"النَّهْيُ مُقَابِلٌ لِلأَمْرِ فِي كُلِّ حَالِهِ"١ أَيْ فِي كُلِّ الَّذِي لِلأَمْرِ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ الْمَتْنِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.. وَمِنْ٢ كَوْنُهُ نَوْعًا مِنْ الْكَلامِ وَغَيْرُ ذَلِكَ٣.
"وَصِيغَتُهُ" "لا تَفْعَلْ٤.
وَتَرِدُ" لَمَعَانٍ كَثِيرَةٍ٥:
_________________
(١) ١ عرف الإسنوي النهي بأنه: "هو القول الدال بالوضع على الترك" "التمهيد ص٨٠"، وله تعريفات كثيرة. "انظر: كشف الأسرار ١/٢٥٦، تيسير التحرير ١/٣٧٤، أصول السرخسي ١/٢٧٨، التوضيح على التنقيح ٢/٤٤، فواتح الرحموت ١/٤٩٥، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٩٤ وما بعدها، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٠، العبادي على الورقات ص٩٣، الكافية في الجدول ص٣٣، فتح الغفار ١/٧٧، المستصفى ١/٤١١". ٢ في ش: ومنه. ٣ انظر مباحث النهي، وانه مقابل للأمر في جميع أحواله في "الروضة ٢/٢١٦، فتح الغفار ١/٧٧، شرح تنقيح الفصول ص١٦٨، البرهان للجويني ١/٢٨٣، كشف الأسرار ١/٢٥٦، تيسير التحرير ١/٣٧٤، مختصر البعلي ص١٠٣، المعتمد ١/١٨١، الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، المنخول ص١٢٦، المستصفى ٢/٢٤، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٩٥، نهاية السول ٢/٦٢ وما بعدها، التمهيد ص٧٢، اللمع ص١٤، مختصر الطوفي هي ٩٥، مباحث الكتاب والسنة ص١٢٨، العدة ٢/٤٢٦". ٤ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٠، المسودة ص٨٠، تيسير التحرير ١/٣٧٥، مختصر البعلي ص١٠٣، المعتمد ١/١٨١، اللمع ص١٤، العدة ٢/٤٢٥. ٥ انظر: تيسير التحرير ١/٣٧٥، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، المستصفى ١/٤١٨، المحصول؟ ١ ق٢/٤٦٩، الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، منهاج العقول ٢/١٦، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٢، إرشاد الفحول ص١٠٩، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص٣٣٠، تفسير النصوص ٢/٣٧٨، العدة ٢/٤٢٧.
[ ٣ / ٧٧ ]
أحَدُهَا: كَوْنُهَا "لِتَحْرِيمٍ" وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَقَطْ١. نَحْوَ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ٤.
"وَ" الثَّانِي: لِـ"كَرَاهَةٍ"٥ نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ: "لا يَمَسُّ٦ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ" ٧ وَمِثْلُهُ الْمُحَلَّى٨ وَغَيْرُهُ بِقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا
_________________
(١) ١ انظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/٢٥٦، تيسير التحرير ١/٣٧٥، تحقيق المراد ص٦١، الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، المنخول ص١٣٤، المحصول؟ ١ ق٢/٤٦٩، المستصفى ١/١٤٨، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، منهاج العقول ٢/١٦، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٢، إرشاد الفحول ص١٠٩، العدة ٢/٤٢٦، تفسير النصوص ٢/٣٧٨. ٢ الآية ٢٩ من النساء. ٣ الآية ٣٢ من الإسراء. ٤ الآية ٢٩ من النساء. ٥ انظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/٥٦، تيسير التحرير ١/٣٧٧، تحقيق المراد ص٦١، الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، المنخول ص١٣٤، المستصفى ١/٤١٨، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، منهاج العقول ٢/١٦، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٢. ٦ في ع ض ب: يمسكن، وهي رواية أخرى للحديث. ٧ هذا الحديث متفق على صحته، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن حبان والبغوي عن أبي قتادة مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/٤١، صحيح مسلم ١/٢٢٥، سنن أبي داود ١/٧، تحفة الأحوذي ١/٧٧، سنن النسائي ١/٢٦، سنن ابن ماجه ١/١١٣، سنن الدارمي ١/١٧٢، موارد الظمآن ص٦٣، شرح السنة ١/٣٦٧". ٨ في ش: المحلى. والمحليٌ هو محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، الشيخ جلال الدين المحلي، أبو عبد الله الشافعي المصري، برع في فنون الفقه والكلام والأصول والنحو والمنطق وغيرها، وكان آية في الذكاء والفهم،
[ ٣ / ٧٨ ]
الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ ١.
"وَ" الثَّالِثُ: كَوْنُهَا لِ "تَحْقِيرٍ"٢ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ ٣.
"وَ" الرَّابِعُ: كَوْنُهَا لِ "بَيَانِ الْعَاقِبَةِ"٤ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ٥
_________________
(١) =وعلى قدم من الصلاح والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ويرجع إليه القضاة، ولي تدريس الفقه، وعرض عليه القضاء فامتنع، له مصنفات كثيرة نافعة مفيدة، وهي في غاية الاختصار والتحرير وسلامة العبارة، فأقبل عليها الناس والعلماء وتداولوها حتى وقتنا الحاضر، منها "شرح جمع الجوامع" في الأصول، و"المناسك" و"كتاب الجهاد" و"شرح بردة المديح" و"شرح منهاج الطالبين" في الفقه، وشرع في أشياء لم يكملها، منها "شرح القواعد لابن هشام" و"شرح التسهيل" و"تفسير القرآن" وغيرها، توفي سنة ٨٦٤؟ انظر ترجمته في "حسن المحاضرة ١/٤٤٣، شذرات الذهب ٧/٣٠٣، الضوء اللامع ٧/٣٩، طبقات المفسرين ٢/٨٠، البدر الطالع ٢/١١٥، الفتح المبين ٣/٤٠". ١ الآية ٢٦٧ من البقرة. ٢ وسماه السبكي التقليل والاحتقار. " انظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥١، كشف الأسرار ١/٢٥٦، مختصر البعلي ص١٠٣، تحقيق المراد ص٦٥، الإحكام للآمدي ١/١٨٧، المنخول ص١٣٥، المستصفى ١/٤١٨، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، منهاج العقول ٢/١٦، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٥". ٣ الآية ٨٨ من الحجر. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ٢/٥٣، المستصفى ١/٤١٨، المنخول ص١٣٤، منهاج العقول ٢/١٦، جمع الجوامع ١/٣٩٢، نهاية السول ٢/٦٢، مختصر البعلي ص١٠٣، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، كشف الأسرار ١/٢٥٦، التلويح على التوضيح ٢/٥٣، تحقيق المراد ص٦٢، إرشاد الفحول ص١٠٩. ٥ الآية ٤٢ من إبراهيم، واستشهد لذلك المحلي بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء﴾ آل عمران ١٦٩، ثم قال: "أي عاقبة الجهاد الحياة، لا الموت" "المحلي على جمع الجوامع ١/٢٩٤".
[ ٣ / ٧٩ ]
"وَ" الْخَامِسُ: كَوْنُهَا لِ "دُعَاءٍ"١ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتنَا﴾ ٣.
"وَ" السَّادِسُ: كَوْنُهَا لِ "يَأْسٍ"٤ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾ ٥.
وَبَعْضُهُمْ مَثَّلَ بِهِ لِلاحْتِقَارِ.
