"فَصْلٌ١"
"الاسْتِصْحَابُ٢" مُبْتَدَأٌ "وَهُوَ" أَيْ الاسْتِصْحَابُ "التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، أَوْ" بِدَلِيلٍ٣ "شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ مُطْلَقًا٤: دَلِيلٌ" خَبَرُ الاسْتِصْحَابِ.
وَكَوْنُ الاسْتِصْحَابِ دَلِيلًا: هُوَ الصَّحِيحُ٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ في ش ز: والاستصحاب. ٣ في ش: دليل. ٤ انظر في تعريف الاستصحاب "التعريفات للجرجاني ص ١٤، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٥٠، ترجيح الفروع على الأصول ص ١٧٢، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٤، المستصفى ١/٢١٨، البرهان ٢/١١٣٥، نهاية السول ٣/١٥٧، مختصر الطوفي ص ١٣٨، أصول مذهب أحمد ص ٣٧٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٣، إرشاد الفحول ص ٢٣٧، الجدل لابن عقيل ص ٩". ٥ انظر حجية القول باستصحاب الحال وأنواعه وأدلته عند الحنابلة والشافعية والمالكية وطائفة من الحنفية في "الإحكام لابن حزم ٢/٥٩٠، مجموع الفتاوى ١١/٣٤٢، الإحكام للآمدي ٤/١١١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٧، المستصفى ١/٢١٨، الروضة ص ١٥٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٤٧، المحصول ٢/٣/١٤٨، ١٦٣ وما بعدها، المنخول ص ٣٧٣، مناهج العقول ٣/١٥٥، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٤، تيسير التحرير ٤/١٧٧، أصول مذهب أحمد ص ٣٧٣ وما بعدها، مختصر البعلي ص ١٦٠ مختصر الطوفي ص ١٣٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٣، أثر الأدلة المختلف فيها ص ١٨٦، أثر الاختلاف ص ٥٤٠، تأسيس النظر ص ١٨، المنهاج في ترتيب الحجاج ص ٣١".
[ ٤ / ٤٠٣ ]
وَحَقِيقَةُ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ: التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ تَارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ دَلِيلِ الْعَقْلِ١، كَاسْتِصْحَابِ حَالِ الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ دَلِيلٌ عَلَى بَرَاءَتِهَا وَعَدَمِ تَوَجُّهِ الْحُكْمِ إلَى الْمُكَلَّفِ.
وَتَارَةً يَكُونُ الاسْتِصْحَابُ بِحُكْمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، كَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعُمُومِ وَالإِجْمَاعِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ دَلِيلٌ نَاقِلٌ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْمُسْتَصْحَبِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ الدَّالَّةِ عَلَى شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْمَعْنَى: إذَا كَانَ حُكْمًا مَوْجُودًا وَهُوَ يَحْتَمِلُ٢ أَنْ٣ يَتَغَيَّرَ، فَالأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَنَفْيُ مَا يُغَيِّرُهُ٤.
وَمِنْهُ اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الأَصْلِيِّ، وَهُوَ الَّذِي عُرِفَ بِالْعَقْلِ انْتِفَاؤُهُ، وَأَنَّ الْعَدَمَ الأَصْلِيَّ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ كَالأَصْلِ: عَدَمُ وُجُوبِ صَلاةٍ سَادِسَةٍ، وَصَوْمِ شَهْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ فَلَمَّا لَمْ يَرِدْ السَّمْعُ
_________________
(١) ١ في ش: الفقهاء. ٢ في ش: محتمل. ٣ في ب: لأن. ٤ في ش: يغايره.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
بِذَلِكَ حَكَمَ الْعَقْلُ بِانْتِفَائِهِ لِعَدَمِ الْمُثْبِتِ لَهُ١.
وَمِنْهُ اسْتِصْحَابُ٢ حُكْمٍ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ٣، كَالْمِلْكِ عِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ وَشَغْلِ الذِّمَّةِ عَنْ قَرْضٍ أَوْ إتْلافٍ. فَهَذَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا أَصْلِيًّا - فَهُوَ حُكْمٌ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، جَمِيعًا٤، وَلَوْلا أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى دَوَامِهِ إلَى أَنْ يُوجَدَ السَّبَبُ الْمُزِيلُ وَالْمُبَرِّئُ لَمَا زَالَ اسْتِصْحَابُهُ٥.
_________________
(١) ١ ويسمى هذا النوع استصحاب العدم الأصلي، وإليه ينصرف اسم الاستصحاب، ويعرف بالبراءة الأصلية، وهذا النوع حجة باتفاق خلافًا للمعتزلة وبعض المالكية. انظر: المستصفى ١/٢٢٢، الإحكام للآمدي ٤/١٢٩، العدة ١/٧٣، تخريج الفروع على الأصول ص ٣٤٨، المسودة ص ٤٤٨، القواعد والفوائد الأصولية ص ١٠٨، مجموع الفتاوى ١١/٣٤، ٢٣/١٥، ٢٩/١٦٦، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٧، الروضة ص ١٥٥، الفقيه والمتفقه ١/٢١٦، العبادي على الورقات ص ٢١٨، المحصول ٢/٣/٢٢٥ وما بعدها، ٢٣٨، إعلام الموقعين ١/٣٧٨، اللمع ص ٦٩، أصول مذهب أحمد ص ٣٧٣. ٢ في ش: انتقاء استصحاب. ٣ في ش: سببه المثبت له. ٤ في ش: لوجود سببه جميعًا. ٥ انظر مزيدًا من أمثلة الاستصحاب لكل نوع منه في "الإحكام لابن حزم ١/٣٨٦ وما بعدها، ٢/٩٥٠، إعلام الموقعين ١/٣٧٨ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٤٨، المحصول ٢/٣/١٤٨، المستصفى ١/٢١٩، التمهيد للأسنوي ص ١٤٩، تيسير التحرير ٤م١٧٧، المعتمد ٢/٨٨٤، تخريج الفروع على الأصول ص ١٧٢، أثر الأدلة المختلف فيها ص ١٨٧، ٢٠٠، أثر الاختلاف ٥٤٣ وما بعدها".
