فَصْلٌ: "مَا اخْتَصَّ مِنْ أَفْعَالِهِ"
أَيْ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ "ﷺ بِهِ١ فَـ" كَوْنُهُ ٢مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم٢ "وَاضِحٌ" لأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَصَائِصَ كَثِيرَةً أُفْرِدَتْ بِالتَّصَانِيفِ٣.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِوَاجِبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَاتٍ٤.
"وَمَا كَانَ" مِنْ أَفْعَالِهِ ﷺ "جِبِلِّيًّا. كَنَوْمٍ" وَاسْتِيقَاظٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَذَهَابٍ وَرُجُوعٍ وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمُبَاحٌ. قَطَعَ بِهِ الأَكْثَرُ٥، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلافًا٦؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ٧ بِهِ التَّشْرِيعُ. وَلَمْ نُتَعَبَّدْ بِهِ،
_________________
(١) ١ ذكر الشوكاني أن أفعال النبي ﷺ تنقسم إلى سبعة أقسام، ثم ذكر هذه الأقسام وبين حكم كل قسم. "انظر: إرشاد الفحول ص ٣٥". ٢ في ز: ﷺ من خصائصه. ٣ من هذه الكتب "الشمائل" للترمذي وغيره، و"الخصائص الكبرى" للسيوطي، مطبوع في ثلاثة مجلدات، و"الشفا" للقاضي عياض، وشروح الشفا. ٤ في ش: وكراهات. وفي ض: وإكرامات. ٥ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٠، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، تيسير التحرير ٣/ ١٢٠، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٧، التلويح على التوضيح ٢/ ١٤ طبع الميمنية، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٣٥، أصول السرخسي ٢/ ٨٦ وما بعدها. ٦ نقل الشيخ زكريا الأنصاري خلافًا فيه، فقال: "وقيل يندب". "غاية الوصول ص ٩٢ كما ذكر المؤلف في الصفة التالية "١٧٩" أن الباقلاني والغزالي نقلا قولًا بالندب، وأن أبا إسحاق الإسفراييني نقل قولًا بالامتناع. ٧ في ض: تقصد.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَلِذَلِكَ نُسِبَ إلَى الْجِبِلَّةِ١. وَهِيَ الْخِلْقَةِ، لَكِنْ لَوْ تَأَسَّى بِهِ مُتَأَسٍّ ٢فَلا بَأْسَ٩، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ٣ ﵄. فَإِنَّهُ كَانَ إذَا حَجَّ يَجُرُّ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ حَتَّى يُبْرِكَهَا٤ حَيْثُ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ ﷺ تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ٥، وَإِنْ تَرَكَهُ لا رَغْبَةً عَنْهُ، وَلا اسْتِكْبَارًا فَلا بَأْسَ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالْغَزَالِيُّ قَوْلًا: أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّأَسِّي بِهِ٦. وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا وَعَزَاهُ لأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَالثَّانِي: لا يُتَّبَعُ فِيهِ أَصْلًا. فَتَصِيرُ الأَقْوَالُ ثَلاثَةً: مَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمُمْتَنِعٌ.
_________________
(١) ١ في ز: الجبلية. ٢ ساقطة من ش. ٣ هو الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، القرشي العدوي المدني الزاهد، أبو عبد الرحمن. أسلم مع أبيه قبل بلوغه، وهاجر قبل أبيه، ولم يشهد بدرًا لصغره. وقيل شهد أحدًا، وقيل لم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ. وشهد غزوة مؤتة واليرموك وفتح مصر وأفريقيا. وكان شديد الاتباع لآثار رسول الله ﷺ، مع الزهد. وهو أحد الستة المكثرين من الرواية. ومناقبه كثيرة. توفي بمكة سنة ٧٣ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٣٤٧، الاستيعاب ٢/ ٣٤١، تهذيب الأسماء ١/ ٢٧٨، حلية الأولياء ١/ ٢٩٢، ٢/ ٧، طبقات الفقهاء ص ٤٩، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٧، طبقات القراء ١/ ٤٣٧، نكت الهميان ص ١٨٣، طبقات الحفاظ ص ٩". ٤ في ز ض ب: يركبها. وكذا في ع. لكنها صححت في الهامش. ٥ انظر: الموطأ ١/ ٣٣٣. ٦ أيد هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: دلالة أفعاله العادية على الاستحباب أصلًا وصفة. "المسودة ص ١٩١". وجزم الزركشي الشافعي أيضًا بالقول بالندب لاستحباب التأسي به. "انظر: البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٧، نهاية السول ٢/ ٢٤٠، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٣، المنخول ص ٢٢٦، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٣٥".
