"فَصْلٌ":"التَّكْلِيفُ لُغَةً: إلْزَامُ١ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ" فَإِلْزَامُ الشَّيْءِ، وَالإِلْزَامُ بِهِ: هُوَ تَصْيِيرُهُ لازِمًا لِغَيْرِهِ، لا٢ يَنْفَكُّ عَنْهُ مُطْلَقًا، أَوْ وَقْتًا مَا.
قَالَ فِي "الْقَامُوسِ": "وَالتَّكْلِيفُ: الأَمْرُ بِمَا يَشُقُّ، وَتَكَلَّفَهُ تَجَشَّمَهُ"٣. وَقَالَ أَيْضًا: "أَلْزَمَهُ إيَّاهُ فَالْتَزَمَهُ، إذَا لَزِمَ شَيْئًا لا يُفَارِقُهُ"٤.
"وَ" التَّكْلِيفُ "شَرْعًا" أَيْ: فِي اصْطِلاحِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ: "إلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ" فَيَتَنَاوَلُ الأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ: الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ، الْحَاصِلَيْنِ عَنْ الأَمْرِ، وَالْحَظْرَ وَالْكَرَاهَةَ، الْحَاصِلَيْنِ عَنْ النَّهْيِ. وَالإِبَاحَةَ الْحَاصِلَةَ عَنْ التَّخْيِيرِ، إذَا قُلْنَا إنَّهَا مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِي الْمُبَاحِ وُجُوبَ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ مُبَاحًا٥، أَوْ٦ اخْتِصَاصَ اتِّصَافِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِمَا دُونَ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ٧.
_________________
(١) ١ في ع: الالزام. ٢ في ع: ولا. ٣ القاموس المحيط: ٣/ ١٩٨، وانطر: المصباح المنير ٢/ ٨٢٨. ٤ القاموس المحيط ٤/ ١٧٧، وانظر: المصباح المنير ٢/ ٨٥٢. ٥ وهذا من مقتضيات الخطاب المذكور، وفي قولٍ إنّ الإباحة ليست تكليفًا، لأن التكليف هو الخطاب بأمر أو نهي. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨، مختصر الطوفي ص١١، الفروق ١/ ١٦١، تهذيب الفروق ١/ ١٧٦". ٦ في ع: و. ٧ انظر تعريف التكليف في "التعريفات ص٥٨، طبعة الحلبي، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨، الروضة ص٢٦،مختصر الطوفي ص١١،الفروق ١/ ١٦١".
[ ١ / ٤٨٣ ]
"وَالْمَحْكُومُ بِهِ" ١ عَلَى الْمُكَلَّفِ "فِعْلٌ بِشَرْطِ إمْكَانِهِ٢".
الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ فِيهِ النَّظَرُ فِي أَشْيَاءَ:
- الأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي الْحَاكِمِ، وَهُوَ اللَّهُ ﷾.
- الثَّانِي: النَّظَرُ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ.
- الثَّالِثُ: النَّظَرُ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ، وَهُوَ الْفِعْلُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا٣.
وَيَسْتَدْعِي ذَلِكَ: أَنَّ الْفِعْلَ ٤ غَيْرُ الْمَقْدُورِ ٤ عَلَيْهِ هَلْ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ أَوْ لا؟ وَيُسَمَّى التَّكْلِيفُ بِهِ: التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ، وَهُوَ أَقْسَامٌ:
- أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، كَجَمْعِ الضِّدَّيْنِ، وَإِيجَادِ الْقَدِيمِ وَإِعْدَامِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَمْتَنِعُ تَصَوُّرُهُ. فَإِنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةٌ مُطْلَقًا٥.
- ثَانِيهَا: مَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعَالَى كَالتَّكْلِيفِ بِخَلْقِ الأَجْسَامِ وَبَعْضِ الأَعْرَاضِ.
- ثَالِثُهَا: مَا ٦ لَمْ تَجْرِ ٦ عَادَةٌ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى مِثْلِهِ لِلْعَبْدِ مَعَ جَوَازِهِ،
_________________
(١) ١ المحكوم به هو فعل المكلف، وذلك لأن فعل المكلف يوصف بأنه مأمور به أو منهي عنه، بينما يطلق أكثر علماء الأصول على المحكوم به لفظ "المحكوم فيه" لأن الشارع جعل الفعل محكومًا فيه بالوجوب أو التحريم. "انظر: المستصفى ١/ ٨٦، التوضيح على التنقيح ٣/ ١٢٩، تيسير التحرير ٢/ ١٨٤، فواتح الرحموت ١/ ١٢٣، مناهج العقول ١/ ١٨١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، المسودة ص٨٠". ٢ في ض: إحكامه. ٣ انظر: المستصفى ١/ ٨٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، إرشاد الفحول ص٩، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩. ٤ في ز ع ض ب: الغير مقدور. ٥ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٥، المسودة ص٧٦. ٦ في ش: لا تجري.
[ ١ / ٤٨٤ ]
كَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ، وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ١.
- رَابِعُهَا: مَا لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ حَالَ٢ تَوَجُّهِ الأَمْرِ، وَلَهُ الْقُدْرَةُ٣ عَلَيْهِ عِنْدَ الامْتِثَالِ. كَبَعْضِ الْحَرَكَاتِ٤.
- خَامِسُهَا: مَا فِي امْتِثَالِهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ كَالتَّوْبَةِ بِقَتْلِ النَّفْسِ٥.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا "فَيَصِحُّ" مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ "بِمُحَالٍ لِغَيْرِهِ" إجْمَاعًا، كَتَكْلِيفِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ ﷾ أَنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالإِيمَانِ وَذَلِكَ لأَنَّ٦ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَبَعَثَ الرُّسُلَ بِطَلَبِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَعَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لا يُؤْمِنُ٧.
وَ"لا" يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مِنْ ذَلِكَ٨ بِمُحَالٍ "لِذَاتِهِ"، وَهُوَ الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِيُّ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، "وَ" لا بِمُحَالٍ "عَادَةً" كَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ، وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ الأَكْثَرِ٩. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ
_________________
(١) ١ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٥. ٢ في ز ب ع ض: بحال. ٣ في ض: قدرة. ٤ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٥. ٥ المرجع السابق. ٦ في ش: أن. ٧ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٥، ١٨٨، شرح تنقيح الفصول ص١٤٣، المحلي وحاشية البناني ١/ ٢٠٦، ٢٠٨، فواتح الرحموت ١/ ١٢٧، العضد على ابن الحاجب وحاشية التفتازاني ٢/ ٩، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٤، تيسير التحرير ٢/ ١٣٩، ١٤٠، إرشاد الفحول ص٩، المسودة ص٨٩، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٥. ٨ في ش: جهة، وفي ب: سقطت "من ذلك". ٩ انظر: الموافقات ٢/ ٧٦، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٥، تيسير التحرير ٢/ ١٣٧، المستصفى ١/ ٨٦، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٠٦، فواتح الرحموت ١/ ١٢٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، إرشاد الفحول ص٩، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩، نهاية السول ١/ ١٨٦، المسودة ص٧٩.
[ ١ / ٤٨٥ ]
وَالأَصْفَهَانِيّ، وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَحُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الْمَعَالِي، وَابْنِ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدَئِينَ"١.
وَقَالَ أَكْثَرُ الأَشْعَرِيَّةِ وَالطُّوفِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا٢، قَالَ الآمِدِيُّ: وَهُوَ لازِمُ أَصْلِ الأَشْعَرِيَّةِ فِي وُجُوبِ مُقَارَنَةِ الْقُدْرَةِ لِلْمَقْدُورِ بِهَا وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ٣ تَعَالَى٤.
وَقَالَ الآمِدِيُّ وَجَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ عَادَةً٥، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا٦ "إلاَّ" الْمُحَالَ "عَقْلًا" وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أُشِيرَ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ٧ "فِي وَجْهٍ".
وَجْهِ الْمَذْهَبِ الأَوَّلِ - وَهُوَ الْمَنْعُ فِي الْمُحَالِ لِذَاتِهِ وَعَادَةً-٨ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٩، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ١٠ رَضِيَ
_________________
(١) ١ وهو رأي الحنفية وأيده ابن السبكي. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٢٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٢٠٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، نهاية السول ١/ ١٨٦". ٢ أي سواء كان محالًا لذاته "عقلًا" أم محالًا للعادة، أم محلًا لغيره، وهو اختيار الإمام الرازي ومن تبعه. "انظر: نهاية السول ١/ ١٨٥، التمهيد ص٢٤، المستصفى ١/ ٨٦، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٣، إرشاد الفحول ص٩، مختصر الطوفي ص١٥". ٣ في ض: الله. ٤ وقد عبر الآمدي بلازم الأشعري إذ لم يثبت تصريح الأشعري بالتكليف بالمحال، وإنما أخذ من مضمون كلامه. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٤"، وانظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، ١١، المستصفى ١/ ٨٦. ٥ الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٢٠٧. ٦ في ز: يثبتوا. ٧ في ز ب ع ض: يقولي. ٨ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٦، ١٨٧، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٥، الروضة ص٢٨ وما بعدها. ٩ الآية ٢٨٦ من البقرة. ١٠ هو عبد الرحمن أو عبد الله بن صَخْر الدَوّسي، صاحبُ رسول الله ﷺ، قدم المدينة سنة سبع، وأسلم، وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ، وكني بأبي هريرة لأنه وجد هرة فحملها في كمه، ولزمَ رسول الله وواظب عليه رغبة في العلم، وكان أحفظ الصحابة، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث ودعا له بالحفظ، روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، توفي بالمدينة سنة ٥٧هـ، وهو ابن ٧٨ سنة. "انظر: الاستيعات ٤/ ٢٠٢، الإصابة ٤/ ٢٠٢، صفة الصفوة ١/ ٦٨٥، مشاهير علماء الأمصار ص١٥،شذرات الذهب١/ ٦٣".
[ ١ / ٤٨٦ ]
اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ. وَقَالُوا: "لا نُطِيقُهَا"٢، وَفِيهِ: "أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَهَا"٣، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷾: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا٤ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ٥، وَفِيهِ عَقِبَ كُلِّ دَعْوَةٍ: "قَالَ: نَعَمْ"٦، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "قَدْ قُلْت"٧.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا يَثْقُلُ وَيَشُقُّ٨، كَقَوْلِهِ ﷺ فِي
_________________
(١) ١ الآية ٢٨٤ من البقرة. ٢ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد ومسلم، وتكملته: قال رسول الله ﷺ: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم، سمعنا وعصينا"؟ بل قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك اللمصير، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم" "انظر: صحيح مسلم ١/ ١١٥، مسند أحمد ٢/ ٤١٣، تفسير ابن كثير ١/ ٦٠٠". ٣ ونصها: "فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل " صحيح مسلم ١/ ١١٥". ٤ في ز ع ض ب: إلى آخر السورة، والتكملة من صحيح مسلم، ومن ش. ٥ الآية ٢٨٦ من البقرة. ٦ أي قال الله تعالى. "انظر صحيح مسلم ١/ ١١٦". ٧ صحيح مسلم ١/ ١١٦. ٨ انظر: المستصفى ١/ ٨٧، الروضة ص٢٩.
