"فَصْلٌ"
يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِنَبِيٍّ أَوْ مُجْتَهِدٍ: اُحْكُمْ بِمَا شِئْت فَهُوَ صَوَابٌ وَيَكُونُ" ذَلِكَ "مَدْرَكًا شَرْعِيًّا وَيُسَمَّى: التَّفْوِيضَ" عِنْدَ الأَكْثَرِ؛ لأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ: إمَّا التَّبْلِيغُ عَنْ اللَّهِ - ﷾ - بِإِخْبَارِ رُسُلِهِ عَنْهُ بِهَا، وَهُوَ مَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷾ وَثَبَتَ١ بِسُنَّةِ٢ رَسُولِهِ ﷺ، وَمَا تَفَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ، مِنْ إجْمَاعٍ وَقِيَاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الاسْتِدْلالاتِ، وَطُرُقِهَا بِالاجْتِهَادِ، وَلَوْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ: التَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ نَبِيٍّ أَوْ عَالِمٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِنَبِيٍّ أَوْ لِمُجْتَهِدٍ غَيْرِ نَبِيٍّ: اُحْكُمْ بِمَا شِئْت فَهُوَ صَوَابٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤْخَذُ٣ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ، وَصَرَّحَا بِجَوَازِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ في ش ز: وسنة. ٣ في ش: ويؤيد.
[ ٤ / ٥١٩ ]
مِنْ جُمْلَةِ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ١.
فَإِذَا قَالَ " هَذَا حَلالٌ " عَرَفْنَا أَنَّ اللَّهَ٢ ﷾ فِي الأَزَلِ ٣حَكَمَ بِحِلِّهِ، وَكَذَا " هَذَا حَرَامٌ " وَ٤نَحْوُ ذَلِكَ، لا أَنَّهُ يُنْشِئُ الْحُكْمَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، قَالَهُ٥ ابْنُ الْحَاجِبِ٦ وَتَبِعَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ، وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ، أَيْ٧ فِي جَوَازِهِ٨، كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ٩.
_________________
(١) ١ هذه المسألة من مسائل علم الكلام التي تتعلق بالبحث عن حكم صفة من صفات الله تعالى الفعلية المتصلة بالتشريع، وبالقدر توقيفًا وتسديدًا، وأجاز فريق من العلماء جواز التفويض للنبي أو المجتهد، ومنعه أكثر القدرية والمعتزلة، وتوقف فيه الشافعي واختار التوقف الرازي، وصحح أبو بكر الرازي الحنفي رأي المعتزلة بالمنع، وفصّل الأكثرون بين الجواز للنبي ﷺ، والمنع لغيره. انظر: المسودة ص ٥١٠ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٠١، ٣٠٢، جمع الجوامع ٢/٣٩١، الإحكام للآمدي ٤/١٧٠، ٢٠٩، مناهج العقول ٣/١٧٥، اللمع ص ٧٦، المعتمد ٢/٨٨٩، المحصول ٢/٣/١٨٥، نهاية السول ٣/١٧٦، تيسير التحرير ٤/٢٣٦، فواتح الرحموت ٢/٢٩٧، غاية الوصول ص ١٥٠، إرشاد الفحول ص ٢٦٤. ٢ في ش: لله. ٣ ساقطة في ش، وفي د: حكم بحله، وهكذا. ٤ في ب ز: قال. ٥ في ض ب ز: قال. ٦ مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠١. ٧ ساقطة من ب. ٨ قال الرازي: وتوقف الشافعي ﵁ في امتناعه وجوازه، وهوالمختار" "المحصول ٢/٣/١٨٥". ٩ انظر: جمع الجوامع ٢/٣٩٢، الإحكام للآمدي ٤/٢٠٩، نهاية السول ٣/١٧٧.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
وَقَالَ: الْجُمْهُورُ١ فِي وُقُوعِهِ، وَلَكِنَّهُ قَاطِعٌ بِجَوَازِهِ، وَالْمَنْعُ: إنَّمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ جُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالَهُ٢ ابْنُ مُفْلِحٍ.
وَمَنَعَهُ٣ السَّرَخْسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَأَنَّهُ أَشْبَهُ٤ بِمَذْهَبِنَا؛ لأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِغَيْرِ طَلَبِهَا؟.
وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ دُونَ غَيْرِهِ٥ "وَ" عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ "لَمْ يَقَعْ" فِي الأَصَحِّ٦.