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَمَا كَانَ مِنْ أَفْعَالِهِ ﷺ يَحْتَمِلُ الْجِبِلِّيَّ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "أَوْ يَحْتَمِلُهُ كَجِلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ١" وَرُكُوبِهِ فِي الْحَجِّ٢ وَدُخُولِهِ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَخُرُوجِهِ مِنْ ثَنِيَّةِ كُدَي٣، وَذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ فِي الْعِيدِ٤ وَنَحْوِهِ
_________________
(١) ١ وهي الجلسة بين الخطبتين في صلاة الجمعة، لما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، يقعد بينهما. وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس". "انظر: صحيح البخاري ١/ ١٦٥، صحيح مسلم ٢/ ٥٨٩، سنن أبي داود ١/ ٢٥١، تحفة الأحوذي ٣/ ٢٤، سنن النسائي ٣/ ٩٠، سنن ابن ماجه ١/ ٣٥١، شرح السنة ٤/ ٢٤٦، سنن الدارمي ١/ ٣٦٦". ٢ روى مسلم في حديث جابر ﵁ في حجة النبي ﷺ: "فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت ناقته على البيداء" وقال البخاري في صحيحه في كتاب الحج: "باب الركوب والارتداف في الحج. ورواه النسائي عن ابن عباس. "انظر: صحيح مسلم ٢/ ٨٨٧، صحيح البخاري ١/ ٢٦٨، سنن النسائي ٥/ ١٣٦". وقد سبق "ص ١٦٣" "أنه ﷺ طاف بالبيت على بعير، وكلما أتى الركن أشار إليه أو استلمه بمحجنه". ٣ روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى". وروى البخاري قريبًا منه. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٦٦، صحيح مسلم ٢/ ٩١٨، سنن أبي داود ١/ ٤٣٢، سنن النسائي ٥/ ١٥٨، سنن ابن ماجه ٢/ ٩٨١". وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها". "انظر: صحيح مسلم ٢/ ٩١٨، سنن أبي داود ١/ ٤٣٢، تحفة الأحوذي ٣/ ٥٨٩. وروى مسلم وأبو داود عن عائشة أيضًا أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة. انظر صحيح مسلم ٢/ ٩١٩، سنن أبي داود ١/ ٤٣٢". ٤ وهو الذهاب إلى العيد من طريق والرجوع منه في أخرى. قال الفقهاء: إنه مستحب، لما روى البخاري عن جابر ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق". وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق آخر". ورواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أيضًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ١٧٥، سنن أبي داود ١/ ٢٦٣، تحفة الأحوذي ٣/ ٩٥، سنن ابن ماجه ١/ ٤١٢، التمهيد للأسنوي ص ١٣٤".
[ ٢ / ١٨٠ ]
"وَلُبْسِهِ" النَّعْلَ "السِّبْتِيَّ١" وَالْخَاتَمَ٢ "فَمُبَاحٌ" عِنْدَ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ٣.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ٤ ﵁، فَإِنَّهُ تَسَرَّى، وَاخْتَفَى ثَلاثَةَ أَيَّامٍ٥، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَوْضِعٍ
_________________
(١) ١ النعل السِّبْتيّة -بكسر السين- التي لا شعر عليها. "المصباح المنير ١/ ٤٠١". وروى البخاري عن أنس ﵁ أنه أخرج نعلين جَرْداوين "أي خَلقين لم يبق عليهما شعر"، وقال: إنهما نعلا النبي ﷺ. "صحيح البخاري ٢/ ١٨٩". وروى البخاري وأبو داود والنسائي وأحمد ومالك عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعل التي ليس لها شعر، ويتوضأ فيها، فأحب أن ألبسها". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٤٣، سنن أبي داود ١/ ٤١١، سنن النسائي ١/ ٦٨، مسند أحمد ٢/ ٦٠، الموطأ ١/ ٣٣٣". ٢ روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة، وكتب عليه "محمد رسول الله"، وكان يلبسه. وسبق تخريج هذا الحديث كاملًا ص ١٦٤. ٣ وهو ما رجحه الشوكاني، وقال: "وقد حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أكثر المحدثين، فيكون مندوبًا". وذكره الشيخ زكريا الأنصاري واقتصر عليه. "انظر: إرشاد الفحول ص ٣٥، غاية الوصول ص ٩٢، التمهيد ص ١٣٤، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٧". ٤ ساقطة من ش. ٥ انظر: مناقب الإمام أحمد ص ١٧٧، ١٧٩.
[ ٢ / ١٨١ ]
آخَرَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّسَرِّي، وَاخْتِفَائِهِ فِي الْغَارِ ثَلاثًا١. وَقَالَ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ إلاَّ عَمِلْت بِهِ٢، حَتَّى أُعْطِي الْحَجَّامَ دِينَارًا٣.
وَوَرَدَ أَيْضًا٤ عَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ٥ جَاءَ عَنْهُ٦ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: اسْقِنِي. فَشَرِبَ٧ قَائِمًا. فَإِنَّهُ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا٨.
_________________
(١) ١ وذلك ثابت في حديث الهجرة الطويل الذي رواه البخاري وأحمد وغيرهما عن عائشة ﵂، وفيه قالت: "ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن". "انظر: صحيح البخاري ٢/ ٣٣٣، مسند أحمد ٢/ ١٩٨". ٢ ساقطة من ض ب. ٣ روى البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد "أن رسول الله ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجرته". وفي رواية "وأعطاه صاعين" وفي رواية "صاعًا". "انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٠، صحيح مسلم ٣/ ١٢٠٤، سنن أبي داود ٢/ ٢٣٩، سنن ابن ماجه ٢/ ٧٣١، مسند أحمد ١/ ١٣٥، زاد المعاد ٤/ ٤٩٣ وما بعدها". ٤ ساقطة من ض. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ض. ٧ ساقطة من ز ض ب ع. ٨ لما روى البخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي والنسائي عن ابن عباس ﵁، وما رواه البخاري وأبو داود وأحمد عن علي ﵁، وما رواه الترمذي وأحمد عن عمرو بن شعيب، وما رواه الدارمي عن ابن عمر وأم سليم ﵄ "أن رسول الله ﷺ شرب قائمًا". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٨٣، ٣/ ٣٢٥، صحيح مسلم ٣/ ١٦٠١، سنن أبي داود ٢/ ٣٠٢، تحفة الأحوذي ٦/ ٤، سنن النسائي ٥/ ١٨٩، سنن ابن ماجه ٢/ ١١٣٢، مسند أحمد ١/ ١٠١، ١٣٤، ٢/ ١٧٤، سنن الدارمي ٢/ ١٢٠". وروى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ﵃ كانوا يشربون قيامًا. "انظر: الموطأ ٢/ ٩٢٥-٩٢٦".
