"بَابٌ"
"الْكِتَابُ: الْقُرْآنُ" عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الأَعْيَانِ. بِدَلِيلِ قَوْلِ مَنْ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ١ وَالْمَسْمُوعُ وَاحِدٌ، وَبِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ﴾ ٢ وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى اتِّحَادِ اللَّفْظَيْنِ٣.
وَالْكِتَابُ فِي الأَصْلِ جِنْسٌ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ. "وَهُوَ" أَيْ الْقُرْآنُ.
"كَلامٌ مُنَزَّلٌ" أَيْ نَزَّلَهُ السَّيِّدُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ "عَلَى" قَلْبِ سَيِّدِنَا "مُحَمَّدٍ" رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا قَالَ ﷾: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤.
"مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ" أَيْ مَقْصُودٌ بِهِ الإِعْجَازُ٥، كَمَا أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِ بَيَانُ الأَحْكَامِ وَالْمَوَاعِظِ، وَقَصُّ أَخْبَارٍ مَنْ قُصَّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ٦ الأُمَمِ،
_________________
(١) ١ الآيتان ٢٩-٣٠ من الأحقاف. ٢ الآيتان ١-٢ من سورة الجن. ٣ انظر: مختصر الطوفي ص ٤٥، جمع الجوامع ١/ ٢٢٣، مناهج العقول ١/ ٢٠١، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٧، الروضة ص ٣٣. ٤ الآية ٩٧ من البقرة. ٥ انظر رأي الغزالي والبزدوي في عدم تقييد التعريف بالإعجاز في "المستصفى ١/ ١٠١، وكشف الأسرار ١/ ٢٢". ٦ ساقطة من د.
[ ٢ / ٧ ]
دَلِيلُ١ التَّحَدِّي٢ بِهِ، لِقَوْلِهِ٣ ﷾: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٤ ٥أَيْ فَأْتُوا بِمِثْلِهِ١٧، إنِ ادَّعَيْتُمْ الْقُدْرَةَ فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ ٦ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ٧ فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ ٨ أَيْ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ، أَوْ مِنْ مِثْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٩. ١٠أَيْ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِهِ٢٢.
"مُتَعَبَّدٌ بِتِلاوَتِهِ" لِتَخْرُجَ الآيَاتُ الْمَنْسُوخَةُ اللَّفْظِ سَوَاءٌ بَقِيَ حُكْمُهَا أَمْ لا. لأَنَّهَا١١ صَارَتْ بَعْدَ النَّسْخِ غَيْرَ قُرْآنٍ لِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ بِتِلاوَتِهَا. وَلِذَلِكَ لا تُعْطَى حُكْمَ الْقُرْآنِ١٢.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ز. وفي ش: المتحدي في. ٣ في ز ع: قوله. وفي ب: في قوله. ٤ الآية ٨٨ من الإسراء. ٥ ساقطة من ز. وفي ش: دليل. وفي ع سقطت لفظة أي. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ الآية ١٣ من هود. ٨ الآية ٣٨ من يونس. وفي ز ب ع ض: من مثله. وقال تعالى في سورة البقرة ٢٣: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوْا بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ . ٩ الآيتان ٣٣-٣٤ من الطور. ١٠ ساقطة من ب ع ض. ١١ في ز إنها. ١٢ انظر في تعريف القرآن الكريم "التعريفات للجرجاني ص ١٥٢. الإحكام للآمدي ١/ ١٥٩، أصول السرخسي ١/ ٢٧٩، نهاية السول ١/ ٢٠٤، كشف الأسرار ١/ ٢١، مناهل العرفان ١/ ٩، المستصفى ١/ ١٠١، فواتح الرحموت ٢/ ٧، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ١٨، تيسير التحرير ٣/ ٣، جمع الجوامع ١/ ٢٢٣، التلويح على التوضيح ١/ ١٥٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص٨٧، مختصر الطوفي ص ٤٥، أصول الفقه الإسلامي ص ٩٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٨ ]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامٌ مُنَزَّلٌ احْتَاجَ١ إلَى تَبْيِينِ مَوْضُوعِ٢ لَفْظِ الْكَلامِ وَمَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْكَلامِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا٣.
وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ الْكَلامِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ، حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُسَمَّ عِلْمُ الْكَلامِ إلاَّ لأَجْلِهَا وَ٤لِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهَا أَئِمَّةُ الإِسْلامِ الْمُعْتَبَرِينَ، الْمُقْتَدَى٥ بِهِمْ اخْتِلافًا كَثِيرًا مُتَبَايِنًا٦.
فَالْقَوْلُ الأَوَّلُ: هُوَ قَوْلُ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلاَّبٍ وَأَتْبَاعِهِ مِنْهُمْ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: أَنَّ الْكَلامَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ، وَبَيْنَ الْكَلامِ النَّفْسِيِّ. وَذَلِكَ:
_________________
(١) ١ في ش ز ض: احتيج. ٢ ساقطة من ض. ٣ ذكر العلامة البناني المراد من هذا التعريف عند علماء الأصول، وبين اختلافه عن المراد به في أصول الدين فقال: "إن القرآن عند الأصوليين أحد الأدلة الخمسة. أي أحد الأمور المحتج بها. والاحتجاج إنما هو بأبعاض اللفظ المذكور لا بمدلوله، فيكون القرآن هو اللفظ المذكور لا مدلوله، خلاف المعنى بالقرآن في أصول الدين. أي فيطلق على كل من المعنيين بالاشتراك، كما يطلق على كل منهما. حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٢٢٤". ٤ ساقطة من ش. ٥ في ع ض: والمقتدى. ٦ انظر كشف الأسرار ١/ ٢٢، مناهل العرفان ١/ ٩، كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٢٢، ٥/ ١٢٧٢، كشف الظنون ٢/ ١٥٠٣، إتمام الدراية لقراء النقاية للسيوطي ص ٣ على هامش مفتاح العلوم، التعريفات للجرجاني ص ١٦٢، فتح الباري ١٣/ ٢٧٣.
[ ٢ / ٩ ]
لأَنَّهُ١ قَدْ اُسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا. وَالأَصْلُ فِي الإِطْلاقِ الْحَقِيقَةُ، فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا٢. أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَارَةِ فَكَثِيرٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣ ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ ٤ وَيُقَالُ: سَمِعْت كَلامَ فُلانٍ وَفَصَاحَتَهُ، يَعْنِي أَلْفَاظَهُ الْفَصِيحَةَ.
وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ وَهُوَ مَدْلُولُ الْعِبَارَةِ. فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ٥ ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٦ وَقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِي يَوْمِ السَّقِيفَةِ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلامًا٧ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا٨
_________________
(١) ١ في ع: أنه. ٢ انظر: التمهيد للإسنوي ص ٣٠، المستصفى ١/ ١٠٠، حاشية البناني ١/ ٢٢٤، فتاوى ابن تيمية ٧/ ١٧٠، ١٢/ ٦٧، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٤، مختصر الطوفي ص ٤٥، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٠٤، المحصول للرازي ١/ ٢٣٥. ٣ الآية ٦ من التوبة. ٤ الآية ٧٥ من البقرة. وفي ش ز ض ع ب: "وهم يسمعون"، وهو خطأ. وتمام الآية: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ . ٥ الآية ٨ من المجادلة. ٦ الآية ١٣ من الملك. ٧ أي هيأت وأصلحت من التزوير، وهو إصلاح الشيء وتحسينه. وقد جاء في رواية أخرى عن عمر: ما زورت كلامًا لأقوله إلا سبقني به أبو بكر. "انظر لسان العرب ٤/ ٣٣٦ وما بعدها ووجه الدلالة في قول عمر أنه سمى ما في النفس كلامًا قبل التكلم به. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ١١٠". ٨ البيت للأخطل. وقال جماعة: إنه لغيره؛ لأن هذا البيت لا يوجد في ديوان الأخطل. وقد أضيف إلى ديوانه في قسم الزيادات عند طباعة شعر الأخطل في بيروت "ص=
[ ٢ / ١٠ ]
وَالأَصْلُ فِي الإِطْلاقِ: الْحَقِيقَةُ. قَالَ الأَشْعَرِيُّ: لَمَّا كَانَ يَسْمَعُهُ بِلا انْخِرَاقٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ بِلا حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ: "أَنَّ قَوْمًا جَعَلُوا الْكَلامَ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى مَجَازًا فِي الْعِبَارَةِ. وَقَوْمًا عَكَسُوا، وَقَوْمًا قَالُوا: بِالاشْتِرَاكِ. فَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ وَنُقِلَتْ عَنْ الأَشْعَرِيِّ١".
وَالْمَعْنَى النَّفْسِيُّ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَنَعْنِي بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ: أَيْ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُفْرَدَيْنِ، تَعَلُّقَ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ، وَإِضَافَتَهُ إلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الإِسْنَادِ الإِفَادِيِّ، بِحَيْثُ٢ إذَا عُبِّرَ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ بِلَفْظٍ يُطَابِقُهَا وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا: كَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إسْنَادًا إفَادِيًّا٣. وَمَعْنَى قِيَامِ النِّسْبَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ: مَا قَالَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ٤، وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي مَاءً فَقَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ قَامَ بِنَفْسِهِ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّقْيِ وَحَقِيقَةِ الْمَاءِ وَالنِّسْبَةِ الطَّلَبِيَّةِ بَيْنَهُمَا. فَهَذَا هُوَ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ. وَالْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَصِيغَةُ٥ قَوْلِهِ: "اسْقِنِي مَاءً"، عِبَارَةٌ عَنْهُ ٦وَدَلِيلٌ عَنْهُ٦.
_________________
(١) = ٥٠٨. وقد نسبه إلى الأخطل ابن هشام في شذور الذهب ص ٢٨، وابن يعيش الحلبي في "شرح المفصل للزمخشري ١/ ٢١"، "والجاحظ في البيان والتبيين ١/ ٢١٨" والقرافي في شرح تنقيح الفصول ص ١٢٦ وغيرهم. انظر: معجم شواهد العربية ١/ ٢٧١. ١ المستصفى ١/ ١٠٠. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٦، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٦٧، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٤، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/ ١٠٤. ٢ في ز ض ع ب: أي بحيث. ٣ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ١٨، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٠٣. ٤ انظر الأربعين في أصول الدين للرازي ص ١٧٤، غاية المرام ص ٩٧. ٥ في د: وهو صيغة. ٦ ساقطة من ش.
[ ٢ / ١١ ]
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: كُلُّ عَاقِلٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْخَبَرَ عَنْ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ، وَعَنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ثُمَّ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ وَلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالْمُخْتَلِفُ هُوَ الْكَلامُ اللِّسَانِيُّ، وَغَيْرُ الْمُخْتَلِفِ هُوَ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُسَمَّى١ ذَلِكَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ: سَمْعًا؛ لأَنَّ إدْرَاكَ الْحَوَاسِّ إنَّمَا هِيَ عُلُومٌ خَاصَّةٌ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ فَكُلُّ إحْسَاسٍ عِلْمٌ وَلَيْسَ كُلُّ عِلْمٍ إحْسَاسًا٢. فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعِلْمُ الْخَاصُّ فِي نَفْسِ مُوسَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْكَلامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى٣ بِاسْمِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ السَّمَاعُ. اهـ.
هَذَا حَقِيقَةُ مَذْهَبِهِمْ. لَكِنَّ الأَشْعَرِيَّ وَأَتْبَاعَهُ قَالُوا: الْقُرْآنُ الْمَوْجُودُ عِنْدَنَا حِكَايَةُ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَابْنُ كُلاَّبٍ وَأَتْبَاعُهُ. قَالُوا: الْقُرْآنُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ النَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى لا عَيْنِهِ٤.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَ٥رَأَيْت الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ عَكَسَ عَنْهُمَا. فَجَعَلَ الْعِبَارَةَ عَنْ الأَشْعَرِيِّ، وَالْحِكَايَةَ عَنْ ابْنِ كُلاَّبٍ٦.
وَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ يُسْمَعُ عِنْدَ تِلاوَةِ كُلِّ تَالٍ وَقِرَاءَةِ كُلِّ قَارِئٍ.
_________________
(١) ١ في ب: وسمي. ٢ في ش: احساس. ٣ في ب: سمي. ٤ قال الآمدي: "الكتاب هو الكلام المعبر عن الكلام النفساني". "الإحكام له ١/ ١٥٩". وانظر: الفصل في الملل والنحل ٣/ ٦. ٥ ساقطة من ع. ٦ هذا ما نقله المصنف عن الشيخ تقي الدين في فتوى الأزهرية فيما بعد ص ٣٤.
[ ٢ / ١٢ ]
وَقَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ: إنَّمَا نَسْمَعُ١ التِّلاوَةَ دُونَ الْمَتْلُوِّ، وَالْقِرَاءَةَ دُونَ الْمَقْرُوءِ٢.
وَذَهَبَ الإِمَامُ أَحْمَدُ إمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ مُدَافَعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ، وَإِمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلا شَكٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ﵁، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ - قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ فِي الأَمْرِ، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ - إلَى أَنَّ الْكَلامَ لَيْسَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْعِبَارَةِ وَمَدْلُولِهَا، بَلْ الْكَلامُ حَقِيقَةً: هُوَ الْحُرُوفُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الصَّوْتِ٣، وَإِلَى ذَلِكَ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ.
"وَالْكَلامُ حَقِيقَةً" أَيْ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلاقِهِ أَنَّهُ٤ "الأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْمَعْرُوفُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ فِرَقِ الأُمَّةِ. فَإِنَّ جَمَاهِيرَ الطَّوَائِفِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ٥ بِصَوْتٍ، مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي أَنَّ كَلامَهُ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ، أَوْ مَا زَالَ يَتَكَلَّمُ٦.
_________________
(١) ١ في ع ض: تسمع. ٢ الإنصاف للباقلاني ص ٨٠. والمتلو هو اللفظ. والمكتوب هو أشكال الحروف. والمسموع هو الصوت. وأما التلاوة والكتابة والسماع بالمعاني المصدرية فإنما هي نسب بين التالي والمتلو، والكاتب والمكتوب، والسامع والمسموع. فطرفا كل من هذه النسب مخلوقان. وإنما القديم هو ما قام به سبحانه. وإطلاق المتلو والمحفوظ والمكتوب والمسموع على ما قام به سبحانه من قبيل وصف المدلول بصفة الدال. "انظر تعليق الشيخ محمد زاهد الكوثري على الإنصاف ص ٨٠". ويقول الباقلاني أيضًا: "التلاوة غير المتلو، كما أن العبادة غير المعبود، والذكر غير المذكور، والدعاء غير المدعو. الإنصاف ص ٨٢". ٣ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٤. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ش ز: تكلم. ٦ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٢٤٣، غاية المرام ص ٨٨، الإنصاف للباقلاني ص ١١٠.
[ ٢ / ١٣ ]
"وَإِنْ١ سُمِّيَ بِهِ" أَيْ يُسَمَّى بِالْكَلامِ "الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ وَهُوَ" أَيْ الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ "نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ" أَيْ٢ تِلْكَ النِّسْبَةُ "بِالْمُتَكَلِّمِ" وَتَقَدَّمَ٣ الْكَلامُ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ، يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ الْكَلامُ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ "فَ" إطْلاقُهُ عَلَيْهِ "مَجَازٌ" وَهَذَا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ٤.
قَالَ الطُّوفِيُّ: إنَّمَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْعِبَارَةِ، مَجَازًا٥ فِي مَدْلُولِهَا لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَى فَهْمِ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ إطْلاقِ الْكَلامِ: إنَّمَا هُوَ٦ الْعِبَارَاتُ، وَالْمُبَادَرَةُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَلامَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَلْمِ، لِتَأْثِيرِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ إنَّمَا هُوَ الْعِبَارَاتُ، لا الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةُ بِالْفِعْلِ، نَعَمْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِلْفَائِدَةِ بِالْقُوَّةِ، وَالْعِبَارَةُ مُؤَثِّرَةٌ بِالْفِعْلِ. فَكَانَتْ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وَمَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا بِالْقُوَّةِ مَجَازٌ.
قَالَ الْمُخَالِفُونَ: اُسْتُعْمِلَ لُغَةً وَعُرْفًا فِيهِمَا.
قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ بِالاشْتِرَاكِ أَوْ بِالْحَقِيقَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِالْمَجَازِ٧ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ؟ وَالأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
_________________
(١) ١ في ز ب ش: وإنما. ٢ ساقطة من ب ع ض. ٣ في ش: ويقدم. ٤ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٤، فواتح الرحموت: ٢/ ٦. ٥ في ش ز: مجاز. وهو خطأ. ٦ ساقطة من ض. ٧ في ش ز: والمجاز.
[ ٢ / ١٤ ]
قَالُوا: الأَصْلُ فِي الإِطْلاقِ الْحَقِيقَةُ.
قُلْنَا: وَالأَصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ، ثُمَّ إذَا١ تَعَارَضَ٢ الْمَجَازُ وَ٣الاشْتِرَاكُ الْمُجَرَّدُ، فَالْمَجَازُ٤ أَوْلَى، ثُمَّ إنَّ لَفْظَ الْكَلامِ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَارَاتِ، وَكَثْرَةُ مَوَارِدِ الاسْتِعْمَالِ تَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٥ فَمَجَازٌ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ بِالْقَرِينَةِ. وَهِيَ قَوْلُهُ: "فِي أَنْفُسِهِمْ"، وَلَوْ أُطْلِقَ لَمَا فُهِمَ إلاَّ الْعِبَارَةُ. وَكَذَلِكَ٦ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إنَّمَا يُفِيدُ مَعَ الْقَرِينَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ "زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلامًا" إنَّمَا أَفَادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِي نَفْسِي
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٧ فَلا حُجَّةَ فِيهِ، لأَنَّ الإِسْرَارَ نَقِيضُ الْجَهْرِ. وَكِلاهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ إحْدَاهُمَا أَرْفَعُ صَوْتًا مِنْ الأُخْرَى٨.
وَأَمَّا الشِّعْرُ: فَهُوَ لِلأَخْطَلِ٩. وَيُقَالُ: إنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ: "إنَّ الْبَيَانَ لَفِي
_________________
(١) ١ في ز: قد. ٢ في ر: يعارض. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ز: والمجاز. ٥ الآية ٨ من المجادلة. وفي ش ز ب ع: يقولون ٦ في ز: ولذلك. ٧ الآية ١٣ من الملك. ٨ انظر مناقشة هذه الأدلة بإسهاب في كتاب الإيمان "لابن تيمية ص ١١٣ وما بعدها". ٩ هو غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك، من بني تغلب، الشاعر المشهور في العصر الأموي، كان يُشَبّه من شعراء الجاهلية بالنابغة الذبياني. وكان يمدح بني أمية، مدح=
[ ٢ / ١٥ ]
الْفُؤَادِ"، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْتُمْ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ مَادَّةِ الْكَلامِ، وَهُوَ التَّصَوُّرَاتُ الْمُصَحِّحَةُ لَهُ؛ إذْ مَنْ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ١ مَعْنَى٢ مَا يَقُولُ لا يُوجَدُ مِنْهُ٣ كَلامٌ، ثُمَّ هُوَ مُبَالَغَةٌ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ فِي تَرْجِيحِ الْفُؤَادِ عَلَى اللِّسَانِ. اهـ كَلامُ الطُّوفِيِّ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "النُّونِيَّةِ": أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ: رَدَّ كَلامَ النَّفْسِ مِنْ تِسْعِينَ وَجْهًا٤.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: "مَنْ أَحَالَ سَمَاعَ مُوسَى كَلامًا لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ فَلْيُحْلِلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ ذَاتٍ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلا عَرَضٍ٥". اهـ.
قَالَ الطُّوفِيُّ: كُلُّ هَذَا تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ، بَلْ عَنْ الْقَاطِعِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلاَّ خَيَالاتٌ لاغِيَةٌ. وَأَوْهَامٌ مُتَلاشِيَةٌ. وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْمَعَانِيَ لا تَقُومُ شَاهِدًا إلاَّ بِالأَجْسَامِ. فَإِنْ أَجَازُوا مَعْنًى قَامَ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا، فَلْيُجِيزُوا خُرُوجَ صَوْتٍ مِنْ الذَّاتِ الْقَدِيمَةِ وَلَيْسَتْ جِسْمًا،
_________________
(١) =معاوية ومن بعدهما حتى هلك. وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل عصرهم، وهم: جرير والفرزدق والأخطل. وكان حسن الديباجة، في شعره إبداع، وكان كثير العناية بشعره ينظم القصيدة، ويسقط ثلثيها، ثم يظهر مختارها. له ديوان شعر مطبوع. وقد خطله كعب بن جُعيل، وقال له: "إنك لأخطل يا غلام"، والخطل السفه وفحش القول، وكان الأخطل هجّاءً بذيئًا، مات سنة ٩٠هـ. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء ص ٤٥٥، الأغاني ٨/ ٢٨٠، طبقات فحول الشعراء للجمحي ١/ ٢٩٨، شرح شواهد المغني للسيوطي ١/ ١٢٣، الأعلام للزركلي ٥/ ٣١٨". ١ ساقطة من ع ض. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش ز ض: فيه. ٤ انظر الكافية بشرح النونية ١/ ٢٠٦، ٢٢٤، ٢٦٤، الإيمان لابن تيمية ص ١١٠. ٥ الأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٠.
[ ٢ / ١٦ ]
إذْ كِلاَ١ الأَمْرَيْنِ خِلافُ الشَّاهِدِ، وَمَنْ أَحَالَ كَلامًا لَفْظِيًّا مِنْ غَيْرِ جِسْمٍ فَلْيُحْلِلْ ذَاتًا مَرْئِيَّةً مِنْ غَيْرِ جِسْمٍ، وَلا فَرْقَ.
ثُمَّ قَالَ الطُّوفِيُّ: وَالْعَجَبُ٢ مِنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ - مَعَ أَنَّهُمْ عُقَلاءُ فُضَلاءُ - يُجِيزُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَسَمْعًا لِكَلامِهِ النَّفْسِيِّ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ ٣حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ٥. وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَاصَّةِ مُوسَى ﵇، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ قَلْبٌ لِحَقِيقَةِ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ، إذْ حَقِيقَةُ السَّمْعِ فِي الشَّاهِدِ إيصَالُ٤ الأَصْوَاتِ بِحَاسَّةٍ٥، ثُمَّ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ ٦بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ٨ قَدِيمَيْنِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ، لِكَوْنِ٧ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلشَّاهِدِ٨ فَإِنْ جَازَ قَلْبُ حَقِيقَةِ السَّمْعِ شَاهِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلامِهِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ٩١٠مُخَالَفَتُهُ لِلشَّاهِدِ١٢ بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِوَائِهِ وَكَلامِهِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؟
فَإِنْ قَالُوا: لأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ حَرْفٍ وَصَوْتٍ إلاَّ١١ مِنْ جَسَدٍ وَوُجُودٌ فِي جِهَةٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ش: والعجيب. ٣ في ب ع ض: صوت ولا حرف. ٤ في ش ز ب: أيضًا سماع. وفي ض: أيضًا. ٥ في ش: بحاسته. وفي ب ع ض: بحاسيته. ٦ في ب ع ض: بصوت وحرف. ٧ في ش ز: لكونه. ٨ في ز: لشاهد. ٩ في ع ض: يجيزوا. ١٠ في ش ز ع ض: مخالفة الشاهد. ١١ في ع ض: لا.
[ ٢ / ١٧ ]
قُلْنَا: إنْ عَنَيْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ بِالإِضَافَةِ إلَى الشَّاهِدِ. فَسَمَاعُ كَلامٍ١ بِدُونِ تَوَسُّطِ صَوْتٍ وَحَرْفٍ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ عَنَيْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ مُطْلَقًا فَلا نُسَلِّمُ، إذْ الْبَارِي ﷻ عَلَى خِلافِ الْمُشَاهَدِ٢ وَالْمَعْقُولِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. وَقَدْ وَرَدَتْ النُّصُوصُ بِمَا قُلْنَاهُ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. اهـ.
وَ٣قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ٤ عَنْ قَوْلِ الأَشْعَرِيِّ: "لَمَّا كَانَ سَمْعُهُ بِلا انْخِرَاقٍ. وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ بِلا حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ" هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَلا يَقْتَضِي مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ سَمْعَهُ لَمَّا كَانَ بِلا انْخِرَاقٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُهُ بِلا لِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ وَحَنَكٍ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْكَلامُ مِنْ٥ غَيْرِ حَرْفٍ، وَكَانَتْ الْحُرُوفُ عِبَارَةً عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ لِتِلْكَ الْعِبَارَةِ بِحُكْمٍ، إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحْدَثَهَا فِي صَدْرٍ أَوْ لَوْحٍ، أَوْ أَنْطَقَ بِهَا بَعْضَ عَبِيدِهِ فَتَكُونَ مَنْسُوبَةً إلَيْهِ. فَيَلْزَمَ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ: أَنْ يُفْصِحَ بِمَا عِنْدَهُ فِي٦ السُّوَرِ وَالآيِ وَالْحُرُوفِ: أَهِيَ٧ عِبَارَةُ جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ؟
_________________
(١) ١ في ش: كلامه. ٢ في ز ع ب ض: المشاهدة. ٣ ساقطة من ب. ٤ هو عبيد الله بن سعيد بن حاتم، أبو نصر السجستاني أو السجزي، نسبة إلى سجستان، الإمام الحافظ، كان متقنًا بصيرًا بالحديث والسنة، واسع الرواية، نزيل الحرم ومصر، وله كتاب "الإبانة الكبرى" في القرآن. وهو كتاب طويل يدل على إمامته وبصره بالرجال والطرق، مات بمكة سنة ٤٤٤هـ. انظر ترجمته في "العقد الثمين ٥/ ٣٠٧، تذكرة الحفاظ ٣/ ١١١٨، حسن المحاضرة ١/ ٣٥٣، شذرات الذهب ٣/ ٢٧١، طبقات الحفاظ ص ٤٢٩". ٥ ساقطة من ز ع ب ض. ٦ في ع: من. ٧ في ش: هي.
[ ٢ / ١٨ ]
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ "وَكُنْ" حَرْفَانِ، وَلا يَخْلُو الأَمْرُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ التَّكْوِينَ كَالْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ٢ ظَاهِرَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ إيجَادَ٣ شَيْءٍ قَالَ لَهُ: ﴿كُنْ﴾ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ٤. وَقَدْ قَالَ الأَشْعَرِيُّ: إنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لا بِمَعْنَى التَّكْوِينِ. فَيَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ حَرْفَانِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِ وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ بِحَرْفٍ صَارَ بِمَعْنَى التَّكْوِينِ كَالْمُعْتَزِلَةِ. اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ، فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ" ٥فِي بَابِ كَلامِ قَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٤ وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ ﷿ وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم٦، وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ٧ ﷺ إلَى أُمَّتِهِ٨، اهـ.
_________________
(١) ١ الآية ٤٠ من النحل. وفي ش: الآية ٨٣ من يس، وهو خطأ. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ب ع ض: انجاز. ٤ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧١. ٥ في ش ز ب ض: في باب كلام الرب مع جبريل. وهذا النص غير موجود في هذا الباب "فتح الباري ١٣/ ٣٥٧". وفي ع: في باب كلام الرب مع جبريل. في باب قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ . ٦ فتح الباري ١٣/ ٣٥٧. ٧ اللفظة غير موجودة في ز ع ب ض، ولا في فتح الباري ١٣/ ٣٥٧. ٨ فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣/ ٣٥٧. وروى البخاري أن الزهري قال: "من الله الرسالة، وعلى رسول الله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم". "فتح الباري ١٣/ ٣٨٧". وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٣.
[ ٢ / ١٩ ]
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: عَنْ الْقُرْآنِ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ١.
"وَالْكِتَابَةُ كَلامٌ حَقِيقَةً٢" لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: "مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلامُ اللَّهِ٣".
وَاخْتَلَفَ كَلامُ٤ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا فِي تَسْمِيَةِ الْكِتَابَةِ كَلامًا حَقِيقَةً.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ" عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ الْكِتَابَةَ عِنْدَنَا كَلامٌ حَقِيقَةً، أَظُنُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلاقِ بِالْكِتَابَةِ٥". اهـ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت قَدْ ذَكَرَ الأَصْحَابُ: أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ صَرِيحَ الطَّلاقِ، وَنَوَى بِهِ الطَّلاقَ: يَقَعُ٦ الطَّلاقُ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ٧، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا بَلْ كَتَبَ صَرِيحَ الطَّلاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلاقِ بِهِ٨، فَلِلأَصْحَابِ فِي وُقُوعِ الطَّلاقِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ:
_________________
(١) ١ قال الإمام أحمد بن حنبل في قول السلف: "منه بدأ"أي هو المتكلم به. فإن الذين قالوا: إنه مخلوق، قالوا: خلقه في غيره، فبدأ من ذلك المخلوق، فقال السلف: منه بدأ: أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره. "انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٧، ٣٥، ٣٧، شرح الكافية ١/ ٢٩، ٢٠٥، فيض القدير ٥/ ٤١٦". ٢ قال الباقلاني: ويجب أن يُعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة. "الإنصاف ص ٩٣". ٣ انظر فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٢٤٠-٢٤٢. ٤ ساقطة من ض. ٥ المسودة ص ١٤. وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ١٦٢. ٦ في ز: وقع. ٧ انظر: المغني ٧/ ٤٨٦، المحرر في الفقه ٢/ ٥٤. ٨ ساقطة من ش.
[ ٢ / ٢٠ ]
أَحَدُهُمَا: هُوَ أَيْضًا صَرِيحٌ فَيَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَهَذَا هُوَ١ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ٢.
قَالَ نَاظِمُ "الْمُفْرَدَاتِ٣": ٤أَدْخَلَهُ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فِي الصَّرِيحِ١٠، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ. وَذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ الأَصْحَابِ٥. اهـ.
وَقَالَ فِي "الإِنْصَافِ": وَفِي "تَعْلِيقِ الْقَاضِي" مَا يَقُولُونَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُدُودِ وَالشَّهَادَاتِ هَلْ تَثْبُتُ بِالْكِتَابَةِ؟
قِيلَ: الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي الْوَصِيَّةِ تَثْبُتُ، وَهِيَ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَثْبُتَ جَمِيعُهَا؛ لأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لا تَثْبُتَ٦، لأَنَّهُ لا كِنَايَةَ لَهَا فَقَوِيَتْ، وَلِلطَّلاقِ وَالْعِتْقِ كِنَايَةٌ فَضَعُفَا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ض. ٢ في ش ز: الأصحاب في الصريح. وانظر: المغني ٧/ ٤٨٦، المحرر في الفقه ٢/ ٥٤. ٣ هو محمد بن عبد القوي بن بدران، شمس الدين، أبو عبد الله، المرداوي، المقدسي، الحنبلي، الفقيه المحدث النحوي، سمع الحديث، وتعلم الفقه، وبرع في العربية واللغة، ودرس وأفتى وصنف. قال الذهبي: "كان حسن الديانة، دمث الأخلاق، كثير الإفادة، مطرحًا للتكلف". وله تصانيف، منها: "قصيدة في الفقه"، و"منظومة الآداب" و"نظم المفردات" وكتاب "النعمة"، و"مجمع" البحرين، و"الفروق"، وعمل طبقات للحنابلة. توفي سنة ٦٩٩هـ بدمشق. انظر ترجمته في "شذرات الذهب ٥/ ٤٢٥، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٤٢، بغية الوعاة ١/ ١٦٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢١٠". ٤ في ش: أكثر الأصحاب في الصحيح أدخله. وفي ب د ع: أدخله الأصحاب في الصريح. ٥ في ش: أصحابه. ٦ في ش ز ع: يثبت.
[ ٢ / ٢١ ]
قَالَ الْمَجْدُ: لا أَدْرِي أَرَادَ صِحَّتَهَا بِالْكِتَابَةِ. أَوْ بِنِيَّتِهَا١ بِالظَّاهِرِ٢.
قَالَ فِي "الْفُرُوعِ": وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا،. اهـ.
وَقَالَ فِي "التَّحْرِيرِ٣" - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَةَ، كَلامٌ حَقِيقَةً - وَقِيلَ: لا كَالإِشَارَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَصَحُّ. اهـ. "وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ٤ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَإِذَا شَاءَ بِلا كَيْفٍ، يَأْمُرُ بِمَا شَاءَ٥ وَيَحْكُمُ٦".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى هَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَمْ٧ لا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَابْنُ كُلاَّبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ قَالُوا: لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، بَلْ كَلامُهُ لازِمٌ لِذَاتِهِ كَحَيَاتِهِ٨، ثُمَّ مِنْ هَؤُلاءِ مَنْ عَرَفَ أَنَّ الْحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ لا تَكُونُ إلاَّ مُتَعَاقِبَةً، وَالصَّوْتُ لا يَبْقَى زَمَانَيْنِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا. فَقَالَ: الْقَدِيمُ مَعْنًى وَاحِدٌ، لامْتِنَاعِ مَعَانٍ لا نِهَايَةَ لَهَا٩، وَامْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ بِعَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ. فَقَالُوا: هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ
_________________
(١) ١ في ز: نيتها. ٢ في ش ع ض: بالإيجاب. ٣ في هامش ع: شرح التحرير. ٤ لفظة الجلالة غير موجودة في ب. ٥ في ب ع ض: يشاء. ٦ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١٢٦. ٧ في ض: أو. ٨ انظر مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٧. ٩ نقل السبكي عن ابن كلاب والقلانسي أن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والنهي في الأزل، لحدوث هذه الأمور، وقدم الكلام النفسي. وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال. "انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣٠٠. وانظر فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٩، ٥١، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٤٨، الإنصاف للباقلاني ص ٩٩".
[ ٢ / ٢٢ ]
تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ بِالْكَلامِ الْعَرَبِيِّ وَالْعِبْرِيِّ، وَقَالُوا: إنَّ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَسَائِرِ١كُتُبِ اللَّهِ١ تَعَالَى مَعْنًى وَاحِدٌ، وَقَالُوا٢: مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدِّينِ مَعْنًى وَاحِدٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِيْ٣ يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُقَلاءِ إنَّهَا مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ٤.
وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، وَالتَّوْرَاةِ الْعِبْرِيَّةِ، وَأَنَّهُ نَادَى مُوسَى بِصَوْتٍ٥، وَيُنَادِي٦ عِبَادَهُ بِصَوْتٍ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ ﷾ حُرُوفَهُ وَمَعَانِيهِ، لَكِنْ اعْتَقَدُوا - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُ قَدِيمُ الْعَيْنِ٧. وَأَنَّ اللَّهَ ﷾ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَالْتَزَمُوا أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةُ الأَعْيَانِ لَمْ تَزَلْ وَلا تَزَالُ٨، وَقَالُوا: إنَّ الْبَاءَ لَمْ تَسْبِقْ السِّينَ، وَأَنَّ السِّينَ لَمْ تَسْبِقْ الْمِيمَ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْحُرُوفِ مُقْتَرِنَةٌ بِبَعْضِهَا اقْتِرَانًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا، لَمْ يَزَلْ وَلا يَزَالُ٩، وَقَالُوا: هِيَ مُتَرَتِّبَةٌ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَاهِيَّتِهَا، غَيْرُ مُتَرَتِّبَةٍ فِي وُجُودِهَا١٠.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إنَّهَا مَعَ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِي يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُقَلاءِ: إنَّهَا مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ.
_________________
(١) ١ في ب ع: كتب كلام الله. وفي ش ز: كلامه. ٢ في ش ز ع ب: و. وفي ض: وقالوا: إن. ٣ في ز: الذي. ٤ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٠، ١٤٨. فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٩. ٥ في ز: بصوته. ٦ في ش ز: ونادى. ٧ قال الرازي: "صفة الكلام قديمة". "الأربعين في أصول الدين ص ١٧٩". ٨ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢١، ٤٤، ١٥٦، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٥٠، ١٥٨، تفسير القرطبي ١/ ٥٥، الإنصاف للباقلاني ص ١١١ وما بعدها. ٩ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٥٦. ١٠ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٥١، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٨.
[ ٢ / ٢٣ ]
وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ قَدِيمٌ، وَلا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقَدِيمِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ ﷾ يَتَكَلَّمُ ١بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ١، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنَّظَرِ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ٢، لَكِنْ مِنْ هَؤُلاءِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الأَزَلِ بِمَشِيئَتِهِ٣. كَمَا٤ لَمْ يَكُنْ٥ يُمْكِنُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَفْعَلَ فِي الأَزَلِ شَيْئًا، فَالْتَزَمُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، كَمَا أَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ وَالْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ٦.
وَأَمَّا السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ ﷾ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ قَدِيمَ النَّوْعِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ. فَإِنَّ الْكَلامَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لا٧ يَتَكَلَّمُ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلامُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا مِنْهُ، أَوْ قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ. فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟ لامْتِنَاعِ أَنْ يَصِيرَ الرَّبُّ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنْ يَكُونَ التَّكَلُّمُ وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنٍ؟ ٨ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي "أُصُولِهِ" فِي الأَمْرِ: الأَمْرُ٩ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ
_________________
(١) ١ في ب ع ض: بمشيئته وقدرته. ٢ انظر: الجواب الصحيح ٢/ ١٤٣، السنة ص ١٥، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٤٩. ٣ في ع: بمشيئة. ٤ في ب: وكما. ٥ ساقطة من ز ع ب ض. ٦ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٩-٣٠، ٦٨، توضيح المقاصد ١/ ٢٦٢. ٧ في ع: لم. ٨ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٤٤، ١٣٧، توضيح المقاصد ١/ ٢٦٢. ٩ ساقطة من ش.
[ ٢ / ٢٤ ]
الْكَلامِ، وَالْكَلامُ الأَلْفَاظُ الْمُتَضَمِّنَةُ١ لِمَعَانِيهَا. وَالإِنْسَانُ قَبْلَ تَلَفُّظِهِ يَقُومُ بِقَلْبِهِ طَلَبٌ فَيَفْزَعُ إلَى اللَّفْظِ، كَمَا إذَا قَالَ: "اسْقِنِي مَاءً"، كَأَنَّهُ يَجِدُ طَلَبًا قَائِمًا بِقَلْبِهِ. فَيَقْصِدُ اللَّفْظَ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ. وَقَالَتْ أُخْرَى٢: إرَادَةُ الْفِعْلِ٣. وَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ: هُوَ كَلامُ النَّفْسِ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ٤. وَأَنْكَرَتْ٥ الْجَمَاهِيرُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قِيَامَ مَعْنًى بِالنَّفْسِ غَيْرَ الْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ٢. وَقَالُوا: الْقَائِمُ بِالْقَلْبِ هُوَ صُورَةُ مَا تُرِيدُ النُّطْقَ بِهِ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ٦: الَّذِي يَجِدُهُ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: هُوَ اسْتِحْضَارُ صُوَرِ الْكَلامِ وَالْعِلْمُ بِمَا٧ يَقُولُهُ٨ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْعَزْمُ عَلَى إيرَادِهِ
_________________
(١) ١ في ز ش ب ع: المنتظمة. ٢ في ض: الأخرى. ٣ انظر رد الإمام فخر الدين الرازي على كون الطلب هو الإرادة، وأنه يرى أن الطلب مغاير للإرادة، ولا يجوز أن يكون عبارة عن الإرادة. "الأربعين في أصول الدين ص ١٧٤". ٤ ساقطة من ض. ٥ في ش: وأنكر. ٦ هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسين البصري المعتزلي، أحد أئمة المعتزلة. كان مشهورًا في علمي الأصول والكلام، وكان قوي الحجة والمعارضة في المجادلة والدفاع عن آراء المعتزلة. قال ابن خلكان: "كان جيد الكلام، مليح العبارة، غزير المادة، إمام وقته". وله تصانيف، منها: "المعتمد" في أصول الفقه، و"تصفح الأدلة"، و"غرر الأدلة"، و"شرح الأصول الخمسة"، و"نقض الشافي" في الإمامة، و"نقض المقنع". توفي سنة ٤٣٦هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٣/ ٤٠١، شذرات الذهب ٣/ ٢٥٩، الفتح المبين / ٢٣٧، فرق وطبقات المعتزلة ص ١٢٥". ٧ في ز ش: بها. ٨ في ض: يقوم له.
[ ٢ / ٢٥ ]
بِاللِّسَانِ، كَمَا يَسْتَحْضِرُ صُورَةَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ، وَلا مُقْتَضَى لإِثْبَاتِ أَمْرٍ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ: وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ كَلامًا فِي اللُّغَةِ، وَلا يُسَمَّى الإِنْسَانُ لأَجْلِهِ مُتَكَلِّمًا وَلِذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ لِلسَّاكِتِ: إنَّهُ غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ، وَإِنْ جَازَ أَنْ١ يَقُومَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. لا يَقُولُونَ لِلسَّاكِتِ: إنَّهُ غَيْرُ مُرِيدٍ، وَلا عَالِمٍ.
قَالَ: وَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ: فِي "نَفْسِي كَلامٌ مَجَازٌ". وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عَزْمٌ عَلَى الْكَلامِ، كَقَوْلِهِمْ: فِي نَفْسِي السَّفَرُ. قَالَ: وَلَوْ ثَبَتَ فِي النَّفْسِ مَعْنًى هُوَ الْكَلامُ عَنْ الاعْتِقَادَاتِ وَالْعَزْمِ، لَكَانَ مُحْدَثًا؛ لأَنَّ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ مُرَتَّبٌ يَتَجَدَّدُ فِي النَّفْسِ بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ، وَمُرَتَّبٌ حَسَبَ تَرْتِيبِ٢ الْكَلامِ الْمَسْمُوعِ. فَإِنْ كَانَ٣ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَى مَا٤ فِي النَّفْسِ مِنْ الْكَلامِ فِي الشَّاهِدِ: اسْتَحَالَ قِدَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ، بَطَلَ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَا أَثْبَتْنَاهُ مَعْقُولٌ فِي الشَّاهِدِ.
وَقَالَتْ الأَشَاعِرَةُ: ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ هُوَ الْكَلامُ. وَالْحُرُوفُ وَالأَصْوَاتُ دَلالاتٌ٥ عَلَيْهِ وَمُعَرِّفَاتٌ، وَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ. هِيَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالاسْتِخْبَارُ٦، وَأَنَّهَا صِفَاتٌ لَهُ٧، لا أَنْوَاعٌ. فَإِنْ٨ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ
_________________
(١) ١ في ش ز ب: أنه. ٢ ساقطة من ش. وفي د ض: ترتب. ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ع. ٥ في ش: دلات. ٦ يقول الباقلاني: ويجب أن يعلم أن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس، لكن جعل عليه أمارات تدل عليه. "الإنصاف ص ١٠٦، ١٠٩". ٧ ساقطة من ض. ٨ في ز ع ب ض: إن.
[ ٢ / ٢٦ ]
كَانَ عَرَبِيًّا، أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ كَانَ سُرْيَانِيًّا. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ، وَأَنَّهُ لا يَتَبَعَّضُ وَلا يَتَجَزَّأُ١. ثُمَّ اخْتَلَفُوا.
فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: الْكَلامُ الْمُطْلَقُ حَقِيقَةً: هُوَ مَا فِي النَّفْسِ، شَاهِدًا أَوْ غَائِبًا، وَإِطْلاقُ الْكَلامِ عَلَى الْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ مَجَازٌ.
وَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي اللِّسَانِ مَجَازٌ فِي النَّفْسِيِّ.
وَلَيْسَ الْخِلافُ جَارِيًا فِي نَفْسِ الْكَلامِ، بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِ الْكَلامِ.
قَالَ الرَّازِيّ فِي "الأَرْبَعِينَ": "مَاهِيَّةُ ذَلِكَ الطَّلَبِ مُغَايِرَةٌ لِذَلِكَ اللَّفْظِ٢، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ مَاهِيَّةَ هَذَا الْمَعْنَى لا تَتَبَدَّلُ بِاخْتِلافِ الأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ، وَالأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ٣ الأَزْمِنَةِ وَالأَمْكِنَةِ٤".
_________________
(١) ١ يقول الآمدي: "إن الكلام قضية واحدة، ومعلوم واحد، قائم بالنفس، وإن اختلاف العبارات والتعبيرات عنه إنما بسبب اختلاف المتعلقات والنسب والإضافات مما يقع به التضاد أو الاختلاف أو التعدد". "غاية المرام ص ١١٥". وانظر: نفس المرجع ص ١١٣، ١١٥ وما بعدها، الإنصاف للباقلاني ص ١٠٦. ٢ قال الرازي تحت عنوان في حقيقة الكلام: "اعلم أن الإنسان إذا أراد أن يقول: اسقني الماء، فإنه قبل أن يتلفظ بهذا اللفظ يجد في نفسه طلبًا واقتضاءً لذلك الفعل، وماهية ذلك الطلب "الأربعين في أصول الدين ص ١٧٤". ٣ في ش: باخلاف. ٤ كتاب الأربعين ص ١٧٤.
[ ٢ / ٢٧ ]
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قِيلَ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: إنْ أَرَدْت اخْتِلافَ أَجْنَاسِهَا، فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَلا يَنْفَعُك١، وَإِنْ أَرَدْت اخْتِلافَ قَدْرِهَا وَصِفَتِهَا فَمَمْنُوعٌ، لأَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَبَ الْحَاصِلَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ مَعَ الصَّوْتِ الْجَهْوَرِيِّ مُمَاثِلٌ لِلطَّلَبِ بِاللَّفْظِ الأَعْجَمِيِّ٢ مَعَ الصَّوْتِ الضَّعِيفِ. وَهَذَا لأَنَّ الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ قَدْ يَتَفَاوَتُ، فَيَكُونُ طَلَبٌ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ وَأَكْمَلُ.
الثَّانِي ٣: هَبْ أَنَّ الْمَدْلُولَ مُتَّحِدٌ وَالدَّالَّ مُخْتَلِفٌ. لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ وُجُودُ الْمَدْلُولِ مَشْرُوطًا بِالدَّلِيلِ؟ فَهُوَ وَإِنْ غَايَرَهُ لَكِنْ لا يُوجَدُ إلاَّ بِوُجُودِهِ. أَلا تَرَى أَنَّ كَوْنَ الإِنْسَانِ مُخْبِرًا لِغَيْرِهِ لا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ ظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ مِنْ الْمَعْنَى. وَذَلِكَ الأَمْرُ الظَّاهِرُ وَإِنْ اخْتَلَفَ، لَكِنْ لا يَكُونُ مُخْبَرًا إلاَّ بِهِ. وَإِذَا لاحَ لَك ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كَوْنِ الْمَعْنَى مُغَايِرًا كَافِيًا ٤فِي مَطْلُوبِهِ٦.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَعْنَى قَائِمٌ بِالرُّوحِ، وَاللَّفْظُ قَائِمٌ بِالْبَدَنِ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الرُّوحِ فِي هَذَا الْعَالَمِ لا يُمْكِنُ إلاَّ مَعَ الْبَدَنِ. وَأَيْضًا فَكَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُتَلازِمَيْنِ دَلِيلًا عَلَى الآخَرِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمَدْلُولِ بِدُونِ الدَّلِيلِ، كَالأُمُورِ الْمُتَضَايِفَةِ، كَالأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ. قَالَ الرَّازِيّ:
"الْوَجْهُ الثَّانِي": أَنَّ جَمِيعَ الْعُقَلاءِ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ:
_________________
(١) ١ في هامش ز: ينفك. ٢ في ع ض: العجمي. ٣ في ع: والثاني. ٤ في ع: لمطلوبه.
[ ٢ / ٢٨ ]
"افْعَلْ"، دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ ١الطَّلَبِ بِالْقَلْبِ. وَالدَّلِيلُ٧ مُغَايِرٌ لِلْمَدْلُولِ٢.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَبْ أَنَّ الأَمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ الْمَدْلُولُ بِدُونِ٣ دَلِيلِهِ.
قَالَ الرَّازِيّ:
"الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ جَمِيعَ الْعُقَلاءِ يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: "افْعَلْ"، لا يَكُونُ طَلَبًا وَأَمْرًا إلاَّ عِنْدَ اصْطِلاحِ النَّاسِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ٤. فَأَمَّا٥ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ طَلَبًا فَإِنَّهُ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ حَقِيقِيٌّ، لا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْوَضْعِ وَالاصْطِلاحِ٦".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قِيلَ: مَا ذَكَرْت مَمْنُوعٌ. فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَجْعَلُونَ اللُّغَاتِ اصْطِلاحِيَّةً، بَلْ إمَّا تَوْقِيفِيَّةٌ بِإِلْهَامٍ أَوْ بِغَيْرِ٧ إلْهَامٍ. وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ. وَلَوْ سُلِّمَ، فَلِمَ قُلْت بِإِمْكَانِ وُجُودِهِ بِدُونِ اللَّفْظِ؟
قَالَ الرَّازِيّ:
"الْوَجْهُ الرَّابِعُ": هُوَ٨ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ قَوْلَنَا: "ضَرَبَ، وَيَضْرِبُ٩".
_________________
(١) ١ في الأربعين ص ١٧٤: الطلب القائم بالقلب، ولا شك أن الدليل. ٢ كتاب الأربعين في أصول الدين ص ١٧٤. ٣ في ب ض: دون. ٤ في "الأربعين": الموضوع. ٥ في "الأربعين": وأما. ٦ كتاب الأربعين ص ١٧٤. ٧ في ش ز: غير. ٨ في "الأربعين": وهو. ٩ في ش: ويضرب.
[ ٢ / ٢٩ ]
إخْبَارٌ، وَقَوْلَنَا: "اضْرِبْ وَلا تَضْرِبْ"، أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَلَوْ أَنَّ الْوَاضِعِينَ قَلَبُوا الأَمْرَ وَقَالُوا بِالْعَكْسِ لَكَانَ جَائِزًا١. أَمَّا لَوْ قَالُوا: إنَّ٢ حَقِيقَةَ الطَّلَبِ يُمْكِنُ أَنْ تُقْلَبَ٣ خَبَرًا أَوْ حَقِيقَةَ الْخَبَرِ يُمْكِنُ أَنْ تُقْلَبَ٤ طَلَبًا، لَكَانَ ذَلِكَ مُحَالًا٥".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قِيلَ: لَوْ سُلِّمَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لا يَكُونَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَشْرُوطًا بِالآخَرِ. وَأَيْضًا أَنْتُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّلَبِ وَحَقِيقَةَ الْخَبَرِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، بَلْ ادَّعَى الرَّازِيّ أَنَّ حَقِيقَةَ الطَّلَبِ دَاخِلَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ. فَقَالَ فِي كَوْنِ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدًا٦، أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْكَلامُ كُلُّهُ خَبَرٌ؛ ٧لأَنَّ الأَمْرَ١٣ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْرِيفِ فِعْلِهِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَصَارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ. وَكَذَا الْقَوْلُ فِي النَّهْيِ وَإِذَا كَانَ مَرْجِعُ الْكُلِّ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ - وَهُوَ الْخَبَرُ - صَحَّ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ وَاحِدٌ٨.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٩ فَلَمْ
_________________
(١) ١ في "الأربعين": ذلك جائزًا ممكنًا. وفي ض: جائز. ٢ ساقطة من كتاب "الأربعين". ٣ في "الأربعين": تنقلب. ٤ في الأربعين: تنقلب. ٥ كتاب الأربعين ص ١٧٤. ٦ في ض: واحد. ٧ في ش: لا الأمر. وفي ز: لا للأمر. ٨ كتاب الأربعين ص ١٨٠. ٩ الآيتان ١٠-١١ من مريم.
[ ٢ / ٣٠ ]
يُسَمِّ الإِشَارَةَ كَلامًا، وَقَالَ لِمَرْيَمَ: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ١.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ" ٢.
وَقَسَّمَ أَهْلُ اللِّسَانِ الْكَلامَ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً عَلَى أَنَّهُ٣ مَنْ حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ لَمْ٤ يَحْنَثْ بِدُونِ النُّطْقِ، وَإِنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الأَيْمَانُ مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ.
قِيلَ: الأَصْلُ عَدَمُ التَّغْيِيرِ. وَأَهْلُ الْعُرْفِ يُسَمُّونَ النَّاطِقَ مُتَكَلِّمًا وَمَنْ عَدَاهُ سَاكِتًا أَوْ٥ أَخْرَسَ.
_________________
(١) ١ الآية ٢٦ من مريم. ٢ جمع المصنف ﵀ بين حديثين؛ الأول: رواه ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وفي زوائد ابن ماجه: إسناده ضعيف، لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي في سنده. وصححه ابن حبان، واستنكره أبو حاتم. ولابن عدي من حديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رفع الله عن هذه الأمة ثلاثًا: الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه"، وضعفه. وسبق تخريجه في المجلد الأول ص ٤٣٦ هـ، ٥١٢. والثاني: رواه البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". وهذا لفظ مسلم. ولعل سبب الخلط بين الحديثين هو الحديث الثالث الذي رواه ابن ماجه: " إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تتكلم به، وما استكرهوا عليه". انظر: سنن ابن ماجه ١/ ٦٥٩، تخريج أحاديث البزدوي ص ٨٩، صحيح البخاري ٤/ ١٥٣، صحيح مسلم ١/ ١١٦. ٣ في ع ض: أن. ٤ في ز ع ض: لا. ٥ في ز: و.
[ ٢ / ٣١ ]
فَإِنْ١ قَالُوا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ أَكْذَبَهُمُ٣ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَهَادَتِهِمْ. وَمَعْلُومٌ صِدْقُهُمْ فِي النُّطْقِ اللِّسَانِيِّ. فَلا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ كَلامٍ فِي النَّفْسِ لِيَكُونَ الْكَلامُ عَائِدًا إلَيْهِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ٤ وقَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَكْبَرُوا فِيْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٥ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٦ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ٧.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ:
أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ٨ الإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ مَعَ اعْتِقَادِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ ذَلِكَ أَكْذَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ الثَّانِي وَجْهَانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ قَوْلُهُ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ خَفِيَّةٍ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ بِمَا بَعْدَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلٌ مُفِيدٌ، فَهُوَ مَجَازٌ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الإِسْرَارِ وَالْجَهْرِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ الآية الأولى من المنافقون. ٣ في ض: كذبهم. ٤ الآية ٨ من المجادلة. ٥ الآية ٢١ من الفرقان. ٦ الآية ١٣ من الملك. ٧ الآية ١٦ من ق. ٨ ساقطة من ز ع ب ض.
[ ٢ / ٣٢ ]
وَعَنْ الثَّالِثِ: أَنَّ١ الاسْتِكْبَارَ رُؤْيَةُ النَّفْسِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالُوا: قَوْلُ عُمَرَ: "زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كَلامًا".
قُلْنَا: "زَوَّرَ" صَوَّرَ مَا يُرِيدُ النُّطْقَ٢ بِهِ، أَوْ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي بِنَاءً أَوْ سَفَرًا٣.
قَالُوا: قَوْلُ الأَخْطَلِ:
إنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ٤ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا١٢
قُلْنَا: الْبَيْتُ مَوْضُوعٌ عَلَى الأَخْطَلِ. فَلَيْسَ هُوَ فِي نُسَخِ دِيوَانِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لابْنِ ضَمْضَمٍ٥. وَلَفْظُهُ: إنَّ الْبَيَانَ٦. وَسَيَأْتِي:
وَقَالَ الآمِدِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا جَعَلْتُمْ الْحَقَائِقَ - الَّتِي هِيَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَالاسْتِخْبَارُ - شَيْئًا وَاحِدًا، لَزِمَكُمْ أَنْ تَرُدُّوا الصِّفَاتِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ش. ٢ في ز: والنطق. ٣ قال ابن تيمية: "وقول عمر": "زوّرت في نفسي مقالة أردت أن أقولها"، حجة عليهم. قال أبو عبيد: التزوير إصلاح الكلام وتهيئته. قال: وقال أبو زيد: المزوَّرُ من الكلام والمزوق واحد، وهو المصلح الحسن. وقال غيره: زورت في نفسي مقالة، أي: هيأتها لأقولها. فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله، ولم يقله. "الإيمان ص ١١٣". ٤ في ز ع ب ض: إلخ. ٥ هو سعيد بن ضمضم الكلابي، أبو عثمان، وفد على الحسن بن سهل وزير الخليفة المأمون. وله فيه أشعار جياد، وكان فصيحًا، وأخذ الناس عنه اللغة. "انظر: إنباه الرواة ٤/ ١٨٧، الفهرست لابن النديم ص ٦٩". وفي ش ز ع ب ض: ضمضام. ٦ انظر: الإيمان لابن تيمية ص ١١٦.
[ ٢ / ٣٣ ]
قُلْنَا: هُوَ سُؤَالٌ وَارِدٌ. وَلَعَلَّ عِنْدَ غَيْرِنَا حَلَّهُ١.
وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ: قَوْلُهُمْ: لا تَتَبَعَّضُ٢ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُوسَى ﷺ سَمِعَ بَعْضَ كَلامَ اللَّهِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: سَمِعَ الْكُلَّ. وَقَالَ ابْنُ دِرْبَاسٍ الشَّافِعِيُّ٣: وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ٤ مَعَ التَّصْرِيحِ بِاخْتِصَاصِ مُوسَى بِالْكَلامِ. اهـ كَلامُ ابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فِي فُتْيَا لَهُ تُسَمَّى "بِالأَزْهَرِيَّةِ". وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَعَ فِي مَحْذُورَاتٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُمْ: "إنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ٥ كَلامُ اللَّهِ" فَإِنَّ نَفْيَ هَذَا الإِطْلاقِ٦ خِلافُ مَا عُلِمَ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ، وَخِلافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ.
_________________
(١) ١ انظر: غاية المرام ص ١١٨. ٢ في ز: لا تبعيض. وفي ب ع ض: لا يتبعض. ٣ هو عثمان بن عيسى بن درباس، ضياء الدين، أبو عمرو القاضي، الكردي، كان من أعلم الشافعية في زمانه في الفقه والأصول. وناب في الحكم عن أخيه قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بالديار المصرية، له مصنفات كثيرة، منها: "الاستقصاء لمذاهب الفقهاء في شرح "المهذب"، وهو شرح وافٍ لم يسبق إلى مثله في عشرين مجلدًا، ولم يكمله. وله "شرح اللمع" للشيرازي في أصول الفقه في مجلدين. مات بمصر سنة ٦٠٢هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٣٣٨، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٦، شذرات الذهب ٥/ ٧، حسن المحاضرة ١/ ٤٠٨". ٤ الآية ٧٩ من الأنبياء. ٥ ساقطة من ب ع. وفي ز: هو ليس. ٦ في ض: اطلاق.
[ ٢ / ٣٤ ]
وَالثَّانِي: قَوْلُهُمْ: "عِبَارَةٌ" إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، لَزِمَ ١أَنْ يَكُونَ١ كُلُّ تَالٍ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي نَفْسِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُعَبِّرُ عَنْ غَيْرِهِ هُوَ الْمُنْشِئُ لِلْعِبَارَةِ فَيَكُونُ كُلُّ قَارِئٍ هُوَ الْمُنْشِئُ لِعِبَارَةِ الْقُرْآنِ وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ. وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ عِبَارَةٌ عَنْ مَعَانِيهِ، فَهَذَا حَقٌّ؛ إذْ كُلُّ كَلامٍ فَلَفْظُهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنَاهُ، لَكِنَّ هَذَا لا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ مُتَنَاوِلًا لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْكَلامَ قَدْ قِيلَ "إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِ مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى. وَقِيلَ: "حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى مَجَازٌ فِي اللَّفْظِ"، وَقِيلَ: "بَلْ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا". وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي مَجْمُوعِهِمَا٢، كَمَا أَنَّ الإِنْسَانَ قِيلَ: "هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَدَنِ فَقَطْ". وَقِيلَ: "بَلْ فِي الرُّوحِ فَقَطْ". وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَجْمُوعِ٣. فَالنِّزَاعُ فِي النَّاطِقِ كَالنِّزَاعِ فِي مَنْطِقِهِ٤. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ. فَالْمُتَكَلِّمُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ لَهُ لَفْظٌ وَمَعْنًى، وَبُلِّغَ عَنْهُ بِلَفْظِهِ وَ٥مَعْنَاهُ. فَإِذَا قِيلَ: "مَا بَلَّغَهُ الْمُبَلِّغُ مِنْ اللَّفْظِ": إنَّ٦ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرْآنِ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي لِلْمُبَلَّغِ عَنْهُ نَفَى عَنْهُ اللَّفْظَ الَّذِي لِلْمُبَلَّغِ عَنْهُ. وَالْمَعْنَى الَّذِي قَامَ بِالْمُبَلِّغِ. فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ إلاَّ الْقُرْآنَ الْمَسْمُوعَ، الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ انظر: كشف الأسرار ١/ ٢٤. ٣ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية ٣/ ٥٥. ٤ يوضح ذلك ابن تيمية فيقول: فتنازعهم في مسمى النطق كتنازعهم في مسمى الناطق، فمن سمى شخصًا محمدًا وإبراهيم، وقال: جاء محمد، وجاء إبراهيم، لم يكن هذا محمدًا وإبراهيم المذكورين في القرآن. "مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٥٦". ٥ في ع: أو. ٦ ساقطة من ش.
[ ٢ / ٣٥ ]
الْقَائِمِ بِالذَّاتِ. قِيلَ لَهُ: فَهَذَا الْكَلامُ الْمَنْظُومُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ هُوَ١ مَوْجُودٌ قَطْعًا وَثَابِتٌ، فَهَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعِبَارَةِ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ غَيْرُهُ٢ أَوْ غَيْرُهُمَا؟
فَإِنْ جَعَلْته غَيْرَهُمَا: بَطَلَ اقْتِصَارُك عَلَى٣ الْعِبَارَةِ وَالْمُعَبَّرِ عَنْهُ، وَإِنْ جَعَلْته أَحَدَهُمَا: لَزِمَك إنْ لَمْ تُثْبِتْ إلاَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ أَنْ تَجْعَلَهُ نَفْسَ مَا سُمِعَ٤ مِنْ الْقُرَّاءِ، فَتَجْعَلَ٥ عَيْنَ مَا بَلَّغَهُ الْمُبَلِّغُونَ هُوَ عَيْنُ مَا سَمِعُوهُ. وَهَذَا الَّذِي فَرَرْتَ٦ مِنْهُ.
وَأَيْضًا فَيُقَالُ لَهُ: الْقَارِئُ الْمُبَلِّغُ إذَا قَرَأَ، فَلا بُدَّ لَهُ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ لَفْظٍ وَمَعْنًى، وَإِلاَّ كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي قَامَ بِهِ عِبَارَةً عَنْ الْقُرْآنِ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي قَامَ بِهِ، لا عَنْ مَعْنًى قَامَ بِغَيْرِهِ.
فَقَوْلُهُمْ: "هَذَا هُوَ الْعِبَارَةُ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ" أَخْطَئُوا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَخْطَئُوا فِي بَيَانِ مَذْهَبِهِمْ. فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّفْظَ الْمَسْمُوعَ مِنْ الْقَارِئِ حِكَايَةُ اللَّفْظِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، وَلَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ: حِكَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. ثُمَّ إذَا عُرِفَ مَذْهَبُهُمْ بَقِيَ خَطَؤُهُمْ فِي أُصُولٍ:
_________________
(١) ١ في ع: هل. وفي ض: هل هو. ٢ ساقطة من ب. ٣ في ع: عن. ٤ في ب ع ض: يسمع. ٥ في ش ب ع ض: فيجعل. ٦ في ش: فرت.
[ ٢ / ٣٦ ]
مِنْهَا: زَعْمُهُمْ أَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ مَعْنًى وَاحِدٌ، هُوَ١ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ، وَأَنَّ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَمَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ. وَفَسَادُ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ٢.
وَمِنْهَا: زَعْمُهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ ٣اللَّهُ بِهِ٣.
وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِمَا يَطُولُ هُنَا ذِكْرُهُ.
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الإِسْلامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلاَّبٍ وَجَعَلَ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ حِكَايَةً عَنْ ذَلِكَ" الْمَعْنَى٤. فَلَمَّا جَاءَ الأَشْعَرِيُّ وَاتَّبَعَ ابْنَ كُلاَّب فِي أَكْثَرِ مَقَالَتِهِ نَاقَشَهُ عَلَى قَوْلِهِ: "إنَّ هَذَا حِكَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: الْحِكَايَةُ تُمَاثِلُ الْمَحْكِيَّ. فَهَذَا اللَّفْظُ٥ يَصِحُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، لأَنَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ عِنْدَهُمْ. وَحِكَايَةُ مِثْلِهِ.
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ ابْنِ كُلاَّب فَلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْنَى.
فَأَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْعِبَارَةِ الأَشْعَرِيُّ.
وَكَانَ الْبَاقِلاَّنِيُّ٦ - فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ- إذَا دَرَسَ مَسْأَلَةَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: هَذَا
_________________
(١) ١ في ع: وهو. ٢ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٠. ٣ في ب: به الله تعالى. ٤ انظر: الإيمان لابن تيمية ص ١١٢. ٥ في ب: إلا للفظ. ٦ في ب ع ض: ابن الباقلاني.
[ ٢ / ٣٧ ]
قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ. وَلَمْ يُبَيِّنْ١ صِحَّتَهُ - أَوْ كَلامًا هَذَا مَعْنَاهُ٢.
وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإسْفَرايِينِيّ٣ يَقُولُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الأَئِمَّةِ فِي الْقُرْآنِ خِلافُ قَوْلِ الأَشْعَرِيِّ. وَقَوْلُهُمْ: هُوَ قَوْلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ٤. وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ٥، ذَكَرَ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلامِ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ٦ وَأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ في ب: يتبين. وفي ش ض: تتبين. ٢ يقول الباقلاني: "اعلم أن الله تعالى متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق ولا يجوز أن يقال: كلام الله عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق". "الإنصاف ص ٧١، ١٠٦، ١١٠". ٣ هو أحمد بن محمد بن أحمد، الشيخ أبو حامد الإسفراييني، الفقيه الشافعي، انتهت إليه رياسة الدين والدنيا ببغداد، وكان كثير التلاميذ والأصحاب، قوي الحجة والبرهان والمناظرة، وكان زعيم طريقة العراق في الفقه الشافعي في القرن الرابع الهجري. وكان له مكانة رفيعة. شرح مختصر المزني في "تعليقته" في نحو خمسين مجلدًا، وذكر فيها خلاف العلماء وأقوالهم، ومآخذهم ومناظراتهم. وله كتاب في "أصول الفقه". توفي سنة ٤٠٦هـ ببغداد. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية" الكبرى للسبكي ٤/ ٦١، وفيات الأعيان ١/ ٥٥، طبقات الفقهاء ص ١٢٣، شذرات الذهب ٣/ ١٧٨، الفتح المبين ١/ ٢٢٤، البداية والنهاية ١٢/ ٢، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٠٨، تاريخ بغداد ٤/ ٣٦٨". ٤ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٦٠-١٦١، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٣. ٥ هو عبد الله بن يوسف بن عبد الله، أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، يلقب بركن الدين. قال ابن العماد: "كان إمامًا في التفسير وفي الفقه والأدب، مجتهدًا في العبارة، ورعًا مهيبًا، صاحب جد ووقار". وكان زاهدًا متقشفًا عابدًا، عالمًا بالفقه، والأصول، والنحو، والتفسير، والأدب، درس وأفتى بنيسابور. ومن تصانيفه: "الفروق"، و"السلسلة"، و"التبصرة"، و"التذكرة"، "ومختصر المختصر"، و"شرح الرسالة"، و"التفسير"، و"المحيط". توفي بنيسابور سنة ٤٣٨. انظر في ترجمته: "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٧٣، وفيات الأعيان ٢/ ٢٥٠، شذرات الذهب ٣/ ٢٦١، طبقات المفسرين ١/ ٢٥٣، البداية والنهاية ١٢/ ٥٥، تبيين كذب المفتري ص ٢٥٧". ٦ ساقطة من ض.
[ ٢ / ٣٨ ]
وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا يَذْكُرُونَ قَوْلَهُمْ فِي حَدِّ الْكَلامِ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَجْعَلُونَ الْخِلافَ فِي ذَلِكَ مَعَ الأَشْعَرِيِّ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكُلاَّبِيَّةِ: إنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ حِكَايَةُ ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّ الْمُبَلِّغَ حَاكٍ لِذَلِكَ الْكَلامِ. وَلَفْظُ الْحِكَايَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ مُحَاكَاةُ النَّاسِ فِيمَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ اقْتِدَاءً بِهِمْ وَمُوَافَقَةً لَهُمْ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ١ الْقُرْآنَ حِكَايَةُ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى، فَقَدْ غَلِطَ وَضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا. فَإِنَّ الْقُرْآنَ لا يَقْدِرُ النَّاسُ عَلَى٢ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَحْكِيهِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ الْحِكَايَةِ النَّقْلُ وَالتَّبْلِيغُ. كَمَا يُقَالُ: فُلانٌ حَكَى عَنْ فُلانٍ أَنَّهُ قَالَ كَذَا، كَمَا يُقَالُ عَنْهُ نَقَلَ عَنْهُ فَهُنَا بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ لِلْمَعْنَى. وَقَدْ يُقَالُ: حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، لِمَا قَالَهُ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، فَالْحِكَايَةُ٣ هُنَا بِمَعْنَى التَّبْلِيغِ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَكِنْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَكَيْت كَلامَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُمَاثَلَةِ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَكَيْت عَنْهُ كَلامَهُ، وَبَلَّغْت عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْلِيغٍ عَنْهُ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الآخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ بَلَّغَ عَنْهُ مَا قَالَهُ. فَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الأَوَّلُ، جَازَ أَنْ يُقَالَ: هَذَا حِكَايَةُ كَلامِ فُلانٍ، وَ٤هَذَا مِثْلُ كَلامِ فُلانٍ، وَلَيْسَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ب. ٣ في ب: من الحكاية. ٤ ساقطة من ز.
[ ٢ / ٣٩ ]
هُوَ مُبَلِّغًا عَنْهُ كَلامَهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ١ الْمَعْنَى الثَّانِي - وَهُوَ مَا إذَا حَكَى الإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ مَا يَقُولُهُ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ - فَهُنَا يُقَالُ: هَذَا كَلامُ فُلانٍ، وَلا يُقَالُ: هَذَا حِكَايَةُ كَلامِ فُلانٍ، كَمَا لا يُقَالُ هَذَا مِثْلُ كَلامِ فُلانٍ. بَلْ قَدْ يُقَالُ: هَذَا كَلامُ فُلانٍ بِعَيْنِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ وَلَمْ يُحَرِّفْ وَلَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ. اهـ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ الْقُرْآنُ كَيْفَ تَصَرَّفَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلا نَرَى الْقَوْلَ بِالْحِكَايَةِ وَالْعِبَارَةِ. وَغَلَّطَ مَنْ قَالَ بِهِمَا وَجَهَّلَهُ. فَقَالَ: مَنْ قَالَ إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ فَقَدْ غَلِطَ وَجَهِلَ. وَقَالَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، دُونَ٢ الْعِبَارَةِ وَالْحِكَايَةِ. وَقَالَ: هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَقُلْهَا السَّلَفُ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ ٣ يُبْطِلُ الْحِكَايَةَ. مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ٤. نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ٥".
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي مُصَنَّفٍ لَهُ٦: وَاعْتَرَضَ٧ الْقَائِلُ ٨بِالْكَلامِ النَّفْسِيِّ٧ بِوُجُوهٍ:
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ض: أنه دون. ٣ قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوْسَى تَكْلِيْمًا﴾ . الآية ١٦٤ من النساء. ٤ انظر فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٥١٧، السنة للإمام أحمد ص ١٥، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٢٨، الكافية ١/ ٢٠٥. ٥ انظر صيد الخاطر ص ١٠٢، ١٠٣، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢١، مسائل الإمام أحمد ص ٢٦٥ وما بعدها، الكافية بشرح القصيدة النونية ١/ ٢٩. ٦ ألف الشيخ ابن قدامة عدة كتب في العقيدة، منها: "الاعتقاد"، و"مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام"، و"مسألة العلو"، و"كتاب القدر"، و"البرهان في مسألة القرآن". "انظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٣٣، فوات الوفيات ١/ ٢٠٣، شذرات الذهب ٥/ ٨٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٧". ٧ في ز ع ب ض: واعتراض. ٨ في ز ض: بكلام النفس.
[ ٢ / ٤٠ ]
أَحَدُهَا: قَوْلُ الأَخْطَلِ: إنَّ الْكَلامَ لَفِي الْفُؤَادِ.
الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ كَلامَ الآدَمِيِّ حَرْفٌ وَصَوْتٌ، وَلَكِنَّ١ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى يُخَالِفُهُ؛ لأَنَّهُ صِفَتُهُ، فَلا تُشْبِهُ صِفَتُهُ صِفَاتِ الآدَمِيِّينَ٢، وَلا كَلامُهُ كَلامَهُمْ٣.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَكُمْ فِي الصِّفَاتِ أَنْ لا تُفَسَّرَ٤. فَكَيْفَ فَسَّرْتُمْ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ذَكَرْتُمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْحُرُوفَ لا تَخْرُجُ إلاَّ مِنْ مَخَارِجَ وَأَدَوَاتٍ وَالصَّوْتُ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ جِسْمٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى٥ عَنْ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْحُرُوفَ يَدْخُلُهَا التَّعَاقُبُ، فَالْبَاءُ٦ تَسْبِقُ السِّينَ، وَالسِّينُ تَسْبِقُ الْمِيمَ وَكُلُّ مَسْبُوقٍ مَخْلُوقٌ.
السَّادِسُ: أَنَّ هَذَا يَدْخُلُهُ التَّجَزِّي وَالتَّعْدَادُ، وَالْقَدِيمُ لا يَتَجَزَّأُ وَلا يَتَعَدَّدُ.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ الْمُوَفَّقُ: الْجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ مِنْ وُجُوهٍ.
الأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا كَلامُ شَاعِرٍ نَصْرَانِيٍّ عَدُوِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدَيْنِهِ. ٧فَهَلْ يَجِبُ٧ إطْرَاحُ كَلامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ تَصْحِيحًا لِكَلامِهِ، وَحَمْلُ كَلامِهِمْ عَلَى الْمَجَازِ صِيَانَةً لِكَلِمَتِهِ هَذِهِ عَنْ الْمَجَازِ؟
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ز ع ض. ٣ في ع: ككلامهم. ٤ في ش: نفس. ٥ في ع: متعال. ٦ في ز: والباء. ٧ في ز: فيجب. وفي ع ض: أفيجب.
[ ٢ / ٤١ ]
وَأَيْضًا: فَتَحْتَاجُونَ إلَى إثْبَاتِ هَذَا الشِّعْرِ بِبَيَانِ إسْنَادِهِ وَنَقْلِ الثِّقَاتِ لَهُ، وَلا نَقْنَعُ١٢بِدَعْوَى شُهْرَتِهِ٤، وَقَدْ يَشْتَهِرُ الْفَاسِدُ. وَقَدْ سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ الْخَشَّابِ٣ إمَامَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي زَمَانِهِ يَقُولُ: قَدْ فَتَّشْتُ٤ دَوَاوِينَ٥ الأَخْطَلِ الْعَتِيقَةَ فَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْبَيْتَ فِيهَا٦.
الثَّانِي: لا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَهُ هَكَذَا، وَ٧إِنَّمَا قَالَ: "إنَّ الْبَيَانَ لَفِيْ٨ الْفُؤَادِ" فَحَرَّفُوهُ وَقَالُوا: الْكَلامَ٩.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا مَجَازٌ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْكَلامَ مِنْ١٠ عُقَلاءِ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّرَوِّي فِيهِ، وَاسْتِحْضَارِ مَعَانِيهِ فِي الْقَلْبِ١١، كَمَا قِيلَ: "لِسَانُ
_________________
(١) ١ في ع: نقتنع. ٢ في ز ع ض: بشهرته. ٣ هو عبد الله بن أحمد بن أحمد، أبو محمد، المعروف بابن الخشاب، البغدادي الحنبلي، العالم المشهور في الأدب، والنحو، والتفسير، والحديث، والنسب، والفرائض، والحساب. وله معرفة بالمنطق، والفلسفة، والهندسة. وكان يحفظ القرآن على القراءات الكثيرة، وكان متضلعًا في العلوم والخط الحسن. له مصنفات كثيرة، منها: "المرتجل في شرح الجمل" لعبد القاهر الجرجاني، و"شرح اللمع" لابن جني، وله "الرد على التبريزي في تهذيب الإصلاح"، و"شرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو، والرد على الحريري في "مقاماته". توفي سنة ٥٦٧هـ ببغداد. "انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٢٨٨، شذرات الذهب ٤/ ٢٢٠، بغية الوعاة ٢/ ٢٩، إنباه الرواة ٢/ ٩٩، الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٣١٦". ٤ في ض: فتشنا. ٥ في ش ب: ديوان. ٦ انظر: الإيمان لابن تيمية ص ١١٦. ٧ ساقطة من ز ع ض. ٨ في ز: من. وفي ع: عن. ٩ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص ١١٦. ١٠ في ش: عن. ١١ انظر: الإيمان لابن تيمية ص ١١٦.
[ ٢ / ٤٢ ]
الْحَكِيمِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ. [فَإِذَا أَرَادَ الْكَلامَ رَجَعَ إلَى قَلْبِهِ] ١ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَكَتَ، وَكَلامُ الْجَاهِلِ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَا٢، وَمَا تَرَكْنَاهُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلامَ هُوَ النُّطْقُ، وَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَحَمْلُ٣ كَلامِ٤ الأَخْطَلِ عَلَى مَجَازِهَا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْحَقِيقَةَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِسَبْقِهَا إلَى الذِّهْنِ وَتَبَادُرِ الأَفْهَامِ إلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلاقِ الْكَلامِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
الثَّالِثُ: تَرْتِيبُ الأَحْكَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ٥ دُونَ مَا ذَكَرُوهُ.
الرَّابِعُ: قَوْلُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِهَذَا الشَّأْنِ.
الْخَامِسُ: مِنْ الاشْتِقَاقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
السَّادِسُ: لا تَصِحُّ إضَافَةُ مَا ذَكَرُوهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهُ جَعَلَ الْكَلامَ فِي الْفُؤَادِ. وَاَللَّهُ ﷾ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ. وَجَعَلَ اللِّسَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وَلأَنَّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الأَخْطَلُ بِالْكَلامِ هُوَ التَّرَوِّي وَالْفِكْرُ، وَاسْتِحْضَارُ الْمَعَانِي، وَحَدِيثُ النَّفْسِ وَوَسْوَسَتُهَا. وَلا يَجُوزُ إضَافَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
_________________
(١) ١ ما بين القوسين زيادة لتمام الكلام. "انظر: أدب الدين والدنيا ص ٢٤٩". ٢ في ض: ذكرناه. ٣ في ز ع ض: بحمل. ٤ في ع ض: كلمة. ٥ في ع ض: ذكرنا.
[ ٢ / ٤٣ ]
قَالَ: وَمِنْ أَعْجَبِ الأُمُورِ أَنَّ خُصُومَنَا رَدُّوا عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَخَالَفُوا جَمِيعَ الْخَلْقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فِرَارًا مِنْ التَّشْبِيهِ عَلَى زَعْمِهِمْ، ثُمَّ صَارُوا إلَى تَشْبِيهٍ أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ مِنْ كُلِّ تَشْبِيهٍ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ التَّغْفِيلِ.
وَمِنْ أَدَلِّ الأَشْيَاءِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: تَرْكُهُمْ١ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلَ رَسُولِهِ ﷺ وَمَا لا يُحْصَى مِنْ الأَدِلَّةِ، وَتَمَسَّكُوا٢ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا هَذَا الشَّاعِرُ النَّصْرَانِيُّ جَعَلُوهَا أَسَاسَ مَذْهَبِهِمْ وَقَاعِدَةَ عَقْدِهِمْ٣، وَلَوْ أَنَّهَا انْفَرَدَتْ عَنْ مُبْطِلٍ وَخَلَتْ عَنْ مُعَارِضٍ لَمَا جَازَ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا هَذَا الأَصْلُ الْعَظِيمُ، فَكَيْفَ وَقَدْ عَارَضَهَا مَا لا يُمْكِنُ رَدُّهُ؟ فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ بَنَى قَصْرًا مِنْ٤ أَعْوَادِ الْكِبْرِيتِ فِي مَجْرَى السَّيْلِ٥.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: "إنَّ كَلامَ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ لا يَكُونَ حُرُوفًا يُشْبِهُ كَلامَ الآدَمِيِّينَ".
قُلْنَا: جَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الاتِّفَاقَ فِي أَصْلِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ، كَمَا أَنَّ اتِّفَاقَ الْبَصَرِ فِي أَنَّهُ إدْرَاكُ٦ الْمُبْصَرَاتِ، وَالسَّمْعِ فِي أَنَّهُ إدْرَاكُ٧ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْعِلْمِ فِيْ٨ أَنَّهُ إدْرَاكُ٩ الْمَعْلُومَاتِ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ، كَذَلِكَ هَذَا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: وتمسكهم. ٣ في ض: عندهم. ٤ في ز ع ض: على. ٥ في ز ع ض: النيل. ٦ في ز ض: أدرك. ٧ في ز ض: أدرك. ٨ في ض: ب. ٩ في ز ض: أدرك.
[ ٢ / ٤٤ ]
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَكَانَ١ تَشْبِيهُهُمْ أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ نَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ لِكَوْنِ هَذَا تَشْبِيهًا، يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُوا سَائِرَ الصِّفَاتِ، مِنْ الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهَا.
٢ الرَّابِعُ: أَنَّنَا٣ نَحْنُ لَمْ نُفَسِّرْ هَذَا؛ إنَّمَا فَسَّرَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ٣.
وَ٤أَمَّا قَوْلُهُمْ: "أَنْتُمْ فَسَّرْتُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ"؟
فَنَقُولُ ٥: إنَّمَا لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي سَكَتَ السَّلَفُ عَنْ تَفْسِيرِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْكَلامُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بَيْنَ الْخَلْقِ أَنْ٦ لا تَشْبِيهَ فِيهِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
الثَّانِي: أَنَّنَا نَحْنُ فَسَّرْنَاهُ بِحَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ تَفْسِيرًا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُمْ فَسَّرُوهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ وَلا سُنَّةٌ وَلا يُوَافِقُ الْحَقِيقَةَ، وَلا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَ٧أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْحُرُوفَ تَحْتَاجُ إلَى مَخَارِجَ وَأَدَوَاتٍ؟
فَنَقُولُ٨: احْتِيَاجُهَا إلَى ذَلِكَ فِي حَقِّنَا لا يُوجِبُ ذَلِكَ فِي كَلامِ اللَّهِ
_________________
(١) ١ في ز ض: كان. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ز ع: أنا. ٤ ساقطة من ع ض. ٥ في ز ع: قلنا. ٦ ساقطة من ز ع ض. ٧ ساقطة من ز. ٨ في ز ع ض: قلنا.
[ ٢ / ٤٥ ]
تَعَالَى١، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ٢.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ يَحْتَاجُ اللَّهُ تَعَالَى كَحَاجَتِنَا، قِيَاسًا لَهُ عَلَيْنَا أَخْطَؤوا مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ الَّتِي سَلَّمُوهَا كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ. فَإِنَّهَا٣ لا تَكُونُ٤ فِي حَقِّنَا إلاَّ فِي جِسْمٍ، وَ٥لا يَكُونُ الْبَصَرُ إلاَّ فِي حَدَقَةٍ، وَلا السَّمْعُ إلاَّ مِنْ انْخِرَاقٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى بِخِلافِ ذَلِكَ٦.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِنَا وَقِيَاسٌ لَهُ عَلَيْنَا وَهَذَا كُفْرٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى مَخَارِجَ فِي كَلامِهَا. كَالأَيْدِي وَالأَرْجُلِ، وَالْجُلُودِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ٧، وَالْحَجَرِ الَّذِي سَلَّمَ عَلَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ يقول الآمدي: إذ الحروف والأصوات إنما تتصور بمخارج وأدوات وتزاحم أجرام واصطكاكات، وذلك في حق الباري محال. "غاية المرام ص ١١١". ثم يقول: نعم، لو قيل: "إن كلامه بحروف وأصوات لا كحروفنا وأصواتنا، كما أن ذاته وصفاته ليست كذاتنا وصفاتنا، كما قال بعض السلف، فالحق أن ذلك غير مستبعد عقلًا، لكنه مما لم يدل الدليل القاطع على إثباته من جهة المعقول، أو من جهة المنقول. فالقول به تحكم غير مقبول. "غاية المرام ص ١١٢". وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ١٠٣. ٣ ساقطة من ز ع ب ض. ٤ في ض: يكون ذلك. ٥ ساقطة من ع. ٦ قال شيخ الإسلام ابن حجر: "فصفاته صفة من صفات ذاته، لا تشبه صفة غيره؛ إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين. هكذا قرره المصنف "البخاري" في كتاب "خلق أفعال العباد". "فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣/ ٣٥٣". ٧ إن كلام الأيدي والأرجل والجلود ثابت في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيْهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَكْسِبُوْنَ﴾ [الآية ٦٥] من يس. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَآؤُوْهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُوْدُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَفْعَلُوْنَ وَقَالُوْا لِجُلُوْدِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوْا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِيْ أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . [الآيتان ٢٠-٢١ من فصلت] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ﴾ . [الآية ٢٤ من النور] .
[ ٢ / ٤٦ ]
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم١، وَالْحَصَا الَّذِي سَبَّحَ فِي كَفَّيْهِ٢، وَالذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي كَلَّمَتْهُ٣.
