"الْمُطْلَقِ" مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةٍ تَدُورُ عَلَى مَعْنَى الانْفِكَاكِ مِنْ الْقَيْدِ١، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: هُوَ [مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لِجِنْسِهِ] .
فَخَرَجَ بِقَوْلِنَا "مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا" أَلْفَاظُ الأَعْدَادِ الْمُتَنَاوِلَةُ لأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.
وَخَرَجَ بِ "غَيْرَ مُعَيَّنٍ" الْمَعَارِفُ كَزَيْدٍ وَنَحْوِهِ.
وَبِبَاقِي٢ الْحَدِّ: الْمُشْتَرَكُ وَالْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ، فَإِنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا لا بِعَيْنِهِ لا بِاعْتِبَارِ حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ.
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣ وَقَوْلُهُ ﷺ: "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ" ٤ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظِ "الرَّقَبَةِ" وَ"الْوَلِيِّ" قَدْ يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسِ الرِّقَابِ٥ وَالأَوْلِيَاءِ.
وَفِيهِ حُدُودٌ غَيْرُ ذَلِكَ، قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهَا حَدٌّ٦
_________________
(١) ١ انظر معجم مقاييس اللغة ٣/٤٢٠. ٢ في ع: ومافي. وفي ض: ويأتي. وفي ب: باقي. ٣ الآية ٣ من المجادلة. ٤ سبق تخريجه في ج٢ ص٥٥١. ٥ في ش: الرقيات. ٦ انظر تعريفات الأصوليين في "البرهان ١/٢٥٦، المسودة ص١٤٧، الإحكام للآمدي ٣/٣، كشف الأسرار ٢/٢٨٦، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٤٤، إرشاد الفحول ص ١٦٤، فواتح الرحموت ١/٣٦٠، المحصول ج١ق٣/٥٢١، التعريفات للجرجاني ص١١٥، الحدود للباجي ص٤٧، نشر البنود على مراقي السعود ١/٢٦٤، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب٢/١٥٥، مناهج العقول ٢/١٣٨، شرح تنقيح الفصول ص ٢٦٦".
[ ٣ / ٣٩٢ ]
"وَ" يُقَابِلُ الْمُطْلَقَ "الْمُقَيَّدُ" وَهُوَ "مَا تَنَاوَلَ مُعَيَّنًا أَوْ مَوْصُوفًا بِزَائِدٍ١" أَيْ٢ بِوَصْفٍ زَائِدٍ "عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِهِ"٣ نَحْوُ " شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَ"٤ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ٥ وَهَذَا الرَّجُلُ.
وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ فِي تَقْيِيدِهِ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْقُيُودِ وَكَثْرَتِهَا، فَمَا كَثُرَتْ فِيهِ قُيُودُهُ كَقَوْله تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٦ الآيَةَ٧أَعْلَى رُتْبَةً مِمَّا قُيُودُهُ أَقَلُّ.
"وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ" أَيْ الإِطْلاقُ وَالتَّقْيِيدُ "فِي لَفْظٍ" وَاحِدٍ "بِا" عْتِبَارِ "الْجِهَتَيْنِ" فَيَكُونَ اللَّفْظُ مُقَيَّدًا مِنْ وَجْهٍ مُطْلَقًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ٨.
نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٩ قُيِّدَتْ الرَّقَبَةُ١٠ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ وَالإِيمَانُ١١ فَتَتَعَيَّنُ١٢ الْمُؤْمِنَةُ لِلْكَفَّارَةِ، وَأُطْلِقَتْ مِنْ حَيْثُ مَا سِوَى الإِيمَانِ مِنْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ض ب. وفي متن مختصر التحرير: زائدًا. ٢ ساقطة من ع ض ب. ٣ انظر تعريفات للمقيد في " الحدود للباجي ص ٤٨، فواتح الرحموت ١/٣٦٠، إرشاد الفحول ص١٦٤، كشف الأسرار ٢/٢٨٦، الإحكام للآمدي ٣/٤، شرح العضد ٢/١٥٥، مناهج العقول ٢/١٣٨، شرح تنقيح الفصول ص٢٦٦، روضة الناظر ص٢٦٠". ٤ الآية ٤ من المجادلة. ٥ الآية ٩٢من النساء. ٦ في ش: قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارًا. ٧ الآية ٥ من التحريم. ٨ شرح تنقيح الفصول ص٢٦٦. ٩ الآية ٩٢ من النساء. ١٠ ساقطة من ش. ١١ في ش: والإيمان. ١٢ في ب: فتعين.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
الأَوْصَافِ، كَكَمَالِ الْخِلْقَةِ وَالطُّولِ وَالْبَيَاضِ وَأَضْدَادِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالآيَةُ مُطْلَقَةٌ فِي كُلِّ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَفِي كُلِّ كَفَّارَةٍ مُجْزِئَةٍ، مُقَيَّدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ١ الرِّقَابِ وَمُطْلَقِ الْكَفَّارَاتِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الإِطْلاقَ وَالتَّقْيِيدَ تَارَةً يَكُونَانِ فِي الأَمْرِ، كَأَعْتِقْ رَقَبَةً وَأَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، وَتَارَةً فِي الْخَبَرِ، كَـ "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ" ٢، وَ"لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ مرشد ٣ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ٤ ".
قَالَ الطُّوفِيُّ: وَهُمَا فِي الأَلْفَاظِ مُسْتَعَارَانِ مِنْهُمَا فِي الأَشْخَاصِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ: إذَا خَلا عَنْ قَيْدٍ أَوْ عِقَالٍ، وَمُقَيَّدٌ إذَا كَانَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ أَوْ عِقَالٌ أَوْ شِكَالٌ وَنَحْوُهُ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيَوَانِ مِنْ الْحَرَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الاخْتِيَارِيَّةِ.
فَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً فَهَذِهِ الرَّقَبَةُ شَائِعَةٌ فِي جِنْسِهَا شُيُوعُ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ بِحَرَكَتِهِ الاخْتِيَارِيَّةِ بَيْنَ جِنْسِهِ، وَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَهَا كَالْقَيْدِ الْمُمَيِّزِ لِلْحَيَوَانِ الْمُقَيَّدِ مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ جِنْسِهِ، وَمَانِعَةً لَهَا مِنْ الشُّيُوعِ، كَالْقَيْدِ الْمَانِعِ لِلْحَيَوَانِ مِنْ الشُّيُوعِ بالْحَرَكَةِ ٥فِي جِنْسِهِ.
وَهُمَا أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ، فَمُطْلَقٌ لا مُطْلَقَ بَعْدَهُ كَمَعْلُومٍ،
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ أخرجه بهذا اللفظ البيهقي عن عائشة وابن عباس مرفوعًا وعن عمر موقوفًا، وأخرجه أيضًا ابن حبان عن عائشة مرفوعًا. وجاء في سائر تلك الروايات، وشاهدي عدل، "انظر سنن البيهقي ٧/١٢٤-١٢٦، الدارية لتخريج أحاديث الهداية ٢/٥٥". ٣في ش: رشيد. ٤ أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في سننه عن ابن عباس موقوفًا. "سنن البيهقي ٧/١١٢" ٥ في ش: والحركة.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وَمُقَيَّدٌ لا مُقَيَّدَ بَعْدَهُ كَزَيْدٍ، وَبَيْنَهُمَا وَسَائِطُ تَكُونُ مِنْ الْمُقَيَّدِ بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلُ، وَمِنْ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدُ، كَجِسْمٍ وَحَيَوَانٍ وَإِنْسَانٍ١.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: فَالْمُطْلَقُ الْحَقِيقِيُّ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ وَالإِضَافِيُّ مُخْتَلِفٌ٢.
"وَهُمَا" أَيْ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ "كَعَامٍّ وَخَاصٍّ" فِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ وَمُخْتَارٍ مِنْ الْخِلافِ.
فَيَجُوزُ تَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ، وَتَقْيِيدُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَبِالْكِتَابِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ، وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَفِعْلُ٣ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرُهُ، وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ، عَلَى الأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ٤.
"لَكِنْ" بَيْنَهُمَا فَرْقٌ٥ مِنْ وُجُوهٍ:
فَمِنْ٦ ذَلِكَ: "إنْ وَرَدَا" أَيْ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ "وَاخْتَلَفَ٧ حُكْمُهُمَا" أَيْ حُكْمُ٨ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ "فَلا حَمْلَ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ اتَّفَقَ السَّبَبُ أَوْ اخْتَلَفَ٩.
_________________
(١) ١ انظر شرح تنقيح الفصول ص٢٦٦. ٢ نحو"رجل" و"رقبة" فإنه مطلق بالإضافة إلى "رجل عالم" و"رقبة مؤمنة"، ومقيد بالإضافة إلى الحقيقي، لأنه يدل على واحد شائع، وهما قيدان زائدان على الماهية. "إرشاد الفحول ص١٦٤". ٣ في ش: وبعد. ٤ انظر نشر البنود على مراقي السعود ١/٢٦٦. ٥ في ع: فروقًا. وفي ض. ب: فروق. ٦ في ش ز: من. ٧ في ش: فاختلف. ٨ ساقطة من ض ب. ٩ انظر "القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨٠، نهاية السول ٢/١٤٠، روضة الناظر ص ٢٦٦، مختصر الطوفي ص١١٥، العدة ٢/٦٣٦، الإشارات للباجي ص٤١، التبصرة ص٢١٢، المحصول ج١ق٣/٢١٤، فواتح الرحموت ١/٣٦١، إرشاد الفحول ص١٦٦، المعتمد ١/٣١٢، الإحكام للآمدي ٣/٤، شرح العضد ٢/١٥٦، كشف الأسرار ٢٧٨، المستصفى ٢/١٨٥، التلويح على التوضيح ١/٦٣، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٧، الآيات البينات ٣/٩٧، التمهيد للآسنوي ص ١٢٧".
[ ٣ / ٣٩٥ ]
مِثَالُ اتِّفَاقِهِ: التَّتَابُعُ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ١.فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ٢، وَإِطْلاقِ الإِطْعَامِ فِيهَا.
وَمِثَالُ اخْتِلافِ السَّبَبِ: الأَمْرُ بِالتَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَإِطْلاقُ الإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَتَارَةً يَتَّحِدُ سَبَبُهُمَا وَتَارَةً يَخْتَلِفُ:
"فَإِنْ اتَّحَدَ سَبَبُهُمَا" أَيْ سَبَبُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَ٣مَعَ اتِّحَادِ سَبَبِهِمَا: تَارَةً يَكُونَانِ مُثْبَتَيْنِ، وَتَارَةً يَكُونَانِ نَهْيَيْنِ، وَتَارَةً يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالآخَرُ نَهْيًا.