[ ١ / ٤٨٧ ]
الْمَمْلُوكِ: "لا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لا يُطِيقُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١، وَكَقَوْلِهِ٢: "لا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ. فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٣.
وَاحْتَجَّتْ الأَشْعَرِيَّةُ بِسُؤَالِ رَفْعِ التَّكْلِيفِ٤ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُسْتَحِيلِ لِغَيْرِهِ٥.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالآمِدِيُّ٦ وَغَيْرُهُمَا٧: بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُسْتَحِيلِ لَكَانَ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ، لأَنَّهُ مَعْنَاهُ. وَهُوَ مُحَالٌ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ، لأَنَّهُ يَلْزَمُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلافِ مَاهِيَّتِهِ، وَاسْتِدْعَاءُ حُصُولِهِ فَرْعُ تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ٨.
_________________
(١) ١ رواه مسلم عن أبي هريرة، وأوله: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". رواه أحمد والبيهقي ومالك والشافعي، ومعنى: لا يكلف: نفي بمعنى النهي، إلا ما يطيق الدوام عليه. "انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٣٨، الموطأ ٢/ ٩٨٠، مسند أحمد ٢/ ٢٤٧، فيض القدير ٥/ ٢٩٢". ٢ في ز: ولقوله. ٣ رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي ذر، وهذا لفظ البخاري وابن ماجة، قال المناوي: ولا يكلفه: من التكليف وهو تحميل الشخص شيئًا معه كلفة، وقيل: هو الأمر بما يشق، أي لا يكلف من العمل "ما يغلبه" أي يعجز عنه، وتصر قدرته فيه مغلوبة، بعجزه عنه لمعظمه أو لصعوبته، فيحرم ذلك. "انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ١/ ١٥، صحيح مسلم ٣/ ١٢٨٣، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٦/ ٧٥، سنن أبي داود ٤/ ٤٦٢، سنن ابن ماجة ٢/ ١٢١٦، فيض القدير ١/ ٢٢١، مسند أحمد ٥/ ١٥٨". ٤ أي رفع التكليف بما لا يطاق في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ البقرة ٢٧٦. ٥ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٨، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٥، ١٣٨، الروضة ص٢٨. ٦ الإحكام، له ١/ ١٣٥. ٧ في ض: وغيرهم. ٨ انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٢٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، تيسير التحرير ٢/ ١٣٨، إرشاد الفحول ص٩، مختصر الطوفي ص١٥.
[ ١ / ٤٨٨ ]
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ مُحَالًا. لأَنَّ الْحُكْمَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ١؟
قِيلَ: الْجَمْعُ الْمُتَصَوَّرُ الْمَحْكُومُ بِنَفْيِهِ عَلَى الضِّدَّيْنِ: هُوَ جَمْعُ الْمُخْتَلِفَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَضَادَّةٍ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا عَنْ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ ثَابِتًا لَهُمَا، لاسْتِلْزَامِهِ التَّصَوُّرَ عَلَى خِلافِ الْمَاهِيَّةِ٢.
وَحَيْثُ قِيلَ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، فَعِنْدَ الأَكْثَرِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ٣.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَالْمَجْدُ: "الْمُحَالُ لِذَاتِهِ مُمْتَنِعٌ سَمْعًا إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَالاسْمِ اللُّغَوِيِّ"٤.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاقِعٌ٥ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِنَا: اللَّهُ تَعَالَى يَتَعَبَّدُ خَلْقَهُ بِمَا يُطِيقُونَ، وَمَا لا يُطِيقُونَ. وَكَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلا٦، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلا
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٦، نهاية السول ١/ ١٨٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ١/ ٢٠٧، فواتح الرحموت ١/ ١٢٥، ١٢٦. ٢ يقول التفتازاني: "فحاصلة أن المستحيل هو الخارجي، وليس الذهني، وهو ظاهر، والمتصور هو الذهني لأنه الحاصل في العقل، فليس المتسحيل هو المتصور. "حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ٩" وانظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، ١٠، إرشاد الفحول ص٩. ٣ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٦، الموافقات ٢/ ٧٦، فواتح الرحموت ١/ ١٢٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١١، شرح تنقيح الفصول ص١٤٣، تيسير التحرير ٢/ ١٣٧، ١٣٩، المسودة ص٧٩، إرشاد الفحول ص٩. ٤ انظر: المسودة ص٧٩. ٥ وهو قول الإمام فخر الدين الرازي. "المراجع السابقة هـ ٢، ٣". ٦ هو إبراهم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقُلا، أبو إسحاق البراز، كان جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع، شيخ الحنابلة في وقته، وهو تلميذ أبي بكر عبد العزيز، وكان له حلقتان في بغداد، توفي سنة ٣٦٩هـ عن ٥٤ سنة. "انظر: المنهج الأحمد ٢/ ٦٤، شذرات الذهب ٣/ ٦٨، طبقات الحنابلة ٢/ ١٢٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص٢٠٦، المطلع على أبواب المقنع ص٤٢٩".
[ ١ / ٤٨٩ ]
يَسْتَطِيعُونَ﴾ ١.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ عَادَةً، قِيلَ: إنَّهُ وَاقِعٌ. وَقِيلَ: لَمْ يَقَعْ٢.
"وَلا" يَصِحُّ التَّكْلِيفُ "بِغَيْرِ فِعْلٍ"٣.
"وَشُرِطَ" لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ٤ "عِلْمُ مُكَلَّفٍ حَقِيقَتَهُ٥" أَيْ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ الَّذِي كُلِّفَ بِهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إلَيْهِ، لِعَدَمِ تَصَوُّرِ قَصْدِ مَا لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ، وَإِذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ قَصْدُهُ إلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وُجُودُهُ مِنْهُ، لأَنَّ تَوَجُّهَ الْقَصْدِ إلَى الْفِعْلِ مِنْ لَوَازِمِ إيجَادِهِ. فَإِذَا انْتَفَى اللاَّزِمُ - وَهُوَ الْقَصْدُ- انْتَفَى الْمَلْزُومُ، وَهُوَ الإِيجَادُ٦.
_________________
(١) ١ الآية ٤٢ من القلم. ٢ انظر: نهاية السول ١/ ١٨٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١١، فواتح الرحموت ١/ ١٢٣. ٣ وضع علماء الأصول قاعدة أصولية وهي: "لاتكليف إلا بفعل". "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٣، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٧، المستصفى ١/ ٩٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢١٣، فواتح الرحموت ١/ ١٣٢، تيسير التحرير ٢/ ١٣٥، المسودة ص٨٠، مختصر الطوفي ص١٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩". ٤ يشترط في التكليف شروط، بعضها يتعلق بالمكلف به، وهو الفعل المحكوم به، وبعضها يتعلق بالمكلف المحكوم عليه، وقد شرع المصنف بشروط الفعل، وسبق له بيان أحد شروطه "ص ٤٨٤": وهو أن يكون الفعل ممكنًا، ثم ذكر شروط المكلف فيما بعد، "انظر: الروضة ص٢٦، مختصر الطوفي ص١١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨". ٥ في ز: حقيقة. ٦ انظر: المستصفى ١/ ٨٦، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٥، القواعد والفوائد الأصولية ص٥٧-٥٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨.
[ ١ / ٤٩٠ ]
"وَ" مِنْ شَرْطِهِ أَيْضًا: أَنْ١ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ "أَنَّهُ" أَيْ الْفِعْلُ "مَأْمُورٌ بِهِ، وَ" أَنَّهُ "مِنْ اللَّهِ تَعَالَى" وَإِلاَّ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالامْتِثَالِ بِفِعْلِهِ٢.
وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ قَصْدُ الطَّاعَةِ "فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُهُ" أَيْ مُجَرَّدُ حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الامْتِثَالِ بِفِعْلِهِ٣. لِقَوْلِهِ ﷺ: "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤.
"وَمُتَعَلِّقُهُ" أَيْ: مُتَعَلِّقُ الْمَأْمُورِ بِهِ "فِي نَهْيٍ"٥، نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ٦، "كَفُّ النَّفْسِ٧" عِنْدَ الأَكْثَرِ،
_________________
(١) ١ في ز: أنه. ٢ انظر: المستصفى ١/ ٨٦، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٩٥. ٣ أضاف الغزالي شرطًا في الفعل المحكوم به، وهو: أن يكون الفعلُ معدومًا، إذ إيجاد الموجود محال، وتبعه ابن قدامة والطوفي فيه، كما أضاف الغزالي شرطًا آخر، وهو: أن يكون الفعل مكتسبًا للعبد حاصلًا باختياره. "انظر: المستصفى ١/ ٨٦، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٥، نهاية السول ١/ ١٧٢، فواتح الرحموت ١/ ١٣٢، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٦". ٤ هذا طرف من حديث مشهور رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد وغيرهم، عن عمر ابن الخطاب رصي الله عنه مرفوعًا، والحديث مجمع على صحته، وهو أحمد الأحاديث التي عليها مدار الدين، والغرض أن ذات العمل الخالي عن النية موجود، والمراد نفي أحكامها كالصحة والفضيلة. "انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ١/ ٦، صحيح مسلم ٣/ ١٥١٥، سنن أبي داود ١/ ٥١٠، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٥/ ٢٨٣، سنن النسائي ١/ ٥٠، سنن ابن ماجة ٢/ ١٤١٢، كشف الخفا ١/ ١١، فيض القدير ١/ ٣٠، جامع العلوم والحكم ص٥، مسند أحمد ١/ ٢٥". وفي ع ب: بالنية، ورواية الحديث وردت باللفظين. ٥ إن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلًا، وبما أن التكليف في الأمر ظاهر، لأن مقتصاه إيجاد فعل مأمور به كالصلاة والصيام، فتركه المصنف، وشرع في متعلق التكليف في النهي. "انظر: المستصفى ١/ ٩٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٣، مختصر الطوفي ص١٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩". ٦ الآية ١٥١ من الأنعام. ٧ إن كف النفس عن المنهي عنه فعل، والتكليف في المنهي عنه تكليف بفعل إذن. "انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢١٤، تيسير التحرير ٢/ ١٣٥، الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٧، مختصر الطوفي ص١٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩".
[ ١ / ٤٩١ ]
وَهُوَ الأَصَحُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ١.
وَقِيلَ: ٢ مَعْنَاهُ: فِعْلٌ ٢ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَنُسِبَ إلَى الْجُمْهُورِ٣.