"وَ" السَّابِعُ: كَوْنُهَا لِ "إرْشَادٍ"٦ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ٧ وَالْمُرَادُ: أَنَّ الدَّلالَةَ عَلَى الأَحْوَطِ تَرْكُ ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ١/٢٥٦، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، المنخول ص١٣٥، المستصفى ١/٤١٨، منهاج العقول ٢/١٦، جمع الجوامع ١/٣٩٢،الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، نهاية السول ٢/٦٢، تحقيق المراد ص٦٢، مختصر البعلي ص١٠٣، إرشاد الفحول ص١٠٩، العدة ٢/٤٢٧. ٢ الآية ٢٨٦ من البقرة. ٣ الآية ٨ من آل عمران. ٤ انظر: التلويح على التوضيح ٢/٥٣، كشف الأسرار ١/٢٥٦، مختصر البعلي ص١٠٣، تحقيق المراد ص٦٢، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، منهاج العقول ٢/١٩، الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، المستصفى ١/٤١٨، المنخول ص١٣٥، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٢، إرشاد الفحول ص١١٠. ٥ الآية ٦٦ من التوبة، أي إن العذر لا ينفع، وهذا لتحقيق اليأس، واستشهد الغزالي في "المستصفى" و"المنخول" بقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ التحريم/٧، وانظر: العدة ٢/٤٢٧. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، المنخول ص١٣٥، المستصفى ١/٤١٨، نهاية السول ٢/٦٢، جمع الجوامع ١/٣٩٢، منهاج العقول ٢/١٩، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، التوضيح على التنقيح ٢/٥٣، كشف الأسرار ١/٢٥٦، مختصر البعلي ص١٠٣، تحقيق المراد ص٦٢،إرشاد الفحول ص١٠٩. ٧ الآية ١٠١ من المائدة.
[ ٣ / ٨٠ ]
قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هِيَ لِلتَّحْرِيمِ.
وَالأَظْهَرُ الأَوَّلُ. لأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا السَّائِلُ١ لا يَعْرِفُ٢ حِينَ السُّؤَالِ هَلْ تُؤَدِّي إلَى مَحْذُورٍ أَمْ٣ لا؟ وَلا تَحْرِيمَ إلاَّ بِالتَّحَقُّقِ.
"وَ" الثَّامِنُ: كَوْنُهَا "لأَدَبٍ" نَحْوَ قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٤ وَلَكِنْ هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْكَرَاهَةِ؛ إذْ الْمُرَادُ لا تَتَعَاطَوْا أَسْبَابَ النِّسْيَانِ. فَإِنَّ نَفْسَ النِّسْيَانِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ حَتَّى يُنْهَى عَنْهُ.
وَبَعْضُهُمْ يُعِدُّ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرَ، وَلَيْسَ لِلْخَبَرِ مِثَالٌ صَحِيحٌ. وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٥ وَهَذَا الْمِثَالُ إنَّمَا هُوَ لِلْخَبَرِ بِمَعْنَى النَّهْيِ، لا لِلنَّهْيِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ.
"وَ" التَّاسِعُ: كَوْنُهَا لِ "تَهْدِيدٍ"٦ كَقَوْلِك لِمَنْ تُهَدِّدُهُ: أَنْتَ لا تَمْتَثِلُ أَمْرِي. هَكَذَا مَثَّلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ "لا" هُنَا نَافِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مَعْنَى التَّهْدِيدِ. وَالأَوْلَى تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ - وَقَدْ أَمَرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ فَلَمْ٧ يَفْعَلْهُ - لا تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ عَادَتَك أَنْ٨ لا تَفْعَلَهُ بِدُونِ الْمُعَاقَبَةِ.
"وَ" الْعَاشِرُ: كَوْنُهَا لِ "إبَاحَةِ التَّرْكِ" كَالنَّهْيِ بَعْدَ الإِيجَابِ عَلَى قَوْلٍ تَقَدَّمَ فِي أَنَّ النَّهْيَ بَعْدَ الأَمْرِ لِلإِبَاحَةِ. وَالصَّحِيحُ خِلافُهُ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ش ز: تعرف. ٣ في ض ب: أو. ٤ الآية ٢٣٧ من البقرة. ٥ الآية ٧٩ من الواقعة. ٦ انظر: تحقيق المراد ص٦٢، فواتح الرحموت ١/٣٩٥، العدة ١/٤٢٧، إرشاد الفحول ص١٠. ٧ في ض: ولم. ٨ ساقطة من ض ب.
[ ٣ / ٨١ ]
"وَ" الْحَادِيَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "لالْتِمَاسِ"١ كَقَوْلِك لِنَظِيرِك: لا تَفْعَلْ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ صِيغَةَ الأَمْرِ لَهَا ثَلاثُ صِفَاتٍ: أَعْلَى، وَنَظِيرٌ، وَأَدْوَنُ٢. وَكَذَلِكَ النَّهْيُ.
"وَ" الثَّانِيَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "لتَّصَبُّرِ"٣ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٤.
"وَ" الثَّالِثَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "إيقَاعِ أَمْنٍ" نَحْوَ قوله تعالى: ﴿وَلا تَخَفْ إنَّك مِنْ الآمِنِينَ﴾ ٥ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْت مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٦ وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى نَظِيرٍ٧، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ لا تَخَافُ.
"وَ" الرَّابِعَ عَشَرَ: كَوْنُهَا. لِ "تَسْوِيَةٍ"٨ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٩.
"وَ" الْخَامِسَ عَشَرَ: كَوْنُهَا لِ "تَحْذِيرٍ"١٠ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿وَلا
_________________
(١) ١ في ض ب: التماسٍ. وانظر: فواتح الرحموت ١/٣٩٥، إرشاد الفحول ص١١٠. ٢ في ش ز ض: ودون. ٣ في ش ز: لتصبير. ٤ الآية ٤٠ من التوبة. ٥ الآية ٣١ من القصص. ٦ الآية ٢٥ من القصص. ٧ في ش: نظير. ٨ انظر: فواتح الرحموت ١/٣٩٥، تحقيق المراد ص٦٣. ٩ الآية ١٦ من الطور. ١٠ انظر: تحقيق المراد ص٦٢. ولصيغة النهي معان أخرى كالشفقة وتسكين النفس والعظة، وبعضها متداخل في بعض. "انظر: التوضيح على التنقيح ٢/٥٣، كشف الأسرار ١/٢٥٦، تحقيق المراد ص٦٢، منهاج العقول ٢/١٩، العدة ٢/٤٢٧".
[ ٣ / ٨٢ ]
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
"فَإِنْ" "تَجَرَّدَتْ" صِيغَةُ النَّهْيِ عَنْ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ وَالْقَرَائِنِ "فَ" هِيَ "لِتَحْرِيمٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ٢. وَبَالَغَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي إنْكَارِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا لِلْكَرَاهَةِ٣.
وَقِيلَ: صِيغَةُ النَّهْيِ تَكُونُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَ٤الْكَرَاهَةِ. فَتَكُونُ مِنْ الْمُجْمَلِ ٥.