"فَإِنْ كَانَا مُثْبَتَيْنِ" أَوْ٤ فِي مَعْنَى الْمُثْبَتِ، كَالأَمْرِ كَأَعْتِقْ فِي الظِّهَارِ رَقَبَةً، ثُمَّ قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، حُمِلَ مِنْهُمَا مُطْلَقٌ وَلَوْ تَوَاتُرًا عَلَى مُقَيَّدٍ وَلَوْ آحَادًا" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٥
_________________
(١) ١ في ض: يمين. ٢ حيث قرأ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ﴾ "المائدة ٨٩" انظر أحكام القرآن لجصاص ٢/٤٦١، فتح القدير للشوكاني ٢/٧٢، أحكام القرآن لابن العربي ٢/٦٥٤". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: أي. ٥ انظر" المحصول ج١ق٣ ٢١٥، الإحكام للآمدي ٢/٤، اللمع ص ٢٤، القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨١، العدة ٢/٦٢٨، شرح تنقيح الفصول ص٢٦٦، مناهج العقول ٢/١٣٩، نهاية السول ٢/١٤٠، إرشاد الفحول ص١٦٤، فواتح الرحموت ١/٣٦٢، التلويح على التوضيح ١/٦٣، المستصفى ٢/١٨٥، كشف الأسرار ٢/٢٨٧، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٠، الآيات البينات ٣/٩٣، شرح العضد ٢/١٥٦، التمهيد للآسنوي ص ١٢٧".
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وَغَيْرِهِمْ١، وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا٢.
وَحُكِيَ فِيهِ خِلافٌ عَنْ٣ الْحَنَفِيَّةِ٤ وَالْمَالِكِيَّةِ٥.
وَقِيلَ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي تَعْلِيقِهِ: فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ "أَمَرَ الْمُحْرِمَ بِقَطْعِ الْخُفِّ"٦ وَأَطْلَقَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ٧، فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ؟
_________________
(١) ١ انظر المعتمد للبصري ١/٣١٢. ٢ حكاية للمصنف الإجماع على المجد غير دقيقة، أقول المجد في "السودة" ص ١٤٦: فإن كان المطلق والمقيد مع اتحاد السبب والحكم في شيء واحد، كما لو قال "إذا حنثتم فعليكم عتق الرقبة" وقال في موضع آخر "إذا حنثتم فعليكم عتق رقبة مؤمنة" فهذا لاخلاف فيه، وإنه يحمل المطلق على المقيد، اللهم أن لا يكون المقيد آحادًا والمطلق تواترًا، فينبني على مسألة الزيادة على النص، هل هي نسخ؟ وعلى النسخ للتواتر بالأحاد، والمنع قول الحنفية". ٣ في ش: عند. ٤ الصواب أن رأي الحنفية موافق في الجملة لمذهب الجمهور في حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب، وكان الحكم مثبتًا. "انظر: التلويح على التوضيح ١/٦٣ وما بعدها، كشف الأسرار ٢/٢٨٧، فواتح الرحموت ١/٣٦٢". انظر الإشارات للباجي ص ٤٢. ٥ انظر الإشارات للباجي ص ٤٢. ٦ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ، ولفظه: عن ابن عمر ﵄ " أن رجلًا قال: يا رسول الله! ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين، فيلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين" "انظر صحيح البخاري ٢/١٦٨، صحيح مسلم ٢/٨٣٤، سنن النسائي ٥/١٠٢، الموطأ ١/٣٥، عارضة الأحوذي ٤/٥٤، بذل المجهود ٩/٤٧، جامع الأصول ٣/٣٩٠". ٧ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ولفظ البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: خطبنا النبي ﷺ بعرفات فقال: "من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فيلبس الخفين". "انظر صحيح البخاري ٣/٢١، صحيح مسلم ٢/٨٣٥، بذل المجهود ٩/٥٦، عارضة الأحوذي ٤/٥٧، سنن النسائي ٥/١٠١، جامع الأصول ٣/٣٩٢".
[ ٣ / ٣٩٧ ]
فَقَالَ: إنَّمَا يُحْمَلُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ، وَتَأَوَّلْنَا١ التَّقْيِيدَ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَلَى أَنَّ الْمَرُّوذِيَّ٢ قَالَ: احْتَجَجْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَقُلْتُ: فِيهِ زِيَادَةٌ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ، وَذَاكَ حَدِيثٌ، وَظَاهِرُ٣ هَذَا: أَنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ: لا يُحْمَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ٤ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ٥، وَإِنْ سَلَّمْنَا عَلَى رِوَايَةٍ، فَإِنْ٦ لَمْ يُمْكِنْ التَّأْوِيلُ٧. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّهُ عَمَلٌ بِالصَّرِيحِ وَالْيَقِينِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَيَّدُ آحَادًا وَالْمُطْلَقُ تَوَاتُرًا انْبَنَى عَلَى الزِّيَادَةِ هَلْ هِيَ نَسْخٌ؟ وَعَلَى نَسْخِ التَّوَاتُرِ بِالآحَادِ، وَالْمَنْعُ لِلْحَنَفِيَّةِ٨.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُقَيَّدَ بَيَانٌ لِلْمُطْلَقِ٩.
وَقِيلَ: نَسْخٌ إنْ تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ.
وَقِيلَ: عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِيمَا إذَا وَرَدَ عَامٌّ
_________________
(١) ١ في ز: وتأويلنا. ٢ في ش زض: المروزي. ٣ في ش: وظاهر. ٤ أي الإمام أحمد. ٥ في ش زض: المرزوي. ٦ في ش: فإن. ٧ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨١. ٨ انظر فواتح الرحموت ٢/٧٦، والتلويح على التوضيح ٢/٣٦، فتح الغفار ٢/١٣٤، المسودة ص١٤٦. ٩ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٢، التمهيد للآسنوي ص ١٢٧.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
وَخَاصٌّ، سَوَاءٌ كَانَا مُقْتَرِنَيْنِ أَوْ لا.
