أَمَّا الْمَنْطُوقُ: فَهُوَ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادُ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ النُّطْقُ بِهِ.
وَأَمَّا الْمَفْهُومُ: فَهُوَ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادُ مِنْ حَيْثُ السُّكُوتُ اللاَّزِمُ لِلَّفْظِ.
فَإِذًا "الدَّلالَةُ" أَيْ دَلالَةُ اللَّفْظِ "تَنْقَسِمُ إلَى مَنْطُوقٍ وَهُوَ" أَيْ الْمَنْطُوقُ "مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظٌ فِي مَحَلِّ نُطْقٍ"١.
وَهُوَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَغَيْرُ صَرِيحٍ.
ثُمَّ الصَّرِيحُ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ وُضِعَ لَهُ" أَيْ وُضِعَ اللَّفْظُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى "فَصَرِيحٌ" سَوَاءٌ كَانَتْ دَلالَةَ٢ مُطَابَقَةٍ أَوْ تَضَمُّنٍ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا٣.
النَّوْعُ الثَّانِي: غَيْرُ الصَّرِيحِ ٤ وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِنْ لَزِمَ عَنْهُ"
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الأصوليين للمنطوق في "إرشاد الفحول ص١٧٨، تيسير التحرير ١/٩١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٣٥، الآيات البينات ٢/٢، شرح العضد ٢/١٧١، نشر البنود ١/٨٩، ٩١، الإحكام للآمدي ٣/٦٦، فواتح الرحموت ١/٤١٣، منهاج العقول ١/٣٠٩، ٣١١". ٢ في ض: دلالته. ٣ انظر: منهاج العقول ١/٣١١، فواتح الرحموت ١/٤١٣، إرشاد الفحول ص١٧٨، تيسير التحرير ١/٩٢، شرح العضد ٢/١٧١. ٤ في ش ز: صريح.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
أَيْ لَزِمَ الْمَعْنَى عَنْ اللَّفْظِ بِأَنَّ دَلَّ اللَّفْظُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ "فَغَيْرُهُ" أَيْ فَغَيْرُ صَرِيحٍ.
وَتُسَمَّى هَذِهِ الدَّلالَةُ: دَلالَةَ الْتِزَامٍ وَتَنْقَسِمُ إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: اقْتِضَاءٍ وَإِشَارَةٍ، وَتَنْبِيهٍ وَيُسَمَّى التَّنْبِيهُ: إيمَاءً١.
لأَنَّ الْمَعْنَى إمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ مُتَضَمِّنًا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِدْقُ اللَّفْظِ، أَوْ لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ٢ عَقْلًا، أَوْ لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ٣ شَرْعًا، أَوْ لا يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ.
فَالأَوَّلُ: وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِنْ قَصَدَ وَتَوَقَّفَ الصِّدْقُ عَلَيْهِ كَ" قَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" ٤ فَإِنَّ ذَاتَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ لَمْ يَرْتَفِعَا، فَيَتَضَمَّنُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّدْقُ مِنْ الإِثْمِ أَوْ٥ الْمُؤَاخَذَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ الصِّحَّةُ عَقْلًا" أَيْ مَا يَتَضَمَّنُ٦ مَا تَتَوَقَّفُ٧ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ٨ عَقْلًا نَحْوُ٩ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي ١٠ كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي
_________________
(١) ١ انظر: شرح العضد ٢/١٧٢، تيسير التحرير ١/٩٢ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/٤١٣، إرشاد الفحول ص١٧٨. ٢ ساقطة من ز. ٣ ساقطة من ع ض ب. ٤ سبق تخريجه في ج١ ص٥١٢. ٥ في ش ز: و. ٦ في ز: مالم يتضمن. ٧ في ش ز: يتوقف. ٨ ساقطة من ش. ٩ في ش: نحو قوله تعالى. ١٠ في ع: أي التي.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ١ أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ، فَإِنَّهُ إذْ٢ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَقْلًا؛ إذْ الْقَرْيَةُ وَالْعِيرُ لا يُسْأَلانِ.
وَمِثْلُهُ٣ ﴿أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاك الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ ٤ أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ.
وَمِثْلُهُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٥ أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ٦.
وَالثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ شَرْعًا" أَيْ مَا يَتَضَمَّنَ٧ مَا تَتَوَقَّفُ٨ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ شَرْعًا "كَ" قَوْلِ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِمَنْ يَمْلِكُ عَبْدًا "أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي" عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلًا، أَوْ أَعْتِقْهُ عَنَى مَجَّانًا.
فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ فِي الصُّورَةِ الأُولَى إذَا أَعْتَقَهُ: بَيْعٌ ضِمْنِيٌّ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: هِبَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لاسْتِدْعَاءِ٩ سَبْقِ الْمِلْكِ؛ لِتَوَقُّفِ ١٠الْعِتْقِ عَلَيْهِ.
"فَ" الدَّلالَةُ فِي صُوَرِ١١ الْمَتْنِ الثَّلاثِ "دَلالَةُ اقْتِضَاءٍ" لاقْتِضَائِهَا شَيْئًا زَائِدًا عَلَى اللَّفْظِ ١٢.
_________________
(١) ١ الآية ٨٢ من يوسف. ٢ في ش: فإنه إذا. ٣ في د: ومثلهما. ٤ الآية ٦٣ من الشعراء. ٥ الآية ١٨٤ من البقرة. ٦ ساقطة من ع ض ب. ٧ في ش: تضمن. ٨ في ش: يتوقف. ٩ في ض: لا ستدعائه. ١٠ في د: المتوقف. ١١ في ع: صورة. ١٢ انظر "الإحكام للآمدي ٣/٦٤، المستصفى ٢/١٨٦، الآيات البينات ٢/٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٣٩ تيسير التحرير ١/٩١، كشف الأسرار ١/٧٥، فتح الغفار ٢/٤٧، إرشاد الفحول ص١٧٨، روضة الناظر ص٢٦٢، شرح تنقيح الفصول ص٥٣، ٥٥، شرح العضد ٢/١٧٢، نشر البنود ١/٩٢، فواتح الرحموت ١/٤١٣، منهاج العقول ١/٣١٠ وما بعدها، المحصول ج١ق١/٣١٨ وما بعدها، أصول السرخسي ١/٢٤٨ وما بعدها، نهاية السول ١/٣١٣".
[ ٣ / ٤٧٥ ]
الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ دَلالَةُ الإِشَارَةِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ" أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادُ مِنْ اللَّفْظِ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ١.
كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ" قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ قَالَ: "تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لا تُصَلِّي" ٢ لَمْ يَقْصِدْ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَأَقَلَّ الطُّهْرِ، لَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ اقْتِضَاءِ الْمُبَالَغَةِ إفَادَةُ ذَلِكَ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ ٣ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ٤ فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
وَكَذَا ٥قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٦ فَإِنَّهُ
_________________
(١) ١ انظر "إرشاد الفحول ص١٨٧، فتح الغفار ٢/٤٤، كشف الأسرار ١/٦٨، تيسير التحرير ١/٨٧، فواتح الرحموت ١/٤٠٧، ٤١٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٣٩، الآيات البينات ٢/١٤، المستصفى ٢/١٨٨، الإحكام للآمدي ٣/٦٥، التمهيد للأسنوي ص٦٥، شرح العضد ٢/١٧٢، نشر البنود ١/٩٣، منهاج العقول ١/٣١٢، أصول السرخسي ١/٢٣٦ وما بعدها". ٢ سيق تخريجه في ج١ ص٨٦. ٣ الآية ١٥ من الأحقاف. ٤ الآية ١٤ من لقمان. ٥ ساقطة من ع ض. ٦ الآية ١٨٧ من البقرة.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الإِصْبَاحِ جُنُبًا وَقَدْ حُكِيَ هَذَا الاسْتِنْبَاطَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ١ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ٢.
"فَ" هَذَا كُلُّهُ "دَلالَةُ إشَارَةٍ".
وَ٣ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: دَلالَةُ التَّنْبِيهِ، ٤وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ" أَيْ٥ اللَّفْظُ عَلَى شَيْءٍ يُقَدَّرُ "وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ" أَيْ لِتَعْلِيلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ "كَانَ" ذَلِكَ الاقْتِرَانُ "بَعِيدًا" مِنْ٦ فَصَاحَةِ كَلامِ الشَّارِعِ، لِتَنَزُّهِ كَلامِهِ عَنْ الْحَشْوِ الَّذِي لا فَائِدَةَ فِيهِ "فَتَنْبِيهٌ"٧ أَيْ٨ فَدَلالَةُ٩ تَنْبِيهٍ "وَيُسَمَّى" التَّنْبِيهُ "إيمَاءً"١٠.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ١١ "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلِيَتَوَضَّأْ" ١٢
_________________
(١) ١ في ع: الفرضي. ٢ هو محمد بن كعب بن سليم القرظي، أبو حمزة، من فضلاء أهل المدينة، كان أبوه من سبي قريظة. روى عن العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طال وابن مسعود وغيرهم. توفي سنة ١٠٨هـ، وقيل سنة ١١٧هـ. "انظر ترجمته في الجرح والتعديل ٨/٦٧، تهذيب التهذيب ٩/٤٢٠، اللباب في تهذيب الأنساب ٣/٢٦، تاريخ يحيى بن معين ٢/٥٣٦". ٣ ساقطة من ش ز. ٤ في ع: قوله. ٥ ساقطة من ع ض ب ٦ في ع: منه. ٧ ساقطة من ع ض ب. ٨ ساقطة من ع ض ب. ٩ في ع: فدلالته ذا. وفي ض: فدلالة ذا. ١٠ انظر: إرشاد الفحول ص١٧٨، الإحكام للآمدي ٣/٦٤، روضة الناظر ٢٦٢ وما بعدها، شرح العضد ٢/١٧٢، نشر البنود ١/٩٣، فواتح الرحموت ١/٤١٣. ١١ في ع ب: ومن أمثلة ذلك نحو. وفي ض: نحو. ١٢ سبق تخريجه في ج٢ ص٣٦٧.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
١وَسَيَأْتِي الْكَلامُ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُفَصَّلًا فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ٢ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ.