[ ٢ / ١٨٢ ]
وَمَنْشَأُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. فَإِنَّ الأَصْلَ عَدَمُ التَّشْرِيعِ، وَالظَّاهِرُ فِي أَفْعَالِهِ التَّشْرِيعُ؛ لأَنَّهُ مَبْعُوثٌ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ١.
ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ رَجَّحَ فِعْلَ ذَلِكَ وَالاقْتِدَاءَ بِهِ وَالتَّأَسِّي قَالَ: لَيْسَ مِنْ الْجِبِلِّيِّ، بَلْ مِنْ الشَّرْعِ الَّذِي يُتَأَسَّى٢ بِهِ فِيهِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْجِبِلِّيَّ وَغَيْرَهُ: فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْجِبِلِّيِّ.
"وَبَيَانُهُ" أَيْ وَمَا بَيَّنَهُ ﷺ مِنْ حُكْمٍ "بِقَوْلٍ كَ" قَوْلِهِ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ٣، أَوْ" بَيَّنَهُ بِ "فِعْلٍ عِنْدَ حَاجَةٍ" إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ "كَقَطْعِ" يَدِ السَّارِقِ٤ "مِنْ كُوعٍ٥ وَ" إدْخَالِ "غَسْلِ مِرْفَقٍ" وَكَعْبَيْنِ فِي وُضُوءٍ٦.
_________________
(١) ١ انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٧، التمهيد ص ١٣٤، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٣٥، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦٤. ٢ في ش ز: نتأسى. ٣ أخرجه البخاري في حديث طويل عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث. ورواه الإمام أحمد والدارمي. "انظر: صحيح البخاري ١/ ١١٧، تخريج أحاديث البزدوي ص ١٩، مسند أحمد ٥/ ٥٣، سنن الدارمي ١/ ٢٨٦". ٤ في ب ز ع: لسارق. وفي ض: السارق. ٥ أخرج الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب أن النبي ﷺ أُتي بسارق فقطع يده من مفصل الكوع. وفي إسناده مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة أن النبي ﷺ قطع من المفصل. وقال المحلي: قال المصنف أي "السبكي": روي بإسناد حسن أنه ﷺ قطع سارقًا من المفصل. "انظر: سبل السلام ٤/ ٣٧-٣٨، المحلي على جمع الججوامع ٢/ ٩٧". ٦ أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني عن عثمان بن عفان ﵁ أنه دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلها، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه". ورواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس عن علي ﵄. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٤٢، صحيح مسلم ١/ ٢٠٤، سنن أبي داود ١/ ٢٤، سنن النسائي ١/ ٦١، ٦٨، تحفة الأحوذي ١/ ١٦٤، مسند أحمد ١/ ٥٨، نيل الأوطار ١/ ١٦٥، ١٧٩ وما بعدها".
[ ٢ / ١٨٣ ]
"فَ" ذَلِكَ الْبَيَانُ "وَاجِبٌ عَلَيْهِ" ﷺ لِوُجُوبِ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ١.
"وَ" أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ، وَهُوَ مَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ، وَلا جِبِلِّيًّا، وَلا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْجِبِلِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَلا بَيَانًا. فَقِسْمَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَا عُلِمَ حُكْمُهُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ" أَيْ صِفَةَ حُكْمِهِ٢ "مِنْ٣ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ". وَعِلْمُ صِفَةِ حُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ:
"إمَّا بِنَصِّهِ" ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ عَلَيَّ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مُبَاحٌ٤، أَوْ يَذْكُرُ خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّ أَحَدِ هَذِهِ٥ الأَحْكَامِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
"أَوْ تَسْوِيَتِهِ" ﷺ الْفِعْلَ الَّذِي مَا عَلِمْنَا صِفَةَ حُكْمِهِ
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ٢/ ٢١٤، الرسالة للإمام الشافعي ص ٢٩، المنخول ص ٢٢٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٧، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣١، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٣٦. ٢ في ض: حكم. ٣ ساقطة من ض. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٣، نهاية السول ٢/ ٢٤٧، المسودة ص ١٩٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٨، غاية الوصول ص ٩٢. ٥ ساقطة من ض.
[ ٢ / ١٨٤ ]
"بِمَعْلُومِهَا" أَيْ بِفِعْلٍ مَعْلُومٍ صِفَةُ حُكْمِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا مِثْلُ كَذَا، أَوْ هَذَا مُسَاوٍ لِفِعْلِ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ١.
"أَوْ" تُعْلَمَ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ "بِقَرِينَةٍ تُبَيِّنُ" صِفَةَ "أَحَدِهَا٢" أَيْ أَحَدِ الأَحْكَامِ الثَّلاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ٣.
فَمِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ: فِعْلُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لِلصَّلاةِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الأَذَانَ وَالإِقَامَةَ مِنْ أَمَارَاتِ الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا لا يُطْلَبَانِ فِي صَلاةِ عِيدٍ وَلا كُسُوفٍ، وَلا اسْتِسْقَاءٍ. فَيَدُلاَّنِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ الَّتِي يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ٤.وَمِنْهَا: قَطْعُ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْخِتَانُ٥ فَإِنَّ الْجَرْحَ وَالإِبَانَةَ مَمْنُوعٌ مِنْهُمَا، فَجَوَازُهُمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا٦. وَمِنْ قَرَائِنِ الْوُجُوبِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ قَضَاءً لِمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ٧.
_________________
(١) ١ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٨، غاية الوصول ص ٩٢. ٢ في ش ز: أحدهما. ٣ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، تيسير التحرير ٣/ ١٢٠، المستصفى ٢/ ٢١٤. ٤ انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٨، نهاية السول ٢/ ٢٤٧، غاية الوصول ص ٩٢. ٥ ساقطة من ش. ٦ ذكر الأسنوي في ذلك قاعدة، فقال: ما كان من الأفعال ممنوعًا لم يكن واجبًا، فإن فَعَلَهُ الرسول ﵊ فإنا نستدل بفعله على وجوبه. "التمهيد ص ٣٣". وورد مثله في "جمع الجوامع ٢/ ٩٨". وانظر: غاية الوصول ص ٩٢، نهاية السول ٢/ ٢٤٨. ٧ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٨.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وَأَمَّا النَّدْبُ١: فَكَقَصْدِ الْقُرْبَةِ مُجَرَّدًا٢ عَنْ دَلِيلِ وُجُوبٍ وَقَرِينَةٍ٣.
وَأَمَّا الإِبَاحَةُ: فَكَالْفِعْلِ الَّذِي ظَهَرَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهُ٤ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْبَةُ٥.
"أَوْ" تُعْلَمُ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ "بِوُقُوعِهِ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ٦" كَقَطْعِ يَدِ٧ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ٨.
"أَوْ" تُعْلَمَ صِفَةُ حُكْمِ الْفِعْلِ بِوُقُوعِهِ "امْتِثَالًا لِنَصٍّ يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ" مِنْ إيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ، فَيَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ تَابِعًا لأَصْلِهِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ النَّصِّ مِنْ ذَلِكَ٩.
فَكُلُّ فِعْلٍ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَتْ صِفَةُ حُكْمِهِ فِي حَقِّهِ ﷺ "فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ١٠".
_________________
(١) ١ أي وأما معرفة الندب "انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٨، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٨". ٢ في ض: مجرد. ٣ في ب: وقرينته. ٤ في ز: إن. ٥ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٨. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، ١٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٢٨٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، المعتمد ١/ ٣٧٧، المسودة ص ١٨٦، ١٩١، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٢، ٤٣١، تيسير التحرير ٣/ ١٢١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، ٢٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ٩٧، ٩٨، غاية الوصول ص ٩٢، اللمع ص ٣٧، نهاية السول ٢/ ٢٤٧. ٧ ساقطة من ز ض ب ع. ٨ انظر: المستصفى ٢/ ٢١٤، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٣، غاية الوصول ص ٩٢. ٩ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٧، والمراجع السابقة في هامش ٦. ١٠ هذا جواب الشرط الوارد في قوله ص ١٨٤: "إن علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة"، وهذا رأي الجمهور. وفي المسألة ثلاثة أقوال أخرى، ولكل قول دليله. "انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، ٢٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٨، نهاية السول ٢/ ٢٤٠، أصول السرخسي ٢/ ٨٧، تيسير التحرير ٣/ ١٢١، المسودة ص ١٨٧، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٣٦".
[ ٢ / ١٨٦ ]
لَكِنْ إنْ أَتَى بِالْفِعْلِ بَيَانًا لِنَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ، فَقَدْ أَتَى بِوَاجِبٍ مِنْ جِهَةِ التَّشْرِيعِ، أَيْ تَبْيِينُ الْحُكْمِ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ جِهَتَانِ:
جِهَةُ وُجُوبٍ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ التَّشْرِيعِ.
وَ١جِهَةُ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الأُمَّةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ فِعْلِهِ ﷺ الَّذِي لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِهِ، وَلا بِجِبِلِّيٍّ٢، وَلا مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْجِبِلِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَلا بِبَيَانٍ٣: هُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِلاَّ أَيْ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ صِفَةُ حُكْمِ فِعْلِهِ ﷺ الَّذِي لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ. فَهُوَ٤ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ تَقَرَّبَ بِهِ" أَيْ قَصَدَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْبَةَ "فَ" هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ ﵁، وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ٥.
_________________
(١) ١ في ع: أو. ٢ في ب: جبلي. ٣ في ع: بيان. ٤ في ض: وهو. ٥ قال بهذا الرأي المعتزلة وابن سريج وأبو سعيد الإصطخري وابن خيران وابن أبي هريرة من الشافعية، ومالك. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٨٨، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، نهاية السول ٢/ ٢٤١، كشف الأسرار ٣/ ٢٠١، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، تيسير التحرير ٣/ ١٢٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٢، اللمع ص ٣٧، إرشاد الفحول ص ٣٦، المسودة ص ١٨٧". وفي ع: الشافعي والظاهرية.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ.