وَقِيلَ: تَكُونُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ. فَتَكُونُ حَقِيقَةً فِي كُلٍّ مِنْهُمَا٦.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ٧
_________________
(١) ١ الآية ١٠٢ من آل عمران. ٢ وهو الصحيح عند الفخر الرازي والآمدي وغيرهما. "انظر: المسودة ص٨١، الرسالة ص٢١٧، ٣٤٣، البرهان للجويني ١/٢٨٣، نهاية السول ٢/٦٣، الإحكام للآمدي ٢/١٨٧، التبصرة ص٩٩، المحصول؟ ١ ق٢/٤٦٩، تحقيق المراد ص٦٣، اللمع ص١٤، فواتح الرحموت ١/٣٩٦، كشف الأسرار ١/٢٥٦، التمهيد ص٨١، مختصر الطوفي ص٩٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٠، شرح تنقيح الفصول ص١٦٨، التمهيد ص٨١". ٣ الرسالة ص٣٥٣. "وانظر: التمهيد ص٨١، المسودة ص٨١، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٠". ٤ في ش: أو. ٥ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٠. ٦ وهو مطلق الترك. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٠، تيسير التحرير ١/٣٧٥". ٧ وهو قول الأشعرية، وهناك أقوال أخرى في المسألة. "انظر: المسودة ص٨١، شرح تنقيح الفصول ص١٦٨، المحصول؟ ١ ق٢/٤٦٩، التبصرة ص٩٩، تحقيق المراد ص٦٣، كشف الأسرار ١/٢٥٦، تيسير التحرير ١/٣٧٥، فواتح الرحموت ١/٣٩٦، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٠، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص٣٣٢".
[ ٣ / ٨٣ ]
"وَ"وُرُودُ١ صِيغَةِ النَّهْيِ "مُطْلَقَةً عَنْ شَيْءٍ لِعَيْنِهِ" أَيْ لَعَيْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ٢ وَنَحْوِهَا٣ مِنْ الْمُسْتَقْبَحِ لِذَاتِهِ: يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا٤ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ٥.
_________________
(١) ١ في ب: وورد. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض ب: ونحوهما. ٤ أي أن اقتضاء النهي للفساد هو الشرع، لافي اللغة، لأن صيغة النهي لغة تدل على مجرد طلب الكف عن الفعل على وجه الجزم والقطع، واقتضاؤه للفساد أو البطلان قدر زائد يحتاج إلى دليل آخر غير اللغة، وهو اختيار الآمدي وأكثر الأصوليون، وفي قول: إنه يقتضي الفساد من جهة اللغة واللسان، وقيل: معنى. "انظر: جمع الجوامع ١/٣٩٣، نهاية السول ٢/٦٢، الإحكام للآمدي٢/١٨٨، مختصر ابن الحاجب ٢/٩٥، تيسير التحرير ١/٣٧٦، فواتح الرحموت ١/٣٩٦، مختصر البعلي ص١٠٤، مباحث الكتاب والسنة ص١٢٩،١٣٠". ٥ قال: القرافي: ومعنى الفساد في العبادات وقوعها على نوع من الخلل يوجب بقاء الذمة مشغولة بها، وفي المعاملات عدم ترتب آثارها عليها" "شرح تنقيح الفصول ص١٧٣". والفاسد والباطل بمعنى واحد عند الجمهور، بينما فرق الحنفية بينهما، فقالوا: الباطل ما ليس مشروعًا بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، وسبق بيان ذلك في المجلد الأول ص٤٧٣وما بعدها. والأشياء التي نهى الشارع عنها لعينها باطلة عند الحنفية، وليست مشروعة أصلًا وهناك أقوال أخرى في المسألة. "انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/٩٥، نهاية السول ٢/٦٣، العبادي على الورقات ص٩٣، المحصول؟ ١ ق٢/٤٨٦، المنخول ص١٢٦، ٢٠٥، تيسير التحرير ١/٣٧٦، المعتمد ١/١٨٤، الإحكام للآمدي ٢/١٨٨، التبصرة ص١٠٠، المستصفى ٢/٢٤، جمع الجوامع ١/٣٩٣، البرهان للجويني ١/٢٨٣، المسودة ص٨٠، ٨٣، أصول السرخسي ١/٨٠، ٨٢، فواتح الرحموت ١/٣٩٦، فتح الغفار ١/٧٨، ٧٩، ٨١، التوضيح على التنقيح ٢/٢٢٣، كشف الأسرار ١/٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦٦، اللمع ص١٤، مختصر الطوفي ص١٠٤، مختصر البعلي ص١٠، التمهيد ص٨١، الروضة ٢/٢١٧، العدة ٢/٤٣٢، إرشاد الفحول ص١١٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٢، ١٩٣، تحقيق المراد ص٦٧، ٧٢، ٧٤، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص٣٤٣، مباحث الكتاب والسنة ص١٢٩، ١٣٠، تفسير النصوص ٢/٣٨٩".
[ ٣ / ٨٤ ]
قَالَ الْخَطَّابِيُّ١: هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ٢، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" ٣.
وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ٤ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ، كَاحْتِجَاجِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٥ وَاسْتِدْلالُ الصَّحَابَةِ. ﵃. عَلَى فَسَادِ٦ عُقُودِ الرِّبَا بِقَوْلِهِ ﷺ: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ" - الْحَدِيثَ ٧" وَعَلَى فَسَادِ
_________________
(١) ١ في ع: أبو الخطاب، والأعلى من بقية النسخ وهو الصواب، لأنه ورد بالنص في "المسودة" و"القواعد والفوائد الأصولية". ٢ انظر: المسودة ص٨٣، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٢. ٣ هذا الحديث رواه البخاري معلقًا، ورواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ مرفوعًا، ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد". قال المناوي: "أي مردود فلا يقبل منه، وفيه دليل للقاعدة الأصولية أن مطلق النهي يقتضي الفساد، لأن المنهي عنه مخترع محدث، وقد حكم عليه بالرد المستلزم للفساد". "انظر: فتح الباري ١٣/٣١٧، صحيح البخاري ٤/٢٦٨، صحيح مسلم ٣/١٣٤٤، خلق أفعال العباد ص٢٩، سنن أبي داود ٢/٥٠٦، سنن ابن ماجه ١/٧، مسند أحمد ٦/١٤٦، ١٨٠، فيض القدير ٦/١٨٣". ٤ في ض: يستدون، وفي ب: يستدل. ٥ الآية ٢٢١ من البقرة. ٦ في ض ب: العقود بالربا. ٧ هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والبيهقي ومالك والشافعي عن عبادة بن الصامت وأبي سعيد مرفوعًا بألفاظ مختلفة، وتقدم تخريجه في المجلد الثاني ص٥٥٤.
[ ٣ / ٨٥ ]
نِكَاحِ الْمَحْرَمِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ١. وَقَدْ شَاعَ وَذَاعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ٢.
