النَّسْخُ لُغَةً: الإِزَالَةُ" وَهُوَ الرَّفْعُ١ "حَقِيقَةً" يُقَالُ: نَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ: أَيْ٢ أَزَالَتْهُ وَرَفَعَتْهُ، وَنَسَخَتْ الرِّيحُ الأَثَرَ كَذَلِكَ٣.
"وَ"يُرَادُ بِهِ "النَّقْلُ مَجَازًا" وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: النَّقْلُ مَعَ عَدَمِ ٤بَقَاءِ الأَوَّلِ، كَالْمُنَاسَخَاتِ فِي الْمَوَارِيثِ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ، مَعَ بَقَاءِ الْمَوَارِيثِ فِي نَفْسِهَا.
وَالثَّانِي: النَّقْلُ مَعَ بَقَاءِ الأَوَّلِ كَنَسْخِ الْكِتَابِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ.
وَقِيلَ٦: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ مَجَازٌ فِي الرَّفْعِ وَالإِزَالَةِ عَكْسُ الأَوَّلِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ع ض ب. ٣ غير أن هناك فرقًا بين الإزالة المقصود في كل من المثالين، وذلك لأن النسخ بمعنى الإزالة يرد في اللغة على نوعين "أحدهما" نسخ إلى بدل نحو قولهم "نسخ الشيب الشباب" و"نسخت الشمس الظل" أي أذهبته وحلت محله. "والثاني" نسخ إلى غير بدل نحو "نسخت الريح الأثر" أي أبطلته وأزالته. "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٨". ٤ ساقطة من ع. ٥ الآية ٢٩ من الجاثية. ٦ في ش: وما قيل.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ.
"وَ" النَّسْخُ "شَرْعًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ "رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ" أَيْ الدَّلِيلُ عَنْ الْحُكْمِ ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ١ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ٢.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ "بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ" أَوْلَى مِمَّنْ قَالَ "بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ" لِدُخُولِ٣ الْفِعْلِ فِي الدَّلِيلِ دُونَ الْخِطَابِ.
وَعَبَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ٤، وَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا.
وَمِنْ النَّسْخِ بِالْفِعْلِ: نَسْخُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ بِأَكْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الشَّاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ٥.
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/١٨٥. ٢ انظر معنى النسخ في الاصطلاح الشرعي في "العدة ٣/٧٧٨، المسودة ص١٩٥، روضة الناظر ص٦٩، مختصر الطوفي ص٧٢، العضد على ابن الحاجب ٢/١٨٥، الاعتبار للحازمي ص٨، نهاية السول ٢/١٦٢، منهاج العقول ٢/١٦٢، الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص٤١، البرهان للجويني ٢/١٢٩٣، إرشاد الفحول ص١٨٤، أصول السرخسي ٢/٥٤، الإحكام لابن حزم ٤/٤٣٨، الإحكام للآمدي ٣/١٠٤، المعتمد للبصري ١/٣٩٦، المحصول للرازي ج١ ق٣/٤٢٣، المستصفى ١/١٠٧، فواتح الرحموت ٢/٥٣، الإشارات للباجي ص٦١، اللمع للشيرازي ص٣٠، أدب القاضي للماوردي ١/٣٣٣، فتح الغفار ٢/١٣٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٥، التلويح على التوضيح ٢/٣١، الآيات البينات ٣/١٢٩، كشف الأسرار ٣/١٥٥، شرح تنقيح الفصول ص٣٠١". ٣ في ش: كدخول. ٤ حيث عرفه بقوله "النسخ هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه" "منهاج الوصول مع شرحه نهاية السول ٢/١٦٢". ٥ فقد روى مسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي عن النبي ﷺ أنه قال: "توضأوا مما مست النار" "صحيح مسلم ١/٢٧٢، عارضة الأحوذي ١/١٠٨، سنن ابن ماجه ١/١٦٣، سنن البيهقي ١/١٥٥" ثم نسخ ذلك بما روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي مالك وأحمد في مسنده أن النبي ﷺ: "أكل كتف شاةٍ، ثم صلى ولم يتوضأ". "صحيح البخاري ١/٦٣، صحيح مسلم ١/٢٧٣، سنن أبي داود ١/٤٣، عارضة الأحوذي ١/١١٠، سنن النسائي ١/٩٠، سنن ابن ماجه ١/١٦٤، الموطأ ١/٢٥، مسند أحمد ١/٣٦٥، سنن البيهقي ١/١٥٣، وانظر الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٤٨-٥٣".
[ ٣ / ٥٢٦ ]
قَوْلُهُ "مُتَرَاخٍ" لِتَخْرُجَ١ الْمُخَصِّصَاتُ الْمُتَّصِلَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ: مَا تَعَلَّقَ بِالْمُكَلَّفِ بَعْدَ٢ وُجُودِهِ أَهْلًا.
وَقُيلْ: إنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ لا رَفْعِهِ٣.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَمَعْنَى الرَّفْعِ٤: إزَالَةُ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَبَقِيَ ثَابِتًا، عَلَى مِثَالِ رَفْعِ حُكْمِ الإِجَارَةِ بِالْفَسْخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفَارِقُ زَوَالَ حُكْمِهَا بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهَا٥.
قَالَ: وَقَيَّدْنَا الْحَدَّ٦ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِبَادَاتِ فِي الشَّرْعِ مُزِيلٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ٧ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ بِنَسْخٍ.
وَقَيَّدْنَاهُ بِالْخِطَابِ الثَّانِي؛ لأَنَّ زَوَالَ الْحُكْمِ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ لَيْسَ بِنَسْخٍ.
_________________
(١) ١ في ش: ليخرج. ٢ في ض: قبل. ٣ وهو قول الرازي في المحصول ج١ ق٣/٤٢٨، والبيضاوي في المنهاج "نهاية السول ٢/١٦٢" وابن حزم في الإحكام ٤/٤٣٨. وللحنفية في ذلك تفصيل حسن حيث قالوا: "النسخ بيان لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديل لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ". "انظر أصول السرخسي ٢/٥٤، فتح الغفار لابن نجيم ٢/١٣٠، التلويح على التوضيح ٢/٣٢، كشف الأسرار ٣/١٥٦". ٤ في ش: الحكم. ٥ روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة ص٦٩. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ع ب: يزيل الحكم العقيلي. وفي ض: يزيل لحكم العقل.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
وَقَوْلُنَا "مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ١"؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ كَانَ بَيَانًا، وَإِتْمَامًا لِمَعْنَى٢ الْكَلامِ، وَتَقْدِيرًا لَهُ بِمُدَّةٍ وَشَرْطٍ٣. اهـ.
"وَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَةً".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: النَّاسِخُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ ﷾ يُقَالُ: نَسَخَ فَهُوَ نَاسِخٌ، قَالَ٤ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ ٥.
وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُعَرِّفَةِ لارْتِفَاعِ الْحُكْمِ مِنْ الآيَةِ، وَخَبَرِ الرَّسُولِ ﷺ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَالإِجْمَاعِ عَلَى الْحُكْمِ، كَقَوْلِنَا: وُجُوبُ صَوْمِ٦ رَمَضَانَ نَسَخَ صَوْمَ٧ يَوْمِ٨ عَاشُورَاءَ، وَعَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ نَسْخَ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ بِالسُّنَّةِ، أَيْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَهُوَ نَاسِخٌ٩.
وَالاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ إطْلاقَهُ عَلَى الأَخِيرَيْنِ١٠ مَجَازٌ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الأَوَّلَيْنِ١١:
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ض: بمعنى. ٣ روضة الناظر ص٦٩. وكلام ابن قدامة الذي نقله المصنف عنه هو شرح لحد النسخ الذي ارتضاه وهو "رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه". ٤ في ش: وقال. ٥ الآية ١٠٦ من البقرة. ٦ في ش: صيام. ٧ ساقطة من ض. ٨ ساقطة من ش. ٩ ساقطة من ش. ١٠ في ز: الآخرين. ١١ في ش ض ب: الأوليين.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ لا فِيهِ١ تَعَالَى٢.
وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: حَقِيقَةٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى مَجَازٌ فِي الطَّرِيقِ.
وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ. اهـ.
"وَالْمَنْسُوخُ: الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ بِنَاسِخٍ" كَالْمُرْتَفِعِ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ.
"وَلا يَكُونُ" "النَّاسِخُ أَضْعَفَ" يَعْنِي٣ مِنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالأَكْثَرِ٤.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ يُشْتَرَطُ فِي النَّاسِخِ عِنْدَ الأَكْثَرِ٥ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ٦، وَلِذَلِكَ٧ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَصْحَابِنَا. اهـ.
"وَلا" "نَسْخَ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ" بَيْنَ٨ الدَّلِيلَيْنِ؛ لأَنَّا إنَّمَا نَحْكُمُ بِأَنَّ الأَوَّلَ مِنْهُمَا مَنْسُوخٌ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْنَا الْجَمْعُ فَإِذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ وَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِكَلامٍ مَقْبُولٍ، أَوْ بِمَعْنًى
_________________
(١) ١ في ش: في الله. ٢ ساقطة من ض. ٣ ساقطة من ض ب. ٤ انظر تحقيق المسألة في "العدة ٣/٧٨٨، المسودة ص٢٠١ وما بعدها، ٢٢٩، البرهان ٢/١٣١١، إرشاد الفحول ص١٨٦، ١٨٨، شرح تنقيح الفصول ص٣١١ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ٤/٤٧٧، أصول السرخسي ٢/٧٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٨، نهاية السول ٢/١٧٩، البدخشي ٢/١٧٩، فواتح الرحموت ٢/٧٦، المستصفى ١/١٢٤، شرح العضد ٢/١٩٥". ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ض: وكذلك. ٨ في ز ش ع: يعني بين.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
مَقْبُولٍ فَلا نَسْخَ١.
قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ وَغَيْرُهُ: لا يَتَحَقَّقُ٢ النَّسْخُ إلاَّ مَعَ التَّعَارُضِ فَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ فَلا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَ٣ نَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ سِوَاهَا فَلَيْسَ يَصِحُّ٤ إذَا٥ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لا مُنَافَاةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا وَافَقَ نَسْخُ عَاشُورَاءَ فَرْضَ٦ رَمَضَانَ، وَنَسْخُ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ فَرْضَ الزَّكَاةِ فَحَصَلَ النَّسْخُ مَعَهُ لا بِهِ، وَهُوَ٧ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ٨. انْتَهَى.
"وَلا" نَسْخَ "قَبْلَ عِلْمِ مُكَلَّفٍ" بِالْمَأْمُورٍ٩ "بِهِ"؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ بِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ١٠.
_________________
(١) ١ انظر العدة لأبي يعلى ٣/٨٣٥، أدب القاضي للماوردي ١/٣٦٠-٣٦٢. ٢ في المسودة: ولا يجوز. ٣ في المسودة: أو. ٤ في ب: بصحيح. ٥ في المسودة: لو. ٦ كذا في المسودة، وفي ع ز ض ب: صوم فرض، وفي ش: صوم. ٧ في المسودة: هذا. ٨ في المسودة ص٢٢٩ وما بعدها. ٩ في ش: مأمور. ١٠ قال الماوردي: "لأن من شرط النسخ أن يكون بعد استقرار الفرض ليخرج عن البداء إلى الإعلام بالمدة، فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ في ليلة المعراج أن الله تعالى فرض على أمته خمسين صلاة، فلم يزل يراجع ربه فيها ويستنزله حتى استقر الفرض على خمس، فدل على جواز النسخ قبل العلم بالمنسوخ. قيل: هذا إن ثبت فهو على وجه التقرير دون النسخ، لأن الفرض يستقر بنفوذ الأمر، ولم يكن من الله تعالى فيه إلا عند استقرار الخمس". "أدب القاضي ١/٣٥٦".
[ ٣ / ٥٣٠ ]
وَجَوَّزَهُ الآمِدِيُّ، لِعَدَمِ مُرَاعَاةِ الْحُكْمِ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ١.
"وَيَجُوزُ" النَّسْخُ "فِي السَّمَاءِ وَالنَّبِيُّ ﷺ هُنَاكَ" ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ٢، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَقَدَ٣ هُوَ وُجُوبَهُ وَعِلْمَهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلامُ السَّمْعَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَلِمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ، فَلَمْ يَقَع النَّسْخُ لَهُ إلاَّ بَعْدَ عِلْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ. ١هـ
"وَ" يَجُوزُ النَّسْخُ أَيْضًا "قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ" أَيْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْفِعْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَشْعَرِيَّةِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٤. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٥، قَوْلُ٦ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٣٢. وانظر تحقيق المسألة في "إرشاد الفحول ص١٨٦، المعتمد للبصري ١/٤١٢، فواتح الرحموت ٢/٦٣، فتح الغفار ٢/١٣٢، كشف الأسرار ٣/١٦٩ وما بعدها، أدب القاضي للماوردي ١/٣٥٦". ٢ في المسودة ص٢٢٣. ٣ في ش: أعتقد هو. ٤ انظر تحقيق المسألة في "المحصول ج١ ق٣/٤٦٧، المستصفى ١/١١٢، ١٢٢، شرح تنقيح الفصول ص٣٠٧، الإحكام لابن حزم ٤/٤٧٢، اللمع ص٣١، نهاية السول ٢/١٧٣، العدة ٣/٨٠٧، البدخشي ٢/١٧١، أدب القاضي للماوردي ١/٣٥٧، الآيات البينات ٣/١٣٧، المسودة ص٢٠٧، فواتح الرحموت ٢/٦١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٧، التلويح على التوضيح ٢/٣٣، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٠، كشف الأسرار ٣/١٦٩، التبصرة ص٢٦٠، البرهان ٢/١٣٠٣، الإشارات للباجي ص٦٩، الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص١٠٠". ٥ الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٢٦. ٦ في ش: وهو قول.
[ ٣ / ٥٣١ ]
وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ بُرْهَانٍ.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- بِمَا تَوَاتَرَ فِي ذَلِكَ١، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ٢ وَغَيْرِهِمَا فِي نَسْخِ فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ بِخَمْسٍ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ ﷺ ٣مِنْ الْفِعْلِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ فِي بَعْثٍ٥، وَقَالَ: " إنْ وَجَدْتُمْ فُلانًا وَفُلانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ" ثُمَّ قَالَ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: "إنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا".