_________________
(١) ١ روى مسلم والترمذي وأحمد والدارمي عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم علي قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن". "انظر: صحيح مسلم ٤/ ١٧٨٣، تحفة الأحوذي ١٠/ ٩٨، مسند أحمد ٥/ ٨٩، سنن الدارمي ١/ ١٢". وروى البزار عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لما أوحي إلي جعلت لا أمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله". وروى الترمذي والدارمي والطبراني في الأوسط عن علي قال: "خرجت مع النبي ﷺ فجعل لا يمر على حجر ولا شجر إلا سلم عليه". "انظر: تحفة الأحوذي ١٠/ ١٠٠، سنن الدارمي ١/ ١٢، مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٩". ٢ أخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم والبيهقي عن أبي ذر قال: كان النبي ﷺ ومعه وبين يدَيْ رسول الله ﷺ سبع حصيات، فأخذهن فوضعن في كفه، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل". وأخرجه ابن عساكر عن أنس. وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس قال: لما قدم ملوك حضرموت على رسول الله ﷺ، فيهم الأشعث بن قيس فقالوا: "كيف نعلم أنك رسول الله؟ فأخذ رسول الله ﷺ كفًّا من حصا، فقال: "هذا يشهد أني رسول الله"، فسبّح الحصى في يده". "انظر: الخصائص الكبرى ٢/ ٣٠٤، مجمع الزوائد ٨/ ٢٩٨". وفي ض: كفه. ٣ روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس: "أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان الله ليسلطك على ذلك، قال عليَّ". "انظر: صحيح البخاري ٣/ ٥٦، ٤/ ٢٢، صحيح مسلم ٤/ ١٧٢١". وزاد أنس فيما رواه البزار والطبراني: "فلما مدّ يده إليها ليأكل، قال رسول الله ﷺ: "إن عضوًا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة، فامتنع". "انظر مجمع الزوائد ٨/ ٢٩٥". وفي رواية أبي داود: أخبرتني هذه في يدي –للذراع. وفي رواية الدارمي: قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة. "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٤٨٣، سنن الدارمي ١/ ٣٢".
[ ٢ / ٤٧ ]
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ١". وَلا خِلافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِ الْحَجَرِ الأَصَمِّ بِلا أَدَوَاتٍ. قُلْت أَنَا٢: الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَاجُ كَحَاجَتِنَا قِيَاسًا لَهُ عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ عَيْنُ التَّشْبِيهِ، وَهُمْ لا يَقُولُونَ ذَلِكَ ٣بَلْ يَفِرُّونَ٣ مِنْهُ.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلِهِمْ لَهُ٤. ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُمْ: "إنَّ التَّعَاقُبَ يَدْخُلُ فِي الْحُرُوفِ"؟.
قُلْنَا: إنَّمَا كَانَ٥ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَنْطِقُ بِالْمَخَارِجِ وَالأَدَوَاتِ، وَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ: إنَّمَا يَتَعَيَّنُ التَّعَاقُبُ فِيمَنْ يَتَكَلَّمُ بِأَدَاةٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ شَيْءٍ إلاَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُ بِلا جَارِحَةٍ فَلا يَتَعَيَّنُ فِي كَلامِهِ التَّعَاقُبُ، وَقَدْ اتَّفَقَ٦ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ٧ ﷾ يَتَوَلَّى الْحِسَابَ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ فِي الْحَالِ هُوَ وَحْدَهُ. وَهَذَا خِلافُ التَّعَاقُبِ. اهـ كَلامُ أَبِي نَصْرٍ.
_________________
(١) ١ رواه البخاري والترمذي والدارمي عن عبد الله بن مسعود. وأوله في البخاري: "كنا نعدّ الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا" "انظر: فتح الباري ٦/ ٣٨٣، تحفة الأحوذي ١٠/ ١١٠، سنن الدارمي ١/ ١٤". ٢ في ش: أخبرنا. ٣ في ز ع ب ض: ويفرون. ٤ ساقطة من ض. ٥ ساقطة من ض. ٦ في ع ض: اتفقت. ٧ في ع ض: أن الله.
[ ٢ / ٤٨ ]
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ: وَقَوْلُهُمْ: "إنَّ الْقَدِيمَ لا يَتَجَزَّأُ وَلا يَتَعَدَّدُ" غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ ﷾ مُتَعَدِّدَةٌ١. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ٣ وَهِيَ قَدِيمَةٌ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ٤ عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ: إنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ فَقَدْ كَفَرَ.
وَكَذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ مُتَعَدِّدَةٌ. وَهِيَ ٥كَلامُ اللَّهِ٥ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ٦، وَإِنَّمَا هَذَا أَخَذُوهُ مِنْ عِلْمِ الْكَلامِ٧، وَهُوَ مُطْرَحٌ عِنْدَ جَمِيعِ الأَئِمَّةِ.
_________________
(١) ١ في ش ز ع ب: معدودة. وهو خطأ. ولذلك جاء في حاشية ش: "لا تدل الآية ولا الحديث على الانحصار في عدد". ٢ الآية ١٨٠ من الأعراف. ٣ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ٤/ ٢٧٦، صحيح مسلم ٤/ ٢٠٦٣، تحفة الأحوذي ٩/ ٤٨٠، سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٦٩، مسند أحمد ٢/ ٢٥٨. ورواه ابن عساكر عن عمر. انظر: فيض القدير ٢/ ٤٧٨". ٤ ساقطة من ز ع ب ض. ٥ في ب ع ض: كلامه. ٦ في ض: مخلوق. وانظر في أسماء الله تعالى وكتبه "الإيمان لابن تيمية ص ١٥٤". ٧ انظر رأي العلماء في علم الكلام في "فتح الباري ١٣/ ٢٧٣، التعريفات للجرجاني ص ١٦٢، تبيين كذب المفتري ٣٣٦ وما بعدها، آداب الشافعي ومناقبه ص ١٨٢، والمراجع المشار إليها في الهامش، استحسان الخوض في علم الكلام لأبي الحسن الأشعري، صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي".
[ ٢ / ٤٩ ]
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلامِ تَزَنْدَقَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: مَا ارْتَدَى بِالْكَلامِ أَحَدٌ فَأَفْلَحَ١.
وَقَالَ أَحْمَدُ ﵁: مَا أَحَبَّ الْكَلامَ أَحَدٌ فَكَانَ عَاقِبَتُهُ إلَى خَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيُّ٢: الْبِدَعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ هِيَ كُتُبُ الْكَلامِ وَالتَّنْجِيمِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. لا تَصِحُّ إجَارَتُهَا، وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِهَا٣.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ، فَإِنْ قِيلَ: "الصَّوْتُ وَالْحَرْفُ إذَا ثَبَتَا فِي الْكَلامِ اقْتَضَيَا عَدَدًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ".
قِيلَ لَهُمْ: قَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ اعْتِمَادَ أَهْلِ٤ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الأَبْوَابِ عَلَى السَّمْعِ. وَقَدْ وَرَدَ السَّمْعُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ ذُو عَدَدٍ. وَأَقَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِأَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً لا مَجَازًا٥، وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ٦، وَقَدْ عَدَّ الأَشْعَرِيُّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى
_________________
(١) ١ انظر: تبيين كذب المفتري ص ٣٣٦، آداب الشافعي ومناقبه ص ١٨٢، طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي ص ٦٠. ٢ هو محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق بن خويز منداد، أبو عبد الله البصري المالكي، كان يجانب علم الكلام، وينافرُ أهلَه، ويحكم على الكل أنهم من أهل الأهواء، تفقه على الأبهري، له كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن. وله اختيارات شواذّ، وتكلم فيه أبو الوليد الباجي. توفي سنة ٣٩٠هـ تقريبًا، وكان إمامًا عالمًا متكلمًا فقيهًاَ أصوليًا. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ٢/ ٢٢٩، طبقات المفسرين ٢/ ٦٨، الوافي بالوفيات ٢/ ٥٢، لسان الميزان ٥/ ٢٩١، شجرة النور ص ١٠٣". ٣ في ز ب ض: أهله. ٤ في ز ع ب ض: أولي. ٥ في ض: مجاز. ٦ قال الباقلاني: بل كلامه قديم، صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته، ونحو ذلك من صفات الذات. "الإنصاف له ص ٧١".
[ ٢ / ٥٠ ]
سَبْعَ عَشْرَة صِفَةً، وَبَيَّنَ أَنَّ مِنْهَا مَا لا يُعْلَمُ إلاَّ بِالسَّمْعِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَاتٍ مَعْدُودَةٍ لَمْ يَلْزَمْنَا بِدُخُولِ الْعَدَدِ فِي الْحُرُوفِ شَيْءٌ. اهـ كَلامُ أَبِي نَصْرٍ.
قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ:
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى صلى الله عليه وسلم١، وَيُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ٢، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٣ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٤ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ٥ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ ٦ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ٧ وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵊ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ اللَّهِ، لا مِنْ شَجَرٍ وَلا مِنْ حَجَرٍ وَلا مِنْ غَيْرِهِ٨؛ لأَنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَفْضَلَ مِنْهُ٩ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ أَفْضَلَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مُوسَى، لِكَوْنِهِمْ
_________________
(١) ١ انظر في صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوْسَى تَكْلِيْمًا﴾ . "فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣/ ٣٦٧". ٢ انظر في صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. "فتح الباري ١٣/ ٣٦٤". ٣ الآية ١٦٤ من النساء. ٤ الآية ١٤٣ من الأعراف. ٥ الآية ١٤٤ من الأعراف. ٦ الآية ٥٢ من مريم. ٧ الآية ١٦ من النازعات. ٨ ساقطة من ز. ٩ ساقطة من ز ب ع ض. وفي شرح الكافية: أفضل في ذلك منه.
[ ٢ / ٥١ ]
سَمِعُوا مِنْ مُوسَى١. فَلِمَ سُمِّيَ إذَنْ كَلِيمَ الرَّحْمَنِ٢؟
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى إلاَّ صَوْتًا وَحَرْفًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ وَفِكْرَةً وَرَوِيَّةً: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لِمُوسَى، وَلا هُوَ بِشَيْءٍ٣ يُسْمَعُ، وَلا يَتَعَدَّى الْفِكْرَ وَالْمَرْئِيَّ، وَلا يُسَمَّى مُنَادَاةً٤.
فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ لا نُسَمِّيهِ صَوْتًا مَعَ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا مُخَالَفَةٌ فِي اللَّفْظِ مَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّنَا لا نَعْنِي بِالصَّوْتِ إلاَّ مَا كَانَ مَسْمُوعًا.
الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الصَّوْتِ قَدْ جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ وَالآثَارُ٥، وَسَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ: النِّزَاعُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَمْ لا؟ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: اتِّبَاعُ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اهـ كَلامُ الشَّيْخِ ٦مُوَفَّقِ الدِّينِ٧.
وَقَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ٧": "قَالَ
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري ٣/ ٣٥٠. ٢ انظر: توضيح المقاصد بشرح الكافية النونية ١/ ٢٢٥. ٣ في ز ش: بنبي. وفي ب وشرح الكافية: شيء. ٤ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٦٧، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٣٦، ١٣١ وما بعدها، ١٤٦، توضيح المقاصد بشرح الكافية ١/ ٢٢٦. ٥ انظر: توضيح المقاصد بشرح النونية ١/ ٢٢٦. ٦ في ب ع ض: الموفق. ٧ فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣/ ٣٥٣-٣٥٤.
[ ٢ / ٥٢ ]
الْبَيْهَقِيُّ: الْكَلامُ مَا يَنْطِقُ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي نَفْسِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - يَعْنِيْ فِي قِصَّةِ السَّقِيفَةِ١ - وَفِيهِ "وَكُنْت زَوَّرْت فِي نَفْسِي مَقَالَةً" وَفِي رِوَايَةٍ "كَلامًا" قَالَ: فَسَمَّاهُ كَلامًا قَبْلَ التَّكَلُّمِ بِهِ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ ذَا مَخَارِجَ سُمِعَ كَلامُهُ ذَا حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذِي مَخَارِجَ، فَهُوَ بِخِلافِ ذَلِكَ، وَالْبَارِي ﷿ لَيْسَ بِذِي مَخَارِجَ، فَلا يَكُونُ كَلامُهُ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ٢.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ٤. وَقَالَ: اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي٥
_________________
(١) ١ ق ابن حجر: وقد تقدم سياقه في كتاب الحدود "فتح الباري ١٣/ ٣٥٣". ٢ يقول الآمدي: "ذهب أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلمًا بكلام قديم أزلي نفساني، إحدى صفات الذات، ليس بحروف ولا أصوات. "غاية المرام ص ٨٨". ٣ هو الصحابي ابن الصحابي جابر بن عبد الله بن عمرو، أبو عبد الله، الأنصاري السَّلَمي المدني، أحد المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ. روى عنه جماعات من أئمة التابعين، ومناقبه كثيرة، استشهد أبوه يوم أحد، فأحياه الله وكلمه. وغزا جابر مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، ولم يشهد بدرًا ولا أحدًا، منعه أبوه. وكان لجابر حلقة علم في المسجد النبوي، وكان آخر الصحابة موتًا بالمدينة سنة ٧٨هـ. وإذا أطلق جابر في كتب الحديث والفقه فهو المقصود. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٢١٣، الاستيعاب ١/ ٢٢١، تهذيب الأسماء ١/ ١٤٢، ٢٨٦، شذرات الذهب ١/ ٨٤، الخلاصة ص ٥٩". ٤ هو الصحابي عبد الله بن أنيس بن حرام الجهني الأنصاري، القضاعي السلمي، أبو يحيى، شهد العقبة في السبعين من الأنصار، وكسر أصنام بني سلمة مع معاذ بن جبل، وشهد بدرًاَ واحدًا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وبعثه رسول الله ﷺ في سرية وحده. وهو الذي سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، وهو الذي سافر إليه جابر شهرًاَ فأدركه في الشام، فسمع منه حديثًا في المظالم والقصاص بين أهل الجنة والنار قبل دخولهما، توفي سنة ٧٤هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٢٧٨، الاستيعاب ٢/ ٢٥٨، تهذيب الأسماء ١/ ٢٦٠، شذرات الذهب ١/ ٦٠، مشاهير علماء الأنصار ص ٥٦، حلية الأولياء ٢/ ٥". ٥ في ض: بـ.
[ ٢ / ٥٣ ]
الاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِهِ١، وَلَمْ يَثْبُتْ لَفْظُ٢ الصَّوْتِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ حَدِيثِهِ. فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - يَعْنِي الَّذِي يَلِيهِ٣ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي الَّذِي بَعْدَهُ – "أَنَّ الْمَلائِكَةَ يَسْمَعُونَ عِنْدَ حُصُولِ٤ الْوَحْيِ٥ صَوْتًا" ٦ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ لِلسَّمَاءِ، أَوْ لِلْمَلَكِ الآتِي بِالْوَحْيِ، أَوْ لأَجْنِحَةِ الْمَلائِكَةِ. وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ٧".
"وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى أَنَّ الرَّاوِيَ أَرَادَ: فَيُنَادِي نِدَاءً، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالصَّوْتِ٨".
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "وَهَذَا حَاصِلُ كَلامِ مَنْ نَفَى٩ الصَّوْتَ مِنْ الأَئِمَّةِ١٠، وَيَلْزَمُ مِنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُسْمِعْ أَحَدًا مِنْ مَلائِكَتِهِ وَلا رُسُلِهِ كَلامَهُ١١، بَلْ أَلْهَمَهُمْ إيَّاهُ".
"وَحَاصِلُ الاحْتِجَاجِ لِلنَّفْيِ: الرُّجُوعُ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى أَصْوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لأَنَّهَا الَّتِي عُهِدَ أَنَّهَا ذَاتُ مَخَارِجَ، وَلا يَخْفَى مَا فِيهِ، إذْ الصَّوْتُ قَدْ يَكُونُ مِنْ
_________________
(١) ١ في ع: بروايات ابن عقيل لسوء حفظه. ٢ في ش ز: بلفظ. والأعلى موافق لما في فتح الباري. ٣ سيأتي الحديث الأول ص ٦٢، وسيأتي الحديث الذي يليه ص ٦٦-٦٧. ٤ في ش ز ع ب ض: حضور، والأعلى من فتح الباري ١٣/ ٣٥٤. ٥ في ش: الرحمن. ٦ سيأتي صفحة ٦٥. ٧ فتح الباري ١٣/ ٣٥٤. ٨ فتح الباري ١٣/ ٣٥٤. ٩ في فتح الباري: ينفي. ١٠ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٩٩. ١١ في فتح الباري: ورسله.
[ ٢ / ٥٤ ]
غَيْرِ مَخَارِجَ. كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالِ الأَشِعَّةِ١، كَمَا سَبَقَ".
"سَلَّمْنَا، لَكِنْ نَمْنَعُ٢ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ. وَصِفَةُ الْخَالِقِ لا تُقَاسُ عَلَى صِفَةِ الْمَخْلُوقِ٣، وَإِذَا ثَبَتَ ذِكْرُ الصَّوْتِ بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَجَبَ الإِيمَانُ بِهِ٤".
ثُمَّ قَالَ٥: "إمَّا التَّفْوِيضُ وَإِمَّا التَّأْوِيلُ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ٦". اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ٧" قَوْلُهُ ﷺ: "ثُم َّ٨ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ" ٩ حَمَلَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَلَى مَجَازِ الْحَذْفِ، أَيْ يَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي١٠. وَاسْتَبْعَدَهُ١١ بَعْضُ مَنْ أَثْبَتَ الصَّوْتَ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: "يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ" إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُ هَذَا فِيهِمْ، وَبِأَنَّ الْمَلائِكَةَ إذَا سَمِعُوهُ صُعِقُوا، وَإِذَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَمْ يُصْعَقُوا".
_________________
(١) ١ في ب ع ض: أشعة. ٢ في ع: يمنع. ٣ في ض: المخلوقين. ٤ فتح الباري ١٣/ ٣٥٤. ٥ ساقطة من ز ض ب ع. ٦ فتح الباري ١٣/ ٣٥٤. ٧ العبارة توهم أن قول ابن حجر في حديث آخر، مع أنه في نفس الحديث الذي تكلم عنه ابن حجر، ونقله عنه المصنف. وقد ذكر ابن حجر هذه العبارة في أول شرح الحديث. "انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٣". ٨ ساقطة من ش. ٩ رواه البخاري في خلق أفعال العباد ص ١٣، ٥٩، وسيأتي أيضًا صفحة ١١٠. ١٠ هذا المجاز من نسبة الفعل إلى الآمر به. "انظر: الإشارة إلى الإيجاز ص ٦٣". ١١ في ش ز ع ب ض: فاستبعده، والأعلى من فتح الباري ١٣/ ٣٥٣.
[ ٢ / ٥٥ ]
قَالَ: "فَعَلَى هَذَا فَصَوْتُهُ١ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لا يُشْبِهُ٢ صَوْتَ غَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ٣".
قَالَ: "وَهَكَذَا٤ قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ - يَعْنِي بِهِ الْبُخَارِيَّ - فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ"٥. اهـ.
وَحَدُّ الصَّوْتِ: مَا يَتَحَقَّقُ سَمَاعُهُ. فَكُلُّ مُتَحَقِّقٍ سَمَاعُهُ صَوْتٌ، وَكُلُّ مَا لا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ أَلْبَتَّةَ لَيْسَ بِصَوْتٍ٦. وَصِحَّةُ الْحَدِّ كَوْنُهُ مُطَّرِدًا مُنْعَكِسًا٧.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: "إنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْخَارِجُ٨ مِنْ هَوَاءٍ بَيْنَ جِرْمَيْنِ. فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَنَّهُ يُوجَدُ سَمَاعُ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ. كَتَسْلِيمِ الأَحْجَارِ، وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ وَالْجِبَالِ٩، وَشَهَادَةِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلِ وَحَنِيْنِ الْجِذْعِ١٠. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ في ش ز ب: صوته. ٢ في ع: تشبه. ٣ فتح الباري ١٣/ ٣٥٣. ٤ في ع: هذا. ٥ خلق أفعال العباد ص ٥٩. وانظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٣. ٦ انظر: الرد على الجهمية والمعتزلة، للإمام أحمد ص ٢٣٦ من مجلة أضواء الشريعة العدد الثامن. ٧ انظر في تعريف الصوت "مختصر الطوفي ص ٤١، التعريفات للجرجاني ص ١١٨، شرح الكوكب المنير ١/ ١٠٣، ١٠٤". ٨ في ض: خارج. ٩ إن تسبيح الجبال ثابت في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ . الأنبياء/ ٧٩. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًاَ يَا جِبَالُ أَوِّبِيْ مَعَهُ وَالطَّيْر﴾ . سبأ/ ١٠. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ . الآية ١٨ من سورة ص. ١٠ وهو صوت الجذع الذي كان يخطب عليه رسول الله ﷺ، ثم اتخذوا له منبرًا فخطب عليه، فحنّ الجذع كحنين الناقة. وفي البخاري عن جابر: "فصاحت النخلة صياح=
[ ٢ / ٥٦ ]
تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٢ وَمَا لِشَيْءٍ٣ مِنْ ذَلِكَ مُنْخَرَقٌ بَيْنَ جِرْمَيْنِ٤.
وَقَدْ أَقَرَّ الأَشْعَرِيُّ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَالَتَا "أَتَيْنَا طَائِعِينَ"٥، حَقِيقَةً لا مَجَازًا.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ٦، مِنَّا: لَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ*عَلَى
_________________
(١) = الصبي". والحديث رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن عدد من الصحابة. "انظر: فتح الباري ٦/ ٣٩٢، تحفة الأحوذي ٣/ ٢٢، ١٠/ ١٠٠، سنن النسائي ٣/ ٨٣، سنن ابن ماجه ١/ ٤٥٤، مسند أحمد ١/ ٢٤٩، ٢٦٧، سنن الدارمي ١/ ١٥". وقد مرت الآيات الدالة على شهادة الأيدي والأرجل "صفحة ٤٦". ومرت الأحاديث في تسليم الأحجار "صفحة ٤٧". ١ الآية ٤٤ من الإسراء. ٢ الآية ٣٠ من سورة ق. ٣ في ع: شيءٌ. ٤ انظر رأي الآمدي في الصوت، فإنه يقول: "إذ الصوت لا يكون إلا عن اصطكاكات أجرام، والحروف عبارة عن تقطع الأصوات". "غاية المرام ص ٩٢". ٥ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِيْنَ﴾ . الآية ١١ من فصلت. ٦ هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، الكاتب النحوي اللغوي، صاحب التصانيف الحسان المفيدة. قال ابن خلكان: "كان فاضلًا ثقة، سكن بغداد وحدّث بها". ومن تصانيفه: "المعارف"، و"أدب الكاتب"، و"الشعر والشعراء"، و"غريب القرآن"، و"مشكل القرآن"، و"غريب الحديث"، و"مشكل الحديث"، و"طبقات الشعراء"، و"الأشربة" وغيرها. ولي قضاء الدينور، وتكلم به بعض العلماء، ورد الذهبي ذلك، توفي فجأة سنة ٢٧٦هـ. انظر ترجمته الوافية في "وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٦، شذرات الذهب ٢/ ١٦٩، إنباه الرواة ٢/ ١٤٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٨١، طبقات المفسرين ١/ ٢٤٥، بغية الوعاة ٢/ ٦٣، طبقات النحويين واللغويين ص ١٨٣، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٠٣".
[ ٢ / ٥٧ ]
الْحَقِيقَةِ لاَ عَلَى الْمَجَازِ لاَ١ كَمَا يَقُولُهُ٢ بَعْضُ أَصْحَابِ الْكَلامِ: "إنَّ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ٣ دَلِيلٌ عَلَى٤ الْقُرْآنِ". اهـ.
وَقَالَ الشِّهَابُ السُّهْرَوَرْدِيُّ٥: أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ: الاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَالنَّفْسُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ وَالْقَدَمُ وَالرِّجْلُ وَالْوَجْهُ، فَلا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ وَلا تَعْطِيلٍ؛ إذْ لَوْلا إخْبَارُ اللَّهِ وَ٦رَسُولِهِ لَمَا٧ تَمَالأَ٨ عَقْلٌ أَنْ يَحُومَ٩ حَوْلَ ذَلِكَ الْحِمَى، وَلَوْلا أَنَّ١٠ الصَّادِقَ١١ الْمَعْصُومَ قَالَ ذَلِكَ لَمَا قُلْنَا، وَلا حُمْنَا حَوْلَهُ. فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لا تُعْرَفُ إلاَّ بِالدَّلِيلِ الْمَحْضِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ع ب ض. ٢ في د: يقول.
(٢) * ساقطة من ش، وموجودة في ز. وجاء بعدها نصف صفحة مكتوبة خطأ ومكررة عن إعجاز القرآن. ٤ في ض: على أنه. ٥ هو عمر بن محمد بن عبد الله، شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي. قال الداودي: كان فقيهًا شافعيًا، شيخًا ورعًا، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة. وكان له مجلس وعظٍ، وكان صوفيًّا. له مصنفات كثيرة، منها: "عوارف المعارف"، و"بغية البيان في تفسير القرآن"، و"المناسك"، و"رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية". عمي في آخر عمره وأقعد، توفي سنة ٦٣٢هـ. انظر ترجمته في "طبقات المفسرين ٢/ ١٠، وفيات الأعيان ١/ ١١٩، شذرات الذهب ٥/ ١٥٣، طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٣٨، معجم المؤلفين ٧/ ٣١٣". وفي ش ز ع ب ض: الشهرزوري، وهو تصحيف. ٦ ساقطة من ض. ٧ في ع ض: ما. ٨ في ض: تحاك. ٩ في ع: يحول. ١٠ ساقطة من ش. ١١ في ب ض: الصادق المصدَّق.
[ ٢ / ٥٨ ]
قَالَ الْمُؤَلَّفُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١ ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢ وَقَالَ ﷺ: "فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي" ٣ وَقَالَ الصِّدِّيقُ: مَا هَذَا كَلامِي، وَلا كَلامُ صَاحِبِي، وَلَكِنَّهُ كَلامُ اللَّهِ٤.
وَالْكَلامُ الْحُرُوفُ الْمَنْظُومَةُ، وَالْكَلِمَاتُ الْمَفْهُومَةُ، وَالأَصْوَاتُ الْمَلْهُومَةُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ ٥، ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ﴿فَأَشَارَتْ إلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ ٦ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ٣﴾ ٧ ﴿لا
_________________
(١) ١ الآية ٦ من التوبة. ٢ الآية ٧٥ من البقرة. ٣ سيأتي النص كاملًا مع تخريجه ص ٧٣. ٤ أخرج البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" "ص ١٣" عن أبي بكر ﵁ أنه لما نزلت: ﴿ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الروم/ ١-٢]، خرج يصيح ويقول: كلام ربي، وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵂ إذا سمعت القرآن قالت: كلام ربي، كلام ربي. ونقل ابن حجر عن البيهقي أنه ساق حديث نيار بن مُكْرِم أن أبا بكر قرأ عليهم سورة الروم، فقالوا: هذا كلامُك أو كلام صاحبك؟ قال: ليس كلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله". وأصل هذا الحديث أخرجه الترمذي مصحِّحًا. وأخرجه أحمد في كتاب "السنة". وأخرج أحمد في كتاب "السنة" أيضًا، والحاكم، وابن المبارك في "الجهاد" عن عكرمة بن أبي جهل أنه كان يأخذ المصحف فيضعه على وجههه ويقول: كلام ربي، كلام ربي. "انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٠، تحفة الأحوذي ٩/ ٥٣، السنة ص ٢٠، ٢١، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٦، الإبانة للأشعري ص ٣٠، المستدرك ٣/ ٢٤٣، الجهاد لابن المبارك ص ٥٧". ٥ الآيتان ١٠-١١ من مريم. وأول الآية الثانية: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ﴾ . ٦ في ز ع ض: الآية. وفي ب: ﴿نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ﴾ الآية. ٧ الآيتان ٢٦، ٢٩ من مريم.
[ ٢ / ٥٩ ]
يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ١ ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ٢، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ ٣ يَعْنِي بِهِ النُّطْقَ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤، ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ ٥ أَيْ: يَنْطِقُ. وَحَدِيثِ "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي" ٦ وَحَدِيثُ "إنَّ صَلاتَنَا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ" ٧ وَحَدِيثِ "لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إلاَّ
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من النبأ. وفي ش ز ض: ولا يتكلمون. وهو خطأ. ٢ الآية ٣٥ من المرسلات. ٣ الآية ٦٥ من يس. ٤ الآية ٢١ من فصلت. وفي ز ب ض: فقالوا. وهو خطأ. ٥ الآية ٤٦ من آل عمران. ٦ تتمة الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". رواه البيهقي عن ابن عمر. ورواه الطبراني عن ثوبان، ورواه ابن ماجه عن ابن عباس، وصححه ابن حبان، واستنكره أبو حاتم. ورواه ابن عدي عن أبي بكرة وضعفه، ورواه الحاكم وصححه. "انظر: سنن ابن ماجه ١/ ٦٥٩، فيض القدير ٤/ ٣٤، ٣٦٢، كشف الخفاء ١/ ٤٣٣، تخريج أحاديث البزدوي ص ٨٩، المستدرك ٢/ ١٩٨، موارد الظمآن ص ٣٦٠، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٢٩٤". وقد مرت الإشارة إلى هذا الحديث صفحة ٣١، كما مرت الإشارة إليه في المجلد الأول صفحة ٤٣٦هـ، ٥١٢. ولعل المؤلف يريد الإشارة إلى حديث: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". وقد مر صفحة ٣١. ٧ هذا طرف من حديث طويل رواه معاوية بن الحكم السُّلَمي. وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وابن حبان والبيهقي. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد". انظر: مسند أحمد ٥/ ٤٤٧، صحيح مسلم ١/ ٣٨٢، سنن أبي داود ١/ ٢١٣، سنن النسائي ٣/ ١٤، خلق أفعال العباد ص ٢٧، نيل الأوطار ٢/ ٣٥٧".
[ ٢ / ٦٠ ]
ثَلاثَةٌ" ١ وَحَدِيثِ "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ" ٢ وَحَدِيثِ "مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ سَقْطُهُ" ٣ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ فِي الشِّعْرِ وَالنَّظْمِ فِي كَلامِهِمْ وَعُرْفِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ أَنَّ الْكَلامَ يَكُونُ٤ حَقِيقَةً. وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ لا يَحْنَثُ إلاَّ بِالنُّطْقِ٥. اهـ.
وَقَدْ بَيَّنَّا بِالأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي عِنْدَنَا هُوَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّهُ مَسْمُوعٌ مَقْرُوءٌ مَتْلُوٌّ مَحْفُوظٌ٦. وَكَيْفَمَا قُرِئَ وَتُلِيَ وَسُمِعَ وَحُفِظَ وَكُتِبَ فَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ٧. اهـ.
وَثَبَتَ عَنْ الْغَيْرِ: ذِكْرُ الصَّوْتِ٨ الْمُضَافِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ الْحُفَّاظِ
_________________
(١) ١ هذا طرف من حديث طويل رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا والثلاثة هم: عيسى، وصاحب جريج، وصبي يرضع. "انظر: صحيح البخاري ٢/ ٢٥٤، صحيح مسلم ٤/ ١٩٧٦، مسند أحمد ٢/ ٣٠٧". ٢ لم أجد هذا الحديث فيما اطلعت عليه من كتب الحديث، ولا في الفهارس والمفاتيح المساعدة لذلك، ولا يظهر فيه دلالة على موضوع البحث.. ٣ هذا طرف من حديث شريف، وتمامه: "ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به". رواه الطبراني وأبو نعيم والعسكري وغيرهم عن ابن عمر مرفوعًا. قال العسكري: أحسبه وهمًا. والصواب أنه من قول عمر ﵁، وأن الأحنف قال: قال لي عمرُ: يا أحنف، من كثر ضحكه ومن كثر كلامه وسنده ضعيف، كما قاله الزين العراقي. "انظر كشف الخفا ٢/ ٢٧٤". ٤ في ع ز: يكن. وهو خطأ. ٥ في ض: بنطق. ٦ في ع: محفوظ مكتوب. ٧ في ش ز ع ب: القديم. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٦، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٦٤، ٢١٠، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٢٤. ٨ في ب ز ض: المصنف.
[ ٢ / ٦١ ]
وَالْمُحَدِّثِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، وَصَحَّحُوهُ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، بَلْ أَكْثَرَ. فَلا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ، وَلا تَعْطِيلٍ١.
وَقَدْ خَرَّجَ الْفَاضِلُ النَّاقِدُ أَبُو بَكْرٍ الْمِصْرِيُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مِنْهَا. وَذَكَرَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. نَقَلَهُ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ".
وَكَذَلِكَ جَمَعَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ٢. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" وَ٣فِي "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ". وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ فِي "جُزْءٍ مُفْرَدٍ" لَهُ أَيْضًا٤.
الْحَدِيثُ الأَوَّلُ: مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "خَرَجْت إلَى الشَّامِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "٥ يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ١٠::
_________________
(١) ١ قارن ما جاء في الإنصاف للباقلاني ص ١٢٩ وما بعدها. ٢ هو عبد الغني بن عبد الواحد بن علي، تقي الدين، أبو محمد، المقدسي الصالحي الحنبلي، الإمام الحافظ المحدث. قال السيوطي: "كان غزير الحفظ والإتقان، وقيِّمًا يجمع فنون الحديث، كثير العبادة، ورعًا، ماشيًا على قانون السلف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، له تصانيف كثيرة، منها: "المصباح"، و"نهاية المراد" و"الكمال" و"العمدة" و"تحفة الطالبين" و"الروضة" و"الذكر"، و"محنة الإمام أحمد" وغيرها. حدث في دمشق، ثم خرج إلى مصر، ومات فيها سنة ٦٠٠هـ. "انظر: طبقات الحفاظ ص ٤٨٥، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٥، شذرات الذهب ٤/ ٣٤٥، حسن المحاضرة ١/ ٣٥٤، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٧٢، البداية والنهاية ١٣/ ٣٨". ٣ ساقطة في ب ز ض. ٤ قال في "شرح الكافية": "جمعها ضياء الدين المقدسي، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي، الإمام العالم الحافظ الحجة، محدث الشام، شيخ السنة، المتوفى سنة ٦٤٣هـ. "شرح الكافية ١/ ٢٢٦". وسوف يشير إلى ذلك المصنف صفحة ٦٤ ٥ ساقطة من ب.
[ ٢ / ٦٢ ]
يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ" - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى الشَّامِ- "حُفَاةً ١ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا". قَالَ: قُلْت: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: "لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ٢، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ ٣، لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلِمَةٍ. وَلا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلِمَةٍ". قَالُوا: كَيْفَ؟ وَإِنَّا نَأْتِي اللَّهَ غُرْلًا٤ بُهْمًا؟ قَالَ: "بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ٥".
أَخْرَجَ٦ الْبُخَارِيُّ أَصْلَهُ فِي "صَحِيحِه"ِ تَعْلِيقًا مُسْتَشْهِدًا بِهِ إلَى قَوْلِهِ: "الدَّيَّانُ" ٧ وَأَخْرَجَهُ شِهَابُ الدِّينِ فِي "الأَدَبِ الْمُفْرَدِ٨"، وَأَخْرَجَهُ
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ع ب ض. ٢ البُهْمُ في اللغة جمع بَهْمَة، وهي صغار الغنم. ومعناه هنا: أنه أمر لا قيمة له، فكأنه لا شيء معه. والغُرْلُ جمع أَغْرَل، وهو الذي لم يختن، على وزن أحمر. "انظر: المصباح المنير ١/ ١٠٣، ٢/ ٦٨٤، فتح الباري ١٣/ ٣٥٣". ٣ قال الحليمي: هو مأخوذ من قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ﴾ . وهو المحاسب والمجازي، لا يضيع عمل عامل. وقال الكرماني: "المعنى لا ملك إلا أنا"، ولا مجازي إلا أنا. "فتح الباري ١٣/ ٣٥٤". ٤ ساقطة من ض. ٥ قال ابن حجر: "يعني أن القصاص بين المتظالمين إنما يقع بالحسنات والسيئات". "فتح الباري ١٣/ ٣٥٤" ولذلك سمي هذا الحديث حديث القصاص والمظالم بين أهل الجنة وأهل النار. ٦ في ع: وأخرج. ٧ صحيح البخاري ٤/ ٢٩٤. وانظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٣، الأدب المفرد ص ٣٣٧. ٨ أي أخرج هذا الحديث شهاب الدين ابن حجر في "فتح الباري" عن "الأدب المفرد". قال ابن حجر عند الكلام عن سند الحديث وطرقه: "وساق هنا "أي البخاري" من الحديث بعضه. وأخرجه بتمامه في "الأدب المفرد". "فتح الباري ١٣/ ٣٥٣". وانظر: الأدب المفرد ص٣٣٧ باب المعانقة.
[ ٢ / ٦٣ ]
أَحْمَدُ١ وَأَبُو يَعْلَى٢ وَالطَّبَرَانِيُّ٣.
وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْحَافِظُ الضِّيَاءُ٤ بِسَنَدِهِ إلَى جَابِرٍ. قَالَ
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد عن جابر، عن عبد الله بن أنيس. وأخرج النسائي بعضَه عن ابن عباس. "انظر: مسند أحمد ٣/ ٤٩٥، سنن النسائي ٤/ ٩٢، فتح الباري ١٣/ ٣٥٣". ٢ هو أحمد بن علي بن المثنى، التميمي الموصلي، أبو يعلى، الحافظ، صاحب المسند الكبير. قال ابن العماد: "وصنف التصانيف، وكان ثقة صالحًا متقنًا". وكان من أهل الصدق والأمانة والدين. وثقه ابن حبان، ووصفه بالإتقان والدين. وكان مسنده كالبحر مع غيره، ورحل إليه الناس، توفي سنة ٣٠٧هـ. انظر ترجمته في "شذرات الذهب ٢/ ٢٥٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠٧، مرآة الجنان ٢/ ٢٤٩، طبقات الحفاظ ص ٣٠٦". ٣ هو سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، نسبة إلى طبرية، الإمام العلامة الحجة. ولد بعكا، وسمع بالشام، والحجاز، واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، والجزيرة. وحدث عن ألف شيخ. وقد رحل في طلب الحديث، وكان بصيرًا بالعلل، والرجال والأبواب. صنف تصانيف كثيرة، منها: "المعتجم الكبير"، وهو المسند، و"المعجم الأوسط" عن شيوخه، و"المعجم الصغير"، و"دلائل النبوة"، و"الأوائل"، و"التفسير" وغيرها من المصنفات المفيدة. قال الذهبي: "ومع سعة روايته لم ينفرد بحديث"، توفي سنة ٣٦٠هـ. انظر ترجمته في تذكرة "الحفاظ ٣/ ٩١٢، طبقات الحنابلة ٢/ ٤٩، وفيات الأعيان ٢/ ١٤١، طبقات المفسرين ١/ ١٩٨، ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٥، شذرات الذهب ٣/ ٣٠، طبقات الحفاظ ص ٣٧٢، البداية والنهاية ١١/ ٢٧٠". ٤ هو محمد بن عبد الواحد بن أحمد، السعدي الحنبلي، ضياء الدين، المقدسي، أبو عبد الله، الإمام الحافظ الحجة، محدث الشام، وشيخ السنة. قال ابن العماد: "وهو حافظ متقن ثبت ثقة، نبيل الحجة، عالم بالحديث وأحوال الرجال، وهو ورع تقي زاهد عابد محتاط في أكل الحلال، مجاهد في سبيل الله". له تصانيف كثيرة مشهورة، منها: "الأحاديث المختارة"، وو"فضائل الأعمال"، و"صفة الجنة"، و"صفة النار"، و"أفراد الحديث"، و"الرواة عن البخاري"، و"دلائل النبوة" وغيرها. توفي بدمشق سنة ٦٤٣هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٥، طبقات الحفاظ ص ٤٩٤، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٦، شذرات الذهب ٥/ ٢٢٤". وفي ب ع: أيضًا.
[ ٢ / ٦٤ ]
جَابِرٌ: "بَلَغَنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ. وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ١، فَاشْتَرَيْت بَعِيرًا فَشَدَدْت عَلَيْهِ رَحْلًا، وَسِرْت حَتَّى وَرَدْت مِصْرَ، فَمَضَيْتُ٢ إلَى بَابِ الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَنِي عَنْهُ الْحَدِيثُ. فَقَرَعْت بَابَهُ، فَخَرَجَ إلَيَّ مَمْلُوكُهُ. فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَلَمْ يُكَلِّمْنِي، فَدَخَلَ إلَى سَيِّدِهِ. فَقَالَ: أَعْرَابِيٌّ ٣عَلَى الْبَابِ٣، فَقَالَ: سَلْهُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ. فَخَرَجَ إلَيَّ مَوْلاهُ. فَلَمَّا تَرَاءَيْنَا اعْتَنَقَ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ. فَقَالَ: يَا جَابِرُ، مَا جِئْت تَعْرِفُ؟ قَالَ٤: فَقُلْت: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقِصَاصِ، وَلا أَظُنُّ أَنَّ٥ أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى أَوْ مِمَّنْ بَقِيَ أَحْفَظُ لَهُ مِنْك. قَالَ: نَعَمْ يَا جَابِرُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ ﵎ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، ثُمَّ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، غَيْرِ فَظِيعٍ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَنْ قَرُبَ: أَنَا الدَّيَّانُ، لا تَظَالُمَ الْيَوْمَ. أَمَا وَعِزَّتِي لا يُجَاوِرُنِي الْيَوْمَ ظَالِمٌ وَلَوْ لَطْمَةً بِكَفٍّ، أَوْ يَدٍ عَلَى يَدٍ. أَلا وَإِنَّ أَشَدَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي: عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ. فَلْتَرْتَقِبْ أُمَّتِي الْعَذَابَ إذَا تَكَافَأَ النِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَالرِّجَالُ بِالرِّجَالِ".
الْحَدِيثُ الثَّانِي: مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلائِكَةُ
_________________
(١) ١ جاء في رواية الضياء أن عبد الله بن أنيس كان بمصر، بينما صرحت أكثر كتب التراجم والحديث أنه كان بالشام. ٢ في ز: فنصبت. ٣ ساقطة من ب ض. ٤ ساقطة من ب ع ض. ٥ ساقطة من ب ع ز.
[ ٢ / ٦٥ ]
بِأَجْنِحَتِهَا ١خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ٦. كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ. فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ - إلَى آخِرِهِ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد٢ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ٣.
الثَّالِثُ: مَا رَوَى ابْنُ٤ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ٥ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ، فَلا يَزَالُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ ﵇، فَإِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ رَبُّك؟ قَالَ: يَقُولُ: الْحَقَّ. قَالَ: فَيُنَادُونَ الْحَقَّ الْحَقَّ".
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ٦.