قَالَ الْكُورَانِيُّ: هَذَا عَيْنُ الأَوَّلِ، إذْ كَفُّ النَّفْسِ مِنْ جُزْئِيَّاتِ فِعْلِ الضِّدِّ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ فِي "الرَّوْضَةِ": "وَقِيلَ: لا يَقْتَضِي الْكَفَّ إلاَّ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ، فَيُثَابَ عَلَيْهِ، لا عَلَى التَّرْكِ"٤.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَابْنِ أَبِي الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ٥ وَغَيْرِهِمْ. قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ: التَّرْكُ فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلٌ، لأَنَّهُ ضِدُّ الْحَالِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا٦.
_________________
(١) ١ انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٣٥، المسودة ص٨٠، الروضة ص٢٩، مختصر الطوفي ص١٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩. ٢ ساقطة من ز ع ب، وفي ض: فعل. ٣ انظر: المستصفى ١/ ٩٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٢١٥، المسودة ص٨٠، الروضة ص٢٩، مختصر الطوفي ص١٧، التمهيد ص٢٠. ٤ الروضة ص٢٩، وانظر: المستصفى ١/ ٩٠، المسودة ص٨٠. ٥ هو عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي، شيخ الإسلام، أبو القاسم، المعروف بابن الحنبلي، الفقيه الواعظ المفسر، له مصنفات في الفقه والأصول، منها: "المنتخب" في الفقه، و"المفردات" و"البرهان" في أصول الدين، و"الرسالة في الرد على الأشعرية"، كان شيخ الحنابلة بالشام في وقته، وهو ابن شيخ الإسلام أبي الفرج المقدسي الزاهد، توفي سنة ٥٣٦هـ بدمشق. "انظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٩٨، طبقات المفسرين ١/ ٣٦٢، شذرات الذهب ٤/ ١١٣". ٦ انظر: المسودة ص٨٠.
[ ١ / ٤٩٢ ]
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَوَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ: أَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ بِنَفْيِ الْفِعْلِ لَكَانَ مُسْتَدْعًى حُصُولُهُ مِنْهُ، وَلا يُتَصَوَّرُ، لأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ، لأَنَّهُ نَفْيٌ مَحْضٌ، وَرَدَّهُ أَبُو هَاشِمٍ فَقَالَ: بَلْ هُوَ مَقْدُورٌ١، وَلِهَذَا يُمْدَحُ بِتَرْكِ الزِّنَا، وَرَدُّوهُ بِأَنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ مُسْتَمِرٌّ فَلَمْ تُؤَثِّرْ الْقُدْرَةُ فِيهِ٢.
"وَيَصِحُّ" التَّكْلِيفُ "بِهِ" أَيْ بِالْفِعْلِ "حَقِيقَةً" أَيْ عَلَى الْحَقِيقَةِ لا الْمَجَازِ "قَبْلَ حُدُوثِهِ" أَيْ الْفِعْلِ٣.
قَالَ الآمِدِيُّ: "اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، سِوَى شُذُوذٍ مِنْ أَصْحَابِنَا"٤.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا تَقَدَّمَ الأَمْرُ عَلَى الْفِعْلِ كَانَ أَمْرًا عِنْدَنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ٥: نَقَلَ الأَكْثَرُونَ٦ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ. نَقَلَهُ
_________________
(١) ١ يقول أبو هاشم، إن متعلق التكليف في النهي: هو العدم الأصلي، لأن تارك الزانى ممدوح حتى مع الغفلة عن ضدية ترك الزنا، وردَّ عليه بأن المدح إنما يكون عن كف النفس عن المعصية. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٧، تيسير التحرير ٢/ ١٣٥، التمهيد ص٢٠، مختصر الطوفي ص١٧". ٢ انظر: الإحكام، الآمدمي ١/ ١٤٧، المستصفى ١/ ٩٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤. ٣ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤، فواتح الرحموت ١/ ١٣٤، تيسير التحرير ٢/ ١٤١، المسودة ص٥٥، إرشاد الفحول ص١٠. ٤ الإحكام، له ١/ ١٤٨. ٥ هو عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين، البغدادي، أبو محمد، الفقيه المالكي الأصولي الشاعر، الأديب العابد الزاهد، تولى القضاء بالعراق ومصر، له مؤلفات في الفقه، منها: "المعونة في شرح الرسالة" و"النصرة لمذهب مالك" مائة جزء، و"الإشراف على مسائل الخلاف"، و"شرح المدونة"، وله مؤلفات في الأصول منها: "أوائل الأدلة" و"الإفادة" و"التلخيص" و"التلقين"، وله "عين المسائل" توفي سنة ٤٢٢ هـ بمصر "انظر: الديباج المذهب ٢/ ٢٦، وفيات الأعيان ٢/ ٣٨٧، شذرات الذهب ٣/ ٢٢٣، الفتح المبين ١/ ٢٣٠، فوات الوفيات ٢/ ٤٤". ٦ في ع: أكثرون.
[ ١ / ٤٩٣ ]
بْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.
وَقِيلَ: أَمْرُ إعْلامٍ وَإِيذَانٍ لا حَقِيقَةٌ١، وَضَعَّفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْبُرْهَانِ" بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِ الأَشْعَرِيِّ بِمَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَأَنَّهُ لا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ عَاقِلٌ٢.
وَقَالَ قَوْمٌ، مِنْهُمْ الإِمَامُ الرَّازِيّ: لا يَتَوَجَّهُ الأَمْرُ بِأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ إلْزَامًا إلاَّ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ لَهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ التَّحْقِيقُ، إذْ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِ إلاَّ حِينَئِذٍ٣. وَمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِصْيَانِ بِتَرْكِهِ؟
فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمَلامَ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ ذَلِكَ الْكَفُّ عَنْهُ٤.
وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الأَخِيرِ. تَقْدِيرُهُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِهِ يُؤَدِّي إلَى سَلْبِ التَّكَالِيفِ. فَإِنَّهُ يَقُولُ: لا أَفْعَلُ حَتَّى أُكَلَّفَ. وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لا يُكَلَّفُ حَتَّى يَفْعَلَ٥.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ مُتَلَبِّسٌ بِالتَّرْكِ، وَهُوَ فِعْلٌ فَإِنْ٦ كَفَّ النَّفْسَ عَنْ الْفِعْلِ فَقَدْ بَاشَرَ التَّرْكَ. فَتَوَجَّهَ إلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِتَرْكِ التَّرْكِ حَالَةَ
_________________
(١) ١ انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٤٧. ٢ انظر: المحلي علىجمع الجوامع ١/ ٢١٧، فوتح الرحموت ١/ ١٣٤، نهاية السول ١/ ١٧٨، تيسير التحرير ٢/ ١٤٢. ٣ وهذا ما أيده البيضاوي في "المنهاج"، والسبكي في "جمع الجوامع"، لكن الإسنوي رده وضعفه، كما ضعفه البناني. "انظر: نهاية السول ١/ ١٧٥، المحلي على جمع الجوامع وحاسية البناين عليه ١/ ٢١٧، مناهج العقول ١/ ١٧٥". ٤ انظر: المحلي علىجمع الجوامع ١/ ٢١٧-٢١٨. ٥ انظر: نهاية السول ١/ ١٧٧. ٦ في ع ب: فإنه.
[ ١ / ٤٩٤ ]
مُبَاشَرَتِهِ لِلتَّرْكِ. وَذَلِكَ بِالْفِعْلِ وَصَارَ الْمَلامُ عَلَى ذَلِكَ١. وَهَذَا جَوَابٌ نَفِيسٌ أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ مَا لا يُطَاقُ.
"وَلا يَنْقَطِعُ" التَّكْلِيفُ "بِهِ" أَيْ بِحُدُوثِ الْفِعْلِ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ وَالأَكْثَرِ٢؛ لأَنَّ الْفِعْلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، وَكُلُّ مَقْدُورٍ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ، وَالتَّكْلِيفُ هُنَا تَعَلَّقَ بِمَجْمُوعِ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، لا٣ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. فَلا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ إلاَّ بِتَمَامِ الْفِعْلِ، وَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِإِيجَادِ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ لا بِإِيجَادِ مَا قَدْ وُجِدَ، فَلا تَكْلِيفَ بِإِيجَادِ مَوْجُودٍ فَلا مُحَالَ٤.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الأَمْرِ بِالْفِعْلِ الْمَوْجُودِ، وَالأَصَحُّ عَدَمُهَا٥.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ"، وَتَبِعَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ: "لا يَصِحُّ الأَمْرُ بِالْمَوْجُودِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ"٦. انْتَهَى.
لَكِنْ لا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ إلاَّ بِتَمَامِ الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ٧.
_________________
(١) ١ انظر: تقريرات الشربيني على حاشية البناني ١/ ٢١٨. ٢ خلافًا للمعتزلة وإمام الحرمين ومن وافقهم من الحنابلة، وقد صرح الطوفي وابن بدران بانطاع التكليف حال حدوث الفعل. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٨، تيسير التحرير ٢/ ١٤١، ١٤٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤، شرح تنقيح الفصول ص١٤٧، إرشاد الفحول ص١١، مختصر الطوفي ص١٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩". ٣ ساقطة من ض. ٤ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٨، شرح تنقيح الفصول ص١٤٧، فواتح الرحموت ١/ ١٣٤، تيسير التحرير ٢/ ١٤٢ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤، إرشاد الفحول ص١١. ٥ انظر: المسودة ص٥٧. ٦ المسودة ص٥٧. ٧ قد يتبادر للقارئ التناقض بين منع الأمر بالموجود، وبين استمرار التكليف بالفعل بعد حدوثه، والواقع أنه لا تناقض، لأن المنع منحصر في ابتداء الأمر حال الوجود، أما استمرار التكليف فيعني أن الأمر تقدم على الفعل، ويستمر هذا الأمر إلى تمام الفعل. "انظر: المسودة ص٥٦، تيسير التحرير ٢/ ١٤١، إرشاد الفحول ص١٠".
[ ١ / ٤٩٥ ]
"وَ" يَصِحُّ التَّكْلِيفُ "بِغَيْرِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ" فَيَصِحُّ بِمَا عَلِمَ آمِرٌ وَحْدَهُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ ﷾ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لا يُمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ بُلُوغِهِ حَالَ التَّمَكُّنِ عِنْدَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ. وَقَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا. فَلِهَذَا يَعْلَمُ الْمُكَلَّفُ بِالتَّكْلِيفِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ. وِفَاقًا لِلأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ٢. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: يُبْنَى٣ عَلَى النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ٤.
قَالَ بَعْضُهُمْ: تُشْبِهُهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ رَفْعُ الْحُكْمَ بِخِطَابٍ. وَهَذَا بِتَعْجِيزٍ. وَنَبَّهَ٥ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَيْهِ.
وَنَفَى ذَلِكَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْمُعْتَزِلَةُ٦.
وَزَعَمَ غُلاةُ الْقَدَرِيَّةِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ كَمَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ٧، وَعَمْرِو بْنِ
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٥، نهاية السول ١/ ١٨٠، المحلي على ابن الحاجب وحاشية البناني عليه ١/ ٢١٨، فواتح الرحموت ١/ ١٥١، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٩، إرشاد الفحول ص١٠، المسودة ص٥٢، ٥٤. ٢ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٥، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٠، المسودة ص٥٢. ٣ في ز ع: بنيني. ٤ وعبارة الموفق: "ولا يبعد النسخ قبل المتمكن من الامتثال" "الروصة ص٢٨"، وانظر: المسودة ص٥٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٠، الإحكام، ابن حزم ١/ ٤٧٢-٤٧٤، بينما قال المعتزلة: "لا يجوز نسخ الشيء قبل وقته" "المعتمد ١/ ٤٠٧". ٥ في ع: وتبعه. ٦ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٩، المسودة ص٥٣. ٧ هو عبد الله بن عكيم أو عديم، تابعي، روى عن أبي ذر ومعاوية، وهو أول من تكلم بالقدر، قال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث، وكان أول من تكلم بالقدر بالبصرة، قدم المدينة فأفسد فيها أناسًا، وكان الحسن يقول: إياكم ومعبد، فإنه ضالّ مُضِلّ، قتله عبد الملك في القدر، وصلبه سنة ٨٠هـ. وقيل: بل عذبه الحجاج ثم قتله. "انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص٨٩، شذرات الذهب ١/ ٨٨، المعارف ص٦٢٥، جمهرة أنساب العرب، أبن حزم ص٤٤٥، الجرح والتعديل ٨/ ٢٠٨".
[ ١ / ٤٩٦ ]
عُبَيْدٍ١: أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ حَتَّى فَعَلُوهَا٢. وَهَذَا كُفْرٌ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى قَائِلِهِ إنْ لَمْ يَتُبْ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلافِ: الابْتِلاءُ وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي تَرِكَةِ مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ النَّهَارِ، وَكَذَا مَنْ عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ بِشُرُوعِهِ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلاةٍ وَاجِبَيْنِ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا٣ تَطْلُقُ إجْمَاعًا٤.
وَجْهُ الصِّحَّةِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ التَّكْلِيفُ لَمْ يَعْصَ أَحَدٌ، لأَنَّ شَرْطَ الْفِعْلِ إرَادَةُ اللَّهِ ﷾ إيَّاهُ، لاسْتِحَالَةِ تَخَلُّفِ الْمُرَادِ عَنْ إرَادَتِهِ تَعَالَى، فَإِذَا تَرَكَهُ ٥ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ ٥ لا يُرِيدُهُ، وَأَنَّ الْعَاصِيَ لا يُرِيدُهُ.
قَالَ الْمُخَالِفُ: لَوْ جَازَ التَّكْلِيفُ مَعَ عِلْمِ الآمِرِ انْتِفَاءَ٦ شَرْطِ وُقُوعِهِ لَجَازَ
_________________
(١) ١ هو عمر بن عبيد بن باب، أبو عثمان، من أهل البصرة، وأصله من كابل، كان متكلمًا زاهدًا مشهورًا، وهو من جلة أصحاب الحسن، كان متعبدًا، وكان شيخ المعتزلة في وقته مع واصل بن عطاء، له رسائل وخطب، وكتاب في التفسير عن الحسن البصري، والرد على القدرية، وكلام كثير في العدل والتوحيد، توفي سنة ١٤٤هـ، وهو راجع إلى مكة. "انظر: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص٦٨، طبقات المعتزلة ص٣٥، وفيات الأعيان ٣/ ١٣٠". ٢ انظر: المسودة ص٥٤، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٩. ٣ في ز: فإنه. ٤ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٧، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٩، المسودة ص٥٣، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٧. ٥ في ز ع ب: علم الله أنه. ٦ في ع: انتفى.
[ ١ / ٤٩٧ ]
مَعَ عِلْمِ الْمَأْمُورِ بِذَلِكَ، اعْتِبَارًا بِالأَمْرِ، وَالْجَامِعُ: الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْحُصُولِ١.
رُدَّ بِأَنَّ هَذَا يَمْتَنِعُ امْتِثَالُهُ، فَلا يَعْزِمُ وَلا٢ يُطِيعُ وَلا يَعْصِي وَلا ابْتِلاءَ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا٣. وَقَدْ قَطَعَ الأُصُولِيُّونَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَكْلِيفِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ٤.
"وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ أَمْرٍ بِاخْتِيَارِ مُكَلَّفٍ فِي وُجُوبِ وَعَدَمِهِ" ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ٥.
وَقِيلَ: لا.
لَفْظُ ابْنِ عَقِيلٍ: يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الأَمْرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مُعَلَّقًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلٍ أَوْ بِتَرْكٍ مُفَوَّضًا٦ إلَى اخْتِيَارِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، مَعَ كَوْنِهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ٧.
"لا أَمْرٍ بِمَوْجُودٍ" فَإِنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ٨.
"وَشُرِطَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "فِي مَحْكُومٍ عَلَيْهِ" وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِالْفِعْلِ "عَقْلٌ وَفَهْمُ خِطَابٍ"٩.
_________________
(١) ١ انظر: حاشية البناني ١/ ٢٢٠، فوتح الرحموت ١/ ١٥٣. ٢ في ز ب ع: فلا. ٣ انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٥٣. ٤ انظر تفصيل الموضوع في "تيسير التحرير ٢/ ٢٤٠-٢٤٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢٢٠، فوتح الرحموت ١/ ١٥١". ٥ انظر: المسودة ص٥٤. ٦ في ع: متوطا. ٧ انظر: المسودة ص٥٤. ٨ انظر: السودة ص٥٧. ٩ انظر: أصول السرخسي ٢/ ٣٤٠، المستصفى ١/ ٨٣، مناهج العقول ١/ ١٧٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥، الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٠، فواتح الرحموت ٦/ ١٤٣، ١٥٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٣، التلويح على التوضيح ٣/ ١٤٣، إرشاد الفحول ص١١، الروضة ص٢٦، مختصر الطوفي ص١١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨، القواعد والفوائد الأصولية ص١٥.
[ ١ / ٤٩٨ ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَأَحْكَامِ الْمَحْكُومِ فِيهِ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الآدَمِيُّ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَقْلُ وَفَهْمُ الْخِطَابِ، لأَنَّ التَّكْلِيفَ خِطَابٌ، وَخِطَابُ مَنْ لا عَقْلَ لَهُ وَلا فَهْمَ مُحَالٌ١، وَلأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ مَطْلُوبٌ حُصُولُهُ مِنْ الْمُكَلَّفِ طَاعَةً وَامْتِثَالًا. لأَنَّهُ مَأْمُورٌ، وَالْمَأْمُورُ يَجِبُ أَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ وَالامْتِثَالِ، وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْفَهْمِ، لأَنَّ مَنْ لا يَفْهَمُ لا يُقَالُ لَهُ: افْهَمْ، وَلا يُقَالُ لِمَنْ لَمْ٢ يَسْمَعْ: اسْمَعْ، وَلا لِمَنْ لا٣ يُبْصِرُ: أَبْصِرْ٤.
فَلا يُكَلَّفُ مُرَاهِقٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لأَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ فَهْمُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقْصُودِ٥. فَجَعَلَ الشَّارِعُ الْبُلُوغَ عَلامَةً لِظُهُورِ الْعَقْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ٦ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ - وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى٧ يَحْتَلِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يَبْلُغَ- وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ" ٨، وَلأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ ضَعِيفُ الْعَقْلِ وَالْبِنْيَةِ، وَلا بُدَّ مِنْ
_________________
(١) ١ انظر: مناهج العقول ١/ ١٧٠، المستصفى ١/ ٨٣، الروضة ص٢٦. ٢ كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: لا. ٣ في ع: لم. ٤ انظر: المستصفى ١/ ٨٣، الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٠، أصول السرخسي ٢/ ٣٤٠، فواتح الرحموت ١/ ١٥٣، المسودة ص٣٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١٥، ١٦، الروضة ص٢٦، مختصر الطوفي ص١١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨، إرشاد الفحول ص١١. ٥ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥١، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٥، المراجع السابقة. ٦ ساقطة من ز ب ع. ٧ ساقطة من ش. ٨ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم عن عائشة وعلي وعمر بألفاظ متقاربة. قال السيوطي: حديث صحيح. "انظر: سنن أبي داود ٤/ ١٩٨، سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٤/ ٦٨٥، سنن ابن ماجة ١/ ٦٥٨، المستدرك ٤/ ٣٨٩، كشف الخفا ١/ ٤٣٤، فيض القدير ٤/ ٣٥، مسند أحمد ٦/ ١٠٠".
[ ١ / ٤٩٩ ]
ضَابِطٍ يَضْبِطُ الْحَدَّ الَّذِي تَتَكَامَلُ فِيهِ بِنْيَتُهُ وَعَقْلُهُ، فَإِنَّهُ يَتَزَايَدُ تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ فَلا يَعْلَمُ بِنَفْسِهِ. وَالْبُلُوغُ ضَابِطٌ لِذَلِكَ. وَلِهَذَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَكْثَرُ الأَحْكَامِ١.
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّ الْمُرَاهِقَ مُكَلَّفٌ بِالصَّلاةِ.
وَثَالِثَةٌ: أَنَّ ابْنَ عَشْرٍ مُكَلَّفٌ بِهَا.
وَرَابِعَةٌ: أَنَّ الْمُمَيِّزَ مُكَلَّفٌ بِالصَّوْمِ٢.
وَ"لا" يُشْتَرَطُ فِي مَحْكُومٍ عَلَيْهِ "حُصُولُ شَرْطٍ شَرْعِيٍّ" لِصِحَّةِ الْفِعْلِ. كَاشْتِرَاطِ الإِسْلامِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَالطَّهَارَةِ: لِصِحَّةِ الصَّلاةِ٣.
"وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ" أَيْ بِفُرُوعِ٤ الإِسْلامِ٥. كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥١، المستصفى ١/ ٨٤، فوتح الرحموت ١/ ١٥٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٨، التوضيح على التنقيح ٣/ ١٥٠، أصول السرخسي ٢/ ٣٤١، إرشاد الفحول ص١١. ٢ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٦، ١٧، الروضة ص٢٦، مختصر الطوفي ص١٢، وانظر أحكام الصغر المميز في" أصول السرخسي ٢/٣٤١وما بعدها، تسير التحرير ٢/ ٢٤٨وما بعدها، ٢/٢٥٥، الا شباه والنظائر، ابن نجيم ص٣٠٦". ٣ انظر: المستصفى ١/ ٩١، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢، الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٤، إرشاد الفحول ص١٠، مختصر الطوفي ص١٤. ٤ في ب: فروع. ٥ هذه المسألة فرع ومثال للشرط السابق، وهو حصول الشرط الشرعي، وهل هو شرط بصحة التكليف أم لا؟ "انظر: التمهيد ص٢٨، نهاية السول ١/ ١٩٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢١١" ويرى الشاطبي أن الإيمان ليس شرطًا للعبادة والتكليف، بل هو العمدة في التكليف، لأن معنى العبادة هو التوجه إلى المعبود بالخضوع والتعظيم بالقلب والجوارح، وهذا فرع الإيمان، فكيف يكون أصل الشيء وقاعدته شرطًا فيه؟ ! ثم يقول: وإذا توسعنا في معنى الشرط، فيكون الإيمان شرطًا عقليًا، وليس شرطًا شرعيًا، أو هو شرط في المكلف، وليس في التكليف. "الموافقات ١/ ١٨١"، وانظر: تيسير التحرير ٢/ ١٤٨-١٤٩، حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ١٢-١٣.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَالأَشْعَرِيَّةِ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ١ وَالْكَرْخِيِّ٢ وَظَاهِرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ٣ - فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ-٤.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، الإمام الكبير، المعروف بالجصاص، انتهب إليه رئاية الحنفية ببغداد، قال الخطيب: "كان إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، وكان مشهورًا بالزهد والدين والورع"، له مصنفات كثيرة، منها: "أحكام القرآن" و"شرح الجامع" لمحمد بن الحسن، و"شرح مختصر الكرخي" و"شرح مختصر الطحاوي" و"شرح الأسماء الحسنى"، وله كتاب مفيد في أصول الفقه، وكتاب "جوابات المسائل"، و"المناسك"، توفي سنة ٣٧٠هـ ببغداد. "انظر: شذرات الذهب ٣/ ٧١، الجوهر المضيئة ١/ ٨٤، الطبقات السنية ١/ ٣٨٠، الفوائد البهية ص٢٧، تاج التراجم ص٦، طبقات المفسرين ١/ ٥٥". ٢ هو عبد الله بن الحسن بن دلال بن دلهم، أبو الحسن الكرخي الحنفي، كان زاهدًا ورعًا صبورًا على العسر، صوامًا قوامًا، وصل إلى طبقة المجتهدين، وكان شيخ الحنفية بالعراق، له مؤلفات منها: "المختصر"، و"شرح الجامع الكبير" و"شرح الجامع الصغير" و"رسالة في الأصول"، توفي سنة ٣٤٠هـ ببغداد وعاش ثمانين سنة. "انظر: الفوائد البهية ص١٠٨، تاج التراجم ص٣٩، شذرات الذهب ٢/ ٣٥٨، التفح المبين ١/ ١٨٦". ٣ انظر: المستصفى ١/ ٩١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢، شرح تنقيح الفصول ص١٦٢، نهاية السول ١/ ١٩٤، كشف الأسرار ٤/ ٢٤٣، فواتح الرحموت ١/ ١٢٨، تيسير التحرير ٢/ ١٤٨، الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٣٢٥، تخريج الفروع على الأصول ص٣٥، الأشباه والنظائر، للسيوطي ص٢٥٣، القواعد والفوائد الأصولية ص٤٩، التمهيد ص٢٨، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨. ٤ هو سليمان بن خلف بن سعد، التجيبي، أبو الوليد الباجي، القرطبي المالكي، أحد الأئمة الأعلام في الحديث والفقه والمناظرة والأصول، ولي القضاء في الأندلس، وكان صالحًا ورعًا مخلصًا، له مؤلفات كثيرة، منها: "المنتقى" شرح الموطأ، و"الإشارات" في أصول الفقه، و"الحدود في الأصول" و"إحكام الفصول في أحكام الأصول" و"الناسخ والمنسوخ" توفي في الرباط سنة ٤٧٤هـ. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ١/ ٢٧٧، تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٧٨، وفيات الأعيان ١/ ٢١٥، طبقات المفسرين ١/ ٢٠٢، شذرات الذهب ٣/ ٣٤٤، وفيات الأعيان ٢/ ١٤٢، فوات الوفيات ١/ ٣٥٦، الفتح المبين ١/ ٢٥٢، طبقات الحفاظ ص٤٤٠".
[ ١ / ٥٠١ ]
وَذَلِكَ لِوُرُودِ الآيَاتِ الشَّامِلَةِ لَهُمْ، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ ١، ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ٢، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ ٤، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٥، ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ٦، ﴿يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٧.
"كَـ" ـمَا أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ "بِالإِيمَانِ" وَالإِسْلامِ إجْمَاعًا لإِمْكَانِ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الإِيمَانُ٨.
وَأَيْضًا: فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ ٩، أَيْ: فَوْقَ عَذَابِ الْكُفْرِ. وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى بَقِيَّةِ عِبَادَاتِ الشَّرْعِ١٠.
وَاحْتَجَّ فِي "الْعُدَّةِ"١١ وَ"التَّمْهِيدِ" بِأَنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِالإِيمَانِ، وَهُوَ: شَرْطُ الْعِبَادَةِ وَمَنْ خُوطِبَ بِالشَّرْطِ كَالطَّهَارَةِ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلاةِ، وَكَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِخِطَابِهِ١٢ بِصِدْقِ الرُّسُلِ، وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ
_________________
(١) ١ الآية ٢١ من البقرة. ٢ الآية ١٦ من الزمر. ٣ الآية ٤٣ من البقرة. ٤ الآية ١٨٣ من البقرة، وهذه الآية خارجة عن محل النزاع، ولا يصح الاستشهاد بها على مخاطبة الكفار، لأن مطلعها خطاب للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ . ٥ الآية ٩٧ من آل عمران. ٦ الآية ٣١ من الأعراف. ٧ الآية ٢ من الحشر، وفي ب ض زيادة: "يا أولي الألباب". ٨ انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٦٢، والمراجع السابقة في الصفحة ٥٠١ هامش ٣. ٩ الآية ٨٨ من النحل. ١٠ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٥ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ١٣١. ١١ في ش ز ب ض: العمدة، وهو تصحيف. ١٢ أي خطاب الله للكافر.
[ ١ / ٥٠٢ ]
تَعَالَى، وَهِيَ عَلَى النَّظَرِ، وَأَنَّ هَذَا لِقُوَّتِهِ مُفْسِدٌ لِكُلِّ شُبْهَةٍ لِلْخَصْمِ١.
"وَالْفَائِدَةُ" أَيْ فَائِدَةُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإِسْلامِ "كَثْرَةُ عِقَابِهِمْ فِي الآخِرَةِ" لا الْمُطَالَبَةُ بِفِعْلِ الْفُرُوعِ فِي الدُّنْيَا، وَلا قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهَا٢.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُهَذَّبِ": اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ الأَصْلِيَّ لا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَغَيْرُهَا مِنْ فُرُوعِ الإِسْلامِ، وَالصَّحِيحُ فِي كُتُبِ الأُصُولِ: أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ، كَمَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِأَصْلِ الإِيمَانِ ، قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ٣ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ، لأَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ غَيْرُ الْمُرَادِ هُنَا، فَالْمُرَادُ هُنَاكَ: أَنَّهُمْ لا يُطَالَبُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ كُفْرِهِمْ، وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْمَاضِي، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعِقَابِ٤ الآخِرَةِ. وَمُرَادُهُمْ فِي كُتُبِ الأُصُولِ: أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا فِي الآخِرَةِ زِيَادَةً عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ. فَيُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْكُفْرِ جَمِيعًا، لا عَلَى الْكُفْرِ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا. فَذَكَرُوا فِي الأُصُولِ حُكْمَ طَرَفٍ، وَفِي الْفُرُوعِ حُكْمَ الطَّرَفِ الآخَرِ٥. انْتَهَى.
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُخَاطَبِينَ٦.
_________________
(١) ١ انظر: الروضة ص٢٨، القواعد والفوائد الأصولية ص٥٠، نهاية السول ١/ ١٩٤. ٢ في ب ش ض: منهما في الآخرة. وانظر: كشف الأسرار ٤/ ٢٤٣، نهاية السول ١/ ١٩٧، شرح تنقيح الفصول ص١٦٥، فواتح الرحموت ١/ ١٢٦، القواعد والفوائد الأصولية ص٥٠، إرشاد الفحول ص١٠، الروضة ص٢٨، مختصر الطوفي ص١٤. ٣ كذا في المجموع شرح المهذب، وساقطة من النسخ. ٤ في ش: الخطاب. ٥ المجموع شرح المهذب ٣/ ٤، وانظر نفس المرجع ٤/ ٣٢٨. ٦ وهو المشهور عن أكثر الحنفية أيضًا، وهو قول الشافعي اختاره أبو حامد الاسفراييني والرازي =
[ ١ / ٥٠٣ ]
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالنَّوَاهِي دُونَ الأَوَامِرِ١.
وَقِيلَ: إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِمَا سِوَى الْجِهَادِ٢.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ٣ أَيْضًا: أَنَّ مِنْ فَوَائِدِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ: تَيْسِيرُ الإِسْلامِ عَلَى الْكَافِرِ، وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ، وَالْحُكْمُ بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ بِفِعْلِ الْخَيْرِ وَتَرْكِ الشَّرِّ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا أَوْ٤ بِفِعْلِهَا٥.
"وَمُلْتَزِمُهُمْ" أَيْ وَالْمُلْتَزِمُ مِنْ الْكُفَّارِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ الْحَرْبِيِّ حُكْمُهُ "فِي إتْلافٍ" لِمَالِ غَيْرِهِ "وَجِنَايَةٍ" عَلَى آدَمِيٍّ وَ٦ بَهِيمَةٍ "وَتَرَتُّبِ أَثَرِ عَقْدِ" مُعَاوَضَةٍ وَغَيْرِهِ "كَمُسْلِمٍ" لَكِنَّ هَذِهِ الأَحْكَامَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، بَلْ هُمْ أَوْلَى مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي الضَّمَانِ
_________________
(١) = من الشافعية وأبو زيد والسرخسي من الحنفية. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٢٨، تيسير التحرير ٢/ ١٤٨، الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٣٢٥، كشف الأسرار ٤/ ٢٤٣، نهاية السول ١/ ١٩٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢، شرح تنقيح الفصول ص١٦٣، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٢، التمهيد ص٢٨، الأشباه والنظائر، للسيوطي ص٢٥٣، الروضة ص٢٧، مختصر الطوفي ص٢٤، القواعد والفوائد الأصولية ص٤٩، الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٤، إرشاد الفحول ص١٠، المستصفى ١/ ٩١". ١ انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٦٣، المحلي وحاشية البناني ١/ ٢١٢، نهاية السول ١/ ١٩٥، التمهيد ص٢٨، الروضة ص٢٧، مختصر الطوفي ص١٤، ارشاد الفحول ص١٠. ٢ وهناك قول خامس أن المرتد مكلف دون الكافر الأصلي، حكاه القرافي عن القاضي عبد الوهاب في "الملخص". "انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٦٦، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٢، التمهيد ص٢٨، نهاية السول ١/ ١٩٥، القواعد والفوائد الأصولية ص٥٠". ٣ وهو القرافي في كتبه "انظر: شرح تنقيح الفصول ص١٦٥ وما بعدها". ٤ في ع ب: و. ٥ انظر: نهاية السول ١/ ١٩٧، شرح تنقيح الفصول ص١٦٥، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١١، القواعد والفوائد الأصولية ص٥٠ وما بعدها". ٦ في ب ع ض: أو.