وَأَمَرَ ﷺ بِكَسْرِ قُدُورٍ مِنْ لَحْمِ حُمُرٍ إنْسِيَّةٍ فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ نَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: "اغْسِلُوهَا" ٦ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٧.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ. أَنَّ النَّسْخَ٨ قَبْلَ الْفِعْلِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ: جَائِزٌ بِلا خِلافٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ: لا أَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا
_________________
(١) ١ في ش: بما قوي أثره. ٢ صحيح البخاري ١/٩٨، ٥/٦٩، صحيح مسلم ١/١٤٦، وقد أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني. "انظر: تخريج أحاديث أصول البردوي ص٢٢١، عارضة الأحوذي ٢/١٤". ٣ ساقطة من ش. ٤ صحيح البخاري ٤/٦٠، وانظر الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ض١٩٤ وما بعدها. ٥ البعث: هو الجيش، وجمعه بعوث. "المصباح المنير ١/٦٧". ٦ في ز ع ض: اغسلوا. ٧ صحيح البخاري ٧/١١٧، صحيح مسلم ٣/١٥٤٠. ٨ في ش: الفسخ.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
قَالَ: وَلا فَرْقَ عَقْلًا بَيْنَ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ يُطِيعَ وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِالْمَنْعِ لِعِصْيَانِهِ١. اهـ.
"وَ" يَجُوزُ النَّسْخُ "عَقْلًا" بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الشَّرَائِعِ سِوَى الشمْعَثيَّةِ٢ مِنْ الْيَهُودِ.
وَكَذَا يَجُوزُ سَمْعًا بِاتِّفَاقٍ أَهْلِ الشَّرَائِعِ سِوَى الْعَنَانِيَّةِ٣ مِنْ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَهُ عَقْلًا لا سَمْعًا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيُّ٤.
_________________
(١) ١ في ش: بعصيانه. ٢ في ش: السمعتية، وكلاهما تصحيف، إذ لم نعثر على فرقة من اليهود بهذه التسمية. ولعل الصواب "الشمعونية" كما قال الأسنوي في نهاية السول"٢/١٦٧" والشوكاني في إرشاد الفحول "ص١٨٥" وعبد العلي في فواتح الرحموت "٢/٥٥" وغيرهم. و"الشمعونية" ينتسبون إلى شمعون بن يعقوب كما ذكر الدكتور مصطفى زيد في كتابه "النسخ في القرآن الكريم" ١/٢٧، وعلي حسن العريض في كتابه "فتح المنان في نسخ القرآن" ص١٤٣. ٣ العنانية: فرقة من اليهود ينتسبون إلى عنان بن داود، وهم يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد، ويصدقون عيسى ﵇ في مواعظه وإرشاداته، ويقولون إنه من بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة والمستجيبين لموسى ﵇، إلا أنهم لا يقولون بنبوته ورسالته. "الملل والنحل للشهرستاني ١/٢١٥، الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ١/٩٩". ٤ لقد اضطربت النقول عن أبي مسلم الأصفهاني في مسألة جواز النسخ وعدمه، فحكي عنه منع النسخ بين الشرائع، ونقل بعضهم عنه منع النسخ في القرآن الكريم، وتحقيق مذهبه أنه لم يخالف جمهور أهل السنة القائلين بجواز النسخ عقلًا وشرعًا في الحقيقة ونفس الأمر، ولكنه خالفهم في اللفظ والمصطلح. قال المحلي في "شرح جمع الجوامع" "٢/٨٨": "النسخ واقع عند كل المسلمين، وسماه أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة تخصيصًا، لأنه قصر الحكم على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان كالتخصيص في الأشخاص. فقيل: خالف في وجوده حيث لم يذكره باسمه المشهور، فالخلف الذي حكاه الآمدي وغيره عنه من نفيه وقوعه لفظي لما تقدم من تسميته تخصيصًا". وقال السبكي في كتابه "رفع الحاجب" "٢/ق ١٣٢ب": "وأنا أقول: الإنصاف أن الخلاف بين أبي مسلم والجماعة لفظي، وذلك أن أبا مسلم يجعل ما كان مغيا في علم الله تعالى كما هو مغيا باللفظ، ويسمى الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول "وأتموا الصيام إلى الليل" وأن يقول: صوموا مطلقًا وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل. والجماعة يجعلون الأول تخصيصًا والثاني نسخًا. ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى ﷺ، وإنما يقول: كانت شريعة السابقتين مغياة إلى مبعثه ﵊. وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصصة للشرائع أو ناسخة، وهذا معنى الخلاف". "انظر تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو للمسألة في هامش التبصرة للشيرازي ص٢٥١".
[ ٣ / ٥٣٣ ]
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُقْنِعِ: أَنْكَرَ طَائِفَةٌ ١مِنْ الْيَهُودِ وَهُمْ الْعَنَانِيَّةُ -أَتْبَاعُ عَنَانٍ- وُقُوعَهُ عَقْلًا لا شَرْعًا وَأَنْكَرَتْ الشَّمْعَثِيَّةُ٢ مِنْهُمْ أَتْبَاعُ شَمْعَثَا٣ الأَمْرَيْنِ٤.
وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْهُمْ عَكْسَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ نَسْخُ عِبَادَةٍ بِأَثْقَلَ٥ مِنْهَا عُقُوبَةً.
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: تَجُوزُ شَرْعًا لا عَقْلًا " وَأَنَّ مُحَمَّدًا وَعِيسَى لَمْ يَأْتِيَا بِمُعْجِزَةٍ.
وَقَالَ الْعِيسَوِيَّةُ٦ -أَتْبَاعُ غَيْرِ النَّبِيِّ-:
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: السمعتية. ٣ في د: سمعتا، وفي ز: شمعتا. ٤ في ش: الأموي. ٥ في ش: ما نقل. وفي د: ما ثقل. ٦ العيسوية: فرقة من اليهود أصحاب أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، وهو يقولون بنبوة عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل خاصة وبنبوة محمد ﷺ إلى بني إسماعيل فقط وهم العرب لا إلى الناس كافة. وقولهم هذا جهل فاضح، لأنه يلزمهم بعد أن أعترفوا بنبوة محمد ﷺ أن يعترفوا بصدقه وامتناع الكذب عليه، كما هو شأن النبوة، وقد تواتر عنه ﷺ أنه رسول الله إلى الناس جميعًاَ، فوجب عليهم التصديق بذلك فكيف يدعون بعد هذا بأنه نبي إلى العرب خاصة!! "انظر فواتح الرحموت ٢/٥٥، الملل والنحل للشهرستاني ١/٢١٥ وما بعدها، الفصل لابن حزم ١/٩٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/٨٨، حاشية التفتازاني على شرح العضد ٢/١٨٨".
[ ٣ / ٥٣٤ ]
إنَّهُمَا أَتَيَا١ بِالْمُعْجِزَةِ، وَبُعِثَا إلَى الْعَرَبِ وَالأُمِّيِّينَ، اهـ.
وَأَبُو مُسْلِمٍ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ الأَصْفَهَانِيُّ٢.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ٣: وَهُوَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَسَبَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَيُعَدُّ مِنْهُمْ وَلَهُ كِتَابٌ كَبِيرٌ فِي التَّفْسِيرِ، وَلَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فَلا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْخِلافُ مِنْهُ!. اهـ.
"وَوَقَعَ" النَّسْخُ "شَرْعًا"٤.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالْحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ وَلا شَكَّ فِيهِ: جَوَازُهُ عَقْلًا وَشَرْعًا.