_________________
(١) ١ في ش ز ع ب: تصديقًا له، وفي البخاري: خضعانًا، وفي ض والترمذي وابن ماجه: خضعانًا لقوله. ٢ هو سليمان بن الأشعث بن شداد، أبو داود السجستاني، ويقال له: السِّجْزيّ. قال النووي: "واتفق العلماء على الثناء على أبي داود، ووصفه بالحفظ التام، والعلم الوافر، والإتقان والورع، والدين، والفهم الثاقب في الحديث وغيره، وفي أعلى درجات النسك والعفاف والورع". وعده الشيرازي وابن أبي يعلى من أصحاب أحمد. وذكره العبادي والسبكي في طبقات الشافعية، وهو صاحب كتاب "السنن". توفي بالبصرة سنة ٢٧٥هـ. انظر في ترجمته "تهذيب الأسماء ٢/ ٢٢٤، شذرات الذهب ٢/ ١٦٧، وفيات الأعيان ٢/ ١٣٨، طبقات المفسرين ١/ ٢٠١، المنهج الأحمد ١/ ١٧٥، طبقات الحنابلة ١/ ١٥٩، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٢٩٣، طبقات الشافعية للعبادي ص ٦٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١، طبقات الحفاظ ص ٢٦١، الخلاصة ص ١٥٠". ٣ انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ٣/ ١٤٦، ١٧٩، ٤/ ٢٩٤، سنن أبي داود ٢/ ٣٥٨، تحفة الأحوذي ٩/ ٩٠، سنن ابن ماجه ١/ ٧٠، خلق أفعال العباد ص ١٣، ٦٠، فتح الباري ١٣/ ٣٥٤، الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٠٠. ٤ في ع: عن ابن. ٥ ساقطة من ض. ٦ سنن أبي داود ٢/ ٥٣٧. وقال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" بعد الحديث: وقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبي هريرة. "مختصر سنن أبي داود ٧/ ١٢٧". ولعل المنذري يشير إلى حديث أبي هريرة" السابق.
[ ٢ / ٦٦ ]
الرَّابِعُ: مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السَّلِسَةِ ١ عَلَى الصَّفَا. قَالَ: فَيُفَزَّعُونَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ. فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ يَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ رَبُّك؟ قَالَ فَيَقُولُ: الْحَقَّ. قَالُوا: الْحَقَّ الْحَقَّ " ٢.
رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ٣ الصَّبَّاحِ بْنِ أَبِي سُرَيْجٍ٤ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ٥
_________________
(١) ١ في ش: السلسة. ٢ رواه البخاري معلقًا، ووصله البيهقي في "الأسماء والصفات". ورواه أحمد عن أبي معاوية. وقد توسع ابن حجر في ذكر طرقه وأسانيده، ورجح صحته. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد". "انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٢، الأسماء والصفات ١/ ٢٠١، خلق أفعال العباد ص ٦٠، تفسير الطبري ٢٢/ ٩٠". ٣ في ش: عن. وفي ض: بن أبي. ٤ هو أحمد بن أبي سريج الصباح، وقيل: أحمد بن عمر الصباح، النهشلي الرازي، أبو جعفر المقرئ. قرأ على الكسائي. وروى عن شعيب بن حرب وأبي معاوية الضرير وجماعة. وحدث عنه البخاري وأبو داود والنسائي في كتبهم، وأبو بكر بن أبي داود وأبو حاتم، وقال: صدوق. مات بعد سنة ٢٤٠هـ، وقال ابن الجوزي: مات سنة ٢٣٠هـ. انظر في ترجمته "معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ١٧٨، تهذيب التهذيب ١/ ٤٤، الخلاصة ص ٦، ٧، طبقات القراء ١/ ٦٣، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٢٥". وفي ش ض: شريح. ٥ هو محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، التيمي، الكوفي، الحافظ. قال ابن حبان: "كان حافظًا، ولكن كان مرجئًا خبيثًا". وقال الذهبي: "أحد الأئمة الأعلام الثقات، لم يتعرض له أحد، احتج به الشيخان، وقد اشتهر عنه غلو التشيع". توفي سنة ١٩٥هـ. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ٤/ ٥٧٥، طبقات الحفاظ ص ١٢٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٩٤، شذرات الذهب ١/ ٣٤٣، الخلاصة ص ٣٣٤، نكت الهميان ص ٢٤٧".
[ ٢ / ٦٧ ]
الْخَامِسُ: بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي تَصْنِيفِهِ: رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. قَالَ: سَأَلْت أَبِي، فَقُلْت: يَا أَبَتِ١، الْجَهْمِيَّةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ. فَقَالَ: كَذَبُوا، إنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ٢، ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ٣ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ٤. قَالَ: حَدَّثَنِيْ الأَعْمَشُ٥ عَنْ أَبِي
_________________
(١) ١ في ض: يا أبي. ٢ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٣. ٣ في ش ز ع ب: عبد الله. وهو خطأ. ولم أجد في جميع كتب التراجم التي رجعت إليها اسم "عبد الله المحاربي". وإنما هو عبد الرحمن. وقد جاء في "الخلاصة" أن عبد الرحمن روى عن الأعمش، وأن أحمد روى عنه، كما أكّد الذهبي ذلك في "ميزان الاعتدال" كما سيأتي في ترجمته. وفي مسند الإمام أحمد: "حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش". وقال ابن حجر: "فقد وافقه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش، أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" له عن أبيه عن المحاربي". "انظر: مسند أحمد ١/ ٤٤٨، فتح الباري ١٣/ ٣٥٦، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٥، الخلاصة ص ٢٣٤". ٤ هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي. روى عن الأعمش، وروى عنه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، وثقه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة، فيفسد حديثه بذلك. وقال الذهبي: حدث عنه أحمد وهناد، مات بالكوفة سنة ١٩٥هـ. انظر ترجمته في "الخلاصة ص ٢٣٤، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٥، شذرات الذهب ١/ ٣٤٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٣١٢، طبقات الحفاظ ص ١٢٩". ٥ هو سليمان بن مهران، أبو محمد، مولى بني كاهل، المعروف بالأعمش. كان محدث الكوفة وعالمها، وكان أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بالفرائض وأحفظهم للحديث. قال ابن خلكان: "كان ثقة عالمًا فاضلًا، رأى أنس بن مالك وكلمه، ولم يرزق السماع عليه، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثًا واحدًا وكان لطيف الخلق مزاحًا". توفي سنة ١٤٨هـ. انظر في ترجمته "وفيات الأعيان ٢/ ١٣٦، طبقات القراء ١/ ٣١٥، تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٤، الخلاصة ص ١٥٥، شذرات الذهب ١/ ٢٢٠، تاريخ بغداد ٩/ ٣، طبقات الحفاظ ص ٦٧، مشاهير علماء الأمصار ص ١١١".
[ ٢ / ٦٨ ]
الضُّحَى١ عَنْ مَسْرُوقٍ٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ صَوْتَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ.
قَالَ السِّجْزِيُّ: "وَمَا فِي رُوَاةِ هَذَا الْخَبَرِ إلاَّ إمَامٌ مَقْبُولٌ". اهـ.
وَتَتِمَّةُ الْحَدِيثِ "فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - قَالَ: سَكَنَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - نَادَى أَهْلُ السَّمَاءِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ. قَالَ: كَذَا وَكَذَا".
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ٣ وَغَيْرُهُ: وَمِثْلُ هَذَا لا يَقُولُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ إلاَّ تَوْقِيفًا؛ لأَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةٍ لِلذَّاتِ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
_________________
(١) ١ هو مسلم بن صبيح الهمداني مولاهم، أبو الضحى، العطار لكوفي التابعي. روى عن علي مرسلًا، وعن ابن عباس وجماعة. وروى عنه الأعمش وغيره. وثقه ابن معين وأبو زرعة، وكان ثقة كثير الحديث، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة ١٠٠هـ. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب ١/ ١٣٢، الخلاصة ص ٣٧٥، طبقات ابن سعد ٦/ ٢٨٨، الجرح والتعديل للرازي ١٠/ ١٨٦". ٢ هو مسروق بن الأجدع بن مالك، من هَمْدان، ويكنى أبا عائشة، الإمام الكوفي، القدوة الفقيه العابد، صاحب ابن مسعود، وروى عن أبي بكر وعمر ومعاذ وعلي. وروى له أصحاب الكتب الستة. كان يصلي حتى تورمت قدماه، قال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه. توفي سنة ٦٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص٧٩، طبقات القراء ٢/ ٢٩٤، تذكرة الحفاظ ١/ ٤٩، شذرات الذهب ١/ ٧١، الخلاصة ص ٣٧٤، طبقات الحفاظ ص ١٤، المعارف ص ٤٣٢". ٣ هو محمد بن محمد بن الحسين، القاضي الشهيد، أبو الحسين، ابن شيخ المذهب القاضي أبي يعلى الفراء. كان عارفًا بالمذهب، متشددًا في السنة، كثير الحط على الأشاعرة، وكان مفتيًا مناظرًا، له تصانيف كثيرة في الأصول والفروع، منها: "المجموع" في الفروع، و"المفردات في الفقه"، و"المفردات في أصول الفقه"، و"إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة"، و"طبقات الحنابلة" وغيرها. دخل عليه خدمه، وهو نائم في بيته، فأخذوا ماله وقتلوه سنة ٥٢٦هـ. انظر ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٧٦، شذرات الذهب ٤/ ٧٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢١٠.
[ ٢ / ٦٩ ]
السَّادِسُ: مَا رَوَى بَهْزُ١بْنُ حَكِيمِ٢ بْنِ مُعَاوِيَةَ٢ عَنْ أَبِيهِ٣ عَنْ جَدِّهِ٤: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فُزِّعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ لانْحِطَاطِهِ، وَسَمِعُوا صَوْتَ الْوَحْيِ كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ صَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا. فَكُلَّمَا مَرَّ بِأَهْلِ سَمَاءٍ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، بِمَ أُمِرْت؟ فَيَقُولُ: نُورُ الْعِزَّةِ الْعَظِيمُ. كَلامُ اللَّهِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ" ٥.
السَّابِعُ: مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ع ب ض. ٢ هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، أبو عبد الملك، القشيري البصري. روى عن أبيه وزرارة بن أوفى. وروى عنه الزهري وابن عون وسليمان التيمي والثوري والحمادان وغيرهم. قال ابن معين: هو ثقة يحتج به. وقال يحيى: إسناده عن أبيه عن جده صحيح. ذكره البغوي في الصحابة، ولم يوافقه ابن حجر وابن عبد البر. توفي سنة ١٤٠هـ. انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء ١/ ١٣٨، الإصابة ١/ ١٦٦، الاستيعاب ١/ ١٨٠، ميزان الاعتدال ١/ ٣٥٣، الخلاصة ص ٥٣". ٣ هو حكيم بن معاوية بن حَيْدة، والد بهز بن حكيم، وهو أبو بهز القشيري البصري التابعي، ثقة معروف، روى عنه ابنه بهز والحريري، وثقه ابن حبان. "انظر: تهذيب الأسماء ١/ ١٦٧، الخلاصة ص ٩١". ٤ هو معاوية بن حَيْدة بن معاوية القشيري، نزل البصرة، ومات بخراسان، له وفادة وصحبة. وأخرج له أصحاب السنن، وعلق له البخاري. "انظر: الإصابة ٣/ ٤٣٢، الاستيعاب ٣/ ٤٠٤، الخلاصة ص ٣٨١". ٥ رواه ابن مردويه. "انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٥".
[ ٢ / ٧٠ ]
قُلُوبِهِمْ﴾ - الآيَةَ١. قَالَ: لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ الْجَبَّارُ ﷿ إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ دَعَا الرَّسُولَ مِنْ الْمَلائِكَةِ لِيَبْعَثَهُ بِالْوَحْيِ. فَسَمِعَتْ الْمَلائِكَةُ صَوْتَ الْجَبَّارِ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ. فَلَمَّا٢ كُشِفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ سَأَلُوهُ عَمَّا قَالَ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَقُولُ إلاَّ حَقًّا، وَأَنَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَصَوْتُ الرَّحْمَنِ كَصَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا - كُلَّمَا سَمِعُوهُ خَرُّوا سُجَّدًا، فَلَمَّا رَفَعُوا رُؤُوْسَهُمْ قَالُوا: مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ٣: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ٤.
الثَّامِنُ: مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ٥ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَم. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِك بَعْثًا إلَى النَّارِ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ٦.
التَّاسِعُ: مَا رَوَاهُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ٧. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
_________________
(١) ١ الآية ٢٣ من سبأ. وتتمة الآية: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ في ع ب ز ض: ولما. ٣ في ش ز ع ب: قالوا. ٤ رواه الطبري في تفسيره. وروى البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" عن ابن عباس ﵁ قال: "إذا قضى الله -جل ذكره- أمرًا تكلم، رجفت الأرض والسماء والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجدًا". "انظر: تفسير الطبري ٢٢/ ٩١، خلق أفعال العباد ص ٦٠". ٥ هو الصحابي أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك. ومرت ترجمته في المجلد الأول. ٦ هذا طرف من حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ٢/ ٢٣٣، ٤/ صحيح مسلم ٢/ ٢٠١، مسند أحمد ٣/ ٣٢، فتح الباري ١٣/ ٣٥٥، خلق أفعال العباد ص٦٠". ورواه الترمذي عن عمران بن حصين. "انظر: تحفة الأحوذي ٩/ ١٠". ٧ هو الصحابي النوَّاسُ بن سَمْعان بن خالد العامري الكلابي. وله ولأبيه صحبة. له سبعة عشر حديثًا، انفرد له مسلم بثلاثة. روى عنه جبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني. "انظر: الإصابة ٣/ ٥٧٩، الاستيعاب ٣/ ٥٦٩، الخلاصة ص ٤٠٦".
[ ٢ / ٧١ ]
"إذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِأَمْرٍ أَخَذَتْ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صُعِقُوا وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلَ ﵇، فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَنْتَهِي ١ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ إلَى ٢ الْمَلائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِهِ فِي ٣ سَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: ﴿الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٤. فَيَقُولُونَ ٥ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ فَيَنْتَهِي بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ ٦ حَيْثُ أُمِرَ مِنْ السَّمَاءِ ٧ وَالأَرْضِ".
رَوَاهُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ بِسَنَدِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ٨ مُتَّصِلًا إلَى النَّوَّاسِ٩ بْنِ سَمْعَانَ١٠.
_________________
(١) ١ في رواية: فيمضي "فتح الباري ١٣/ ٣٥٥". ٢ في ز ع ب: على. ٣ ساقطة من ز. وفي ب ع: بـ. ٤ الآية ٢٣ من سبأ. ٥ في ب: فيقول. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ز: بالسماء. وفي ش ب ع ض: السماء. ٨ هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، أبو محمد الأصبهاني، الحافظ، الملقب بأبي الشيخ، العابد القانت، صاحب التصانيف السائرة، كان حافظًا ثبتًا ثقة مأمونًا متقنًا. ومن مصنفاته: "الأحكام"، و"التفسير". توفي سنة ٣٦٩ هـ وله ٩٥ سنة. "انظر: طبقات المفسرين ١/ ٢٤٠، طبقات القراء ١/ ٤٤٧، شذرات الذهب ٣/ ٦٩، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٥". ٩ في ض: نواس. ١٠ روى حديث النواس ابن جرير الطبري وابن خزيمة وابن أبي حاتم والبيهقي. "انظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٥٥١، تفسير الطبري ٢٢/ ٩١، الأسماء والصفات ١/ ٢٠٣".
[ ٢ / ٧٢ ]
الْعَاشِرُ: مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ. وَيَقُولُ: "أَلا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ١ وَابْنُ مَاجَهْ٢.
الْحَادِيَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ جَابِرٌ. قَالَ: "لَمَّا قُتِلَ أَبِيْ٣ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا جَابِرُ، أَلا أُخْبِرُك بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لأَبِيك"؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: "وَمَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا إلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، إلاَّ أَبَاك. فَكَلَّمَ اللَّهُ أَبَاك
_________________
(١) ١ هو أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخراساني النسائي، أبو عبد الرحمن. وهو القاضي الإمام الحافظ، أحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين. قال الحاكم: "كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال". له مصنفات، منها: "السنن الكبرى"، و"السنن الصغرى"، و"خصائص علي"، و"مسند علي"، و"مسند مالك" وغيرها. مات شهيدًا بفلسطين سنة ٣٠٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٤، طبقات القراء ١/ ٣٤٩، العقد الثمين ٣/ ٤٥، وفيات الأعيان ١/ ٥٩، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٩٨، شذرات الذهب ٢/ ٢٣٩، طبقات الحفاظ ص ٣٠٣، الخلاصة ص ٧، حسن المحاضرة ١/ ٣٤٩". ٢ رواه أصحاب السنن وأحمد. ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. ويظهر أن النسائي رواه في السنن الكبرى، لأنني لم أجده في السنن الصغرى المطبوعة، ولم يشر عبد الغني المقدسي إلى رواية النسائي له. ورواه البخاري في خلق أفعال العباد. "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٥٣٦، تحفة الأحوذي ٨/ ٢٤٢، سنن ابن ماجه ١/ ٧٣، ومسند أحمد ٣/ ٣٩٠، المستدرك ٢/ ٦١٢، خلق أفعال العباد ص ١٣، ٢٨، ذخائر المواريث ١/ ١٢٨". ٣ هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستشهد يوم أحد. وهو أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ، وصلى عليه رسول الله ﷺ قبل الهزيمة، وجدع أنفه، وقطعت أذناه، وقال فيه رسول الله ﷺ: "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها، وأن الله تعالى كلمه كفاحًا". "انظر: الإصابة ٢/ ٣٥٠، الاستيعاب ٢/ ٣٣٩، حلية الأولياء ٢/ ٤".
[ ٢ / ٧٣ ]
كِفَاحًا. فَقَالَ: يَا ١ عَبْدَ اللَّهِ تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِك ٢. قَالَ: يَا رَبِّ تَرُدُّنِي فَأُقْتَلُ فِيك ثَانِيَةً٢. فَقَالَ: سَبَقَ مِنِّي الْقَوْلُ ٣: "أَنَّهُمْ إلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ ٤ ". فَقَالَ: يَا رَبِّ أَخْبِرْ مَنْ وَرَائِي". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ٥ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٦.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ٧.
الثَّانِيَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَأَ طَهَ وَيس قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتْ الْمَلائِكَةُ ٨، قَالَتْ: طُوبَى لأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذَا عَلَيْهِمْ، وَطُوبَى لأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لأَلْسُنٍ تَتَكَلَّمُ بِه ِ٩ ".
رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ١٠.
_________________
(١) ١ في الإصابة: يا عبدي سلني أعطك. رواه الترمذي. "انظر: الإصابة ٢/ ٣٥٠". ٢ في ع: ثانيا. ٣ في ض: القول مني. ٤ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ . يس/ ٣١. ٥ في ز: أحياء – الآية. وفي ب ع: أمواتا –الآية. وفي ض: في سبيل الله- الآية. ٦ الآية ١٦٩ من آل عمران. ٧ قال الترمذي: حديث حسن غريب. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد". ورواه الإمام أحمد مختصرًا. "انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ٣٦٠، سنن ابن ماجه ١/ ٦٨، ٢/ ٩٣٦، خلق أفعال العباد ص ١٤، مسند أحمد ٣/ ٣٦١". ٨ في مجمع الزوائد: الملائكة القران. ٩ في مجمع الزوائد: بهذا. ١٠ هو محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، أبو بكر، المحدث الحافظ الكبير، الثبت، إمام الأئمة حفظًا وفقهًا وزهدًا، شيخ الإسلام، تفقه على المزني وغيره، وصنف=
[ ٢ / ٧٤ ]
الثَّالِثَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ١، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ ٢ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ".
قَالَ أَبُو نَضْرٍ٣: يَعْنِي الْقُرْآنَ.
_________________
(١) =وجود واشتهر، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، مصنفاته تزيده عن مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل، توفي سنة ٣١١هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٠٩، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٢٠، البداية والنهاية ١١/ ١٤٩، طبقات القراء ٢/ ٩٧، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٠٥، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٢، طبقات الحفاظ ص ٣١٠". والحديث رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي: "وفيه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، ضعفه البخاري بهذا الحديث، ووثقه ابن معين". "مجمع الزوائد ٧/ ٥٦". وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. وقال ابن عدي: لم أجد لإبراهيم حديثًا أنكر من هذا، لأنه لا يرويه غيره. الموضوعات لابن الجوزي ١/ ١١٠". ١ هو الصحابي صدي بن عجلان بن الحارث، أبو أمامة الباهلي، مشهور بكنيته، روى عن النبي ﷺ وعن الصحابة. أخرج الطبراني أنه شهد أحدًا، لكن سنده ضعيف، وهو ممن بايع تحت الشجرة. وقال ابن حبان: كان مع علي بصفين، سكن مصر ثم انتقل إلى حمص، فسكنها ومات فيها، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، توفي سنة ٨٦هـ، وله ١٠٦ سنوات. "انظر: الإصابة ٢/ ١٨٢، الاستيعاب ٤/ ٤، تهذيب الأسماء ٢/ ١٧٦، شذرات الذهب ١/ ٩٦، الخلاصة ص ٤٦٤". ولفظة الباهلي ساقطة من ز ع ض. ٢ في ز ع ض ب: ليدور. ٣ في ش ز ع ب ض: أبو نصر، وهو تصحيف. وقد نص الترمذي عليه، فروى الحديث عن أبي النضر عن بكر بن خنيس. "انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ٢٢٩". وأبو النضر هو سعيد بن أبي عَرُوبة مهران العدوي مولاهم، البصري، الحافظ العالم، شيخ البصرة في زمانه. روى عنه الأعمش وشعبة والثوري وابن المبارك. ولم يكن له كتاب، إنما كان يحفظ ذلك. وقال أبو حاتم: قبل أن يختلط ثقة. وكان أعلم الناس بحديث قتادة، وكان يقول بالقدر سرًا. توفي سنة ١٥٦هـ. "انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٥١، المعارف ص ٥٠٨، شذرات الذهب ١/ ٢٣٩، الخلاصة ص ١٤١، طبقات الحفاظ ص ٧٨، تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٧".
[ ٢ / ٧٥ ]
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا بِلَفْظِ: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ " وَسَاقَهُ أَيْضًا١ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ٢.
الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ عُثْمَانُ٣ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: "فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ، كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ".
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ رواه أحمد والترمذي. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" موقوفًا على خباب بن الأرت، ثم قال: "مع أن هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. وقال المباركفوري: وفي سنده بكر بن خنيس وهو متكلم فيه". وقوله: "بأفضل مما خرج منه"، يعني بأفضل من القرآن، وخرج منه، أي ظهر لنا كظهور الشيء من الشيء. وقيل: الضمير في "منه" عائد إلى العبد. وخروجه منه وجوده على لسانه محفوظًا في صدره، مكتوبًا بيده، والمقصود أنه لا يوجد شيء من العبادات يتقرب العبد به إلى الله ويجعله وسيلة له أفضل من القرآن. "انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ٢٢٩، ٢٣٠، مسند أحمد ٥/ ٢٦٨، فيض القدير ٥/ ٤١٦، خلق أفعال العباد ص ١٣، ٦٥". ٣ هو عثمان بن عفان بن أبي العاص، القريشي الأموي، أمير المؤمنين، وثالث الخلفاء الراشدين، أبو عبد الله، ذو النورين، أسلم قديمًا عندما دعاه أبو بكر إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة بزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ. وبعد وفاته رقية تزوج أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ. روى له ١٤٦ حديثًا. بويع بالخلافة سنة ٢٤ هـ. وفتح في عهده شمال أفريقيا وفارس. وهو أحد المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان جوادًا في سبيل الله، قتل شهيدًا سنة ٣٥هـ، ومناقبه كثيرة. "انظر: الإصابة ٢/ ٤٦٢، الاستيعاب ٣/ ٦٩، تهذيب الأسماء ١/ ٣٢١، شذرات الذهب ١/ ٤٠، الخلاصة ص ٢٦١، إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء ص ١٤٢، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٤٧".
[ ٢ / ٧٦ ]
رَوَاهُ الْحَافِظُ أَيْضًا بِسَنَدِهِ١.
وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ٢عَلَى جِنَازَةٍ٢ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ اغْفِرْ لَهُ٣. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "اُسْكُتْ. فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ بِمَرْبُوبٍ، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ٤".
الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو٥ شُرَيْحٍ٦. قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا، أَلَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي
_________________
(١) ١ لعله الحافظ ضياء الدين المقدسي الذي مرت ترجمته صفحة ٦٤، أو الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، وهو المراد إذا أطلق الحافظ عند علماء الحديث. ورواه أبو يعلى في "معجمه" والبيهقي عن أبي هريرة. ورواه الترمذي في آخر حديث: "من شغله القرآن عن ذكري". ورواه البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي موقوفًا عليه في كتابه "خلق أفعال العباد". وأشار إلى تضعيفه فقال: "لو صح هذا الخبر لم يكن فيه" وقال ابن حجر: "وخرجه ابن عدي بسند ضعيف". ورواه الدارمي عن شهر بن حوشب. ورواه أحمد في كتاب "السنة" عن الحسن، وعن أبي هريرة. "انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ٢٤٤، فيض القدير ٤/ ٤٣٤، الفتح الكبير ٢/ ٢٦٨، خلق أفعال العباد ص ١٣، ٦٥، السنة ص ٢٢، سنن الدارمي ٢/ ٤٤١، فتح الباري ١٣/ ٣٥٢". ٢ ساقطة من ز ش ب د ض. ٣ في ش: لي. ٤ وهو ما رواه الإمام أحمد عن وكيع "السنة ص ٢٥"، ومرت الإشارة إليه صفحة ٢٠. ومعنى "منه خرج أو بدأ" أن الله تعالى أمر به ونهى. "وإليه يعود" أي هو الذي يسأل العبد عما أمره وعما نهاه. وقال الطيبي: معنى قوله: "منه بدأ" أنه أنزله على الخلق ليكون حجة لهم وعليهم. ومعنى قوله: "إليه يعود" أن مآل أمر وعاقبته من حقيقته في ظهور صدق ما نطق به من الوعد والوعيد إليه تعالى. "انظر فيض القدير ٥/ ٤١٦، شرح الكافية ١/ ٢٩، ٢٠٥". ٥ ساقطة من ز. ٦ هو الصحابي خويلد بن عمرو، أبو شريح الخزاعي ثم الكعبي، أسلم قبل الفتح، وكان معه لواء خزاعة يوم الفتح. قال الواقدي: كان أبو شريح الخزاعي من عقلاء المدينة. وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة يوم فتح مكة. وعندما جهز عمرو بن سعيد أمير المدينة البعث إلى مهاجمة مكة في عهد يزيد بن معاوية، جاءه أبو شريح وحذره من ذلك. رُوِيَ له عشرون حديثًا. ومات بالمدينة سنة ٦٨هـ. "انظر: الإصابة ٤/ ١٠١، الاستيعاب ٤/ ١٠١، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٤٢، الخلاصة ص ٤٥٢، شذرات الذهب ١/ ٧٦".
[ ٢ / ٧٧ ]
رَسُولُ اللَّهِ؟ "، فَقَالُوا١: بَلَى. فَقَالَ٢: "فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ، طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ. فَتَمَسَّكُوا بِهِ. فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا" ٣.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ٤.
وَرَوَى مَعْنَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ٥ فِي "الصَّحِيحِ" "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ
_________________
(١) ١ في ز ع ب ض: قالوا. ٢ في ع ض: قال. ٣ رواه الطبراني عن جبير. "انظر: الفتح الكبير ١/ ١٧". ٤ هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم، أبو بكر، الحافظ، الحجة، الثبت، النحرير، العبسي مولاهم، الكوفي. قال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة؛ فأبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه. وقد صنف ابن أبي شيبة تصانيف كثيرة، منها: "المسند"، و"المصنف"، و"الأحكام"، و"التفسير"، و"السنن"، و"التاريخ"، و"الفتوح". مات سنة ٢٣٥هـ. انظر ترجمته في "طبقات المفسرين ١/ ٢٤٦، طبقات الحفاظ ص ١٨٩، ميزان الاعتدال ٢/ ٤٩٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٢، تاريخ بغداد ١٠/ ٦٦، البداية والنهاية ١٠/ ٣١٥، شذرات الذهب ٢/ ٨٥، الخلاصة ص ٢١٢، الفهرست ص ٣٢٠". ٥ هو سليمان بن داود بن الجارود البصري، أبو داود الطيالسي الحافظ، أحد الأعلام. قال الخطيب: "كان حافظًا مكثرًا ثقة ثبتًا". وقال ابن المديني: "ما رأيت أحدًا أحفظ من أبي داود". وقال أبو حاتم: "أبو داود محدث صدوق كثير الخطأ"، وهو صاحب "المسند". ماب بالبصرة سنة ٢٠٣هـ، وقيل سنة ٢٠٤هـ. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ٢/ ٢٠٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٥١، تاريخ بغداد ٩/ ٢٤، الخلاصة ص ١٥١، طبقات الحفاظ ص ١٤٩، شذرات الذهب ٢/ ١٢". وفي ض: والطيالسي.
[ ٢ / ٧٨ ]
سَيُكَلِّمُهُ ١ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" ٢.
وَفِي أَحَادِيثَ أُخَرَ تَبْلُغُ٣ نَحْوَ الثَّلاثِينَ وَارِدَةٌ فِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ٤، بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا حِسَانٌ، وَيُحْتَجُّ بِهَا أَخْرَجَهَا الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ غَالِبَهَا، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَخْرَجَ غَالِبَهَا أَيْضًا ابْنُ حَجَرٍ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ٥". وَاحْتَجَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. وَقَدْ صَحَّحُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَاعْتَقَدُوهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَاعْتَمَدُوا عَلَيْهَا، مُنَزِّهِينَ اللَّهَ٦ عَمَّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنْ شُبُهَاتِ الْحُدُوثِ وَغَيْرِهَا، كَمَا قَالُوا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ٧.
فَإِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنْ النَّاسِ مَا يُقَدَّرُ ٨عُشْرَ مِعْشَارِ هَؤُلاءِ٥ يَقُولُ٩: لَمْ يَصِحَّ
_________________
(١) ١ في ز ش: سيكلم. ٢ هذا طرف من حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد عن عدي بن حاتم. "انظر: صحيح البخاري ٢/ ٥٤، ٤/ ٢٨٧، صحيح مسلم ٢/ ٧٠٢، تحفة الأحوذي ٧/ ٩٨، سنن ابن ماجه ١/ ٦٦، مسند أحمد ٤/ ٢٥٦، السنة للإمام أحمد ص ٤٣، الفتح الكبير ٣/ ١٢٤، منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود ٢/ ٢٣٢. ٣ في ز ع ب: تبلغ هذه. ٤ جاء في "شرح الكافية": "وقد رُوي في إثبات الحرف والصوت أحاديث تزيد عن أربعين حديثًا، بعضها صحاح، وبعضها حسان، ويحتج بها، أخرجها الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي وغيره. وأخرج أحمد غالبها" ونقل ما ذكره المصنف أعلاه. "شرح الكافية ١/ ٢٢٩". ٥ فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٣/ ٣٥٢. ٦ في ز ع ب: لله. ٧ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٦، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٧٤، وقارن ما جاء في "فواتح الرحموت ٢/ ٧". ٨ في ض: قدر معشارهم. ٩ في ز: يقوله.
[ ٢ / ٧٩ ]
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ وَاحِدٌ١ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ. وَرَأَيْنَا٢ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةَ أَئِمَّةَ الإِسْلامِ الَّذِينَ اعْتَمَدَ أَهْلُ الإِسْلامِ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَعَمِلُوا بِهَا وَدَوَّنُوهَا وَدَانُوا٣ اللَّهَ بِهَا صَرَّحُوا بِأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ لا يُشْبِهَانِ صَوْتَ مَخْلُوقٍ وَلا حَرْفَهُ بِوَجْهٍ أَلْبَتَّةَ. مُعْتَمَدِينَ عَلَى مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ الْمَعْصُومِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى٤، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ الْجَازِمِينَ بِهِ، الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ وَلا وَهْمٌ وَلا خَيَالٌ: نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ وَالتَّكْيِيفِ٥، وَأَنَّهُمْ قَائِلُونَ فِي صِفَةِ الْكَلامِ كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ٦ تَعَالَى، مِنْ النُّزُولِ وَالاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدِ وَالْقَدَمِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ وَغَيْرِهَا٧، كَمَا قَالَهُ سَلَفُ الأُمَّةِ، مَعَ إثْبَاتِهِمْ لَهَا. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ﴾ ٨، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٩.
وَذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ السِّجِسْتَانِيُّ - رَادًّا عَلَى مُنْكِرِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ - عَنْ
_________________
(١) ١ في ب ز ش: والحق. ٢ في ض: ورأيت. ٣ في ع: لله. ٤ هذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى﴾ . النجم/ ٣-٤. ٥ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٦، مجموعة الرسائل والمسائل ٢/ ١٥٣. ٦ في ع: التي لله. ٧ انظر: اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٢٠، ٤٦٥. التعرف لمذهب أهل التصوف ص ١٤ وما بعدها. ٨ الآية ٣٢ من يونس. ٩ الآية ٤٠ من النور.
[ ٢ / ٨٠ ]
الزُّهْرِيِّ١ عَنْ أَبِي بَكْرِ "بْنِ" ٢ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ٣ عَنْ جَرِيرٍ٤ عَنْ كَعْبٍ٥ أَنَّهُ قَالَ: "لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِالأَلْسِنَةِ كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ،
_________________
(١) ١ هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، الزهري، أبو بكر المدني التابعي، أحد الأعلام، نزل الشام. روى عن الصحابة والتابعين. رأى عشرة من الصحابة، وكان من أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقًا لمتون الأخبار، فقيهًا فاضلًا، ينسب إلى جد جده "شهاب". وكان يأتي دور الأنصار فلا يبقي فيها شابًّا إلا سأله، ولا كهلًا، ولا أنثى ولا عجوزًا إلا سأله. قال الشيرازي: "كان أعلمهم بالحلال والحرام". توفي سنة ١٢٤هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٤٢، تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٨، طبقات الفقهاء ص ٦٣، حلية الألياء ٣/ ٣٦٠، طبقات القراء ٢/ ٢٦٢، وفيات الأعيان ٣/ ٣١٧، شذرات الذهب ١/ ١٦٢، الخلاصة ص ٣٥٩، تهذيب الأسماء ١/ ٩٠". ٢ ساقطة من جميع النسخ، ولا بد من إضافتها. ٣ هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث القرشي المخزومي، المدني التابعي، أحد فقهاء المدينة السبعة، واسمه كنيته في الصحيح. قال النووي: "وكان ثقة عالمًا عاقلًا سخيًا كثير الحديث". وكان يقال له راهب قريش، لفضله وكثرة صلاته. واستصغر يوم الجمل، فردَّ هو وعروة بن الزبير، وذهب بصره بعد، وكان هو وإخوته ثقات جلة، يضرب بهم المثل. دخل مغتسله فمات فجأة فيه سنة ٩٤هـ بالمدينة. انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء ٢/ ١٩٤، وفيات الأعيان ١/ ٢٥٣، مشاهير علماء الأمصار ص ٦٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٣، طبقات الحفاظ ص ٢٤، طبقات الفقهاء ٤٧، ٥٩، ٦١، المعارف ص ٢٨٢، نكت الهميان ص ١٣١، الخلاصة ص ٤٤٤". ٤ في ش ز: بن. وهو خطأ. ٥ هو كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار. أدرك النبي ﷺ رجلًا، وأسلم في خلافة أبي بكر أو عمر. وقيل في زمن النبي ﷺ. والراجح أن إسلامه كان في خلافة عمر. وكان مسكنه في اليمن، ثم قدم المدينة، ثم أتى الشام فمات بحمص سنة ٣٢هـ، وقيل غير ذلك. وكان على دين اليهود، وكان عنده علم كثير، وكان يقص على الناس ثم أمسك حتى أمره معاوية بذلك. وذكره معاوية فقال: "إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين عند أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب". أخرجه البخاري. وأوّله بعضهم بأن مراده بالكذب عدم وقوع ما يخبر به أنه سيقع، لا أنه يكذب. توفي سنة ٣٢هـ بحمص، وقيل سنة ٣٥هـ. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٣١٥، الخلاصة ص ٣٢١، تهذيب الأسماء ٢/ ٦٨، مشاهير علماء الأمصار ص ١١٨، شذرات الذهب ١/ ٤٠".
[ ٢ / ٨١ ]
فَطَفِقَ مُوسَى يَقُولُ: وَاَللَّهِ يَا رَبِّ مَا أَفْقَهُ هَذَا، حَتَّى كَلَّمَهُ بِلِسَانِهِ آخِرَ الأَلْسِنَةِ١ بِمِثْلِ صَوْتِهِ.
قَالَ: وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ٢. رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ٣ وَالزُّبَيْدِيُّ٤ وَمَعْمَرٌ٥ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ٦.
_________________
(١) ١ في ع: الألسنة كلها. ٢ روى هذا الحديث الطبريُّ بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال: أخبرني جزْءُ بن جابر الخثعمي، قال: سمعت كعبًا يقول" "تفسير الطبري ٦/ ٢٩". وهذا السند يتفق مع ما أثبتناه أعلاه، مع استبدال جَزْء بن جابر بجرير. ٣ هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، واسم جده محمد، روى عنه أبو داود وابن ماجه، وذكره ابن حبان في الثقات. "انظر: الخلاصة ص ٣٤٥، ٤٧٧، ميزان الاعتدال ٣/ ٥٩٥، لسان الميزان ٥/ ٢١٨، التاريخ الكبير ١/ ١٢٦". ٤ هو محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيْديّ، أبو الهذيل الحمصي القاضي. روى عن الزهري ونافع وخلق. قال الأوزاعي: "لم يكن من أصحاب الزهري أثبت من الزبيدي". وقال ابن سعد: "كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث". وهو من أتباع التابعين، والحفاظ المتقنين، والفقهاء في الدين. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. توفي سنة ١٤٨، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص ٧٧، مشاهير علماء الأمصار ص ١٨٢، الخلاصة ص٣٦٣، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٢، طبقات الحفاظ ص ٧١، شذرات الذهب ١/ ٢٢٤". ٥ هو مَعْمَر بن راشد الأزدي الحراني البصري، أبو عروة، نزيل اليمن. روى عن الأعمش ومحمد بن المنكدر وقتادة والزهري وخلق. قال ابن حبان: "كان فقيهًا متقنًا، حافظًا ورعًا". وهو أول من ارتحل إلى اليمن في طلب الحديث، فلقي بها همام بن منبه، وله "الجامع" المشهور في السير. وهو أقدم من "الموطأ". له أوهام احتملت له في سعة ما أتقن. توفي سنة ١٥٢هـ. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ٤/ ١٥٤، مشاهير علماء الأمصار ص ١٩٢، شذرات الذهب ١/ ٢٣٥، تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٠، الخلاصة ص ٣٨٤، طبقات الحفاظ ص ٨٢". ٦ هو يونس بن يزيد الأيلي، الأموي مولاهم، أبو يزيد الرقاشي. روى عن=
[ ٢ / ٨٢ ]
وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ١، وَهُمْ أَئِمَّةٌ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ٢.
وَقَوْلُهُ "بِمِثْلِ صَوْتِهِ" مَعْنَاهُ: أَنَّ مُوسَى حَسِبَهُ مِثْلَ صَوْتِهِ فِي تَمَكُّنِهِ مِنْ سَمَاعِهِ وَبَيَانِهِ عِنْدَهُ، وَيُوَضِّحُهُ قَوْله تَعَالَى: "لَوْ كَلَّمْتُك بِكَلامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا وَلَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ٣".
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: أَنَّ أَبَاهُ أَبَا يَعْلَى: ذَكَرَ فِي "الْمُرْتَضَى مِنْ
_________________
(١) = الزهري ونافع وجماعة. وروى عنه ابن وهب والأوزاعي والليث. قال ابن العماد: "صاحب الزهري، وأوثق أصحابه، وهو حجة ثقة". وقال ابن مهدي: "كتابه صحيح". لكن الإمام أحمد استنكر له أحاديث، مات بالصعيد بمصر سنة ١٥٩هـ. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ٤/ ٤٨٤، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٢، طبقات الحفاظ ص ٧١، الخلاصة ص ٤٤١، شذرات الذهب ١/ ٢٣٣، حسن المحاضرة ١/ ٣٤٥". ١ هو شعيب بن أبي حمزة دينار، الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي. روى عن الزهري ونافع وابن المنكدر. أحد الأثبات المشاهير. قال يحيى بن معين: "هو أثبت الناس في الزهري". روى عن الزهري ١٦٠٠ حديث. قال أحمد بن حنبل: "رأيت كتبه وقد ضبطها وقيّدها". وهو ممن صنف في العبادة. وذكر ابن سعد والسيوطي أن اسم أبي دينار حمزة. وقال الذهبي وابن العماد: "إن أبا حمزة هو ابن دينار". مات شعيب سنة ١٦٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٩٤، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢١، الخلاصة ص ١٦٦، العبر ١/ ٢٤٢، شذرات الذهب ١/ ٢٥٧، طبقات ابن سعد ٧/ ٤٦٨ ط صادر". وفي ش ض: ابن أبي ضمرة. وهو تصحيف. ٢ انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٩، الأسماء والصفات ١/ ١٨٩ وما بعدها. ٣ يظهر أن هذا الخبر من الإسرائيليات، وأن قوله تعالى: "لو كلمتك بكلامي " من التوراة. وليس من القرآن الكريم يقينًاَ. وقد روى البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ الآية". رواه أبو داود في سننه. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ٣٠٧، تفسير الطبري ٦/ ٢٩، سنن أبي داود ٢/ ٢٨٦".
[ ٢ / ٨٣ ]
الدَّلائِلِ": أَنَّ الْقَادِرَ بِاَللَّهِ١ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ. وَكَتَبَ رِسَالَةً فِي الاعْتِقَادِ، وَقُرِئَتْ عَلَى الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ وَأَقَرُّوا بِهَا. وَكَتَبُوا خُطُوطَهُمْ عَلَيْهَا. وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ٢ اعْتِقَادٌ إلاَّ هَذَا، وَقُرِئَتْ مِرَارًا فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ، وَفِيهَا:
"أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ تَكَلَّمَ بِهِ تَكَلُّمًا، وَأَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ. فَتَلاهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتَلاهُ مُحَمَّدٌ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَتَلاهُ أَصْحَابُهُ عَلَى الأُمَّةِ، وَلَمْ يَصِرْ بِتِلاوَةِ الْمَخْلُوقِينَ لَهُ مَخْلُوقًا؛ لأَنَّ ذَلِكَ الْكَلامَ بِعَيْنِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ٣"، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ٤.