فَإِنْ قِيلَ: احْتِجَاجُهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ لا عَلَى الْفَسَادِ٣.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْفَسَادِ مَعًا. أَلا تَرَى إلَى حَدِيثِ بَيْعِ الصَّاعَيْنِ٤ مِنْ التَّمْرِ بِالصَّاعِ. وَقَوْلِهِ ﷺ "أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا" ٥ وَذَلِكَ
_________________
(١) ١ ورد النهي عن نكاح المحرم في حديث عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المُحْرِمُ، ولا يخطب" رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك وأحمد والدارمي وغيره. " انظر صحيح مسلم ٢/١٠٣٠، سنن أبي داود ١/٤٢٧، تحفة الأحوذي ٣/٥٧٩، سنن النسائي ٥/١٥١، ٦/٧٣، سنن ابن ماجه ١/٦٣٢، مسند أحمد ١/٥٧، ٦٤، المنتقى شرح الموطأ ٢/٢٢٨، سنن الدارمي ٢/١٤١، نيل الأوطار ٥/١٦، نصب الراية ٣/١٧٠". ٢ انظر أدلة الجمهور في "الرسالة للشافعي ص٣٤٧، تيسير التحرير ١/٣٨١، المعتمد ١/١٨٧ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٧٤، الإحكام للآمدي ٢/١٩٠، التبصرة ص١٠١، المحصول؟ ١ ق٢/٤٩٦، المستصفى ٢/٢٦ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٩٥ وما بعدها، الروضة ٢/٢١٨، العدة ٢/٤٣٤ وما بعدها، مختصر الطوفي ص٩٦، إرشاد الفحول ص١١٠، تحقيق المراد ص١٠ وما بعدها، تفسير النصوص ٢/٣٩٠". ٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٧٤ وما بعدها، تيسير التحرير ١/٣٨١، تحقيق المراد ص١١٣، ١٢٩. ٤ ساقطة من ز ع ض ب. ٥ روى البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ استعمل رجل على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنبياُ" وهذا لفظ البخاري، وفي رواية مسلم "هذا هو الربا"، وفي رواية لمسلم والنسائي: "أوّه عين الربا"، وروى الطبراني وأحمد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، والصاع بالصاعين، أني أخاف عليكم الرما، والرما هو الربا" وروى أحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: اشترينا الصاع بصاعين من تمرنا صاعًا، فقال رسول الله ﷺ: "أربيتم". "انظر: صحيح البخاري ٢/٢٤، صحيح مسلم ٣/١٢١٥ وما بعدها، سنن النسائي ٧/٢٤٠، سنن ابن ماجه ٢/٧٥٨، مسند أحمد ٢/١٠٩، ٣/٢، تخريج احاديث البزدوي ص٧٦، النووي على مسلم ١١/٢٢".
[ ٣ / ٨٦ ]
بَعْدَ الْقَبْضِ. فَأَمَرَ١ بِرَدِّهِ. و٢َبِقَوْلِهِ ﷺ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" وَالرَّدُّ إذَا أُضِيفَ إلَى الْعِبَادَاتِ اقْتَضَى عَدَمَ الاعْتِدَادِ بِهَا، وَإِنْ أُضِيفَ إلَى الْعُقُودِ اقْتَضَى٣ فَسَادَهَا٤.
فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَلا طَاعَةٍ٥.
قُلْنَا: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي رَدَّ ذَاتِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اقْتَضَى رَدَّ مُتَعَلِّقِهِ٦.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ، وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ الأُصُولِ٧.
قِيلَ: تَقَوَّى بِالْقَبُولِ. وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ الْفُرُوعِ٨.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ. ﵁. بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ ٩، وَلا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ، وَلا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ" ١٠ وَنَحْوَ
_________________
(١) ١ في ض: فأمره. ٢ ساقطة من ب. ٣ ساقطة من ض. ٤ انظر: تيسير التحرير ١/٣٨٢، تحقيق المراد ص١١٤وما بعدها، ١٣٠وما بعدها. ٥ انظر: التبصرة ص١٠١، المحصول؟ ١ ق٢/٤٨٨، المستصفى ٢/٣٠، العدة ٢/٤٣٥. ٦ انظر: المعتمد ١/١٨٧، الإحكام للآمدي ٢/١٩١، التبصرة ص١٠١، إحكام الأحكام ١/٥٣، العدة ٢/٤٣٢. ٧ قال ابن حجر الهيثمي: "والزعم أن القواعد الكلية لا تثبت بخبر الواحد باطل" "انظر: فيض القدير ٦/١٨٣". وانظر: تحقيق المراد ص١١٢، التبصرة ص١٠١. ٨ انظر: تحقيق المراد ص١١٤، التبصرة ص١٠١. ٩ سبق تخريجه بلفظ "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" المجلد الأول ص٢٩٩. ١٠ سبق تخريجه بلفظ "ومن لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" وله روايات وألفاظ متعددة، المجلد الثاني ص٢١٠.
[ ٣ / ٨٧ ]
ذَلِكَ. قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نَفْيَ نَفْسِ الْفِعْلِ؛ لأَنَّ الْفِعْلَ مَوْجُودٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَاهَدَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ حُكْمِهِ. فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ. فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ إيجَادُهُ. وَكَانَ. الْفَرْضُ١ الأَوَّلُ عَلَى عَادَتِهِ٢.
وَيَدُلُّ لِلْفَسَادِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا: الاعْتِبَارُ وَالْمُنَاقَضَةُ.
أَمَّا الاعْتِبَارُ٣: فَلأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ مَفْسَدَةٍ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ بِمَا. يُلازِمُهُ؛ لأَنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ لا يَنْهَى عَنْ الْمَصَالِحِ. وَفِي الْقَضَاءِ بِإِفْسَادِهَا إعْدَامٌ لَهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ وَلأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا مَعَ رَبْطِ الْحُكْمِ بِهَا يُفْضِي٤ إلَى التَّنَاقُضِ فِي الْحِكْمَةِ؛ لأَنَّ نَصْبَهَا سَبَبًا يُمَكِّنُ مِنْ التَّوَسُّلِ٥، وَالنَّهْيُ يَمْنَعُ مِنْ التَّوَسُّلِ٦، وَلأَنَّ حُكْمَهَا مَقْصُودُ الآدَمِيِّ وَمُتَعَلِّقُ غَرَضِهِ، فَتَمْكِينُهُ مِنْهُ حَثٌّ عَلَى تَعَاطِيهِ. وَالنَّهْيُ مَنْعٌ مِنْ التَّعَاطِي، وَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْسُدْ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبَ التَّرْكِ بِالنَّهْيِ حُكْمُه٧ُ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ لِكَوْنِ الْفَرْضِ جَوَازَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّتُهُ
_________________
(١) ١ في ش: الغرض. ٢ انظر: تيسير التحرير ١/٣٨٠، الروضة ٢/٢١٧ وما بعدها، مباحث الكتاب والسنة ص١٣٠. ٣ ساقطة من ض. الاعتبار هو التقدير، وهو قريب من القياس في اللغة، والاعتبار في الاصطلاح: إيراد الحكم على وفق أمر آخر، ويأتي القياس والمصالح المرسلة باسم المناسب المعتبر، وهو كل وصف شهد الشرع باعتباره بأخذ فروع الأحكام. "انظر: الكافية في الجدل ص٦٢، إرشاد الفحول ص٢١٧، الوسيط في أصول الفقه ص٢٤". ٤ في ز ع ض ب: مفضٍ. ٥ في ض ب: التوصل. ٦ في ض ب: التوصل. ٧ في ش ز: عن حكمه.
[ ٣ / ٨٨ ]
حُكْمُ الصِّحَّةِ. وَذَلِكَ بَاطِلٌ١.
أَمَّا الْمُلازَمَةُ: فَلاسْتِحَالَةِ خُلُوِّ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ الْحِكْمَةِ. وَأَمَّا بُطْلانُ الثَّانِي: فَلأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ الْحُكْمِ عَنْ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ خَرْقٌ لِلإِجْمَاعِ. لأَنَّ حِكْمَةَ النَّهْيِ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ٢ أَوْ مَرْجُوحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً؛ وَلَوْ٣ كَانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ النَّهْيُ. فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ. وَفِي رُجْحَانِ النَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ.