"وَالنَّصُّ الصَّرِيحُ" مِنْ اللَّفْظِ٣ زَادَ الْقَاضِي٤ وَابْنُ الْبَنَّاءِ: وَإِنْ اُحْتُمِلَ غَيْرُهُ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: مَا أَفَادَ الْحُكْمَ يَقِينًا أَوْ ظَاهِرًا وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٥.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: مَا أَفَادَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ بِلا احْتِمَالٍ، أَوْ بِاحْتِمَالٍ٦ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ٧.
وَيُطْلَقُ عَلَى الظَّاهِرِ قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلا مَانِعَ مِنْهُ فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ: الظُّهُورُ.
فَالنَّصُّ لُغَةً٨: الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ، وَمِنْهُ: نَصَّتْ الظَّبْيَةُ رَأْسَهَا: أَيْ٩
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ في ض: اللغة. ٣ انظر تعريفات الأصوليين للنص في "إرشاد الفحول ص١٧٨، الآيات البينات ٢/٤، البرهان ١/٤١٢ وما بعدها، نشر البنود ١/٩٠ وما بعدها، مختصر الطوفي ص٤٢، المستصفى ١/٣٣٦، ٣٨٤ وما بعدها، الحدود للباجي ص٤٢، التعريفات للجرجاني ص١٢٦، أدب القاضي للماوردي ١/٦١٦، المحصول ج١ق١/٣١٦، أصول السرخسي ١/١٦٤، الحطاب على الورقات ص١١١، العدة ١/١٣٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٣٦". ٤ العدة ١/١٣٨. ٥ المسودة ص٥٧٤. ٦ في ز د ع ب ض: احتمال. ٧ روضة الناظر ص١٧٧. ٨ في ع ض ب: في اللغة. ٩ في ش: إذا.
[ ٣ / ٤٧٨ ]
رَفَعَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ وَمِنْهُ: مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ، قَالَهُ١ الْمُطَرِّزِيُّ٢.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ: حَدُّ النَّصِّ فِي الشَّرْعِ٣: مَا عَرِيَ٤ لَفْظُهُ عَنْ الشَّرِكَةِ، وَمَعْنَاهُ عَنْ الشَّكِّ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: لِلنَّصِّ ثَلاثُ اصْطِلاحَاتٍ أَحَدُهَا: مَا لا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَالثَّانِي: مَا احْتَمَلَهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا كَالظَّاهِرِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فِي إطْلاقِ الْفُقَهَاءِ، وَالثَّالِثُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنَى كَيْفَ "مَا"٥ كَانَ٦ اهـ.
_________________
(١) ١ في ع: قال. ٢ المغرب للمطرزي ص٤٥٣. والمطرزي: هو ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الخوارزمي الحنفي، أبو الفتح، قال اللكنوي: "كان إمامًا في الفقه والعربية واللغة، رأسًا في الاعتزال، لسان البرهان، سحبان البيان، عديم النظر في الفقه وأصوله". من مؤلفاته "المغرب" في لغات الفقه و"الإيضاح" شرح مقامات الحريري و"الإقناع" في اللغة و"مختصر إطلاق المنطق" توفي سنة ٦١٠هـ وقيل ٦١٦هـ. "انظر ترجمته في الفوائد البيهة ص٢١٨، طرب الأماثل بتراجم الأفاضل ص٣٠٦، بغية الوعاة ٢/٣١١، الجواهر المضيئة ٢/١٩٢٠، هدية العارفين ٢/٤٨٨". ٣ في ش ز: في الشرع. ٤ في ز ض: ماعرا، وفي ش: ماعدا. ٥ زيادة من تنقيح الفصول. ٦ هذا مختصر كلام القرافي في "تنقيح الفصول" مع بعض التحريف، وتمامه: "والنص فيه ثلاثة اصطلاحات. قيل: مادل على معنى قطعًا ولا يحتمل غيره قطعًا، كأسماء الأعداد. وقيل: مادل على معنى قطعًا وإن احتمل غيره. كصيغ الجموع في العموم، فإنها تدل على أقل الجمع قطعًا، وتحتمل الاستغراق، وقيل: مادل على معنى كيف ما كان. وهو غالب استعمال الفقهاء". ثم شرح القرافي كلامه هذا فقال: "فإذا قلنا" اللفظ إما نص أو ظاهر" فمرادنا القسم الأول. وأما الثالث فهو غالب الألفاظ، وهو غالب استعمال الفقهاء. يقولون "نص مالك على كذا" أو "لنا في المسألة النص والمعنى" ويقولون "نصوص الشريعة متضافرة بذلك". وأما القسم الثاني فهو كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ فإنه يقتضي قتل اثنين جزمًا فهو نص في ذلك مع احتماله لقتل جميع المشركين". "انظر شرح تنقيح الفصول ص٣٦ وما بعدها".
[ ٣ / ٤٧٩ ]
"وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ" النَّصُّ "تَأْوِيلًا فَ" هُوَ "مَقْطُوعٌ بِهِ" أَيْ بِدَلالَتِهِ.
"وَإِلَى مَفْهُومٍ"١ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ "إلَى مَنْطُوقٍ" يَعْنِي أَنَّ الدَّلالَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَنْطُوقٍ -وَتَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَيْهِ-، وَإِلَى مَفْهُومٍ.
"وَهُوَ" أَيْ الْمَفْهُومُ "مَا دَلَّ عَلَيْهِ" لَفْظٌ٢ "لا فِي مَحَلِّ نُطْقٍ"٣.
وَإِذَا كَانَ الْمَفْهُومُ فِي٤ الأَصْلِ لِكُلِّ مَا فُهِمَ مِنْ نُطْقٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ الْفَهْمِ لَكِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهَذَا، وَهُوَ الْمَفْهُومُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَى النُّطْقِ، لَكِنْ فُهِمَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بَلْ ٥لَهُ اسْتِنَادٌ إلَى طَرِيقٍ عَقْلِيٍّ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِفَادَةِ الْحُكْمِ مِنْ الْمَفْهُومِ مُطْلَقًا: هَلْ هُوَ ٦بِدَلالَةِ الْعَقْلِ مِنْ جِهَةِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، أَمْ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّفْظِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ٧:
قَطَعَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْبُرْهَانِ بِالثَّانِي٨، فَإِنَّ اللَّفْظَ٩ لا يُشْعِرُ
_________________
(١) ١ في ع ض ب: عطف على. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر تعريفات الأصوليين للمفهوم في "إرشاد الفحول ص١٧٨، الإحكام للآمدي ٣/٦٦، نشر البنود ١/٩٤، تيسير التحرير ١/٩١، شرح العضد/١٧١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٠، الآيات البينات ٢/١٥، فواتح الرحموت ١/٤١٣، المستصفى ٢/١٩١، منهاج العقول". ٤ في ع: من. ٥ في ض: استنادًا. ٦ في ع: دلالة الفعل، وفي ز ض ب: بدلالة الفعل. ٧ انظر المحصول ج١ ق٢/٦٥٤، المستصفى ٢/٧٠، ٢١٢. ٨ البرهان ١/٤٤٨. ٩ في ض ب: الحكم.
[ ٣ / ٤٨٠ ]
بِذَاتِهِ١، وَإِنَّمَا دَلالَتَهُ بِالْوَضْعِ وَلا شَكَّ أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ اللَّفْظَ لِيَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يُشْعِرُ بِهِ بِطَرِيقٍ الْحَقِيقَةِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ الْمَفْهُومُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلا خِلافَ أَنَّ دَلالَتَهُ لَيْسَتْ وَضْعِيَّةً٢، إنَّمَا هِيَ إشَارَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِشَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ:
فَالْمَفْهُومُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَالثَّانِي: مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ، أُشِيرَ ٣إلَى أَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ:
"فَإِنْ وَافَقَ" ٤أَيْ وَافَقَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ الْمَنْطُوقَ فِي الْحُكْمِ "فَ" هُوَ "مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ٥، وَيُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنَهُ" أَيْ لَحْنَ الْخِطَابِ.
فَلَحْنُ الْخِطَابِ مَا لاحَ فِي أَثْنَاءِ اللَّفْظِ "وَ"يُسَمَّى أَيْضًا "مَفْهُومَهُ" أَيْ مَفْهُومَ الْخِطَابِ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى٦ فِي الْعُدَّةِ٧، وَأَبُو الْخَطَّابُ فِي التَّمْهِيدِ.
_________________
(١) ١ في ش: بذاته دائمًا. ٢ في ش: وصفية. ٣ في ش ز: للأول منهما. ٤ ساقطة من ض ب. ٥ انظر تعريفات الأصوليين لمفهوم الموافقة وكلامهم على شرطه وما يرادفه في "العدة ١/١٥٢ وما بعدها، المسودة ص٣٥٠، التمهيد للأسنوي ص٦٥، البرهان ١/٤٤٩، تيسير التحرير ١/٩٤، مختصر الطوفي ص١٢١، الإحكام للآمدي ٣/٦٦، اللمع ص٢٥، إرشاد الفحول ص١٧٨، فواتح الرحموت ١/٤١٤، نشر البنود ١/٩٥، شرح العضد ٢/١٧٢، روضة الناظر ص٢٦٣، التعريفات للجرجاني ص١١٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٠، الآيات البينات ٢/١٥، المستصفى ٢/١٩١، شرح تنقيح الفصول ص٥٤". ٦ ساقطة من ش. ٧ العدة ١/١٥٢ وما بعدها.
[ ٣ / ٤٨١ ]
"وَشَرْطُهُ" أَيْ شَرْطُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ١ "فَهْمُ الْمَعْنَى" مِنْ اللَّفْظِ "فِي مَحَلِّ النُّطْقِ" وَ"أَنَّهُ" أَيْ الْمَفْهُومُ "أَوْلَى" مِنْ الْمَنْطُوقِ "أَوْ مُسَاوٍ" لَهُ.
وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّي الأَوْلَوِيَّ بِفَحْوَى٢ الْخِطَابِ، وَالْمُسَاوِيَ بِلَحْنِ الْخِطَابِ٣.
فَمِثَالُ الأَوْلَوِيِّ: مَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ٤؛ كَدَلالَةِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ؛ لأَنَّهُ أَشَدُّ.
وَمِثَالُ الْمُسَاوِي: تَحْرِيمُ إحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ ٥ فَالإِحْرَاقُ مُسَاوٍ لِلأَكْلِ بِوَاسِطَةِ الإِتْلافِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَقِيلَ: إنَّ الْفَحْوَى: مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَاللَّحْنُ: مَا يَكُونُ مُحَالًا عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ فِي الأَصْلِ وَالْوَضْعِ٦.
إذَا عَرَفَتْ ذَلِكَ:
فَتَحْرِيمُ الضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٧ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالأَدْنَى، وَهُوَ التَّأْفِيفُ، عَلَى الأَعْلَى، وَهُوَ الضَّرْبُ،
_________________
(١) ١ في ش: المطابقة لموافقة. ٢ في ع ب: فحوى. ٣ انظر: نشر البنود١/٩٦، الآيات البينات ٢/١٦، أدب القاضي للماوردي ١/٦١٧، إرشاد الفحول ١٧٨، حاشية البناني ١/٢٤١. ٤ في د: الأولى. وفي ب: الأولى والقطع. ٥ الآية ١٠ من النساء. ٦ انظر: أدب القاضي للماوردي ١/٦١٧، إرشاد الفحول ص١٧٨. ٧ الآية ٢٣ من الإسراء. وهي غير موجودة في ع ض ب، وقد أثبت بدلًا عنها: آية التأفيف. وفي ش: ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
وَتَأْدِيَةُ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ ١ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالأَعْلَى، وَهُوَ تَأْدِيَةُ الْقِنْطَارِ، عَلَى الأَدْنَى وَهُوَ تَأْدِيَةُ مَا دُونَهُ٢.
"وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ "حُجَّةٌ"٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا؛ لِتَبَادُرِ فَهْمِ الْعُقَلاءِ إلَيْهِ٤، وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ دَاوُد.
"وَدَلالَتُهُ لَفْظِيَّةٌ" عَلَى الصَّحِيحِ.
نَصَّ٥ عَلَيْهِ٦ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ٧ أَصْحَابِنَا٨، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْحَنَفِيَّةُ٩ وَالْمَالِكِيَّةُ١٠ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ١١ وَجَمَاعَةٌ مِنْ
_________________
(١) ١ الآية ٧٥ من آل عمران. ٢ انظر العدة ٢/٤٨٠. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ٣/٦٧ وما بعدها ٣/٧١، المسودة ص٣٤٦، إرشاد الفحول ص١٧٩. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش: مضى. ٦ في ش ز: على ذلك. ٧ في ش: من. ٨ انظر: العدة ١/١٥٣، روضة الناظر ص٢٦٣ وما بعدها، المسودة ص٣٤٦. ٩ انظر: تيسير التحرير ١/٩٤، فتح الغفار ٢/٤٥، كشف الأسرار ١/٧٣، التلويح على التوضيح ١/١٣١، فواتح الرحموت ١/٤٠٨، أصول السرخسي ١/٢٤١. ١٠ انظر: الإشارات للباجي ص٩٢، نشر البنود ١/٩٦، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/١٧٢ وما بعدها. ١١ انظر: المستصفى ٢/١٩٠، ٢١٢، اللمع ص٢٥، الآيات البينات ٢/٢٠، شرح العضد ٢/١٧٣، الإحكام للآمدي ٣/٦٧ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٣.
[ ٣ / ٤٨٣ ]
الْمُتَكَلِّمِينَ١.
وَسَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ دَلالَةَ النَّصِّ٢،
وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُفْهَمُ لُغَةً قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ؛ وَلانْدِرَاجِ٣ أَصْلِهِ٤ فِي فَرْعِهِ، نَحْوَ لا تُعْطِهِ ذَرَّةً٥، وَيَشْتَرِكُ فِي فَهْمِهِ اللُّغَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِلا قَرِينَةٍ.
وَقِيلَ: إنَّ دَلالَتَهُ قِيَاسِيَّةٌ٦،
وَعَلَى كَوْنِهَا لَفْظِيَّةً، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا "فُهِمَتْ مِنْ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ" وَهُوَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ٧ وَالآمِدِيِّ٨.
وَالْمُرَادُ٩ بِالْقَرَائِنِ هُنَا: الْمُفِيدَةُ لِلدَّلالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، لا الْمَانِعَةُ مِنْ إرَادَتِهِ؛ لأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا ١٠ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١١
_________________
(١) ١ انظر إرشاد الفحول ص١٧٨. ٢ انظر: تيسير التحرير ١/٩٠، كشف الأسرار ١/٧٣، فتح الغفار ٢/٤٥، التلويح على التوضيح ١/١٣١، فواتح الرحموت ١/٤٠٨، أصول السرخسي ١/٢٤١. ٣ في ع: الاندراج. ٤ في ع: أصل. ٥ فيدل على عدم إعطاء الأكثر، إذ الذرة داخلة في الأكثر. "شرح العضد ٢/١٧٢". وفي ش: ذرية. ٦ انظر: اللمع ص٢٥. المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٢، الآيات البينات ٢/٢٠، الإحكام للآمدي ٣/٦٨، إرشاد الفحول ص١٧٨، شرح العضد ٢/١٧٣، نشر البنود ١/٩٧، المسودة ص٣٤٨، روضة الناظر ص٢٦٣، مختصر الطوفي ص١٢٢. ٧ المستصفى ٢/١٩٠. ٨ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٦٧. ٩ في ع ض ب: هنا والمراد. ١٠ في سائر النسخ: ولا. ١١ الآية ٢٣ من الإسراء.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
١وَنَحْوَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ غَايَتُهُ أَنَّهُ٢ عُلِمَ مِنْهُ حُرْمَةُ الضَّرْبِ بِقَرَائِنِ الأَحْوَالِ وَسِيَاقِ الْكَلامِ٣.
وَاللَّفْظُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا كَالتَّعْرِيضِ٤.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْمَعْنَى الالْتِزَامِيِّ٥ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى٦: ﴿فَلا ٧ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ .
قَالَ الْكُورَانِيُّ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: إنَّهُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْمُفْرَدَاتِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ بِلا رَيْبٍ، مَعَ٨ إجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى٩ أَنَّ فِي الأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِأَصْلٍ١٠، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي أَنَّ١١ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ١٢ أَوْ بِاللُّغَةِ.
وَ١٣عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا: قِيَاسٌ جَلِيٌّ١٤؛ لأَنَّهُ لَمْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ض: إن. ٣ انظر البرهان ١/٤٥١، إرشاد الفحول ص١٧٨. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ض: الالتزامي كالتعريض. ٦ ساقطة من ع. ٧ في سائر النسخ: ولا. ٨ في ش: من. ٩ في ش: على أن في إجماع السلف على. ١٠ في ض د: بالأصل. ١١ في ش: أصل. ١٢ في ع ض ب: في الشرع. ١٣ ساقطة من ع ب. ١٤ انظر "المسودة ص٣٤٨، روضة الناظر ص٢٦٣، مختصر الطوفي ص١٢٢، اللمع ص٢٥، الآيات البينات ٢/٢٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٢، إرشاد الفحول ص١٧٨، أدب القاضي للماوردي ١/٥٨٨، الإحكام للآمدي ٣/٦٨".
[ ٣ / ٤٨٥ ]
يَلْفِظْ بِهِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، قِيسَ١ الْمَسْكُوتُ عَلَى الْمَذْكُورِ قِيَاسًا جَلَّيَا، فَإِنَّهُ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا شَرْعِيًّا٢ لِصِدْقِ حَدِّهِ عَلَيْهِ، كَمَا سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلافِ: أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ دَلالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ جَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: قِيَاسِيَّةٌ فَلا.
"وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ "قَطْعِيٌّ، كَرَهْنِ مُصْحَفٍ عِنْدَ ذِمِّيٍّ".
احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ عِنْدَ الذِّمِّيِّ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ٣ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ٤ فَهَذَا قَاطِعٌ٥.
وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الأَمْثِلَةِ، فَإِنَّهَا قَطْعِيَّةٌ.
وَالْقَطْعِيُّ كَوْنُ التَّعْلِيلِ بِالْمَعْنَى، وَكَوْنُهُ٦ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْفَرْعِ٧، وَكَوْنُهُمَا قَطْعِيَّيْنِ٨.
_________________
(١) ١ في ع: فليس. ٢ في ع: شرعًا. ٣ ساقطة من ش. ٤ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا "انظر صحيح البخاري ٤/٦٨، صحيح مسلم ٣/١٤٩٠، بذل المجهود ١٢/١١٢، سنن ابن ماجه ٢/٩٦١، موطأ مالك ٢/٤٤٦، مسند أحمد ٢/٦٣". ٥ قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: "لأنه إذا نهى عما قد يكون وسيلة إلى نيلهم إياه، فهو عن إنالتهم إياه أنهى وأنهى" "المسودة ص٣٤٧". ٦ في ع: وكونها. ٧ في ع: للوضع. ٨ في ز: قطعيتين.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
"وَ" نَوْعٌ "ظَنِّيٌّ" ١ كَ "إذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، فَكَافِرٌ أَوْلَى" بِرَدِّ شَهَادَتِهِ، إذْ الْكُفْرُ فِسْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَكَوْنُ هَذَا ظَنِّيًّا٢ هُوَ الصَّحِيحُ، اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٣ وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ٤ وَشَرْحِهِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ؛ لأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الاجْتِهَادِ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ عَدْلًا فِي دَيْنِهِ، فَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَالأَمَانَةَ، بِخِلافِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ، فَإِنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ الْعَدَالَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْكَذِبِ، إذْ لا وَازِعَ لَهُ عَنْهُ٥، فَهَذَا٦ ظَنِّيٌّ غَيْرُ قَاطِعٍ٧.