قَالَ الْمَجْدُ: "نَقَلَهَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ١ وَالأَثْرَمُ وَجَمَاعَةٌ بِأَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ٢".
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ٣.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ بِالْوَقْفِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِهِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالأَشْعَرِيَّةُ٤. وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
_________________
(١) ١ هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، خدم الإمام أحمد وهو ابن سبع سنين، وكان ذا دين وورع، ونقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة. توفي ببغداد سنة ٢٧٥هـ. انظر ترجمته في "المنهج الأحمد ١/ ١٧٤، طبقات الحنابلة ١/ ١٠٨". ٢ المسودة ص ١٨٧. ٣ هذا القول حكاه الجويني في البرهان عن الشافعي، فقال: "وفي كلام الشافعي ما يدل عليه". وقال الرازي في "المحصول": "إن هذا القول نسب إلى الشافعي". وذكر الزركشي في "البحر" أنه حكاه عن القفال وأبي حامد المروزي، واقتصر عليه الشيخ زكريا الأنصاري. وقال الآمدي: وهو "اختيار إمام الحرمين وابن الحاجب". وهو رأي الرازي وابن حزم وجماعة من الحنابلة. "انظر: شرح تنقيح الفصور ص ٢٨٨، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣ وما بعدها، المسودة ص ١٨٧، ١٨٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٢، ٤٢٩، تيسير التحرير ٣/ ١٢٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٢، أصول السرخسي ٢/ ٨٧، نهاية السول ٢/ ٢٤١، إرشاد الفحول ص ٣٧، اللمع ص ٣٧، غاية الوصول ص ٩٢". ٤ وحكى الرازي وابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب قولًا رابعًا أنه للإباحة حملًا على أقل الأحوال، وهو رأي الكرخي من الحنفية، واختاره السرخسي والجصاص. وقال ابن عبد الشكور: "وهو الصحيح عند أكثر الحنفية". "انظر: أصول السرخسي ٢/ ٨٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٠١، ٢٠٣، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢/ ١٨١، ١٨٣، تيسير التحرير ٣/ ١٢٢، التوضيح على التنقيح ٢/ ١٥ طبع الميمنية، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، إرشاد الفحول ص ٣٧".
[ ٢ / ١٨٨ ]
وَحُكِيَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ١.
وَ٢ النَّوْعُ الثَّانِي: هُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِلاّ"َ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَرَّبْ بِالْفِعْلِ الَّذِي لَمْ تُعْلَمْ صِفَةُ حُكْمِهِ "ف" هُوَ "مُبَاحٌ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٣.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ يُفِيدُ الإِبَاحَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ٤" فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَاخْتَارَهُ٥ جَمَاعَةٌ٦.
وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ، وَ٧اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ أَيْضًا٨.
_________________
(١) ١ قال الرازي: وهو قول الصيرفي وأكثر المعتزلة، وهو المختار، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحاب الشافعي، وأكثر المتكلمين ورجحه، وحكاه عن الدقاق، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، ونسبه ابن عبد الشكور للكرخي. "انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، نهاية السول ٢/ ٢٤١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، شرح تنقيح الفصول ص ٢٨٨ وما بعدها، أصول السرخسي ٢/ ٨٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٨١، ١٨٣، تيسير التحرير ٣/ ١٢٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٠١، المسودة ص ١٨٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٣، اللمع ص ٣٧، إرشاد الفحول ص ٣٧- ٣٨". ٢ ساقطة من ع. ٣ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٠١، تيسير التحرير ٣/ ١٢٣، المعتمد ١/ ٣٧٧، المسودة ص ١٨٧، ١٩١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣، ٢٥، جمع الجوامع ٢/ ٩٩، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، نهاية السول ٢/ ٢٤١، ٢٤٣، شرح تنقيح الفصول ص ٢٨٨، إرشاد الفحول ص ٣٨، اللمع ص ٣٧. ٤ المسودة ص ١٨٧. ٥ في ش ب ز: اختاره. ٦ انظر: المسودة ص ١٨٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٥، المعتمد ١/ ٣٧٧، نهاية السول ٢/ ٢٤١، ٢٤٤، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، غاية الوصول ص ٩٢. ٧ ساقطة من ش ب ز. ٨ وهناك قول رابع بالوقف. انظر هذه الأقوال مع بيان أصحابها وذكر أدلتها في: "المستصفى ٢/ ٢١٤، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٤، ١٧٨، نهاية السول ٢/ ٢٤١، ٢٤٤، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٤، ٢٥، المعتمد ١/ ٣٧٧، المسودة ص ١٨٩، ١٩٣، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٣٨".
[ ٢ / ١٨٩ ]
وَاسْتُدِلَّ١ لِلْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ٢ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ ٣ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٤. وَالْفِعْلُ أَمْرٌ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ٥ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٦ أَيْ تَأَسَّوْا بِهِ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٧ وَمَحَبَّتُهُ وَاجِبَةٌ. فَيَجِبُ لازِمُهَا، وَهُوَ اتِّبَاعُهُ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ ٨. فَلَوْلا الْوُجُوبُ لَمَا رَفَعَ تَزْوِيجُهُ الْحَرَجَ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ٩.