_________________
(١) ١ في ش: إنما هو الإتيان. ٢ من علماء المعتزلة ومشاهيرهم، كان كاتبًا مترسلًا بليغًا متكلمًا جدلًا، ولد سنة ٢٥٤ هـ، وأشهر كتبه تفسيره "جامع التأويل لمحكم التنزيل" وكتابه "الناسخ والمنسوخ" توفي سنة ٣٢٢هـ "انظر ترجمته في معجم الأدباء ١٨/٣٥، بغية الوعاة ١/٥٩، الوافي بالوفيات ٢/٢٤٤، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص٢٩٩، ٣٢٢، الفهرست لابن النديم ص١٥١" وقد ذكر المجد بن تيمية في "المسودة ص١٩٥" أن اسمه يحيى بن عمر بن يحيى الأصبهاني، وذكر صاحب فواتح الرحموت"٢/٥٥" أنه الجاحظ، وقال الشيرازي في التبصرة "ص٢٥١" والقرافي في شرح تنقيح الفصول "ص٢٠٦" هو عمرو بن يحيى الأصبهاني، وفي نهاية السول"٢/١٧٠": "وأبو مسلم هو الملقب بالجاحظ كما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم، واسم أبيه على ما قاله في المحصول "بحر" وفي المنتخب "عمر" وفي اللمع "يحيى". وهذا كله تحريف والصواب ما أثبته المؤلف وأيدته كتب التراجم التي أشرنا إليها. ٣ في كتابه "قواطع الأدلة" كما ذكر البخاري في كشف الأسرار ٣/١٥٧. ٤ وقد حكى وقوعه شرعًا القرافي في "شرح تنقيح الفصول" ص٣٠٣، ومجد الدين بن تيمية في "المسودة" ص١٩٥، والفخر الرازي في "المحصول" ج١ق٣/٤٤٠، والشوكاني في "إرشاد الفحول" ص١٨٥، والمحلي في "شرح جمع الجوامع" ٢/٨٨، والعضد في "شرح مختصر ابن الحاجب" ٢/١٨٨، والأسنوي في "نهاية السول" ٢/١٦٧، وغيرهم.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
وَأَمَّا الْوُقُوعُ: فَوَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، وَرَدَ١ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَطْعًا٢.
وَأَيْضًا الْقَطْعُ بِعَدَمِ اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفٍ فِي وَقْتٍ وَرَفْعِهِ.
وَإِنْ قِيلَ: أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ كَالْمُعْتَزِلَةِ، فَالْمَصْلَحَةُ٣ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَوْقَاتِ.
"وَلا يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَى اللَّهِ٤" سُبْحَانَهُ وَ"تَعَالَى"، "وَهُوَ تَجَدُّدُ الْعِلْمِ".
"وَهُوَ" أَيْ الْقَوْلُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِهِ جَلَّ وَعَلا "كُفْرٌ" بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عِلْمًا فَعَلِمَ٥ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: الْبَدَاءُ: هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّيْءَ دَائِمًا٦، ثُمَّ يَنْتَقِلَ عَنْ
_________________
(١) ١ في ش: ورد. ٢ في ش: أيضا قطعًا. ٣ أي فالجواب: أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، قال الماوردي: "وقد تختلف المصالح باختلاف الزمان، فيكون المنسوخ مصلحة في الزمان الأول دون الثاني، ويكون الناسخ مصلحة في الزمان الثاني دون الأول، فيكون كل واحد منهما مصلحة في زمانه وحسنًا في وقته، وإن تضادا" "أدب القاضي ١/٣٣٥". ٤ عند كافة المسلمين، بخلاف النسخ فهو جائز وواقع، والفرق بينهما واضح بين، قال الشيرازي: "إن البداء أن يظهر له ما كان خفيًا، ونحن لا نقول فيما ينسخ أنه ظهر له ما كان خافيًا عليه، بل نقول: إنه أمر به وهو عالم أنه يرفعه في وقت النسخ وإن لم يطلعنا عليه، فلا يكون ذلك بداءً" "التبصرة ص٢٥٣" وانظر الفرق بين النسخ والبداء في "الإحكام للآمدي ٣/١٠٩، الإحكام لابن جزم ٤/٤٤٦، اللمع ص٣١، أدب القاضي للماوردي ١/٣٣٦، الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص٩٨ وما بعدها، البناني على شرح جمع الجوامع ٢/٨٨، الآيات البينات ٣/١٥٥، البرهان ٢/١٣٠١، العدة ٣/٧٧٤، المعتمد للبصري ١/٣٩٨". ٥ في ش: يعلم. ٦ في د: دوامًا.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
الدَّوَامِ لأَمْرٍ حَادِثٍ لا بِعِلْمٍ سَابِقٍ قَالَ: أَوْ يَكُونَ سَبَبُهُ دَالًا عَلَى إفْسَادِ الْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الأَمْرِ الأَوَّلِ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ١ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فَيَبْدُو لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهُ. اهـ.
"وَبَيَانُ غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ" لِلْحُكْمِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ٢ "لَيْسَ" ذَلِكَ الْبَيَانُ "بِنَسْخٍ"٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: اخْتَلَفَ كَلامُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: هَلْ هُوَ نَسْخٌ، أَمْ لا؟ وَالأَظْهَرُ النَّفْيُ. اهـ.
وَلِلْقَاضِي الْقَوْلانِ، فَإِنَّهُ قَالَ٤: فِي مَوْضِعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٥ الآيَةَ؛ إنَّ٦ هَذِهِ الْغَايَةَ٧ مَشْرُوطَةٌ فِي حُكْمٍ مُطْلَقٍ؛ لأَنَّ غَايَةَ كُلِّ حُكْمٍ إلَى مَوْتِ الْمُكَلَّفِ، أَوْ إلَى النَّسْخِ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الأَخَفِّ بِالأَثْقَلِ أَنَّ حَدَّ الزَّانِي فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ كَانَ الْحَبْسَ ثُمَّ نُسِخَ، وَجُعِلَ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَالثَّيِّبِ الْجَلْدَ
_________________
(١) ١ في ش: يأمر به. ٢ الآية ١٥ من النساء. ٣ انظر تفصيل الكلام على هذه المسألة في "المسودة ص٢١٩، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص١٤٧٩ وما بعدها، أصول السرخسي ٢/٧١". ٤ في ش: قال أو يكون سببه دالًا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول، بأن يأمره به لمصلحة لم تحصل، فيبدو له ما يوجب رجوعه عنه. اهـ. ٥ الآية ٢ من النور. ٦ في ش ع ب: لأن. ٧ أي في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء/١٥] .
[ ٣ / ٥٣٧ ]
وَالرَّجْمَ١.
وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ: إنَّ الْحَبْسَ فِي الآيَةِ لَمْ يُنْسَخْ؛ لأَنَّ النَّسْخَ أَنْ يَرِدَ لَفْظٌ عَامٌّ يُتَوَهَّمُ دَوَامُهُ، ثُمَّ يَرِدَ مَا يَرْفَعُ بَعْضَهُ، وَالآيَةُ لَمْ تَرِدْ بِالْحَبْسِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ بِهِ إلَى غَايَةٍ، هِيَ٢ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فَأَثْبَتَتْ٣ الْغَايَةَ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بَعْدَ الْغَايَةِ بِالْخَبَرِ٤. اهـ.
