لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ، وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ.
قَالَ الآمِدِيُّ: "لا خِلافَ فِي تَصَوُّرِ ارْتِدَادِ الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي بَعْضِ الأَعْصَارِ عَقْلًا١".
وَ"لا" يَجُوزُ ذَلِكَ "سَمْعًا" فِي الأَصَحِّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَصْحَابِنَا٢.
قَالَه٣ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: وَصَرَّحَ بِهِ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَصَحَّحَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ. وَذَلِكَ لأَدِلَّةِ الإِجْمَاعِ. وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ" ٤ وَانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ٥.
وَخَالَفَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ؛ وَقَالُوا: الرِّدَّةُ تُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ أُمَّتَهُ؛ لأَنَّهُمْ إذَا ارْتَدُّوا لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُمُ الأَدِلَّةُ٦.
_________________
(١) ١ الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٠. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤١، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٩٩، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، غاية الوصول ص ١٠٩، مختصر الطوفي ص ١٣٧. ٣ في ش: قال. ٤ مر هذا الحديث بلفظ: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة". ص ٢١٨، وبلفظ آخر: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة" ص ٢٢٠ مع تخريجهما. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٠، مختصر الطوفي ص ١٣٧، جمع الجوامع ٢/ ١٩٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣. ٦ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٠ فواتح الرحموت ٢/ ٢٤١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٩٩، غاية الوصول ص ١٠٩.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَصْدُقُ بَعْدَ ارْتِدَادِهِمْ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ارْتَدَّتْ. وَهُوَ أَعْظَمُ ١الْخَطَإِ فَتَمْتَنِعُ٦ الأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ٢.
"وَيَجُوزُ اتِّفَاقُهَا" أَيْ اتِّفَاقُ الأُمَّةِ "عَلَى جَهْلِ مَا٣" أَيْ جَهْلِ شَيْءٍ "لَمْ نُكَلَّفْ بِهِ" فِي الأَصَحِّ لِعَدَمِ الْخَطَإِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ. كَتَفْضِيلِ عَمَّارٍ عَلَى حُذَيْفَةَ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِي أَصْلٍ مِنْ الأُصُولِ٤.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ اتِّفَاقُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِلاَّ كَانَ٥ الْجَهْلُ سَبِيلًا لَهَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ٦.
وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ كَوْنِهِ سَبِيلًا لَهَا؛ لأَنَّ سَبِيلَ الشَّخْصِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ٧.
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. وفي ع: الخطأ، متمنع. ٢ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٩٩. ٣ ساقطة من ز. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/ ١٩٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٨، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٧. ٥ في ع: لكان. ٦ انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠، نهاية السول ٢/ ٣٨٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٧. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠، نهاية السول ٢/ ٣٨٨، غاية الوصول ص ١٠٩.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وَ١أَمَّا مَا كُلِّفُوا بِهِ فَيَمْتَنِعُ جَهْلُ جَمِيعِهِمْ بِهِ، كَكَوْنِ الْوِتْرِ وَاجِبًا أَمْ لا وَنَحْوُهُ٢.
وَ"لا" يَجُوزُ "انْقِسَامُهَا" أَيْ انْقِسَامُ الأُمَّةِ "فِرْقَتَيْنِ كُلُّ فِرْقَةٍ مُخْطِئَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْأُخْرَى" عِنْدَ الأَكْثَرِ٣.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: "اخْتَلَفُوا هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَإٍ فِي مَسْأَلَتَيْنِ. كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَالْبَقِيَّةِ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَفِي الْفُرُوعِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَعْضُ - أَيْ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ - بِأَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ. وَالْبَاقِي بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يَرِثُ. فَقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْخَطَإِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ؛ لأَنَّ كُلَّ خَطَإٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَطَأَيْنِ لَمْ يُسَاعِدْ عَلَيْهِ الْفَرِيقُ الآخَرُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ إجْمَاعٌ٤".