_________________
(١) ١ في ب: واستدلوا. ٢ انظر هذه الأدلة مع مناقشة المخالفين لها في "نهاية السول ٢/ ٢٤٤، البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، الرسالة ص ٧٩ وما بعدها، المنخول ص ٢٢٩، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٥، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٣ وما بعدها، أصول السرخسي ١/ ٨٨ وما بعدها، وتيسير التحرير ٣/ ١٢٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، ١٨١ وما بعدها، المعتمد ١/ ٣٧٨ وما بعدها، ٣٨١ وما بعدها، المسودة ص ١٨٧ وما بعدها، إرشاد الفحول ص ٣٦". ٣ الآية ١٥٨ من الأعراف. وفي ز ض ب ع: فاتبعوه. وأول الآية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّيْ رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيْعًا الَّذِيْ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَآمِنُوْا بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِيْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَِّبعُوْهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ﴾ . واستدل الآمدي بالآية ١٥٥ من الأنعام الموافقة لنسخة ز ض ب، وهي ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوْهُ وَاتَّقُوْا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ﴾ . ٤ الآية ٦٣ من النور. ٥ الآية ٧ من الحشر. وفي ض: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ﴾ . ٦ الآية ٢١ من الأحزاب. ٧ الآية ٣١ من آل عمران. وفي ض تتمة الآية ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . ٨ الآية ٣٧ من الأحزاب. وفي ض تتمة الآية ﴿ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ . ٩ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٨٦، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٣.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وَلَمَّا خَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعْلَهُ فِي الصَّلاةِ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ١. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ٢، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَرُوِيَ مُرْسَلًا٣. وَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَلُّلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: تَمَسَّكُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ٤، وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ عَنْ الْغُسْلِ بِلا إنْزَالٍ. فَأَجَابَ بِفِعْلِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ٥
_________________
(١) ١ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠ وما بعدها، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٣، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٦، المستصفى ٢١٩. ٢ ساقطة من ض. ٣ هذا طرف من حديث رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وأحمد عن أبي سعيد مرفوعًا، وتكملته: "فلما انصرف قال لهم: "لم خلعتم"؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصلّ فيهما". "انظر: سنن أبي داود ١/ ١٥١، المستدرك ١/ ٢٦٠، مسند أحمد ٣/ ٢٠، نيل الأوطار ٢/ ١٣٥، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٠". ٤ رواه البخاري من حديث طويل جدًا في كتاب الشروط، وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا ثم احلقوا"، قال الصحابي: مِسْوَر بن مخْرمة "راوي الحديث": فوالله، ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتجب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بَدَنَك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم أن يقتل بعضًا غمًّا". "صحيح البخاري ٢/ "١٢٢، وهذا هو محل الاستشهاد. "وانظر: سنن أبي داود ٢/ ٧٨، نيل الأوطار ٥/ ١٠٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٣". ٥ روى مسلم عن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي عنها قالت: "إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ: "إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل". "صحيح مسلم ١/ ٢٧٢". انظر: الموطأ ١/ ٤٦، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٧، نهاية السول ٢/ ٢٤٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٢، تيسير التحرير ٣/ ١٢٥، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣.
[ ٢ / ١٩١ ]
وَلأَنَّ فِعْلَهُ كَقَوْلِهِ فِي بَيَانٍ مُجْمَلٍ وَتَخْصِيصٍ وَتَقْيِيدٍ، وَلأَنَّ فِي مُخَالَفَتِهِ تَنْفِيرًا وَتَرْكًا لِلْحَقِّ، لأَنَّ فِعْلَهُ حَقٌّ١.
"وَلَمْ يَفْعَلْ النَّبِيُّ ﷺ" الْفِعْلَ "الْمَكْرُوهَ لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ" لأَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ التَّأَسِّي "بَلْ فِعْلُهُ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ٢" قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٣.
وَمُرَادُهُمْ "حَيْثُ لا مُعَارِضَ لَه"ُ وَإِلاَّ فَقَدْ يَفْعَلُ غَالِبًا شَيْئًا، ثُمَّ يَفْعَلُ خِلافَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ٤. وَهُوَ كَثِيرٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، كَقَوْلِهِمْ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ الْجَنَابَةِ لِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ٥ أَوْ مُعَاوَدَةِ وَطْءٍ٦، تَرَكَهُ لِبَيَانِ
_________________
(١) ١ روى الحاكم عن ابن عمر ﵄ قال: "إن الله بعث نبينا محمدًا، ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأينا محمدًا يفعل". "المستدرك ١/ ٢٥٨". وانظر مزيدًا من الأدلة من جهة السنة في "الإحكام للآمدي ١/ ١٧٦ وما بعدها، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٣". ٢ كما أن فعل رسول الله ﷺ ينفي الحرمة بالأولى، وهو ما صرح به ابن السبكي في "جمع الجوامع ٢/ ٩٦". وصرح المحلي بأن "خلاف الأولى مثل المكروه أو مندرج فيه". "المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٧". ٣ انظر: المسودة ص ١٨٩، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ٩٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٨١، غاية الوصول ص ٩٢. ٤ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣٣، غاية الوصول ص ٩٢. ٥ روت السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان ينام وهو جنب، وفي رواية عنها: "ربما اغتسل في أول الليل وربما اغتسل في آخره". رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي وأحمد. وروى أبو داود وابن ماجه أيضًا عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه". "انظر: سنن أبي داود ١/ ٥٠، ٥١، سنن ابن ماجه ١/ ١٩٢، ١٩٥، سنن النسائي ١/ ١٦٤، شرح السنة للبغوي ٢/ ٣٥، مسند أحمد ٦/ ١٣٨". ٦ روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي والبغوي عن أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يطوف على نسائه بغُسْل واحد" وفي رواية البخاري: "الساعة الواحدة من الليل والنهار". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٥٩، صحيح مسلم ١/ ٢٤٩، سنن أبي داود ٢/ ٤٩، تحفة الأحوذي ١/ ٤٣١، سنن النسائي ١/ ١٧٢، سنن ابن ماجه ١/ ١٩٤، سنن الدارمي ١/ ١٩٢، شرح السنة للبغوي ٢/ ٣٥، فتح الباري ٩/ ٢٥٤".