وَحَكَى ابْنُ حَجَرٍ الإِجْمَاعَ مِنْ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ٥ مَخْلُوقٍ، تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ، وَبَلَّغَهُ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ، وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إلَى أُمَّتِهِ٦.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن إسحاق بن جعفر، أبو العباس الخليفة العباسي، القادر بالله. بويع له بالخلافة سنة ٣٨١هـ، وكان غائبًا. قال الخطيب: "كان له من الشعر والديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل والصدقات، مع حسن المذهب وحسن الاعتقاد، تفقه على المذهب الشافعي". وصنف كتابًا في "الأصول" ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب أهل الحديث، وأورد فيه فضائل عمر بن عبد العزيز، وكان الكتاب يقرأ كل جمعة، وفيه تكفير المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وهو أطول الخلفاء العباسيين مدة في الخلافة، إذ استمر فيها ٤١ سنة. توفي سنة ٤٢٢هـ. "انظر: تاريخ الخلفاء ص ٤١١، شذرات الذهب ٣/ ٢٢١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٥، تاريخ بغداد ٤/ ٣٧". ٢ ساقطة من د ب. ٣ وجاء في تتمة الكلام أيضًا: "فهو غير مخلوق في كل حال، متلوًّا ومحفوظًا ومكتوبًا ومسموعًا. "انظر مقالات الإسلاميين، المقدمة ١/ ٢٧، التعرف لمذهب أهل التصوف ص ١٨". ٤ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٦١، ١٢٣، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٦، التعرف ص ١٨ وما بعدها. ٥ في ض: وغير. ٦ فتح الباري ١٣/ ٣٥٧، وانظر مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٣.
[ ٢ / ٨٤ ]
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "صَيْدِ الْخَاطِرِ": "نَهَى الشَّرْعُ عَنْ الْخَوْضِ فِيمَا يُثِيرُ غُبَارَ شُبْهَةٍ، وَلا يَقْوَى عَلَى قَطْعِ طَرِيقِهِ إقْدَامُ الْفَهْمِ. وَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَى عَنِ١ الْخَوْضِ فِي الْقَدَرِ. فَكَيْفَ يُجِيزُ الْخَوْضَ فِي صِفَاتِ الْمُقَدِّرِ؟ وَمَا ذَاكَ٢ إلاَّ لأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا لِخَوْفِ إثَارَةِ شُبْهَةٍ تُزَلْزِلُ الْعَقَائِدَ، أَوْ لأَنَّ قُوَى الْبَشَرِ تَعْجِزُ عَنْ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ٣".
وَاسْتُدِلَّ لأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَبْدِ اللَّهِ٤ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ٥ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْحَدِيثِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآثَارِ وَالْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ.
_________________
(١) ١ في ب ز ض: أهل. ٢ في ش ز: ذلك. والأعلى من ب ع ض، ومن صيد الخاطر. ٣ صيد الخاطر ص ١٨٤. وانظر: نفس المرجع ص ١٨١. ٤ هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام. قال ابن العماد: "الإمام العالم الفقيه الحافظ الزاهد ذو المناقب ذو التصانيف النافعة، والرحلة الواسعة، جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر وفصاحة العرب، مع قيام الليل والعبادة". وكان ﵀ يحج عامًا ويغزو عامًا. وكانت له تجارة واسعة ينفق معظمها على الفقراء. قال ابن مهدي: "الأئمة أربعة: سفيان، ومالك، وحماد بن زيد، وابن المبارك". له مصنفات كثيرة، منها: "السنن"، و"التفسير"، و"التاريخ"، و"الزهد"، و"الجهاد". مات عند منصرفه من الغزو سنة ١٨١هـ بهيت بالعراق. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد ١٠/ ١٥٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٤، حلية الأولياء ٨/ ١٦٢، الديباج المذهب ١/ ٤٠٧، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٣٤، طبقات الحفاظ ص ١١٧، طبقات القراء ١/ ٤٤٦، طبقات المفسرين ١/ ٢٤٣، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩٤، المعارف ص ٥١١، مشاهير علماء الأمصار ص ١٩٤، الخلاصة ص ٢١١، وفيات الأعيان ٢/ ٢٣٦، الفهرست ص ٣١٩، تهذيب الأسماء ١/ ٢٨٥". ٥ هو عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد الدارمي السجستاني، الإمام الحافظ الحجة، محدث هراة، جمع بين الحديث والفقه، وكان ثقة حجة ثبتًا، وله تصانيف كثيرة. قال أبو زرعة: "رُزِق حسن التصنيف". ومن مصنفاته: "سؤالات في الرجال"، و"المسند" الكبير، و"الرد على الجهمية". وقال أبو الفضل الجارودي: "كان إمامًا يقتدى به في حياته وبعد مماته". مات سنة ٢٨٠هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢١، البداية والنهاية ١١/ ٦٩، طبقات الحفاظ ص ٢٧٤، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٣٠٢، طبقات الحنابلة ١/ ٢٢١".
[ ٢ / ٨٥ ]
وَتَوَلُّدُهُ تَنَوُّعُهُ إلَى مَاضٍ وَأَمْرٍ وَمُضَارِعٍ وَمُشْتَقٍّ وَغَيْرِهِ، وَمَصْدَرٍ وَقَوْلٍ ١وَأَدَاةِ تَأْكِيدٍ٦ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَنْ "تَكْلِيمًا".
وَالْمُنَادَاةُ وَالْمُنَاجَاةُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ لا تُرْجُمَانَ بَيْنَهُمَا، وَإِسْمَاعُ الْبَشَرِ حَقِيقَةً لا يَقَعُ إلاَّ لِلأَصْوَاتِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ غَيْرَ الصَّوْتِ يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَسْمَعَهُ مَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الْبُنْيَةِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ ٢ وَالنِّدَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ، لا يَكُونُ إلاَّ بِصَوْتٍ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ اللَّهِ وَلا رُسُلِهِ٣، وَلا عَنْ٤ غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ غَيْرُ صَوْتٍ. وَكَلَّمَ مُوسَى بِلا وَاسِطَةٍ إجْمَاعًا.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِ طَهَ:، "قَالَ وَهْبٌ٥: وَ٦نُودِيَ مِنْ الشَّجَرَةِ فَقِيلَ:
_________________
(١) ١ في ب: وإرادة وتأكيد. ٢ الآية ١١ من طه. وفي ز ع ب ض: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ [الآية] . ٣ في ض: رسوله. ٤ ساقطة من ب ع ض. ٥ هو وهب بن مُنَبِّه، أبو عبد الله الصنعاني اليماني، التابعي، صاحب الأخبار والقصص. كانت له معرفة بأخبار الأوائل وأحوال الأنبياء، وسير الملوك. وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين، وتاريخ الأمم، وصنف كتابًا في ذكر ملوك حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم. وهو من أبناء الفرس الذين قدموا إلى اليمن. وله إخوة منهم: همام بن منبه، وهو أكبر من وهب. ولي وهب القضاء لعمر بن عبد العزيز. وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. توفي بصنعاء سنة ١١٠هـ، وقيل سنة ١١٤، ١١٦. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٥/ ٨٨، طبقات الحفاظ ص ٤١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٠، تهذيب الأسماء ٢/ ١٤٩، حلية الأولياء ٤/ ٢٣، المعارف ص ٤٥٩، الخلاصة ص ٤١٩، شذرات الذهب ١/ ١٥٠، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧٤". ٦ ساقطة من ع ض.
[ ٢ / ٨٦ ]
يَا مُوسَى. فَأَجَابَ سَرِيعًا -لاَ١ يَدْرِي مَنْ دَعَاهُ-. فَقَالَ: إنِّي أَسْمَعُ صَوْتَك وَلا أَرَى مَكَانَك. فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فَوْقَك وَمَعَك وَأَمَامَك وَخَلْفَك، وَأَقْرَبُ إلَيْك مِنْ نَفْسِك. فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي إلاَّ لِلَّهِ. فَأَيْقَنَ بِهِ٢.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي قِصَّةِ مُوسَى: إنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّارَ هَالَتْهُ وَفَزِعَ مِنْهَا. فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا مُوسَى. فَأَجَابَ سَرِيعًا اسْتِئْنَاسًا بِالصَّوْتِ. فَقَالَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، أَسْمَعُ صَوْتَك وَلا أَرَى مَكَانَك. فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: فَوْقَك وَأَمَامَك وَوَرَاءَك، وَعَنْ يَمِينِك وَعَنْ شِمَالِك. فَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِلَّهِ. قَالَ: فَكَذَلِكَ أَنْتَ يَا إلَهِي، كَلامَك أَسْمَعُ أَمْ كَلامَ رَسُولِك؟ قَالَ: بَلْ كَلامِي يَا مُوسَى. وَقَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: بِمَ شَبَّهْتَ صَوْتَ٣ رَبِّك؟ قَالَ: إنَّهُ لا شَبَهَ لَهُ.
وَرُوِيَ: أَنَّ مُوسَى لَمَّا سَمِعَ كَلامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهُمْ، لِمَا وَقَرَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلأَنَّ حَقِيقَةَ التَّكَلُّمِ وَالْمُنَادَاةِ٤ وَالْمُنَاجَاةِ شَيْءٌ تَوَارَدَتْ الأَخْبَارُ٥ وَالآثَارُ بِهِ. فَمَا إنْكَارُهُ إلاَّ عِنَادٌ وَاتِّبَاعٌ لِلْهَوَى، وَصُدُوفٌ عَنْ الْحَقِّ، وَتَرْكٌ لِلصِّرَاطِ٦ الْمُسْتَقِيمِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى لا يُفَارِقُ ذَاتَ اللَّهِ، وَلا يُبَايِنُهُ كَلامُهُ، وَلا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ، بَلْ لَيْسَ صِفَةُ شَيْءٍ مِنْ
_________________
(١) ١ في ز ش ب ع ض: ما. وما أثبتناه في الأعلى من تفسير البغوي. ٢ تفسير البغوي ٤/ ٢٦٥. وانظر: تفسير الخازن ٤/ ٢٦٥. ٣ في ض: كلام. ٤ ساقطة من ض. ٥ساقطة من ض. ٦ في ب ز ع ض: الصراط.
[ ٢ / ٨٧ ]
مَوْصُوفٍ تُبَايِنُ مَوْصُوفَهَا وَتَنْتَقِلُ عَنْهُ١ إلَى غَيْرِهِ. فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ يُبَايِنُهُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ؟
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: كَلامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ "أَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ، وَمِنْهُ خَرَجَ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ" نَصًّا مِنْهُ، وَمِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، أَوْ٢ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُبَايِنُهُ٣ وَانْتَقَلَ عَنْهُ٤.
وَقَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلامَ الْمَخْلُوقِ لا يُبَايِنُ مَحَلَّهُ٥.
قَالَ أَحْمَدُ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ٦.
وَقَالَ: مِنْهُ بَدَأَ عِلْمُهُ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ حُكْمُهُ.
وَقَالَ تَارَةً: مِنْهُ خَرَجَ، وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ٧.
وَقَالَ تَارَةً: الْقُرْآنُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ جَلَبَةَ٨، مِنَّا. يَعْنِي: عَلَى حَدِّ حَقِيقَةِ الْعُلُومِ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ز ع ض. ٢ في ض: و. ٣ في ش: باينه. ٤ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٥٢، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٣٥. ٥ انظر: مسائل الإمام أحمد ص ٢٦٦. ٦ انظر فتاوى ابن تيمية ٢/ ٥١٧. ٧ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٠، ٢٣٥، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٣٧. ٨ هو عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن جلبة البغدادي، ثم الحراني، أبو الفتح، قاضي حران. تفقه في بغداد على القاضي أبي يعلى، ثم ولاه القضاء بحران. قال العليمي: "وكان فقيهًا واعظًا فصيحًا، كتب الكثير من مصنفات القاضي، وكان ناشرًا للمذهب، داعيًا إليه، وكان مفتي حران وواعظها وخطيبها ومدرسها". له مصنفات كثيرة، منها: "مختصر المجرد"، و"رؤوس المسائل"، و"أصول الفقه"، و"أصول الدين"، و"كتاب النظام بخصال الأقسام". قتل مع ولديه وجماعة، وصلبوا على يد ابن قريش العقيلي الرافضي لما أظهر سب السلف، فأنكروا عليه ذلك سنة ٤٧٦هـ. وسماه ابن العماد: "عبد الله بن أحمد". انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٥، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٢، المنهج الأحمد ٢/ ١٤٦، شذرات الذهب ٣/ ٣٥٢". وفي ش: ابن جلية. وفي الهامش: كذا في الأصل. وفي ض: ابن جلية.
[ ٢ / ٨٨ ]
اللَّهِ، وَارْتِفَاعُ الْقُرْآنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً عَنْ النَّاسِ، وَتَرْتَفِعُ تِلاوَتُهُ وَأَحْكَامُهُ. فَيَعُودُ إلَى اللَّهِ حَقِيقَةً بِهِمَا١.
وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: "الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ".
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ٢: سَمِعْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ٣ يَقُولُ: أَدْرَكْت
_________________
(١) ١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٤. ٢ هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، الكوفي، ثم المكي، الهلالي مولاهم، أبو محمد. وهو من تابعي التابعين. قال النووي: "روى عنه خلائق لا يحصون من الأئمة، واتفقوا على إمامته وجلالته وعظم مرتبته، ولم يكن له كتب، وحجّ سبعين حجة، ومناقبه كثيرة مشهورة". وكان إمامًا مجتهدًا حافظًا وشيخ الحجاز، وكان ورعًاَ زاهدًا واسع العلم، كبير القدر، توفي بمكة سنة ١٩٨هـ، ودفن بالحجون. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ٢٦٢، تاريخ بغداد ٩/ ١٧٤، حلية الأولياء ٧/ ٢٧٠، طبقات القراء ١/ ٣٠٨، طبقات المفسرين ١/ ١٩٠، طبقات الحفاظ ص ١١٣، وفيات الأعيان ٢/ ١٢٩، الخلاصة ص ١٤٥، تهذيب الأسماء ١/ ٢٢٤، شذرات الذهب ١/ ٣٥٤، ميزان الاعتدال ٢/ ١٧٠، الفهرست ص ٣١٦". ٣ هو عمرو بن دينار، أبو محمد الجُمَحي مولاهم، المكي التابعي. قال النووي: "وأجمعوا على جلالته وإمامته وتوثيقه، وهو أحد أئمة التابعين وأحد المجتهدين أصحاب المذاهب". روى عن جابر وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم. وروى عنه شعبة والحمادان والسفيانان وقتادة وغيرهم. وكان عالم مكة، وكان مولى، ولكن شرفه بالعلم. وقال عنه سفيان ين عيينة: هو ثقة ثقة ثقة ثقة أربع مرات. وقال: وحديث أسمعه من عمرو أحبّ إليّ من عشرين من غيره. توفي سنة ١٢٦هـ. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/ ١١٣، طبقات الفقهاء ص ٧٠، طبقات الحفاظ ص ٤٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٧، طبقات القراء ١/ ٦٠٠، الخلاصة ص ٢٨٨، المعارف ص ٤٦٨، شذرات الذهب ١/ ١٧١.
[ ٢ / ٨٩ ]
مَشَايِخَنَا وَالنَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ ١".
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ٢ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّكُمْ لَنْ تَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِأَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ - يَعْنِي الْقُرْآنَ" ٣.
_________________
(١) ١ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٥٠٥، السنة ص ٢٥، شرح الكافية ١/ ٢٠٥. ٢ هو الصحابي خباب بن الأرت بن جندلة التميمي، ويقال الخزاعي، أبو عبد الله. سبي في الجاهلية، فبيع في مكة، وحالف بني زهرة، وكان يألف رسول الله ﷺ قبل البعثة، ويألفه رسول الله، وكان من السابقين الأولين، أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه مع أبي بكر وعمار، وكان من المستضعفين، وعذب عذابًا شديدًا لأجل ذلك، ثم شهد المشاهد كلها. روى الطبراني قال: "لما رجع علي من صفين مر بقبر خباب فقال: رحم الله خبابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلي في جسمه أحوالًا، ولن يضيع الله أجره". وكان يعمل السيوف. مات سنة ٣٧ هـ. وهو أول من دفن بظهر الكوفة. "انظر: الإصابة ١/ ٤١٦، الاستيعاب ١/ ٤٢٣، تهذيب الأسماء ١/ ١٧٤، شذرات الذهب ١/ ٤٧، الخلاصة ص ١٠٤". ٣ رواه الترمذي عن جبير بن نفير أيضًا بلفظ: "إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه" ورواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي في "المسند". ورواه عن جبير في "الزهد"، وفي سنده بكر بن خنيس، وهو متكلم فيه. ورواه أحمد في "السنة". ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" عن خباب بن الأرت موقوفًا عليه، ثم قال: هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. وقد مر صفحة ٧٥. "انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ٢٣٠، مسند أحمد ٥/ ٢٦٨، السنة ص ١٧، ٢٠، فيض القدير ٢/ ٥٥٢، خلق أفعال العباد ص ١٣، ٦٥".
[ ٢ / ٩٠ ]
وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْمَقْرُوءُ، وَالتِّلاوَةَ هُوَ الْمَتْلُوُّ١.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا. فَإِنَّمَا أَرَادَ حَسْمَ الْمَادَّةِ، لِئَلاَّ يَتَدَرَّجَ أَحَدٌ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. كَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. حَسْمًا لِلْمَادَّةِ٢. اهـ. وَإِلاَّ فَلا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ ظَاهِرٌ٣.
وَقَالَ مَالِكٌ الصَّغِيرُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ٤: "إنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ. وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى بِذَاتِهِ، وَأَسْمَعَهُ كَلامَهُ، لا كَلامًا قَامَ فِي غَيْرِهِ" اهـ.
_________________
(١) ١ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٦، الإنصاف للباقلاني ص ١١٢، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٧٥، ٢١١، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٣، فتح الباري ١٣/ ٣٩١، ٣٩٧. ٢ قال البخاري: "من نقل عني أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: إن أفعال العباد مخلوقة". "انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٨٧" وانظر: صيد الخاطر لابن الجوزي ص ١٠٢، السنة ص ٢٩، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٢٤٢. ٣ بين الحافظ ابن حجر الفرق بين هذه الأمور فقال: "إن حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ، بخلاف المقروء، فإنه كلام الله القديم، كما أن حركة لسان ذاكر الله حادثة من فعله، والمذكور هو الله ﷾ قديم". "فتح الباري ١٣/ ٣٨٥". ثم نقل كلام البخاري في "خلق أفعال العباد" أنه قال: "القرآن مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على الألسنة، فالقراءة والحفظ والكتابة مخلوقة، والدليل عليه أنك تكتب "الله" وتحفظه وتدعوه، فدعاؤك وحفظك وكتابتك وفعلك مخلوق، والله هو الخالق. "فتح الباري ١٣/ ٣٨٧-٣٨٨". وانظر: فتح الباري ١٣/ ٣٩١، ٣٩٧، فواتح الرحموت ٢/ ٦، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٧٤، ١٧٠، ٤٢٤ وما بعدها، مجموعة الرسائل والمسائل ٢٣/ ٢٤. ٤ هو أبو محمد، عبد الله بن عبد الرحمن، وكنية عبد الرحمن أبو زيد، نفري النسب، سكن القيروان، وكان إمام المالكية في وقته، وقدوتهم، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله، وكان واسع العلم، كثير الحفظ والرواية، يقول الشاعر ويجيده مع الصلاح والورع، وهو الذي لخص المذهب ونشره، فكان يعرف: بمالك الصغير. وكان سريع الانقياد للحق والرجوع إليه. ومن مصنفاته: "مختصر المدونة"، و"النوادر الزيادات على المدونة"، و"الاقتداء بأهل المدينة"، و"الرسالة"، و"التنبيه"، و"المناسك"، و"الذب عن مذهب مالك". توفي سنة ٣٨٦ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ١/ ١٢٧، شجرة النور الزكية ص ٩٦، الفهرست ص ٢٨٣، شذرات الذهب ٣/ ١٣١".
[ ٢ / ٩١ ]
وَ١قَالَ الطَّحَاوِيُّ٢: "إنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، مِنْهُ بَدَأَ بِلا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا. وَأَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَحْيًا وَصَدَّقَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ بِالْحَقِيقَةِ٣"، وَهُوَ صَرِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ٤بْنُ خُزَيْمَةَ٥ - مِنَّا - لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا، وَلا مِثْلَ لِكَلامِهِ، وَاسْتَصْوَبَاهُ. وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ جِدًّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلامُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُلُّهُ مَجَازٌ لا حَقِيقَةَ فِيهِ، وَلَوْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ، وَبِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ هو أحمد بن محمد بن سلامة، أبو جعفر الطحاوي الأزدي المصري، الإمام العلامة الحافظ، الفقيه الحنفي، ابن أخت المزني، وهن صاحب التصانيف البديعة، وكان ثقة ثبتًا، انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة. ومصنفاته كثيرة، منها: "أحكام القرآن"، و"معاني الآثار"، و"بيان مشكل الآثار":، و"المختصر في الفقه"، و"اختلاف الفقهاء"، و"العقيدة"، وحكم أراضي مكة". توفي بمصر سنة ٣٢١هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ١١٦، تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٠٨، طبقات المفسرين ١/ ٧٣، طبقات الفقهاء ص ١٤٢، الفوائد البهية ص ٣١، وفيات الأعيان ١/ ٥٣، طبقات الحفاظ ص ٣٣٧، تاج التراجم ص ٨، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٦٢، حسن المحاضرة ١/ ٣٥٠، الفهرست ص ٢٩٢". ٣ شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٧. ٤ في ز ع: وابن. ٥ الغالب أنه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المحدث الشافعي، لكن ابن أبي يعلى ذكر محمد بن إسحاق في تراجم الحنابلة. وقال عنه: من جملة من نقل عن إمامنا. انظر: "طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٠".
[ ٢ / ٩٢ ]
مِنْهُ١ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ.
قَالَ الطُّوفِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ، وَلَكِنْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالاشْتِرَاكِ، كَمَا قُلْتُمْ: إنَّ الصِّفَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الشَّرْعِ لِلَّهِ ﷾ حَقِيقَةٌ، لَكِنْ مُخَالِفَةٌ لِلصِّفَاتِ الْمُشَاهَدَةِ، وَهِيَ مَقُولَةٌ بِالاشْتِرَاكِ.
قُلْنَا: نَحْنُ اُضْطُرِرْنَا إلَى الْقَوْلِ بِالاشْتِرَاكِ، فِي الصِّفَاتِ٢ لِوُرُودِ نُصُوصِ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ بِهَا. فَأَنْتُمْ مَا الَّذِي اضْطَرَّكُمْ إلَى إثْبَاتِ الْكَلامِ النَّفْسِيِّ؟
فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ٣ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ لا صَوْتَ وَلا حَرْفَ إلاَّ مِنْ جِسْمٍ، قُلْنَا: فَمَا أَفَادَكُمْ إثْبَاتُهُ شَيْئًا؛ لأَنَّ الْكَلامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ لا يَخْرُجُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا أَوْ تَصَوُّرًا، عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ عَنْ أَئِمَّتِكُمْ. فَإِنْ كَانَ عِلْمًا فَقَدْ رَجَعْتُمْ مُعْتَزِلَةً، وَنَفَيْتُمْ الْكَلامَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَوَّهْتُمْ عَلَى النَّاسِ بِتَسْمِيَتِكُمْ الْعِلْمَ كَلامًا. وَإِنْ كَانَ تَصَوُّرًا، فَالتَّصَوُّرُ فِي الشَّاهِدِ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ. وَإِنَّمَا يُعْقَلُ فِي الأَجْسَامِ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ تَصَوُّرًا مُخَالِفًا لِلتَّصَوُّرِ فِي الشَّاهِدِ، لائِقًا بِجَلالِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَثْبِتُوا كَلامًا عِبَارَةً عَنْ خِلافِ الشَّاهِدِ٤، لائِقَةً٥ بِجَلالِهِ تَعَالَى.
وَهَذَا كَلامٌ مَتِينٌ لا مَحِيدَ لِلْمُنْصِفِ عَنْهُ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ في ز ع: ورود. وفي ب ض: وورود. ٣ في ز ع ض: العقلي. ٤ قال الآمدي: "الكلام في الشاهد، أعني كلام اللسان والنطق اللساني". "غاية المرام ص ١١٧". ٥ في ب: لائق.
[ ٢ / ٩٣ ]
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ١: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ٢ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى، وَعَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَالصُّحُفِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا. فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ صِفَةُ فِعْلٍ مَخْلُوقٍ٣، وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلامٍ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَتْبَاعُهُ٤: كَلامُ اللَّهِ هُوَ عِلْمُهُ لَمْ يَزَلْ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ.
٥وَقَالَتِ الأَشَاعِرَةُ٦: كَلامُ اللَّهِ صِفَةُ ذَاتٍ لَمْ تَزَلْ٧، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ٧، وَهُوَ غَيْرُ٨ عِلْمِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى إلاَّ كَلامٌ وَاحِدٌ٩. وَاحْتُجَّ لأَحْمَدَ: بِأَنَّ الدَّلائِلَ الْقَاطِعَةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُشْبِهُهُ
_________________
(١) ١ هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو محمد الأموي الظاهري. قال ابن خلكان: "كان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب، وكان متفننًا في علوم جمة، عاملًا بعلمه، زاهدًا في الدنيا بعد الرئاسة التي كانت له ولأبيه، متواضعًا". له مصنفات كثيرة، منها: "الإيصال في فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام"، و"المحلى"، و"الإحكام لأصول الأحكام"، و"الفصل في الملل والنحل"، و"الإجماع"، و"طوق الحمامة" وغيرها. توفي سنة ٤٥٦هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٤٦، وفيات الأعيان ٣/ ١٣، الفتح المبين ١/ ٢٤٣، الصلة ٢/ ٤١٥، بغية الملتمس ص ٤٠٣، شذرات الذهب ٣/ ٢٩٩، طبقات الحفاظ ص ٤٣٦". ٢ في "الفصل في الملل": أهل الإسلام. ٣ في ش ز ع ب ض: مخلوقة. وما أثبتناه في الأعلى من "الفصل في الملل". ٤ في "الفصل": وقال أهل السنة وهو قول أحمد. ٥ ساقطة من ش ز. ٦ في "الفصل": الأشعرية. ٧ في ش ز ع ب ض: يزل. ٨ في ش ز ع ب ض: عين. وما أثبتناه في الأعلى من "الفصل في الملل". ٩ الفصل في الملل ٣/ ٥. وانظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥٠-٣٥١، الإبانة للأشعري ص ١٩، الإنصاف للباقلاني ص ١١٠ وما بعدها.
[ ٢ / ٩٤ ]
شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَلَمَّا كَانَ كَلامُنَا غَيْرَنَا وَكَانَ مَخْلُوقًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلامُ اللَّهِ لَيْسَ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ مَخْلُوقًا١. وَأَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ٢.
وَقَالَ أَيْضًا: اخْتَلَفُوا. فَقَالَتِ٣ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ، وَالإِمَامِيَّةِ، وَبَعْضُ الْخَوَارِجِ: كَلامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي بَعْضِ الأَجْسَامِ، كَالشَّجَرَةِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى٤.
وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَتَكَلَّمُ، وَإِنْ نُسِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً، لَكِنْ يَخْلُقُ ذَلِكَ الْكَلامَ فِي غَيْرِهِ٥.
وَقَالَتْ الْكَرَّامِيَّةُ: الْكَلامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ، لازِمَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ. كَالْحَيَاةِ، وَأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكْلِيمُهُ مَنْ كَلَّمَهُ: إنَّمَا هُوَ خَلْقُ إدْرَاكٍ لَهُ يَسْمَعُ بِهِ الْكَلامَ، وَنِدَاؤُهُ لِمُوسَى لَمْ يَزَلْ، لَكِنَّهُ أَسْمَعَهُ ذَلِكَ حِينَ نَادَاهُ٦.
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والنحل ٣/ ٥، وانظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١. ٢ المراجع السابقة. ٣ في ع: قال. ٤ في ض: كلَّمه. ٥ يقول ابن تيمية عن المعتزلة: "لكن معنى كونه سبحانه متكلمًا عندهم أنه خلق الكلام في غيره. فمذهبهم ومذهب الجهمية في المعنى سواء، لكن هؤلاء يقولون: هو متكلم حقيقة، وأولئك ينفون أن يكون متكلمًا حقيقة، وحقيقة قول الطائفتين أنه غير متكلّم، فإنه لا يعقل متكلم إلا من قام به الكلام". "مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٧". ٦ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١، منهاج السنة ١/ ٣٨، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٤٩.
[ ٢ / ٩٥ ]
وَيُحْكَى عَنْ الْمَاتُرِيدِيِّ الْحَنَفِيِّ أَبِي مَنْصُورٍ١ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ: خَلَقَ صَوْتًا حِينَ نَادَاهُ فَأَسْمَعَهُ كَلامَهُ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ هَذَا مُرَادُ السَّلَفِ الْقَائِلِينَ: إنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ٢.
[وَقَالُوا إذَا كَانَ الْكَلامُ قَدِيمًا لِعَيْنِهِ، لازِمًا لِذَاتِ الرَّبِّ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ] ٣ فَالْحُرُوفُ لَيْسَتْ قَدِيمَةً؛ لأَنَّهَا مُتَعَاقِبَةٌ، وَمَا كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ وَمَفْقُودًا حِينَ التَّلَفُّظِ بِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا٤، وَالْكَلامُ الْقَدِيمُ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ لا يَتَعَدَّدُ وَلا يَتَجَزَّأُ، بَلْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ:
_________________
(١) ١ هو محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، من كبار العلماء، وكان إمام المتكلمين، وعرف بإمام الهدى، وكان قوي الحجة، مفحمًا في الخصومة. دافع عن عقائد المسلمين، ورد شبهات الملحدين، له كتاب "التوحيد"، و"المقالات"، و"رد أوائل الأدلة"، للكعبي، و"بيان وهم المعتزلة"، و"تأويلات القرآن"، و"مأخذ الشرائع في الفقه"، و"الجدل" في أصول الفقه. ورأيه وسط بين المعتزلة والأشاعرة. مات بسمرقند سنة ٣٣٣هـ. انظر ترجمته في "الجواهر المضيئة ٢/ ١٣٠، الفوائد البهية ص ١٩٥، تاج التراجم ص ٥٩، الفتح المبين ١/ ١٨٢، الفكر السامي ٣/ ٩٣". ٢ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١. ٣ ما بين القوسين إضافة من فتح الباري ١٣/ ٣٥١. وهي إضافة ضرورية لصحة السياق والمعنى، ولأن المصنف نقل هذه الفقرات بأكملها من فتح الباري وحكى هذا النص الأخير عن ابن كلاب والقلانسي والأشعري. ٤ قال السبكي: "ثم زاد ابن كلاب وأبو العباس القلانسي على سائر أهل السنة، فذهبا إلى أن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والخبر في الأزل، لحدوث هذه الأمور، وقد الكلام النفسي، وإنما يتصف فيما لا يزال، فألزمهما أئمتنا أن يكون القدر المشترك موجودًا". "طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣٠٠". والقلانسي هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد، إمام أهل السنة في القرن الثالث، وصنف في الكلام مائة وخمسين مصنفًا. "انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣٠٠، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٦٥، الإنصاف للباقلاني ص ٩٩".
[ ٢ / ٩٦ ]
فَقُرْآنٌ، أَوْ١ بِالْعِبْرَانِيَّةِ: فَتَوْرَاةٌ مَثَلًا٢.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلامُ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، وَأَسْمَعَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمَلائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ صَوْتَهُ.
وَقَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ، لازِمَةٌ لِلذَّاتِ٣، لَيْسَتْ مُتَعَاقِبَةً، بَلْ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً بِذَاتٍ مُقْتَرِنَةٍ لا تُسْبَقُ، وَالتَّعَاقُبُ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ، بِخِلافِ الْخَالِقِ٤.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ هَؤُلاءِ إلَى أَنَّ الأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْقَارِئِينَ، وَأَبَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: لَيْسَتْ هِيَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقَارِئِينَ٥.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ٦ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِالْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ٧، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَكِنَّهُ فِي الأَزَلِ لَمْ يَتَكَلَّمْ، لامْتِنَاعِ وُجُودِ الْحَادِثَاتِ٨ فِي الأَزَلِ، فَكَلامُهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ، لا مُحْدَثٌ٩.
_________________
(١) ١ في ض: و. ٢ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٤، ٥٢. ٣ في ع ب ض: الذات. ٤ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٩، تفسير القرطبي ١/ ٥٥. ٥ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٣٨. ٦ في ع: يتكلم. ٧ في ب ع ض: بذاته. وهو متفق مع "فتح الباري". ٨ في "فتح الباري": الحادث. ٩ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٩.
[ ٢ / ٩٧ ]
وَذَهَبَ الْكَرَّامِيَّةُ: إلَى أَنَّهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ وَمُحْدَثٌ١.
وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ٢: أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: "إنَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ٣ بِكَلامٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَمَشِيئَتِهِ٤ وَاخْتِيَارِهِ": هُوَ أَصَحُّ الأَقْوَالِ نَقْلًا وَعَقْلًا، وَأَطَالَ٥. وَالْمَحْفُوظُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ تَرْكُ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ وَالتَّعَمُّقِ٦ فِيهِ، وَالاقْتِصَارُ٧ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ثُمَّ السُّكُوتُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ٨.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا٩: "اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلامِ فِي أَنَّ كَلامَ اللَّهِ هَلْ هُوَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَمْ لا؟
فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لا يَكُونُ الْكَلامُ إلاَّ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. وَالْكَلامُ الْمَنْسُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَائِمٌ بِالشَّجَرَةِ.
وَقَالَتْ الأَشَاعِرَةُ: كَلامُهُ١٠ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ، وَأَثْبَتَتْ الْكَلامَ
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٥١. ٢ قال ابن حجر: وذكر الفخر الرازي في "المطالب العالية". "فتح الباري ١٣/ ٣٥١". ٣ في فتح الباري: متكلم. ٤ في ش ب ض: بمشيئته. ٥ انظر فتح الباري ١٣/ ٣٥١. ٦ في ب ع ض: التعميق. ٧ في ش ض: والاختصار. ٨ فتح الباري ١٣/ ٣٥١. وانظر: الإيمان لابن تيمية ص ٣٤٤، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٧، ٢٣، الإبانة للأشعري ص ٣٣، الإنصاف للباقلاني ص ٧١. ٩ فتح الباري ١٣/ ٣٥٦ في آخر باب: قول الله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ من كتاب التوحيد. ١٠ في فتح الباري: كلام الله.
[ ٢ / ٩٨ ]
النَّفْسِيَّ، وَحَقِيقَتُهُ: مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الْعِبَارَةُ، كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ، وَاخْتِلافُهَا لا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلافِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ، وَالْكَلامُ النَّفْسِيُّ هُوَ ذَلِكَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ.
وَأَثْبَتَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ١ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. أَمَّا الْحُرُوفُ٢: ٣فَلِلتَّصْرِيحِ بِهَا فِي ظَاهِرِ٤ الْقُرْآنِ٣، وَأَمَّا الصَّوْتُ: فَمَنْ مَنَعَ مِنْهُ٥ قَالَ: إنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْهَوَاءُ الْمُتَقَطِّعُ٦ الْمَسْمُوعُ مِنْ الْحَنْجَرَةِ.
وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَهُ بِأَنَّ الصَّوْتَ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ الآدَمِيِّينَ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَصِفَاتُ الرَّبِّ بِخِلافِ ذَلِكَ. فَلا يَلْزَمُ٧ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ، مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ وَعَدَمِ التَّشْبِيهِ٨. وَيَجُوزُ٩ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنْجَرَةِ، فَلا يَلْزَمُ التَّشْبِيهُ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ١٠بْنُ أَحْمَدَ١٠: سَأَلْت أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ: لَمَّا كَلَّمَ
_________________
(١) ١ في "فتح الباري": متكلم. ٢ في ش: الحرف. والأعلى من "فتح الباري" ومن ع ب ز ض. ٣ في ع: فالتصريح بها في ظاهر القرآن. والأعلى من "فتح الباري". وفي ش ب ز ض: فلا تصريح به في ظاهر القرآن. ٤ ساقطة من ش ع ز. والأعلى من ب و"فتح الباري". ٥ ساقطة من ب ع ض. ٦ في ز ع ب ض: المنقطع. وكذا في "فتح الباري". ٧ في ز ع ب ض: يلزمه. ٨ في ز: الشبيه. ٩ في في ب ع ض: وأنه يجوز. وكذا في "فتح الباري". ١٠ ساقطة من ز ع ب ض. وفي "فتح الباري": ابن أحمد بن حنبل في كتاب "السنة".
[ ٢ / ٩٩ ]
اللَّهُ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ"؟ فَقَالَ لِي أَبِي: بَلْ يَتَكَلَّمُ١ بِصَوْتٍ، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تُرْوَى كَمَا جَاءَتْ. وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ٢".
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ٣ابْنُ تَيْمِيَّةَ١٣ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ٤: اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلامِ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَكْثَرُهُمْ قَوْلَ السَّلَفِ فِيهَا، بَلْ يَذْكُرُونَ قَوْلَيْنِ وَثَلاثَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، مَعَ أَنَّهَا بَلَغَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهَا إلَى تِسْعَةٍ٥.
أَحَدُهَا: أَنَّ كَلامَ اللَّهِ هُوَ مَا٦ يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ الْمَعَانِي، إمَّا مِنْ
_________________
(١) ١ في "فتح الباري": تكلم. ٢ انتهى كلام ابن حجر في "فتح الباري ١٣/ ٣٥٦". وانظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٢٤٣ وما بعدها. ٣ ساقطة من ب ع ض. ٤ هو ابن المطهّر، جمال الدين أبو منصور، الحسن و"قيل الحسين" بن يوسف بن على بن المطهر الحلي، المشهور عند الشيعة بالعلامة. وهو الذي ألف كتابًا باسم "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بكتاب عظيم "منهاج السنة النبوية" في أربع مجلدات. ولابن المطهر مصنفات كثيرة، منها: "منتهى المطلب في تحقيق المذهب"، و"تلخيص المرام في معرفة الأحكام"، و"تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية"، و"شرح مختصر ابن الحاجب" في أصول الفقه. توفي سنة ٧٢٦هـ". "انظر: الأعلام للزركلي ٢/ ٢٤٤، مرآة الجنان ٤/ ٢٧٦، الدرر الكامنة ٢/ ٧١، روضات الجنات ص ١٧٢، لسان الميزان ٢/ ٣١٧، مقدمة منهاج السنة النبوية ١/ ٢، ٥، ١٦ مطبعة المدني". وفي ش: الرافضة. ٥ انظر هذه الأقوال باختصار في "فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٤٢، ١٦٢ وما بعدها، منهاج السنة ١/ ٢٢١، شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٧ وما بعدها، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١١٣، التعرف ص ١٨ وما بعدها". وانظر منهاج السنة ٢/ ٢٧٨ تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، مطبعة المدني، فإن المحقق استكمل النقص الموجود في الطبعة الأولى. ٦ ساقطة من ز ع ب ض. وفي ش: أن. والأعلى من د و"شرح العقيدة الطحاوية" و"منهاج السنة".
[ ٢ / ١٠٠ ]
الْعَقْلِ الْفَاعِلِ١ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّابِئَةِ٢ وَالْمُتَفَلْسِفَة، كَابْنِ سِينَا٣ وَأَمْثَالِهِ٤.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّهُ٥ مَخْلُوقٌ٦ خَلَقَهُ اللَّهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ٧.
الثَّالِثُ: لِلْكُلاَّبِيَّةِ٨ وَالأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا: أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ، لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ٩، وَالْكَلامُ الَّذِي بَيْنَ النَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَهُوَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ١٠ وَالاسْتِخْبَارُ، فَإِنْ١١ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: كَانَ قُرْآنًا.
_________________
(١) ١ في فتاوى ابن تيمية، ومنهاج السنة، ومجموعة الرسائل والمسائل: الفعال. ٢ ساقطة من ز ع ب ش ض. وأثبتنا من د ومنهاج السنة وفتاوى ابن تيمية. ٣ هو الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي الرئيس الحكيم المشهور، صاحب التصانيف الكثيرة في الفلسفة والطب، أبوه من بلْخ، ثم انتقل إلى بخارى. وانتقل ابن سينا في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، وأتقن علم القرآن والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين والحساب والجبر. ثم نظر في علوم المنطق واليونان، ثم رغب في علم الطب، فمارسه ودرسه حتى فاق فيه غيره. ومن مصنفاته: "الشفا" في الحكمة والفلسفة، و"النجاة"، و"الإشارة"، و"القانون"، و"الأوسط الجرجاني"، وله شعر. توفي بهمذان سنة ٤٢٨هـ. وقد طعن به الكثير كاليافعي وابن الصلاح، وكفره الغزالي، وأثنى عليه ابن خلكان. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/ ٤١٩، شذرات الذهب ٣/ ٢٣٤، مرآة الجنان ٣/ ٤٧". ٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٧، منهاج السنة ١/ ٢٢١. ٥ في ع: هو أنه. ٦ في ز: غير مخلوق. وهو خطأ. ٧ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٦٣، منهاج السنة ٢/ ٢٨٠ مطبعة المدني، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٤٢. ٨ في ز ع ب ض: الكلابية. ٩ في ع: بصوت. ١٠ ساقطة من ز ع ب ض: وما أثبتناه من د ومنهاج السنة الطبعة الجديدة فقط. ١١ في ز ع ب: وإن.
[ ٢ / ١٠١ ]
وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ: كَانَ تَوْرَاةً١.
الرَّابِعُ: لِلسَّالِمِيَّةِ٢ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ:٣أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُجْتَمِعَةٌ فِي الأَزَلِ٨، وَذَكَرَهُ الأَشْعَرِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ نَحْوِ٤ السَّالِمِيَّةِ٥، فَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ عِنْدَهُمْ٦. الْخَامِسُ: لِلْكَرَّامِيَّةِ٧ وَنَحْوِهِمْ: أَنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ؛ لَكِنْ تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا٨ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا٩.
السَّادِسُ: لِلرَّازِيِّ فِي١٠ "إشْكَالِهِ"١١ مَثَلًا، وَصَاحِبِ "الْمُعْتَبَرِ"١٢: أَنَّ
_________________
(١) ١ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٦٥، منهاج السنة ١/ ٢٢١، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١١٣. ٢ في ض: السالمية. ٣ ساقطة من ز ع ب ض. وفي منهاج السنة ١/ ٢٢١: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل. ٤ في ب ز ض: ونحو. ٥ في ب ز: السلامة. وانظر: مقالات الإسلاميين ٢/ ٢٣٤. ٦ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨، منهاج السنة ١/ ٢٢١، مجموعة الرسائل والمسائل ٢/ ٣٩. ٧ في ز ع ب ض: الكرامية. ٨ ساقطة من ش ز ع ب ض. ٩ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٧٢، منهاج السنة ١/ ٢٢١. ١٠ في ع: و. ١١ في شرح "العقيدة الطحاوية ص ١١٨": في المطالب العالية. ١٢ هو هبة الله بن علي بن ملْكا، أبو البركات البغدادي، الفيلسوف والطبيب. كان يهوديًّا ثم أسلم، وحسن إسلامه، وخدم الملوك والخلفاء بصناعته، وخدم العامة بحسن تدبيره. قال عنه ابن تيمية: أقرب الفلاسفة إلى السنة والحديث. وقال: وكان ابن سينا نشأ في بين المتكلمين والنفاة للصفات، وابن رشد نشأ بين الكلابية، وأبو البركات نشأ ببغداد بين=
[ ٢ / ١٠٢ ]
كَلامَهُ يَرْجِعُ إلَى مَا يُحْدِثُهُ١ مِنْ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ٢.