فَإِنْ قُلْت٥: التَّرْجِيحُ غَايَتُهُ أَنْ يُنَاسِبَ نَفْيَ الصِّحَّةِ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفِي الصِّحَّةِ إلاَّ بِإِيرَادِ شَاهِدٍ بِالاعْتِبَارِ. وَلَوْ ظَهَرَ كَانَ الْفَسَادُ لازِمًا مِنْ الْقِيَاسِ٦.
قُلْنَا: الْقَضَاءُ بِالْفَسَادِ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ، فَلا يُفْتَقَرُ إلَى شَاهِدِ الاعْتِبَارِ، وَلأَنَّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مَنْهِيَّاتٍ بَاطِلَةً، وَلا مُسْتَنِدَ لَهَا إلاَّ أَنَّ النَّهْيَ لِلأَصْلِ٧.
وَأَمَّا دَلِيلُ الْفَسَادِ بِالْمُنَاقَضَةِ٨: فَلأَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَبْطَلُوا النِّكَاحَ فِي
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ١/٢٦١، تحقيق المراد ص١٣١. ٢ ساقطة من ش ز ض ب. ٣ في ش ز ع: إذ لو. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ٢/١٨٩ وما بعدهما، المحصول؟ ١ ق٢/٤٩٤، ٤٩٦، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٩٦، تحقيق المراد ص١٣١. ٥ في ش ز: قلنا. ٦ انظر: تحقيق المراد ص١٣٥. ٧ انظر: تحقيق المراد ص١٣٥، الإحكام للآمدي ١/٥٣. ٨ المناقضة عند الأصوليون هي النقض، وعند أهل النظر عبارة عن منع مقدمة الدليل، أو هي ابطال دليل المعلل "كشاف اصطلاح الفنون ٦/١٤١١"، وقال الباجي: "النقض: هو وجود العلة وعدم الحكم" "الحدود ص٧٦"، وقال الجويني: "النقض: انتفاء الحكم عما ادعي له من العلة، وقيل: وجود العلة مع فقد ما ادعي من حكمها، وقيل: ابراء العلة حيث لا حكم" "الكافية في الجدل ص٦٩".
[ ٣ / ٨٩ ]
الْعِدَّةِ١ وَنِكَاحَ الْمَحْرَمِ، وَالْمُحَاقَلَةَ٢ وَالْمُزَابَنَةَ وَالْمُنَابَذَةَ وَالْمُلامَسَةَ٣، وَالْعَقْدَ عَلَى مَنْكُوحَةِ الأَبِ لِقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٤. ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٥ وَالصَّلاةَ فِي الْمَكَانِ النَّجِسِ وَالثَّوْبِ النَّجِسِ٦،
_________________
(١) ١ أبطل العلماء النكاح في العدة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ البقرة/٢٢٨، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ القرة/٢٣٢، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ القرة /٢٣٤، ولحديث أي السنابل وسبيعة الأسلمية الذي مر سابقًا "المجلد الثاني ص٣١٣" وغيره. ٢ في ض ب: المحالقة. ٣ روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والدارقطني عن جابر وغيره بألفاظ متقاربة، أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة، وأن، يشتري النخل حتى يشقه، والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر، والمخابرة الثلث والربع وأشباه ذلك. واختف العلماء في تفسير المحاقلة ففسرها بعضهم بما جاء في الحديث، وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله، والحقل: الحرث وموضع الزرع، وأخرج الشافعي عن جابر أن المحاقلة أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة، وقال ابن الكثير: "المحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جار مفسرًا في الحديث" "النهاية في غريب الحديث ١/٤١٦". "انظر: صحيح البخاري ٢/١٥ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٩٤، سنن أبي داود ٢/٢٢٥، تحفة الأحوذي ٤/٤١٦، سنن النسائي ٧/٢٣٤، سنن ابن ماجه٢/٧٦١، مسند أحمد ١/٢٢٤، ٢/٣٩٢، سنن الدارمي ٢/٢٥٢، الموطأ ٣٨٦ ط الشعب، سنن الدارقطني ٣/٤٨، نيل الأوطار ٥/١٨٩، المغني ٤/١٥٦". ٤ الآية ٢٢ من النساء. وفي ع ض ب: " من النساء الآية. ٥ الآية ٢٢١ من البقرة. وفي ع ض ب: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ﴾ . ٦ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ المدثر/٤، ولما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". "انظر: صحيح البخاري ١/٤٦ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي ٤/١٧، سنن أبي داود ١/٦٥، تحفة الأحوذي ١/٣٩٠، سنن النسائي ١/٩٨، سنن ابن ماجه ١/٢٠٣، مسند أحمد ٦/٨٣، ١٢٩، الموطأ ص٦٢ ط الشعب".
[ ٣ / ٩٠ ]
وَحَالَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ١، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلا مُسْتَنِدَ إلاَّ النَّهْيِ٢.
قَالُوا: لَوْ دَلَّ الْفَسَادُ٣ لَنَاقَضَ التَّصْرِيحَ بِالصِّحَّةِ فِي قَوْلِهِ: نَهَيْتُك عَنْ فِعْلِ كَذَا فَإِنْ فَعَلْت صَحَّ٤.
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْفَسَادِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالصِّحَّةِ٥ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حِكْمَةِ الْفَسَادِ، وَلأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ فَالتَّصْرِيحُ بِخِلافِ الظَّاهِرِ، وَ٦لا تَنَاقُضَ٧، نَحْوَ: رَأَيْتُ أَسَدًا يَرْمِي. وَأَيْضًا فَإِنَّ٨ قَوْلَهُ: يُشْبِهُ الْمُسْتَدْرَكَ وَالْمُسْتَثْنَى. فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَكِنَّك إنْ فَعَلْت صَحَّ، أَوْ قَوْلُهُ: إلاَّ أَنَّك إذَا فَعَلْت صَحَّ. وَلَيْسَ فِي كَلامِ الشَّارِعِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ٩.
وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّهْيُ لِوَصْفٍ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لازِمٌ لَهُ. وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ
_________________
(١) ١ لما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" وسبق تخريجه في المجلد الأول ص٤٧١. ٢ انظر: تحقيق المراد ص١٠٣، الإحكام للآمدي ٢/١٩٣. ٣ في ش ز ع: الفساد. ٤ انظر: التبصرة ص١٠٣، المحصول؟ ق٢/٤٨٩ وما بعدها، العدة ٢/٤٣٩. ٥ ساقطة من ض. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ في ع: يناقض. ٨ في ش ز: فإنه. ٩ انظر: تفصيل هذه الأدلة مع الزيادة عليها في "تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للعلائي ص١١١ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٢/١٨٨، ١٩٢ وما بعدها، التبصرة ص١٠٣، المحصول ٢/٤٨٧، ٤٨٩، العدة ٢/٤٣٩".
[ ٣ / ٩١ ]
"أَوْ وَصْفِهِ" كَالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمَةِ١ وَعَنْ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ٢.فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ "يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا" عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ٣.
فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ إثْبَاتُ الْقِيَامِ وَالاسْتِيلاءِ وَالسَّبِيلِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْطُلُ هَذَا الْوَصْفُ. اللاَّزِمُ٤ لَهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الشَّيْءِ وَفَسَادَ وَصْفِهِ. فَالْمُحَرَّمُ عِنْدَهُمْ وُقُوعُ الصَّوْمِ فِي الْعِيدِ لا الْوَاقِعُ. فَالْفِعْلُ حَسَنٌ٥؛.لا أَنَّهُ٦ صَوْمٌ قَبِيحٌ لِوُقُوعِهِ فِي الْعِيدِ. فَهُوَ عِنْدَهُمْ طَاعَةٌ يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ٧، وَوَصْفُ قُبْحِهِ لازِمٌ لِلْفِعْلِ لا لِلاسْمِ، وَلا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ٨.
