"لُغَةً: الْمَجْمُوعُ" مِنْ أَجْمَلْتُ الْحِسَابَ١ "أَوْ الْمُبْهَمُ".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: هُوَ لُغَةً مِنْ الْجَمْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ عَنْ الْيَهُودِ: "جَمَلُوهَا" ٢ أَيْ خَلَطُوهَا٣، وَمِنْهُ الْعِلْمُ الإِجْمَالِيُّ، لاخْتِلاطِ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ، وَسُمِّيَ مَا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ مُجْمَلًا لاخْتِلاطِ الْمُرَادِ بِغَيْرِهِ.
"أَوْ الْمُحَصَّلُ" مِنْ أَجْمَلَ الشَّيْءَ إذَا حَصَّلَهُ٤.
"وَاصْطِلاحًا"٥ أَيْ
_________________
(١) ١ قال في المصباح المنير "١/١٣٤": "وأجملت الشيء إجمالًا: جمعته من غير تفصيل". وانظر معجم مقاييس اللغة ١/٤٨١ ٢ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵁ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها". "انظر صحيح البخاري٣/١٠٧، صحيح مسلم ٣/١٢٠٧، بذل المجهود ١٥/١٦٢، عارضة الأحوذي ٥/٣٠٠، سنن النسائي ٧/٢٧٣، سنن ابن ماجه ٢/١١٢٢، جامع الأصول ١/٣٧٦. ٣ إن كلمة"جملوها" في الحديث ليس معناها: خلطوها كما ذكر ابن قاضي الجبل، بل معناها: أذابوها كما ذكر شراح الحديث من أهل اللغة، يؤكد ذلك قول ابن منظور في لسان العرب "١١/١٢٧": وقد جمله يجمله جملًا واجمله: أذابه واستخرج دهن. وذكر الحديث. ٤ معجم مقاييس اللغة ١/٤٨١. ٥ انظر تعريفات الأصوليين للمجمل في "الحدود للباجي ص٤٥، العدو ١/١٤٢، المستصفى ١/٣٤٥، الإشارات للباجي ص٤٣، التعريفات للجرجاني ص ١٠٨، أدب القاضي للماوردي١/٢٩٠، المحصول ج١ق٣ ٢٣١، مناهج العقول ١/١٨٩، البرهان ١/٤١٩، كشف الأسرار ١/٥٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٧، ٢٧٤، الإحكام للآمدي ٣/٨، روضة الناظر ص ١٨٠، نشر البنود ١/٢٧٣، التلويح على التوضيح ١/١٢٦، إرشاد الفحول ص١٦٧، المعتمد ١/٣١٧، اللمع ص ٢٧، فتح الغفار ١/١١٦، أصول السرخسي ١/١٦٨، الإحكام لابن حزم ٣/٣٨٥، شرح العضد ٢/١٥٨، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص١٢٣، شرح الحطاب على الورقات ص١٠٩".
[ ٣ / ٤١٣ ]
وَ١الْمُجْمَلُ فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ "مَا" أَيْ لَفْظٌ أَوْ فِعْلٌ "تَرَدَّدَ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ".
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ "بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ" عَمَّا لَهُ مَحْمَلٌ وَاحِدٌ كَالنَّصِّ.
وَقَوْلُهُ "عَلَى السَّوَاءِ" احْتِرَازٌ٢ عَنْ الظَّاهِرِ وَعَنْ الْحَقِيقَةِ الَّتِي لَهَا مَجَازٌ، وَشَمِلَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُتَوَاطِئَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٣: الْمُجْمَلُ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلالَتُهُ.
وَابْنُ٤ مُفْلِحٍ وَالسُّبْكِيُّ٥: مَا لَهُ دَلالَةٌ غَيْرُ وَاضِحَةٍ٦.
"وَحُكْمُهُ" أَيْ الْمُجْمَلِ "التَّوَقُّفُ عَلَى الْبَيَانِ الْخَارِجِيِّ"٧ فَلا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِ مُحْتَمَلاتِهِ إلاَّ بِدَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ لَفْظِهِ لِعَدَمِ دَلالَةِ لَفْظِهِ٨ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ، وَامْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: احترازًا. ٣ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/١٥٨. ٤ في ش: وقال ابن. ٥ عزو المصنف هذا التعريف للسبكي غير دقيق، وذلك لأن السبكي عرفه بنفس تعريف ابن الحاجب السابق. "انظر جمع الجوامع للسبكي مع شرحه لمحلي ٢/٥٨". ٦ أي من قول أو فعل. فخرج بقوله "ماله دلالة" المهمل، إذا لادلالة له. وخرج بقوله "غير واضحة" المبين، لأن دلالته واضحة. "انظر نشر البنود١/٢٧٣". ٧ انظر التلويح على التوضيح ١/١٢٧، روضة الناظر ص١٨١، مختصر الطوفي ص١١٦. ٨ ساقطة من ش.
[ ٣ / ٤١٤ ]
"وَهُوَ" أَيْ الْمُجْمَلُ "فِي الْكِتَابِ" أَيْ الْقُرْآنِ "وَ" فِي "السُّنَّةِ"١ أَيْ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، خِلافًا لِدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ غَيْرَهُ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمَا لا يُحْصَى.
قَالَ دَاوُد: الإِجْمَالُ٢ بِدُونِ الْبَيَانِ لا يُفِيدُ، وَمَعَهُ تَطْوِيلٌ، وَلا يَقَعُ فِي كَلامِ الْبُلَغَاءِ، فَضْلًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ ﷾ وَكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْكَلامَ إذَا وَرَدَ مُجْمَلًا، ثُمَّ بُيِّنَ وَفُصِّلَ أَوْقَعُ عِنْدَ النَّفْسِ مِنْ ذِكْرِهِ مُبَيَّنًا ابْتِدَاءً.
"وَيَكُونُ" الإِجْمَالُ "فِي حَرْفٍ"٣ نَحْوُ الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ٤ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ٥ تَكُونَ عَاطِفَةً، وَيَكُونَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً، وَيَكُونَ الْوَقْفُ عَلَى ﴿إلاَّ اللَّهُ﴾ .
"وَ" يَكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي "اسْمٍ" كَالْقُرْءِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ،
_________________
(١) ١ انظر المحصول ج١ق٣/٢٣٧وما بعدها، إرشاد الفحول ص١٦٨، الآيات البينات ٣/١١٥، أدب القاضي للماوردي ١/٢٩٠ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص٢٨٠، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٣. ٢ في ع: إلا إجمال. ٣ انظر روضة الناظر ص ١٨١، إرشاد الفحول ص ١٦٩، مختصر الطوفي ص١١٦، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦١، الآيات البينات ٣/١١٣، المستصفى ١/٣٦٣، كشف الأسرار ١/٥٥،وما بعدها، الإحكام للآمدي ٣/١٠. ٤ الآية ٧ من آل عمران. ٥ ساقطة من ض ب.
[ ٣ / ٤١٥ ]
وَكَالْعَيْنِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الْبَاصِرَةِ وَالْجَارِيَةِ وَعَيْنِ الْمِيزَانِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ١.