[ ٤ / ٤٠٥ ]
وَقِيلَ: لَيْسَ الاسْتِصْحَابُ بِدَلِيلٍ١.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا أَنْ لا يُعَارِضَهُ ظَاهِرٌ، لَكِنْ مَتَى قُدِّمَ الظَّاهِرُ عَلَى الأَصْلِ كَانَ تَقْدِيمُهُ لِمُرَجِّحٍ مِنْ خَارِجٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ٢.
"وَلَيْسَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلافِ حُجَّةٌ" عِنْدَ الأَكْثَرِ.
وَخَالَفَ جَمْعٌ٣ فِي ذَلِكَ٤.
_________________
(١) ١ في ض ن: دليلًا. ٢ انظر القول بعدم حجية الاستصحاب، والتفصيل في حجيتها حالة الدفع دون الإثبات، وغيره في "حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/٣٤٩، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٥، تيسير التحرير ٤/١٧٧، أصول السرخسي ٢/١٤٧، ٢٢٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٧، كشف الأسرار ٣/٣٧٧ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٤/١٢٩، ١٣١، الفقيه المتفقه ١/٢١٦، أصول مذهب أحمد ص ٣٧٦، أثر الاختلاف ص ٥٤٢، أثر الأدلة ص ١٩٥، المعتمد ٢/٨٨٥". ٣ ساقطة من ش. ٤ قال بحجية استصحاب حكم الإجماع الإمام الشافعي وأيده الآمدي، وتبعه ابن شاملا وابن حامد من الحنابلة، وقال بعدم حجيته الحنفية والحنابلة والمالكية وبعض الشافعية كالمزني والصيرفي وابن سريج والغزالي والمحلي، انظر هذه الأقوال مع أدلتها ومناقشتها في "العدة ١/٧٣، إعلام الموقعين ١/٣٨١، التمهيد للأسنوي ص ١٣٩، المستصفى ١/٢٢٣ وما بعدها، حاشية البناني والمحلي على جمع الجوامع ٢/٣٥٠، روضة الناظر مع نزهة الخاطر ١/٣٩٢، التبصرة ص ٥٢٦، الإحكام للآمدي ٤/١٢٧ وما بعدها، ١٣٦، اللمع ص ٦٩، تيسير التحرير ٤/١٧٧، أثر الأدلة المختلف فيها ص ١٩٠، الفقيه والمتفقه ١/٢١٦، تخريج الفروع على الأصول ص ٧٣، أصول مذهب أحمد ص ٣٧٨، إرشاد الفحول ص ٢٣٨، مختصر البعلي ص ١٦٠، مختصر الطوفي ص ١٣٨، المنهاج في ترتيب الحجاج ص ٣١".
[ ٤ / ٤٠٦ ]
وَوَجْهُ اخْتِيَارِ الأَكْثَرِ: أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّكَافُؤِ فِي الأَدِلَّةِ١؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْتَصْحِبُ حَالَةَ٢ الإِجْمَاعِ فِي مَوْضِعِ الْخِلافِ إلاَّ وَلِخَصْمِهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حَالَةَ الإِجْمَاعِ فِي مُقَابِلِهِ.
مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ قِيلَ: أَجْمَعُوا عَلَى٣ أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلاةِ تُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ، فَكَذَا٤ فِي الصَّلاةِ قِيلَ: أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ تَحْرِيمَتِهِ٥ فَمَنْ أَبْطَلَهُ لَزِمَهُ الدَّلِيلُ٦.
وَ٧جَوَابُهُ: بِمَنْعِ التَّكَافُؤِ، وَإِنْ تَعَارَضَا.
وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ الشَّارِعِ.
وَأَجَابَ بِمَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الدَّلِيلِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، إلاَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا الدَّلِيلُ.
_________________
(١) ١ في ض: الدلالة. ٢ في ض ب ز: حال. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ض: وكذا. ٥ في ش: تحريمه. ٦ انظر: المنهاج في ترتيب الحجاج ص ٣١. ٧ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٤٠٧ ]
"وَيَجُوزُ تَعَبُّدُ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةِ نَبِيٍّ قَبْلَهُ عَقْلًا"؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ، وَلا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ١، وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ٢.
وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ إحْيَاؤُهَا وَلَعَلَّ فِيهِ مَصْلَحَةً٣ "وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا" مُحَمَّدٌ ﷺ "قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ" عِنْدَ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ. كَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ٤.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ زَعَمَهُ فَقَوْلُ سُوءٍ٥. انْتَهَى.
قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ٦: وَلَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ
_________________
(١) ١ في ش: المحال. ٢ انظر: العدة ٣/٧٥١، المسودة ص ١٨٢، المستصفى ١/٢٤٦، كشف الأسرار ٣/٢١٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٤ ٣ انظر مناقشة القول بمنع تبعد نبي بشريعة بني قبلة في "العدة ٣/٧٥١، ٧٦١ وما بعدها، المسودة ص ١٨٣، المستصفى ١/٢٤٦، كشف الأسرار ٣/٢١٣، المعتمد ٢/٨٩٩". ٤ من ذلك حديث بدء الوحي الذي جاء فيه: "ثم حبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد حتى جاءه الحق" وهذا حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم عن عائشة، وسوف يذكره المصنف فيما بعد ص ٣٨٤. ٥ انظر: العدة ٣/٧٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٤. ٦ في ض ب: المبتدئ.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
الْبَعْثَةِ١، بَلْ وُلِدَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ٢.
