَيَقُولُ٧ الْحَنَفِيُّ٨: نَحْنُ نَحْكُمُ بِمَوْتِهِ حُرًّا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُورَثُ، لا بِمَعْنَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ الْحُرِّ؛ لأَنَّ حُكْمَنَا بِمَوْتِهِ حُرًّا ظَنِّيٌّ؛ لاخْتِلافِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَالْقِصَاصُ يَنْتَفِي بِالشُّبْهَةِ. فَهَذِهِ جَهَالَةٌ تَصْلُحُ لِدَرْءِ الْقِصَاصِ، وَلا يَمْتَنِعُ عِلْمُنَا٩ بِمُسْتَحِقِّ١٠ الإِرْثِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي -وَهُوَ مُرَكَّبُ الْوَصْفِ- أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ
_________________
(١) ١ في ض: اكتسابه. ٢ في ش: أجزائه. ٣ انظر شرح العضد ٢/٢١٢، التوضيح وحاشية الجرجاني عليه ٢/٥٦٢. ٤ في ع: تحكموا عليه. ٥ في ش: أو. ٦ في ع: والمستحق. وفي ب: المستحق. ٧ في ش: فنقول. ٨ في ش: للحنفي. ٩ في ض: علمها. وفي ب: على. ١٠ في ب: المستحق.
[ ٤ / ٣٥ ]
الطَّلاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلطَّلاقِ، فَلا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ.
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ كَوْنُهُ تَعْلِيقًا مَفْقُودَةٌ فِي الأَصْلِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ١: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ تَنْجِيزٌ لا تَعْلِيقٌ
فَإِنْ صَحَّ هَذَا: بَطَلَ إلْحَاقُ التَّعْلِيقِ بِهِ لِعَدَمِ الْجَامِعِ؛ وَإِلاَّ٢ مُنِعَ حُكْمُ الأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي قَوْلِهِ: زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ؛ لأَنِّي إنَّمَا مَنَعْت الْوُقُوعَ؛ لأَنَّهُ تَنْجِيزٌ ٣، فَلَوْ كَانَ تَعْلِيقًا لَقُلْت بِهِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْخَصْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لا يَنْفَكُّ عَنْ مَنْعِ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ ثَابِتًا فِيهِ، أَوْ مُنِعَ حُكْمُ الأَصْلِ، كَمَا إذَا كَانَ ثَابِتًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: لا يَتِمُّ الْقِصَاصُ ٤
وَقَوْلُهُ "لَيْسَ بِحُجَّةٍ" خَبَرٌ لِقَوْلِهِ "وَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ".
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُسَمَّى٥ مُرَكَّبَ الأَصْلِ، وَالْقِيَاسَ الْمُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ، لَيْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ
_________________
(١) ١ في ض ب: قول. ٢ في ش: ولا أمنع. ٣ في ش: تنجيز لا تعليق. ٤ شرح العضد ٢/٢١٢. ٥ في ش: النسبي.
[ ٤ / ٣٦ ]
الأَكْثَرِ١.
أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ الْخَصْمَ لا يَنْفَكُّ عَنْ مَنْعِ ٢الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ أَوْ مَنْعِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ فَلا يَتِمُّ الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلأَنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ مَنْعِ الأَصْلِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّعْلِيقُ ثَابِتًا فِيهِ، أَوْ مَنْعِ حُكْمِ الأَصْلِ إذَا كَانَ ثَابِتًا.
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: لا يَتِمُّ الْقِيَاسُ٣.
"وَ" قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٤ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ "لَوْ سَلَّمَهَا" أَيْ سَلَّمَ الْخَصْمُ الْعِلَّةَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنَّهَا٥ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ "فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا" فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ "أَوْ سَلَّمَهُ" أَيْ سَلَّمَ وُجُودَهَا "الْخَصْمُ" حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيهِ "انْتَهَضَ الدَّلِيلُ" عَلَيْهِ، لِتَسْلِيمِهِ فِي الثَّانِي، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ فِي الأَوَّلِ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا،
_________________
(١) ١ انظر "شرح العضد ٢/٢١١، نشر البنود ٢/١٢٢، المنخول ص ٣٩٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٢١، الآيات البينات ٤/١٩، نهاية السول ٣/١١٩، إرشاد الفحول ص ٢٠٦، تيسير التحرير ٣/٢٨٩، فواتح الرحموت ٢/٢٤٥، المسودة ص ٣٩٩". ٢ ساقطة من ش. ٣ ومعنى عدم تمام القياس أنه غير ناهض على الخصم. أما مجرد ثبوت الحكم في حق القائس ومقلديه، فيكفي فيه ثبوت حكم الأصل وعلته بطريق صحيح عنده. "نشر البنود ٢/١٢٢". ٤ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢١١ وما بعدها. ٥ في ش: التي ذكرها.
[ ٤ / ٣٧ ]
أَوْ غَلَبَ١ عَلَى ظَنِّهِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ٢.
"وَيُقَاسُ عَلَى عَامٍّ خُصَّ، كَلائِطٍ وَآتٍ بَهِيمَةً عَلَى زَانٍ".
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الأَصَحُّ، لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ٣.
وَقِيلَ: لا؛ لِضَعْفِ مَعْنَاهُ لِلْخِلافِ فِيهِ.
_________________
(١) ١ في ض: وغلب. ٢ انظر: نشر البنود ٢/١٢٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٢١، الآيات البينات ٤/١٩. ٣ انظر: التبصرة للشيرازي ص ٤٤٨.
[ ٤ / ٣٨ ]