"وَ" َكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي "مُرَكَّبٍ"٢ نَحْوُ "الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ٣ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيَّ، لأَنَّهُ الَّذِي يَعْقِدُ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ، لأَنَّهَا لا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا٤، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَ، لأَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ دَوَامُ الْعَقْدِ وَالْعِصْمَةُ.
وَالاحْتِمَالُ الثَّانِي: هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ٥ ﵁، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ٦ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ٧ ﵄.
_________________
(١) ١ انظر "البرهان ١/٤٢١، نشر البنود ١/٢٧٦، مناهج العقول ٢/١٤٢، نهاية السول ٢/١٤٣، روضة الناظر ص١٨١، المحصول؟ ١ق٣/٢٣٤، اللمع ص ٢٧، إرشاد الفحول ص ١٦٩، مختصر الطوفي ص ١١٦، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٠، الآيات البينات ٣/١١١، أدب القاضي للماوردي ١/٢٩٢، المستصفى ١/٣٦١، الإحكام للآمدي ٣/٩، فواتح الرحموت ٢/٣٢، شرح العضد ٢/١٥٨". ٢ انظر" روضة الناظر ص ١٨١، نشر البنود ١/٢٧٦، نهاية السول ٢/١٤٤، إرشاد الفحول ص ١٦٩، مختصر الطوفي ص١١٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦١، الآيات البينات ٣/١١٣، أدب القاضي للماوردي ١/٢٩٢، المستصفى ١/٣٦٢، الإحكام للآمدي ٣/١٠، فواتح الرحموت ٢/٣٢، شرح العضد ٢/١٥٨". ٣ الآية ٢٣٧ من البقرة. ٤ وعلى ذلك حمله الإمام مالك ﵀." انظر نشر البنود ١/٢٧٦، أحكام القرآن لابن العربي ١/٢٢٢، الإفصاح لابن هبيرة ٢/١٣٨". ٥ انظر شرح منتهى الإرادات ٣/٧٤، كشف القناع ٥/١٦١، المحرر ٢/٣٨، الإفصاح لابن هبيرة ٢/١٣٨. ٦ فواتح الرحموت ٢/٣٢، أحكام القرآن للجصاص ١/٤٤٠، الإفصاح ٢/١٣٨. ٧ وأصحهما، وهو قوله الجديد. انظر "أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/٣٠٥، أحكام القران للشافعي ١/٢٠٠، سنن البيهقي٧/٢٥٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/٦١، المهذب٢/٦١، أحكام القرآن لابن العربي١/٢١٩".
[ ٣ / ٤١٦ ]
"وَ" يَكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي "مَرْجِعِ ضَمِيرٍ"١ نَحْوُ الضَّمِيرِ فِي "جِدَارِهِ" فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ٢: "لا يَمْنَعَن جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ" فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ عَوْدَهُ عَلَى الْغَارِزِ، أَيْ لا يَمْنَعُهُ جَارُهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي جِدَارِ نَفْسِهِ.
وَعَلَى هَذَا: فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا طَلَبَ جَارُهُ مِنْهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ٣.وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْجَارِ الآخَرِ فَيَكُونَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا٤ الَّذِي عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ٥، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ "مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لأَرْمِيَن بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ"٦ وَلَوْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى الْغَارِزِ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ.
"وَ" يَكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي مَرْجِعِ "صِفَةٍ"٧ نَحْوُ قَوْلِك: زَيْدٌ طَبِيبٌ
_________________
(١) ١ انظر نشر البنود ١/٢٧٦، إرشاد الفحول ص ١٦٩، الآيات البينات ٣/١١٤، شرح العضد ٢/١٥٨، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦١. ٢ صحيح البخاري ٣/١٧٣، صحيح مسلم٣/١٢٣٠. ٣ في ز ض ب: التمكن. ٤ في ش: وهو. ٥ انظر الإفصاح لابن هبيرة ١/٣٨١، المغني ٥/٣٦، الشرح الكبير على المقنع ٥/٣٦، القواعد لابن رجب ص ٢٤٣، الإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢/١٨. ٦ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده. "انظر صحيح البخاري ٣/١٧٣، صحيح مسلم٣/١٢٣٠، عارضة الأحوذي ٦/١٠٥، بذل المجهود ١٥/٣١٩، الموطأ ٢/٧٤٥، سنن البيهقي ٦/٦٨، مسند أحمد ٢/٢٤٠، سنن ابن ماجه ٢/٧٨٣". ٧ انظر " نهاية السول ٢/١٤٤، إرشاد الفحول ص ١٦٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٢، الآيات البينات ٣/١١٤، الإحكام للآمدي ٣/١١، فواتح الرحموت ٢/٣٣، شرح العضد ٢/١٥٨".
[ ٣ / ٤١٧ ]
مَاهِرٌ. فَيَحْتَمِلَ عَوْدَ "مَاهِرٌ" إلَى ذَاتِ زَيْدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى وَصْفِهِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ "طَبِيبٌ" وَلا شَكَّ أَنَّ الْمَعْنَى مُتَفَاوِتٌ بِاعْتِبَارِ الاحْتِمَالَيْنِ، لأَنَّا إنْ١ أَعَدْنَا "مَاهِرٌ"٢ إلَى "طَبِيبٌ"، فَيَكُونُ مَاهِرًا فِي٣ طِبِّهِ، وَإِنْ أَعَدْنَا "مَاهِرٌ"٤ إلَى "زَيْدٌ"، فَتَكُونُ مَهَارَتُهُ فِي غَيْرِ الطِّبِّ، وَهُوَ مِنْ الْمُجْمَلِ بِاعْتِبَارِ التَّرْكِيبِ، صَرَّحَ بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ.
"وَ"يَكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي "تَعَدُّدِ مَجَازٍ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ" نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا فَأَكَلُوا ثَمَنَهَا" ٥ لأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ، لَوْ لَمْ يَعُمَّ٦ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ لَمَا٧ اتَّجَهَ اللَّعْنُ فَيُقَدَّرُ٨ الْجَمِيعُ، لأَنَّهُ الأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ٩.
"وَ" يَكُونُ الإِجْمَالُ أَيْضًا فِي "عَامٍّ خُصَّ بِمَجْهُولٍ" نَحْوُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلاَّ بَعْضَهُمْ، لأَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ بِمَجْهُولٍ صَارَ الْبَاقِي مُحْتَمَلًا. فَكَانَ مُجْمَلًا١٠.
"وَ" كَذَا عَامٌّ خُصَّ بِـ"مُسْتَثْنًى وَصِفَةٍ مَجْهُولَيْنِ".
_________________
(١) ١ في ع: إذا. ٢ في ش ع: ماهرًا. ٣ ساقطة من ض ب. ٤ في ش ز ع ب: ماهرًا. ٥ سبق تخريجه في ص٤١٣ من هذا الجزء. ٦ في ش: يعلم. ٧ في ش: ثم. ٨ في ع ز: فتعدى. ٩ انظر المحصول؟١ق٣//٢٤٣، إرشاد الفحول ص ١٦٩، الإحكام للآمدي ٣/١١، ١٣، فواتح الرحموت ٢/٣٣، شرح العضد ٢/١٥٨. ١٠ انظر المعتمد ١/٣٢٤، شرح العضد ٢/١٥٨، المحصول؟١ق٣/٢٣٥، الإحكام للآمدي ٣/١١، وسبق الكلام عنها صفحة ١٦٤.