وَقِيلَ: بَلْ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، حَكَاهُ ابْنُ حَامِدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ٣. انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: قُلْت الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ٤: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى دِينٍ سِوَى الإِسْلامِ، وَلا كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَطُّ. بَلْ وُلِدَ مُؤْمِنًا نَبِيًّا صَالِحًا عَلَى مَا كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ مِنْ حَالِهِ وَخَاتِمَتِهِ لا بِدَايَتِهِ.
"بَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا ﷺ بِشَرْعِ مَنْ كَانَ٥ قَبْلَهُ مُطْلَقًا" أَيْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، اخْتَارَهُ الأَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ الشَّافِعِيَّةِ٦؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّبِيِّينَ قَبْلَهُ دَعَا إلَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ انظر المسودة ص ١٨٢، الإحكام للآمدي ٤/١٤٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٤. ٣ ساقطة من ش. ٤ ساقطة من ض. ٥ ساقطة من ش ز. ٦ المختار عند الشافعية الوقف كما جاء في "جمع الجوامع ٢/٣٥٢"، وصرح به الغزالي والآمدي والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، وأبو الخطاب من الحنابلة. انظر: المحصول ١/٣/٣٩٧، المستصفى ١/٢٤٦، الإحكام للآمدي ٤/١٣٧، المسودة ص ١٨٣، البرهان ١/٥٠٣، ٥٠٩، المنخول ص ٢٣٢، فواتح الرحموت ٢/١٨٤، تخريج الفروع على الأصول ص ٣٦٩، العدة ٣/٧٦٦.
[ ٤ / ٤٠٩ ]
شَرْعِهِ كُلَّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَتَنَاوَلَهُ١ عُمُومُ الدَّعْوَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ٢ بِشَرْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ فَقِيلَ: آدَم أَوْ نُوحٌ أَوْ إبْرَاهِيمُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ٣ وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَجَمْعٌ، أَوْ مُوسَى أَوْ عِيسَى٤.
وَمَنَعَهُ٥ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ٦، وَذَكَرَ٧ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الأَكْثَرِ: كَوْنَهُ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ
_________________
(١) ١ في ش: فيتناوله. ٢ ساقطة من ز. ٣ انظر: المسودة ص ١٨٢. ٤ انظر: العدة ٣/٧٥٧، المسودة ص ١٩٣، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٥٢، البرهان ١/٥٠٧ وما بعدها، المستصفى ١/٢٤٦، الإحكام للآمدي ٤/١٣٧، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٦، المحصول ١/٣/٤٠١، المعتمد ٢/٩٠٠، كشف الأسرار ٢/٢١٢، تيسير التحرير ٣/١٢٩، فواتح الرحموت ٢/١٨٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٤، مختصر البعلي ص ١٦١، إرشاد الفحول ص ٢٣٩. ٥ في ش: ومنعه. ٦ في ض: أبو الحسن، ولعله أبو الحسن الأشعري، فهذا قول الأشعرية، ولعله أبو الحسين القاضي ابن أبي يعلى الحنبلي، صاحب طبقات الحنابلة، والراجح أنه أبو الحسين البصري المعتزلي، فهذا قوله، وصرح به في كتابه "المعتمد ٢/٨٩٩". ٧ في ز: وذكره.
[ ٤ / ٤١٠ ]
الْبَعْثَةِ بِشَرْعٍ مُطْلَقًا؛ لاسْتِحَالَتِهِ عَقْلًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَشَرْعًا عِنْدَ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالآمِدِيِّ إذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ، وَلَتَدَاوَلَتْهُ الأَلْسِنَةُ١.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ: بِمَا فِي مُسْلِمٍ٢ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَتَحَنَّثُ -أَيْ يَتَعَبَّدُ- فِي غَارِ حِرَاءٍ. وَفِي الْبُخَارِيِّ٣ أَيْضًا كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءٍ.
رُدَّ٤ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: التَّفَكُّرُ وَالاعْتِبَارُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ عِبَادَةُ
_________________
(١) ١ إن النقل عن الحنفية في هذه المسألة غير دقيق، لما ذكره ابن عبد الشكور في كتابه "مسلم الثبوت" والكمال ابن الهمام في كتابه "التحرير" وغيرهما من الحنفية أن: "المختار أنه ﷺ متعبد بشرع قبل بعثته" فإنهم يقولون كالحنابلة أن النبي ﷺ كان متعبدًا بشرع قبل البعثة، وهذا ما اختاره أيضًا ابن الحاجب من المالكية، فقال: "المختار أنه كان متعبدًا به". انظر تحقيق المسألة مع بيان الأقوال والأدلة والمناقشة في "فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢/١٨٣، تيسير التحرير ٣/١٢٩ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٨٦، المعتمد ٢/٨٩٩، ٩٠٠، المسودة ص ١٨٢، ١٨٣، المحصول ٢/٣/٣٩٧ وما بعدها، البرهان ١/٥٠٨، المستصفى ١/٢٤٦، الإحكام للآمدي ٤/١٣٨، كشف الأسرار ٣/٢١٢، المنخول ص ٢٣١ وما بعدها، العدة ٣/٧٥٦، ٧٦٦، إرشاد الفحول ص ٢٣٩". ٢ صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٩٨. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن عائشة ﵂، "مسند أحمد ٦/٢٣٢". ٣ صحيح البخاري بحاشية السندي ١/٣. ٤ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٤١١ ]
صَوْمٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ فَعَلَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ تَشَبُّهًا١ بِالأَنْبِيَاءِ.
رُدَّ بِالْمَنْعِ.