وَانْبَنَى ١عَلَى نَسْخِ التَّوَاتُرِ بِالآحَادِ. وَالصَّحِيحُ: عَلَى أَنَّهُ لا يُنْسَخُ بِهِ، فَإِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ٢ نَسْخًا، وَأَنَّ الآحَادَ لا يَنْسَخُ التَّوَاتُرَ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُقَيَّدَ بَيَانٌ لِلْمُطْلَقِ كَتَخْصِيصِ٣ الْعَامِّ، وَكَمَا لا يَكُونُ تَأْخِيرُ الْمُطْلَقِ نَسْخًا لِلْمُقَيَّدِ مَعَ رَفْعِهِ لِتَقْيِيدِهِ فَكَذَا عَكْسُهُ.
"وَمُقَيَّدٌ" يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ الْمُقَيَّدَ "وَلَوْ" وَرَدَ "مُتَأَخِّرًا" عَنْ الْمُطْلَقِ فَهُوَ "بَيَانٌ لِلْمُطْلَقِ" وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ٤.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ كَانَ نَسْخًا. وَإِنْ تَقَدَّمَ كَانَ بَيَانًا٥.
"وَإِنْ كَانَا" أَيْ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ "نَهْيَيْنِ" نَحْوَ لا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا٦ كَافِرًا، أَوْ لا تُكَفِّرْ بِعِتْقِ كَافِرٍ "قُيِّدَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ اللَّفْظُ٧ "الْمُطْلَقُ بِمَفْهُومِ" اللَّفْظِ "الْمُقَيَّدِ" عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً، لأَنَّ الْمُقَيَّدَ دَلَّ بِالْمَفْهُومِ٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: أيضًا. ٣ في ش: لتخصيص. ٤ انظر مناهج العقول ٢/١٤٠، كشف الأسرار٢/٢٨٨، القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨٢، إرشاد الفحول ص١٦٥، نهاية السول ٢/١٤٠، اللمع ص٢٤، شرح العضد ٢/١٥٦. ٥ انظر المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٠، الآيات البينات ٣/٩٣، فواتح الرحموت ١/٣٦٢، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٢، إرشاد الفحول ص١٦٥، شرح العضد ٢/١٥٦. ٦ ساقطة من ش. ٧ ساقطة من ع. ٨ انظر خلاف الأصوليين في المسألة في "المسودة ص١٤٦، القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨٢، الآيات البينات ٣/٩٥، المعتمد للبصري، ١/٣١٣، كشف الأسرار ٢/٢٨٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٠ شرح العضد ٢/١٥٧، فواتح الرحموت ١/٣٦١، التلويح على التوضيح ١/٦٤، مناهج العقول ٢/١٣٩، التمهيد للآسنوي ص ١٢٨، نهاية السول ٢/١٤٠".
[ ٣ / ٣٩٩ ]
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: فَالْقَائِلُ إنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ يُقَيِّدُ قَوْلَهُ "لا تَعْتِقْ مُكَاتَبًا" بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ "لا تَعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا" فَيَجُوزُ إعْتَاقُ الْمُكَاتَبِ الْمُسْلِمِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الْمَحْصُولِ١ وَمَنْ لا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ يَعْمَلُ بِالإِطْلاقِ، وَيَمْنَعُ إعْتَاقَ الْمُكَاتَبِ مُطْلَقًا، وَبِهَذَا قَالَ الآمِدِيُّ٢ وَابْنُ الْحَاجِبِ٣.انْتَهَى.
"وَكَنَهْيٍ نَفْيٌ"٤ نَحْوُ لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ، لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ رَشِيدٍ٥ "وَإِبَاحَةٌ وَكَرَاهَةٌ، وَفِي نَدْبٍ نَظَرٌ".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْمُسَوَّدَةِ قُلْتُ: وَإِنْ٦ كَانَا إبَاحَتَيْنِ٧ فَهُمَا٨ فِي مَعْنَى النَّهْيَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَا كَرَاهَتَيْنِ٩، وَإِنْ كَانَا نَدْبَيْنِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ كَانَا١٠ خَبَرَيْنِ عَنْ١١ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَيُنْظَرَ فِي ذَلِكَ
_________________
(١) ١ المحصول ج١ق٣/٢١٧. ٢ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٥. ٣ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/١٥٦. ٤ انظر فواتح الرحموت ١/٣٦١، إرشاد الفحول ص ١٦٦، الآيات البينات ٣/٩٤، شرح العضد ٢/١٥٧، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٠. ٥ في ش: رشيد. ٦ في المسودة: وإذا. ٧ في ب ع ز ض: اباحين. ٨ زيادة من المسودة. ٩ في ب ع ز ض: كراهيين. ١٠ في ض: كان. ١١ في ع: في.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
الْحُكْمِ١. اهـ.
"وَإِنْ كَانَا" أَيْ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ "أَمْرًا وَنَهْيًا" أَيْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالآخَرُ نَهْيًا "فَالْمُطْلَقُ" مِنْهُمَا "مُقَيَّدٌ بِضِدِّ الصِّفَةِ" ٢كَإِنْ ظَاهَرْتَ فَأَعْتِقْ رَقَبَةً، وَلا تَمْلِكْ رَقَبَةً كَافِرَةً فَلا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِنَفْيِ الْكُفْرِ، لاسْتِحَالَةِ إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ٣، وَالْحَمْلُ٤ فِي ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، لا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ حُمِلَ عَلَى الْمُقَيَّدِ٥.
"وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُهُمَا" أَيْ سَبَبُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ، كَإِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ فِي الْقَتْلِ وَفِي الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.
أَمَّا الظِّهَارُ: فَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ مُطْلَقَةً فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٦.
وَقَالَ فِي الْيَمِينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٧.
وَأَمَّا فِي الْقَتْلِ: فَإِنَّهَا وَرَدَتْ فِيهِ مُقَيَّدَةً بِالإِيمَانِ فِي قَوْله تَعَالَى:
_________________
(١) ١ المسودة ص١٤٧. ٢ في ش: كـ. ٣ لتوقف الاعتاق على الملك. ٤ في ش: والحمل. ٥ انظر شرح العضد ٢/١٥٦، الإحكام للآمدي ٣/٤، القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨٠، مناهج العقول ٢/١٤٢، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥١، الآيات البينات ٣/٩٥، التمهيد للآسنوي ص ١٢٧. ٦ الآية ٣من المجادلة. ٧ الآية ٨٩ من المائدة.
[ ٣ / ٤٠١ ]
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ١ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ ٢.
وَمِنْ ذَلِكَ -وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِثَالًا لِلنَّدْبَيْنِ- قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٣ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ قِيَاسًا بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَحْمَدَ٥ وَالشَّافِعِيِّ٦ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمَا٧ لِتَخْصِيصِ٨ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَبِهِ تَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ٩ وَالشَّافِعِيَّةُ١٠ وَالآمِدِيُّ١١ وَابْنُ
_________________
(١) ١ في ش: مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية. ٢ الآية ٩٢ من النساء. ٣ الآية ٢٨٢ من البقرة. ٤ الآية ٢ من الطلاق. ٥ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص٢٨٣، المسودة ص١٤٥،العدة ٢/٦٣٨، روضة الناظر ص ٢٦١. ٦ انظر مناهج العقول ٢/١٣٩، شرح العضد ٢/١٥٧، التمهيد للآسنوي ص ١٢٨، الإحكام للآمدي ٣/٥، الآيات البينات ٣/٩٧، نهاية السول ٢/١٤١، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥١. ٧في ش: أصحابنا. ٨ في ش: كتخصيص. ٩ عزو ابن قاضي الجبل القول يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة للمالكية غير سديد، فقد جاء في "الإشارات" للباجي ص٤١:"فإن تعلق بسببين مختلفين، نحو أن يفيد الرقبة في القتل بالإيمان، ويطلقها في الظهار، فإنه لايحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا إلا بدليل يقتضى ذلك" وذكر الشنقيطي المالكي في "نشر البنود" ١/٢٦٨، أن جل المالكية لا يحملون المطلق على المقيد مع اتحاد الحكم إذا اختلف السبب. وقال القرافي في "شرح تنقيح الفصول ص ٢٦٧: وأما إذا اختلف السبب واتحد الحكم فالذي حكاه القاضي عبد الوهاب في كتاب" الإفادة" وكتاب "الملخص" عن المذهب: عدم الحمل إلا القليل من أصحابنا". ١٠ اللمع ص ٢٤، نهاية السول ٢/١٤١، مناهج العقول ٢/١٣٩، التبصرة ص٢١٦، التمهيد للآسنوي ص١٢٨، الآيات البينات ٣/٩٧، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥١، إرشاد الفحول ص١٦٥، المعتمد ١/٣١٣. ١١ الإحكام في أصول الأحكام٣/٥.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
الْحَاجِبِ١ وَالرَّازِيُّ٢ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَنَسَبَهُ لِلْمُحَقِّقِينَ٣. اهـ.
وَعَنْهُ٤ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ٥ وَمَنْ تَبِعَهُمْ٦.
وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
"أَوْ" اخْتَلَفَ "سَبَبُ٧ مُقَيَّدَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَمُطْلَقٍ" فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "حُمِلَ الْمُطْلَقُ" يَعْنِي عَلَى الْمُقَيَّدِ "قِيَاسًا بِجَامِعٍ"٨.
مِثَالُ ذَلِكَ -مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ- تَتَابُعُ صَوْمِ الظِّهَارِ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِتَتَابُعِهِ بِقَوْلِهِ٩ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ١٠ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ١١.
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب مع شرحه ٢/١٥٦. ٢ المحصول ج١ق٣ ٢١٨. ٣ في ش: إلى المحققين. ٤ انظر القواعد والفوائد الأصولية ٢٨٣، المسودةص ١٤٥، العدة ٢/٦٣٨، روضة الناظر ص ٢٦١. ٥ فواتح الرحموت ١/٣٦٥، كشف الأسرار ٢/٢٨٧، التلويح على التوضيح ١/٦٣. ٦ انظر شرح تنقيح الفصول ص٢٦٧، الإشارات للباجي ص٤٢، نشر البنود على مراقي السعود ١/٢٦٨. ٧ في ش: سبب متناقضين. ٨ انظر خلاف الأصوليين في هذه المسألة في" اللمع ص ٢٤، العدة ٢/٦٣٧، شرح تنقيح الفصول ص ٢٦٩، المسودة ص١٤٥، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٤، نهاية السول ٢/١٤١، المحصول ج١ق٣/٢٢٣، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٢، الآيات البينات ١/٢٦٧، إرشاد الفحول ص١٦٧، المعتمد ١/٣١٤، فواتح الرحموت ١/٣٦٥، أصول السرخسي ١/٢٦٧، أدب القاضي للماوردي ١/٣٠٧، التمهيد للآسنوي ص١٣٠. ٩ في ز: لقوله. ١٠ ساقطة من ش. ١١ الآية ٤ من المجادلة.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وَتَفْرِيقُ١ صَوْمِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِتَفْرِيقِهِ لِقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ ٢ وَوُرُودُ٣ قَضَاءِ رَمَضَانَ مُطْلَقًا٤ لَمْ يَرِدْ بِهِ تَتَابُعٌ وَلا٥ تَفْرِيقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٦ فَأَطْلَقَ الْقَضَاءَ.