[ ٢ / ١٩٢ ]
الْجَوَازِ١، وَفَعَلَهُ غَالِبًا لِلْفَضِيلَةِ٢.
"وَتَشْبِيكُهُ" بَيْنَ أَصَابِعِهِ "بَعْدَ سَهْوِهِ" فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ٣ فِي الْمَسْجِدِ٤ "لا يَنْفِيهَا" أَيْ لا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ "لأَنَّهُ نَادِرٌ٥".
_________________
(١) ١ قال البغوي: "فالنبي ﷺ كان يفعل ذلك أحيانًا ليدل على الرخصة، وكان يتوضأ في أغلب أحواله ليدل على الفضيلة". "شرح السنة ٢/ ٣٦". ٢ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣٣ وما بعدها. ٣ هو الصحابي الخِرباق بن عمرو، من بني سليم. وقيل له ذو اليدين لأنه كان في يديه طول. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ يسميه ذا اليدين، وكان في يديه طول. وفي رواية أنه بسيط اليدين، وهو الذي قال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ حين سلّم في ركعتين، وقد عاش بعد النبي ﷺ زمانًا، وروى عنه التابعون، وليس هو ذا الشمالين الذي قتل في بدر. "انظر: الإصابة ١/ ٤٨٩، الاستيعاب ١/ ٤٩١، تهذيب الأسماء ١/ ١٨٥، نيل الأوطار ٣/ ١٢٢". ٤ في حديث ذي اليدين حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: "لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع طرق الكلام عليه في مصنف مفرد الشيخ صلاح الدين العلائي". وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود وابن ماجه والبيهقي والبزار والطبراني، وعن معاوية بن خديج عند أبي داود والنسائي. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢١٢، صحيح مسلم ١/ ٤٠٣، سنن أبي داود ١/ ٢٣١، سنن النسائي ٣/ ١٧، سنن ابن ماجه ١/ ٢٨٣، نيل الأوطار ٣/ ١٢٢، التلخيص الحبير ٤/ ١١٠ على هامش المجموع، مسند أحمد ٤/ ٧٧". ٥ انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٦.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ١، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّثْلِيثِ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ٢.
"وَإِذَا سَكَتَ" النَّبِيُّ ﷺ "عَنْ إنْكَارِ" فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، فُعِلَ٣ أَوْ قِيلَ "بِحَضْرَتِهِ أَوْ" فِي "زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ" وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ "عَالِمًا بِهِ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ" حَتَّى لِغَيْرِ الْفَاعِلِ أَوِ٤ الْقَائِلِ فِي الأَصَحِّ٥.
"وَإِنْ" كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَوْ الْقَوْلُ الْوَاقِعُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ قَدْ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ فَ سُكُوتُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إنْكَارِهِ "نَسْخٌ" لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ السَّابِقِ٦، لِئَلاَّ يَكُونَ سُكُوتُهُ مُحَرَّمًا، وَلأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ
_________________
(١) ١ روى الدارمي عن ابن عباس "أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق". "سنن الدارمي ١/ ١٧٧". قال النووي عنه: بإسناد صحيح. "المجموع ١/ ٣٦٠". وروى ابن ماجه عن أبي بن كعب "أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". ثم توضأ مرتين مرتين وقال: "من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين". ثم توضأ ثلاثًا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوئي خليلي إبراهيم ﷺ". "سنن ابن ماجه ١/ ١٤٥". ورواه البيهقي عن ابن عمر. "السنن الكبرى ١/ ٨٠". قال النووي: إسنادهما ضعيف. "المجموع ١/ ٤٣٠". ٢ انظر: المجموع ١/ ٤٣٥ بالمعنى. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ض ب ع: و. ٥ وهو قول الجويني. ونقله المازري عن الجمهور. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنه خاص بالفاعل أو القائل، ولا يعم غيره. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٠، الإحكام للآمدي ١/ ١٨٨، المحلي والبناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٥-٩٦، المنخول ص ٢٢٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٣، تيسير التحرير ٣/ ١٢٨، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٤١، اللمع ص ٣٨". ٦ ساقطة من ض.