"وَتَعَبُّدُهُ٢" أَيْ٣ النَّبِيِّ ﷺ "أَيْضًا بِهِ" أَيْ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ "بَعْدَهَا" أَيْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ عَلَى الصَّحِيحِ٤.
"فَ" عَلَى هَذَا "هُوَ" أَيْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا "شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يُنْسَخْ" عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٥.
_________________
(١) ١ في ض ب: تشبيها. ٢ في ب ز: وتعبد. ٣ ساقطة من ب ز. ٤ وهذا قول الحنفية والمالكية والحنابلة، خلافًا للشافعية، انظر بيان هذه المسألة مع الأدلة في "العدة ٣/٧٥٣، ٧٥٧، نزهة الخاطر ١/٤٠٠، المسودة ص ١٨٤، ١٩٣، مجموع الفتاوى ١٩/٧، جمع الجوامع ٢/٣٥٢، الإحكام للآمدي ٤/١٤٠، المحصول ١/٣/٤٠١، ٤٠٦ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/١٣١، فواتح الرحموت ٢/١٨٤، مختصر البعلي ص ١٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٤، إرشاد الفحول ص ٢٤٠". ٥ قال الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية إن شرع من قبلنا شرع لنا، وقال أكثر الشافعية والأشاعرة والمعتزلة وأحمد في رواية: إن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، ولكل قول دليله، فانظر الأقوال والأدلة والمناقشة في "الروضة ص ١٦٠ وما بعدها، المستصفى ١/٢٥١، ٢٥٥، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٧، الإحكام للآمدي ٤/١٤٠، كشف الأسرار ٣/٢١٣، تيسير التحرير ٣/١٣١، أصول السرخسي ٢/٩٩، فتح الغفار ٢/١٣٩، المنخول ص ٣٣٣، مختصر البعلي ص ١٦١، أصول مذهب أحمد ص ٤٨٥، ٤٩١، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٥٣٤، التوضيح على التنقيح ٢/٢٧٦، مختصر الطوفي ص ١٤٠، إرشاد الفحول ص ٢٤٠، تخريج الفروع على الأصول ص ٣٦٩، العدة ٣/٧٥٦".
[ ٤ / ٤١٢ ]
"وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلٍ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ، لا مُتَابِعٌ"
قَالَ الْقَاضِي: مِنْ حَيْثُ صَارَ شَرْعًا لِنَبِيِّنَا١، لا مِنْ حَيْثُ صَارَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَهُ٢.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لا مُتَابِعٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ: أَنَّهُ شَرْعٌ لَمْ يُنْسَخْ، فَيَعُمُّنَا لَفْظًا٣.
٤وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَقْلًا، لِتَسَاوِي الأَحْكَامِ، وَهُوَ الاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ فِي قَصَصِهِمْ فَيَعُمُّنَا حُكْمًا٤. "وَيُعْتَبَرُ فِي قَوْلٍ" لِلْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ٥ وَغَيْرِهِمَا "ثُبُوتُهُ قَطْعًا".
قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ شَرْعًا لَهُمْ [بِدَلِيلٍ] ٦ مَقْطُوعٍ٧ بِهِ: إمَّا بِكِتَابٍ، أَوْ بِخَبَرِ الصَّادِقِ، أَوْ بِنَقْلٍ
_________________
(١) ١ في ض ب: لنبيه. ٢ عبارة القاضي: "فقد صار شريعة لنبينا، ويلزمنا أحكامه من حيث صار شريعة له، لا من حيث كان شريعة لمن قبله" "العدة ٣/٧٥٣" وانظر: المسودة ص ١٨٥. ٣ انظر: العدة ٣/٧٥٣، المسودة ص ١٨٥. ٤ ساقطة من ض. انظر المسودة ص ١٨٥. ٥ في ش: وابن عقيلي. ٦ زيادة من العدة وساقطة من جميع النسخ. ٧ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٤١٣ ]
مُتَوَاتِرٍ١.
فَأَمَّا الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ، أَوْ إلَى كُتُبِهِمْ: فَلا، وَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا٢، وَمَعْنَاهُ لابْنِ حَمْدَانَ. فَقَالَ: كَانَ هُوَ وَأُمَّتُهُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ بِالْوَحْيِ إلَيْهِ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ، لا مِنْ كُتُبِهِمْ الْمُبَدَّلَةِ، وَنَقْلِ أَرْبَابِهَا، مَا لَمْ يُنْسَخْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: وَيَثْبُتُ٣ أَيْضًا بِأَخْبَارِ الآحَادِ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤.
وَقِيلَ: نُقِلَ٥ عَنْ أَحْمَدَ نَفْيُ التَّعَبُّدِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَكَوْنُ٦ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا٧.
_________________
(١) ١ عبارة القاضي: "وإنما نرجع إلى ما ثبت بدليل مقطوع عليه من قرآن أو خبر متواتر أو سنة متواترة أو وحي نزل به" "العدة ٣/٧٥٧"، وانظر: المسودة ص ١٨٣-١٨٤. ٢ انظر المسودة ص ١٨٤، كشف الأسرار ٣/٢١٣، أصول السرخسي ٢/٩٩، تيسير التحرير ٣/١٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٥. ٣ في ش: وثبت. ٤ انظر: المسودة ص ١٨٦. ٥ في ض: ونقل. ٦ في ض: وكونه. ومعناه: نفي كون شرع من قبلنا شرعًا لنا. ٧ انظر العدة ٣/٧٥٦، ٧٦١، الروضة ص ١٦٢، المسودة ص ١٩٣، مختصر البعلي ص ١٦١، الإحكام للآمدي ٤/١٤٠ وما بعدها، المستصفى ١/٢٥١ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٧، المحصول ١/٣/٤٠١ وما بعدها، تخريج الفروع على الأصول ص ٣٦٩، كشف الأسرار ٣/٢١٤، أصول البزدوي ص ٢٣٤، إرشاد الفحول ص ٢٤٠.