"وَيُنْسَخُ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "إنْشَاءٌ، وَلَوْ" كَانَ الإِنْشَاءُ "بِلَفْظِ قَضَاءٍ٥" فِي الأَصَحِّ نَحْوَ "قَضَى اللَّهُ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ٦" مَثَلًا، ثُمَّ يَنْسَخُهُ٧ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ٨.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ نَسْخُهُ؛ لأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لا يَتَغَيَّرُ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ﴾ ٩
"أَوْ" كَانَ الإِنْشَاءُ "خَبَرًا" يَعْنِي أَنَّهُ يُنْسَخُ الإِنْشَاءُ وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ
_________________
(١) ١ العدة ٣/٧٨٦. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ش: فأثبتت. ٤ العدة ٢/٨٠٠. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن نص أبي يعلى هذا لا يمثل رأيه، وليس قولًا له، بل هو حكاية عن غيره بدأه بكلمة "وقيل". أما قوله فقد سبق النص المشار إليه، وهو أن حد الزاني البكر منسوخ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية. وحد الزاني المحصن منسوخ بآية الرجم التي نسخ رسمها. "انظر العدة ٣/٧٩٩ وما بعدها". ٥ في ش: قضى. ٦ في ع: يوم عاشوراء. ٧ في ب: نسخه. ٨ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٤ن الآيات البينات ٣/١٥٣. ٩ الآية ٢٣ من الإسراء.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ، نَحْوَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ١ وَنَحْوَ: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ ٢.
قَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الإِنْشَاءُ٣.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ٤: يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ٥.
"أَوْ قُيِّدَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ الإِنْشَاءُ٦ "بِتَأْبِيدٍ" أَيْ بِلَفْظِ تَأْبِيدٍ "أَوْ" بِلَفْظِ "حَتْمٍ" نَحْوَ "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَبَدًا، أَوْ دَائِمًا٧، أَوْ مُسْتَمِرًّا، أَوْ حَتْمًا".
وَجَوَازُ نَسْخِهِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ٨.
_________________
(١) ١ الآية ٢٢٨ من البقرة. ٢ الآية ٢٣٣ من البقرة. ٣ انظر تفصيل المسالة في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٥، شرح تنقيح الفصول ص٢٠٩، الإحكام للآمدي ٣/١٤٥، الآيات البينات ٣/١٥٣، المسودة ص١٩٦، العدة ٣/٨٢٥، أدب القاضي ١/٣٣٨، اللمع ص٣١، إرشاد الفحول ص١٨٨، الإحكام لابن حزم ٤/٤٤٩، المحصول ج١ق٣/٤٨٦ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٥، فواتح الرحموت ٢/٧٥". ٤ هو محمد بن محمد بن جعفر الدقاق الشافعي، الفقيه الأصولي القاضي، المعروف بابن الدقاق –نسبة إلى الدقيق وعمله وبيعه- ويلقب بـ "خباط" قال الخطيب البغدادي: "كان فاضلًا عالمًا بعلوم كثيرة، وله كتاب في الأصول في مذهب الشافعي، وكانت فيه دعابة". ولد سنة ٣٠٦هـ وتوفي عام ٣٩٢ هـ، "انظر ترجمته في الوافي بالوفيات ١/١١٦، النجوم الزاهرة ٤/٢٠٦، طبقات الشافعية للأسنوي ١/٥٢، تاريخ بغداد ٣/٢٢٩". ٥ أي لكون لفظه لفظ الخبر، والخبر لا يبدل، قال البناني: ولا يخفى ضعف هذا التمسك، لأن ذلك في الخبر حقيقة، لا فيما صورته صورة الخبر، والمراد منه الإنشاء. "البناني على شرح جمع الجوامع ٢/٨٥". ٦ في ب: أي الإنشاء. ٧ في ض ب: دوامًا. ٨ انظر "المحصول ج١ق٣/٤٩١، فواتح الرحموت ٢/٦٨، فتح الغفار ٢/١٣١، أصول السرخسي ٢/٦٠، كشف الأسرار ٣/١٦٤، البرهان ٢/١٢٩٨، شرح العضد ٢/١٩٢، المسودة ص١٩٥، أدب القاضي ١/٣٣٨، شرح تنقيح الفصول ص٣١٠، الإحكام للآمدي ٣/١٣٤، التبصرة ص٢٥٥، حاشية البناني ٢/٨٥، الآيات البينات ٣/١٥٣، التلويح على التوضيح ٢/٣٣، إرشاد الفحول ص١٨٦، المعتمد للبصري ١/٤١٣".
[ ٣ / ٥٣٩ ]
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْحَنَفِيَّةِ قَالُوا١ لِمُنَاقَضَتِهِ الأَبَدِيَّةِ٢، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْبَدَاءِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ لا الدَّوَامُ، كَمَا تَقُولُ: لازِمْ غَرِيمَك أَبَدًا، وَإِنَّمَا تُرِيدُ لازِمْهُ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ هُنَا٣ لا تَخْلُ بِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ.
وَكَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ مُؤَكَّدٍ بِكُلٍّ وَيَمْنَعُ التَّأْبِيدَ عُرْفًا، وَبِالإِلْزَامِ٤ بِتَخْصِيصِ٥ عُمُومٍ مُؤَكَّدٍ، وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ.
قَالُوا: إذَا كَانَ الْحُكْمُ لَوْ أُطْلِقَ الْخِطَابُ مُسْتَمِرًّا إلَى النَّسْخِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي التَّقْيِيدِ بِالتَّأْبِيدِ؟
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ وَالتَّأْكِيدُ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ٦ "الأَبَدِ" إنَّمَا مَدْلُولُهُ الزَّمَانُ الْمُتَطَاوِلُ.
وَلا فَرْقَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَيْنَ كَوْنِ الْجُمْلَةِ فِعْلِيَّةً، نَحْوَ صُومُوا أَبَدًا، أَوْ اسْمِيَّةً، نَحْوَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا
_________________
(١) ١ في ش: قال. ٢ في ع: الآية. ٣ في ش: به. ٤ في ش وبالالتزام. ٥ في ع: يتخصص. ٦ في ع: ولفظ.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ١ مَا يَحْتَمِلُ خِلافَ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: الْجُمْهُورُ عَلَى٢ جَوَازِ نَسْخِ مِثْلِ: صُومُوا أَبَدًا بِخِلافِ: الصَّوْمُ "وَاجِبٌ"٣ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا٤ اهـ.