[ ٢ / ١٩٤ ]
الْحَاجَةِ لإِيهَامِ الْجَوَازِ وَالنَّسْخِ، وَلا سِيَّمَا إنْ اسْتَبْشَرَ بِهِ١. وَلِذَلِكَ احْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالإِمَامُ٢ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقَافَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا "أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ٣، رَأَى أَقْدَامَ٤ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ٥ وَابْنِهِ أُسَامَةَ٦،٧وَهُمَا مُتَدَثِّرَانِ. فَقَالَ٧: إنَّ هَذِهِ
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٨٨، المنخول ص ٢٢٨، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٥، تيسير التحرير ٣/ ١٢٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٣، إرشاد الفحول ص ٤١. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ هو الصحابي مُجَزَّز، وقيل مُجَزِّز، لأنه كان يجز نواصي الأسارى من العرب، ابن الأعور بن جَعْدة الكناني المدلجي، ذكر فيمن فتح مصر. وشهد الفتوح بعد النبي ﷺ. واعتبر قوله في حكم شرعي في إثبات النسب بالقافة، وحديثه في الصحيح مشهور. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٣٦٥، الاستيعاب ٣/ ٥٣٠، تهذيب الأسماء ٢/ ٨٣". ٤ ساقطة من ز ض ب ع. ٥ هو الصحابي زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي نسبًا، القرشي الهاشمي بالولاء، الحجازي، أبو أسامة، حبُّ رسول الله ﷺ وأشهر مواليه. وقع في السبي فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته للنبي ﷺ قبل النبوة، فأعتقه وتبنّاه حتى نزل تحريم التبني، وآخى النبي ﷺ بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وهو من السابقين للإسلام، وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر. وعينه الرسول ﷺ أميرًا على غزوة مؤتة فاستشهد سنة ثمان من الهجرة، وله مناقب كثيرة. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٥٦٤، الاستيعاب ١/ ٥٤٤، تهذيب الأسماء ١/ ٢٠٢، الخلاصة ص ١٢٧". ٦ هو الصحابي أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو محمد. ويقال: أبو زيد، حب رسول الله ﷺ وابن حبه، أمه أم أيمن حاضنة رسول الله ﵊. أمّره الرسول ﷺ على جيش عظيم، وكان عمره ثماني عشرة سنة أو عشرين. واعتزل الفتن بعد قتل عثمان، وسكن المزة بدمشق، ثم مكة، ثم المدينة، ومات بها في خلافة معاوية سنة ٥٤هـ. روي عنه أحاديث كثيرة، وله مناقب عديدة. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٣١، الاستيعاب ١/ ٥٧، تهذيب الأسماء ١/ ١١٣، الخلاصة ص ٢٦". ٧ ساقطة من ز. وفي ض ب ع: فقال.
[ ٢ / ١٩٥ ]
الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَسُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١.
وَقَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ٢. وَلا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّ وُجُوبَ إنْكَارِهِ الْمُنْكَرَ لا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ٣.
"فَائِدَةٌ":
"التَّأَسِّي" بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ "فِعْلُك" أَيْ أَنْ تَفْعَلَ "كَمَا فَعَلَ" لأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ٤.
وَأَمَّا التَّأَسِّي فِي التَّرْكِ: فَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ مَا تَرَكَهُ، لأَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَهُ٥.
"وَ" أَمَّا التَّأَسِّي "فِي الْقَوْلِ فَـ" هُوَ "امْتِثَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ٦"،
_________________
(١) ١ هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي عن عائشة. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٧٠، صحيح مسلم ٢/ ١٠٨٢، النووي على مسلم ١٠/ ٤٠، سنن أبي داود ١/ ٥٢٦، سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٦/ ٣٢٧، سنن النسائي ٦/ ١٥١، سنن ابن ماجه ٢/ ٧٨٧، السنن الكبرى ١٠/ ٢٦٢، أقضية رسول الله ﷺ ص ١١٢، سبل السلام ٤/ ١٣٧، مسند أحمد ٦/ ٨٢، ٢٢٦". ٢ مختصر ابن الحاجب وحاشية التفتازاني عليه ٢/ ٢٥، وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٨٩. ٣ وذلك لإخبار الله تعالى بعصمته في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . المائدة/ ٦٧. "وانظر: إرشاد الفحول ص ٤١، الإحكام للآمدي ١/ ١٨٩". ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٦، المعتمد ١/ ٣٧٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٢، تيسير التحرير ٣/ ١٢٣، المصباح المنير ١/ ٢٧. ٥ انظر: المعتمد ١/ ٣٧٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣. ٦ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٠، الإحكام للآمدي ١/ ١٧٢، نهاية السول ٢/ ٢٤٥، المسودة ص ١٨٦، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٣، المعتمد ٢/ ١٠٠٤، ١/ ٣٧٤.
[ ٢ / ١٩٦ ]
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْكُلِّ "ف" هُوَ "مُوَافَقَةٌ لا مُتَابَعَةٌ" لأَنَّ الْمُوَافَقَةَ الْمُشَارَكَةُ فِي الأَمْرِ١، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَجْلِهِ٢.
فَالْمُوَافَقَةُ أَعَمُّ مِنْ التَّأَسِّي؛ لأَنَّ الْمُوَافَقَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَأَسٍّ٣، ثُمَّ التَّأَسِّي وَالْوُجُوبُ بِالسَّمْعِ لا بِالْعَقْلِ. خِلافًا لِبَعْضِ الأُصُولِيِّينَ٤.
_________________
(١) ١ انظر: المعتمد ٢/ ٣٧٤. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٧٢. ٣ ذهب الرازي وغيره إلى أن التأسي والمتابعة معناهما واحد. "انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٥ ٤ انظر: المسودة ص ١٨٦، ١٨٩.
[ ٢ / ١٩٧ ]