[ ١ / ٥٠٤ ]
بِالإِتْلافِ وَالْجِنَايَةِ١.
وَلا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشُّرُوطِ فِي مُعَامَلاتِهِمْ، وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَالْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا أَوْ فَسَادِهَا وَتَرَتُّبِ آثَارِ كُلٍّ عَلَيْهِ، مِنْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَطَلاقٍ وَغَيْرِهَا. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ: بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ بِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ٢.
"وَيُكَلَّفُ" الْعَاقِلُ "مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ" وَهُوَ مَا إذَا اسْتَعْمَلَ مَا يُسْكِرُهُ مُخْتَارًا عَالِمًا بِأَنَّهُ يُسْكِرُ٣.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ٤ عَبْدِ اللَّهِ: السَّكْرَانُ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ٥. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ هَانِئٍ٦: أَنَّ٧ السَّكْرَانَ لَيْسَ
_________________
(١) ١ قال الإسنوي: لا يشترط التكليف في خطاب الوضع، كجعل الإتلاف موجبًا للضمان، ونحو ذلك، ولهذا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون والضمان بفعلهما، وفعل الساهي والبهيمة "التنهيد ص٢٥"، وانظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٦٦. ٢ اختلف العلماء في أنكحة الكفار على ثلاثة أقوالٍ، أصحها: أنها صحيحة، والثاني: فاسدة والثالث: إن اجتمعت شرائط المسلمين كانت صحيحة، وإلا ففاسدة. "انظر: التمهيد ص٣٠، القواعد والفوائد الأصولية ص٥٥، الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٣٢٥، ٣٧٥". ٣ وهو رأي الحنفية،، "انظر: التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٠٥، المسودة ص٣٥، الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٣١١". ٤ ساقطة من ز ع ب. ٥ انظر: القواعد والفوئد الأصولية ص٣٧، المسودة ص٣٧. ٦ هو أحمد بن محمد بن هانئ، أبو بكر الطائي، ويقال الكلبي، الأثرم، الإسكافي، كان جليل القدر، حافظًا، إمامًا، كثير الرواية عن الإمام أحمد، قال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، وقال إبراهيم الأصفهاني: هو أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن، له كتاب "العلل"، اختلف في تاريخ وفاته، والغالب بعد سنة ٢٦٠ هـ، قال ابن حجر ٢٦١٩هـ، وقال الحافظ العراقي: توفي سنة ٢٧٣هـ. "انظر: طبقات الحنابلة ١/ ٦٦، المنهج الأحمد ١/ ٢٠٦، شذرات الذهب ٢/ ١٤١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٢٠٥، طبقات الحفاظ ص٢٥٦، الخلاصة ص١٢، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٠". ٧ ساقطة من ع ب.
[ ١ / ٥٠٥ ]
بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ، ١ فَلا يَسْقُطَ ١ عَنْهُ مَا صَنَعَ٢ وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ٣: لَيْسَ السَّكْرَانُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ عَنْهُ الْقَلَمُ، هَذَا جِنَايَتُهُ مِنْ نَفْسِهِ٤.
وَحَكَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَجَدْت السَّكْرَانَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ٥. وَنَصَّ عَلَيْهِ ٦ فِي الأُمِّ ٦ أَيْضًا٧. فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصَّاحِي فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ٨.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: * أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ٩.
_________________
(١) ١ كذا في القواعد والفوائد الأصولية، وفي ش ز ض ب: فيسقط. ٢ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧، المسودة ص٣٧. ٣ هو حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، له "تاريخ" حسن، وله عن أحمد "سؤالات" يأتي فيها بغرائب ويخالف رفاقه، وسمع المسند كاملًا من الإمام أحمد، وكان ثقة ثبتًا، توفي بواسط سنة ٢٧٣هـ. "انظر: شذرات الذهب ٢/ ١٦٢، طبقات الحنابلة ١/ ١٤٣، المنهج الأحمد ١/ ١٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص٢٠٧، طبقات الحفاظ ص٢٦٨، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٠٠". ٤ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ٢/ ٦٠٠". ٥ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧، نهاية السول ١/ ١٧١. ٦ في ش: الإمام. ٧ الأم، للشافعي ٥/ ٢٥٣. ٨ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٣٧، ٣٨، ٣٩، المسودة ص٣٥، التمهيد ص٣٥، وهو رأي الحنفية. "انظر: كشف الأسرار ٤/ ٣٥٣، فواتح الرحموت ١/ ١٤٥". ٩ هذه الرواية اقتصر عليها ابن بدران فقال: "ولا يكلف النائم والناسي والسكران الذي لا يعقل. "المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨" وهو رأي ابن قدامة في "الروضة ص٢٧" والطوفي في "مختصره ص١٢"، وهو رأي الغزالي والجويني والمعتزلة وأكثر المتكلمين والآمدي وابن عقيل. "انظر: المستصفى ١/ ٨٤، القواعد والفوئد الأصولية ص٣٧، ٣٨، الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٢".
[ ١ / ٥٠٦ ]
وَعَنْهُ ثَالِثَةٌ ١: أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي أَقْوَالِهِ. وَكَالصَّاحِي فِي أَفْعَالِهِ٢.
وَعَنْهُ رَابِعَةٌ: أَنَّهُ فِي الْحُدُودِ كَالصَّاحِي، وَفِي غَيْرِهَا: كَالْمَجْنُونِ٣.
وَعَنْهُ خَامِسَةٌ: أَنَّهُ فِيمَا يَسْتَقِلُّ بِهِ. - كَقَتْلِهِ وَعِتْقِهِ وَنَحْوِهِمَا٤- كَالصَّاحِي، وَفِيمَا لا يَسْتَقِلُّ بِهِ كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَمُعَاوَضَاتِهِ كَالْمَجْنُونِ٥.
وَعَنْهُ سَادِسَةٌ: لا أَقُولُ فِي طَلاقِ السَّكْرَانِ وَعِتْقِهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ.
وَعَنْهُ سَابِعَةٌ: لا تَصِحُّ رِدَّتُهُ فَقَطْ.
وَأَمَّا قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ زَمَنَ سُكْرِهِ فَلَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ إلاَّ أَبُو ثَوْرٍ٦، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَحَدُّ السَّكْرَانِ الَّذِي فِيهِ الْخِلافُ: هُوَ الَّذِي يَخْلِطُ٧ فِي كَلامِهِ وَيَسْقُطُ
_________________
(١) *١ ساقطة من ض ع. ٢ انظر: القواعد والفوائد الأصلية ص٣٨. ٣ المرجع السابق. ٤ في ز: ونحوهما. ٥ القواعد والفوائد الأصولية ص٣٨. ٦ هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور البغدادي الكلبي، كان إمامًا جليلًا، وفقيهًا ورعًا خيرًا، كان من أصحاب الرأي حتى حضر الشافعي إلى بغداد فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، وصار صاحب قول عند الشافعية، وهو ناقل الأقوال القديمة عن الشافعي، توفي في سنة ٢٤٠هـ ببغداد. "انظر: وفيات الأعيان ١/ ٧، طبقات الفقهاء ص١٠١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٧٤، البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٢، شذرات الذهب ٢/ ٩٣، طبقات الحفاظ ص٢٢٣، الخلاصة ص١٧، ميزان الاعتدال ١/ ٢٩، طبقات المفسرين ١/ ٧، طبقات الفقهاء الشافعية، العبادي ص٢٢". ٧ في ع ض ب: يختلط.
[ ١ / ٥٠٧ ]
تَمْيِيزُهُ بَيْنَ الأَعْيَانِ. وَلَوْ كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَبَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى١.
"وَيُكَلَّفُ" الْعَاقِلُ أَيْضًا مَعَ "إكْرَاهٍ وَيُبِيحُ" الإِكْرَاهُ "مَا فُتِحَ ابْتِدَاءً" أَيْ مَا قَبُحَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ. كَالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ٢.
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ: إذَا كَانَ الإِكْرَاهُ "بِضَرْبٍ أَوْ تَهْدِيدٍ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ" وَكَوْنُ الْمُكْرَهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مُكَلَّفًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٣، - خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالطُّوفِيِّ٤- لِصِحَّةِ الْفِعْلِ مِنْهُ، وَصِحَّةِ التَّرْكِ وَنِسْبَةِ الْفِعْلِ إلَيْهِ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا يَأْثَمُ الْمُكْرَهُ بِالْقَتْلِ بِلا خِلافٍ٥. قَالَهُ الْمُوَفَّقُ فِي "الْمُغْنِي"٦، مَعَ أَنَّهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلاقًا
_________________
(١) ١ انظر: الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٣١١، القواعد والفوائد الأصولية ص٣٨، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٠٧. ٢ انظر: التمهيد ص٢٨، المستصفى ١/ ٩٠، فواتح الرحموت ١/ ١٦٦، الإحكام، ابن حزم ٢/ ٧١٩، نهاية السول ١/ ١٧٤، كشف الأسرار ٤/ ٣٨٤، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٢٧، القواعد والفوائد الأصولية ص٤٧، المسودة ص٣٥. ٣ وهو الذي أكره فباشر الفعل بنفسه، وهنا زال الرضى فقط دون الاختيار، أما إذا زال الرضى والاختيار وصار كالآلة فله حكم آخر سيذكره المصنف في الصفحة التالية. "انظر: نهاية السول ١/ ١٧٤، مناهج العقول ١/ ١٧٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٧٢، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٢٧، فواتح الرحموت ١/ ١٦٦، تيسير التحرير ٢/ ٣٠٧، الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٤، المستصفى ١/ ٩٠، القواعد والفوائد الأصولية ص٣٩، التمهيد ص٢٧، الروضة ص٢٧، مختصر الطوفي ص١٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨، المسودة ص٣٥". ٤ وهو قول السبكي ومن تبعه. "انظر: جمع الجوامع وشرح المحلي وحاشية البناني ١/ ٧٣، نهاية السول ١/ ١٧٤، التمهيد ص٢٧، مختصر الطوفي ص١٢-١٣". ٥ قال السبكي والمحلي: يمتنع تكليفه حالة القتل والاكراه، وأثم القاتل لإيثاره نفسه بالبقاء على مكافئه. "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٧٤". ٦ المغني ٨/ ٢٦٧، وانظر: الروضة ص٢٧.