السَّابِعُ: لأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ: أَنَّ كَلامَهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى قَائِمًا بِذَاتِهِ هُوَ٣ مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ٤.
الثَّامِنُ: لأَبِي الْمَعَالِي وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، وَبَيْنَ مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَصْوَاتِ٥.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يُقَالُ٦: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ بِكَلامٍ يَقُومُ بِهِ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ، وَأَنَّ نَوْعَ الْكَلامِ قَدِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا. وَهَذَا الْقَوْلُ: هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ٧. وَمِنْ أَعْظَمِ الْقَائِلِينَ٨ بِهِ: إمَامُنَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ وَنَحْوُهُمْ.
_________________
(١) =المسلمين. "منهاج السنة ١/ ٩٨". ونقل عنه ابن تيمية كثيرًا وناقشه. وصنف أبو البركات عدة كتب أهمها "المعتبر" في الحكمة. وهو من أجل كتبه وأشهرها، و"النفس" وغير ذلك. عمي في آخر عمره. توفي سنة ٥٤٧هـ. "انظر: مقالة السيد سليمان الندوي في آخر كتاب المعتبر المطبوع في الهند ١٣٥٧هـ، الرد على المنطقيين ص ١٢٥، منهاج السنة ٢/ ٢٨١ مط المدني، نكت الهميان ص ٣٠٤". ١ في جميع النسخ: يحدث. والذي أثبتناه في الأعلى من "شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨". ٢ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨، منهاج السنة ٢/ ٢٨١ مطبعة المدني. ٣ في "منهاج السنة ٢/ ٢٨٢ مطبعة المدني": وهو. ٤ انظر: منهاج السنة ٢/ ٢٨٢ مطبعة المدني، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٣٩. ٥ انظر: منهاج السنة ٢/ ٢٨٢ مطبعة المدني. ٦ في "فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٧٣": أن الله تعالى. وفي "شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨": أنه تعالى. ٧ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٨، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٧٣، منهاج السنة ١/ ٢٢١. ٨ في ب ع ض: القائل.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وَ١قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: نَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ": "أَنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ وَ٢مَتَى شَاءَ بِلا كَيْفٍ"٣.
قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: "إذَا شَاءَ"، أَيْ أَنْ يُسْمِعَنَا. قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ يَأْمُرُ بِمَا شَاءَ٤ وَيْحُكُمْ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَافْتَرَقَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ فِرْقَتَيْنِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَلامُهُ لازِمٌ لِذَاتِهِ. وَالْحُرُوفُ وَالأَصْوَاتُ مُقْتَرِنَةٌ لا مُتَعَاقِبَةٌ. وَيُسْمِعُ كَلامَهُ مَنْ شَاءَ، وَأَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ إذَا شَاءَ. وَأَنَّهُ نَادَى مُوسَى حِينَ كَلَّمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ نَادَاهُ مِنْ قَبْلُ٥.
وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الأَشْعَرِيَّةِ: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ، مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، مَقْرُوءٌ بِالأَلْسِنَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٦ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ٧ وَفِي الْحَدِيثِ "لا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ع ض. ٢ ساقطة من ب ز ع ض. ٣ انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص ٢٣٢، ٢٤٨ من العدد الثامن من مجلة أضواء الشريعة بالرياض. ٤ في ب: يشاء. ٥ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٧٣. ٦ الآية ٦ من التوبة. ٧ الآية ٤٩ من العنكبوت.
[ ٢ / ١٠٤ ]
كَرَاهَةَ ١ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ" ٢ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا فِي الصُّدُورِ، بَلْ مَا فِي الْمُصْحَفِ٣. وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى٤.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْقُرْآنُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَقْرُوءُ، وَهُوَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْقِرَاءَةُ. وَهِيَ الأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَ الاخْتِلافُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عَنْ الْحُرُوفِ وَالأَصْوَاتِ: فَمُرَادُهُمْ الْكَلامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَهُوَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ الْقَدِيمَةِ٥. وَأَمَّا الْحُرُوفُ: فَإِنْ كَانَتْ بِحَرَكَاتٍ٦ أَوْ٧ أَدَوَاتٍ، كَاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، فَهِيَ أَعْرَاضٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَةً فَهِيَ أَجْسَامٌ، وَقِيَامُ الأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ بِذَاتِ اللَّهِ مُحَالٌ٨، وَيَلْزَمُ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَفِرُّ مِنْهُ. فَأَلْجَأَ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ
_________________
(١) ١ في ش ب ش ب ز ع: كراهية. ٢ رواه مسلم عن ابن عمر بلفظ: "لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو". وفي رواية: "أنه كان ينهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو. وفي رواية: "فإني أخاف". ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد"، عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو". رواه أحمد. "انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٤٩١، خلق أفعال العباد ص ٤٨، مسند أحمد ٢/ ٦، الفتح الكبير ٣/ ٣٢٣". ٣ في ض: المصاحف. ٤ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٢٤١، الإبانة للأشعري ص ٣٤، الأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٠. ٥ ساقطة من ش ب ز ض. ٦ في ع ب ز ض: حركات. ٧ في ش: و. ٨ انظر بحث الجسم ومعناه ونفيه عن الله تعالى في "مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٣٠ وما بعدها".
[ ٢ / ١٠٥ ]
إلَى أَنْ ادَّعَى قِدَمَ الْحُرُوفِ، كَمَا الْتَزَمَتْهُ١ السَّالِمِيَّةُ. وَمِنْهُمْ مَنْ الْتَزَمَ قِيَامَ ذَلِكَ بِذَاتِهِ٢. وَمِنْ شِدَّةِ اللَّبْسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَثُرَ نَهْيُ السَّلَفِ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا٣. وَاكْتَفَوْا بِاعْتِقَادِ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَهُوَ أَسْلَمُ الأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَيْضًا: لَمْ يَكُنْ فِي كَلامِ الإِمَامِ٤ أَحْمَدَ وَلا الأَئِمَّةِ أَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ قَدِيمٌ، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ بِمَا شَاءَ وَ٥كَيْفَ شَاءَ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ٦.
وَقَالَ: رَادًّا عَلَى الرَّافِضِي٧: مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ. كَقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ٨.
وَقَالَ: قَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مَعْنَى كَوْنِ الْقُرْآنِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ. هَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ نَفْسَ الْكَلامِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ كَالْعِلْمِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ
_________________
(١) ١ في ز: التزمه. ٢ انظر: مجموعة الرسائل المسائل ٣/ ٣٣. ٣ ساقطة من ز ع ب ض. ٤ ساقطة من ب ع ض. ٥ ساقطة من ز ع ب. ٦ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٢٢، ٤٦. ٧ هو ابن المطهر الرافضي أحد شيوخ الشيعة الرافضة في عصر ابن تيمية. ألف كتابه "منهاج الاستقامة في معرفة الإمامة" فردّ عليه ابن تيمية في كتابه القيم الكبير "منهاج السنة النبوية"، وسبق بيان ذلك صفحة ١٠٠. ٨ في ز ع ب ض: السنة.
[ ٢ / ١٠٦ ]
يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. ذَكَرَهُمَا الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ الشَّافِي١ عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ. وَذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي "أُصُولِهِ" اهـ٢.
وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ٣ فِي "الْمَنَاقِبِ": وَمِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَنْكَرَهَا أَحْمَدُ فِي الْقُرْآنِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ صَوْتٍ. فَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ وَبَدَّعَ قَائِلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ إنَّمَا هَجَرَهُ أَحْمَدُ لأَجْلِ ذَلِكَ. اهـ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا سَبَبُ تَحْذِيرِ أَحْمَدَ مِنْ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْكِلابِيَّةِ. كَمَا أَمَرَ بِهَجْرِ الْقَائِلِ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْحُرُوفَ انْتَصَبَتْ الأَلِفُ وَسَجَدَتِ الْبَاءُ، وَشَدَّدَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ٤. وَلَمَّا أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَمَرَ
_________________
(١) ١ في ش: الشافعي. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، زين الدين، أبو الفرج الحنبلي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحافظ الإمام المحدث الفقيه الواعظ. قال ابن العماد: "واشتغل بسماع الحديث، وكانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة، وللناس عامة مباركة نافعة. وله مصنفات مفيدة، ومؤلفات عديدة. منها: "الذيل على طبقات الحنابلة"، و"القواعد الفقهية"، و"شرح جامع الترمذي"، و"شرح علل الترمذي"، و"شرح الأربعين النووية"، و"شرح البخاري إلى الجنائز"، و"اللطائف في الوعظ وأهوال القيامة". وكان زاهدًا في الدنيا، راغبًا عن أصحاب الولايات. توفي بدمشق سنة ٧٩٥هـ. انظر ترجمته في "الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٨، البدر الطالع ١/ ٣٢٨، ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٦٧، طبقات الحفاظ ص ٥٣٦، شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩". ٤ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ١٠٢، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ١٨٥، ١٨٦.
[ ٢ / ١٠٧ ]
بِهَجْرِهِمْ كَمَا أَمَرَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ١ الْجُنَيْدَ٢ أَنْ يَتَّقِيَ بَعْضَ كَلامِ الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ٣. فَذَكَرُوا أَنَّ الْحَارِثَ ﵀ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَاشْتَهَرَ عِلْمًا وَفَضْلًا وَحَقَائِقَ٤ وَزُهْدًا٥.
وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْكَلابَاذِيُّ٦. "وَقَالَتْ٧ طَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ: كَلامُ
_________________
(١) ١ هو السَّريُّ بن المُغَلِّس السَّقَطيّ، أبو الحسن البغدادي، أحد الأولياء الكبار، وله أحوال وكرامات، وهو خال الجنيد وأستاذه، لزم بيته، وانقطع عن الناس. قال ابن خلكان: "كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد". توفي ببغداد سنة ٢٥١هـ، وقيل ٢٥٦هـ، وقيل ٢٥٧هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٢/ ١٠١، حلية الأولياء ١٠/ ١١٦، مرآة الجنان ٢/ ١٥٨، شذرات الذهب ٢/ ١٢٧، تاريخ بغداد ٩/ ١٨٧، صفة الصفوة ٢/ ٣٧١، طبقات الصوفية ص ٤٨". ٢ هو الجنيد بن محمد بن الجنيد، أبو القاسم الخزاز، أصله من نهاوند، لكنه ولد ونشأ ببغداد وتفقه على أبي ثور، وسمع الحديث، ولقي العلماء، وصحب جماعة من الصالحين، واشتغل بالعبادة، وكان يقول: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. قال ابن خلكان: "وكلامه مدون مشهور". توفي سنة ٢٩٧هـ. انظر ترجمته في "حلية الأولياء ١٠/ ٢٥٥، وفيات الأعيان ١/ ٣٢٣، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٢٦٠، طبقات الحنابلة ١/ ١٢٩، صفة الصفوة ٢/ ٤١٦، المنهج الأحمد ١/ ٢١٩، شذرات الذهب ٢/ ٢٢٩، تاريخ بغداد ٧/ ٢٤١، طبقات الصوفية ص ١٥٥". وفي ز ع ب ض: للجنيد. ٣ ساقطة من ش ع ز. ٤ في ب ز ض: وحقائقًا، وهو خطأ. ٥ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٩٥، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٧٤. ٦ هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم، البخاري الكلاباذي، أبو بكر، كان إمامًا أصوليًّا. وله كتاب "التعرف لمذهب أهل التصوف" جمع فيه باختصار أقوال التصوف، وآراء الحنفية في التوحيد. توفي سنة ٣٨٠هـ. انظر ترجمته في "الفوائد البهية ص ١٦١، كشف الظنون ١/ ٤١٩". وفي ز ش ب ع ض: الكلابذاني. وهو تصحيف، ومصححة على هامش ض. ٧ في جميع النسخ: قال. وما أثبتناه في الأعلى من كتاب "التعرف لمذهب أهل التصوف".
[ ٢ / ١٠٨ ]
اللَّهِ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ١، وَأَنَّهُ لا يُعْرَفُ كَلامٌ٢ إلاَّ كَذَلِكَ، مَعَ إقْرَارِهِمْ أَنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ٣ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ، ٤وَأَنَّهُ غَيْرُ مُحْدَثٍ١٠. قَالَ٥: وَهُوَ٦ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ سَالِمٍ٧.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْت أَبِي عَنْ إنْكَارِ الْجَهْمِيَّةِ كَلامَ اللَّهِ لِمُوسَى، وَعَنْ قَوْمٍ٨ أَنْكَرُوا صَوْتَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ لِي: بَلْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِصَوْتٍ. هَذِهِ الأَحَادِيثُ يَمُرُّونَهَا كَمَا جَاءَتْ. وَقَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا٩ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَمَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ١٠.
_________________
(١) ١ في "التعرف": وصوت. ٢ في "التعرف": كلامه. ٣ في ع ض: لله. ٤ في "التعرف": غير مخلوق. ٥ في ب ز ع ض: وقال. ٦ في "التعرف": وهذا قول حارث. ٧ التعرف لمذهب أهل التصوف ص ١٩. وابن سالم هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن سالم، أبو الحسن، البصري، تلميذ سهل بن عبد الله التستري، وكان لأبي الحسن بن سالم أحوال ومجاهدات، وهو أستاذ مكي بن أبي طالب الذي عُرف في كتابه "قوت القلوب". كما كان أبو الحسن صديقًا لأبي مجاهد المفسر، وتنتسب فرقة السالمية إلى أبي الحسن بن سالم وإلى أبيه أبي عبد الله "المتوفى سنة ٢٩٣هـ". صاحب سهل. وقد أسس الفرقة سهل المتوفى سنة ٢٨٣هـ فخلفه من بعده أبو عبد الله وابنه أبو الحسن. وعمر أبو الحسن كثيرًا، وكان آخر أصحاب التستري وفاة، وهي فرقة من المتكلمين من أهل السنة ذوي النزعة الصوفية. قال ابن العماد عنهم: "وقد خالفوا أصول السنة في مواضع، وبالغوا في الإثبات في مواضع، وعمر أبو الحسن دهرًا وبقي إلى سنة بضع وخمسين". وتوفي سنة ٣٦٠هـ. "انظر: شذرات الذهب ٣/ ٣٦، مرآة الجنان ٢/ ٣٧٢، حلية الأولياء ١٠/ ٣٧٨، طبقات الصوفية ص ٤١٤، دائرة المعارف الإسلامية في مصطلح السالمية". ٨ في ع: عموم. وهو تصحيف. ٩ في ع ض: حديث. ١٠ مر هذا الحديث مع تخريجه صفحة ٦٧.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وَرَوَى الْخَلاَّلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ١ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ٢ قَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ؟ فَقَالَ: بَلْ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ٣. هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ صَحَّتَا٤ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِلا شَكٍّ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ "خَلْقُ أَفْعَالِ الْعِبَاد"ِ: وَيُذْكَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: "كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ خَفِيضَ الصَّوْتِ"٥ وَ"أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ، *فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ٦".
_________________
(١) ١ هو محمد بن علي بن عبد الله بن مهران، أبو جعفر الوراق، الجرجاني الأصل، البغدادي المنشأ، يعرف بحمدان. حدث عنه أبو بكر الخلال وابن سريج وعبد الله البغوي وغيرهم. قال الخلال عنه: "رفيع القدر، كان عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان". وهو مشهود له بالصلاح والفضل، توفي سنة ٢٧٢هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/ ٣٠٨، المنهج الأحمد ١/ ١٦٤". ٢ هو يعقوب بن إسحاق بن بختان، أبو يوسف. سمع من مسلم بن إبراهيم والإمام أحمد، وكان أحد الصالحين الثقات، وجان جار الإمام أحمد وصديقه، وروى عنه مسائل صالحة كثيرة في الورع لم يروها غيره، ومسائل في السلطان. ذكره العليمي في أصحاب أحمد فيمن لم تؤرخ وفاته. انظر: المنهج الأحمد ١/ ٣٤٠، "طبقات الحنابلة ١/ ٤١٥، تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨٠". ٣ انظر: طبقات الحنابلة ١/ ٤١٥، وقارن ذلك بما جاء في الإنصاف للباقلاني ص ١٢٩ وما بعدها. ٤ في ب: صحيحتان. ٥ خلق أفعال العباد ص ٥٩. ٦ خلق أفعال العباد ص ٥٩. ورواه البخاري في "صحيحه" عن جابر عن عبد الله بن أنيس. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ٢٩٤".
[ ٢ / ١١٠ ]
وَفِيْ١ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَوْتَ اللَّهِ تَعَالَى لا يُشْبِهُ صَوْتَ الْمَخْلُوقِينَ٢؛ لأَنَّ [صَوْتَ] ٣ اللَّهِ تَعَالَى يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ٤"، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُصْعَقُونَ مِنْ صَوْتِهِ. فَإِذَا نَادَى الْمَلائِكَةَ لَمْ يُصْعَقُوا وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ٥ فَلَيْسَ لِصِفَةِ اللَّهِ نِدٌّ وَلا مِثْلٌ، وَلا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ بِالْمَخْلُوقِينَ".
هَذَا لَفْظُهُ بِعَيْنِهِ٦. وَذَكَرَ حَدِيثَيْ٧ ابْنِ أُنَيْسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ٨، وَتَقَدَّمَا٩. قَالَ الْعَلاَّمَةُ الْمِرْدَاوِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ الْمَذَاهِبِ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ وَالتَّحْقِيقِ مِنْ الأَقْوَالِ التِّسْعَةِ؟ قُلْت: إنْ صَحَّتِ الأَحَادِيثُ بِذِكْرِ الصَّوْتِ فَلا كَلامَ "١٠فِيْ أَنَّهُ١٠" أَوْلَى وَأَحْرَى وَأَصَحُّ مِنْ غَيْرِهِ، مَعَ الاعْتِقَادِ فِيهِ بِمَا يَلِيقُ١١ بِجَلالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ بِوَجْهٍ مَا أَلْبَتَّةَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ صَحَّتْ الأَحَادِيثُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَحَّحَهَا الأَئِمَّةُ الْكِبَارُ
_________________
(١) ١ في ش ز: و. ٢ في ب ع ض: الخلق. ٣ ساقطة من جميع النسخ. وهي إضافة ضرورية من البخاري. *-٤ ساقطة من ش ز. ٥ الآية ٢٢ من البقرة. ٦ خلق أفعال العباد ص ٥٩. ٧ في ش: حديث. ٨ خلق أفعال العباد ص ٥٩-٦٠. ٩ صفحة ٦٢-٦٦ من هذا الكتاب. ١٠ في ش ب ز ض: لأنه. ١١ في ز: لا يليق.
[ ٢ / ١١١ ]
الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، كَأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالرَّازِيِّ١ وَغَيْرِهِمْ٢، حَتَّى الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي زَمَنِنَا. قَالَ: وَ٣قَدْ صَحَّتْ هَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ٤. وَكَذَلِكَ٥ صَحَّحَهَا غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ٦. وَفِيهِ كِفَايَةٌ وَهِدَايَةٌ٧، وَلَوْلا أَنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ الْمَعْصُومَ قَالَ ذَلِكَ، لَمَا قُلْنَاهُ وَلا حُمْنَا حَوْلَهُ. كَمَا قَالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ٨ ذَلِكَ فِي "عَقِيدَتِهِ٩":. فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ ﷾ لا تُعْرَفُ إلاَّ بِالنَّقْلِ الْمَحْضِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، أَوْ مِنْ١٠ صَاحِبِ
_________________
(١) ١ إذا أطلق الرازي في الحديث فالمراد أبو حاتم أو أبو زرعة الرازي. وستأتي الترجمة لكل منهما فيما بعد. والمقصود هنا ابن أبي حاتم صاحب كتاب "الرد على الجهمية" الذي ذكر هذه الأحاديث وصححها، كما ذكره ابن حجر أكثر من مرة في "فتح الباري ١٣/ ٣٥٢"، وابن تيمية في "منهاج السنة ٢/ ٢٨٣ مطبعة المدني". وابن أبي حاتم هو عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي، أبو محمد الرازي، الإمام الحافظ الناقد. أخذ علم أبيه وأبي زرعة الرازي. وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، وكان ثقة زاهدًا ثبتًا، له مؤلفات كثيرة نافعة، منها: "الجرح والتعديل"، و"التفسير"، و"الرد على الجهمية"، و"العلل، و"المسند"، و"الفوائد الكبرى". توفي سنة ٣٢٧هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٣٢٤، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٧، فوات الوفيات ١/ ٥٤٢، طبقات المفسرين ١/ ٢٧٩، تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٣٩، طبقات الشافعية الكبرى للعبادي ص ٤٣، المنهج الأحمد ٢/ ١٧، طبقات الحنابلة ٢/ ٥٥، شذرات الذهب ٣/ ٣٢٤، طبقات الحفاظ ص ٣٤٥، البداية والنهاية ١١/ ١٩١". ٢ في ش ز: فتحرهم. وفي ب ع: فتخيرهم. ٣ ساقطة من ب ع. ٤ فتح الباري ١٢/ ٣٥٢، ٣٥٤. ٥ في ع: وكذا. ٦ في ش ز ب: فتحرهم. وساقطة من ع. ٧ في ع: وهداية فتحرهم. ٨ في ش ز ع ب ض: الشهرزوري. ٩ سبق نص السهروردي صفحة ٥٨ من هذا المجلد. ١٠ ساقطة من ش.
[ ٢ / ١١٢ ]
الشَّرِيعَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ. فَتَصْحِيحُ هَؤُلاءِ وَإِثْبَاتُهُمْ لِلأَحَادِيثِ بِذِكْرِ الصَّوْتِ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ مَنْ نَفَى أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ١ ذِكْرُ٢ الصَّوْتِ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا٣: أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي.
وَمِنْهَا: عِظَمُ الْمُصَحِّحِ وَجَلالَةُ قَدْرِهِ وَكَثْرَةُ اطِّلاعِهِ، لا سِيَّمَا فِي إثْبَاتِ صِفَةِ٤ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الزُّهْدِ الْعَظِيمِ وَالْقِدَمِ الْمَتِينِ. أَفَيَلِيقُ بِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ إثْبَاتُ صِفَةٍ لِلَّهِ٥ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَيَدِينُونَ اللَّهَ بِهَا. وَيَعْتَقِدُونَهَا وَيَهْجُرُونَ مَنْ يُخَالِفُهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ صَحَّ عِنْدَهُمْ؟ فَمَا الْحَامِلُ لَنَا أَوْ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَعْتَقِدُ هَذَا مُسْلِمٌ فِي مُسْلِمٍ فَضْلًا عَنْ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ.
ثُمَّ الأَسْلَمُ - بَعْدَ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الْمَذَاهِبِ التِّسْعَةِ - مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: "الاكْتِفَاءُ بِاعْتِقَادِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَالَ: وَهَذَا أَسْلَمُ الأَقْوَالِ، لِشِدَّةِ اللَّبْسِ وَنَهْيِ السَّلَفِ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا٦". اهـ.
وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ٧أَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا اكْتَفَى٨ بِذَلِكَ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْكَلامِ فِيهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ النَّاسِ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الشُّبَهِ الْمُوجِبَةِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ض: وذكر. ٣ في ش ز: أحدها. ٤ في ع: صفات. ٥ في ز ع ب ض: الله. ٦ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ١٢٣، ١٢٤. ٧ في ز ع ب ض: إنما اكتفى السلف.
[ ٢ / ١١٣ ]
لِخَبْطِ١ الْعَقَائِدِ وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، لِقَوْلِ أَحْمَدَ: مَنْ قَالَ: "لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ" فَهُوَ جَهْمِيٌّ٢. وَمَنْ قَالَ: "لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ": مُبْتَدِعٌ٣.
وَإِنَّمَا أَطَلْنَا لأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ فِي زَمَنِنَا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ قَدِيمَيْنِ غَيْرِ مُتَعَاقِبَيْنِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ إذَا شَاءَ وَكَيْفَ٤ شَاءَ، كَمَا قُرِّرَ، يَكُونُ كَافِرًا. فَهَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ. وَقَدْ سَمَّوْا مُخَالِفَهُ مُبْتَدِعًا. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ٥ وَغَيْرِهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ مِنْ٦ زَمَنِهِ إلَى زَمَنِنَا، وَ٧لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَمَا٨ قَالَ إمَامُهُمْ: وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ كَثِيرًا جِدًّا.
_________________
(١) ١ في ش: لحبوط. ٢ ساقطة من ز ع ض. ٣ قال الباقلاني: "ولا يجوز أن يقول أحد: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، ولا أني أتكلم بكلام الله". "الإنصاف ص ٧١".وانظر: مسائل الإمام أحمد ص ٢٦٢، ٢٦٥، ٢٦٦، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٧٤، ١٦٧، ١٧٠، ٢٠٩، مجموعة الرسائل والمسائل ٣/ ٤، ٢٤، ٦٠. ٤ في ع: بما. ٥ هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة المخزومية، وأمها عاتكة بنت عامر، كنيتها بابنتها سلمة بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد. هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة الهجرتين، وخرج أبو سلمة إلى أحد، فأصيب عضده بسهم ثم برأ الجرح، فأرسله رسول الله ﷺ في سرية، فعاد الجرح، ومات منه، فاعتدت أم سلمة، ثم تزوجها رسول الله ﷺ، وكانت من أجمل النساء. توفيت سنة ٥٩هـ، ولها ٨٤ سنة، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة، ودفنت بالبقيع. قال ابن حجر وابن العماد: توفيت سنة ٦١هـ. ولها مناقب. انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٤٥٨، الاستيعاب ٤/ ٤٥٤، تهذيب الأسماء ١/ ٣٦١، شذرات الذهب ١/ ٦٩، الخلاصة ص ٤٩٦". ٦ في ض: في. ٧ ساقطة من ب ع. ٨ في ع: قالوا كما.
[ ٢ / ١١٤ ]
وَإِذَا١ نَظَرَ الْمُنْصِفُ فِي كَلامِ الْعُلَمَاءِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. وَاطَّلَعَ عَلَى مَا قَالُوهُ٢ فِي٣ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَذَرَ الْقَائِلَ، وَأَحْجَمَ عَنِ٤ الْمَقَالاتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَهَا فِي مُسْلِمٍ، وَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ. وَلِهَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ٥ صَحَّتْ الأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. فَمَا بَقِيَ إلاَّ التَّسْلِيمُ أَوْ التَّأْوِيلُ٦، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقُولَ: بِعَقْلِهِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ مُشْكِلَةٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا الْمَحْذُورُ الْعَظِيمُ. فَيَتْبَعُ قَوْلَ هَذَا، أَوْ قَوْلَ مَنْ اتَّبَعَ الأَحَادِيثَ عَلَى حُكْمِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اللاَّئِقَةِ بِجَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ! بَلْ قَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ ٧. فَمَنْ قَالَ٨: "الْقُرْآنُ مَقْدُورٌ عَلَى مِثْلِهِ، وَلَكِنْ مَنَعَ٩ اللَّهُ قُدْرَتَهُمْ١٠" كَفَرَ، بَلْ هُوَ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ، وَالْعَجْزُ شَمِلَ الْخَلْقَ١١.
_________________
(١) ١ في ع: فإذا. ٢ في ب ض: قالوا. ٣ في ب: من. ٤ ساقطة من ب ز. ٥ ساقطة من ز. ٦ فتح الباري ١٣/ ٣٥٤. ٧ انظر الفروع ١/ ٤١٨. ٨ في ش ز: قائل. ٩ في ض: يمنع. ١٠ هذا رأي النظام من المعتزلة، ويعني به أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب قلوبهم عنه. "انظر: الإتقان في علوم القرآن ١/ ١١٨، بيان إعجاز القرآن للخطابي ص ٢٢، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٩٣". ١١ انظر: الجواب الصحيح ٤/ ٧٥، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٩٣.
[ ٢ / ١١٥ ]
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: كَلامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُعْجِزٌ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَنَظْمِهِ. كَالْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ١.
وَخَالَفَ الْقَاضِي ٢فِي الْمَعْنَى٩. وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَحَدَّى بِمِثْلِهِ فِي اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ٣.
قِيلَ لِلْقَاضِي: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الإِعْجَازَ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى فَقَطْ، بَلْ هُوَ فِيهِ أَيْضًا!؟
فَقَالَ: الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّ الإِعْجَازَ نَظْمًا وَلَفْظًا لا مَعْنًى: أَشْيَاءُ.
مِنْهَا: أَنَّ الْمَعْنَى يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ٤ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ٥ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّحَدِّيَ بِأَلْفَاظِهَا، وَلأَنَّهُ قَالَ: ﴿مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ وَالْكَذِبُ لا يَكُونُ مِثْلَ الصِّدْقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ٦: "مِثْلُهُ فِي اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ٧". اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: هَلْ يَسْقُطُ الإِعْجَازُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ. أَمْ هُوَ بَاقٍ؟ الأَظْهَرُ مِنْ جَوَابِ أَحْمَدَ: أَنَّ الإِعْجَازَ فِيهَا٨ بَاقٍ، خِلافًا لِلأَشْعَرِيَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٩.
_________________
(١) ١ وهو رأي الصاحبين من الحنفية، خلافًا للإمام أبي حنيفة الذي يرى الإعجاز في المعنى. "انظر: أصول السرخسي ١/ ٢٨١-٢٨٢، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٩٩، فواتح الرحموت ٢/ ٨، الفروع ١/ ٤١٨". ٢ ساقطة من ش ب ز. ٣ انظر: الفروع ١/ ٤١٨، الفصل في الملل والنحل ٣/ ١٦. ٤ ساقطة من ع. ٥ الآية ١٣ من هود. ٦ ساقطة من ض. ٧ انظر: الفروع ١/ ٤١٨. ٨ في ع: منهما. ٩ انظر: الفروع ١/ ٤١٨. وعبارة "والله أعلم" ساقطة من ض.
[ ٢ / ١١٦ ]
"وَفِي بَعْضِ آيَة"ٍ مِنْ الْقُرْآنِ "إعْجَازٌ" ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ١ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ٢.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا فِيهِ الإِعْجَازُ، وَإِلاَّ فَلا نَقُولُ٣ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ٤ وَنَحْوِهَا: إنَّ فِي بَعْضِهَا إعْجَازًا وَ٥فِيهَا أَيْضًا. وَهُوَ وَاضِحٌ٦. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ: لا إعْجَازَ فِي بَعْضِ آيَةٍ، بَلْ فِي آيَةٍ٧.وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ عَلَى إطْلاقِهِ. فَإِنَّ٨ بَعْضَ الآيَاتِ الطِّوَالِ فِيهَا إعْجَازٌ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي "الشَّامِلِ" وَغَيْرِهِ: إنَّمَا يَتَحَدَّى بِالآيَةِ إذَا كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا بِهِ التَّعْجِيزُ، لا فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ٩ فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ١٠ أَيْ مِثْلِهِ فِي الاشْتِمَالِ عَلَى مَا ١١بِهِ يَقَعُ١ الإِعْجَازُ لا مُطْلَقًا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُعْجِزٌ، لَكِنْ مِنْهُ مَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُعْجِزًا
_________________
(١) ١ المرجع السابق. ٢ الآية ٣٤ من الطور. ٣ في ش ز ض: يقول. ٤ الآية ٢١ من المدثر. ٥ في ض: أو. ٦ انظر: الفصل في الملل والنحل ٣/ ١٩. ٧ انظر: أصول السرخسي ١/ ٢٨٠. وعبارة "بل في آية" ساقطة من ض. ٨ في ش ز ع ب: وقال. ٩ الآية ٢١ من المدثر. ١٠ الآية ٣٤ من الطور. ١١ في ع: يقع به.
[ ٢ / ١١٧ ]
بِذَاتِهِ. وَمِنْهُ مَا إعْجَازُهُ مَعَ الانْضِمَامِ إلَيْهِ١. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷾: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ٢ أَنَّ الإِعْجَازَ يَحْصُلُ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ٣.
"وَيَتَفَاضَلُ" الْقُرْآنُ، وَيَتَفَاضَلُ أَيْضًا "ثَوَابُهُ" لِظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ٤ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ٥: إنَّهُ الْحَقُّ. وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ع ض. ٢ الآية ٢٣ من البقرة. وفي ش ز: فليأتوا. وهو خطأ. ٣ انظر: نهاية السول ١/ ٢٠٤، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٢٣، البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٠٨. ٤ هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، المعروف بابن راهويه. قال ابن خلكان: "جمع بين الحديث والفقه والورع، وكان أحد أئمة الأعلام". وكان قوي الذاكرة، يحفظ سبعين ألف حديث، جالس الإمام أحمد وروى عنه. وناظر الإمام الشافعي، ثم صار من أتباعه، وجمع كتبه، وله مسند مشهور، ومصنفات كثيرة، منها: "المسند"، و"التفسير". توفي بنيسابور سنة ٢٣٨هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/ ١٧٩، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٣، حلية الأولياء ٩/ ٢٣٤، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٨٣، طبقات الحنابلة ١/ ١٠٩، طبقات الحفاظ ص ١٨٨، المنهج الأحمد ١/ ١٠٨، الخلاصة ص ٢٧، شذرات الذهب ٢/ ١٧٩، الفهرست ص ٣٢١، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩٤". ٥ هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح –بفتح الفاء وسكون الراء- الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله القرطبي، الإمام العالم الجليل، الفقيه المفسر المحدث. وكان من عباد الله الصالحين، والعلماء الزاهدين في الدنيا، المشتغلين بأمور الآخرة. قال الذهبي: "إمام متقن متبحر في العلم، له مصنفات مفيدة، تدل على إمامته وكثرة اطلاعه ووفور عقله". ومن مؤلفاته: "أحكام القرآن" في التفسير، أجاد في البيان واستنباط الأحكام وإثبات القراءات والناسخ والمنسوخ والإعراب، و"شرح أسماء الله الحسنى"، و"التذكار في أفضل الأذكار"، و"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، و"التقصي" وغير ذلك. توفي سنة ٦٧١هـ. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ٢/ ٣٠٨، شجرة النور الزكية ص ١٩٧، شذرات الذهب ٥/ ٣٣٥، طبقات المفسرين ٢/ ٦٥". ٦ تفسير القرطبي ١/ ١١٠. وانظر: الإتقان ٢/ ١٥٦، البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٨، الفروع ١/ ٤١٥، جواهر القرآن ص ٣٨، ٤٨.
[ ٢ / ١١٨ ]
قَالَ١ الْغَزَالِيُّ فِي "جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ": "لَعَلَّك أَنْ تَقُولَ: قَدْ أَشَرْت إلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، و٢الْكَلامُ كَلامُ اللَّهِ٣. فَكَيْفَ يُفَارِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟
فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إنْ كَانَ لا يُرْشِدُك إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَاتِ، وَبَيْنَ سُورَةِ الإِخْلاصِ وَسُورَةِ٣ تَبَّتْ. وَتَرْتَاعُ عَلَى٤ اعْتِقَادِ الْفَرْقِ نَفْسُك الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرَقَةُ بِالتَّقْلِيدِ. فَقَلِّدْ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ ﷺ فَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. وَقَالَ: "يس قَلْبُ الْقُرْآنِ" ٥، و"فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ" ٦، وَ"آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ" ٧، " ﴿وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾:
_________________
(١) ١ في ع: وقال. ٢ في جواهر القرآن: والكل قول الله تعالى. ٣ في ع: وبين سورة. ٤ في جواهر القرآن: من. ٥ هذا الحديث رواه الترمذي والدارمي عن أنس، وأوله: "إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس الحديث". وفسر الغزالي ذلك فقال: "إن ذلك لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر، وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه، فجعلت قلب القرآن لذلك". واستحسن ذلك فخر الدين الرازي. "انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ١٩٧، سنن الدارمي ٢/ ٤٥٦، جواهر القرآن ص ٤٨، البرهان في علوم القرآن ١/ ١٤٤". ٦ وردت أحاديث كثيرة في فضل فاتحة الكتاب بألفاظ متعددة. "انظر: فيض القدير ٤/ ٤١٨ وما بعدها، زاد المسير ١/ ١٠، تفسير الطبري ١/ ٤٧، تفسير القرطبي ١/ ١٠٨". ٧ رواه الترمذي وعبد الرزاق في حديث طويل بلفظ: "وفيها آية هي سيدة آي القرآن؛ آية الكرسي". وقال الترمذي: حديث غريب، وفيه حكيم بن جبير، تكلم فيه شعبة وضعفه. "تحفة الأحوذي ٨/ ١٨١، وانظر: المصنف لعبد الرزاق ٣/ ٣٧٦". ورواه أبو داود بلفظ: "إنها أعظم آي القرآن". "سنن أبي داود ١/ ٣٣٧". وانظر فضل آية الكرسي في "صحيح مسلم ١/ ٥٥٦". وروى عبد الرزاق أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: "أعظم آية في القرآن آية الكرسي". "المصنف ٣/ ٣٧١". ورواه الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "سيدة آي القرآن آية الكرسي". المستدرك ٢/ ٢٦٠".
[ ٢ / ١١٩ ]
تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" ١. وَالأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَتَخْصِيصِ٢ بَعْضِ السُّوَرِ وَالآيَاتِ بِالْفَضْلِ، وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ فِي تِلاوَتِهَا لا تُحْصَى٣". اهـ.
وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: إلَى الْمَنْعِ. وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵁، وَلِذَلِكَ: كَرِهَ أَنْ تُرَدَّدَ سُورَةٌ دُونَ أُخْرَى٤.
قَالَ٥ ابْنُ الْحَصَّارِ٦: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ٧ الاخْتِلافَ فِي ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِالتَّفْضِيلِ٨.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والدارمي وعبد الرزاق. "انظر: صحيح البخاري ٣/ ٢٣٠، صحيح مسلم ١/ ٥٥٦، سنن أبي داود ١/ ٣٣٧، تحفة الأحوذي ٨/ ٢٠٥، سنن النسائي ٢/ ١٣٣، سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٤٤، الموطأ ١/ ٢٠٩، سنن الدارمي ٢/ ٤٦٠، المصنف ٣/ ٣٧١، فتح الباري ١٣/ ٢٧٧". ٢ في "جواهر القرآن": بتخصيص. ٣ جواهر القرآن ص ٣٧-٣٨، وانظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٥٦. ٤ انظر: تفسير القرطبي ١/ ١٠٩، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ١٥٦، البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٨. ٥ في ع: وقال. ٦ هو علي بن محمد بن أحمد، أبو الحسن الخزرجي الإشبيلي، ثم الفاسي، يعرف بابن الحصّار، الفقيه العالم المحصل المتفنن المؤلف. أخذ عن أبي القاسم بن حبيش، وأقرأ في أصول الفقه، وحجّ وجاور، وحدّث عنه المنذري، وصنف في أصول الفقه. وله كتاب "الناسخ والمنسوخ"، و"البيان في تنقيح البرهان"، وله "أرجوزة في أصول الدين" شرحها في أربعة أجزاء. توفي سنة ٦١١هـ. "انظر: شجرة النور الزكية ص ١٧٣". ٧ في ب ع ض: يذكر. وهو تصحيف. ٨ في ز: بالفضل. والكلام منقول حرفيًا من السيوطي في "الإتقان ٢/ ١٥٦". وانظر: تفسير القرطبي ١/ ١١٠.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ: كَلامُ اللَّهِ فِي اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كَلامِهِ فِي غَيْرِهِ. فَـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١: أَفْضَلُ مِنْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٢.
وَقَالَ فِي "الإِتْقَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ": "اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْضِيلِ:.فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَضْلُ رَاجِعٌ إلَى عِظَمِ الأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ انْتِقَالاتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا، وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا٣ عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ.
وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ٤ لِذَاتِ اللَّفْظِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٥ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ٦ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الإِخْلاصِ مِنْ الدَّلالاتِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ، لَيْسَ مَوْجُودًا مَثَلًا فِي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٧ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا. فَالتَّفْضِيلُ إنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا٨". اهـ.
"وَيَتَفَاوَتُ إعْجَازُهُ" قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: فِي بَعْضِهِ إعْجَازٌ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ.
_________________
(١) ١ الآية الأولى من الإخلاص. ٢ الآية الأولى من المسد. ٣ ساقطة من ب. ٤ ساقطة من ز. ٥ الآية ١٦٣ من البقرة. وفي ب: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . وفي ز ع ض: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . - الآية. ٦ في ش ب ز: آية. ٧ الآية الأولى من المسد. ٨ الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٥٦-١٥٧. وانظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣٨، ٤٤٠، جواهر القرآن ص ٣٨ وما بعدها، تفسير القرطبي ١/ ١١٠.
[ ٢ / ١٢١ ]
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت: وَهُوَ صَحِيحٌ١، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ٢ عُلَمَاءِ الْبَلاغَةِ٣."وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْقُرْآنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ٤ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ٥ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو٦ عُبَيْدٍ وَدَاوُد٧،
_________________
(١) ١ في ع: الصحيح. ٢ ساقطة من ع. ٣ انظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ٩٩. ٤ هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار "قيل من أقيال اليمن" الشعبي، أبو عمرو. وهو من حمير، وهو تابعي كوفي. قال ابن خلكان: جليل القدر، وافر العلم، عالم الكوفة، وكان نحيفًا، وكان مزاحًا. له مناقب وشهرة، توفي بالكوفة فجأة سنة ١٠٣هـ، وقيل غير ذلك، وقد أدرك خمسمائة من الصحابة أو أكثر. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٢/ ٢٢٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٧٩، تاريخ بغداد ١٢/ ٢٢٩، حلية الأولياء ٤/ ٣١٠، طبقات القراء ١/ ٣٥٠، طبقات الحفاظ ص ٣٢، طبقات الفقهاء ص ٨١، الخلاصة ص ١٨٤، المعارف ص ٤٤٩، شذرات الذهب ١/ ١٢٦". ٥ هو سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده وعلمه، وهو أحد الأئمة المجتهدين، عين على قضاء الكوفة فامتنع واختفى. قال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، والفقهاء في الدين ممن لزم الحديث والفقه، وواظب على الورع والعبادة حتى صار عَلَمًا يرجع إليه في الأمصار. مات بالبصرة سنة ١٦١هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٢/ ١٢٧، طبقات المفسرين ١/ ١٨٦، طبقات الفقهاء ص ٨٤، تاريخ بغداد ٩/ ١٥١، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٣، حلية الأولياء ٦/ ٣٥٦، مشاهير علماء الأمصار ص ١٦٩، التاج المكلل ص ٥٠، صفة الصفوة ٣/ ١٤٧، طبقات الحفاظ ص ٨٨، الخلاصة ص ١٤٥، شذرات الذهب ١/ ٢٥٠، الفهرست ص ٨٥". ٦ في ز ش ب ض: أبي. ٧ هو داود بن علي بن خلف، أبو سليمان الأصبهاني البغدادي، إمام أهل الظاهر، وكان زاهدًا متقللًا كثير الورع، وكان أكثر الناس تعصبًا للإمام الشافعي. وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، ثم صار صاحب مذهب مستقل. وكان من عقلاء الناس. ويحضر مجلسَه العددُ الكثير. ومن مؤلفاته: "الكافي في مقال المطلبي"، "وإبطال القياس"، "وأعلام النبي و"المعرفة"، "والدعاء"، و"الطهارة"، "والحيض"، "والصلاة" وغيرها. توفي ببغداد سنة ٢٧٠هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٨٤، ميزان الاعتدال ٢/ ١٤، تاريخ بغداد ٨/ ٣٦٩، وفيات الأعيان ٢/ ٢٦، طبقات الحفاظ ص ٢٥٣، طبقات المفسرين ١/ ١٦٦، شذرات الذهب ٢/ ١٥٨، الفهرست ص ٣٠٣، الفتح المبين ١/ ١٥٩، طبقات الفقهاء ص ٩٢".