_________________
(١) ١ ورد النهي عن نكاح الكافر للمسلة في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ البقرة/٢٢١ ٢ انظر: المغني ٤/١٩٩. ٣ انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٩٨، جمع الجوامع ١/٣٩٤، الفروق ٢/٨٢، المنخول ص٢٠٥، العدة ٢/٤٤١، الروضة ٢/٢١٧، المسودة ص٨٢، ٨٣، مختصر الطوفي ص٩٦، التمهيد ص٨١، مباحث الكتاب والسنة ١٣١، ١٣٣. ٤ في ش ز: الملازم. ٥ في ع: عندهم حسن. ٦ في ز ع ض ب: لأنه. ٧ قال النووي ﵀: "وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك، ولو نذر صومهما متعمدًا لعينها، قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره، ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد ويلزم قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك" شرح النووي على مسلم ٨/١٥". وقال التمرتاشي والحصكفي: "ولو نذر صوم الأيام المنهية، أو صوم هذه السنة صح مطلقًا على المختار، وفرقوا بين النذر والشروع فيها بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح، ولكنه أفطر الأيام المنهية، وجوبًا تحاميًا عن المعصية وقضاها إسقاطًا للواجب، وإن صامهما خرج عن العهدة مع الحرمة" "حاشية ابن عابدين ٤/٤٣٣". ٨ قال الآمدي: "وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة وكثير من مشايخهم" "الإحكام للآمدي ٢/١٨٨". انظر: هذا الرأي وأدلته في "فواتح الرحموت ١/٣٩٨، أصول السرخسي ١/٨١، ٨٥، كشف الأسرار ١/٢٥٨ وما بعدها، التوضيح على التنقيح ٢/٢٢٣، ٢٢٧، فتح الغفار ١/٧٨، تيسير التحرير ١/٣٧٧ وما بعدها، ٣٨٢ وما بعدها، المعتمد ١/١٨٤، ١٨٨وما بعدها، تحقيق المراد ص٩١، ١٤٩ وما بعدها، المستصفى ٢/٢٥، مختصر ابن الحاجب ٢/٩٧، ٩٨، نهاية السول ٢/٦٤، جمع الجوامع ١/٣٩٦، الفروق ٢/٨٣، الروضة ٢/٢١٧، المسودة ص٨٣، مختصر الطوفي ص٩٦، البرهان للجويني ١/٢٩٢، تفسير النصوص٢/٣٩٠، مباحث الكتاب والسنة ص١٣٥، ١٣٦، العدة ٢/٤٤٢، المحصول؟ ١ ق٢/٥٠٠"
[ ٣ / ٩٢ ]
وَقِيلَ لأَبِي الْخَطَّابِ فِي نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ١ الْعِيدِ٢ نَهْيُهُ ﵊ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ؟ فَقَالَ: هُوَ حُجَّتُنَا؛ لأَنَّ النَّهْيَ عَمَّا٣ لا يَكُونُ مُحَالٌ، كَنَهْيِ الأَعْمَى عَنْ النَّظَرِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ لَمَا نَهَى عَنْهُ٤.
"وَكَذَا" لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ "لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَ" النَّهْيِ عَنْ عَقْدِ بَيْعٍ "بَعْدَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ"٥ وَكَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، يَعْنِي فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَهُ عِنْدَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ع ض. ٢ جاء النعي عن صوم يوم العيد في الحديث الصحيح المرفوع الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي سعيد وعمر وأبي هريرة وابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الضحى" وفي رواية البخاري وأحمد "لا صوم في يومين" وفي رواية مسلم "لا يصح الصيام في يومين". "انظر: صحيح البخاري ١/٢٣٣ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي ٨/١٥، مسند أحمد ٥/٥٢، ٦٦، الموطأ ص٢٠٠ ط الشعب، نيل الأوطار ٤/٢٩٣، سنن أبي داود ١/٥٦٣، تحفة الأحوذي ٣/٥٧٩، سنن ابن ماجه ١/٥٤٦، بدائع المنن ١/٢٧٥، سنن الدارمي ٢/٢٠". ٣ في ب: عنه. ٤ انظر مناقشة الموضوع في "الإحكام للآمدي ٢/١٩٢، المحصول؟ ١ ق٢/٥٠٠ وما بعدها، المستصفى ٢/٢٨، الروضة ٢/٢١٧، مختصر البعلي ص١٠٤". ٥ هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الجمعة/٩.
[ ٣ / ٩٣ ]
الإِمَامِ أَحْمَدَ. ﵁. وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ١ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْجُبَّائِيَّةِ٢.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الأَكْثَرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ الآمِدِيُّ: لا خِلافَ أَنَّهُ لا يَقْتَضِي الْفَسَادَ إلاَّ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ٣.
وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاتِ٤.
وَأَلْزَمَ الْقَاضِي٥ الشَّافِعِيَّةَ بِبُطْلانِ الْبَيْعِ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ وَالِدَةٍ
_________________
(١) ١ في ع: والظاهرية والمالكية. ٢انظر هذه المسألة في "المعتمد ١/١٩٥، نهاية السول ٢/٦٥، شرح تنقيح الفصول ١٧٤، ١٧٦، مختصر الطوفي ص٨٦، مختصر البعلي ص١٠٤، المسودة ص٨٣، العدة ٢/٤٤١، الفروق ٢/٨٥، الإحكام لابن حزم ٣/٣٠٧، مباحث الكتاب والسنة ص١٣٢". ولفظة الجبائية: ساقطة من ب. ٣ في ع ض ب: وإمامنا أحمد. وانظر: الإحكام للآمدي ٢/١٨٨، التبصرة ص١٠٠ هامش. ٤ هذا رد على القول الذي يذهب للتفصيل بين العبادات والمعاملات، وهو رأي أبي الحسين البصري والفخر الرازي وابن السبكي وغيرهم، وهناك مذاهب أخرى. انظر أصحاب هذه المذاهب مع أدلتها ومناقشتها مع بيان مذهب الحنابلة وأدلتهم في "المعتمد ١/١٨٤، التمهيد ص٨٢، المسودة ص٨٣، العدة ٢/٤٤٤، المحصول؟١ ق٢/٤٨٦، المنخول ص١٢٦، المستصفى ٢/٢٥، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٩٥ وما بعدها، نهاية السول ٢/٥٢، ٦٥، أصول السرخسي ١/٨١، فتح الغفار ١/٧٨، التوضيح على التنقيح ٢/٢٢٩، ٢٣٢، تيسير التحرير ١/٣٧٧، جمع الجوامع ١/٣٩٣، ٣٩٥، تحقيق المراد ص٧٧، ٩، اللمع ص١٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٢، فواتح الرحموت ١/٣٩٦، مباحث الكتاب والسنة ص١٣١". ٥ انظر: العدة ٢/٤٤٦. واستدل القاضي بقوله ﷺ: "لا توله والدة عن ولدها"، روى هذا الحديث أبو بكر ﵁، وأخرجه عنه البيهقي قال السيوطي إنه حسن، وقال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف، ورواه أبو عبيد في "غريب الحديث" مرسلًا عن الزهري، "انظر: فيض القدير ٦/٤٢٣، التلخيص الخبير ٣/١٥"،
[ ٣ / ٩٤ ]
وَوَلَدِهَا١
"لا" إنْ كَانَ النَّهْيُ "عَنْ غَيْرِهِ" أَيْ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ غَيْرِ عَقْدٍ. وَكَانَ ذَلِكَ "لِحَقِّ٢ آدَمِيٍّ، كَتَلَقٍّ٣" لِلرُّكْبَانِ٤ "وَ"كَ "نَجْشٍ"٥ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِغَيْر٦ِ الْمُشْتَرِي "وَ" كَـ"سَوْمٍ" عَلَى سَوْمِ مُسْلِمٍ "وَ" كَـ"خِطْبَةٍ" وَلَوْ لِذِمِّيَّةٍ عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ٧ "وَ"كَ "تَدْلِيسِ"