[ ٣ / ٤١٨ ]
مِثَالُ الْمُسْتَثْنَى الْمَجْهُولِ: قَوْلُهُ١ ﷾: ﴿أُحِلَّتْ ٢ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ٣ فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى مِنْ الْمَعْلُومِ مَا لَمْ يُعْلَمْ، فَصَارَ الْبَاقِي مُحْتَمَلًا، فَكَانَ مُجْمَلًا٤.
وَمِثَالُ مَا خُصَّ٥ بِصِفَةٍ مَجْهُولَةٍ٦ نَحْوُ "مُحْصِنِينَ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ ٧ وَمُوجَبُ الإِجْمَالِ: أَنَّ الإِجْمَالَ٨ غَيْرُ مُبَيَّنٍ٩، فَكَانَ صِفَةً مَجْهُولَةً.
"وَلا إجْمَالَ فِي إضَافَةِ تَحْرِيمٍ إلَى عَيْنٍ" نَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١٠ وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ١١.
_________________
(١) ١ في ش: قول. ٢ في ش: وأحلت. هو غلط. ٣ الآية الأولى من المائدة. ٤ انظر نهاية السول ٢/١٤٤، البرهان ١/٤٢١، اللمع ص ٢٧، المعتمد ١/٣٢٣، الآيات البينات ٣/١١٣، شرح العضد ٢/١٥٩، الإحكام للآمدي ٣/١١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦١. ٥ في ع: خصص. ٦ انظر المحصول؟١ق٣/ ٢٣٥، الإحكام للآمدي ٣/١١، شرح العضد ٢/١٥٩، العدة ١/١٠٨، المعتمد ١/٣٢٣. ٧ الآية ٢٤ من النساء. ٨ في سائر النسخ الخطية: الإجمال. وليس بصواب. ٩ في ع: المبين. ١٠ الآية ٣ من المائدة. ١١ انظر "المسودة ص٩٠ وما بعدها، المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي ص ١٠٣، المحصول؟١ق٣/ ٢٤١، روضة المناظر ص ١٨١، مختصر الطوفي ١/٣٤٦، الإحكام للآمدي ٣/١٢، شرح العضد ٢/١٥٩، المعتمد ١/٣٣٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٩، الآيات البينات ٣/١٠٩، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٥، إرشاد الفحول ص ١٦٩، اللمع ص٢٨، فواتح الرحموت ٢/٣٤، التبصرة ص ٢٠١، مناهج العقول ٢/١٤٣، نهاية السول ٢/١٤٦".
[ ٣ / ٤١٩ ]
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضٌ مِنْ أَصْحَابِنَا١ وَالشَّافِعِيَّةُ٢ وَالأَكْثَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ٣.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ: بِأَنَّ تَحْرِيمَ الْعَيْنِ غَيْرُ مُرَادٍ، لأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ ٤بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَإِذَا أُضِيفَ إلَى عَيْنٍ مِنْ الأَعْيَانِ يُقَدَّرُ الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، فَفِي الْمَأْكُولاتِ: يُقَدَّرُ الأَكْلُ، وَفِي الْمَشْرُوبَاتِ: الشُّرْبُ وَفِي الْمَلْبُوسَاتِ: اللُّبْسُ، وَفِي الْمَوْطُوءاتِ: الْوَطْءُ. فَإِذَا أُطْلِقَ أَحَدُ هَذِهِ الأَلْفَاظِ سَبَقَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، فَتِلْكَ الدَّلالَةُ مُتَّضِحَةٌ لا إجْمَالَ فِيهَا٥.
_________________
(١) ١ اضطرب كلام القاضي أبي يعلى في هذه الآية، فذكر في العدة"١/١٠٦، ١١٠" أنها غير مجملة ولا تفتقر إلى بيان، ثم ذكر فيه "١/١٤٥" أنها من المجمل. ٢ انظر اللمع ص ٢٨ن التبصرة ص ٢٠١، الآيات البينات ٣/١٠٩، نهاية السول ٢/١٤٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٩. ٣ يبدو أن نسبة المصنف القول بالإجمال في التحريم المضاف إلى الأعيان لأكثر الحنفية غير سليمة، وذلك لأن الحنفية يطلقون القول بعدم الإجمال في هذه القضية، وينسبون المخالفة في ذلك للكرخي وبعض المعتزلة. جاء في مسلم الثبوت"٢/٢٣": "مسألة: لا إجمال في التحريم المضاف إلى العين خلافًا للكرخي والبصري". وقال الكمال بن الهمام في التحرير: "التحريم المضاف إلى الأعيان عن الكرخي والبصري إجماله، والحق ظهوره في معين". "تيسير التحرير ١/١٦٦" وقال البزدوي في أصوله: "ومن الناس ظن أن التحريم المضاف إلى الأعيان مثل المحارم والخمر مجاز لما هو من صفات الفعل، فيصير وصف العين به مجازًا. وهذا غلط عظيم، لأن التحريم إذا أضيف إلى العين كان ذلك أمارة لزومه وتحققه، فكيف يكون مجازًا؟! ". وقد علق على ذلك صاحب كشف الأسرار بقوله: "اختلفوا في التحريم والتحليل المضافين إلى الأعيان مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلخ على ثلاثة قوال: فذهب الشيخ المصنف وشمس الأئمة وصاحب الميزان ومن تابعهم إلى أن ذلك بطريق الحقيقة كالتحريم والتحليل المضافين إلى الفعل، فيوصف المحل أولًا بالحرمة، ثم تثبت حرمة الفعل بناءً عليه، فيثبت التحريم عامًا. وذهب بعض أصحابنا العراقيين، منهمالشيخ أبو الحسن الكرخي ومن تابعه إلى أن المراد تحريم الفعل أو تحليله لاغير. وإليه ذهب عامة المعتزلة. وذهب قوم من نوابت القدرية كأبي عبد الله البصري وأصحاب أبي هاشم إلى أنه مجمل" " كشف الأسرار ٢/١٠٦، وانظر أصول السرخسي ١/١٩٥". ٤ في ش: يتعين. ٥ انظر: المحصول؟١ق٣//٢٤١، روضة الناظر ص ١٨١، المستصفى ١/٣٤٦، الإحكام للآمدي ٣/١٢، شرح العضد ٢/١٥٩، المعتمد ١/٣٣٣، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٦، إرشاد الفحول ص ١٦٩، فواتح الرحموت ٢/٣٣، كشف الأسرار ٢/١٠٧".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
قَالَ الْمُخَالِفُونَ: إسْنَادُ١ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ لا يَصِحُّ، لأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ٢ بِالْفِعْلِ، فَلا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لأُمُورٍ لا حَاجَةَ٣ إلَى جَمِيعِهَا، وَلا مُرَجِّحَ لِبَعْضِهَا، فَكَانَ مُجْمَلًا٤.