[ ٤ / ٤١٤ ]
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ ١.
رُدَّ، أَرَادَ الْهُدَى الْمُشْتَرَكُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ لاخْتِلافِ شَرَائِعِهِمْ، وَالْعَقْلُ هَادٍ إلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ لا بِالاقْتِدَاءِ.
أُجِيبَ: الشَّرِيعَةُ مِنْ الْهُدَى، وَقَدْ أُمِرَ بِالاقْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالنَّاسِخِ، كَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ٢.
قَالَ مُجَاهِدٌ لابْنِ عَبَّاسٍ " أَأَسْجَدُ فِي ص٣؟ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ٤، وَقَالَ٥: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ٦.
_________________
(١) ١ الآية ٩٠ من الأنعام. ٢ انظر العدة ٣/٧٥٧، نزهة الخاطر ١/٤٠١، زاد المسير ٣/٨١. ٣ وهي قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ سورة ص/٢٥. ٤ ذكر الإمام البخاري الآية، وهي: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الأنعام/٨٤، ٩٠. ٥ في ض ب: فقال. ٦ روى البخاري عن مجاهد قال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فكان داود ممن أُمر نبيكم ﷺ أن يقتدى به، فسجدها رسول الله ﷺ "صحيح البخاري ٣/١١٨". والحديث رواه الترمذي والنسائي وأحمد =
[ ٤ / ٤١٥ ]
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْك أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ﴾ ١.
رُدَّ، أَرَادَ التَّوْحِيدَ؛ لأَنَّ الْفُرُوعَ لَيْسَتْ مِلَّةً وَلِهَذَا لَمْ يَبْحَثْ عَنْهَا.
أُجِيبَ: الْفُرُوعُ مِنْ الْمِلَّةِ تَبَعًا، كَمِلَّةِ نَبِيِّنَا؛ لأَنَّهَا دِينُهُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ٢.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ الظَّاهِرُ. وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الأُصُولِيِّينَ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهَا مُطْلَقًا٣.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٤.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ٥ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) = انظر صحيح البخاري ١/١٣٠، ٣/١١٨، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٣/١٧٦، سنن النسائي ٢/١٢٣، مسند أحمد ١/٢٧٩. ١ الآية ١٢٣ من النحل. ٢ في ش: الموحدين المعتبرين. وانظر العدة ٣/٧٥٩، زاد المسير ٤/٥٠٤. ٣ انظر زاد المسير ٤/٥٠٤، ٧/٢٧٦. ٤ الآية ١٣ من الشورى. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٩٣.
[ ٤ / ٤١٦ ]
تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ١"، وَهُوَ خِطَابٌ لِمُوسَى ﵊. وَسِيَاقُهُ٢ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ احْتَجَّ بِهِ؛ لأَنَّ أُمَّتَهُ أُمِرَتْ مُوسَى.
وَاسْتَدَلَّ بِتَعَبُّدِهِ بِهِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ٣، وَالأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَبِالاتِّفَاقِ عَلَى الاسْتِدْلالِ٤ بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٥ وَبِرُجُوعِهِ ﷺ إلَى التَّوْرَاةِ فِي الرَّجْمِ٦.
"وَالاسْتِقْرَاءُ٧ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ" الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَصْنَافِ
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من طه. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض ب: البعثة. ٤ في ض: استدلال. ٥ الآية ٤٥ من المائدة. ٦ روى البخاري ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد –وهذا نصه- عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي ﷺ برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال: "ما تجدون في كتابكم؟ " فقالوا: نُسَخِّم وجوههما ويخزيان، فقال "كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين "، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما "، ورواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن البراء. انظر: صحيح البخاري بشرح السندي ٢/١٨٥، صحيح مسلم بشرح النووي ١١/٢٠٨، ٢٠٩، سنن أبي داود ٢/٤٦٣، ٤٦٤، الموطأ ص ٥١٢، مسند أحمد ٢/٥، نيل الأوطار ٧/٩٧، صحيح البخاري بشرح الكرماني ١٤/١٩١. ٧ عرف القرافي الاستقراء بأنه: "تتبع الحكم في جزئياته" "شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٨"، وهو عكس القياس عند المناطقة.
[ ٤ / ٤١٧ ]
الاسْتِدْلالِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: اسْتِقْرَاءٌ١ تَامٌّ٢. وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "إنْ٣ كَانَ" أَيْ٤ الاسْتِقْرَاءُ "تَامًّا" أَيْ بِالْكُلِّيِّ٥ "إلاَّ صُورَةَ النِّزَاعِ، فَ" هُوَ "قَطْعِيٌّ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٦.
وَحُدَّ هَذَا: بِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ فِي جُزْئِيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي الْكُلِّيِّ٧ نَحْوُ: كُلُّ جِسْمٍ مُتَحَيِّزٌ. فَإِنَّا اسْتَقْرَأْنَا جَمِيعَ٨ جُزْئِيَّاتِ الْجِسْمِ فَوَجَدْنَاهَا مُنْحَصِرَةً فِي الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وَكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ مُتَحَيِّزٌ فَقَدْ أَفَادَ هَذَا الاسْتِقْرَاءُ الْحُكْمَ٩ يَقِينًا فِي كُلِّيٍّ، وَهُوَ
_________________
(١) ١ وانظر تعريف الاستقراء في "المحلي والبناني على جمع الجوامع ٢/٣٤٥، مناهج العقول ٣/١٥٩، نهاية السول ١/١٨٨، ٣/١٦٠، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٦٤٨". ٢ ساقطة من ض. ٣ الاستقراء التام هو ما يكون فيه حصر الكلي في جزئياته، ويكون بتصفح جميع الجزئيات. انظر تعريف الاستقراء التام في "مناهج العقول ٣/١٥٩، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٦٤٨". ٤ في ش: وإن ٥. ساقطة من ش ض في ش: بالكل.. ٦ انظر: المحلي والبناني على جمع الجوامع ٢/٢٤٥، ٢٤٦. ٧ في ش: بالكل، وفي ز: الكل. ٨ في ض: استقرأ بجميع. ٩ في ب: بالحكم.