[ ٢ / ١٢٢ ]
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ١، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَكْثَرِ٢ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ٣ وَغَيْرِهِمْ٤.
_________________
(١) ١ هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، أبو عبد الله، أصله من حرستا بغوطة دمشق. ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث على الإمام مالك، ثم حضر مجلس أبي حنيفة سنين، وتفقه على أبي يوسف، والتقى مع الشافعي وناظره، ثم أثنى عليه الشافعي، وكان من أفصح الناس. دوّن فقه أبي حنيفة ونشره، ولاه الرشيد قضاء الرقة، ثم عزله عنها. وأهم كتبه: "الجامع الكبير"، "والجامع الصغير"، "والأصل"، "والسير الصغير"، "والسير الكبير"، "والزيادات"، "والآثار"، "والنوادر" وغيرها. توفي سنة ١٨٩هـ. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص ١٣٥، الفوائد البهية ص ١٦٣، الجواهر المضيئة ٢/ ٤٢، تهذيب الأسماء ١/ ٨٠، وفيات الأعيان ٣/ ٣٢٤، تاج التراجم ص ٥٤، المعارف ص ٥٠٠، التاج المكلل ص ١٠٥، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٢٠، شذرات الذهب ١/ ٣٢٠، الفهرست ص ٢٨٧". ٢ ساقطة من ز ش. وموجودة في بقية النسخ، وهو الصحيح؛ لأن نصف القراء تركوا البسملة في القراءة، وهم: ابن عامر، ونافع، وحمزة، وأبو عمرو. "انظر فواتح الرحموت ٢/ ١٤". ٣ القراء السبعة هم: ١- نافع بن عبد الرحمن الليثي "ت ١٦٩هـ." ٢- عبد الله بن كثير المكي "ت ١٢٦هـ." ٣- زيان بن العلاء، أبو عمرو البصري "ت ١٥٤هـ". ٤- عبد الله بن عامر الشامي اليحصبي قاضي دمشق "ت ١١٨هـ". ٥- عاصم بن أبي النجود الكوفي "ت ١٢٨هـ". ٦- حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي "ت ١٥٦هـ". ٧- علي بن حمزة الكسائي النحوي، أبو الحسن "ت ١٨٩هـ". "انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٢٧". وفي ض: من السبعة. ٤ "انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٤٨، شرح النووي على مسلم ٤/ ١١٣، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٣، أصول السرخسي ١/ ٢٨٠، المجموع شرح المهذب ٣/ ٣٣٣، المستصفى ١/ ١٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٤، جمع الجوامع ١/ ٢٢٧، زاد المسير ١/ ٧، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٩، أصول الفقه الإسلامي ص ١٠٦ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٧، كشف الأسرار ١/ ٧٣، التلويح على التوضيح ١/ ١٥٩، إرشاد الفحول ص ٣١".
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالأَوْزَاعِيُّ١ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ٢ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ٣. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ٤، لَكِنْ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ": فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ نَظَرٌ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: تَكُونُ الْبَسْمَلَةُ كَالاسْتِعَاذَةِ. وَعَلَى الأَوَّلِ "لا" تَكُونُ "مِنْ الْفَاتِحَةِ" عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهَا مُعْظَمُ أَصْحَابِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ، اخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ٥ وَأَبُو
_________________
(١) ١ هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمِد، أبو عمرو الأوزاعي، إمام أهل الشام. قال ابن حبان: "أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا، وورعًا وحفظًا، وفضلًا وعبادة، وضبطًا مع زهادة". وكان إمامًا في الحديث، وكان يسكن بيروت، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقال المغرب إلى مذهب مالك نحوَ مائتي سنة. وهو من تابعي التابعين، وكان بارعًا في الكتابة والترسل. توفي سنة ١٥٧ هـ ببيروت. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٨، وفيات الأعيان ٢/ ٣١٠، طبقات الفقهاء ص ٧٦، طبقات الحفاظ ص ٧٩، مشاهير علماء الأمصار ص ١٨٠، تهذيب الأسماء ١/ ٢٩٨، الخلاصة ص ٢٣٢، شذرات الذهب ١/ ٢٤١". ٢ في ب ع: والطبري. وهو خطأ. ٣ وهو قول القاضي الباقلاني ومكي بن أبي طالب. وقد ذكر الإمام النووي أدلة هذا القول في "المجموع" وناقشها ورود عليها. "انظر: تفسير الطبري ١/ ١٤٦ ط المعارف، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٣، المجموع شرح المهذب ٣/ ٣٣٤، كشف الأسرار ١/ ٢٣، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب ١/ ٢٢، مختصر ابن الحاجب ١/ ١٩، جمع الجوامع ١/ ٢٢٧". ٤ انظر: زاد المسير ١/ ٧. ٥ هو عبيد الله بن محمد بن محمد، أبو عبد الله العُكبري المعروف بابن بطة، الفقيه الحنبلي، العالم الصالح. قال ابن العماد: "كان أحد المحدثين العلماء الزهاد". لازم بيته أربعين سنة، ولم يُرَ مفطرًا إلا في يومي الفطر والأضحىوالتشريق، وكان مستجاب الدعوة، صنف كتابًا كبيرًا في السنة سماه "السنن". وله مصنفات كثيرة، منها: "الإبانة في أصول الديانة" الصغرى والكبرى، "والمناسك"، "وذم البخل"، "وتحريم الخمر". توفي بعكبرا سنة ٣٨٧هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ٢/ ١٤٤، المنهج الأحمد ٢/ ٦٩، شذرات الذهب ٣/ ١٢٢".
[ ٢ / ١٢٤ ]
حَفْصٍ١ الْعُكْبَرِيَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ٢.
"وَلا تَكْفِيرَ بِاخْتِلافٍ فِيهَا" أَيْ وَلا يَكْفُرُ مَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ ٣مِنْ الْقُرْآنِ٥، وَلا يَكْفُرُ٤ مَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ٥ مِنْ الْفَاتِحَةِ٦، وَلا مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ. وَلأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ الْقَطْعِيِّ، بَلْ مِنْ الْحُكْمِيِّ، وَهُوَ الأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا هَلْ هِيَ قُرْآنٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، كَسَائِرِ الْقُرْآنِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ، لاخْتِلافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا٧.
وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ٨: "أَنَّهُ لا يُكَفَّرُ النَّافِي بِأَنَّهَا قُرْآنٌ إجْمَاعًا٩".
_________________
(١) ١ هو عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العُكبري، ويعرف بابن المسلم. له معرفة عالية بالمذهب الحنبلي، وله التصانيف السائرة، منها: "المقنع"، "وشرح الخرقي"، "والخلاف بين أحمد ومالك"، "والاختيارات في المسائل المشكلات". وصحب عددًا من فقهاء الحنابلة كأبي إسحاق بن شاقلا، ولازم ابن بطة. توفي سنة ٣٨٧هـ. انظر ترجمته في "المنهج الأحمد ٢/ ٧٣، طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٣". ٢ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١١١، المجموع شرح المهذب ٣/ ٣٣٣، ٣٣٥، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢١، أصول الفقه الإسلامي ص ١٠٦، أصول السرخسي ١/ ٢٨٠، التلويح على التوضيح ١/ ١٥٩. ٣ في ب ع ض: بقران. ٤ ساقطة من ب ع ض. ٥ ساقطة من ز. ٦ قال المجد ابن تيمية: "وليست من الفاتحة". "المحرر في الفقه ١/ ٥٣". وانظر: الفروع ١/ ٤١٣. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٣، كشف الأسرار ١/ ٢٣، البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٢٥، المستصفى ١/ ١٠٣. ٨ في ش: الثوري. ٩ المجموع ٣/ ٣٣٣، وهذا ما نقله الآمدي والغزالي عن أبي بكر الباقلاني. "انظر: الإحكام ١/ ١٦٣، المستصفى ١/ ١٠٣، ١٠٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ١٩".
[ ٢ / ١٢٥ ]
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: "وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مَنَعَتْ مِنْ التَّكْفِيرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ١".
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَكِنْ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا أَثْبَتْنَاهَا قُرْآنًا قَطْعِيًّا. أَمَّا إذَا أَثْبَتْنَاهَا حُكْمِيًّا. فَلَيْسَ هُنَا مُقْتَضٍ لِلتَّكْفِيرِ، حَتَّى يُدْفَعَ بِالشُّبْهَةِ.
"وَهِيَ" أَيْ الْبَسْمَلَةُ "آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ". قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا مَنْصُوصُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ": وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ٢ أَبِي حَنِيفَةَ٣. "سِوَى بَرَاءَةَ" يَعْنِي إلاَّ "بَرَاءَةَ". فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِهَا إجْمَاعًا. إمَّا لِكَوْنِهَا أَمَانًا. وَهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، كَمَا قَالَ٤ ابْنُ
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب ٢/ ١٩. ٢ في ع: عن. ٣ يتلخص هذا الموضوع في أن العلماء اتفقوا على أن البسملة بعض آية في "سورة النمل". واختلفوا في كونها آية في أوائل السور على ثلاثة أقوال: الأول: أن البسملة آية في أول كل سورة أو مع الآية الأولى من كل سورة إلا في "سورة التوبة". وهذا قول الشافعي. الثاني: أن البسملة ليست آية في أوائل السور مطلقًا، وهو قول المالكية والباقلاني من الشافعية. الثالث: أن البسملة آية من القرآن الكريم، وتتكرر في أوائل السور للفصل، وهو قول الحنابلة والحنفية. وقال الشوكاني: والحق أنها آية في كل سورة، وبيّن الأدلة. "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤، تيسير التحرير ٣/ ٧، أصول السخسي ١/ ٢٨٠، التلويح على التوضيح ١/ ١٥٩، كشف الأسرار ١/ ٢٣، المستصفى ١/ ١٠٢، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٣، حاشية البناني وتقريرات الشربيني ١/ ٢٢٧، مختصر ابن الحاجب ١/ ١٩، الإتقان في علوم القرآن ١/ ٧٨، المجموع شرح المهذب ٣/ ٣٣٣، إرشاد الفحول ص ٣١، مناهل العرفان ١/ ٤٢٦". ٤ في ض: قاله.
[ ٢ / ١٢٦ ]
عَبَّاسٍ. وَقَدْ كَشَفَتْ أَسْرَارَ الْمُنَافِقِينَ. وَلِذَلِكَ تُسَمَّى "الْفَاضِحَةَ"، وَإِمَّا لأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالأَنْفَالِ سُورَةً وَاحِدَةً، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى أَقْوَالٍ١.
"وَ" الْبَسْمَلَةُ أَيْضًا "بَعْضُهَا" أَيْ بَعْضُ آيَةٍ "مِنْ" سُورَةِ "النَّمْلِ٢" إجْمَاعًا. فَهِيَ قُرْآنٌ فِيهَا قَطْعًا٣.
"وَ" الْقِرَاءاتُ "السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ٤. نَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ٥ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ "الْغَايَةِ". وَقَالَ: قَالَتْ: الْمُعْتَزِلَةُ٦: آحَادًا٧. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: "إنَّهَا آحَادٌ" كَالطُّوفِيِّ فِي "شَرْحِهِ٨". قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ
_________________
(١) ١ انظر هذه الأقوال وتعليلها في "البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٦٣، جمع الجوامع ١/ ٢٢٨، تفسير القرطبي ٨/ ٦١، تفسير الخازن ٣/ ٤٦، زاد المسير ٣/ ٣٨٩". ٢ وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ﴾ . الآية ٣٠ من النمل. ٣ انظر: أًصول السرخسي ١/ ٢٨٠، المستصفى ١/ ١٠٤، مختصر ابن الحاجب ١/ ١٩، جمع الجوامع ١/ ٢٢٧، الفروع ١/ ٤١٣. ٤ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٧، مناهل العرفان ١/ ٤٢٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢١، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٢٨. ٥ هو زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو علي السرخسي، الفقيه المقرئ المحدث، من أئمة أصحاب الشافعي، وهو من أصحاب الوجوه في المذهب، وأخذ علم الكلام عن الأشعري. قال الحاكم: "الفقيه المحدث، شيخ عصره بخراسان". توفي سنة ٣٨٩هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٩٣، تهذيب الأسماء ١/ ١٩٢، طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي ص ٨٦، طبقات القراء ١/ ٢٨٨، تبيين كذب المفتري ص ٢٠٦، شذرات الذهب ٣/ ١٣١". ٦ ساقطة من ش. ٧ في ع آحاد. ٨ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٧. وقد ذكر الطوفي في "مختصره" أن: القراءات السبعة متواترة، خلافًا لقوم. ورد احتمال الآحاد. "انظر: مختصر الطوفي ص ٤٦".
[ ٢ / ١٢٧ ]
أَنَّهَا تَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ لا إلَيْهِمْ - بِأَنَّ١ أَسَانِيدَ الأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ بِهَذِهِ الْقِرَاءاتِ السَّبْعِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِ الْقِرَاءاتِ٢. وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ، لَمْ تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ انْحِصَارَ الأَسَانِيدِ فِي طَائِفَةٍ لا يَمْنَعُ مَجِيءَ الْقِرَاءاتِ عَنْ غَيْرِهِمْ. فَقَدْ كَانَ يَتَلَقَّى الْقِرَاءَةَ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ بِقِرَاءَةِ إمَامِهِمْ الَّذِي مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ: الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَنْ مِثْلِهِمْ. وَكَذَلِكَ دَائِمًا، فَالتَّوَاتُرُ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَلَكِنَّ الأَئِمَّةَ الَّذِينَ قَصَدُوا ضَبْطَ الْحُرُوفِ وَحَفِظُوا شُيُوخَهُمْ فِيهَا جَاءَ السَّنَدُ مِنْ قِبَلِهِمْ. وَهَذَا كَالأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ هِيَ آحَادٌ، وَلَمْ تَزَلْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ مَنْقُولَةً عَمَّنْ يَحْصُلُ بِهِمْ التَّوَاتُرُ عَنْ مِثْلِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ٣، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لِذَلِكَ، وَلا يُغْتَرَّ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ أَسَانِيدَ الْقُرَّاءِ تَشْهَدُ بِأَنَّهَا آحَادٌ٤.
وَإِذَا٥ تَقَرَّرَ هَذَا، فَاسْتَثْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ مَا كَانَ مِنْ
_________________
(١) ١ في ش: بأنها. ٢ في ع: القراءة. وفي ش ب ز: القراء. ٣ لا يخلو كتاب من كتب السنة النبوية من نقل حجة النبي ﷺ التي ودّع فيها الأمة، وبين لهم مناسكهم. وقد رواها البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. "انظر: صحيح البخاري ٣/ ٨٢، صحيح مسلم ٢/ ٨٨٦، سنن أبي داود ٢/ ٣٨٨، تحفة الأحوذي ٣/ ٥٤٥، سنن النسائي ٥/ ٢٠٤، سنن ابن ماجه ٢/ ١٠٢٢، مسند أحمد ٣/ ٣٠٥، سنن الدارمي ٢/ ٤٥". ٤ انظر تفصيل هذا البحث مع بيان أسماء القراء ورواياتهم وطرقهم في "النشر في القراءات العشر ١/ ٥٤، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣١٩، إرشاد الفحول ص ٣٠، البناني على جمع الجوامع ١/ ٢٢٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٦". ٥ في ب ع: إذا.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قُبَيْلِ صِفَةِ الأَدَاءِ، كَالْمَدِّ وَالإِمَالَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ١ وَنَحْوِهِ٢.
وَمُرَادُهُ: مَقَادِيرُ الْمَدِّ وَكَيْفِيَّةُ الإِمَالَةِ لا أَصْلُ الْمَدِّ وَالإِمَالَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ قَطْعًا٣. فَالْمَقَادِيرُ، كَمَدِّ حَمْزَةَ٤ وَوَرْشٍ٥. فَإِنَّهُ قَدْرُ سِتِّ أَلِفَاتٍ. وَقِيلَ: خَمْسٌ. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ. وَرَجَّحُوهُ. وَمَدُّ عَاصِمٍ٦: قَدْرُ ثَلاثِ أَلِفَاتٍ،
_________________
(١) ١في ش ز: الهمز. وفي ع ض ب ومختصر ابن الحاجب: الهمزة. ٢انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢١، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣١٩، مناهل العرفان ١/ ٤٣٠، النشر في القراءات العشر ١/ ٣٩٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٥، جمع الجوامع ١/ ٢٢٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٧. ٣انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣١٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٥، البناني على جمع الجوامع ١/ ٢٢٩. ٤هو حمزة بن حبيب بن عمارة، أبو عمارة الكوفي، التيمي مولاهم، أحد القراء السبعة. ولد سنة ٨٠هـ، وأدرك الصحابة بالسن، فيحتمل أن يكون رأى بعضهم. قال ابن الجزري: "وإليه صارت الإمامة في القراءة بعد عاصم والأعمش، وكان إمامًاَ حجة ثبتًا رضى قيمًا بكتاب الله، بصيرًا بالفرائض، عارفًا بالعربية، حافظًا للحديث، عابدًا خاشعًاَ، زاهدًا ورعًا، قانتًا لله عديم النظر". كان يتجر بالزيت. توفي بحلوان سنة ١٥٦هـ. ومن مصنفاته: "كتاب قراءة حمزة"، و"كتاب الفرائض". انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٢٦١، مشاهير علماء الأمصار ص ١٦٨، مرآة الجنان ١/ ٣٣٢، معرفة كبار القراء ١/ ٩٣، الخلاصة ص ٩٣، الفهرست ص ٤٤، شذرات الذهب ١/ ٢٤٠". ٥هو عثمان بن سعيد بن عبد الله، أبو سعيد القرشي مولاهم، القبطي المصري، الملقب بورش، شيخ القراء المحققين، وإمام أهل الأداء المرتلين. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه، ولقبه نافع بورش لبياضه، أو الورشان، وهو اسم طائر معروف، اشتغل بالقرآن والعربية، فمهر بهما. توفي سنة ١٩٧هـ بمصر. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٥٠٢، حسن المحاضرة ١/ ٤٨٥، معرفة القراء الكبار ١/ ١٢٦، شذرات الذهب ١/ ٣٤٩". ٦ هو عاصم بن بَهْدَلة أبي النجود، أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي، شيخ القراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة. انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة، وجمع بين الفصاحة والإتقان، والتحرير والتجويد. وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن. قال الإمام أحمد عنه: "رجل صالح خير ثقة، لكن قراءة أهل المدينة أحب، فإن لم فقراءة عاصم. ووثقه أبو زرعة وجماعة، وخرج له أصحاب الكتب الستة. توفي سنة ١٢٧هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٣٤٦، ميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٨، معرفة القراء الكبار ١/ ٧٣، الخلاصة ص ١٨٢، شذرات الذهب ١/ ١٧٥، الفهرست ص ٤٣".
[ ٢ / ١٢٩ ]
وَالْكِسَائِيِّ١: قَدْرُ أَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ وقالون٢: قَدْرُ أَلِفَيْنِ، وَالسُّوسِيِّ٣: قَدْرُ أَلِفٍ وَنِصْفٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ٤.
وَكَذَلِكَ الإِمَالَةُ تَنْقَسِمُ إلَى: مَحْضَةٍ. وَهِيَ أَنْ يَنْحَنِيَ٥ بِالأَلِفِ إلَى الْيَاءِ،
_________________
(١) ١ هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن، المعروف بالكسائي، أحد القراء السبعة. قال ابن خلكان: "كان إمامًا في النحو واللغة والقراءات، ولم يكن له في الشعر يد". وكان يؤدب الأمين بن الرشيد ويعلمه. استوطن بغداد، وله مصنفات، منها: "معاني القرآن"، و"مختصر في النحو"، و"القراءات"، و"مقطوع القرآن وموصوله"، و"النوادر". توفي بالري سنة ١٨٩هـ. انظر ترجمته في "طبقات المفسرين ١/ ٣٩٩، إنباه الرواة ٢/ ٢٥٦، طبقات القراء ١/ ٥٣٥، طبقات النحويين ص ١٢٧، مرآة الجنان ١/ ٤٢١، معرفة القراء الكبار ١/ ١٠٠، وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٧، المعارف ص ٥٤٥، شذرات الذهب ١/ ٣٢١، الفهرست ص ٤٤". ٢ هو عيسى بن مينا بن وردان، الملقب بقالون، المدني، قارئ المدينة ونحويّها. ويقال: إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرًا، وهو الذي لقبه قالون، بمعنى جيد، لجودة قراءته باللغة الرومية. وكان أصم لا يسمع البوق، لكنه يسمع القرآن. قال ابن أبي حاتم: كان أصم يقري القرآن، ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة، ويكتب حديثه بالجملة. توفي سنة ٢٢٠هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٦١٥، ميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٧، معرفة القراء الكبار ١/ ١٢٨، شذرات الذهب ٢/ ٤٨". ٣ هو صالح بن زياد بن عبد الله، أبو شعيب السوسي، مقرئ ضابط، محرر ثقة، وهو عالم أهل الرقة ومقرئهم. قال أبو حاتم: صدوق. توفي سنة ٢٦١هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٣٣٢، الخلاصة ص ١٧٠، معرفة القراء الكبار ١/ ١٥٩، شذرات الذهب ٢/ ١٤٣". ٤ انظر: النشر في القراءات العشر ١/ ٣١٤، ٣٢٠، وما بعدها، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣١٩، مناهل العرفان ١/ ٤٣٥. ٥ في ع ض: ينحي، وكذا في البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٢٠.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وَبِالْفَتْحَةِ إلَى الْكَسْرَةِ، وَإِلَى بَيْنَ بَيْنَ. وَهِيَ كَذَلِكَ، ١إلاَّ أَنَّهَا٥ تَكُونُ إلَى الأَلِفِ وَالْفَتْحَةِ أَقْرَبَ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ٢.
أَمَّا أَصْلُ التَّخْفِيفِ٣ فِي الْهَمْزَةِ٤ وَالتَّشْدِيدِ فَمُتَوَاتِرٌ٥، وَأَمَّا كَوْنُ أَنَّ مِنْ الْقُرَّاءِ مَنْ يُسَهِّلُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُبْدِلُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً٦. وَلِهَذَا كَرِهَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ طُولِ الْمَدِّ وَالْكَسْرِ وَالإِدْغَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ٧؛ لأَنَّ الأُمَّةَ إذَا أَجْمَعَتْ٨ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَمْ يُكْرَهْ فِعْلُهُ. وَهَلْ يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَوَاتَرَتْ إلَيْنَا يَكْرَهُهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً، وَهُوَ وَاضِحٌ. ٩وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ وَجَمْعٍ٣، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْكِسَائِيّ؛ لأَنَّهَا كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي الإِمَالَةِ وَالإِدْغَامِ١٠. كَمَا نَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي "الْغَايَةِ".
_________________
(١) ١ في ض: لأنها. ٢ انظر: النشر في القراءات العشر ٢/ ٣٠ وما بعدها، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٢٠، مناهل العرفان ١/ ٤٣٦. ٣ في ض: التحقيق. ٤ في ش ز ع: الهمز. ٥ في ض: فهو تواتر. ٦ انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٢٠، مناهل العرفان ١/ ٤٣٧. ٧ قال ابن الجزري: وأما ما ذُكر عن عبد الله بن إدريس وأحمد بن حنبل من كراهة قراءة حمزة، فإن ذلك محمول على قراءة من سمعنا منه ناقلًا عن حمزة، وما آفة الأخبار إلا رواتها. "طبقات القراء ١/ ٢٦٣". وانظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٢٠، الفروع ١/ ٤٢٢. ٨ في ض: اجتمعت. ٩ ساقطة من ش ز. ١٠ انظر: الفروع ١/ ٤٢٢.
[ ٢ / ١٣١ ]
فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُتَوَاتِرًا لَمَا كَرِهَهُ١ أَحَدٌ مِنْ الأَئِمَّةِ. وَزَادَ أَبُوْ شَامَةَ٢ الأَلْفَاظَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ أَيْ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ تَأْدِيَتِهَا. كَالْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ، يُبَالِغُ بَعْضُهُمْ فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَزِيدُ حَرْفًا، وَبَعْضُهُمْ لا يَرَى ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَرَى التَّوَسُّطَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الاحْتِرَازِ عَنْهُ فِي اسْتِثْنَائِهِ مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الأَدَاءِ٣.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ٤: لا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَ ابْنَ الْحَاجِبِ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ
_________________
(١) ١ في ش: كرههه. ٢ هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو شامة المقدسي، ثم الدمشقي، شهاب الدين، أبو القاسم، الإمام الحافظ المحدث العلامة المجتهد، الشافعي المقرئ، النحوي. برع في علم العربية والقراءات. درس الحديث، وأتقن الفقه، ودرس وأفتى، وكان متواضعًا، ولي مشيخة الإقراء، ومشيخة الحديث بدمشق. وله مصنفات كثيرة، منها: "شرح الشاطبية"، و"مختصر تاريخ دمشق"، و"شرح المفصل للزمخشري"، و"كتاب الروضتين"، و"البيهقي"، و"مقدمة في النحو" وغيرها. توفي سنة ٦٦٥هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٣٦٥، طبقات المفسرين ١/ ٢٦٣، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ١٦٥، طبقات الحفاظ ص ٥٠٧، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٦٠، البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٠، بغية الوعاة ٢/ ٧٧، شذرات الذهب ٥/ ٣١٨، فوات الوفيات ١/ ٥٢٧، معرفة القراء الكبار ٢/ ٥٣٧". ٣ انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٢. ٤ هو محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، العمري الدمشقي، ثم الشيرازي، الشافعي، المقرئ، ويعرف بابن الجزري، الحافظ، شيخ القراء في زمانه. وصار قاضيًا بشيراز، وفتح مدرسة القرآن بالشام وشيراز. حفظ القرآن، وصلى به، وجمع القراءات، وجلس للإقراء في المسجد الأموي، وولي مشيخة الإقراء الكبرى، له تصانيف كثيرة، منها: "النشر في القراءات العشر"، و"التقريب"، و"التمهيد في التجويد"، و"منجد المقرئين"، و"طبقات القراء". توفي سنة ٨٣٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ٢/ ٢٤٧، الضوء اللامع ٩/ ٢٥٥، طبقات المفسرين ٢/ ٥٩، البدر الطالع ٢/ ٢٥٧، ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٧٦، طبقات الحفاظ ص ٥٤٣، شذرات الذهب ٧/ ٢٠٤". وفي ز ش ب ض: ابن الجوزي. وهو تصحيف، لأن ابن الجوزي متقدم، وقد توفي سنة ٥٩٧هـ، بينما وفاة ابن الحاجب سنة ٦٤٦هـ، فكيف ينقل عنه؟!
[ ٢ / ١٣٢ ]
إذَا ثَبَتَ تَوَاتُرُ اللَّفْظِ "١ثَبَتَ تَوَاتُرُ١" هَيْئَتِهِ؛ إذْ اللَّفْظُ لا يَقُومُ إلاَّ بِهِ، وَلا يَصِحُّ إلاَّ بِوُجُودِهِ٢.
"وَمُصْحَفُ عُثْمَانَ" ٣بْنِ عَفَّانَ "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٤" الَّذِي كَتَبَهُ وَأَرْسَلَ ٤مِنْهُ إلَى الآفَاقِ٥ مَصَاحِفَ عَدِيدَةً "أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ٥".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ: مُصْحَفُ عُثْمَانَ ﵁ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ٦.
وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ أَبُو شَامَةَ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ الإِمَامُ فِي الْقِرَاءاتِ فِي كِتَابِهِ "الْمُرْشِدِ": إنَّ الْقِرَاءاتِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ مِنْ السَّبْعَةِ وَالْعَشَرَةِ٧ وَغَيْرِهَا٨ هِيَ
_________________
(١) ١ في ش: ثبتت. ٢ قال ابن الجزري في ترجمة ابن الحاجب –بعد أن ذكر فضله وعلمه ومصنفاته وأخلاقه-: قلت: إلا أنه أعضل فيما ذكره في مختصر الأصول حين تعرض للقراءات، وأتى بما لم يتقدم فيه غيره، كما أوضحت ذلك في كتابي المنجد وغير ذلك. "طبقات القراء ١/ ٥٠٩". ٣ ساقطة من ب ض. وفي ع: بن عفان. ٤ في ب ز ض: إلى الآفاق منه. وفي ع: منه إلى الآفاق من. ٥ وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن المصحف العثماني مشتمل على ما يحتمله رسمه من الأحرف السبعة. وذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصحف العثماني مشتمل على جميع الأحرف السبعة، ولكل فريق أدلته. "انظر: النشر في القراءات العشر ١/ ٣١، تفسير الطبري ١/ ٢٥، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٥ وما بعدها، البرهان في علوم القرآن ١/ ٢١٣، مناهل العرفان ١/ ٣٩٢، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ٨٧، ٥٢٣". ٦ انظر: فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٥، الفروع ١/ ٤٢٣. ٧ القراءات السبعة هي: قراءة أبي عمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وابن عامر. والعشرة: هي قراءة السبعة مع قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي أبي محمد "٢٠٥هـ"، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع "١٣٠هـ"، وخلف بن هشام "٢٢٩هـ". ٨ في ش ض: وغيرهما.
[ ٢ / ١٣٣ ]
حَرْفٌ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" ١. اهـ.
"فَتَصِحُّ الصَّلاةُ" بِقِرَاءَةِ "مَا وَافَقَهُ وَصَحَّ" سَنَدُهُ "وَإِنْ لَمْ يَكُنْ" مَا قَرَأَ بِهِ الْمُصَلِّي "مِنْ" الْقِرَاآتِ "الْعَشَرَةِ" نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ٢. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ": "وَتَصِحُّ بِمَا وَافَقَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ وِفَاقًا لِلأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٣".وَقَالَ ٤ابْنُ الْجَزَرِيِّ٦ فِي كِتَابِ "النَّشْرِ فِي الْقِرَاءاتِ الْعَشْرِ": كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتْ إحْدَى٥ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَلَوْ احْتِمَالًا. وَوَافَقَتْ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ٦ - وَصَحَّ سَنَدُهَا - فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد. انظر: صحيح البخاري ٣/ ٢٢٧، صحيح مسلم ١/ ٥٦٠، تحفة الأحوذي ٨/ ٢٦٤، مسند أحمد ٥/ ٣٨٥، تخريج أحاديث البزدوي ص ١٩٠. قال ابن الجزري: وقد نص الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ على أن هذا الحديث تواتر عن النبي ﷺ. "النشر في القراءات العشر ١/ ٢١". وانظر آراء العلماء في المقصود من الأحرف السبعة في "النشر في القراءات العشر ١/ ٢٣، الرسالة للشافعي ص ٢٧٣، إرشاد الفحول ص ٣١، البرهان في علوم القرآن ١/ ٢١٣، مناهل العرفان ١/ ١٤٨، تفسير الطبري ١/ ١١ وما بعدها، الإشارة إلى الإيجاز للعز بن عبد السلام ص ٢٧٠، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٢٩٠، تفسير القرطبي ١/ ٤١". ٢ انظر وجوه الاختلاف في القراءات في كتاب "تأويل مشكل القرآن لابن تيمية ص ٣٦، النشر في القراءات العشر ١/ ٥٤، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣١". ٣ الفروع ١/ ٤٢٢. ٤ ساقطة من ب ز ع ض. ٥ في ش ع: أحد. ٦ العبارة في كتاب النشر: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف ولو احتمالًا. النشر في القراءات العشر ١/ ٩".
[ ٢ / ١٣٤ ]
يُنْكِرَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ السَّبْعَةِ، أَوْ عَنْ الْعَشَرَةِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ١ مِنْ الأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ٢. وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الأَرْكَانِ الثَّلاثَةِ: أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ٣ كَانَتْ عَنْ السَّبْعَةِ، أَوْ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. صَرَّحَ بِهِ الدَّانِيُّ٤، وَمَكِّيٌّ٥،
_________________
(١) ١ العبارة في الأصل: "القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم. "النشر في القراءات العشر ١/ ٩". ٢ انظر: إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص ٦. ٣ ساقطة من ش. ٤ هو عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، الأموي مولاهم، القرطبي، الإمام العلامة الحافظ، شيخ مشايخ المقرئين، رحل إلى المشرق، ثم رجع إلى قرطبة، وسمع الحديث، وبرَّز فيه، وفي أسماء رجاله، وفي القراءات علمًا وعملًا، وفي الفقه والتفسير. وكان حسن الخط، جيد الضبط، من أهل الحفظ والذكاء، وكان دينًا فاضلًا ورعًا، مالكي المذهب. وله مصنفات كثيرة، منها: "جامع البيان" في القراءات السبع، و"التيسير" و"المقنع"، و"طبقات القراء"، و"التمهيد"، و"الفتن والملاحم". توفي بدانية سنة ٤٤٤هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٥٠٣، طبقات الحفاظ ص ٤٢٩، تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٠، طبقات المفسرين ١/ ٣٧٣، الديباج المذهب ٢/ ٨٤، إنباه الرواة ٢/ ٣٤١، معرفة القراء الكبار ١/ ٣٢٥، شجرة النور الزكية ص ١١٥، الصلة ٢/ ٣٨٥، شذرات الذهب ٣/ ٢٧٢". ٥ هو مكي بن أبي طالب بن حَمُّوش، أبو محمد القيسي، ثم الأندلسي القرطبي. قال ابن الجزري: إمام علامة، محقق عارف، أستاذ القراء المجودين، قال صاحبه المقري: كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية، حسن الفهم والخلق، جيد الدين والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن، محسنًا مجودًا عالمًا بمعاني القراءات. له مصنفات كثيرة، منها: "التبصرة في القراءات"، و"التفسير"، و"مشكل إعراب القرآن"، و"الرعاية" في التجويد، و"الموجز في القراءات". توفي سنة ٤٣٧هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ٢/ ٣٠٩، طبقات المفسرين ٢/ ٣٣١، ٣٣٧، وفيان الأعيان ٤/ ٣٦١، إنباه الرواة ٣/ ٣١٣، الديباج المذهب ٢/ ٣٤٢، بغية الوعاة ٢/ ٢٩٨، شذرات الذهب ٣/ ٢٦٠، معرفة القراء الكبار ١/ ٣١٦".
[ ٢ / ١٣٥ ]
وَالْمَهْدَوِيُّ١، وَأَبُو شَامَةَ. وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلافُهُ٢. اهـ.
"وَ" مَا كَانَ مِمَّا وَرَدَ "غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ، وَهُوَ مَا خَالَفَهُ" أَيْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ "لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَلا تَصِحُّ" الصَّلاةُ "بِهِ" لأَنَّ الْقُرْآنَ لا يَكُونُ إلاَّ مُتَوَاتِرًا، وَهَذَا غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ. فَلا يَكُونُ قُرْآنًا فَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ٣.
وَعَنْهُ تَصِحُّ. رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ٤ عَنْ مَالِكٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَالشَّيْخُ
_________________
(١) ١ هو أحمد بن عمار بن أبي العباس، الإمام أبو العباس المهدوي، نسبة إلى المهدية بالمغرب، أستاذ مشهور، وهو نحوي ولغوي مفسر، وكان مقدمًا في القراءات والعربية. وألف كتبًا كثيرة النفع، منها: "التفصيل" وهو كتاب كبير في التفسير، "والتحصيل" مختصر للأول. قال القفطي: "والكتابان مشهوران في الآفاق"، وله "تعليل القراءات السبع"، و"الهداية" في القراءات السبع. قال الذهبي: توفي بعد ٤٣٠هـ. وقال السيوطي: مات في الأربعين وأربعمائة. "انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٩٢، طبقات المفسرين ١/ ٥٦، إنباه الرواة ١/ ٩١، بغية الوعاة ١/ ٣٥١، شجرة النور الزكية ص ١٠٨، معرفة القراء الكبار ١/ ٣٢٠". ٢ النشر في القراءات العشر ١/ ٩. ٣ وهو رأي الحنفية والمالكية والشافعية. انظر: أصول السرخسي ١/ ٢٧٩ وما بعدها، المستصفى ١/ ١٠٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩، جمع الجوامع ١/ ٢٢٨، أصول مذهب أحمد ص ١٨٦، ١٩١، الفروع ١/ ٤٢٣، المجموع للنووي ٣/ ٣٩٢، فواتح الرحموت ١/ ٩، البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣٢، ٤٦٧، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٤". ٤ هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري، الفهري مولاهم، أبو محمد، أحد الأعلام، تفقه بمالك والليث. حدث عن السفيانين وابن جريج. قال ابن عدي: من جُلّة الناس وثقاتهم. وقال ابن يونس: جمع ابن وهب وبين الفقه والرواية والعبادة. وكان مالك يكتب إليه في المسائل ويقول: ابن وهب عالم، وابن القاسم فقيه. له مصنفات، منها: "أهوال القيامة"، "والموطأ الكبير والصغير"، وطلب للقضاء فتغيب. توفي سنة ١٩٧هـ. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص ١٥٠، طبقات القراء ١/ ٤٦٣، طبقات الحفاظ ص ١٢٦، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٤، الديباج المذهب ١/ ٤١٣، شجرة النور الزكية ص ٥٨، مرآة الجنان ١/ ٤٥٨، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٢٢، وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٠، الخلاصة ص ٢١٨، شذرات الذهب ١/ ٣٤٧".
[ ٢ / ١٣٦ ]
تَقِيُّ الدِّينِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، لِصَلاةِ الصَّحَابَةِ بِهِ١ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ٢. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَصْحَابِ هَذِهِ الْقِرَاآتِ، كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ٣، وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ٤ وَالأَعْمَشِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَضْرَابِهِمْ. وَلَمْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ع ض. ٢ قال ابن الجزري: "واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة فأجازها بعضُهم، لأن الصحابة التابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء على عدم الجواز، لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ، وإن ثبتت بالنقل، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني". "النشر في القراءات العشر ١/ ١٤". وانظر: الفروع ١/ ١٠٧، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٤، ٣٩٧، فواتح الرحموت ٢/ ٩، جمع الجوامع ١/ ٢٢٨. ٣ هو الحسن بن يسار، أبو سعيد البصري. كان من سادات التابعين وكبرائهم وكبرائهم وجمع من كل فن من علم وزهد، وورع وعبادة، وكان فصيحًا أريبًا، وكان عالمًا فقيهًا، ثقة مأمونًا ناسكًا، رأسًا في العلم والعمل، لقي عائشة وعليًا ﵄، ولم يسمع منهما. وسمع ابن عمر وأنسًا وسمرة وأبا بكرة وعددًا كبيرًا من الصحابة، ومن كبار التابعين، وروى عنه خلائق من التابعين وغيرهم، مناقبه كثيرة. وحيث أطلق الحسن في كتب الفقه والحديث والرجال والورع فهو المقصود. مات سنة ١١٠هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ٧١، حلية الأولياء ٢/ ١٣١، طبقات الحفاظ ص ٢٨، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٧، طبقات القراء ١/ ٢٣٥، طبقات المفسرين ١/ ١٤٧، ميزان الاعتدال ١/ ٥٢٧، تهذيب الأسماء ١/ ١٦١، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٤، مشاهير علماء الأمصار ص ٨٨، المعارف ص ٤٤، الخلاصة ص ٧٧، شذرات الذهب ١/ ١٣٦". ٤ هو طلحة بن مُصرف بن عمرو، أبو محمد الهَمْداني، الكوفي التابعي، الإمام، سمع أنسًا وابن أبي أوفى. واتفقوا على جلالته وإمامته ووفور علمه بالقرآن وغيره، مع الورع، وكان من أقرأ أهل الكوفة وخيارهم، وكانوا يسمونه سيد القراء. توفي سنة ١١٢هـ. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٣٤٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٥٣، الخصلاصة ص ١٨٠، المعارف ص ٥٢٩، صفة الصفوة ٣/ ٩٦، شذرات الذهب ١/ ١٤٥، الفهرست ص ١٠٧".
[ ٢ / ١٣٧ ]
يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ.
وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهَا لا تُجْزِئُ عَنْ١ رُكْنِ الْقِرَاءَةِ٢.
"وَمَا صَحَّ مِنْهُ" أَيْ مِمَّا لَمْ يَتَوَاتَرْ "حُجَّةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ٣ فِي بَابِ الرَّضَاعِ، وَفِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ٤.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ انظر: الفروع ١/ ٤٢٤، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٨. ٣ هو يوسف بن يحيى، أبو يعقوب البويطي المصري الفقيه، أكبر أصحاب الشافعي المصريين، وخليفته في حلقته. وكان قوي الحجة من كتاب الله. روى له الترمذي. قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، أبو يعقوب لساني. له "المختصر" المشهور، وهو أقل الكتب خطأ، وله "كتاب الفرائض". وكانت الفتاوى ترد إليه من السلطان فمن دونه. وحمل إلى بغداد فامتنع من القول بخلق القرآن، فحبس حتى مات سنة ٢٣١هـ. وكان عابدًا، دائم الذكر، كبير القدر مجتهدًا. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ١٦٢، طبقات الفقهاء ص ٩٨، الخلاصة ص ٤٤٠، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٧٥، وفيات الأعيان ٦/ ٦٠، شذرات الذهب ٢/ ٧١، الفهرست ص ٢٩٨، حسن المحاضرة ١/ ٣٠٦، تاريخ بغداد ١٤/ ٢٩٩". ٤ قال الأسنوي: "والصحيح عند الآمدي وابن الحاجب أنه لا يحتج به، ونقله الآمدي عن الشافعي ﵁. وقال إمام الحرمين في "البرهان": إنه ظاهر مذهب الشافعي، لأن الراوي لم ينقلها خبرًا، والقرآن ثبت بالتواتر، لا بالآحاد". "التمهيد ص ٣٢". ثم قال: "وجزم النووي في "شرح مسلم" بما قاله الإمام ثم قال: وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي وخلاف قول جمهور أصحابه "التمهيد ص ٣٣". وقال السبكي: وأما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح. "جمع الجوامع ١/ ٢٣١". وانظر أقوال العلماء في حجية غير المتواتر وعدم حجيته في "نهاية السول ٢/ ٣٣٣، أصول السرخسي ١/ ٢٨١، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٠، إرشاد الفحول ص ٣١، فواتح الرحموت ٢/ ١٦، مختصر الطوفي ص ٤٦، الروضة ص ٣٤، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٥، الإتقان في علوم القرآن ١/ ٨٢، شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ١٣٠، أصول مذهب أحمد ص ١٨٦".