وَحَيْثُ حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ قِيَاسًا بِجَامِعٍ عَلَى الرَّاجِحِ٧ مِنْ الْخِلافِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ لا يُلْحَقُ٨ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لُغَةً بِلا خِلافٍ إذْ لا مَدْخَلَ لِلُّغَةِ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ٩، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ١٠، وَتَبِعَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ.
فَإِذَا حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَى أَحَدِ الْمُقَيَّدَيْنِ فَيَكُونُ الْحَمْلُ عَلَى أَشْبَهِ الْمُقَيَّدَيْنِ بِالْمُطْلَقِ، قَالَ الطُّوفِيُّ١١ وَغَيْرُهُ١٢ تَبَعًا لِلْمُوَفَّقِ فِي
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ الآية ١٩٦ من البقرة. ٣ في ش: وورود. ٤ في ش ز ع ب ض: مطلق. ٥ في ش: ولا قضاء تفريق. ٦ الآية ١٨٤ من البقرة. وقد جاء في ز ض ب: وإن كنتم مرضى أو على سفر. وهو غلط. ٧ في ش: الراجح تخلصًا. ٨ في ع: لاتحلق. ٩ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٤، أدب القاضي للماوردي ١/٣٠٦، التمهيد للآسنوي ص١٢٨. ١٠ المسودة ص ١٤٥. ١١ مختصر الروضة ص ١١٥. ١٢ في ز: في شرحه وغيره.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
الرَّوْضَةِ١: حَمْلًا٢ عَلَى الْمُطْلَقِ عَلَى أَشْبَهِهِمَا بِهِ.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ السَّبَبُ، وَلَمْ٣ يُمْكِنْ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى أَحَدِ الْمُقَيَّدَيْنِ قِيَاسًا بِجَامِعٍ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَأَحَدِ الْمُقَيَّدَيْنِ "تَسَاوَيَا" فِي عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا "وَسَقَطَا٤" كَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا٥.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ وَاحِدًا. فَإِنْ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ مِنْ الآخَرِ، بِأَنْ كَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَظْهَرَ: قُيِّدَ بِهِ. لأَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ الأَجْلَى أَوْلَى، فَإِنْ تَسَاوَيَا عُمِلَ بِالْمُطْلَقِ وَيُلْغَى الْمُقَيَّدَانِ٦، كَالْبَيِّنَتَيْنِ٧ إذَا٨ تَعَارَضَتَا، فَإِنَّ الأَرْجَحَ فِيهِمَا التَّسَاقُطُ وَكَانَا٩ كَمَنْ لا بَيِّنَةَ هُنَاكَ.
وَعِبَارَتُهُ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ، وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَتْ الصُّورَةُ الْوَاحِدَةُ، ثُمَّ قُيِّدَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ بِعَيْنِهَا بِقَيْدَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" ١٠ وَوَرَدَ١١ فِي رِوَايَةٍ: "إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ"
_________________
(١) ١ روضة الناظر ص٢٦١. ٢ في ش: حملا على. ٣ في ش: وإن لم. ٤ في ش: ومنقطعًا. ٥ انظر نهاية السول ٢/١٤١، شرح تنقيح الفصول ص٢٦٩، المحلى على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٥٢، الآيات البينات ٣/٩٧، التمهيد للآسنوي ص ١٢٩. ٦ في ع: المقيد إن كان. ٧ في ع: لبنتين. ٨ في ع: إن. ٩ في ش: وكانا. ١٠ رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن. وقد تخريجه في ج٢ ص٣٦٨. ١١ في القواعد: فإنه قد ورد.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ١ وَلَمْ يُضَعِّفْهَا٢.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ أَنَّهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي الْخُلاصَةِ رِوَايَةُ إحْدَاهُنَّ لَمْ تَثْبُتْ٣.
وَفِي رِوَايَةٍ "أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ" "رَوَاهَا مُسْلِمٌ"٤ وَفِي أُخْرَى "السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ" رَوَاهَا أَبُو دَاوُد٥وَهِيَ ٦مَعْنَى "مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ"٧ "وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ" ٨ قِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ "ثَامِنَةً" لأَجْلِ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ مَعَهَا.
فَلَمَّا كَانَ الْقَيْدَانِ مُتَنَافِيَيْنِ٩ تَسَاقَطَا وَرَجَعْنَا إلَى الإِطْلاقِ فِي "إحْدَاهُنَّ" فَفِي أَيْ غَسْلَةٍ جُعِلَ١٠ جَازَ، إذَا أَتَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُهُ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ١١.
لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي الأَوْلَوِيَّةِ١٢ عَلَى أَقْوَالٍ عِنْدَنَا١٣.