[ ٤ / ٤١٨ ]
الْجِسْمُ الَّذِي هُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْجُزْئِيَّاتِ. فَكُلُّ جُزْئِيٍّ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا حُكِمَ بِهِ عَلَى الْكُلِّيِّ١، إلاَّ صُورَةَ النِّزَاعِ. فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ، وَهُوَ مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ، فَإِنَّ٢ الْقِيَاسَ الْمَنْطِقِيَّ مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِقْرَاءٌ نَاقِصٌ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ"٣ إنْ كَانَ "نَاقِصًا" أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الاسْتِقْرَاءُ "بِأَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ ٤" لإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ٥ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، بِشَرْطِ أَنْ لا تَتَبَيَّنَ الْعِلَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْحُكْمِ "وَيُسَمَّى" هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ "إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالأَعَمِّ الأَغْلَبِ، فَ" هُوَ "ظَنِّيٌّ" وَيَخْتَلِفُ فِيهِ الظَّنُّ بِاخْتِلافِ الْجُزْئِيَّاتِ. فَكُلَّمَا٦ كَانَ الاسْتِقْرَاءُ فِي أَكْثَرَ كَانَ أَقْوَى ظَنًّا٧.
_________________
(١) ١ في ش: الأول الكلي، وفي ز: الكل. ٢ في ش ز: فإنه القياس، فإن. ٣ ساقطة من ض. ٤ الاستقراء الناقص هو ما لا يكون فيه حصر الكلي في جزئياته، بأن لا يكون فيه تتبع لجميع جزئيات الكلي وهو المراد عند الأصوليين، والأول هو المراد عند المناطقة، وعرف الإمام الرازي الاستقراء الناقص فقال: "الاستقراء المظنون هو إثبات حكم في كلي، لثبوته في بعض جزئياته" "المحصول ٢/٣/٢١٧". وانظر: تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/٣٤٥، مناهج العقول ٣/١٦٠، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٦٤٨. ٥ في ش: الكلي، وفي ز: للكل. ٦ في ض: فلما. ٧ انظر المحلي والبناني على جمع الجوامع ٢/٣٤٦، المحصول ٢/٣/٢١٨، نهاية السول ٣/١٦٠، مناهج العقول ٣/١٦٠.
[ ٤ / ٤١٩ ]
"وَكُلٌّ" مِنْ النَّوْعَيْنِ "حُجَّةٌ" أَمَّا الأَوَّلُ: فَبِالاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَعِنْدَ صَاحِبِ الْحَاصِلِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالْهِنْدِيِّ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ١. كَقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: الْوِتْرُ يُفْعَلُ رَاكِبًا فَلَيْسَ وَاجِبًا٢، لاسْتِقْرَاءِ الْوَاجِبَاتِ: الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَلَمْ نَرَ شَيْئًا مِنْهَا٣ يُفْعَلُ رَاكِبًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ: أَنَّا إذَا وَجَدْنَا صُوَرًا كَثِيرَةً دَاخِلَةً تَحْتَ نَوْعٍ، وَاشْتَرَكَتْ فِي حُكْمٍ، وَلَمْ نَرَ شَيْئًا مِمَّا٤ يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْهَا٥: خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ، أَفَادَتْنَا تِلْكَ الْكَثْرَةُ قَطْعًا عَنْ ظَنِّ٦ الْحُكْمِ٧ بِعَدَمِ أَدَاءِ الْفَرْضِ رَاكِبًا فِي مِثَالِنَا هَذَا مِنْ صِفَاتِ ذَلِكَ النَّوْعِ، وَهُوَ الصَّلاةُ الْوَاجِبَةُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلظَّنِّ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا.
وَمِنْ شَوَاهِدِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ: مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ
_________________
(١) ١ احتج بهذا النوع المالكية والشافعية والحنابلة، ورجع إليه الحنفية أيضًا. انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٤٥، نهاية السول ١/١٨٨، ٣/١٦٠، المستصفى ١/٥١، المحصول ٢/٣/٢١٨، الموافقات ٣/٥، مختصر البعلي ص ١٦١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٨. ٢ في ض: بواجب. ٣ في ز: منها شيئًا. ٤ في ز: منها. ٥ في ب ض: منها أنه. ٦ في ش: عن ظن. ٧ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا "إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ١ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا" ٢.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ٣ الاسْتِدْلالَ إمَّا بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَهُوَ الاسْتِقْرَاءُ، أَوْ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، أَوْ بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَهُوَ٤ التَّمْثِيلُ، أَوْ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَهُوَ٥ قِيَاسٌ٦ أَوْ٧ تَمْثِيلٌ٨.
_________________
(١) ١ في ب ض ز: وإنه يأتيني الخصم، فلعل. ٢ هذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك والشافعي وأحمد والبيهقي وغيرهم عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا. انظر صحيح البخاري بحاشية السندي ٤/١٦٣، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٤، سنن أبي داود ٢/٣٧٠، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٤/٥٦٨، سنن النسائي ٨/٢٠٥، سنن ابن ماجة ٢/٧٧٧، الموطأ ص ٤٤٨، بدائع المنن ٢/٢٣٣، السنن الكبرى للبيهقي ١٠/١٤٤، مسند أحمد ٦/٢٠٣، ٢٩٠، مجمع الزوائد ٤/١٩٨، اللؤلؤ والمرجان ٢/١٩٢، إحكام الأحكام ٢/٢٩١، نيل الاوطار ٢/٢٨٨. ٣ ساقطة من ش، وفي د ز: اعلم بأن. ٤ في ض: فهو. ٥ في ز ض: أو. ٦ في ش: قياس التمثيل. ٧ في ش ز: و. ٨ التمثيل، أو الاستدلال بالجزئي على الجزئي، هو القياس الأصولي. "انظر: تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/٣٤٥".