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَاحْتَجَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يُمْنَى١ السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ٢.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا نُقِلَ عَنْ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ٣.
وَقَالُوا: لأَنَّهُ٤ إمَّا قُرْآنٌ أَوْ خَبَرٌ، وَكِلاهُمَا مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ٥.
وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ "يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ، ثُمَّ نَقَلَهُ قُرْآنًا خَطَأٌ لِوُجُوبِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ عَلَى٦ الرَّسُولِ ﷺ إلَى مَنْ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِ الْعِلْمُ٧ مَرْدُودٌ، إذْ نِسْبَةُ الصَّحَابِيِّ رَأْيَهُ إلَى الرَّسُولِ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ لا يَلِيقُ بِهِ. فَالظَّاهِرُ صِدْقُ النِّسْبَةِ٨، وَالْخَطَأُ الْمَذْكُورُ إنْ سُلِّمَ لا يَضُرُّ؛ إذْ الْمُضِرُّ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ قُرْآنًا لا خَبَرًا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ٩، وَهُوَ كَافٍ١٠. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ: الْخَصْمُ: لَمْ يُصَرَّحْ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، ثُمَّ لَوْ صُرِّحَ فَعَدَمُ
_________________
(١) ١ في ع: يمين. ٢ في ش: أيمانهما. ٣ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ١٥٦، أصول مذهب أحمد ص ١٩١. ٤ في ض: إنه. ٥ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٦، جمع الجوامع ١/ ٢٣٢، مختصر الطوفي ص ٤٦. ٦ في ش ز: عن. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٠، مختصر ابن الحاجب ٢/٢١. ٨ أي نسبة الخبر إلى رسول الله ﷺ. ويحتمل أنه سمعه تفسيرًا، فظنّه قرآنًا. "انظر: الروضة ص ٣٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٧". ٩ في ش ز: ذكرنا. ١٠ انظر: مختصر الطوفي ص ٤٦، الروضة ص ٣٤.
[ ٢ / ١٣٩ ]
شَرْطِ الْقِرَاءَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ سَمَاعِهِ. فَيَقُولُ: هُوَ مَسْمُوعٌ مِنْ الشَّارِعِ. وَكُلُّ قَوْلِهِ١ حُجَّةٌ. وَهَذَا وَاضِحٌ. اهـ. وَعَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ رِوَايَةٌ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ٢. "وَتُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ" أَيْ قِرَاءَةُ مَا صَحَّ مِنْ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ٣. نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ" وَغَيْرُهُ٤ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى. وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ٥.
"وَمَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ" مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ "مُحْكَمٌ" مُفْعَلٌ٦ مِنْ أَحْكَمْت الشَّيْءَ أُحْكِمُهُ إحْكَامًا. فَهُوَ مُحْكَمٌ إذَا أَتْقَنْته. فَكَانَ فِي غَايَةِ مَا يَنْبَغِي مِنْ
_________________
(١) ١ في ش ب ز: قول. ٢ وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب، ونقله الآمدي عن الشافعي. وقال الجويني في البرهان: إنه ظاهر المذهب. "انظر: نهاية السول ٢/ ٣٣٣، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٠، المستصفى ١/ ١٠٢، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٢، أصول مذهب أحمد ص ١٨٦". ٣ لقد أفتى ابن الصلاح الشافعي بذلك وقال: يجب منع القارئ بالشواذ، وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه. وأفتى ابن الحاجب المالكي بذلك وقال: لا يجوز أن يُقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا في غيرها فإن كان جاهلًا بالتحريم عُرِّف به، وأمر بتركها، وإن كان عالمًا أدب بشرطه، وإن أصرّ على ذلك أدب على إصراره، حبس إلى أن يرتدع عن ذلك. وأيد ذلك النووي فقال: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست متواترة، ونقل عن ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها. "انظر: البرهان في علوم القرآن ١/ ٣٣٢-٣٣٣، ٤٦٧، المجموع شرح المهذب ٣/ ٣٩٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢١، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣١". ٤ الفروع ١/ ٤٢٢، ٤٢٣، ٤٢٤. وانظر: فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٧. ٥ قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ . الآيات ١-٣ من الليل. وانظر: فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٩٤. ٦ ساقطة من ض.
[ ٢ / ١٤٠ ]
الْحِكْمَةِ. وَمِنْهُ: بِنَاءٌ مُحْكَمٌ، أَيْ ثَابِتٌ يَبْعُدُ انْهِدَامُهُ١. وَذَلِكَ كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ٢؛ لأَنَّهُ مِنْ الْبَيَانِ فِي غَايَةِ الإِحْكَامِ وَالإِتْقَانِ٣.
"وَعَكْسُهُ" أَيْ عَكْسُ الْمُحْكَمِ "مُتَشَابِهٌ٤" وَهُوَ مَا لَمْ يَتَّضِحْ مَعْنَاهُ.
إمَّا "لاشْتِرَاكٍ" كَالْعَيْنِ وَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُشْتَرَكَاتِ.
أَوْ "إجْمَالٍ" وَهُوَ إطْلاقُ اللَّفْظِ بِدُونِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ. كَالْمُتَوَاطِئِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٥ وَعَدَمُ تَقْدِيرِ الْحَقِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٦.
أَوْ "ظُهُورِ تَشْبِيهٍ. كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى" أَيْ كَآيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارِهَا. فَاشْتَبَهَ الْمُرَادُ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ. فَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: بِظَاهِرِهِ فَشَبَّهُوا وَجَسَّمُوا، وَتَأَوَّلَ قَوْمٌ: فَحَرَّفُوا وَعَطَّلُوا. وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ: فَسَلَّمُوا، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ٧.
_________________
(١) ١ انظر: المصباح المنير ١/ ٢٢٦، القاموس المحيط ٤/ ١٠٠. ٢ في ض: والظاهر. ٣ عرف الآمدي "المحكم" هو ما ظهر معناه، وانكشف كشفًا يزيل الإشكال، ويرفع الاحتمال. "الإحكام ١/ ١٦٥". وانظر: المستصفى ١/ ١٠٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢١، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٨، إرشاد الفحول ص ٣١، مناهل العرفان ٢/ ١٦٨، الروضة ص ٣٥، مختصر الطوفي ص ٤٨، تفسير القاسمي ٤/ ٧٨٧. ٤ في ب: المتشابه. ٥ الآية ٦٧ من البقرة. ٦ الآية ١٤١ من الأنعام. ٧ انظر أقوال العلماء في الصفات في "الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٦، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٧٨، الإحكام للآمدي ١/ ١٦٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٨٩، المسودة ص ١٦٣، المستصفى ١/ ١٠٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٨، الروضة ص ٣٥، مختصر الطوفي ص ٤٨، الشامل في أصول الدين ص ٥١٠، ٦٠٩".
[ ٢ / ١٤١ ]
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ بِهِ، إمَّا بِالظُّهُورِ، وَإِمَّا بِالتَّأْوِيلِ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ ﷾ بِعِلْمِهِ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَالدَّابَّةِ، وَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ١ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ٢.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا لا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ إلاَّ وَجْهًا وَاحِدًا. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا٣.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ بِخِلافِهِ، كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ٤ وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِرَمَضَانَ دُونَ شَعْبَانَ. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ٥.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إلاَّ بِرَدِّهِ إلَى غَيْرِهِ٦.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا تَأْوِيلُهُ تَنْزِيلُهُ٧. وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لا يُدْرَى٨ إلاَّ بِالتَّأْوِيلِ٩.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا لا تَتَكَرَّرُ١٠ أَلْفَاظُهُ، وَمُقَابِلُهُ الْمُتَشَابِهُ١١.
_________________
(١) ١ في ش ز: المتقطعة. ٢ انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢، المدخل إلى مذهب أحمد ٨٩، مناهل العرفان ٢/ ١٦٨، الروضة ٣٥. ٣ انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢، إرشاد الفحول ص ٣٢. ٤ في ع: الصلاة. ٥ انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢، المسودة ص ١٦٢. ٦ وهو ظاهر كلام أحمد. "انظر: المسودة ص ١٦١، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢". ٧ في ش: تنزيه. ٨ كذا في جميع النسخ. ولعلها يدرك. ٩ انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢، المسودة ص ١٦٢. ١٠ في ب ع: يتكرر. ١١ انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ الْفَرَائِضُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَالْمُتَشَابِهُ الْقَصَصُ وَالأَمْثَالُ١.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ٢ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْمُحْكَمَ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَالْمُتَشَابِهُ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلا يُعْمَلُ بِهِ٣.
"وَلَيْسَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ "مَا لا مَعْنَى لَهُ" فِي الصَّحِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلافٍ٤.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي "شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ": وَالظَّاهِرُ أَنَّ خِلافَهُمْ فِيمَا ٥لَهُ مَعْنًى٣ وَلا نَفْهَمُهُ، أَمَّا مَا لا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا فَمَنْعُهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ. اهـ.
_________________
(١) ١ وقد استبعد الآمدي هذا القول. "انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٦، المسودة ص ١٦٢، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢، إرشاد الفحول ص ٣٢، الروضة ص ٣٥". ٢ هو قتادة بن دِعَامة بن قتادة، أبو الخطاب السَّدُوسي البصري، الأكمه، التابعي. أجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه وإتقانه وفضله. قال سعيد بن المسيب: "ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة". وقال أحمد: "كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئًا إلا حفظه". وكان عالمًا بالتفسير واختلاف العلماء، وإمامًا في النسب، ورأسًا في العربية وأيام العرب. توفي بواسط في الطاعون سنة ١١٧هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٢، تهذيب الأسماء ٢/ ٥٧، طبقات الفقهاء ص ٨٩، طبقات المفسرين ٢/ ٤٣، طبقات الحفاظ ص ٤٧، طبقات القراء ٢/ ٢٥، ميزان الاعتدال ٣/ ٣٨٥، وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨، نكت الهميان ص ٢٣٠، الخلاصة ص ٣١٥، شذرات الذهب ١/ ١٥٣، حلية الأولياء ٢/ ٣٣٣". ٣ وهناك تعريفات أخرى للمحكم والمتشابه، وقد ردّ الغزالي أكثرها. "انظر: المستصفى ١/ ١٠٦، الإتقان في علوم القرآن ٢/٢، شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٢١٧، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٦٨، مناهل العرفان ١/ ١٦٧، ١٧٢، زاد المسير ١/ ٣٥٠، الروضة ص ٣٥، تفسير القاسمي ٤/ ٧٨٧". ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٢. ٥ في ب: معنى له.
[ ٢ / ١٤٣ ]
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ١؛٢لأَنَّهُ لا يُخَالِفُ فِيهِ٣ إلاَّ جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ٥ لأَنَّ مَا لا مَعْنَى لَهُ هَذَيَانٌ لا يَلِيقُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ عَاقِلٌ. فَكَيْفَ بِالْبَارِي ﷾؟
لَكِنْ حُكِيَ٤ عَنْ الْحَشْوِيَّةِ وُقُوعُهُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٥ وقَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٦ وقَوْله تَعَالَى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٧ وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ٨ وَنَحْوِهِ٩.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ: بِأَنَّ الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ: إمَّا أَسْمَاءُ السُّوَرِ، أَوْ أَسْمَاءُ اللَّهِ ﵎، أَوْ سِرُّ١٠ اللَّهِ١١ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي التَّفَاسِيرِ١٢، وَبِأَنَّ رُءُوسَ الشَّيَاطِينِ مَثَلٌ١٣ فِي الاسْتِقْبَاحِ،
_________________
(١) ١ في ب ض: الظاهر. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ز ع ب: في ذلك. ٤ في ض: قد حكي. ٥ الآية ٦٥ من الصافات. ٦ الآية ١٩٦ من البقرة. ٧ الآية ١٣ من الحاقة. ٨الآية ٥١ من النحل. ٩ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٢. ١٠ في ش: سوى. ١١ في ع: لله. ١٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٧، تفسير الطبري ١/ ٨٦، تفسير القرطبي ١/ ١٥٤، زاد المسير ١/ ٢٠، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٢. ١٣ في ض: مثل ما.
[ ٢ / ١٤٤ ]
عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ضَرْبِ الأَمْثَالِ بِمَا١ يَتَخَيَّلُونَهُ٢ قَبِيحًا.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَرُءُوسُ الشَّيَاطِينِ: اسْتَقَرَّ قُبْحُهَا فِي الأَنْفُسِ فَشُبِّهَ بِهَا. كَقَوْلِ امْرِئِ الْقِيسِ:
أَيَقْتُلُنِي٣ وَالْمَشْرَفِيُّ٤ مُضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
فَشَبَّهَهَا٥ بِأَنْيَابِ الأَغْوَالِ لِقُبْحِهَا الْمُسْتَقِرِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقِيقَةٌ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ٦.
_________________
(١) ١ في ش ب ز: مما. ٢ في ض: يتخذونه. ٣ في ع: أتقتلني. ٤ المَشْرَفي: سيف منسوب إلى قرى الشام يقال لها المشارف. والمسنونة: هي السهام المحددة الأزجة الصافية. وقد شبهها بأنياب الأغوال تشنيعًا لها، ومبالغة في وصفها. والأغوال: الشياطين. وإنما خص الشياطين لما شاع من عظيم أمرهم وكثرة نكرهم. وثبت في النفوس من شناعة خلقهم. ولذلك قال الله ﷿: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوْسُ الشَّيَاطِيْنِ﴾ . الآية ٦٥ من الصافات. والبيت من الطويل، ذكره الجرجاني في "دلائل الإعجاز" ص ٨٠، والعباسي في "معاهد التنصيص" ١/ ١٣٤. "انظر: معجم شواهد العربية ١/ ٣١٠، ديوان امرئ القيس ص ٣٣". ٥ في ض: فشبه. ٦ هو محمد بن علي بن عمر، أبو عبد الله التميمي المازري، الفقيه المالكي، المحدث، يعرف بالإمام. وكان واسع الباع في العلم والاطلاع، مع حدة الذهن، حتى بلغ درجة الاجتهاد. وكان إمام المالكية في عصره، وكان أديبًا حافظًا، طبيبًا أصوليًا، رياضيًّا متكلمًا. وله مؤلفات مفيدة، منها: "المعلم بفوائد كتاب مسلم"، وهو شرح جيد لصحيح مسلم، أكمله القاضي عياض في "الإكمال"، وشرح البرهان لإمام الحرمين في أصول الفقه، وسماه "إيضاح المحصول في برهان الأصول"، "والتعليقة على المدونة"، "والكشف والإنباء على المترجم بالإحياء"، وهو رد على الغزالي، وله مؤلف في الطب، و"نظم الفرائد في علم العقائد"، و"شرح التلقين". توفي سنة ٥٣٦هـ. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ٢/ ٢٥٠، شجرة النور الزكية ص ١٢٧، وفيات الأعيان ٢/ ٢٦، مرآة الجنان ٣/ ٢٦٧، شذرات الذهب ٤/ ١١٤، الفتح المبين ٢/ ٢٦".
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَقَوْلُهُ: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فِيهِ شَيْئَانِ: الْجَمْعُ وَالتَّأْكِيدُ بِالْكَمَالِ. وَجَوَابُ الْجَمْعِ: رَفْعُ الْمَجَازِ الْمُتَوَهَّمِ فِي الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ؛ إذْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنًى "أَوْ" مَجَازًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولِيْ أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ١، وَالتَّأْكِيدُ أَفَادَ عَدَمَ النَّقْصِ فِي الذَّاتِ، كَمَا٢ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ٣، أَوْ عَدَمَ النَّقْصِ فِي الأَجْرِ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ النَّقْصِ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ.
وَوَصْفُ النَّفْخَةِ بِالْوَاحِدَةِ إبْعَادٌ لِلْمَجَازِ وَتَقْرِيرٌ لِوَحْدَتِهَا بِسَبَبِ الْمُفْرَدِ؛ لأَنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ بِالْجِنْسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قَالَ صَاحِبُ "الْمَثَلِ السَّائِرِ٤": التَّكْرِيرُ فِي الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. كَدَلالَتِهِ عَلَى الْجِنْسِ وَالْعَدَدِ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ "التَّكْرِيرِ مُشْكِلٌ؛ لأَنَّهُ يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ تَكْرِيرٌ مَحْضٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ٥. وَلَيْسَ كَذَلِكَ٦".
فَالْفَائِدَةُ إذًا فِي قَوْلِه: ِ ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ و"َإِلَهٌ وَاحِدٌ": هِيَ أَنَّ الاسْمَ الْحَامِلَ لِمَعْنَى الإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ دَالٌّ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ وَالْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ. فَإِذَا أُرِيدَتْ الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَانَ الَّذِي يُسَاقُ إلَيْهِ هُوَ الْعَدَدُ شُفِعَ بِمَا يُؤَكِّدُهُ. وَهَذَا دَقِيقُ الْمَسْلَكِ.
_________________
(١) ١ الآية الأولى من فاطر. ٢ ساقطة من ش. ٣ الآية ٢٣٣ من البقرة. ٤ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد، ابن الأثير الجزري، أبو الفتح، المتوفى سنة ٦٣٧هـ، جمع فيه ما يتعلق بفن الكتابة. انظر: كشف الظنون ٢/ ١٥٨٦. ٥ المثل السائر ٣/ ٢٥. ٦ انظر بحث التكرار لبيان فائدة تكرير المعاني والألفاظ في كتاب "المثل السائر ٣/ ٣ وما بعدها. البرهان في علوم القرآن ٣/ ١١ وما بعدها".
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَأَلْحَقَ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ كَلامَ الرَّسُولِ ﷺ بِكَلامِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: لا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ وَلا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا، خِلافًا لِلْحَشْوِيَّةِ. وَسُمُّوا حَشْوِيَّةً؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلْقَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَمَامَهُ. فَلَمَّا أَنْكَرَ كَلامَهُمْ قَالَ: رُدُّوهُمْ إلَى حَشْوِ الْحَلْقَةِ، أَيْ جَانِبِهَا١.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: بِفَتْحِ الشِّينِ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالإِسْكَانِ. وَكَذَا قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: بِالسُّكُونِ. لأَنَّهُ إمَّا مِنْ الْحَشْوِ، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُودِ الْحَشْوِ الَّذِي لا مَعْنَى لَهُ فِي كَلامِ الْمَعْصُومِ، أَوْ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّجْسِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ٢.
"وَ" لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا "لا" أَيْ شَيْءٌ "مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ" وَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ وَأَتْبَاعِهِمْ٣؛ لأَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى٤ مَدْلُولِ اللُّغَةِ ٥فِيمَا اقْتَضَاهُ٥ نِظَامُ الْكَلامِ، وَلأَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ كَالْمُهْمَلِ "إلاَّ بِدَلِيلٍ" لِلاحْتِرَازِ مِنْ وُرُودِ الْعَامِّ وَتَأَخُّرِ الْمُخَصِّصِ لَهُ وَنَحْوِهِ. وَقَالَتْ الْمُرْجِئَةُ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَنَفَوْا ضَرَرَ الْعِصْيَانِ مَعَ مُجَامَعَةِ الإِيمَانِ. فَقَالُوا: لا تَضُرُّ٦ مَعَ الإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ، زَاعِمِينَ أَنَّ آيَاتِ الْوَعِيدِ لِتَخْوِيفِ الْفُسَّاقِ، وَلَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، بَلْ الْمُرَادُ بِهَا خِلافُ
_________________
(١) ١ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٣. ٢ انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٢٣٣، فتاوى ابن تيمية ١٢/ ١٧٦. ٣ انظر: جمع الجوامع ١/ ٢٣٣. ٤ في ض: بلا. ٥ في ع: في مقتضاه. ٦ في ب ع ض: يضرّ.
[ ٢ / ١٤٧ ]
الظَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الشَّرْعُ ذَلِكَ١. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا﴾ ٢.
وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لِنُزُولِ الْعَذَابِ وَوُقُوعِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ بَاطِلٌ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ الْقِصَاصِ وَقَطْعِ يَدِ٣ السَّارِقِ وَنَحْوِهَا٤.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا فُهِمَ أَنَّهُ لِلتَّخْوِيفِ، لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْوِيفِ فَائِدَةٌ٥. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: مَحَلُّ الْخِلافِ فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ وَأَحَادِيثِهِ. لا فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي."وَفِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ "مَا لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ٦ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى" عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ٧. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْوَاضِحِ": لَيْسَ بِبِدْعٍ٨ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَتَشَابَهُ لِنُؤْمِنَ بِمُتَشَابِهِهِ وَنَقِفَ عِنْدَهُ. فَيَكُونَ التَّكْلِيفُ بِهِ هُوَ الإِيمَانُ بِهِ جُمْلَةً،
_________________
(١) ١ انظر: جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ١/ ٢٣٣. ٢ الآية ٥٩ من الإسراء. ٣ ساقطة من ز ع ب ض. ٤ في ع ض: ونحوهما. ٥ ساقطة من ز ع ض. ٦ في ب ع ض: معناه. ٧ وهو رأي كثير من المسلمين. "انظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ٧٤، تفسير الطبري ١/ ٣٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٧". ٨ في ش ز: يندفع.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَتَرْكُ الْبَحْثِ عَنْ تَفْصِيلِهِ. كَمَا كَتَمَ الرُّوحَ وَالسَّاعَةَ وَالآجَالَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْغُيُوبِ، وَكَلَّفَنَا التَّصْدِيقَ بِهَا١ دُونَ أَنْ يُطْلِعَنَا عَلَى عِلْمِهِ٢. اهـ.
وَهَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ"، بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِ٣ مَا لا يُطَاقُ٤.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: حَكَى ابْنُ بُرْهَانٍ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى: هَلْ ٥يَشْتَمِلُ عَلَى٨ مَا لا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ؟ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْخِطَابِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ٦ بِهِ تَكْلِيفٌ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَفْهُومِ الْمَعْنَى، وَمَا٧ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ فَيَجُوزُ٨. "وَيَمْتَنِعُ دَوَامُ إجْمَالِ مَا فِيهِ تَكْلِيفٌ".قَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْقُشَيْرِيُّ: مَا فِيهِ تَكْلِيفٌ يَمْتَنِعُ دَوَامُ إجْمَالِهِ، وَإِلاَّ فَلا. وَاخْتَارَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ وَالْبِرْمَاوِيُّ٩.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "ثُمَّ بَحْثُ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي فَهْمَهُ إجْمَالًا
_________________
(١) ١ في ش ع ب ض: به. ٢ انظر: المسودة ص ١٧٥، الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٨٠، تفسير الخازن ١/ ٣٢١، تفسير البغوي ١/ ٣٢١. ٣ في ع تكليفه. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٨، تفسير الطبري ١/ ٣٣. ٥ في ش: يشمل. ٦ في ب ع ز: لا يتعلق. ٧ في ب ع ز ض: أو. ٨ انظر: المسودة ص ١٦٤. ٩ انظر: جمع الجوامع وشرحه ١/ ٢٣٤.
[ ٢ / ١٤٩ ]
لا١ تَفْصِيلًا٢.
وَعَنْ ابْنِ عَقِيلٍ: لا، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ ٣لا أَدْرِي٢، كَقَوْلِ أَكْثَرِ٤ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَوْ تَأْوِيلُهُ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ، مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: فِي "سَمِيعٌ بَصِيرٌ٥" يُسْكَتُ٦ عَمَّا بِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ، أَوْ تَأْوِيلُهُ بِإِدْرَاكِهِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ بِمَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا أَوْ تَشْبِيهًا فَزَيْغٌ.
وَقَوْلُهُ - يَعْنِي ابْنَ عَقِيلٍ - فِي٧ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ﴾ ٨. أَيْ كُنْهَ ذَلِكَ.
"وَيُوقَفُ" فِي الأَصَحِّ الْمُخْتَارِ "عَلَى ﴿إلاَّ اللَّهُ﴾ ٩لَفْظًا وَمَعْنًى٨ لا" عَلَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ في ش: و. وعبارة "المسودة": يقتضي أنه يفهم على سبيل الجملة، لا على سبيل التفصيل. ٢ المسودة ص ١٦٤: ويضيف المجد فيقول: "ووافقنا أبو الطيب الطبري، وحكاه عن أبي بكر الصيرفي، وكلهم تمسّك بالآية. وانظر: تفسير الطبري ١/ ٧". ٣ في ش: الإدراك. ٤ في ب: بعض. ٥ في ض: وبصير. ٦ في ض: نسكت. ٧ ساقطة من ب غ ض. ٨ الآية ٧ من آل عمران. وتتمة الآية: ﴿هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُوْنَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيْلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُوْنَ فِي الْعِلْمِ يَقُوْلُوْنَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ . ٩ ساقطة من ش ز ع. ١٠ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٤٩٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٣، إرشاد الفحول ص ٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٨٩، الروضة ص ٣٦، مختصر الطوفي ص ٤٨، تفسير القاسمي ٤/ ٧٩٥.
[ ٢ / ١٥٠ ]
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالأَعْلامِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ١: هُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٢، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ٣ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ٤ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ٥. قَالَ الْبَغَوِيّ فِي "تَفْسِيرِهِ": "هُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ: أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ
_________________
(١) ١ هو حَمَد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان الخطابي، البُسْتي، الحافظ الفقيه، الأديب المحدث، كان عالمًا وزاهدًا وورعًا، ويقوم بالتدريس والتأليف، أخذ الفقه عن القفال وابن أبي هريرة، وله شعر جيد، وهو من ذرية زيد بن الخطاب. له مصنفات كثيرة نافعة، منها: "معالم السنن"، و"غريب الحديث"، و"أعلام السنن" في شرح البخاري، و"الشجاج"، و"إصلاح غلط المحدثين"، و"الغنية عن الكلام وأهله"، و"العزلة" و"شرح الأسماء الحسنى". توفي سنة ٣٨٨هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٨٢، طبقات الحفاظ ص ٤٠٣، تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٨١، وفيات الأعيان ١/ ٤٥٣، بغية الوعاة ١/ ٥٤٦، إنباه الرواة ١/ ١٢٥، البداية والنهاية ١١/ ٢٣٦، شذرات الذهب ٣/ ١٢٧". ٢ في ش: العلماء لفظًا ومعنى. ٣ ساقطة من ض. ٤ هو الصحابي أبي بن كعب بن قيس، أبو المنذر، وأبو الطفيل الأنصاري النجاري، سيد القراء. شهد العقبة الثانية وبدرًا والمشاهد كلها. وقرأ الرسول ﷺ عليه القرآن. وهو أول من كتب للنبي ﵊ الوحي. وجمع القرآن في زمن النبي ﷺ، وكان أحد المفتين من الصحابة. ويرجع إليه عمر في النوازل والمعضلات. مات سنة ٢٠هـ. وقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. "انظر: الإصابة ١/ ١٩، الاستيعاب ١/ ٤٧، تهذيب الأسماء ١/ ١٠٨، طبقات القراء ١/ ٣١، مشاهير علماء الأمصار ص ١٢، الخلاصة ص ٢٤، حلية الأولياء ١/ ٢٥٠، معرفة القراء الكبار ١/ ٣٢".ك ٥ هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق. أسلمت صغيرة بعد ١٨ شخصًا، وتزوجها رسول الله قبل الهجرة، وبنى بها بعد الهجرة، وكناها رسول الله ﷺ أم عبد الله، بابن أختها عبد الله بن الزبير، وهي من أكثر الصحابة رواية. ولها فضائل كثيرة، ومناقب معروفة. قال عطاء: كانت عائشة من أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا. ماتت سنة ٥٧هـ، ودفنت بالبقيع. انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٣٥٩، الاستيعاب ٤/ ٣٥٦، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٥٢، طبقات الفقهاء ص ٤٧".
[ ٢ / ١٥١ ]
وَعَائِشَةُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ١، وَرِوَايَةُ٢ طَاوُسٍ٣ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ. وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالأَخْفَشُ، وَقَالُوا: لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إلاَّ اللَّهُ٤. وَخَالَفَ الآمِدِيُّ وَجَمْعٌ، مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَبُو الْبَقَاءِ فِي إعْرَابِهِ٥. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ": "الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ٦".
_________________
(١) ١ هو عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد فقهاء المدينة السبعة، الحافظ، جمع بين العلم والسيادة والعبادة، كثير الحديث، وهو شقيق عبد الله بن الزبير، أمهما أسماء. قال ابن شهاب: "عروة بحر لا يُنزف". وكان كثير الصوم. توفي سنة ٩٤هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٢٣، طبقات الفقهاء ص ٥٨، طبقات القراء ١/ ٥١١، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٢، الخلاصة ص ٢٦٥، مشاهير علماء الأمصار ص ٦٤، شذرات الذهب ١/ ١٠٣". ٢ في ش ز: ورواية عن. وما أثبتناه في الأعلى من: ب ع ض. وكذا في تفسير البغوي. ٣ هو طاووس بن كيسان، أبو عبد الرحمن اليماني الحميري مولاهم، وهو من كبار التابعين والعلماء والفضلاء الصالحين. واتفقوا على جلالته وفضيلته، ووفور علمه وصلاحه وحفظه وتثبته. قال ابن الجوزي: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه، لأنه كان طاووس القراء. قال ابن خلكان: "والمشهور أن اسمه طاووس". وله قصة رجولة وشهامة وجرأة مع الحكام. مرض بمنى ومات بمكة سنة ١٠٦هـ. انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء ١/ ٢٥١، طبقات الحفاظ ص ٣٤، طبقات الفقهاء ص ٧٣، طبقات القراء ١/ ٣٤١، تذكرة الحفاظ ١/ ٩٠، حلية الأولياء ٤/ ٣، وفيات الأعيان ٢/ ١٩٤، مشاهير علماء الأمصار ص ١٢٢، المعارف ص ٤٥٥، شذرات الذهب ١/ ١٣٣، الخلاصة ص ١٨١". ٤ تفسير البغوي ١/ ٣٢١، وانظر: تفسير الخازن ١/ ٣٢١، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٨، الروضة ص ٣٦. ٥ إملاء ما مَنَّ به الرحمن ١/ ١٢٤، وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٦٧، ١٦٨. ٦ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ٢١٨.
[ ٢ / ١٥٢ ]
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ١. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ"، قَالَ الْمُؤَوِّلَةُ - وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ - الْوَقْفُ التَّامُّ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٢.
وَقِيلَ: الْخِلافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، أَرَادَ بِهِ٣ أَنَّهُ يَعْلَمُ ظَاهِرَهُ لا حَقِيقَتَهُ، وَمَنْ قَالَ: لا يَعْلَمُ: أَرَادَ بِهِ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى٤.
وَالْحِكْمَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ: ابْتِلاءُ الْعُقَلاءِ٥.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ٦: الْوَقْفُ عَلَى ﴿إلاَّ اللَّهُ﴾
_________________
(١) ١ وهو قول مجاهد والضحاك وابن عباس في رواية، واختارها النووي. وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر. "انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٣، الدر المنثور ٢/ ٨، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٧٢، المستصفى ١/ ١٠٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢١". ٢ الآية ٣ من آل عمران. ٣ ساقطة من ب. ٤ وهو قول الراغب، فإنه بين أوجه المحكم والمتشابه، ثم قال: "وإن لكل واحد منهما وجهًا حسبما دلّ عليه التفصيل المتقدم" "المفردات في غريب القرآن ص ٢٥٥". وانظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٥. ٥ انظر: مناهل العرفان ٢/ ١٧٨، الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٤، ١٢، البرهان في علوم القرآن ٢/ ٧٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٩، الروضة ص ٣٦. ٦ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، الخثعمي الأندلسي المالكي الضرير، أبو القاسم وأبو زيد، الحافظ العلامة، الأديب النحوي المفسر. قال السيوطي: "كان إمامًا في لسان العرب، واسع المعرفة، غزير العلم، نحويًّا متقدمًا، لغويًّا، عالمًا بالتفسير وصناعة الحديث، عالمًا بالرجال والأنساب، عارفًا بعلم الكلام وأصول الفقه، عارفًا بالتاريخ، ذكيًّا نبيهًا، عمي وله ١٧ سنة". وله مصنفات كثيرة، منها: "الروض الأنف" في السيرة، و"التعريف والإعلام في مبهمات القرآن"، "ونتائج الفكر"، "ومسألة رؤية الله في المنام". وله شعر كثير، وتصانيفه ممتعة مفيدة. توفي سنة ٥٨١هـ بمراكش. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ١/ ٤٨٠، طبقات القراء ١/ ٣٧١، طبقات الحفاظ ص ٤٧٨، طبقات المفسرين ١/ ٢٦٦، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٨، وفيات الأعيان ٢/ ٣٢٤، إنباه الرواة ٢/ ١٦٢، نكت الهميان ص ١٨٧، بغية الوعاة ٢/ ٨١، البداية والنهاية ١٢/ ٣١٩، شذرات الذهب ٤/ ٢٧١، شجرة النور الزكية ص ١٥٦".
[ ٢ / ١٥٣ ]
وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْعَطْفُ١ لِمُخَالَفَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِلْمِ الرَّاسِخِينَ؛ لأَنَّ عِلْمَهُمْ ضَرُورِيٌّ وَنَظَرِيٌّ، بِخِلافِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ مُطْلَقًا، فَلا يُجْزَمُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ. قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ٢. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالأَوَّلِ بِسِيَاقِ الآيَةِ٣ فِي ذَمِّ مُبْتَغِي التَّأْوِيلِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٤، وَلأَنَّ وَاوَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ لِلابْتِدَاءِ، وَيَقُولُونَ خَبَرُهُ٥؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً عَادَ ضَمِيرُ ﴿يَقُولُونَ﴾ إلَى
_________________
(١) ١ في ب ع: الوقف. وهو تحريف. ٢ هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر القفال الشاشي، الفقيه الشافعي، إمام عصره، كان فقيهًا محدثًا أصوليًّا لغويًّا شاعرًا. قال ابن السبكي: "كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الكلام، إمامًا في الأصول، إمامًا في الفروع، إمامًا في الزهد والورع، إمامًا في اللغة والشعر، ذاكرًا للعلوم، محققًا لما يورده، حسن التصرف فيما عنده". وهو أول من صنف في الجدل الحسن من الفقهاء. له كتاب في "أصول الفقه"، وله "شرح الرسالة"، و"التفسير"، و"أدب القضاء"، و"دلائل النبوة"، و"محاسن الشريعة". وهو والد القاسم صاحب التقريب. توفي سنة ٣٣٦ هـ، وقيل ٣٦٥، ٣٦٦هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٠٠، طبقات الفقهاء ص ١١٢، وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٨، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٨٢، طبقات المفسرين ٢/ ١٩٦، تبيين كذب المفتري ص ١٨٢، شذرات الذهب ٣/ ٥١، الفتح المبين ١/ ٢٠١". ٣ في ب ض: الأول. وهو تحريف. ٤ الآية ٧ من آل عمران. ٥ انظر: البيان في غريب إعراب القرآن ١/ ١٩٢، تفسير القاسمي ٤/ ٧٩٥.
[ ٢ / ١٥٤ ]
الْمَجْمُوعِ١، وَيَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ، وَكَانَ مَوْضِعُ "يَقُولُونَ": نَصْبًا حَالًا، فَفِيهِ اخْتِصَاصُ الْمَعْطُوفِ بِالْحَالِ٢.
٣قَالُوا: خُصَّ ضَمِيرُ "يَقُولُونَ" بِالرَّاسِخِينَ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَالْمَعْطُوفُ قَدْ يَخْتَصُّ بِالْحَالِ٦ مَعَ عَدَمِ اللَّبْسِ، نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ﴾ ٤ فِيهَا قَوْلانِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿َيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ٥ قِيلَ: حَالًا مِنْ يَعْقُوبَ؛ لأَنَّهَا الزِّيَادَةُ. وَقِيلَ: مِنْهُمَا؛ لأَنَّهَا٦ الْعَطِيَّةُ. وَقِيلَ: هِيَ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ مَعًا، وَعَامِلُهُ مَعْنًى "وَهَبْنَا٧".
وَلَنَا: أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَالأَشْهَرُ خِلافُهُ. وَلِهَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ تَأْوِيلُهُ إلاَّ عِنْدَ اللَّهِ" وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ: "وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ"، ٨وَمِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لأَنَّهُ٩ كَانَ يَقْرَأُ: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ"، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ١١". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلاسْتِئْنَافِ١٠؛ لأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ - وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهَا١١ الْقِرَاءَةُ - فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهَا أَنْ تَكُونَ خَبَرًا
_________________
(١) ١ في ش: المجمل. وهو تصحيف. ٢ ساقطة من ب ز. ٣ ساقطة من ب ض. ٤ الآية ٩ من الحشر. ٥ الآية ٧٢ من الأنبياء. وتتمة الآية: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ نَافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنَا صَالِحِيْنَ﴾ . ٦ في ش: وهي. ٧ في ش: وهبا. ٨ ساقطة من ض. وانظر: تفسير القاسمي ٤/ ٧٩٦. ٩ في ب: أنه. ١٠ انظر: البيان في غريب إعراب القرآن ١/ ١٩٢، تفسير القاسمي ٤/ ٧٩٦. ١١ في ز: لها.
[ ٢ / ١٥٥ ]
بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، فَيُقَدَّمُ كَلامُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ دُونَهُ١.
قَالَ الأُسْيُوطِيُّ٢: قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الآيَةِ: "قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ٣". قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: اللَّهُ هُوَ٤ الْمُنْفَرِدُ.
قَالَ فِي "الرَّوْضَةِ"، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ بِمَا لا يَعْقِلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يُنْزِلُ عَلَى رَسُولِهِ مَا لا يَطَّلِعُ عَلَى تَأْوِيلِهِ؟
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَهُمْ الإِيمَانَ بِمَا لا يَطَّلِعُونَ عَلَى تَأْوِيلِهِ، لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ٥. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْت عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
_________________
(١) ١ انظر: الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٣، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٢/ ٦، زاد المسير ١/ ٣٥٤. ٢ هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، جلال الدين السيوطي، المجتهد، الإمام الكبير، صاحب التصانيف، الشافعي. قال الشوكاني: "حفظ القرآن، وبرز في جميع الفنون، وفاق الأقران، وشتهر ذكره، وبعد صيته، وصنف التصانيف المفيدة ولم يسلم من حسد الأقران فطعن به السخاوي". وقال السيوطي عن نفسه: "رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع". وذكر العلماء أن مؤلفاته بلغت ستمائة مؤلف في العلوم السابقة. وذلك أنه ترك وظائفه من تدريس وإفتاء، واعتزل الناس، وانصرف للتأليف. ومن مصنفاته: "الدر المنثور" في التفسير، و"بغية الوعاة"، و"حسن المحاضرة، و"طبقات الحفاظ"، و"الإتقان في علوم القرآن"، و"المزهر" في اللغة، و"لباب النقول في أسباب النزول" وغيرها. توفي سنة ٩١١هـ. انظر ترجمته في "حسن المحاضرة ١/ ٣٣٥، البدر الطالع ١/ ٣٢٨، الضوء اللامع ٤/ ٦٥، درة الحجال ٣/ ٩٤، الكواكب السائرة ١/ ٢٢٦، شذرات الذهب ٨/ ٥١، الفتح المبين ٣/ ٦٥". وفي ش: السيوطي ٣ الروضة ص ٣٦. ٤ ساقطة من ش. ٥ الآية ٣١ من محمد.
[ ٢ / ١٥٦ ]
الرَّسُولَ﴾ – الآيَةَ١. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢. وَكَمَا اخْتَبَرَهُمْ٣ بِالإِيمَانِ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ٤، مَعَ أَنَّهُ لا يُعْلَمُ مَعْنَاهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٥. "وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهُ" أَيْ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ "بِرَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ بِلا أَصْلٍ" لِلآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ ٧. فَأَضَافَ التَّبْيِينَ إلَيْهِ٨. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ وَ٩ بِمَا لا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ١٠.
وَعَنْ جُنْدُبٍ١١ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ".
_________________
(١) ١ الآية ١٤٣ من البقرة. وفي ب ض: لنعلم- الآية. ٢ الآية ٦٠ من الإسراء. ٣ في ش ز ض: أخبرهم. ٤ في ب ض: المتقطعة. ٥ الروضة ص ٣٦. وانظر: البرهان في علوم القرآن ٢/ ٧٥. ٦ الآية ٨٠ من البقرة. ٧ الآية ٤٤ من النحل. وأول الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ﴾ . ٨ انظر: المسودة ص ١٧٤، البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٦١، تفسير الطبري ١/ ٣٤، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٢٨، أصول مذهب أحمد ص ١٨٤. ٩ في ب ض: أو. ١٠ انظر: تحفة الأحوذي ٨/ ٢٧٧، فيض القدير ٦/ ١٩٠، تخريج أحاديث البزدوي ص ٨. ١١ هو جندب بن عبد الله بن سفيان، أبو عبد الله البَجَلي، سكن الكوفة، ثم البصرة. قدمهما مع مصعب بن الزبير. وروى عنه أهل المصرين، كما روى عنه بعض أهل الشام. ويقال له: جندب الخير، وليست صحبته قديمة، وله ثلاثة وأربعون حديثًا. ومات بعد الستين من الهجرة. "انظر: الإصابة ١/ ٢٤٨، الاستيعاب ١/ ٢١٧، مشاهير علماء الأمصار ص ٤٧، الخلاصة ص ٦٤".
[ ٢ / ١٥٧ ]
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ١.
"وَلا يَحْرُمُ" تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ "٢بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ١" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ٣.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الاحْتِجَاجُ فِي التَّفْسِيرِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ كَثِيرٌ. وَلأَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ. فَيَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى لُغَةِ الْعَرَبِ. وَعَنْهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو٤ الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، أَوْ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِقَلِيلٍ مِنْ اللُّغَةِ٥.
"فَائِدَةٌ":
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: ثَلاثُ كُتُبٍ لَيْسَ فِيهَا أُصُولٌ: الْمَغَازِي، وَالْمَلاحِمُ وَالتَّفْسِيرُ. لَيْسَ غَالِبُهَا الصِّحَّةَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٦.
_________________
(١) ١ انظر: سنن أبي داود ٢/ ٢٨٧، تحفة الأحوذي ٨/ ٢٧٩، تخريج أحاديث البزدوي ص ٨، الفتح الكبير ٣/ ٢١٩، فيض القدير ٦/ ١٩٠. ٢ في ش: باللغة. ٣ انظر: المسودة ص ١٧٥، البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٦٠، أصول مذهب أحمد ص ١٨٥. ٤ ساقطة من ش. ٥ المسودة ص ١٧٦، وانظر البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٦٠. ٦ انظر: المسودة ص ١٧٥، البرهان في علوم القرآن ٢/ ١٥٦.
[ ٢ / ١٥٨ ]