[ ١ / ٥٠٨ ]
بِقُدُومِ زَيْدٍ، فَقَدِمَ مُكْرَهًا: لا يَحْنَثُ، لِزَوَالِ اخْتِيَارِهِ بِالإِكْرَاهِ.
وَمَسْأَلَةُ أَفْعَالِ الْمُكْرَهِ مُخْتَلِفَةُ الْحُكْمِ فِي الْفُرُوعِ١.
قَالَ فِي"شَرْحِ التَّحْرِيرِ":وَالأَشْهَرُ عِنْدَنَا نَفْيُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَثُبُوتُهُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ. وَضَابِطُ الْمَذْهَبِ أَنَّ٢ الإِكْرَاهُ لا يُبِيحُ الأَفْعَالَ، وَإِنَّمَا يُبِيحُ الأَقْوَالَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي بَعْضِ الأَفْعَالِ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ٣.
وَ"لا" يُكَلَّفُ "مَنْ" انْتَهَى الإِكْرَاهُ إلَى سَلْبِ قُدْرَتِهِ حَتَّى صَارَ "كَآلَةٍ تُحْمَلُ"٤.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إذَا انْتَهَى الإِكْرَاهُ إلَى سَلْبِ الْقُدْرَةِ وَالاخْتِيَارِ، فَهَذَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
وَ٥ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْمُكْرَهُ كَالآلَةِ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ قِيلَ: بِاتِّفَاقٍ، لَكِنْ الآمِدِيُّ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَطْرُقُهُ الْخِلافُ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ٦ لِتَصَوُّرِ الابْتِلاءِ مِنْهُ، بِخِلافِ الْغَافِلِ، وَحِينَئِذٍ فَلا تَكْلِيفَ بِفِعْلِ الْمُلْجَأِ إلَيْهِ. لأَنَّهُ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، وَلا بِتَرْكِ الْمُلْجَأِ إلَى تَرْكِهِ، لأَنَّهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ٧.
_________________
(١) ١ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٣٩، الروض المربع ٢/ ٣٦٢، التمهيد ص٢٧، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٢٧ وما بعدها، كشف الأسرار ٤/ ٣٨٤ وما بعدها. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٣٩، التمهيد ص٢٧ وما بعدها، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٢٨. ٤ انظر: المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٧٠، نهاية السول ١/ ١٧٣، الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٤، مناهج العقول ١/ ١٧٣، التمهيد ص٢٦، مختصر الطوفي ص١٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٨، القواعد والفوائد الأصولية ص٣٩. وفي ع ز: بحمل. ٥ ساقطة من ع. ٦ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٤. ٧ انظر: تيسير التحرير ٢/ ٣٠٩.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا: تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ، وَأَمَّا مَنْ عُذِرَ بِالسُّكْرِ، كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ. فَإِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ سُكْرِهِ الْمَعْذُورِ بِهِ. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: "أَوْ عُذِرَ بِسُكْرٍ"١.
"وَ" كَذَا لا يُكَلَّفُ "آكِلٌ بَنْجًا وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَنَائِمٌ وَنَاسٍ وَمُخْطِئٌ وَمَجْنُونٌ وَغَيْرُ بَالِغٍ"٢ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى٣.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ٤ مَسَائِلَ لا يُكَلَّفُ صَاحِبُهَا عَلَى الأَصَحِّ مِنْ الْمَذْهَبِ.
- أَحَدُهَا٥: الْمَعْذُورُ بِالسُّكْرِ كَالْمُكْرَهِ، هَلْ يُكَلَّفُ أَمْ لا؟ فِيهِ خِلافٌ، وَالصَّحِيحُ٦ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ٧ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ فِي تَكْلِيفِهِ وَعَدَمِهِ٨، ثُمَّ قَالَ:
- الثَّانِيَةُ: الْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ حَالَ
_________________
(١) ١ انظر: التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٠٤، نهاية السول ١/ ١٧١. ٢ هذه الموانع التي تمنع التكليف أو تسقطه يدرسها علماء الأصول، وخاصة الحنفية، بعنوان عوارض الأهلية، ويبحثون كلًا منها على حده، وقد يجمعونها تحت عنوان "منع تكليف الغافل". "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٢، ١٥٤، المستصفى ١/ ٨٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٦٨، فوتح الرحموت ١/ ١٥٦، التوضيح على التنفيح ٣/ ١٦١، أصول السرخسي ٢/ ٣٣٨، ٣٤١، تيسير التحرير ٢/ ٢٦٤، وما بعدها، كشف الأسرار ٤/ ٢٦٢ وما بعدها، نهاية السول ١/ ١٧١، الروضة ص٢٧، مختصر الطوفي ص١٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩، القواعد والفوئد الأصولية ص١٦، ٣٠، ٣٥، ٣٧، ٣٩، المسودة ص٣٥". ٣ في ع: أو أنثى. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ش: أحدهما. ٦ في ع: والأصح. ٧ في ض ب: أن المكره في عدم التكليف. ٨ انظر: القواعد والقوائد الأصولية ص٣٩، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٠٤، كشف الأسرار ٤/ ٣٥١.
[ ١ / ٥١٠ ]
إغْمَائِهِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ السَّكْرَانِ الْمُكْرَهِ فِي عَدَمِ التَّكْلِيفِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ١، ثُمَّ قَالَ:
- الثَّالِثَةُ: آكِلُ الْبَنْجِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَكْلَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إذَا ٢ أَزَالَ الْعَقْلَ ٢ كَالْمَجْنُونِ. وَلا يَقَعُ طَلاقُ مَنْ تَنَاوَلَهُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ، لأَنَّهُ لا لَذَّةَ فِيهِ٣، ثُمَّ قَالَ:
- وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ: النَّائِمُ وَالنَّاسِي، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ حَالَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ، لأَنَّ الإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ عَلَى وَجْهِ الامْتِثَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لأَنَّ الامْتِثَالَ عِبَارَةٌ عَنْ إيقَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الطَّاعَةِ٤.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ الْمَأْمُورِ بِتَوَجُّهِ الأَمْرِ نَحْوَهُ وَبِالْفِعْلِ. فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا لِعَدَمِ الْفَهْمِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّكْرَانِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ الْمَضَارِّ وَقَصْدِ الْفِعْلِ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ، بِخِلافِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّهُمَا يَفْهَمَانِ وَيَقْصِدَانِ الْفِعْلَ عِنْدَ التَّلَطُّفِ٥ بِهِمَا، وَيَحْتَرِزَانِ مِنْ الْمَضَارِّ، بَلْ وَالْبَهِيمَةُ كَذَلِكَ، وَيُخَصُّ النَّائِمُ وَالنَّاسِي بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ النَّائِمِ
_________________
(١) ١ انظر: القواعد والقوائد الأصولية ص٣٥، التوضيح على التنقيح ٣/ ١٦٨، كشف الأسرار ٤/ ٢٨٠. ٢ في ض: زال عقله، وفي ب: زال العقل. ٣ وروي عن أبي حنيفة ﵀ أيضًا أن الرجل إذا كان عالمًا بفعل البنج فأكله يصح طلاقه وعتاقه. "انظر: التلويح على التوضيح ٣/ ٢٠٥، كشف الأسرار ٤/ ٣٥٢". ٤ انظر: التوضيح على التنقيح ٣/ ١٦٧، تيسير التحرير ٢/ ٢٦٣ وما بعدها، كشف الأسرار ٤/ ٢٧٦، ٢٧٨، نهاية السول ١/ ١٧١، تخريج الفروع على الأصول ص٣٣، الروضة ص٢٧، التمهيد ص٢٤، مختصر الطوفي ص١٢، القواعد والفوائد الأصولية ص٣٠، الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٣٠٢. ٥ في ب: التلفظ.
[ ١ / ٥١١ ]
حَتَّى يَسْتَيْقِظَ"١، وَ"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ"٢، وَأَلْحَقَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقْنِعِهِ" الْمُخْطِئَ بِهِمَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ٣، انْتَهَى.
"وَوُجُوبُ زَكَاةٍ وَ" وُجُوبُ "نَفَقَةٍ وَ" وُجُوبُ "ضَمَانِ" مُتْلَفٍ "مِنْ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ" لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِمَالِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي بِهَا يَسْتَعِدُّ لِقُوَّةِ الْفَهْمِ بَعْدَ الْحَالَةِ الَّتِي امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ مِنْ أَجْلِهَا، بِخِلافِ الْبَهِيمَةِ٤.
_________________
(١) ١ هذا طرف من حديث سبق تخريجه ص٤٩٩. ٢ رواه ابن ماجة والحاكم وابن حبان والطبراني عن ثوبان بألفاظ مختلفة، واضطربت أقوال العلماء في صحته وضعفه، قال المناوي: "رمز المصنف "السيوطي" لصحته، وهو غير صحيح، فقد تعقبه الهيثمي، وقصارى أمر الحديث أن النووي ذكر أنه حسن، ولم يسلم له ذلك، وذكر عبد لله بن أحمد في العلل أن أباه أنكره"، ورواه ابن ماجة عن ابن عباس بلفظ "إن الله وضع عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وفي زوائد ابن ماجة: إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع، ورواه ابن ماجة عن أبي ذر بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان " وفي الزوائد إسناده صعيف، لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي في سنده، بينما قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ورواه البيهقي عن ابن عمر بلفظ "وضع " وصححه، كما صححة ابن حبان، واستنكره أبو حاتم، ورواه ابن عدي من حديث أبي بكرة مرفوعًا بلفظ "رفع عن هذه الأمة ثلاثًا، الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه" وضعفه، وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ": أي إثمه، لا حكمه، إذ حكمه في الضمان لا يرتفع. "انظر: سنن ابن ماجة ١/ ٦٥٩، فيض القدير ٤/ ٣٤، ٦/ ٣٢٦، كشف الخفا ١/ ٤٣٣، تخريج أحاديث أصول البزدوي ص٨٩". ٣ وأيده الآمدي فقال: "وأما الخاطيء فغير مكلف إجماعًا، فيما هو مخطىء فيه" "الإحكام، له ١/ ١٥٤" وانظر: تيسير التحرير ٢/ ٣٠٥، التوضيح على التنقيح ٣/ ٢٢٤، كشف الأسرار ٤/ ٣٨٠، فواتح الرحموت ١/ ١٦٥. ٤ أي هذا من خطاب الوضع، وقد سبق أنه لا يشترط في خطاب الوضع التكليف بالبلوغ والعقل. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٢، التمهيد ص٢٥، شرح تنقيح الفصول ص١٤٥، المستصفى ١/ ٨٤، مناهج العقول ١/ ١٧٣، الروضة ص٢٧، مختصر الطوفي ص١٢، إرشاد الفحول ص١١".