[ ٤ / ٤٢١ ]
"وَقَوْلُ صَحَابِيٍّ عَلَى" صَحَابِيٍّ "مِثْلِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ" عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
وَنَقَلَ ابْنُ عَقِيلٍ: الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَزَادَ١: وَلَوْ كَانَ أَعْلَمَ أَوْ إمَامًا، أَوْ حَاكِمًا٢.
"وَ" قَوْلُ صَحَابِيٍّ "عَلَى غَيْرِهِ" تَارَةً يَنْتَشِرُ وَتَارَةً لا يَنْتَشِرُ.
"فَإِنْ انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكَرْ: فَسَبَقَ" فِي الإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ٣.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ "فَ" هُوَ "حُجَّةٌ مُقَدَّمًا٤ عَلَى الْقِيَاسِ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ انظر: جمع الجوامع ٢/٣٥٤، الإحكام للآمدي ٤/١٤٩، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٧، نهاية السول ٣/١٧٢، كشف الأسرار ٣/٢١٧، أصول السرخسي ٢/١٠٩، تيسير التحرير ٣/١٣٢، فواتح الرحموت ٢/١٨٦، فتح الغفار ٢/١٣٩ وما بعدها، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٥، إرشاد الفحول ص ٢٤٣، أصول مذهب أحمد ص ٣٩١. ٣ في المجلد الثاني ص ٢١٢. وانظر: المسودة ص ٣٣٥، إعلام الموقعين ١/٣١، الروضة ص ١٦٥، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٥، مختصر البعلي ص ١٦١، جمع الجوامع ٢/٣٥٤، المحصول ٢/٣/١٧٨، ١٨٢، المستصفى ١/٢٧١، التبصرة ص ٣٩١، المنخول ص ٣١٨، التمهيد للأسنوي ص ١٥٣، نهاية السول ٣/١٧٣، مناهج العقول ٣/١٧١، التوضيح على التنقيح ٢/٢٧٧، تيسير التحرير ٣/١٣٣، فواتح الرحموت ٢/١٨٦. ٤ في ش: مقدمًا. ٥ وهذا قول المالكية وأكثر الحنابلة وبعض الحنفية والشافعي في القديم، ولهم أدلة كثيرة، ويذكرون أمثلة وأحكامًا متعددة. انظر: المسودة ص ٢٧٦، ٣٣٦، ٤٧٠، الإحكام لابن حزم ٢/٨١٧، الروضة ص ١٦٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٥، التبصرة ص ٣٩٥، =
[ ٤ / ٤٢٢ ]
وَقِيلَ: لا يَكُونُ حُجَّةً مُقَدَّمًا١ عَلَى الْقِيَاسِ إلاَّ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ قِيَاسُ تَقْرِيبٍ٢.
فَعَلَى الأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ "إنْ٣ اخْتَلَفَ صَحَابِيَّانِ فَكَدَلِيلَيْنِ" تَعَارَضَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ التَّعَارُضِ٤.
_________________
(١) = البرهان ٢/١٣٥٨، الإحكام للآمدي ٤/١٤٩، المحصول ٢/٣/١٧٨، نهاية السول ٣/١٧٣، تيسير التحرير ٣/١٣٢، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٧، التمهيد للأسنوي ص ١٥٣، أصول السرخسي ٢/١٠٥، كشف الأسرار ٣/٢١٧، ٢١٩، تأسيس النظر ص ١٠٥، مختصر البعلي ص ١٦١، مختصر الطوفي ص ١٤٢، إعلام الموقعين ٢/٢٥٥، ٢٥٦، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٥، أخبار أبي حنيفة ص ١٠، أصول مذهب أحمد ص ٣٩٤، ٣٩٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٥، فواتح الرحموت ٢/١٨٦، المعتمد ٢/٥٣٩، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٣٣٨، ٣٤٠، تخريج الفروع على الأصول ص ١٧٩، الجدل لابن عقيل ص ٨. ١ في ش: مقدم. ٢ القول بإنكار حجية قول الصحابي ينسب إلى جمهور الأصوليين، وهو قول الشافعي في الجديد والرواية الثانية لأحمد، ورجحه الغزالي والآمدي وابن الحاجب المالكي والكرخي الحنفي والشوكاني وغيرهم، ولهم أدلة كثيرة، ويناقشون أدلة القول الأول. انظر: المسودة ص ٣٣٧، المستصفى ١/٢٦١، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٧، التمهيد للأسنوي ص ١٥٣، الروضة ص ١٦٥، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٥٤، الإحكام للآمدي ٤/١٤٩، البرهان ٢/١٣٥٩، كشف الأسرار ٣/٢١٧، المحصول ٢/٣/١٧٤، التبصرة ٢/٣٩٥، التوضيح على التنقيح ٢/٢٧٧، أصول السرخسي ٢/١٠٥، ١٠٦، تخريج الفروع على الأصول ص ١٧٩، أصول مذهب أحمد ص ٣٩٤، ٣٩٨، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٣٤٠، إرشاد الفحول ص ٢٤٣. ٣ في ض ز: إذا. ٤ انظر جمع الجوامع ٢/٣٥٤، تيسير التحرير ٣/١٣٣، فواتح الرحموت ٢/١٨٦ وسيذكر المصنف باب التعارض فيما بعد ص ٤٢٤، ٤٢٥ وما بعدها.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
"هَذَا إنْ وَافَقَ" قَوْلُ الصَّحَابِيِّ١ "الْقِيَاسَ، وَإِلاَّ٢" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ٣ الْقِيَاسَ "حُمِلَ عَلَى التَّوْقِيفِ" ظَاهِرًا٤ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَالشَّافِعِيِّ٥ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالرَّازِيِّ٦.