وَاخْتَلَفَ شَارِحَاهُ الأَصْفَهَانِيُّ وَالْعَضُدُ فِي حَلِّ لَفْظِهِ، وَوَافَقَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ٥ من٦ احْتِمَالِ كَلامِهِ لِمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
"وَيَجُوزُ" "نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ" الَّذِي أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِالإِخْبَارِ بِهِ "حَتَّى بِنَقِيضِهِ" أَيْ نَقِيضِ الْخَبَرِ الأَوَّلِ٧، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ٨.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ، فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: نَسْخُ الْخَبَرِ لَهُ صُورَتَانِ، إحْدَاهُمَا: نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ، بِأَنْ يُكَلِّفَ الشَّارِعُ أَحَدًا بِأَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ٩ عَقْلِيٍّ أَوْ
_________________
(١) ١ وكذا وقع في عبارة مسلم الثبوت، وقد علل مؤلفه وشارحه منع النسخ في "الصوم واجب مستمر أبدًا" بأنه نص مؤكد لا احتمال فيه لغيره، فلا يصح انتساخه. "فواتح الرحموت ٢/٦٨". ٢ ساقطة من ز ع ض ب. ٣ زيادة من مختصر ابن الحاجب. ٤ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/١٩٢. ٥ قال العضد في شرح كلام ابن الحاجب المشار إليه: "أقول: الحكم المقيد بالتأبيد إن كان التأبيد يدًا في الفعل مثل أن يقول "صوموا أبدًا" فالجمهور على جواز نسخه، وإن كان التأبيد قيدًا للوجوب وبيانًا لمدة بقاء الوجوب واستمراره، فإن كان نصًا مثل أن يقول "الصوم واجب مستمر أبدًا" لم يقبل خلافه، والإ قبل، وجمل ذلك على مجازه". "شرح العضد ٢/١٩٢". ٦ في ش: في. ٧ انظر "الآيات البينات للعبادي ٣/١٥٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٥، فواتح الرحموت ٢/٧٥، الإحكام للآمدي ٣/١٤٤، شرح البدخشي ٢/١٧٦". ٨ انظر المعتمد للبصري ١/٤٢١. ٩ في ش ع ز ض ب: بشيء من.
[ ٣ / ٥٤١ ]
عَادِيٍّ، "أَوْ شَرْعِيٍّ"١ كَوُجُودِ الْبَارِي، وَإِحْرَاقِ النَّارِ، وَإِيمَانِ زَيْدٍ ثُمَّ يَنْسَخَهُ، فَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا.
وَهَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَقِيضِهِ "أَيْ بِأَنْ يُكَلِّفَهُ الإِخْبَارَ بِنَقِيضِهِ"٢؟ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَمَبْنَاهُ عَلَى٣ أَصْلِهِمْ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا كَذِبٌ، فَالتَّكْلِيفُ بِهِ قَبِيحٌ. وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَهُ٤.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الثَّالِثُ: أَنْ يُرَادَ مَعَ نَسْخِهِ التَّكْلِيفُ بِالإِخْبَارِ بِضِدِّ الأَوَّلِ، إلاَّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ مِمَّا لا يَتَغَيَّرُ كَالإِخْبَارِ بِكَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الأَرْضِ، يُنْسَخُ بِالإِخْبَارِ بِأَنَّ السَّمَاءَ تَحْتَ الأَرْضِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ فِيهِ، كَمَا قَالَ الآمِدِيُّ٥، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا٦ كَذِبٌ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِ قَبِيحٌ، فَلا يَجُوزُ عَقْلًا. وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ الْبَاطِلَةِ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْكَذِبُ نَقْصٌ، وَقَبَّحَهُ بِالْعَقْلِ بِاتِّفَاقٍ، فَلِمَ لا يَمْتَنِعُ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقُبْحَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِفَاعِلِهِ لا لاعْتِبَارِ٧ التَّكْلِيفِ بِهِ بَلْ إذَا كُلِّفَ بِهِ صَارَ جَائِرًا فَلا يَكُونُ قَبِيحًا٨، إذْ لا حُسْنَ وَلا قُبْحَ إلاَّ بِالشَّرْعِ، لا سِيَّمَا
_________________
(١) ١ زيادة من شرح العضد. ٢ زيادة من شرح العضد. ٣ ساقطة من شرح العضد. ٤ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/١٩٥. ٥ في كتابه الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٤٤. ٦ في ز: إحداهما. ٧ في ش: باعتبار. وفي ض: لا اعتبار. ٨ في ع ض ب: نسخًا.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
إذَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَنًا. اهـ.
"وَ" لا يَجُوزُ نَسْخُ "مَدْلُولِ خَبَرٍ" إجْمَاعًا حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ١. وَابْنُ بُرْهَانٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ "لا يَتَغَيَّرُ كَصِفَاتِ اللَّهِ" سُبْحَانَهُ وَ"تَعَالَى، وَخَبَرِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ" وَأَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ ﵈، وَأَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالفةِ٢ وَالإِخْبَارِ عَنْ السَّاعَةِ وَأَمَارَاتِهَا٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَنَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ لا يَتَغَيَّرُ مُحَالٌ٤ إجْمَاعًا.
"أَوْ" مَدْلُولِ "خَبَرٍ" يَتَغَيَّرُ "كَإِيمَانِ زَيْدٍ وَكُفْرِهِ مَثَلًا" يَعْنِي فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ أَيْضًا عَلَى الأَصَحِّ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: مَنَعَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ. اهـ.
_________________
(١) ١ في ش: البروزي. ٢ في ش: السابقة. ٣ وذلك لأنه بفضي إلى الكذب، حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه، وذلك محال على الله تعالى. انظر تحقيق المسألة في "المسودة ص١٩٦، العدة ٣/٨٢٥، شرح تنقيح الفصول ص٣٠٩، المحصول ج١ ق٣/٤٨٦، اللمع ص٣١، إرشاد الفحول ص١٨٨، الإحكام للآمدي ٣/١٤٤، المعتمد للبصري ١/٤١٩، فواتح الرحموت ١/٧٥، نهاية السول ٢/١٧٨، شرح البدخشي ٢/١٧٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٦، الآيات البينات ٣/١٥٤، فتح الغفار ٢/١٣١، التلويح على التوضيح ٢/٣٣، أصول السرخسي ٢/٥٩، كشف الأسرار ٣/١٦٣، الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص٥٧". ٤ في ش: بحال. ٥ انظر "شرح تنقيح الفصول ص٣٠٩، المحصول ج١ ق٣/٤٨٦، إرشاد الفحول ص١٨٨، الإحكام للآمدي ٢/١٤٤، فواتح الرحموت ٢/٧٥، نهاية السول ٢/١٧٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٦ وما بعدها، الآيات البينات ٣/١٥٤، كشف الأسرار ٣/١٦٣".
[ ٣ / ٥٤٣ ]
وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ١ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا٢ وَغَيْرِهِمْ٣.
وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَسْخُ الْمُحَاسَبَةِ بِمَا فِي النُّفُوسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ٤ كَقَوْلِ٥ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ٦، فَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٧ وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ٨.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّسْخُ يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، بِخِلافِ إخْبَارِهِ عَمَّا لا يَفْعَلُهُ، إذْ لا يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فِيهِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ٩ ابْنُ عُمَرَ النَّسْخَ، فِي قَوْله تَعَالَى١٠: ﴿إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فَإِنَّهُ نَسَخَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى١١ حَدِيثِ النَّفْسِ اهـ.
_________________
(١) ١ في المسودة ص١٩٧. ٢ كالقاضي أبي يعلى في العدة ٣/٨٢٥. ٣ كالرازي في المحصول ج١ ق٣/٤٨٦ والآمدي في الإحكام ٣/١٤٥ وأبي الحسين البصري في المعتمد ١/٤١٩ والشوكاني في إرشاد الفحول ص١٨٨ وقد عزاه إلى الجمهور. ٤ الآية ٢٨٤ من البقرة، وقد نسخها قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ الآية ٢٨٦ من البقرة. ٥ في ش: لقول. ٦ انظر المسودة ص١٩٧، فتح القدير للشوكاني ١/٣٠٦، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص١٦٧، تفسير الطبري ٣/٩٥ وما بعدها، الدر المنثور للسيوطي ١/٣٧٤. ٧ صحيح مسلم ١/١١٥. ٨ صحيح البخاري ٦/٤١. ٩ في ش: تأويل. وفي ب: تول. ١٠ في ش: تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ . ١١ ساقطة من ع ز ض ب.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
وَقِيلَ: يَجُوزُ نَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ يَتَغَيَّرُ إنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا١؛ لأَنَّ نَسْخَ الْمَاضِي يَكُونُ تَكْذِيبًا.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ لا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ٢.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ الْكَذِبَ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي.