ثُمَّ قَالَ:
تَنْبِيهٌ:
الأَحْوَالُ ثَلاثَةٌ:
الأُولَى: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْخَطَإِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٧. ٣ خلافًا لابن قدامة وزكريا الأنصاري والمحلي والآمدي وغيرهم. "انظر: الروضة ص ٧٦، غاية الوصول ص ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٢، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، حاشية البناني وشرح المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠". ٤ شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٤.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُخْطِئَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الأُخْرَى. فَيَجُوزُ. فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ. وَمَا مِنْ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ إلاَّ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ مَا يُنْكَرُ١ وَإِنْ قَلَّ. فَهَذَا لا بُدَّ لِلْبَشَرِ مِنْهُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُخْطِئُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ، مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْقَتْلَ كِلاهُمَا يَرْجِعُ إلَى فَرْعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَانِعُ الْمِيرَاثِ. فَوَقَعَ الْخَطَأُ فِيهِ كُلِّهِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى اتِّحَادِ الأَصْلِ مَنَعَ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْفَرْعِ أَجَازَ٢. اهـ.
"وَلا" يَجُوزُ أَيْضًا عَلَى الأُمَّةِ "عَدَمُ عِلْمِهَا بِدَلِيلٍ اقْتَضَى حُكْمًا" فِي مَسْأَلَةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ "لا دَلِيلَ لَهُ" أَيْ لِذَلِكَ الْحُكْمِ "غَيْرُهُ" أَيْ غَيْرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ لأَنَّهُ إنْ عُلِمَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ٣ عَنْ تَشَهٍّ٤، وَالْعَمَلُ بِالْحُكْمِ عَنْ التَّشَهِّي لا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ كَانَ تَرْكًا لِلْحُكْمِ الْمُتَوَجِّهِ٥ عَلَى الْمُكَلَّفِ٦.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ": أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ دَلِيلٌ أَوْ خَبَرٌ رَاجِحٌ، أَيْ٧ بِلا مُعَارِضٍ، وَقَدْ عُمِلَ عَلَى٨ وَفْقَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ بِدَلِيلٍ
_________________
(١) ١ في شرح تنقيح الفصول: يتكرر. وهو تصحيف. ٢ شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٤-٣٤٥. ٣ ساقطة من ب ع. ٤ في ش: تشهي. وهو خطأ. ٥ في ع: أي المتوجه. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٧، إرشاد الفحول ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢. ٧ ساقطة من ع. ٨ ساقطة من ش ز.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
آخَرَ. فَهَلْ يَجُوزُ عَدَمُ عِلْمِ الأُمَّةِ ١بِهِ أَمْ لا؟ ٩
فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ. وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُ بِأَنَّ اشْتِرَاكَ جَمِيعِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، أَوْ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، لَمْ يُوجِبْ مَحْذُورًا؛ إذْ لَيْسَ اشْتِرَاكُ جَمِيعِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ إجْمَاعًا، حَتَّى تَجِبَ٢ مُتَابَعَتُهُمْ فِيهِ، بَلْ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ كَعَدَمِ حُكْمِهِمْ فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَحْكُمُوا فِيهَا بِشَيْءٍ فَجَازَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ لِيَعْلَمَهُ٣.
وَاحْتَجَّ النَّافِي٤: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ عَدَمُ عِلْمِ٥ جَمِيعِهِمْ بِذَلِكَ٦ الدَّلِيلِ أَوْ الْخَبَرِ ٧لَحَرُمَ تَحْصِيلُ٥ الْعِلْمِ بِهِ، وَالتَّالِي٨ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
بَيَانُ الْمُلازَمَةِ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَدَمُ عِلْمِهِمْ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ بِهِ لاتَّبَعُوا غَيْرَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ٩.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ لا يَكُونُ سَبِيلًا لَهُمْ؛ لأَنَّ السَّبِيلَ: مَا اخْتَارَهُ الإِنْسَانُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ١٠.
_________________
(١) ١ في ش ز: أولًا. وفي ب ع: أو لا. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٧، إرشاد الفحول ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢. ٤ في ش ز: الثاني. وهو تصحيف. ٥ في ب ع: علمهم. ٦ في ز ش ب: لذلك. ٧ في ض: لحصل. ٨ في ز ش ب ض ع. والثاني. وهو تصحيف. ٩ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٤٣، إرشاد الفحول ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢. ١٠ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٤٣.
[ ٢ / ٢٨٦ ]