_________________
(١) ١ ورد عن علي ﵁ أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك ورد البيع. رواه أبو داود والدارقطني، وفي الباب أحاديث أخر. "انظر: سنن أبي داود ٢/٥٨، نيل الأوطار ٥/١٨٢". ٢ في ع ض: كحق. ٣ في ب: كتلقي. ٤ روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ عن تلقي الركبان" ورواه أبو داود عن ابن عمر ﵄، وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تلقوا الركبان، ولا بيع حاضر لبادٍ". "انظر: صحيح البخاري ٢/١٣المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي ١٠/١٦٠، سنن أبي داود ٢/٢٤١، مسند أحمد ٢/١٠٥، ١٥٦، ٣٩٤، نيل الأوطار٥/١٨٨، المغني ٤/١٦٤". وفي ع ض ب: الركبان. ٥ روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن النجش"، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه ابن ماجه عن ابن عمر ﵃. "انظر: صحيح البخاري ٢/١٢ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم على شرح النووي ١٠/١٦، سنن أبي داود ٢/٢٤١، سنن النسائي ٧/٢٢٧، سنن ابن ماجه ٢/٧٣٤، نيل الأوطار ٥/١٨٧، المغني ٤/١٥٩". ٦ في ش: لغير، وفي ب: ليغر بها. ٧ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه" وفي لفظ: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه"، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يبع الرجل أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن". "انظر: صحيح البخاري ٢/١٢ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم على شرح النووي ١٠/١٥، نيل الأوطار ٥/١٨٧، مسند أحمد ٢/٣٩٨، ٤١١، ٤٥٧، سنن ابن ماجه ٢/٧٣٤، سنن النسائي ٧/٢٢٧، نيل الأوطار ٥/١٨٩، المغني ٤/١٥٩"
[ ٣ / ٩٥ ]
مَبِيعٍ١، كَالتَّصْرِيَةِ٢ وَنَحْوِهَا. فَإِنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ٣.
قَالَ٤ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَحَيْثُ قَالَ أَصْحَابُنَا: اقْتَضَى النَّهْيُ الْفَسَادَ فَمُرَادُهُمْ: مَا لَمْ يَكُنْ النَّهْيُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ. فَإِنْ كَانَ وَلا مَانِعَ. كَتَلَقِّي الرُّكْبَانَ وَالنَّجْشِ. فَإِنَّهُمَا يَصِحَّانِ عَلَى الأَصَحِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ. لإِثْبَاتِ الشَّرْعِ الْخِيَارَ فِي التَّلَقِّي٥.
"وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَالدَّوَامَ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ٦، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِهِ
_________________
(١) ١ في ش: بيع، وفي ع: لمبيع، وفي ز: ببيع. ٢ لحديث: "لا تصروا الإبل والغنم، عمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها امسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر" وسبق تخريجه كاملًا في المجلد الثاني ص٣٦٨ هـ، ٥٦٦، ٥٦٨، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/١٦٠ ٣ قال الشوكاني: "وقد اختلف في هذا النهي، هل يقتضي الفساد أم لا؟ فقيل: يقتضي الفساد، وقيل: لا، وهو الظاهر، لآن النهي ههنا لأمر خارج، وهي لا يقتضيه، كما تقرر في الأصول" "نيل الأوطار٥/١٨٨". وقال: "وق قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية، وبعض الحنابلة، وقال غيرهم بعدم الفساد. "نيل الأوطار ٥/١٨٨". "وانظر: مختصر البعلي ص١٠٤، ١٠٥، التمهيد ص٨٢، مختصر الطوفي". ٤ في ض ب: وقال. ٥ وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار" وفي روايات أخرى "أن يتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق" "نهى عن التلقي" "نهى عن تلقي البيوع" "أن يتلقى الجلب" وسيده أي مالكه، "انظر: النووي على مسلم ١٠/١٦٣، سن أبي داود ٢/٢٤٠". ٦ انظر: المسودة ص٨١، التمهيد ص٨١، تيسير التحرير ١/٣٧٦، مختصر البعلي ص ١٠٥، فواتح الرحموت ١/٤٠٦، نهاية السول ٢/٦٣، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩١، العدة ٢/٤٢٨".
[ ٣ / ٩٦ ]
لِلدَّوَامِ: كَوْنُهُ لِلْفَوْرِ؛ لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَلأَنَّ مَنْ نُهِيَ عَنْ فِعْلٍ بِلا قَرِينَةٍ فَفَعَلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ عُدَّ مُخَالِفًا لُغَةً وَعُرْفًا. وَلِهَذَا لَمْ يَزَلْ١ الْعُلَمَاءُ يُسْتَدَلُّونَ٢ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَحَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ بُرْهَانٍ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ إجْمَاعًا٣.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَمْرِ: أَنَّ الأَمْرَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيَقَعُ الامْتِثَالُ فِيهِ بِالْمَرَّةِ. وَأَمَّا الانْتِهَاءُ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلا يَتَحَقَّقُ إلاَّ بِاسْتِيعَابِهِ فِي الْعُمُرِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَكْرَارٌ، بَلْ بِالاسْتِمْرَارِ٤ بِهِ يَتَحَقَّقُ الْكَفُّ٥.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ النَّهْيَ مُنْقَسِمٌ٦ إلَى الدَّوَامِ كَالزِّنَا، وَإِلَى غَيْرِهِ كَالْحَائِضِ
_________________
(١) ١ في ع ض ب: تزل. ٢ في ع ض ب: تستدل. ٣ نقل العلماء عن أبي بكر الباقلاني أن النهي لا يقتضي الفور والتكرار كالأمر، وتابعه على ذلك الفخر الرازي فقال: "إن قلنا إن النهي يفيد التكرار فهو يفيد الفور لا محالة، وإلا فلا" أي إن ذلك لم يفيد التكرار فلا يفيد الفور، وقد اختار الفخر الرازي أن الأمر لا يفيد التكرار، وبالتالي فإن الأمر لا يفيد الفور عنده، ثم صرح باختياره فقال: "المشهور أن النهي يفيد التكرار، ومنهم من أباه، وهو المختار". "انظر: المحصول ٢/٤٧٠، ٤٧٥". وقال العضد: "يقتضي دوام ترك المنهي عند المحققين ظاهرًا وقد خالف في ذلك شذوذ" "العضد على ابن الحاجب ٢/٩٨". "وانظر: فواتح الرحموت ١/٤٠٦، تيسير التحرير ١/٣٧٦، الإحكام للآمدي ٢/١٩٤، المسودة ص٨١، شرح تنقيح الفصول ص١٦٨، البرهان للجويني ١/٢٣٠، مختصر ابن الحاجب ٢/٩٨، التمهيد ص٨١، مختصر البعلي ص١٠٥، العدة ٢/٤٢٨، جمع الجوامع ١/٣٩٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩١، تفسير النصوص ٢/٣٨٢". ٤ في ع ض ب: الاستمرار. ٥ انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٧١، البرهان للجويني ١/٢٣٠، اللمع ص١٤. ٦ في ع: ينقسم.