"إلاَّ خَبَرٍ عَنْ حُكْمٍ" نَحْوَ: هَذَا الْفِعْلُ جَائِزٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ فَهَذَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِلا خِلافٍ؛ لأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إنْشَاءٌ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ٣.
"وَيَجُوزُ" "نَسْخٌ بِلا بَدَلٍ" عَنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٤.
وَمَنَعَهُ جَمْعٌ وَنُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَمَنَعَهُ بَعْضُ٥ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِبَادَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسْخَ يَجْمَعُ٦ مَعْنَى الرَّفْعِ وَالنَّقْلِ
_________________
(١) ١ وهو قول الشيخ تقي الدين بن تيمية في المسودة ص١٩٧، والقاضي أبي يعلى في العدة ٣/٨٢٥ وما بعدها، والقاضي البيضاوي في المنهاج "نهاية السول ٢/١٧٧، ١٧٩". ٢ انظر إرشاد الفحول ص١٨٩، الإحكام للآمدي ٣/١٤٤، فواتح الرحموت ٢/٧٥، نهاية السول ٢/١٧٩، شرح البدخشي ٢/١٧٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٦، الآيات البينات ٣/١٥٤. ٣ انظر شرح تنقيح الفصول ص٣٠٩. ٤ انظر تفصيل الكلام على هذه المسألة في "المحصول ج١ ق٣/٤٧٩، شرح تنقيح الفصول ص٣٠٨، العدة ٣/٧٨٣، المعتمد للبصري ١/٤١٥، البرهان ٢/١٣١٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٧، الإحكام للآمدي ٣/١٣٥، اللمع ص٣٢، إرشاد الفحول ص١٨٧، شرح البدخشي ٢/١٧٤، نهاية السول ٢/١٧٧، المسودة ص١٩٨، روضة الناظر ص٨٢، المستصفى ١/١١٩، شرح العضد ٢/١٩٣، الآيات البينات ٣/١٥٥، فواتح الرحموت ٢/٦٩". ٥ ساقطة من ز. ٦ في ع ض: بجميع.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّهُ نَسْخُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أَمَامَ الْمُنَاجَاةِ، وَتَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ١ كَانَ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْفِطْرِ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرْ حَرِّمُ٢ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَإِتْيَانَ النِّسَاءِ إلَى اللَّيْلَةِ الآتِيَةِ ثُمَّ نُسِخَ٣.
وَاحْتَجَّ الآمِدِيُّ أَنَّهُ لَوْ٤ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ٥.
وَرَدَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى٦ قَالُوا: قَالَ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٧
رُدَّ الْخِلافُ فِي الْحُكْمِ لا فِي اللَّفْظِ٨.
ثُمَّ لَيْسَ عَامٍّا٩ فِي كُلِّ حُكْمٍ. ثُمَّ مُخَصَّصٌ١٠ بِمَا سَبَقَ ثُمَّ يَكُونُ نَسْخُهُ بِغَيْرِ بَدَلِ١١ خَيْرًا، لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَهَا.
ثُمَّ إنَّمَا تَدُلُّ
_________________
(١) ١ في ش: بأنه نسخ. ٢ في ش: يحرم. ٣ صحيح البخاري ٣/٣٦. ٤ في ش: أن. ٥ أي في العقل. "الإحكام للآمدي ٣/١٣٥". ٦ أي القول بجواز النسخ بلا بدل. ٧ الآية ١٠٦ من البقرة. ٨ والمراد بالنسخ في الآية نسخ اللفظ: أي نأت بلفظ خير منها، لا بحكم خير من حكمها، وليس الخلاف في اللفظ، إنما الخلاف في الحكم، ولا دلالة عليه في الآية. "شرح العضد ٢/١٩٣، إرشاد الفحول ص١٨٧". ٩ في ش: بعام. ١٠ في ش: مخصص. ١١ في ش: خبر المصلحة عليها، ثم إنها. وفي ع: خبرًا لمصلحة علمها ثم إنما.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
الآيَةُ١ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، لا أَنَّهُ٢ لا يَجُوزُ.
وَأَيْضًا الْمَصْلَحَةُ قَدْ تَكُونُ فِيمَا نُسِخَ، ثُمَّ تَصِيرُ الْمَصْلَحَةُ فِي عَدَمِهِ.
هَذَا عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمَصَالِحَ. وَأَمَّا عِنْدَ٣ مَنْ لا يَعْتَبِرُهَا فَلا إشْكَالَ فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ٤: قَالَ اللَّهُ٥ تَعَالَى: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ .
قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ٦: كَمَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ ﷾ يَرْفَعُ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا، فَرَفْعُ٧ بَعْضِهَا بِلا بَدَلٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
"وَوَقَعَ" فِي قَوْلِ الأَكْثَرِ٨.
وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَأَوَّلَ٩.
وَالدَّلِيلُ١٠ عَلَى الْوُقُوعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الآيَاتِ.
_________________
(١) ١ في ش: الآية على. ٢ في ب: لأنه. ٣ ساقطة من ع ز ض ب. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ش: قال الله. ٦ في ش: الباقلان. ٧ في ز ض ب: ورفع. ٨ انظر تفصيل المسألة في "المعتمد ١/٤٦١، العدة ٣/٧٨٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٧، الإحكام للآمدي ٣/١٣٥، إرشاد الفحول ص١٨٧، شرط البدخشي ٢/١٧٤، نهاية السول ٢/١٧٦، أدب القاضي للماوردي ١/٣٥٤، روضة الناظر ص٨٢، المستصفى ١/١١٩، شرح العضد ٢/١٩٣، الآيات البينات ٣/١٥٥، فواتح الرحموت ٢/٦٩". ٩ في ش: وأدل. ١٠ في ش: دليل.
[ ٣ / ٥٤٧ ]
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ فِي ابْتِدَاءِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ١: وَلَيْسَ يُنْسَخُ فَرْضٌ أَبَدًا، إلاَّ٢ أُثْبِتَ مَكَانَهُ فَرْضٌ، كَمَا نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ٣ الْمَقْدِسِ، فَأُثْبِتَ مَكَانَهَا الْكَعْبَةُ٤.
قَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِهِ: مُرَادُهُ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ حَظْرٍ إلَى إبَاحَةٍ، أَوْ مِنْ إبَاحَةٍ إلَى حَظْرٍ أَوْ تَخْيِيرٍ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِ الْمَفْرُوضِ.
قَالَ: كَنَسْخِ الْمُنَاجَاةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا فَرَضَ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ، أَزَالَ ذَلِكَ بِرَدِّهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ شَاءُوا تَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ، وَإِنْ شَاءُوا نَاجَوْهُ مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ.
قَالَ: فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: فَرْضٌ٥ مَكَانَ فَرْضٍ فَتَفَهَّمْهُ٦. اهـ.
فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَدَلِ أَعَمُّ مِنْ حُكْمٍ آخَرَ ضِدِّ الْمَنْسُوخِ كَالْقِبْلَةِ أَوْ الرَّدِّ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ شَرْعِ الْمَنْسُوخِ كَالْمُنَاجَاةِ، فَالْمَدَارُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فِي٧ الْمَنْسُوخِ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لا يُتْرَكُوا هَمْلًا بِلا حُكْمٍ فِي ذَلِكَ الْمَنْسُوخِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ مَا فِي الشَّرِيعَةِ مَنْسُوخٌ إلاَّ وَقَدْ انْتَقَلَ عَنْهُ٨ إلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَلَوْ أَنَّهُ إلَى مَا٩ كَانَ
_________________
(١) ١ وهو عنوان الفصل في كتاب "الرسالة". ٢ في ش: إلا إذا. ٣ في ش: البيت. ٤ الرسالة ص١٠٩. ٥ ساقطة من ض. ٦ في ش: نتفهمه. ٧ في ش: بدلًا من. ٨ في ض: منه. ٩ في ز: لما.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ١ يَتْرُكْ٢ الرَّبُّ عِبَادَهُ هَمْلًا.
"وَ" َجُوزُ النَّسْخُ "بِأَثْقَلَ" مِنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
قَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ النَّسْخِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِلَى بَدَلٍ فَإِذَا كَانَ إلَى بَدَلٍ، فَالْبَدَلُ: إمَّا مُسَاوٍ، أَوْ أَخَفُّ، أَوْ أَثْقَلُ، وَالأَوَّلانِ جَائِزَانِ بِاتِّفَاقٍ.
فَمِثَالُ الْمُسَاوِي: نَسْخُ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ.
وَمِثَالُ الأَخَفِّ: وُجُوبُ مُصَابَرَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمِائَتَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ، وَالْمِائَةِ أَلْفًا فِي الآيَةِ٣.
نُسِخَ بِقَوْلِهِ -﷾-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ ٤.
فَأَوْجَبَ مُصَابَرَةَ الضِّعْفِ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الأَوَّلِ٥. وَمِثْلُهُ نَسْخُ الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ فِي الْوَفَاةِ بِالْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
وَأَمَّا النَّسْخُ بِالأَثْقَلِ: فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلافِ٦، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ٧.
_________________
(١) ١ في ب: فلا. ٢ في ز ض ب: يغادر. ٣ في ض: بالآية. وفي ش ز: والآية المشار إليها هي ٦٥ من الأنفال. ٤ الآية ٦٦ من الأنفال. ٥ انظر الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص٩٦، أحكام القران لابن العربي ٢/٨٧٧، الجهاد لابن المبارك ص١٧٤، الرسالة للشافعي ص١٢٧، صحيح البخاري ٦/٧٨، المحصول ج١ ق٣/٤٦٣. ٦ في ش: خلاف. ٧ خلافًا لبعض الظاهرية وبعض الشافعية. انظر كلام الأصوليين في هذه المسألة في "روضة الناظر ص٨٢، التبصرة ص٢٥٨، المسودة ص٢٠١، العدة ٣/٧٨٥، الإيضاح ص٩٦، أدب القاضي للماوردي ١/٣٥٤، شرح تنقيح الفصول ص٣٠٨، الإحكام لابن حزم ٤/٤٦٦، أصول السرخسي ٢/٦٢، المحصول ج١ ق٣/٤٨٠، المعتمد ١/٤١٦، نهاية السول ٢/١٧٧، شرح البدخشي٢/١٧٤، إرشاد الفحول ص١٨٨، اللمع ص٣٢ن المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٧، الآيات البينات ٣/١٥٤، الإحكام للآمدي ٣/١٣٧، شرح العضد ٢/١٩٣، فواتح الرحموت ٢/٧١، المستصفى ١/١٢٠، كشف الأسرار ٣/١٨٧، الإشارات للباجي ص٦٥، التلويح على التوضيح ٢/٣٦".
[ ٣ / ٥٤٩ ]
وَدَلِيلُ وُقُوعِهِ: أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الْكُفَّارِ كَانَ وَاجِبًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ١ فَنُسِخَ بِإِيجَابِ الْقِتَالِ وَهُوَ أَثْقَلُ٢، أَيْ أَكْثَرُ مَشَقَّةً.
وَكَذَا٣ نَسْخُ وُجُوبِ٤ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ٥، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا٦.
وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀ وَصَاحِبِهِ الأَثْرَمِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَأَكِّدَ الاسْتِحْبَابِ، وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٧.
_________________
(١) ١ الآية ٤٨ من الأحزاب. ٢ في ض ب: أثقل فهو محل الخلاف. ٣ في ش: ولكن. ٤ ساقطة من ش. ٥ حيث روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال "من شاء صامه ومن شاء تركه". "انظر صحيح البخاري ٣/٥٧، صحيح مسلم ٢/٧٩٢، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص١٣٤، الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص١٢٣". ٦ انظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٢/٥٥١. ٧ انظر المغني لابن قدامة ٣/١٠٤، المجموع شرح المهذب ٦/٣٨٣.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
"وَ" يَجُوزُ "تَأْبِيدُ تَكْلِيفٍ بِلا غَايَةٍ" وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَخَالَفَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ١.
قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ، وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ: يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ دَائِمًا إلَى غَيْرِ غَايَةٍ فَيَقُولُ: صَلُّوا مَا بَقِيتُمْ أَبَدًا، وَصُومُوا رَمَضَانَ مَا حَيِيتُمْ "أَبَدًا"٢، فَيَقْضِي الدَّوَامَ مَعَ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ وَبِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ وَالأَشَاعِرَةُ مِنْ الأُصُولِيِّينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ٣.
قَالَ الْمَجْدُ: وَمَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْهُ٤، وَقَالُوا: مَتَى وَرَدَ اللَّفْظُ بِذَلِكَ لَمْ يَقْتَضِ الدَّوَامَ، وَإِنَّمَا هُوَ حَثٌّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْفِعْلِ٥.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ "لا يَمْنَعُونَ الدَّوَامَ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا"٦ يَمْنَعُونَ٧ الدَّوَامَ مُطْلَقًا وَيَقُولُونَ: لا بُدَّ٨ مِنْ دَارِ ثَوَابٍ غَيْرِ دَارِ التَّكْلِيفِ وُجُوبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " أَبَدًا٩ " مَجَازًا، وَمُوجَبُ١٠ قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْمَلائِكَةَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَقَدْ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِاسْتِعْبَادِ١١ الْمَلائِكَةِ،
_________________
(١) ١ انظر المسودة ص٨٠، العدة ٢/٣٩٨. ٢ زيادة من المسودة. ٣ المسودة ص٥٥. ٤ ساقطة من ض ب. ٥ المسودة ص٥٥. ٦ زيادة من المسودة. ٧ في ش ز ب: لا يمنعون. ٨ في ش: لا بد له. ٩ في ز: هذا. ١٠ في ش: فوجب. ١١ في ش: باستبعاد.
[ ٣ / ٥٥١ ]
وَإِبْلِيسَ١.
"تَنْبِيهٌ":
"لَمْ تُنْسَخْ إبَاحَةٌ إلَى إيجَابٍ وَلا إلَى كَرَاهَةٍ" قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: رَأَيْت ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتِبَ أَصْحَابِنَا.
_________________
(١) ١ المسودة ص٥٥.
[ ٣ / ٥٥٢ ]