قُلْنَا: الْمُرَجِّحُ مَوْجُودٌ، وَهُوَ الْعُرْفُ، فَإِنَّهُ قَاضٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَا، وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ احْتَجُّوا بِظَوَاهِر هَذِهِ الأُمُورِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى غَيْرِهَا٥، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ٦ مِنْ الْمُبَيَّنِ٧ لَمْ يَحْتَجُّوا بِهَا.
"وَهُوَ عَامٌّ" يَعْنِي أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْعَيْنِ عَامٌّ، لأَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَعْيِينِ شَيْءٍ مِنْهَا قُدِّرَتْ كُلُّهَا. لأَنَّ حَمْلَهَا عَلَى بَعْضِهَا تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي٨ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيِّ وَالْفَخْرِ وَغَيْرِهِمْ، ٩وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ١٠ الْحَنَفِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: لا إجْمَالَ فِي ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ١١ لأَنَّ الْعُرْفَ دَلَّ١٢ عَلَى التَّعْمِيمِ، فَيَتَنَاوَلُ الْعَقْدُ وَالْوَطْءَ.
_________________
(١) ١ في زع: إضافة إسناد. ٢ في ض: تعلق. ٣ ساقطة من ض ب. ٤ انظر الآيات البينات ٣/١٠٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٩. ٥ فمثلًا لما بلغهم تحريم الخمر أراقوها، وكسروا ظروفها. "التبصرة ص ٢٠١". ٦ في ع ض ب: يكن. في ش: المتعين. ٧ في ش: المتعين. ٨ انظر المسودة ص ٩١، ٩٤. ٩ ساقطة من ز. ١٠ ساقطة من ش. ١١ الآية ٢٣ من النساء. ١٢ ساقطة من ض.
[ ٣ / ٤٢١ ]
وَقَالَ فِي الْعَامِّ: الْعُرْفُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الاسْتِمْتَاعَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ النِّسَاءِ، مِنْ الْوَطْءِ وَمُقَدَّمَاتِهِ.
وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ١ وَالْمُوَفَّقِ٢ وَالْمَالِكِيَّةِ٣، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ٤: انْصِرَافُ إطْلاقِ التَّحْرِيمِ فِي كُلِّ عَيْنٍ إلَى الْمَقْصُودِ اللاَّئِقِ بِهَا، لأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ لُغَةً وَعُرْفًا.
وَقِيلَ: لا عُمُومَ لَهُ أَصْلًا ٥وَتُوصَفُ الْعَيْنُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ حَقِيقَةً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا٦ وَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ٧، نَقَلَهُ٨ الْبِرْمَاوِيُّ عَنْهُمْ فِي كَلامِهِ عَلَى الرُّخْصَةِ.
وَقَالَ التَّمِيمِيُّ وَالشَّافِعِيَّةُ٩ وَصْفُ الْعَيْنِ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ مَجَازٌ.
وَرَدَّهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَقَالَ بَلْ تُوصَفُ الْعَيْنُ١٠ بِالْحِلِّ وَالْحَظْرِ حَقِيقَةً فَهِيَ مَحْظُورَةٌ عَلَيْنَا وَمُبَاحَةٌ لِوَصْفِهَا بِطَهَارَةٍ١١ وَنَجَاسَةٍ وَطِيبٍ وَخَبَثٍ فَالْعُمُومُ فِي لَفْظِ التَّحْرِيمِ اهـ.
_________________
(١) ١ انظر المسودة ص٩٥، روضة الناظر ص ١٨١. ٢ روضة الناظر ص ١٨١. ٣ المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي ص١٠٣، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٦، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/١٥٩. ٤ في ش: العلماء المعتزلة. ٥ ساقطة من ش. ٦ المسودة ص ٩٣. ٧ كشف الأسرار ٢/١٠٦، أصول السرخسي ١/١٩٥، فواتح الرحموت ٢/٣٤. ٨ في ع ض ب: ونقله. ٩ نهاية السول ٢/١٤٦. ١٠ ساقطة من د. ١١ في ع: لطهارة.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
"وَلا"١ إجْمَالَ فِي ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ٢ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٣؛ لأَنَّ الْبَاءَ لِلإِلْصَاقِ، وَمَعَ الظُّهُورِ لا إجْمَالَ.
وَقِيلَ: ٤مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ٥ وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ٦.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الإِجْمَالِ فَرِيقَانِ:
الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ قَالُوا: إنَّهُ بِوَضْعِ حُكْمِ اللُّغَةِ ظَاهِرٌ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ؛ لأَنَّ الْبَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الإِلْصَاقِ، وَقَدْ أَلْصَقَتْ الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ٧، وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّهِ٨، لا لِبَعْضِهِ، لأَنَّهُ لا يُقَالُ لِبَعْضِ الرَّأْسِ رَأْسٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا مَسْحَ جَمِيعِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَالْبَاقِلاَّنِيّ، وَابْنِ جِنِّي٩ كَآيَةِ التَّيَمُّمِ١٠، يَعْنِي قَوْله
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ الآية ٦ من المائدة. ٣ انظر "المحصول؟١ق٣/ ٢٤٧، المسودة ص١٧٨، الإحكام للآمدي ٣/١٤، شرح العضد ٢/١٥٩، نهاية السول ٢/١٤٧، المعتمد ١/٣٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٩، الآيات البينات ٣/١٠٩، إرشاد الفحول ص١٧٠، فواتح الرحموت ٢/٣٥ وما بعدها، مناهج العقول ٢/١٤٦". ٤ في ش: يحتمل. ٥ وإذا ظهر الاحتمال يثبت الإجمال. "المحصول؟١ق٣/ ٢٤٦". ٦ حكاية القول بالإجمال في هذه الآية عن الحنفية غير مسلمة، لأن القائل بالإجمال بعض الحنفية خلافًا لمذهبهم ورأي جمهورهم. قال ابن عبد الشكور في مسلم الثبوت "٢/٣٥": "مسألة: لا جمال في ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ خلافًا لبعض الحنفية". ثم رد على بعض القائلين بالإجمال أدلتهم وحججهم ونقضها. وقال ابن الهمام في التحرير: "لا جمال في ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ خلافًا لبعض الحنفية، لأنه لو لم يكن في مثله عرف يصحح إرادة البعض كمالك". "تيسير التحرير ١/١٦٧". ٧ في ش: للرأس. ٨ في ض: لكل. ٩ انظر الإحكام للآمدي ٣/١٤، المحصول؟١ق٣/٢٤٧، شرح العضد ٢/١٥٩، إرشاد الفحول ص ١٧٠. ١٠ في ش: اليتيم.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
﷾: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ ١.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُرْفَ الاسْتِعْمَالِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَضْعِ يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْمَسْحِ بِبَعْضِ الرَّأْسِ٢، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ٣.
"وَلا" إجْمَالَ "فِي" قَوْلِهِ ﷺ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" ٤ عِنْدَ الْجُمْهُورِ٥.
وَقِيلَ: مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ. وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الْمَذْكُورِ مُرَادًا فَلا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ لِمُتَعَلِّقِ الرَّفْعِ. وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ فَحَصَلَ الإِجْمَالُ٦.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِأَنَّ نَفْيَ الصُّورَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، لِمَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ كَلامِهِ ﷺ إلَى الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْحُكْمِ.