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْمِثَالَ فَاسِدٌ؛ لأَنَّ التَّعْلِيلَ بِكَوْنِ الْكَافِرِ أَوْلَى بِالرَّدِّ مَمْنُوعٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الظَّنِّيِّ أَيْضًا: مَا احْتَجَّ بِهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي٨ أَنَّهُ لا شُفْعَةَ لِذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ٩ ﴿وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ
_________________
(١) ١ انظر: شرح العضد ٢/١٧٣، الإحكام للآمدي ٣/٦٩، تيسير التحرير ١/٩٥. ٢ في ع: ظنًا. ٣ روضة الناظر ص٢٦٤. ٤ مختصر الطوفي ص١٢٢. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: فهو. ٧ في ع ض: قطعي. ٨ في ع: من. ٩ هذا الحديث لم يتفقا على إخراجه في الصحيحين كما ذكر المصنف، ولكن أخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي في سننهما وأحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وتمامه: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". "انظر صحيح مسلم ٤/١٧٠٧، عارضة الأحوذي ٧/١٠٣، ١٠/١٧٥، بذل المجهود ٢/١٤٢، مسند الإمام أحمد ٢/٢٦٣، جامع الأصول ٧/٣٩٢".
[ ٣ / ٤٨٧ ]
فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ١" فَهَذَا مَظْنُونٌ٢.
وَزَعَمَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ الْبَغْدَادِيُّ٣ مِنْ أَصْحَابِنَا٤ فِي جَدَلِهِ٥: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قَطْعِيٌّ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ غَيْرَ مَا عَلَّلُوهُ بِهِ، وَالأَكْثَرُ عَلَى خِلافِهِ.
"وَمِثْلُ" قَوْلِ الْقَائِلِ "إذَا جَازَ سَلَمٌ مُؤَجَّلًا، فَحَالٌّ أَوْلَى، لِبُعْدٍ غَرَرٍ٦، وَ٧هُوَ الْمَانِعُ: فَاسِدٌ" مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْغَرَرَ فِي الْعُقُودِ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ لا مُقْتَضٍ لَهَا "إذْ لا يَثْبُتُ حُكْمٌ لانْتِفَاءِ مَانِعِهِ"؛ لأَنَّ الْمَانِعَ لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ٨ وَلا عَدَمٌ.
"بَلْ" إنَّمَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ "لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ" أَيْ مُقْتَضِي الْحُكْمِ "وَ" الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ "هُوَ الارْتِفَاقُ بِالأَجَلِ" عَلَى مَا قُرِّرَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، -كَالأَجَلِ فِي الْكِتَابَةِ-، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْحَالِ، وَالْغَرَرُ مَانِعٌ لَهُ، لَكِنَّهُ احْتَمَلَ فِي الْمُؤَجَّلِ رُخْصَةً وَتَحْقِيقًا لِلْمُقْتَضِي، وَهُوَ الارْتِفَاقُ٩، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
"وَإِنْ خَالَفَ" مَعْطُوفٌ١٠ عَلَى قَوْلِهِ١١ فَإِنْ وَافَقَ " يَعْنِي، وَإِنْ
_________________
(١) ١ في ش: أضيقها. ٢ قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: "فإذا كان ليس لهم في الطريق حق، فالشفعة أحرى أن لا يكون لهم فيها حق. وهذا مظنون". "المسودة ص٣٤٧". ٣ ساقطة من ش ز. ٤ في ض د: منا. ٥ في ش: حد له. ٦ في ش: عن رد، وفي ع: غرره. ٧ الواو ساقطة من ش. ٨ في ع ض: الوجود. ٩ انظر: روضة الناظر ص٢٦٤، مختصر الطوفي ص١٢٢. ١٠ في ع ض: عطف. ١١ ساقطة من ع ض.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
خَالَفَ الْمَفْهُومُ -وَهُوَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ- حُكْمَ الْمَنْطُوقِ "فَ" هُوَ "مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ"١ وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ٢ بِذَلِكَ؛ لأَنَّ دَلالَتَهُ مِنْ جِنْسِ دَلالاتِ٣ الْخِطَابِ، أَوْ لأَنَّ الْخِطَابَ دَالٌّ عَلَيْهِ، أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ٤ مَنْظُوم٥ الْخِطَابِ.
وَلِلْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ شُرُوطٌ، بَعْضُهَا رَاجِعٌ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَبَعْضُهَا رَاجِعٌ لِلْمَذْكُورِ.
فَمِنْ الأَوَّلِ: مَا أَشَارَ٦ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَشَرْطُهُ: أَنْ لا تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةٌ" بِالْحُكْمِ مِنْ٧ الْمَذْكُورِ "وَلا مُسَاوَاةٌ فِي مَسْكُوتٍ عَنْهُ" إذْ لَوْ ظَهَرَتْ٨ فِيهِ أَوْلَوِيَّةٌ أَوْ مُسَاوَاةٌ، كَانَ حِينَئِذٍ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ٩،
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الأصوليين لمفهوم المخالفة في "الإشارات للباجي ص٩٣، الحدود للباجي ص٥٠، العدة ١/١٥٤، البرهان ١/٤٤٩، الإحكام للآمدي ٣/٦٩، شرح العضد ٢/١٧٣، إرشاد الفحول ص١٧٩، فواتح الرحموت ١/٤١٤، المستصفى ٢/١٩١، شرح تنقيح الفصول ص٥٣، منهاج العقول ١/٣١٢، الآيات البينات ٢/٢٣، التعريفات للجرجاني ص١١٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٥، نشر البنود ١/٩٨، تيسير التحرير ١/٩٨، مختصر الطوفي ص١٢٢، روضة الناظر ص٢٦٤، اللمع ص٢٥، التبصرة ٢١٨". ٢ في ض: ويسمى. ٣ في ض: دلالة. ٤ في ع لمخالفة. ٥ في ش: منطوق. ٦ في ض: أشير. ٧ في ع ض: في. ٨ في ض: ظهر. ٩ انظر: فواتح الرحموت ١/٤١٤، شرح العضد ٢/١٧٤. في ش ز: موافقة وقد تقدم الكلام عليه.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وَمِنْ الثَّانِي: مَا أَشَارَ١ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَلا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ" فَأَمَّا إنْ خَرَجَ مَخْرَجَ٢ الْغَالِبِ فَلا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ٣.
نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ ٤مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ٥ فَإِنَّ تَقْيِيدَ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِكَوْنِهَا فِي حِجْرِهِ -لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ- لا يَدُلُّ عَلَى حِلِّ الرَّبِيبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٦.
وَمِنْهُ٧ قَوْله سبحانه وتَعَالَى٨ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ٩
_________________
(١) ١ في ض: أشير. ٢ في ش ز: إن جرى على، وفي ع: ان خرج خرج. ٣ قال القرافي في "شرح تنقيح الفصول" ص٢٧٢: "إنما قال العلماء أن مفهوم الصفة إذا خرجت مخرج الغالب لا يكون حجة ولا دالًا على انتفاء الحكم عن السكوت عنه بسبب أن الصفة الغالبة على الحقيقة تكون لازمة لها في الذهن بسبب الغلبة، فإذا استحضرها المتكلم ليحكم عليها حضرت معها تلك الصفة فنطق بها المتكلم لحضورها في الذهن مع المحكوم عليه، لا انه استحضرها ليفيد بها انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، اما إذا لم تكن غالبة لا تكون لازمة للحقيقة في الذهن، فيكون المتكلم قد قصد حضورها في ذهنه ليفيد بها سلب الحكم عن المسكوت عنه، فلذلك لا تكون الصفة الغالبة دالة على نفي الحكم، وغير الغالبة دالة على نفي الحكم عن المسكوت عنه". وانظر تحقيق المسألة في "المسودة ص٣٦٢، إرشاد الفحول ص١٨٠، نشر البنود ١/٩٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٦، الآيات البينات ٢/٢٤، منهاج العقول ١/٣١٥، فواتح الرحموت ١/٤١٤، شرح العضد ٢/١٧٥، الإحكام للآمدي ٣/١٠٠، البرهان ١/٤٧٧، تيسير التحرير ١/٩٩". ٤ في ع ض: الآية. ٥ الآية ٢٣ من النساء. ٦ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/٣٧٨، أحكام القرآن للجصاص ٢/١٢٩، فتح القدير للشوكاني ١/٤٤٥. ٧ في ز: ومن. ٨ ساقطة من ع ض. ٩ الآية ٩٥ من المائدة.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
وقَوْله تَعَالَى:١ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ٢ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ دَاوُد: إنَّهُ شَرْطٌ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ بِاعْتِبَارِهِ، فَلَمْ يُحَرِّمْ٣ الرَّبِيبَةَ الْكَبِيرَةَ وَقْتَ التَّزَوُّجِ بِأُمِّهَا فِي قَوْلٍ لَهُ؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ٤.
وَقَالَ بِهِ عَلِيٌّ ﵁ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ٥.
"فَ" عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لا يَكُونُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ "لا يَعُمُّ" وَلِهَذَا احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ٦ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى٧ اخْتِصَاصِ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ بِالْحِجْرِ بِالآيَةِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهَا، لِخُرُوجِهَا عَلَى الْغَالِبِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ع ض. ٢ الآية ٢٢٩ من البقرة. ٣ في ش ز: تحرم. ٤ يبدو أن نسبة هذا القول للإمام مالك غير سديدة. يدل على ذلك قول الشنقيطي المالكي في "نشر البنود" "١/٩٩" بعد حكايته قول علي أن الربيبة البعيدة عن الزوج لا تحرم عليه: "وأما نسبته لمالك ﵀ وانه رجع عنه، فقد قال: حلولو: لا نعرفه لأحد من أهل المذهب، أي كونه قاله، حتى يرجع عنه". ٥ قال الشوكاني في "فتح القدير" "١/٤٥٣": "أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان قال كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك؟ فقلت توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت نعم. وهي بالطائف. قال: كانت حجرك؟ قلت: لا. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾؟ قلت: إنها لم تكن في حجرك". قال الشوكاني: قال ابن منذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن علي، لأن راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس بن الحدثان عن ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم. "فتح القدير ١/٤٤٥" وانظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/١٢٩، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢/٢٤٣. ٦ في ض ب: علماء. ٧ في ش ز: عن.