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني ١/٦٥. ٢ هذا العزو للدارقطني غير سليم، وذلك لأن الدارقطني روى الحديث عن الجاورد عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة عن علي مرفوعًا ثم قال بعده: الجاورد هو ابن أبي يزيد، متروك". "انظر سنن الدارقطني ١/٦٥". ٣ زيادة من القواعد والفوائد الأصولية. ٤ زيادة من القواعد والفوائد الأصولية. وانظر صحيح مسلم ١/٢٣٤. ٥ بذل المجهود ١/١٩١. ٦ في القواعد: وهو. ٧ زيادة من القواعد والفوائد الأصولية. ٨ صحيح مسلم ١/٢٣٥. ٩ في القواعد: متنافيان. ١٠ في القواعد: جعله. ١١ القواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص٢٨٥. ١٢ في ض: الأولية. ١٣ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٥.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
أَحَدُهَا: أَنَّ إحْدَى الْغَسَلاتِ لَيْسَتْ١ بِأَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ الْمُوَفَّقِ فِي الْمُقْنِعِ٢ وَجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ٣، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَا أَوَّلًا، وَهُوَ التَّسَاقُطُ وَالرُّجُوعُ إلَى الإِطْلاقِ.
وَعَنْهُ: الأَوْلَى٤ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ فِي الأُولَى، وَهَذَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي٥ وَالشَّرْحِ٦ وَالْكَافِي٧، وَالنَّظْمِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى الْمُصْطَلَحِ٨.
وَعَنْهُ: الأَخِيرَةُ أَوْلَى.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ اتِّحَادِ السَّبَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِأَحَدِ الْقَيْدَيْنِ مِنْ طَرْحِهِمَا، وَالْعَمَلُ بِالْمُطْلَقِ هُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الْقَرَافِيُّ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الشَّافِعِيَّةَ خَالَفُوا قَاعِدَتَهُمْ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ الْوُلُوغِ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ "إحْدَاهُنَّ" ٩ وَهُوَ مُطْلَقٌ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُولاهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ "أُخْرَاهُنَّ" وَهُمَا قَيْدَانِ مُتَنَافِيَانِ فَلَمْ يَحْمِلُوا وَجَوَّزُوا التَّرْتِيبَ فِي كُلٍّ مِنْ السَّبْعِ.
_________________
(١) ١ في ع ز: ليس. ٢ المقنع مع الشرح الكبير ١/٢٨٤. ٣ انظر: المحرر لأبي البركات محمد الدين بن تيمية ١/٤، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٥. ٤ في ز: أن الأولى. ٥ المغني ١/٤٦. ٦ الشرح الكبير على المقنع ١/٢٨٦. ٧ الكافي ١/٨٩. ٨ انظر شرح منتهى الإرادات ١/٩٨، كشاف القناع ١/٢٠٩، الروض المربع ١/٩٧. ٩ ساقطة من ش.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
فَقَالَ لَهُ الْقَرَافِيُّ١: ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ قَيْدًا وَاحِدًا أَمَّا فِي الْقَيْدَيْنِ٢ فَيُعْمَلُ بِالْمُطْلَقِ٣
"وَأَصْلٌ كَوَصْفٍ فِي حَمْلٍ"٤.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: وَظَاهِرُ٥ كَلامِ أَصْحَابِنَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الأَصْلِ، كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِي الْوَصْفِ، لأَنَّهُمْ حَكَوْا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي وُجُوبِ الإِطْعَامِ٦ رِوَايَتَيْنِ: الْوُجُوبَ إلْحَاقًا "لِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِكَفَّارَةِ"٧ الظِّهَارِ كَمَا حَكَوْا رِوَايَتَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ وَصْفِ الإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالاشْتِرَاطَ إلْحَاقًا "لِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ"٨ بِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
فَدَلَّ هَذَا مِنْ كَلامِهِمْ "عَلَى أَنَّهُ"٩ لا فَرْقَ فِي الْحَمْلِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْوَصْفِ١٠.
وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُ١١ لا فَرْقَ فِي الْحَمْلِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْوَصْفِ، ابْنُ خَيْرَانِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ "مِنْ الشَّافِعِيَّةِ"١٢ فِي الْبَحْرِ: الْمُرَادُ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ
_________________
(١) ١في ش: القراني. ٢ أي المتعارضين اللذين يعتذر الترجيح بينهما. ٣ شرح تنقيح الفصول ص ٢٦٩. ٤ انظر خلاف الأصوليين في هذه المسألة في" أدب القاضي للمارودي ١/٣٠٥، إرشاد الفحول ص١٦٦". ٥ في القواعد: فظاهر. ٦ أي وجب إطعام ستين مسكينًا. ٧زيادة من القواعد والفوائد الأصولية. ٨ زيادة من القواعد والفوائد الأصولية. ٩ زيادة من القواعد والفوائد الأصولية. ١٠في ش: قاله. وفي د: وممن قال بذلك. ١١ في القواعد: بأن. ١٢ زيادة من القواعد والفوائد الأصولية.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
عَلَى الْمُقَيَّدِ إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَصْفِ دُونَ الأَصْلِ١.
"وَمَحِلُّ حَمْلِ" مُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ "إذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ" الْحَمْلُ "تَأْخِيرَ بَيَانٍ عَنْ وَقْتِ حَاجَةٍ. فَإِنْ اسْتَلْزَمَهُ حُمِلَ الْمُسَمَّى فِي إثْبَاتٍ عَلَى الْكَامِلِ الصَّحِيحِ، لا عَلَى إطْلاقِهِ فِي قَوْلٍ" لِبَعْضِ٢ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
قَالُوا٣: الْمُطْلَقُ مِنْ الأَسْمَاءِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ فِي إثْبَاتٍ لا نَفْيٍ كَالْمَاءِ وَالرَّقَبَةِ٤ وَعِنْدَ٥ النِّكَاحِ الْخَالِي عَنْ٦ وَطْءٍ يَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾ ٧ وَ"لا يَدْخُلُ"٨ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ ٩.