وَعَنْ الثَّانِي -وَهُوَ احْتِمَالُ الْمُضْمَرَاتِ- بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُرَادِ، إمَّا
_________________
(١) ١ الآية ٦ من المائدة. ٢ ولهذا فإنه إذا قال شخص لغيره"امسح يدك بالمنديل" لا يفهم أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل إن شاء يكله وإن شاء ببعضه.. ولهذا فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منها. وكذلك إذا قال "مسحت يدي بالمنديل" فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه، غير فاهمين لزوم وقع المسح بالكل أو بالبعض، بل بالقدر المشترك بين الكل والبعض، وهو مطلق المسح. "الإحكام للآمدي ٣/١٤، وانظر المحصول؟١ق٣/ ٢٤٧". ٣ انظر أحكام القرآن للشافعي ١/٤٤، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/٨٥، شرح العضد ٢/١٥٩، الإحكام للآمدي ٣/١٤، المحصول؟١ق٣/ ٢٤٧. ٤ سبق تخريجه في؟ ١ ص ٥١٢. ٥ انظر "المحصول؟١ق٣/ ٢٥٧، روضة الناظر ص ١٨٣، مختصر الطوفي ص١١٧، المستصفى ١/٣٤٨، الإحكام للآمدي ٣/١٥، شرح العضد ٢/١٥٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٠، الآيات البينات ٣/١١٠، إرشاد الفحول ص١٧١، اللمع ص٢٩، فواتح الرحموت ٢/٣٨، أصول السرخسي ١/٢٥١، مناهج العقول ٢/١٤٣، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص٢٨٥ وما بعدها، نهاية السول ٢/١٤٥. ٦ المعتمد للبصري ١/٣٣٦، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٧.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
بِالْعُرْفِ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ١ الْمَيْتَةُ﴾ ٢.
"وَلا" إجْمَالَ "فِي آيَةِ السَّرِقَةِ" وَهِيَ قَوْلُهُ ﷾: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ فِي اخْتِيَارِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٤، لأَنَّ "الْيَدَ" حَقِيقَةٌ إلَى٥ الْمَنْكِبِ، وَلِصِحَّةِ إطْلاقِ بَعْضِ الْيَدِ لِمَا دُونَهُ، وَالْقَطْعُ حَقِيقَةٌ فِي إبَانَةِ الْمَفْصِلِ، فَلا إجْمَالَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، فَإِطْلاقُهَا إلَى الْكُوعِ مَجَازٌ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إرَادَتِهِ فِي الآيَةِ، وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٦ وَالإِجْمَاعُ٧.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الإِجْمَالُ فِي "الْيَدِ" وَفِي "الْقَطْعِ" لأَنَّ "الْيَدَ" تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ إلَى الْكُوعِ، وَعَلَى مَا هُوَ إلَى الْمَنْكِبِ، وَعَلَى مَا هُوَ إلَى الْمَرْفِقِ، فَتَكُونُ٨ مُشْتَرَكًا، وَهُوَ مِنْ الْمُجْمَلِ، وَ"الْقَطْعُ" يُطْلَقُ عَلَى الإِبَانَةِ، وَعَلَى الْجُرْحِ فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ الآية ٣ من المائدة. ٣ الآية ٣٨ من المائدة. ٤ انظر" المسودة ص١٠١، نهاية السول ٢/١٤٨،العدة١/١٤٩، المحصول؟١ق٣/ ٢٥٦، الإحكام للآمدي ٣/١٩، شرح العضد ٢/١٦٠، المعتمد ١/٣٣٦، التمهيد للأسنوي ص١٣٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٩، الآيات البينات ٣/١٠٨، إرشاد الفحول ص١٧٠، فواتح الرحموت ٢/٣٩، مناهج العقول٢/١٤٧. ٥ في ش: في. ٦ حيث روى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -في سارق رداء صفوان بن أمية- أن النبي ﷺ: "أمر بقطعه من المفصل". "سنن الدارقطني ٣/٢٠٥" وأخرج ابن عدي من حديث عبد الله بن عمرو قال: "قطع النبي ﷺ سارقًا من المفصل". "الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/١١١". ٧ قال ابن قدامة: "وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر ﵄ أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع. ولا مخالف لهما في الصحابة". فكان إجماعًاسكوتيًا "انظر المغني ١٠/٢٦٤". ٨ في ع ض ب: فيكون.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لُغَوِيَّةٌ، وَ"الْيَدُ" حَقِيقَةٌ إلَى الْمَنْكِبِ، وَ"الْقَطْعُ" حَقِيقَةٌ فِي الإِبَانَةِ وَظَاهِرٌ فِيهِمَا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ تَيَمَّمْتَ١ الصَّحَابَةُ مَعَهُ ﷺ إلَى الْمَنَاكِبِ٢.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا فِي الْكُوعِ وَالْمَرْفِقِ وَالْمَنْكِبِ لَزِمَ الإِجْمَالُ، وَالْمَجَازُ أَوْلَى مِنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ.
وَاسْتَدَلَّ لِلثَّانِي بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ٣ الاشْتِرَاكَ وَالتَّوَاطُؤَ وَحَقِيقَةَ أَحَدِهِمَا، وَوُقُوعُ٤ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ الإِجْمَالِ.
"وَلا" إجْمَالَ أَيْضًا "فِي" قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٥ عِنْدَ الأَكْثَرِ٦.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَلْوَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ٧.
وَلِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى الْقَوْلانِ٨.
_________________
(١) ١ في ش: تيمم. ٢ انظر أحكام القرآن للجصاص ٢/٣٨٧ وما بعدها، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/١١٣. ٣ في ع: يحمل. ٤ في ع: وقوع. ٥ الآية ٢٧٥ من البقرة. ٦ انظر المسودة ص ١٧٨، روضة الناظر ص١٨٢، مختصر الطوفي ص١١٧، التبصرة ص٢٠٠،اللمع ص٢٨. ٧ أدب القاضي للماوردي ١/٢٩٣، التبصرة ص٢٠٠، اللمع ص٢٨. وممن قال بالإجمال في الآية أيضًا الحنيفة. "انظر كشف الأسرار ١/٥٤، أصول السرخسي ١/١٦٨، التلويح على التوضيح ١/١٢٧". ٨ فقد ذكر في كتابه "العدة" "١/١١٠" أن هذه الآية غير مجملة، ولا تفتقر إلى بيان. ثم ذكر فيه "١/١٤٨" أنها من المجمل.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ، وَمَنْشَأُ الْخِلافِ: أَنَّ "أَلْ" الَّتِي فِي "الْبَيْعِ" هَلْ هِيَ لِلشُّمُولِ أَوْ عَهْدِيَّةٌ، أَوْ لِلْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغْرَاقٍ، أَوْ مُحْتَمِلَةٌ؟ اهـ.
قَالَ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَامٌّ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ.
وَالثَّانِي: مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ٢.
وَهُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ: أَنَّ اللَّفْظَ فِي كُلٍّ مِنْ الآيَتَيْنِ٣ مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ، فَإِنْ عَمَّ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَلْيَعُمَّ فِي الاثْنَيْنِ٤، أَوْ الْمَعْنَى فَلْيَعُمَّ فِيهِمَا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ لا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَلا الْمَعْنَى فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي آيَةِ الْبَيْعِ: الْعُمُومُ، وَفِي آيَةِ الزَّكَاةِ: الإِجْمَالُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ٥ فِي ذَلِكَ سِرًّا٦، وَهُوَ أَنَّ حِلَّ الْبَيْعِ عَلَى وَفْقِ الأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْحِلُّ، وَالْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَمَهْمَا حُرِّمَ الْبَيْعُ فَهُوَ٧ خِلافُ الأَصْلِ.٨
وَأَمَّا الزَّكَاةُ: فَهِيَ خِلافُ الأَصْلِ، لِتَضَمُّنِهَا أَخْذَ مَالِ الْغَيْر٩ِ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ، فَوُجُوبُهَا عَلَى خِلافِ الأَصْلِ، وَالأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْبَابِ مُشْعِرَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى.
_________________
(١) ١ الآية ٤٣ من البقرة، وقد ودرت في مواطن أخرى من الكتاب العزيز. ٢ أنظر خلاف الأصوليين في الآية في "التبصرة ص١٩٨، الإحكام للآمدي ٣/١١، أدب القاضي للماوردي ١/٢٩٧، اللمع ص٢٨". ٣ في ش: الآيتين. ٤ في ش: الآيتين. ٥ في ش: أنهما. ٦ في ش: سواء. ٧ في ب: فهي. ٨ ساقطة من ب. ٩ في ز: ماللغير.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
فَلِذَلِكَ اعْتَنَى النَّبِيُّ ﷺ بِبَيَانِ الْمُبَايَعَاتِ الْفَاسِدَةِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ١، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلامَسَةِ٢، وَغَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَنِ فِيهَا بِبَيَانِ مَا لا زَكَاةَ فِيهِ، فَمَنْ ادَّعَى وُجُوبَهَا فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ -كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ- فَقَدْ ادَّعَى حُكْمًا عَلَى خِلافِ الدَّلِيلِ.
وَأَمَّا تَرَدُّدُ الشَّافِعِيِّ فِي آيَةِ الْبَيْعِ: هَلْ الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُبَيِّنُ لَهَا الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ، دُونَ الزَّكَاةِ؟ فَلأَنَّهُ تَعَالَى٣ عَقَّبَهُ٤ عَلَى الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ٥ وَالرِّبَا٦ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ اللُّغَوِيَّةِ٧، وَلَمْ يُعَقِّبْ آيَةَ الزَّكَاةِ بِشَيْءٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ حديث النهي عن بيع حبل الحبلة أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ عن ابن عمر ﵁. "انظر صحيح البخاري ٣/٩٣، صحيح مسلم ٣/١١٥٣، بذل المجهود ١٥/٣٨، عارضة الأحوذي ٥/٢٣٦، سنن النسائي ٧/٢٥٧، سنن ابن ماجه ٢/٧٤٠، الموطأ٢/٦٥٣، شرح السنة للبغوي ٨/١٣٦". ٢ حديث النهي عن بيع المنابذة والملامسة أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ وأخرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ "انظر صحيح البخاري ٣/٩٢، صحيح مسلم ٣/١١٥١، بذل المجهود ١٥/٣٦، عارضة الأحوذي ٦/٤٥، سنن النسائي ٧/٢٢٨، الموطأ ٢/٦٦٦، شرح السنة للبغوي ٨/١٢٩". ٣ ساقطة من ع ز ض ب. ٤ في ش: عقب. ٥ الآية ٢٧٥ من البقرة. ٦ ساقطة من ش. ٧ قال الشافعي في كتابه "أحكام القرآن" "١/١٣٥": قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فاحتمل إحلال الله البيع معنيين "أحدهما" أن يكون أحل كل بيع تبايعه المتابيعان -جائزي الأمر فيما تبايعاه- عن تراض منها. وهذا أظهر معانيه. "والثاني" أن يكون الله أحل البيع إذا كان مما لم ينه عنه رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد فيكون هذا من الجملة التي أحكم الله فرضها بكتابه وبين كيف هي على لسان نبيه ﷺ. أو من العام الذي أراد به الخاص، فبين رسول الله ﷺ ما أريد بإحلاله منه وما حرم، أو يكون داخلًا فيمها. أو من العام الذي أباحه إلا ما حرم على لسان نبيه منه ومافي معناه. كما كان الضوء فرضًا على كل متوضىء لاخفين عليه لبسهما على كمال الطهارة. وأي هذه المعاني كان فقد ألزمه الله خلقه بما فرض من طاعة رسول الله ﷺ. فلما نهى رسول الله ﷺ عن بيوع تراضى بها المتابيعان استدللنا على أن الله أراد بما أحل من البيوع ما لم يدل على تحريمه على لسان نبيه ﷺ دون ما حرم على لسانه". وقال الجويني في "البرهان" "١/٤٢٢": "تردد جواب الشافعي في أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ من المجملات. وسبب تردده أن لفظ الربا مجمل، وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع، والمجهول إذا استثني من المعلوم انسحب على الكلام كله إجمال".
[ ٣ / ٤٢٨ ]
"وَلا" إجْمَالَ أَيْضًا "فِي" قَوْلِهِ ﷺ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ" ١ "وَنَحْوُهُ" كَ "لا صَلاةَ إلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" ٢ "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ" ٣ "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ" ٤.
وَالْمُرَادُ هُنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ نَفْيُ ذَوَاتٍ وَاقِعَةٍ: تَتَوَقَّفُ٥ الصِّحَّةُ فِيهَا عَلَى إضْمَارِ شَيْءٍ.
فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْمَلَةً٦، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ.
_________________
(١) ١ رواه بلفظ "لا صلاة" الدال على نفي العبادة لفوات أحد شروطها وهو الطهارة -وهو موطن الاستشهاد في المسألة- أبو داود وابن ماجه والدارقطني والطبراني والحاكم. "انظر بذل المجهود-/١٤٨-المستدرك١/١٤٦، سنن ابن ماجه ١/١٤٠، سنن الدارقطني ١/٧٣، تخريج أحاديث المناهج للعراقي ص٢٩١، ٢٩٥". وقد مر الحديث من قبل بلفظ "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" مع تخريجه في؟ ١ ص ٤٧١. ٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت مرفوعًا. "انظر صحيح البخاري ١/١٩٢، صحيح مسلم١/٢٩٥، بذل المجهود ٥/٤٢، عارضة الأحوذي ٢/٤٦، سنن النسائي٢/١٠٦، سنن ابن ماجه ١/٢٧٣، جامع الأصول ٦/٢٢٣". ٣ سبق تخريجه في؟ ٢ ص ٥٥١. ٤ سبق تخريجه في؟ ٢ ص ٢١٠. ٥ في ش: توقف. ٦ انظر "المحصول؟١ق٣/ ٢٤٩، روضة الناظر ص١٨٢، مختصر الطوفي ص١١٧، نشر البنود ١/٢٧٥، نهاية السول ٢/١٤٤، المناهج في ترتيب الحجاج ص ١٠٣، المسودة ص ١٠٧، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص١١٧، المعتمد ١/٣٣٥، المستصفى ١/٣٥١، الإحكام للآمدي ٣/١٧، شرح العضد ٢/١٦٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ٥٩، الآيات البينات ٣/١١٠، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٦، إرشاد الفحول ص١٧٠، اللمع ص ٢٨، فواتح الرحموت ٢/٣٨،التبصرة ص ٢٠٣، مناهج العقول ٢/١٤٣".