[ ١ / ٥١٢ ]
"وَلا" يُكَلَّفُ "مَعْدُومٌ حَالَ عُدْمِهِ" إجْمَاعًا "وَيَعُمُّهُ الْخِطَابُ إذَا كُلِّفَ كَغَيْرِهِ" أَيْ كَغَيْرِ الْمَعْدُومِ مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، وَلا يَحْتَاجُ إلَى خِطَابٍ آخَرَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَحُكِيَ عَنْ الأَشْعَرِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ١.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ. وَنُسِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَجَمْعٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَعْدُومَ لا يَعُمُّهُ الْخِطَابُ مُطْلَقًا٢.
وَاسْتَدَلَّ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٣، قَالَ السَّلَفُ: مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَقَدْ أُنْذِرَ بِإِنْذَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إذَا امْتَنَعَ خِطَابُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَالْمَعْدُومُ أَجْدَرُ: ضَعِيفٌ، لأَنَّهُ فَهِمَ عَنْ الْحَنَابِلَةِ تَنْجِيزَ٥ التَّكْلِيفِ وَلَمْ يَعْلَمْ التَّعْلِيقَ. وَأَنَّ حُكْمَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَحُكْمِ الْمَعْدُومِ٦.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٣، فوتح الرحموت ١/ ١٤٧، نهاية السول ١/ ١٦٥، مناهج العقول ١/ ١٦٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٧٧، المستصفى ١/ ٨٥، تيسير التحرير ٢/ ١٣١، ٢٣٩، المسودة ص٤٤، إرشاد الفحول ص١١، منهاج السنة ٢/ ٨١. ٢ انظر: أصول السرخسي ٢/ ٣٣٤، فوتح الرحموت ١/ ١٤٦، تيسير التحرير ٢/ ١٣١، نهاية السول ١/ ١٦٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٧٨. ٣ الآية ١٩ من الأنعام. ٤ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٣، تفسير ابن كثير ٣/ ١٢، تفسير القرطبي ٦/ ٣٩٩، تفسير الخازن ٢/ ١٠٢. ٥ في ع: بتخير. ٦ إن هذا الاختلاف ثابت بالنسبة للصبي والمجنون بتقدير فهمه، بل أولى، من حيث إن المشترط في حقه الفهم فقط، وفي حق المعدوم الوجود والفهم "انظر: الإحكام، الآمدمي ١/ ١٥٣، تيسير التحرير ٢/ ١٣١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني وتقريرات الشربيني ١/ ٧٧، المستصفى ١/ ٨٥، فواتح الرحموت ١/ ١٤٨".
[ ١ / ٥١٣ ]
وَمِنْ الأَدِلَّةِ أَيْضًا: قَوْلُهُ ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١، وَكَالأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ لِمَعْدُومٍ مُتَأَهِّلٍ، وَخَيفُة٢ الْمُوصَي الْفَوْتَ٣ لا أَثَرَ لَهُ٤.
وَيَحْسُنُ لَوْمُ الْمَأْمُورِ فِي الْجُمْلَةِ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلاءِ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْ الْفِعْلِ مَعَ قُدْرَتِهِ٥ وَتَقَدُّمِ أَمْرِهِ٦.
وَلأَنَّهُ أَزَلِيٌّ، وَتَعَلُّقُهُ بِغَيْرِهِ جُزْءٌ مِنْ حَقِيقَتِهِ. وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ، وَكَلامُ الْقَدِيمِ صِفَتُهُ٧، وَإِنَّمَا تُطْلَبُ الْفَائِدَةُ فِي سَمَاعِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ إذَا وُجِدَ، وَلأَنَّ التَّابِعِينَ وَالأَئِمَّةَ لَمْ يَزَالُوا يَحْتَجُّونَ بِالأَدِلَّةِ، وَهُوَ دَلِيلُ التَّعْمِيمِ وَالأَصْلُ عَدَمُ اعْتِبَارِ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ.
قَالَ الْمُخَالِفُونَ: تَكْلِيفٌ وَلا مُكَلَّفٌ مُحَالٌ٨.
_________________
(١) ١ الآية ١٥٣ من الأنعام. ٢ في ش: خوف. ٣ في ض: الفوات. ٤ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٥٣. ٥ ساقطة من ش. ٦ هذا فرع عن تكليف المعدوم بأن ينجز التكليف عند البلوغ والقدرة، وإلا استحق اللوم، "انظر: حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ١٤، شرح تنقيح الفصول ص١٤٦". ٧ هذا الكلام جواب عن اعتراض المخالفين الذين قالوا، الأمر بالمعدوم فرع قدم الكلام بأقسامه، وأنه محال، لأنه يلزم تعدد القديم باعتبار أنواعه وأفراده، فأن المتعلق يزيد غير المتعلق بعمرو، والجواب: أن التعدد ههنا بحسب تعدد المتعلقات وأنه تعدد اعتباري لا يوجب تعددًا وجوديًا، وذلك هو المحال، ومثاله الإبصار فإنه وصف واحد، لا يتعدد في الوجود بكثرة المبصرات، إنما يتعدد تعلقه، والوصف واحد "انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٩، نهاية السول ١/ ١٦٨، مناهج العقول ١/ ١٦٨". قال القرافي: "هذه المسألة أغمض مسألة في أصول الفقه". "شرح تنقيح الفصول ص١٤٥، ١٤٦". ٨ هذا قول المعتزلة. "انظر: تيسير التحرير ٢/ ٢٣٩، نهاية السول ١/ ١٦٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥".
[ ١ / ٥١٤ ]
رُدَّ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، ثُمَّ بِالْمَنْعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْكَاتِبِ يُخَاطِبُ مَنْ يُكَاتِبُهُ بِشَرْطِ وُصُولِهِ وَيُنَادِيهِ، وَأَمْرِ الْمُوصِي وَالْوَاقِفِ حَقِيقَةٍ، لأَنَّهُ لا يَحْسُنُ نَفْيَهُ١.
قَالُوا: لا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِ نَاسٍ.
رُدَّ: بِأَنْ٢ يُقَالَ: بِشَرْطِ وُجُودِهِ.
قَالُوا: الْعَاجِزُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَهَذَا٣ أَوْلَى.
رُدَّ: بِالْمَنْعِ عِنْدَ كُلِّ قَائِلٍ بِقَوْلِنَا، بَلْ مُكَلَّفٌ بِشَرْطِ قُدْرَتِهِ وَبُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ٤. وَإِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ فِي الْحَالِ، أَوْ قَلَمُ الإِثْمِ، بِدَلِيلِ النَّائِمِ.
"وَلا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ" ﷾ "شَيْءٌ" لا "عَقْلًا وَلا شَرْعًا" عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ: مِنْهُمْ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، بَلْ يُثِيبُ الْمُطِيعَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَمَعْنَى كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ. وَلِهَذَا أَوْجَبُوا إخْرَاجَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ بِوَعْدِهِ.
وَقَالَ٦ ابْنُ الْجَوْزِيِّ٧ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
_________________
(١) ١ انظر: إرشاد الفحول ص١٢، نهاية السول ١/ ١٦٩، تقريرات الشربيني ١/ ٧٧. ٢ في ع ب: بل. ٣ في ش ز ب: فهنا. ٤ انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥. ٥ كان المصنف جاء بهذه المسألة كفرع ونتيجة على جواز التكليف للمعدوم، وجواز التكليف بالمحال عند من يقول به، من حيث أنه لا يقبح من الله شيء، ولا يجب عليه شيء. "انظر: المستصفى ١/ ٨٧". ٦ في ع ض ب: قال. ٧ هو عبد الرحمن بن علي بن محمد، جمال الدين، أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، شيخ وقته، وإمام عصره، يتصل نسبه بأبي بكر الصديق ﵁، حفظ القرآن، وكان =
[ ١ / ٥١٥ ]
الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، أَيْ وَاجِبًا أَوْجَبَهُ هُوَ٢.
وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَالَ٣ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَكْثَرُ النَّاسِ يُثْبِتُ اسْتِحْقَاقًا زَائِدًا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَعْدِ لِهَذِهِ الآيَةِ. وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ٤ ﵁: "أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ " ٥.
_________________
(١) = محدثًا مفسرًا فقيهًا أصوليًا واعظًا أدبيًا زاهدًا قارئًا، له مؤلفات كثيرة منها، "المعني" و"زاد المسير" في التفسير، و"الأذكياء" و"مناقب عمر بن خطاب" و"مناقب عمر بن عبد العزيز" و"مناقب أحمد بن حنبل" و"الموضوعات" في الحديث، و"منهاج الوصول إلى علم الأصول" وغيرها، توفي سنة ٥٩٧هـ ببغداد، انظر ترجمته في "شذرات الذهب ٤/ ٢٢٩، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٩٩، وفيات الأعيان ٢/ ٣٢١، طبقات المفسرين ١/ ٢٧٠، الفتح المبين ٢/ ٤٠، طبقات القراء ١/ ٣٧٥، طبقات الحفاظ ص٤٧٧، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٢". ١ الآية ٤٧ من الروم. ٢ زاد المسير في علم التفسير ٥/ ٣٠٨. ٣ في ع: قال. ٤ هو مُعاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمن، الصحابي الأنصاري الخزرجي، الإمام المقدم في علم الحلال والحرام، قال أبو نعيم عنه: "إمام الفقهاء، وكنز العلماء، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد" وكان أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياء وسخاء، وكان جميلًا وسيمًا، وقال عمر: "عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، ولولا معاذ لهلك عمر". أمره النبي ﷺ على اليمن ولاية القضاء، قدم من اليمن في خلافة أبي بكر، ولحق بالجهاد والجيش الإسلامي في بلاد الشام، وكانت وفاته بالطاعون سنة ١٧، أو ١٨هـ، وعاش ٣٤ سنة. "انظر: الإصابة ٣/ ٤٢٦، صفة الصفوة ١/ ٤٨٩، تهذيب الأسماء ٢/ ٩٨، شذرات الذهب ١/ ٢٩". ٥ هذا جزء من حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن معاذ مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري بشرح السندي ٢/ ١٤٦، ٤/ ١٢٩، صحيح مسلم ١/ ٥٩، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٧/ ٤٠٢، سنن ابن ماجة ٢/ ١٤٣٥".
[ ١ / ٥١٦ ]
وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: يَجِبُ عَلَيْهِ١ رِعَايَةُ الأَصْلَحِ. وَهِيَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ٢.
[انتهى المجلد الأول من شرح الكوكب المنير، ويليه المجلد الثاني وأوله: الأدلة الشرعية.]
[والحمد لله رب العالمين.]
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ انظر: رأي أهل السنة في هذه المسألة في "المسودة ص٦٣-٦٥، الإرشاد للجويني ص٢٨٧، غاية المرام، الآمدي ص٢٢٤، ٢٢٨، نهاية الاقدام ص٤٠٤ وما بعدها".
[ ١ / ٥١٧ ]