[ ٣ / ٤٩١ ]
"وَ" مِنْ شَرْطِهِ أَيْضًا: أَنْ "لا" يَكُونَ خَرَجَ "مَخْرَجَ تَفْخِيمٍ"١ كَحَدِيثِ: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ" الْحَدِيثَ٢ فَقَيَّدَ "الإِيمَانَ" لِلتَّفْخِيمِ فِي الأَمْرِ، وَأَنَّ هَذَا لا يَلِيقُ بِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا٣.
"وَلا" خَرَجَ اللَّفْظُ٤ "جَوَابًا لِسُؤَالٍ" يَعْنِي أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اللَّفْظُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ لَمْ يُعْمَلْ بِمَفْهُومِهِ٥
ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ اتِّفَاقًا٦.
مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ؟ فَلا يَلْزَمُ مِنْ جَوَابِ السُّؤَالِ عَنْ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عَلَى الضِّدِّ فِي الأُخْرَى، لِظُهُورِ فَائِدَةٍ فِي الذِّكْرِ غَيْرِ الْحُكْمِ بِالضِّدِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا كَالأَوَّلِ.
_________________
(١) ١ في ض ب د: التفخيم. ٢ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن أم حبيبة ﵁ مرفوعًا، وتمامه "إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" "انظر صحيح البخاري ٧/٧٦، صحيح مسلم ٢/١١٢٤، بذل المجهود ١١/٥٩، عارضة الأحوذي ٥/١٧٢، الموطأ ٢/٥٩٧، سنن النسائي ٦/١٦٧". ٣ إرشاد الفحول ص١٨٠. ٤ ساقطة من ش ز. ٥ انظر: نشر البنود ١/٩٨، الآيات البينات ٢/٢٤، تيسير التحرير ١/٩٩، إرشاد الفحول ص١٨٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٦، منهاج العقول ١/٣١٦، فواتح الرحموت ١/٤١٤، شرح العضد ٢/١٧٤. ٦ انظر المسودة ص٣١٦.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ بَابِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ صَارِفًا لَهُ عَنْ عُمُومِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جَعَلُوا هُنَا١ السُّؤَالَ وَالْحَادِثَةَ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنْ الْقَوْلِ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ فِي وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ صَارِفًا لَهُ عَنْ عُمُومِهِ عَلَى الأَرْجَحِ، بَلْ لَمْ يُجْرُوا هُنَا مَا أَجْرَوْهُ هُنَاكَ مِنْ الْخِلافِ فِي أَنَّ٢ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ٣ السَّبَبِ؟
أُجِيبُ: بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَمَّا ضَعُفَ عَنْ الْمَنْطُوقِ فِي الدَّلالَةِ انْدَفَعَ بِذَلِكَ وَنَحْوِهِ، وَقُوَّةُ اللَّفْظِ فِي الْعَامِّ تُخَالِفُ ذَلِكَ٤، وَلِقُوَّةِ٥ اللَّفْظِ فِي الْعَامِّ ادَّعَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ دَلالَتَهُ عَلَى كُلِّ فَرَدٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ.
وَمِنْ شَرْطِ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا: أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ ذُكِرَ "لِزِيَادَةِ امْتِنَانٍ" عَلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ٦، نَحْوَ قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلا- ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ ٧ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ٨ فَلا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْقَدِيدِ مِنْ لَحْمِ مَا يُؤْكَلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ كَغَيْرِهِ٩
_________________
(١) ١ في ش: هذا. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ض: مخصوص. ٤ قال الزركشي: ولعل الفرق –يعني عموم اللفظ وعموم الفهم- أن دلالة المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة، بخلاف اللفظ العام وقد علق الشوكاني على كلام الزركشي فقال: قلت وهذا فرق قوي، لكنه إنما يتم في المفاهيم التي دلالتها ضعيفة، أما المفاهيم اتلي دلالتها قوية قوة تلحقها بالدلالات اللفظية فلا. "انظر إرشاد الفحول ص١٨٠". ٥ في ع: ولعموم. ٦ انظر: إرشاد الفحول ص١٨٠، نشر البنود ١/٩٩. ٧ ساقطة من ض. ٨ الآية ١٤ من النحل. ٩ ساقطة من ش ز.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
"وَلا لِحَادِثَةٍ" يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ: أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ خَرَجَ لِبَيَانِ حُكْمِ حَادِثَةٍ اقْتَضَتْ بَيَانَ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ١.
كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةِ لمَيْمُونَةَ٢ فَقَالَ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا" ٣.
وَكَمَا لَوْ قِيلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ٤ ﷺ: لِزَيْدٍ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَقَالَ: "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" ٥ إذْ الْقَصْدُ٦ الْحُكْمُ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ، لا النَّفْيُ٧ عَمَّا عَدَاهَا.
وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٨ فَإِنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ٩ فِي الآجَالِ: أَنَّهُ إذَا حَلَّ الدَّيْنُ يَقُولُونَ لِلْمَدْيُونِ: إمَّا أَنْ تُعْطِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ، فَيَتَضَاعَفُ بِذَلِكَ مُضَاعَفَةً كَثِيرَةً.
"وَ" يُشْتَرَطُ أَيْضًا لِلْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ "لا" يَكُونَ الْمَنْطُوقُ ذُكِرَ "لِتَقْدِيرِ جَهْلِ الْمُخَاطَبِ" بِهِ، دُونَ جَهْلِهِ بِالْمَسْكُوتِ عَنْهُ١٠، بِأَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ يَعْلَمُ
_________________
(١) ١ انظر: إرشاد الفحول ص١٨٠، نشر البنود ١/٩٩ وما بعدها، منهاج العقول ١/٣١٦، شرح العضد ٢/١٧٤، الآيات البينات ٢/٢٤، تيسير التحرير ١/٩٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٦. ٢ في ش: ميمونة. ٣ سبق تخريجه في ص٣٨٦ من هذا الجزء. ٤ في ع ض ب: بحضرته. ٥ سبق تخريجه في ج٢ ص٥٥٤. ٦ في ض: إذا قصد. ٧ في ض ب د: لنفي. ٨ الآية ١٣٠ من آل عمران. ٩ في ض: يتعاطون. ١٠ انظر: نشر البنود ١/٩٩ن الآيات البينات ٢/٢٤، فواتح الرحموت ١/٤١٤، تيسير التحرير ١/٩٩، شرح العضد ٢/١٧٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٦.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
حُكْمَ الْمَعْلُوفَةِ وَيَجْهَلُ حُكْمَ السَّائِمَةِ فَيُذْكَرُ لَهُ.
"وَ" يُشْتَرَطُ أَيْضًا لِلْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ "لا" يَكُونَ لِلْمَنْطُوقِ ذِكْرٌ "لِرَفْعِ خَوْفٍ وَنَحْوِهِ" عَنْ الْمُخَاطَبِ١، كَقَوْلِك لِمَنْ يَخَافُ مِنْ تَرْكِ الصَّلاةِ الْمُوَسَّعَةِ: تَرْكُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ جَائِزٌ، لَيْسَ مَفْهُومُهُ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي بَاقِي الْوَقْتِ وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَتَضَايَقَ٢.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا لِلْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ "لا" يَكُونَ الْمَنْطُوقُ "عُلِّقَ حُكْمُهُ عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ" ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ٣ قَالَ٤ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ فَلا مَفْهُومَ، كَقَوْلِهِ ﷾: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ﴾ الآيَةَ٥ أَرَادَ نَفْيَ الْحَرَجِ عَمَّنْ طَلَّقَ وَلَمْ يَمَسَّ، وَإِيجَابَ الْمُتْعَةِ تَبَعًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَمِمَّا يُذْكَرُ مِنْ شُرُوطِ الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ: أَنْ لا يَعُودَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ فِيهِ بِالإِبْطَالِ٦، كَحَدِيثِ "لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك " ٧.
لا يُقَالُ: مَفْهُومُهُ صِحَّةُ بَيْعِ٨ الْغَائِبِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ، إذْ لَوْ صَحَّ فِيهِ لَصَحَّ فِي
_________________
(١) ١ انظر: تيسير التحرير ١/٩٩، الآيات البينات ٢/٢٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٥، نشر البنود ١/٩٨. ٢ في ض: يتضايق الوقت. ٣ انظر المسودة ص٣٦٣. ٤ في ش: قاله. ٥ الآية ٢٢٦ من البقرة. ٦ انظر اللمع ص٢٦، إرشاد الفحول ص١٨٠. ٧ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن حكيم بن حزام ﵁ مرفوعًا. "انظر بذل المجهود ١٥/١٧٨، سنن النسائي ٧/٢٥٤، سنن ابن ماجه ٢/٧٣٧، عارضة الأحوذي ٥/٢٤١، شرح السنة للبغوي ٨/١٤٠". ٨ في د ض: منع.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الْغَائِبُ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ؛ لأَنَّ الْمَعْنَى فِي الأَمْرَيْنِ وَاحِدٌ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ١ بَيْنَهُمَا.
وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْمَتْنِ لِظُهُورِهِ، كَتَرْكِ نَحْوِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مِمَّا لا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ.
ثُمَّ الضَّابِطُ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا أَنْ لا يَظْهَرَ لِتَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ٢.
وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الْبَيْضَاوِيُّ٣.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا:
فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ بِالذِّكْرِ، لا نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَلَكِنْ وَرَاءَ هَذَا بَحْثٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِنَ مِنْ الْمَفَاهِيمِ بِمَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِهِ؛ لِوُجُودِ فَائِدَةٍ تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ فِي الْمَذْكُورِ٤ بِالذِّكْرِ، هَلْ يَدُلُّ اقْتِرَانُهُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَايَةِ وَجَعْلِهِ كَالْعَدَمِ، فَيَصِيرُ الْمَعْرُوضُ٥ بِقَيْدِ الْمَفَاهِيمِ، إذَا كَانَ فِيهِ لَفْظُ عُمُومٍ شَامِلًا لِلْمَذْكُورِ وَالْمَسْكُوتِ، حَتَّى لا يَجُوزَ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَذْكُورِ بَعْلَةٍ جَامِعَةٍ.
_________________
(١) ١ في ش: أحد. ٢ انظر: التمهيد للأسنوي ص٦٧ن شرح العضد ٢/١٧٤، الآيات البينات ٢/٢٤، فواتح الرحموت ١/٤١٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٦. ٣ المنهاج للبيضاوي مع شرحه للأسنوي ١/٣١٥. ٤ في ع: لمذكور. ٥ في ز ض: المفروض.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
لأَنَّهُ مَنْصُوصٌ، فَلا حَاجَةَ لإِثْبَاتِهِ١ بِالْقِيَاسِ، إذْ٢ لا يَدُلُّ، بَلْ غَايَتُهُ الْحُكْمُ عَلَى٣ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَذْكُورِ فَمَسْكُوتٌ٤ عَنْ حُكْمِهِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ قِيَاسُهُ؟!
مِثَالُهُ فِي الصِّفَةِ -مَثَلًا- لَوْ قِيلَ: هَلْ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ؟ فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ.
فَغَيْرُ السَّائِمَةِ مَسْكُوتٌ عَنْ حُكْمِهِ، فَيَجُوزُ قِيَاسُهُ عَلَى السَّائِمَةِ، بِخِلافِ٥ مَا لَوْ أَلْغَى لَفْظَ "السَّائِمَةِ" وَصَارَ التَّقْدِيرُ: فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ، فَلا حَاجَةَ حِينَئِذٍ لِقِيَاسِ الْمَعْلُوفَةِ بِالسَّائِمَةِ؛ لأَنَّ لَفْظَ "الْغَنَمِ" شَامِلٌ لَهُمَا؟
فِي ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ٦.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى فِيهِ الإِجْمَاعَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ، أُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
"وَيَنْقَسِمُ إلَى مَفْهُومِ صِفَةٍ، وَ" إلَى "تَقْسِيمٍ، وَ" إلَى "شَرْطٍ، وَ" إلَى "غَايَةٍ، وَ" إلَى "عَدَدٍ لِغَيْرِ مُبَالَغَةٍ، وَ" إلَى "لَقَبٍ" وَهُوَ آخِرُ السِّتَّةِ أَقْسَامٍ٧.
_________________
(١) ١ في ش: لا تباعه. ٢ في ش ض: أو. ٣ في ع ض ب: عن. ٤ في ز: المسكوت. ٥ في ز: خلاف. ٦ انظر في ذلك: التمهيد للأسنوي ص٦٧، الآيات البينات ٢/٢٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٤٨ وما بعدها. ٧ في ش: ستة الأقسام.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
"فَالأَوَّلُ": أَيْ١ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الصِّفَةِ "أَنْ يَقْتَرِنَ٢ بِعَامٍّ صِفَةٌ خَاصَّةٌ٣ كَ "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" وَكَـ "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ"، وَلِذَلِكَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: هُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِإِحْدَى صِفَتَيْ الذَّاتِ٤، فَشَمَلَ الْمِثَالَيْنِ.
وَمَثَّلَ بِهِمَا فِي الرَّوْضَةِ٥.
وَبَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى.
فمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الأُولَى: عَدَمُ الْوُجُوبِ فِي الْغَنَمِ٦، الْمَعْلُوفَةِ الَّتِي لَوْلا الْقَيْدُ بِالسَّوْمِ لَشَمَلَهَا لَفْظُ "الْغَنَمِ".
وَمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ: عَدَمُ الْوُجُوبِ فِي سَائِمَةِ غَيْرِ الْغَنَمِ، كَالْبَقَرِ مَثَلًا الَّتِي لَوْلا تَقْيِيدُ السَّائِمَةِ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْغَنَمِ لَشَمَلَهَا لَفْظُ "السَّائِمَةِ".
كَذَا٧ قَالَ٨ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي مَنْعِ٩ الْمَوَانِعِ وَقَالَ: هُوَ التَّحْقِيقُ.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ قَوْلَنَا: سَائِمَةُ الْغَنَمِ، مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا، فَهِيَ فِي الْمَعْنَى كَالأُولَى، وَالْغَنَمُ مَوْصُوفَةٌ، وَالسَّائِمَةُ صِفَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ض ب. ٢ في ز: تقترن. ٣ ساقطة من ش. ٤ المنهاج للبيضاوي مع شرحه للأسنوي ١/٣١٤ وما بعدها، اللمع ص٢٥. ٥ روضة الناظر ص٢٧٣. ٦ في ش: غير سائمة الغنم كالبقر. ٧ ساقطة من ع. ٨ في ع ض ب: قاله. ٩ جمع.
[ ٣ / ٤٩٨ ]
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ هُنَا النَّعْتَ، وَلِهَذَا مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ ﷺ "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ" ١ وَالتَّقَيُّدُ فِيهِ بِالإِضَافَةِ، لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَطْلُ الْكَائِنُ مِنْ الْغَنِيِّ، لا مِنْ الْفَقِيرِ.
وَقَدَّرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ فَقَالَ٢: مَطْلُ الشَّخْصِ الْغَنِيِّ، وَرَدَّهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ.
وَمَثَّلَهُ٣ أَصْحَابُنَا تَارَةً بِالْعِبَارَةِ الأُولَى، وَتَارَةً بِالثَّانِيَةِ٤، وَظَاهِرُ كَلامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ٥.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا "مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرَا٦ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ" ٧.
وَمِثْلُهُ: تَعْلِيقُ نَفَقَةِ الْبَائِنِ عَلَى الْحَمْلِ.
وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُونَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ؛ لأَنَّهُ رَأْسُ٨ الْمَفَاهِيمِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ عَبَّرَ مُعَبِّرٌ عَنْ جَمِيعِ الْمَفَاهِيمِ بِالصِّفَةِ لَكَانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا٩؛
_________________
(١) ١ سبق تخريجه في ص١٥٧ من هذا الجزء. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض: ومثل. ٤ في ش ض: بالعبارة الثانية. ٥ انظر المسودة ص٣٦٠، وكلمه "واحد" ساقطة من ش. ٦ في ش: مؤبرة. ٧ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ واحمد في مسنده عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا. وتتمة الحديث "الا أن يشترط المبتاع" "انظر صحيح البخاري ٣/٢٤٧، صحيح مسلم ٣/١١٧٢، بذل المجهود ١٥/١٠٠، عارضة الأحوذي ٦/٢،سنن النسائي ٧/٢٦١، سنن ابن ماجه ٢/٧٤٦، الموطأ ٢/٦١٧، مسند الإمام أحمد٢/٦، ٩، ٦٣". ٨ في ش: رأس مال. ٩ في البرهان: منقدحًا.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
لأَنَّ الْمَعْدُودَ١ وَالْمَحْدُودَ٢ مَوْصُوفَانِ بِعَدَدِهَا٣ وَحَدِّهَا٤، وَكَذَا سَائِرُ الْمَفَاهِيمِ٥. اهـ.
"وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الصِّفَةِ "حُجَّةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ "لُغَةً" أَيْ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ اللُّغَةِ وَ٦ وضْعُ اللِّسَانِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٧.
وَقِيلَ: عَقْلًا، أَيْ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ الْعَقْلِ٨، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ.
وَقَالَ الرَّازِيّ فِي الْمَعَالِمِ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعُرْفِ الْعَامِّ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْعِ٩.
"يَحْسُنُ الاسْتِفْهَامُ فِيهِ" أَيْ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لا تَشْرَبْ١٠ الْخَمْرَ؛ لأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ، فَيُقَالُ لَهُ١١: فَهَلْ١٢
_________________
(١) ١ في ش: العدود. ٢ في ش: الحدود. ٣ في البرهان: بعدهما. ٤ في البرهان: وحدهما. ٥ البرهان ١/٤٥٤. ٦ ساقطة من ش. ٧ انظر: المسودة ص٣٥١، ٣٦٠، روضة الناظر ص٢٧٤، الإحكام للآمدي ٣/٧٢، التمهيد للإسنوي ص٦٦، تيسير التحرير ١/١٠٠، التبصرة ص٢١٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥٣، الآيات البينات ٢/٣٣، العدة ٢/٤٥٣، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٠، إرشاد الفحول ص١٨٠، نهاية السول ١/٣١٩، شرح العضد ٢/١٧٥". ٨ انظر: الآيات البينات ٢/٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥٣. ٩ انظر: الآيات البينات ٢/٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥٣. ١٠ في ع: لا يشرب. ١١ ساقطة من ش. ١٢ في ش: هل.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
أَشْرَبُ النَّبِيذَ؟ وَلا يُنْكِرُ أَحَدٌ اسْتِفْهَامَهُ١ هَذَا.
"وَمَفْهُومُهُ" أَيْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: "فِي ٢ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ؟ " أَنَّهُ "لا زَكَاةَ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ" عِنْدَ الْمُعْظَمِ٣ "فَالْغَنَمُ وَالسَّوْمُ عِلَّةٌ" لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِمَا.
وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو حَامِدٍ وَالرَّازِيُّ-: أَنَّ مَفْهُومَهُ٤ "لا زَكَاةَ" فِي٥ مَعْلُوفَةِ كُلِّ حَيَوَانٍ٦، فَعَلَى هَذَا: السَّوْمُ وَحْدَهُ عِلَّةٌ.
"وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الصِّفَةِ "فِي بَحْثٍ عَمَّا يُعَارِضُهُ كَعَامٍّ" أَيْ كَاللَّفْظِ الْعَامِّ، ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ٧.
"وَمِنْهَا" أَيْ مِنْ الصِّفَةِ "عِلَّةٌ"٨ نَحْوَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِشِدَّتِهَا، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لا شِدَّةَ فِيهِ لا يَحْرُمُ.
وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّ الْوَصْفَ فِيهِ وَهُوَ "السَّوْمُ" تَتْمِيمٌ٩ لِلْمَعْنَى الَّذِي هُوَ
_________________
(١) ١ في ع ز: استفهام. ٢ في ش: أفي. ٣ انظر تحقيق المسألة في "المسودة ص٣٥٨، الإحكام للآمدي ٣/٧٢، التبصرة ص٢٢٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥١، الآيات البينات ٢/٢٨، نشر البنود ١/١٠٣، اللمع ص٢١، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٢ وما بعدها، إرشاد الفحول ص١٧٩". ٤ في ش: مفهوم. ٥ في ش: في مفهوم. ٦ انظر: العدة ٢/٤٧٣، المسودة ص٣٥٨، نهاية السول ١/٣١٩ ٧ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٢٣٧، المسودة ص٣٦٢، المحصول ج١ ق٢/٦٥٤، المستصفى ٢/٧٠. ٨ انظر: نشر البنود ١/١٠٠، الآيات البينات ٢/٢٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥١. ٩ في ض: تعميم.
[ ٣ / ٥٠١ ]
عِلَّتُهُ١، إلاَّ أَنَّ الْخِلافَ فِي أَحَدِهِمَا كَالْخِلافِ فِي الآخَرِ٢.
"وَ" مِنْهَا "ظَرْفُ"٣ زَمَانٍ نَحْوَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات﴾ ٤ ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ٥ وَظَرْفُ مَكَان، وَهُوَ٦ نَحْوُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ٧ وَكِلا الظَّرْفَيْنِ حُجَّةٌ.
"وَ" مِنْهَا "حَالٌ"٨ نَحْوُ ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٩.
ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ١٠ فِي الْقَوَاطِعِ، وَقَالَ: إنَّهُ كَالصِّفَةِ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لأَنَّ الْحَالَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى قُيِّدَ١١ بِهَا.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ بِأَنْوَاعِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَثِيرٌ
_________________
(١) ١ حيث ان الغنم هي العلة، والسوم متم لها. "إرشاد الفحول ص١٨١". في ز ع ش: علة. ٢ انظر إرشاد الفحول ص١٨١. ٣ انظر: التمهيد للأسنوي ص٧١، نشر البنود ١/١٠٠، الآيات البينات ٢/٣٠، إرشاد الفحول ص١٨٣، حاشية البناني ١/٢٥١. ٤ الآية ١٩٧ من البقرة. ٥ الآية ٩ من الجمعة. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ الآية ١٩٨ من البقرة. ٨ انظر: نشر البنود ١/١٠١، إرشاد الفحول ص١٨٣، الآيات البينات ٢/٣٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥١. ٩ الآية ١٨٧ من البقرة. ١٠ في ش: عقيل والسمعاني. ١١ في ض ب: وقيد.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا١.
وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ.
وَاسْتُدِلَّ لِكَوْنِهِ حُجَّةً -وَهُوَ الصَّحِيحُ– بِأَنَّهُ لو٢ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لُغَةً لِمَا فَهِمَهُ أَهْلُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ٣، رَوَاهُ أَحْمَدُ٤ وَأَبُو دَاوُد٥ وَالنَّسَائِيُّ٦ وَابْنُ مَاجَهْ٧، أَيْ مُطْلَقُ٨ الْغَنِيِّ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ٩ "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ".
وَفِيهِمَا١٠ "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ١١ فِي الأَوَّلِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لا يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ١٢ وَفِي الثَّانِي مِثْلُهُ، وَقِيلَ لَهُ فِي الثَّالِثِ: الْمُرَادُ
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ٢/١٩٢، تيسير التحرير ١/١٠٠، البرهان ١/٤٦٧ وما بعدها، المعتمد ١/١٦٢، فواتح الرحموت ١/٤١٤، الإحكام للآمدي ٣/٧٢، المسودة ص٣٦٠، التمهيد للإسنوي ص٦٦، التبصرة ص٢١٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥٥، الآيات البينات ٢/٣٦، العدة ٢/٤٥٥، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٠، إرشاد الفحول ص١٨٠، شرح العضد ٢/١٧٥. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: صحيح. ٤ مسند الأمام أحمد ٤/٢٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩. ٥ بذل المجهود ١٥/٣١٤. ٦ سنن النسائي ٧/٢٧٨. ٧ سن ابن ماجه ٢/٨١١، وسبق تخريجه صفحة ٣٦٦. ٨ في ز د ب ض: ملك مطلق. ٩ صحيح البخاري ٣/١٥٥، صحيح مسلم ٣/١١٩٧، وسبق تخريجه صفحة ١٥٧. ١٠ صحيح البخاري ٨/٤٥، صحيح مسلم ٤/١٧٦٩، وفي ش: وفيه. ١١ في ب: أبو عبيدة. ١٢ غريب الحديث لأبي عبيد ٢/١٧٥، وكلمة "وعرضه" ساقطة من ش ع ز ب.
[ ٣ / ٥٠٣ ]
الْهِجَاءُ١ أَوْ٢ هِجَاءُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الامْتِلاءِ٣ مَعْنًى؛ لأَنَّ قَلِيلَهُ كَذَلِكَ.
فَأَلْزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ٤ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ الْمَفْهُومَ قَدْرَ الامْتِلاءِ٥ صِفَةً لِلْهِجَاءِ، وَهُوَ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٦ قَوْلَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا ذَلِكَ لُغَةً. فَثَبَتَتْ اللُّغَةُ بِهِ، وَاحْتِمَالُ الْبِنَاءِ عَلَى الاجْتِهَادِ مَرْجُوحٌ٧.
"وَكَالأُولَى" وَهِيَ الصِّفَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَامِّ، كَقَوْلِهِمْ: "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ"، الصِّفَةُ الْعَارِضَةُ الْمُجَرَّدَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٨ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ لأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْمَوْصُوفَ فِيهَا مَحْذُوفٌ.
"وَالأُولَى أَقْوَى دَلالَةً" فِي الْمَفْهُومِ؛ لأَنَّ الأُولَى وَهِيَ الَّتِي الْمِثَالُ فِيهَا مُقَيَّدٌ٩ بِالْعَامِّ كَالنَّصِّ، بِخِلافِ هَذَا.
"وَالثَّانِي" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ السِّتَّةِ: التَّقْسِيمُ: كَـ "الثَّيِّبِ أَحَقُّ
_________________
(١) ١ في ش: الهجو. ٢ في ب ز ش ع: و. ٣ في ش: الامثال. ٤ في ش ز ب: عبيدة. ٥ في ش: قدرًا لا مثلًا. ٦ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٧٢. ٧ في ش: من حرج. ٨ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٨٧. ٩ في ش: مقيدة.
[ ٣ / ٥٠٤ ]
بِنَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ" ١.
وَهُوَ "كَالأَوَّلِ قُوَّةً" أَيْ فِي الْقُوَّةِ ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ٢ وَغَيْرُهُ٣.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ تَقْسِيمَهُ إلَى قِسْمَيْنِ، وَتَخْصِيصَ كُلِّ وَاحِدٍ بِحُكْمٍ، يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ الْقِسْمِ الآخَرِ.
إذْ لَوْ عَمَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ فَائِدَةٌ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
"وَالثَّالِثُ" الشَّرْطُ٤.
وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا عُلِّقَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ بِأَدَاةِ٥ الشَّرْطِ، مِثْلَ "إنْ" وَ"إذَا" وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ، لا الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ.
وَذَلِكَ كَـ ﴿إنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٦ فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى أُولاتِ الْحَمْلِ، وَبِمَفْهُومِهِ
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك في الموطأ عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا "انظر: صحيح مسلم ٢/١٠٣٧، بذل المجهود ١٠/١٠٥، عارضة الأحوذي ٥/٢٥، سنن النسائي ٦/٧٠، الموطأ ٢/٥٢٤". ٢ روضة الناظر ص٢٧٤. ٣ مختصر الطوفي ص١٢٧. ٤ انظر "التمهيد للأسنوي ص٦٦، الإحكام للآمدي ٣/٨٨، تيسير التحرير ١/١٠٠، روضة الناظر ص٢٧٣، مختصر الطوفي ص١٢٦، المسودة ٣٥٧، المعتمد ١/١٥٢ وما بعدها، الآيات البينات ٢/٣٠، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٠، شرح العضد ٢/١٨٠، إرشاد الفحول ص١٨١، نشر البنود ١/١٠١، منهاج العقول ١/٣٢٠، فواتح الرحموت ١/٤٢١، المستصفى ٢/٢٠٥، نهاية السول ١/٣٢٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥١". ٥ في ش: بإرادة. ٦ الآية ٦ من الطلاق.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمُعْتَدَّةِ غَيْرِ الْحَامِلِ١.
"وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الدَّلالَةِ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَبَبٌ لِمُسَبِّبٍ فَلا تَلازُمَ، رُدَّ بِأَنَّهُ خِلافُ الظَّاهِرِ.
وَيُرَدُّ الشَّرْطُ "لِتَعْلِيلٍ كَ" قَوْلِ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ "أَطِعْنِي٢ إنْ كُنْتَ ابْنِي".
وَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷾: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ٣ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَفْظُ الشَّرْطِ أَصْلُهُ التَّعْلِيقُ، وَتَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ كَثِيرًا لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّعْلِيقِ، فَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى السَّبَبِ الْبَاعِثِ عَلَى٥ الْمَأْمُورِ٦ بِهِ، لا لِتَعْلِيقِ٧ الْمَأْمُورِ٨ بِهِ فَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى الصِّفَةِ الْبَاعِثَةِ لا التَّعْلِيقُ. اهـ.
"وَالرَّابِعُ" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ السِّتَّةِ: الْغَايَةُ.
وَهُوَ مَدُّ الْحُكْمِ بِأَدَاةِ الْغَايَةِ "كَـ" إلَى، وَحَتَّى، وَاللاَّمِ
_________________
(١) ١ في ض: دون. ٢ في ز: أطعمني، وفي ش: أعطني. ٣ في ش: الله. ٤ الآية ١١٤ من النحل. ٥ ساقطة من ض. ٦ في ش: المأمورية. ٧ في ش: تعليق. ٨ في ش: المأمورية.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
وَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷾: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ١ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٢ وَحَدِيثُ "لا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" ٣.
وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ٤، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ نُفَاةِ الْمَفْهُومِ.
"وَهُوَ أَقْوَى مِنْ" الْقِسْمِ "الثَّالِثِ" مِنْ جِهَةِ الدَّلالَةِ؛ لأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا٥ حُرُوفَ الْغَايَةِ، وَغَايَةُ الشَّيْءِ نِهَايَتُهُ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بَعْدَهَا لَمْ يُفِدْ تَسْمِيَتُهَا غَايَةً.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى الْمَنْعِ.
"وَالْخَامِسُ" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الْعَدَدُ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من جميع النسخ. ٢ الآية ٢٣٠ من البقرة. ٣ أخرجه مالك في الموطأ عن ابن عمر موقوفًا، وأخرجه الدارقطني والترمذي عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه أبو داود عن علي وذكر أنه اختلف في رفعه ووقفه، وأخرجه الدارقطني أيضًا عن أنس وعائشة مرفوعاُ وعن علي موقوفًا، قال الدارقطني: الصحيح الوقوف، وقال الترمذي: الموقوف أصح. "انظر: الموطأ ١/٢٤٦، بذل المجهود ٨/٦٥، عارضة الأحوذي ٣/١٢٥، سنن الدارقطني ٢/٩٠، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١/٢٤٨". ٤ انظر "المسودة ص٣٥٨، اللمع ص٢٨، المعتمد ١/١٥٦، الإحكام للآمدي ٣/٩٢، تيسير التحرير ١/١٠٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥١، الآيات البينات ٢/٣٠، شرح العضد ٢/١٨١، إرشاد الفحول ص١٨٢، نشر البنود ١/١٠١، فواتح الرحموت ١/٤٣٢، المستصفى ٢/٢٠٨، روضة الناظر ص٢٧٣، مختصر الطوفي ص١٢٦". ٥ في ع: تسمية. ٦ انظر تحقيق المسألة في "العدة ٢/٤٤٨، ٤٥٠، ٤٥٥ وما بعدها، المعتمد ١/١٥٧، التمهيد للأسنوي ص٦٨، الإحكام للآمدي ٣/٩٤، تيسير التحرير ١/١٠٠، إرشاد الفحول ص١٨١، روضة الناظر ص٢٧٤، مختصر الطوفي ص١٢٧، نشر البنود ١/١٠١، فواتح الرحموت ١/٤٣٢".
[ ٣ / ٥٠٧ ]
وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ "كَـ" نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَدَاوُد، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ٢.
قَالَ سُلَيْمٌ مِنْهُمْ: وَهُوَ دَلِيلُنَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ، وَالتَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ.
وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الْمَعَالِي٣ وَالْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ٤: الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ هُوَ الْعُمْدَةُ عِنْدَنَا فِي تَنْقِيصِ الْحِجَارَةِ فِي الاسْتِنْجَاءِ مِنْ٥ الثَّلاثَةِ، وَنَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ، وَالْقَوْلُ بِهِ أَصَحُّ؛ لِئَلاَّ يَعْرَى التَّحْدِيدُ بِهِ عَنْ فَائِدَةٍ.
وَمَحِلُّ الْخِلافِ: فِي عَدَدٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّكْثِيرُ كَالأَلْفِ وَالسَّبْعِينَ، وَكُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِلْمُبَالَغَةِ، نَحْوَ جِئْتُك أَلْفَ مَرَّةٍ فَلَمْ أَجِدْك، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٦: "لأَزِيدَنَّ عَلَى
_________________
(١) ١ الآية ٤ من النور. ٢ ساقطة من ض. ٣ البرهان ١/٤٥٣. ٤ هو أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع الأنصاري الشافعي، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة، قال الأسنوي: "كان شافعي زمانه، وإمام أوانه، مد في مدارك الفقه باعًا وذراعًا، وتوغل في مسالكه علمًا وطباعًا" ومن مؤلفاته "الكفاية في شرح التنبيه"و"المطلب في شرح الوسيط" في نحو أربعين مجلدًا، ولم يكمله توفي سنة ٧١٠ هـ. "انظر: ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٩/٢٤، طبقات الشافعية للأسنوي ١/٦٠١، شذرات الذهب ٦/٢٦، البداية والنهاية ١٤/٦٠". ٥ في ش: عن. ٦ الآية ٨٠ من التوبة.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
السَّبْعِينَ" ١ اسْتِمَالَةٌ لِلأَحْيَاءِ٢.
وَجَعَلَ أَبُو الْمَعَالِي٣ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَجَمْعٌ مَفْهُومَ الْعَدَدِ مِنْ قِسْمِ الصِّفَاتِ؛ لأَنَّ قَدْرَ الشَّيْءِ صِفَتُهُ.
"وَالسَّادِسُ" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ "اللَّقَبُ".
وَهُوَ "تَخْصِيصُ اسْمٍ بِحُكْمٍ".
"وَهُوَ حُجَّةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَدَاوُد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالدَّقَّاقِ وَابْنِ فُورَكٍ وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَابْنِ الْقَصَّارِ.
وَنَفَاهُ٤ الْقَاضِي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه وابن جرير وابن أبي حاتم، ولفظ البخاري: "عن ابن عمر ﵁ أنه قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ، فأعطاه قميصه، وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلي عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم، قال: "إنما خيرني الله - أو خبرني - فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فقال: سأزيد على سبعين"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ الآية. "انظر صحيح البخاري ٦/٨٦، فتح القدير للشوكاني ٢/٣٨٨" وقد أخرج نحوه بلفظ آخر الترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁. "انظر عارضة الأحوذي ١١/٢٤٠، سنن النسائي ٤/٥٤". ٢ في ش: للأحبار. ٣ البرهان ١/٤٦٦ وما بعدها. ٤ انظر قول جمهور الأصوليين النافين وأدلتهم في "المعتمد ١/١٥٩ وما بعدها، المع ص٢٦ن التمهيد للأسنوي ص٧١، البرهان ١/٤٥٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٣/٩٥، تيسير التحرير ١/١٠١، ١٣١، مختصر الطوفي ص١٢٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥٢، الآيات البينات ٢/٣٢، شرح تنقيح الفصول ص٢٧١، شرح العضد ٢/١٨٢، إرشاد الفحول ص١٨٢، نشر البنود١/١٠٣، فواتح الرحموت ١/٤٣٢، المستصفى ٢/٢٠٤، منهاج العقول ١/٣١٤، نهاية السول ١/٣١٨".
[ ٣ / ٥٠٩ ]
أَبُو يَعْلَى١ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ٢، وَقَالَ: وَلَوْ كَانَ مُشْتَقًّا٣ كَالطَّعَامِ٤.
وَقَالَ الْمَجْدُ٥ وَمَنْ وَافَقَهُ: إنَّهُ حُجَّةٌ بَعْدَ سَابِقَةِ مَا يَعُمُّهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "وَتُرَابُهَا طَهُورٌ" ٦ بَعْدَ قَوْلِهِ: "جُعِلَتْ ٧ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا".
وَ٨ كَمَا لَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: "فِي الإِبِلِ زَكَاةٌ " ٩ أَوْ١٠ هَلْ نَبِيعُ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ؟ فَقَالَ: "لا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ" تَقْوِيَةً لِلْخَاصِّ بِالْعَامِّ، كَالصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ
_________________
(١) ١ عزو المصنف للقاضي أبي يعلى نفي الاحتجاج بمفهوم اللقب غير سديد، وذلك لأنه صرح في كتابه "العدة" بحجيته، كما ناقش أدلة النافين وردها في كلام طويل مفصل، يقول فيه: "والدلالة على أنه إذا كان معلقًا باسم دل على أن ما عداه بخلافه أن الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أن الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره. فإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، واشتر لي شاة أو جملًا وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة دل أن ما عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم. الخ" "العدة ٢/٤٧٥". ٢ روضة الناظر ص٢٧٥. ٣ في ش: مستفادًا. ٤ نقل المصنف هذا عن الموفق فيه اختصار وتصريف، وعبارته في "الروضة": "ولا فرق بين كون الاسم مشتقًا كالطعام أو غير مشتق كأسماء الأعلام". "روضة الناظر ص٢٧٥". ٥ المسودة ص٣٥٢ وما بعدها. ٦ فيما أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت لنا تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" "صحيح مسلم ١/٣٧١، مسند أحمد ٥/٣٨٣". ٧ في ش: وجعلت. ٨ الواو ساقطة من ش. ٩ في ض: الزكاة. ١٠ في ض: و.
[ ٣ / ٥١٠ ]
قَالَ١: وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ٢ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا.
وَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْعَامِّ لَمْ يَتَعَلَّقْ٣ بِالْخَاصِّ؛ لأَنَّهُ أَخَصُّ وَأَعَمُّ، وَلأَنَّهُ يُمَيِّزُ مُسَمَّاهُ، كَالصِّفَةِ.
_________________
(١) ١ في ش: وقال. ٢ في ش: جاءنا. ٣ في ع ض ب: يعلق.
[ ٣ / ٥١١ ]