[ ٣ / ٤٢٩ ]
فَإِنَّهُ إذَا اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ صَحَّ نَفْيُهُ حَقِيقَةً، لأَنَّ الشَّرْعِيَّ هُوَ١ تَامُّ الأَرْكَانِ مُتَوَفِّرُ الشُّرُوطِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ لِلْمُسِيءِ فِي صَلاتِهِ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ" ٢ وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ النَّفْيِ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ، فَلا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ. فَلا إجْمَالَ.
"وَيَقْتَضِي ذَلِكَ" وَهُوَ كَوْنُهُ لَيْسَ٣ مُجْمَلًا "نَفْيَ الصِّحَّةِ"٤.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَجْهُ عَدَمِ الإِجْمَالِ: أَنَّ عُرْفَ الشَّارِعِ٥ فِيهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ أَيْ٦ لا عَمَلٌ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِعُرْفِ اللُّغَةِ، نَحْوُ: "لا عِلْمَ إلاَّ مَا نَفَعَ"، وَ"لا بَلَدَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ" و"َلا حُكْمَ إلاَّ لِلَّهِ"٧.
وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُهَا، وَأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ، فَنَفْيُ الصِّحَّةِ أَوْلَى، لأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْعَدَمِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ الْمُتَعَذِّرَةِ، وَلَيْسَ هَذَا إثْبَاتًا لِلُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ، بَلْ إثْبَاتًا٨ لأَوْلَوِيَّةِ٩ أَحَدِ الْمَجَازَاتِ، كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ وَالإِجْزَاءِ بِعُرْفِ اسْتِعْمَالٍ١٠. اهـ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم. "انظر صحيح البخاري ١/٢٠١، صحيح مسلم ١/٢٩٨، بذل المجهود ٥/١١٧، عارضة الأحوذي ٢/٩٥، سنن النسائي ٣/٥٠، سنن ابن ماجه ١/٣٣٦، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١/١٤٣". ٣ساقطة من ش. ٤ انظر المسودة ص ١٠٧. ٥ في ض: الشرع. ٦ في ض: أو. ٧ وكل ذلك نفي لما لاينتفي، وهو صدق، لأن المراد منه نفي مقاصده. "المستصفى ١/٣٥٤". ٨ في ش: اثباتًا. ٩ في ض: لأولية. ١٠في ز: استعماله.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وَقِيلَ: إنَّهُ مُجْمَلٌ. لأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. وَقِيلَ: لأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى نَفْيِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، وَالأَحْكَامُ مُتَسَاوِيَةٌ.
"وَعُمُومُهُ مِنْ الإِضْمَارِ" أَيْ مَبْنِيٌّ عَلَى دَلالَةِ الإِضْمَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلالَةِ الاقْتِضَاءِ، وَالإِضْمَارُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: عَامٌّ فِي نَفْيِ الْوُجُودِ وَالْحُكْمِ.
وَقِيلَ: عَامٌّ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ.
"وَمِثْلُهُ" أَيْ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ" وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ١.
قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: قَالَ ٢صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" مِنْ هَذَا الْبَابِ، لأَنَّ الأَعْمَالَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرَهُ مَحْذُوفٌ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ الصِّحَّةُ؟ فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ٣: إنَّمَا الأَعْمَالُ صَحِيحَةٌ، أَوْ الْكَمَالُ؟ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: إنَّمَا الأَعْمَالُ كَامِلَةٌ.
قَالَ: وَالأَظْهَرُ إضْمَارُ الصِّحَّةِ.
"وَمَا اُسْتُعْمِلَ" أَيْ وَأَيُّ لَفْظٍ اُسْتُعْمِلَ "لِمَعْنًى" وَاحِدٍ "تَارَةً" وَاسْتُعْمِلَ "لآخَرِينَ٤" تَارَةً "أُخْرَى، وَلا ظُهُورَ" فِي وَاحِدٍ مِنْهَا٥ مُجْمَلٌ فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ الْغَزَالِيُّ٦
_________________
(١) ١انظر المسودة ص ١٠٧، روضة الناظر ص ١٨٣. والحديث سبق تخريجه في؟١ ص ٤٩١. ٢ في ش: قال. ٣ في ش: التقدير. ٤ في ش: في آخر. ٥ في ش: احد. ٦ المستصفى ١/٣٥٥.
[ ٣ / ٤٣١ ]
وَابْنُ الْحَاجِبِ١ وَجَمْعٌ٢.
وَقَالَ الآمِدِيُّ: ظَاهِرٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ٣، وَحَكَاهُ عَنْ الأَكْثَرِ٤.
وَجْهُ إجْمَالِهِ: تَرَدُّدُهُ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالْمَعْنَيَيْنِ، وَمَحِلُّهُ: إذَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى الْمُرَادِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ: إنْ كَانَ الْمَعْنَى أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ عُمِلَ بِهِ جَزْمًا، لِوُجُودِهِ فِي الاسْتِعْمَالَيْنِ، وَيُوقَفُ الآخَرُ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ التَّاجِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٥.
قَالَ الْمَحَلِّيُّ: هَذَا مَا ظَهَرَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُرَادُهُمْ أَيْضًا٦.
ثُمَّ قَالَ: مِثَالُ الأَوَّلِ: حَدِيثٌ رَوَاهُ٧ مُسْلِمٌ٨ "لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ" بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ، فَإِنَّهُ إنَّ حُمِلَ عَلَى الْوَطْءِ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ٩ مَعْنًى وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُحْرِمَ لا يَطَأُ وَلا يُوطَأُ أَيْ لا يُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنْ وَطْئِهِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْعَقْدِ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ مَعْنَيَانِ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحْرِمَ لا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَلا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ.
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/١٦١. ٢ انظر إرشاد الفحول ص١٧١، فواتح الرحموت ٢/٤٠ـ نهاية السول ٢/١٦٠. ٣ في الإحكام: ما يفيد معنيين. وفي ش: المعينين. وفي ز: المعنى. ٤ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/٢١. ٥ جمع الجوامع مع شرحه للمحلي وحاشية البناني ٢/٦٥. ٦ المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٥. ٧ساقطة من شرح المحلي. ٨ انظر صحيح مسلم ٢/١٢٣٠. ٩ في ش: به.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وَمِثَالُ الثَّانِي: حَدِيثُ مُسْلِمٍ١ أَيْضًا "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا" أَيْ بِأَنْ تَعْقِدَ لِنَفْسِهَا أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا فَيَعْقِدَ لَهَا وَلا يَجْبُرْهَا، وَقَدْ قَالَ بِصِحَّةِ٢ عَقْدِهَا لِنَفْسِهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ٣ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ٤، لَكِنْ إذَا كَانَتْ فِي مَكَان لا وَلِيَّ فِيهِ وَلا٥ حَاكِمَ٦.