قَالَ٧ الْبِرْمَاوِيُّ: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ٨ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ مَا لا٩ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، بَلْ عَنْ تَوْقِيفٍ: أَنَّهُ يَكُونُ مَرْفُوعًا، صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ وَالأُصُولِ. انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَبَنَيْنَا عَلَيْهِ مَسَائِلَ كَتَغْلِيظِ١٠ الدِّيَةِ
_________________
(١) ١ في ض: صحابي. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض: صحابي. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ز: والشافعية. ٦ انظر: المسودة ص ٣٣٦، ٣٣٨، المحصول ٢/١/٦٤٣، ٢/٣/١٧٨، ١٨٢، البرهان ٢/١٣٦١، الإحكام للآمدي ٤/١٤٩، التمهيد للأسنوي ص ١٥٣، الكفاية للرازي ص ٥٩٣، التوضيح على التنقيح ٢/٢٧٧، كشف الأسرار ٣/٢١٧، ٢١٨، فواتح الرحموت ٢/١٨٧، فتح الغفار ٢/١٤٠، أصول السرخسي ٢/١١٠، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٥، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٥، التبصرة ص ٣٩٩، مختصر البعلي ص ١٦١، إعلام الموقعين ٤/٢٠٢، أصول مذهب أحمد ص ٣٩٢، ٣٩٣، إرشاد الفحول ص ٢٤٣، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٣٤١، تأسيس النظر ١٠٣ ص. ٧ في ب: و. ٨ ساقطة من ب. ٩ في ب: لم. ١٠ في ش: لتغليظ.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
بِالْحُرُمَاتِ١ الثَّلاثِ٢.
وَخَالَفَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ٣.
"فَـ" ـعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ "يَكُونُ" قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمَحْمُولُ عَلَى التَّوْقِيفِ "حُجَّةً حَتَّى عَلَى صَحَابِيٍّ" عِنْدَنَا وَقَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ٤ كَانَ حَدِيثًا لَرَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِئَلاَّ يَكُونَ كَاتِمًا لِلْعِلْمِ!
قِيلَ: لا يَلْزَمُ إذَا رَوَى ذَلِكَ وَكَانَ تَوْقِيفًا: أَنْ يُصَرِّحَ بِرَفْعِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَقَلَهُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا، أَوْ ظَنَّ نَقْلَ غَيْرِهِ لَهُ٥ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ.
"وَيُعْمَلُ بِهِ" أَيْ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمَحْمُولِ عَلَى التَّوْقِيفِ "وَإِنْ" أَيْ وَلَوْ "عَارَضَ خَبَرًا مُتَّصِلًا" مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ؛ لأَنَّ٦
_________________
(١) ١ في ض: بالمحرمات. ٢ قال أبو المعالي الجويني عن الشافعي ﵁: "والظن أنه رجع عن الاحتجاج بقولهم فيما يوافق القياس، دون ما يخالف القياس، إذ لم يختلف قوله جديدًا وقديمًا في تغليظ الدية بالحرمة والأشهر الحرم، ولا مستند له إلا أقوال الصحابة" "البرهان ٢/١٣٦٢". ٣ انظر المسودة ص ٣٢٨، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٦، مختصر البعلي ص ١٦١، الإحكام للآمدي ٤/١٤٩، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٨٨، نهاية السول ٣/١٧٣، إعلام الموقعين ٤/٢٠٢. ٤ في ض ب: فلو. ٥ ساقطة من ض ب. ٦ في ض: ولأن.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
الْمَحْمُولَ عَلَى التَّوْقِيفِ لا تَجْرِي١ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْقِيَاسِ٢.
"وَمَذْهَبُ التَّابِعِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ" لِلتَّسَلْسُلِ "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ٣ أَوْ خَالَفَهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مَحَلَّ وِفَاقٍ وَقَالَ: لا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ وَلا يُفَسَّرُ بِهِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ٤.
قَالَ: وَعَنْهُ جَوَازُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ "لا يَكَادُ يَجِيءُ شَيْءٌ عَنْ التَّابِعِينَ إلاَّ يُوجَدُ عَنْ الصَّحَابَةِ"٥.
_________________
(١) ١ في ض ز: يجري. ٢ انظر حجية قول الصحابي الذي يخالف القياس، وهو قول الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد، وأنكر لمن ابن بدران ذلك، وقال: إنه ليس بحجة، وهو رواية ثانية عن أحمد. انظر: المسودة ص ٣٣٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٣٩٤، نزهة الخاطر ١/٤٠٣، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٥٤، ٣٥٥، التمهيد للأسنوي ص ١٥٣، نهاية السول ٣/١٧٣، إعلام الموقعين ٤/٢٠١، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٣٤١. ٣ في ب: محل القياس. ٤ انظر: المسودة ص ٣٣٩، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٩، مختصر البعلي ص ١٦٢، إعلام الموقعين ٤/٢٠١. قال بعض العلماء: إن التابعي إذا ظهرت فتواه في زمن الصحابة فهو كالصحابي، لأنه بتسليمهم إياه دخل في جملتهم، وخالف الأكثرون ذلك. ٥ انظر: المسودة ص ٣٣٩، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٢٩، التوضيح على التنقيح ٢/٢٧٧، فتح الغفار ٢/١٤٠.
[ ٤ / ٤٢٦ ]