وَلَوْ حَلَفَ لا يَتَزَوَّجُ حَنِثَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَن لَمْ يَحْنَثْ بِمُجَرَّدِهِ١٠ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَكَذَا قَالَ١١ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْوَاجِبَاتُ الْمُطْلَقَةُ تَقْتَضِي السَّلامَةَ مِنْ الْعَيْبِ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ بِدَلِيلِ الإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ١٢.
_________________
(١) ١ القواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص ٢٨٤. ٢ في ش ز: بعض. ٣ في ع ض ب: فقالوا. ٤ انظر المسودة ص ٩٩. ٥ في ش: وعند. ٦ في ش: من. ٧ الآية ٢٢١ من البقرة، الآية ٢٢ من النساء. ٨ زيادة يقتضيها السياق "انظر المسودة ص٩٩". ٩ الآية ٢٣٠ من البقرة. ١٠ ساقطة من ض. ١١ في ش: وعن. ١٢ ساقطة من ش.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
وَصَرَّحَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّ إطْلاقَ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ تَقْتَضِي الصِّحَّةَ بِدَلِيلِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِيمَا إذَا اسْتَلْزَمَ الْحَمْلُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ: أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى إطْلاقِهِ١ قَالَهُ طَائِفَةٌ٢.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ٣ الأُصُولِيَّةِ: مَحِلُّ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ اسْتَلْزَمَهُ حُمِلَ عَلَى إطْلاقِهِ، قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَمَّا أَطْلَقَ٤ النَّبِيُّ ﷺ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ بِعَرَفَاتٍ، وَكَانَ مَعَهُ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَوَادِي وَالْيَمَنِ مِمَّنْ٥ لَمْ يَشْهَدْ٦ خُطْبَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُ لا يُقَيَّدُ بِمَا قَالَهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَهُوَ قَطْعُ الْخُفَّيْنِ٧.
وَنَظِيرُ هَذَا فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى إطْلاقِهِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ٨ سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ "حُتِّيهِ ٩، ثُمَّ اُقْرُصِيهِ، ١٠ ثُمَّ اغْسِلِيهِ
_________________
(١) ١ انظر المسودة ص١٣٨. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ في ع ض: قواعد. ٤ في القواعد: إطلاق. ٥ ساقطة من القواعد والفوائد الأصولية. ٦ في القواعد: يشهدوا. ٧ أي بالنسبة للمحرم، كما جاء في حديث ابن عمر. "انظر بيان المسألة وتخريج أحاديثها في ص ٣٩٧ من هذا الجزء". ٨ في القواعد: لعائشة لما. ٩ الحت: معناه أن يحك بطرف حجر أو عود. "المصباح المنير ١/١٤٦". ١٠ زيادة من القواعد. والقرص: معناه أن يدلك بأطراف الأصابع والأظفار دلكًا شديدًا. "المصباح المنير ١/١٤٦".
[ ٣ / ٤١٠ ]
بِالْمَاءِ" ١ لَمْ٢ يَشْتَرِطْ عَدَدًا، مَعَ أَنَّهُ وَقْتُ حَاجَةٍ، فَلَوْ كَانَ الْعَدَدُ شَرْطًا لَبَيَّنَّهُ وَلَمْ يُحِلْهَا عَلَى وُلُوغِ الْكَلْبِ، فَإِنَّهَا رُبَّمَا لَمْ تَسْمَعْهُ، وَلَعَلَّهُ لَمْ٣ يَكُنْ شُرِعَ الأَمْرُ٤ بِغَسْلِ وُلُوغِهِ٥. ١هـ.
"وَ" اللَّفْظُ "الْمُطْلَقُ ظَاهِرُ الدَّلالَةِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، كَالْعَامِّ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ"٦.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْمُطْلَقُ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ٧، وَظَاهِرٌ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَالْعَامِّ٨، وَهُوَ يُشْبِهُهُ٩ لاسْتِرْسَالِهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، إلاَّ١٠ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَلِهَذَا قِيلَ: عَامٌّ عُمُومَ بَدَلٍ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُقَيَّدَيْنِ، وَالْمُطْلَقِ: وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ دَلالَةُ الْمُطْلَقِ، وَأَنَّهُ كَالْعَامِّ فِي تَنَاوُلِهِ، وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ الْعُمُومَ، لَكِنَّهُ عَلَى الْبَدَلِ.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ وابن الجارود في المنتقى وغيرهم عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: "أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيضالحديث" "انظر صحيح البخاري١/٦٦، ٨٤، صحيح مسلم ١/٢٤٠، بذل المجهود ٣/١٠٣، عارضة الأحوذي ١/٢١٩، سنن النسائي ١/١٦١، الموطأ ١/٦١، الدراية لتخريج أحاديث الهداية ١/٩٠". ٢ في القواعد: ولم. ٣ كذا في ش وفي القواعد والفوائد الأصولية. وفي ع ز ض ب: يشرع. ٤ ساقطة من ب. ٥ القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٨٦. ٦ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٣٥. ٧ انظر التلويح على التوضيح ١/٦٦. ٨ انظر نهاية السول ٢/١٣٩ وما بعدها، المستصفى ٢/١٨٦. ٩ في ض: يشبه. ١٠ في ش: لا.
[ ٣ / ٤١١ ]
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ لِلْقَاضِي١ وَقَدْ احْتَجَّ عَلَى الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ لا يَدُلُّ عَلَى الْمَكَانِ، فَقَالَ: هُوَ أَمْرٌ بِالْحُكْمِ فِي عُمُومِ الأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ في ش: وسئل القاضي. ٢ الآية ٤٩من المائدة.
[ ٣ / ٤١٢ ]