_________________
(١) ١ في ش: على. ٢ في ب ز: قال. ٣ في ش ز: وتبعه. ٤ في ش: اشتبه. ٥ وهذا قول أبي علي الجبائي في أحد قوليه، وارتضاه الشوكاني. انظر: الإحكام للآمدي ٤/٢٠٩، نهاية السول ٣/١٧٧، ١٨٠، المعتمد ٢/٨٩٠، تيسير التحرير ٤/٢٣٦، فواتح الرحموت ٢/٣٩٧، إرشاد الفحول ص ٢٦٤. ٦ جزم بوقوعه موسى بن عمران من المعتزلة، ونقل معظم القائلين بجوازه أمثلةً على وقوعه، وعرضها الرازي في "المحصول ٢/٣/١٨٩وما بعدها" منها قصة الإذخر وقتل النضر بن الحارث وحديث الأقرع بن حابس عن الحج، وغيرها، وهناكقول آخر بالتوقف في الوقوع واختاره الإسنوي. انظر جمع الجوامع والمحلي عليه٢/٣٩٢، فواتح الرحموت ٢/٣٩٧، غاية الوصول ص ١٥٠، المحصول ٢/٣/١٨٤، ١٨٨، مناهج العقول ٣/١٧٦، الإحكام للآمدي ٤/٢٠٩، تيسير التحرير ٢/٢٣٧، نهاية السول ٣/١٧٧
[ ٤ / ٥٢١ ]
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ١.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ: بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿إلاَّ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٢ لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ إلاَّ بِتَفْوِيضِ اللَّهِ ﷾ الأَمْرَ إلَيْهِ، لا أَنَّهُ بِإِبْلاغِهِ ذَلِكَ الْحُكْمَ لِتَخْصِيصِ هَذَا التَّحْرِيمِ بِنِسْبَتِهِ إلَيْهِ، وَإِلاَّ فَكُلُّ مُحَرَّمٍ فَهُوَ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ ﷾، إمَّا بِالتَّبْلِيغِ أَوْ بِالتَّفْوِيضِ٣.
وَاسْتَدَلَّ لَهُ٤ أَيْضًا بِمَا فِي مُسْلِمٍ٥ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ، فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَوْ قُلْت: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ" ٦.
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠١. قال ابن السمعاني: "" هذه المسألة، وإن أوردها متكلمو الأصوليين فليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة، لأنها في غير الأنبياء لم توجد، ولا يتوهم وجوده في المستقبل "" "انظر: تيسير التحرير ٤/٢٤"، ويخالف في ذلك ما يدّعيه الشيعة والفرق الضالة من تفويض الأمر لإمام أو غيره، ويدعون عصمته، وأنكر ذلك الشوكاني بشدة، وقال: "" إنه مجرد جهل بحت ومجازفة ظاهرة "" "انظر: إرشاد الفحول ص ٦٤، الوسيط ص ٤٧٢". ٢ الآية ٩٣ من آل عمران. ٣ في ش: التفويض. ٤ ساقطة من ش. ٥ هذا طرف من حديث عند مسلم، "انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٩/١٠٠". ٦ هذا الحديث رواه مسلم والنسائي وأحمد عن أبي هريرة، ولم يسم فيه =
[ ٤ / ٥٢٢ ]
"وَ" يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ "لِعَامِّيٍّ عَقْلًا" أَيْ جَوَازًا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ١؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ، لا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ إجْمَاعًا٢.
"وَ" يَجُوزُ "فِي قَوْلٍ" لِلْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ: أَنْ يُقَالَ لَهُ "وَأَخْبِرْ فَإِنَّك لا تُخْبِرُ إلاَّ بِصَوَابٍ".
وَمَنَعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: لَوْ جَازَ، خَرَجَ٣ كَوْنُ الإِخْبَارِ عَنْ الْغُيُوبِ دَالَّةً عَلَى ثُبُوتِ الأَنْبِيَاءِ وَكُلِّفَ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ٤ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا٥ قَالَ.
_________________
(١) = الأقرع، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم والدارمي عن ابن عباس مرفوعًا مع بيان السائل أنه الأقرع بن حابس، وروى معناه الترمذي وابن ماجة عن علي مرفوعًا، وروى مثله ابن ماجة عن أنس مرفوعًا. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٩/١٠٠، سنن أبي داود ١/٤٠٠، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٨/٤٢٠، سنن النسائي ٥/٨٣، سنن ابن ماجه ٢/٩٦٣، مسند أحمد ١/٢٥٥، ٢٩١، ٢/٥٠٨، سنن الدارمي ٢/٢٩، المستدرك ١/٤٤١، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٣٠٧. ١ في ب: العقلاء. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ٤/٢١٤، تيسير التحرير ٤/٢٣٦. ٣ في ز: خرج عن. ٤ في ش ز: علم. ٥ في ش: وكذا.
[ ٤ / ٥٢٣ ]