[ ٣ / ٩٧ ]
عَنْ الصَّلاةِ. فَكَانَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ عَدَمَ الدَّوَامِ لِقَرِينَةٍ، هِيَ تَقْيِيدُهُ بِالْحَيْضِ، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً لِلدَّوَامِ أَوْلَى مِنْ الْمَرَّةِ لِدَلِيلِنَا، وَلإِمْكَانِ التَّجَوُّزِ فِيهِ عَنْ بَعْضِهِ لاسْتِلْزَامِهِ لَهُ بِخِلافِ الْعَكْسِ١.
"وَ"قَوْلُ النَّاهِي عَنْ شَيْءٍ "لا تَفْعَلْهُ مَرَّةً يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ" قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ. فَلا يَسْقُطُ النَّهْيُ بِتَرْكِهِ مَرَّةً٢.
وَعِنْدَ الْقَاضِي وَالأَكْثَرِ يَسْقُطُ بِمَرَّةٍ٣، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَدَّمَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، حَتَّى قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ: غَرِيبٌ لَمْ نَرَهُ لِغَيْرِ ابْنِ٤ السُّبْكِيّ. وَقَطَعَ بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَمْ يَطَّلِعَا عَلَى كَلامِ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ٥.
"وَيَكُونُ" النَّهْيُ "عَنْ" شَيْءٍ "وَاحِدٍ" فَقَطْ، وَهُوَ كَثِيرٌ٦ "وَ"عَنْ "مُتَعَدِّدٍ" أَيْ شَيْئَيْنِ٧ فَأَكْثَرَ "جَمْعًا" أَيْ عَنْ الْهَيْئَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. فَيَكُونُ لَهُ فِعْلُ
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ٢/١٩٤. ٢ قال القرافي: "وهو المشهور من مذاهب العلماء" وقال الكمال: "خلافًا لشذوذ"، وهذا فرع لاقتضاء النهي التكرار وعدمه. "انظر: الروضة ٢/٢٠١، المسودة ص٨١، شرح تنقيح الفصول ص١٦٨، تيسير التحرير ١/٣٧٦، مختصر البعلي ص١٠٥، فواتح الرحموت ١/٤٠٦، المحصول؟ ١ ق٢/٤٧٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٢". ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ض. ٥ ومذهب الفخر الرازي، ورأيه مخالف لاختيار أكثر الأشاعرة والشافعية. "انظر: المحصول؟ ١ ق٢/٤٧٠، المسودة ص٨١، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٢، مختصر البعلي ص١٠٥، شرح تنقيح الفصول ص١٦٨، جمع الجوامع والمحلي عليه ١/٣٩٠". ٦ انظر جمع الجوامع ١/٣٩٢، نهاية السول ٢/٦٦. ٧ في ض ب: عن شيئين.
[ ٣ / ٩٨ ]
أَيُّهَا شَاءَ عَلَى انْفِرَادِهِ١ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ٢، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَ٣بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا٤.
"وَفَرْقًا" وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الافْتِرَاقِ دُونَ الْجَمْعِ. كَالنَّهْيِ عَنْ. الاقْتِصَارِ٥ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ٦.نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ "لا تَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ" ٧ فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُنَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالَتَيْ الرِّجْلَيْنِ٨، لا عَنْ لُبْسِهِمَا مَعًا، وَلا عَنْ تَحْفِيفِهِمَا مَعًا. وَلِذَلِكَ
_________________
(١) ١ نقل الشيرازي أن المعتزلة قالت: "يكون نهيًا عنهما، فلا يجوز فعل واحد منهما"، وأيد أبو الحسين البصري الجمهور، وخالف المعتزلة في ذلك. "انظر: التبصرة ص١٠٤، المعتمد ١/١٨٣، المسودة ص٨١، شرح تنقيح الفصول ص١٧٢، المنخول ص١٣١، المحصول؟ ١ ق٢/٥٠٨، نهاية السول ٢/٦٦، جمع الجوامع ١/٣٩٣، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٩". ٢ ثبت النهي عن تحريم الجمع بين الأختين في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ النساء/٢٣. ٣ في ب: أو. ٤ روى البخاري ومسلم أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن أبي هريرة وجابر ﵄ "أن النبي ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وفي رواية: "نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها". "انظر: صحيح البخاري ٣/١٦٠ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي ٩/١٩١، سنن أبي داود ١/٤٧٦، تحفة الأحوذي ٤/٢٧٢، سنن النسائي ٦/٧٩ وما بعدها، سنن ابن ماجه ١/٦٢١، مسند أحمد ٢/١٧٩، ٤٢٣، سنن الدارمي ٢/١٣٦، نيل الأوطار ٦/١٦٦". ٥ في ش: إحفائهما. ٦ في ش: جمع الجوامع وشرح المحلي والبناني عليه ١/٣٩٣. ٧ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمش أحدكم في نعل واحدةٍ، ليُنْعِلْهما جميعًا، أو ليُحْفهما جميعًا" وفي رواية: "أو ليخلعهما جميعًا" وفيه روايات أخرى. "انظر: صحيح البخاري ٤/٣٤، صحيح مسلم ٣/١٦٦٠، سنن أبي داود ٢/٣٨٩، مختصر سنن أبي داود ٦/٨٣، تحفة الأحوذي ٥/٤٧٠، سنن ابن ماجه ٢/١١٩٥". ٨ انظر: التبصرة ص١٠٤، منهاج العقول ٢/٦٢.
[ ٣ / ٩٩ ]
قَالَ: "لِيُنْعِلْهُمَا ١ جَمِيعًا أَوْ لِيُحْفِهِمَا ٢ جَمِيعًا".
"وَ" يَكُونُ النَّهْيُ أَيْضًا عَنْ مُتَعَدِّدٍ "جَمِيعًا" وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّهْيِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا: لا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبْ اللَّبَنَ. فَإِنَّك إنْ٣ جَزَمْت الْفِعْلَيْنِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ. فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِنْ نَصَبْت الثَّانِيَ مَعَ جَزْمِ الأَوَّلِ كَانَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ٤ بِانْفِرَادٍ٥، وَإِنْ جَزَمْت الأَوَّلَ وَرَفَعْت الثَّانِيَ كَانَ الأَوَّلُ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ فَقَطْ فِي حَالَةِ مُلابَسَةِ٦ الثَّانِي٧.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلامِ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ اللَّذَيْنِ حَقُّهُمَا التَّقْدِيمُ لِتَعَلُّقِهِمَا بِنَفْسِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ. شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِمَدْلُولِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ الْمُخَاطَبِ بِهِ فَقَالَ:
_________________
(١) ١ في ز: وليلبسهما، وفي ع ض ب: ليلبسهما. ٢ في ب: ليخلعهما. ٣ في ع: إذا. ٤ ساقطة من ز ع ض ب. ٥ في ش: بانفراد. ٦ في ب: ملابسته. ٧ انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٧٣، المعتمد ١/١٨٢-١٨٣.
[ ٣ / ١٠٠ ]