"وَمَا لَهُ" أَيْ وَأَيُّ لَفْظٍ لَهُ "مُجْمَلٌ٧" لُغَةً وَشَرْعًا، كَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ" ٨ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالصَّلاةِ فِي الأَحْكَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلاةٌ لُغَةً، لأَنَّ مَعْنَاهَا لُغَةً: الدُّعَاءُ، فَسُمِّيَ صَلاةً، لِمَا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ.
فَعِنْدَ٩ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ١٠: يُحْمَلُ عَلَى الْمَحْمَلِ الشَّرْعِيِّ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ لِتَعْرِيفِ الأَحْكَامِ لا اللُّغَةِ١١، وَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى.
وَأَيْضًا لَيْسَ فِي الطَّوَافِ حَقِيقَةً الصَّلاةُ الشَّرْعِيَّةُ، فَكَانَ مَجَازًا.
وَالْمُرَادُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصَّلاةِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنِّيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا١٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسم ٢/١٠٣٧. ٢ ساقطة من شرح المحلي. ٣ في شرح المحلي: وكذلك بعض. ٤ في شرح المحلي: أصحابنا. ٥ في ز: ولا حكم. ٦ المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٥ وما بعدها. ٧ في ش: مجمل. ٨ سبق تخريجه في ص١٠٤ من هذا الجزء. ٩ في ع: وعتد. ١٠ انظر" الإحكام للآمدي ٣/٢٢، شرح العضد ٢/١٦١، إرشاد الفحول ص ١٧٢، نهاية السول ٢/١٦١، الآيات البينات ٣/١١٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٣ ومابعدها". ١١ في ش: للغه. ١٢ في ش: وغيرها.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ "إلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ ١ فِيهِ الْكَلامَ" فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُهُ صَلاةً فِي الْحُكْمِ إلاَّ مَا اُسْتُثْنِيَ، وَلأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيُّ لِلَّفْظِ حَقِيقَةً رُدَّ إلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ، مُحَافَظَةً عَلَى الشَّرْعِيِّ مَا أَمْكَنَ.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ وَالْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ٢.
أَوْ٣ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، تَقْدِيمًا لِلْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ.
وَكَالْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
"أَوْلَهُ٤ حَقِيقَةٌ لُغَةً وَشَرْعًا، فَلِلشَّرْعِيِّ٥" يَعْنِي أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ٦ إذَا وَرَدَ بِلَفْظٍ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي اللُّغَةِ وَحَقِيقَةٌ فِي الشَّرْعِ، كَالْوُضُوءِ وَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ٧ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٨.لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَلأَنَّهُ كَالنَّاسِخِ الْمُتَأَخِّرِ. فَيَجِبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ المستصفى ١/٣٥٧. ٣ في ش: و. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش: فالشرعي. ٦ في ش: الخطاب الشرعي. ٧ في ض ب: الشرعي. ٨ انظر" المسودة ص١٧٧، التبصرة ص١٩٥، نهاية السول ١/٣١١، الإحكام للآمدي ٣/٢٣، شرح العضد ٢/١٦١، إرشاد الفحول ص١٧٢، المستصفى ١/٣٥٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٦٣، الآيات البينات ٣/١١٥، فواتح الرحموت ٢/٤١، شرح تنقيح الفصول ص ١١٢، ١١٤، التمهيد للأسنوي ص٦١، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص١٢٣، مناهج العقول ١/٣٠٩".
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وَلِذَلِكَ ضَعَّفُوا حَمْلَ حَدِيثِ: "مَنْ أَكَلَ لَحْمَ جَزُورٍ فَلْيَتَوَضَّأْ ١ " عَلَى التَّنْظِيفِ بِغَسْلِ الْيَدِ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ٢ التَّوَضُّؤَ٣ مِنْهُ لِضَعْفِ الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِذَلِكَ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هَذَا أَرْجَحُ الْمَذَاهِبِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ، إلاَّ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الشَّرْعِيِّ.
قَالَ: لأَنَّ الشَّرْعِيَّ مَجَازٌ. وَالْكَلامُ لِحَقِيقَتِهِ٤، حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ٥ عَلَى الْمَجَازِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ، وَإِلَى اللُّغَةِ مَجَازٌ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لا لَهُ.
وَقِيلَ: ٦هُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ٧ مُجْمَلٌ٨.
"فَ" عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ "إنْ تَعَذَّرَ" الْحَمْلُ عَلَى٩ الشَّرْعِيِّ "فَالْعُرْفِيِّ" أَيْ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِيِّ، لأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ، وَلِهَذَا اعْتَبَرَ الشَّارِعُ الْعَادَاتِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ مرفوعًا، وأخرجه أبو داود والترمذي وأحمد في مسنده عن البراء بن عازب ﵁ مرفوعًا "انظر صحيح مسلم ١/٢٧٥، بذل المجهود ٢/٩٤، عارضة الأحوذي ١/١٣٣، مسند أحمد ٤/٢٨٨، ٤/٣٠٣". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٩. ٣ في ش: الوضوء. ٤ في ش: على الحقيقة. وفي ع: للحقيقة. وفي ض: حقيقة. وفي ب: الحقيقة. ٥ في ش: دليل عليه لا له. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ش: أي. ٨ انظر العدة ١/١٤٣، المسودة ص ١٧٧. ٩ ساقطة من ش.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
فَإِنْ تَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْعُرْفِيِّ "فَاللُّغَوِيِّ" يَعْنِي فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ، كَقَوْلِهِ ﷺ: "مَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلّ" ١.
حَمَلَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي٢ وَالشَّرْحِ٣ وَغَيْرُهُمَا عَلَى مَعْنَى "فَلْيَدَعْ".
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَمْلَ: مَا رَوَى أَبُو دَاوُد٤ "فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدَعْ" وَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ مُرَادُهُ اللُّغَةُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ أَيْضًا الْحَمْلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ "فَالْمَجَازِ٥" يَعْنِي فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ، لأَنَّ الْكَلامَ إمَّا حَقِيقَةٌ وَإِمَّا مَجَازٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَمَا بَقِيَ إلاَّ الْمَجَازُ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ٦، وَالأَقْوَالُ السَّابِقَةُ فِي٧ مَجَازٍ مَشْهُورٍ وَحَقِيقَةٍ لُغَوِيَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأبو داود عن ابن عمر رضي عنه. "انظر صحيح مسلم ٢/١٠٥٤، بذل المجهود ١٦/٦٧"، وقد روى البخاري ومالك في الموطأ الشطر الأول منه عن ابن عمر ﵁: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها". "انظر صحيح البخاري ٧/٣١، الموطأ ٢/٥٤٦". ٢ المغني ٨/١٠٨. ٣ الشرح الكبير على المقنع ٨/١٠٩. ٤ بذل المجهود ١٦/٦٨. ٥ في ش: فالجازي. ٦انظر المحصول؟١ق١/ ٥٧٧، مناهج العقول ١/٣٠٩ وما بعدها، نهاية السول ١/٣١١ وما بعدها. ٧ في ع: المجاز مشهوره.
[ ٣ / ٤٣٦ ]