فَصْلٌ:
"شُرِطَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ١ ﵁ وَالأَكْثَرِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ "ذِكْرُ سَبَبِ جَرْحٍ" لاخْتِلافِ النَّاسِ فِي سَبَبِهِ وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْجَرْحِ جَارِحًا٢، كَشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا. فَإِنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ مَالِكٍ دُونَ غَيْرِهِ٣. وَكَمَنْ رَأَى إنْسَانًا يَبُولُ قَائِمًا فَيُبَادِرُ بِجَرْحِهِ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي أَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ مُخْطِئٌ أَوْ مَعْذُورٌ. كَمَا رُوِيَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ وهذا قول أكثر الفقهاء، ومنهم الشافعية والحنفية، وأكثر المحدثين، ومنهم البخاري ومسلم. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٦، المستصفى ١/ ١٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠١، جمع الجوامع ٢/ ١٦٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٥، الكفاية ص ١٠٧، تدريب الراوي ١/ ٣٠٥، توضيح الأفكار ٢/ ١٣٣ وما بعدها، كشف الأسرار ٣/ ٦٨، مقدمة ابن الصلاح ص ٥١، تيسير التحرير ٣/ ٦١، أصول السرخسي ٢/ ٩، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، المسودة ص ٢٦٩، غاية الوصول ص ١٠٣، الروضة ص ٥٩، اللمع ص ٤٤، إرشاد الفحول ص ٦٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣". وانظر تفصيل هذا الموضوع في "الرفع والتكميل ص ٢٧ وما بعدها، الأجوبة الفاضلة ص ١٦١ وما بعدها". ٣ انظر ما نقلناه عن ابن الحاجب المالكي ص ٤٠٨، فإنه قال: "وأما من يشرب النبيذ ويلعب الشطرنج ونحوه من مجتهد ومقلد فالقطع أنه ليس بفاسق" "مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٢". وانظر آراء العلماء فيما سبق ص ٤٠٨، والمسودة ص ٢٦٦.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَّهُ بَال قَائِمًا". ١ لِعُذْرٍ كَانَ بِهِ٢.
فَلِهَذَا وَشَبَهِهِ يَنْبَغِي بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ لِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ وَاحْتِرَازٍ مِنْ الْخَطَإِ وَالْغُلُوِّ فِيهِ٣
"و"َ شُرِطَ أَيْضًا ذِكْرُ سَبَبِ "تَضْعِيفٍ" كَمَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِ جَرْحٍ. فَلا يَمْنَعُ قَبُولَ الْخَبَرِ قَوْلُ مُحَدِّثٍ "هَذَا الْحَدِيثُ" ضَعِيفٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزُوَهُ إلَى مُسْتَنَدٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِيهِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يُضَعِّفُهُ بِشَيْءٍ لَوْ ذَكَرَهُ لَمْ يَكُنْ قَادِحًا. هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ٤، وَيَكُونُ الْخَبَرُ ضَعِيفًا
_________________
(١) ١ روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ "انتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: "ادْنه"، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه". والسُّباطة، مَلْقى التراب والقمامة. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٥٣، صحيح مسلم ١/ ٢٢٨، سنن أبي داود ١/ ٦، تحفة الأحوذي ١/ ٦٩، سنن النسائي ١/ ٢٦، سنن ابن ماجه ١/ ١١١، مسند أحمد ٥/ ٣٨٢، سنن الدارمي ١/ ١٧١، مرعاة المفاتيح ١/ ٤٣١". ٢ قال ابن تيمية: "ولعله لم يجلس لمانع كان، أو وجع كان به". وروى الخطابي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ بال قائمًا من جرح كان بمأبضه "ما تحت الركبة"، وقد ضعفه الدارقطني والبيهقي حديث أبي هريرة. وقال الحافظ ابن حجر: "ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي"، كما روى البخاري ومسلم ومالك وغيرهم حديث الأعرابي الذي بال في المسجد قائمًا، وقال لهم رسول الله ﷺ: "اتركوه". وروى مالك أن ابن عمر: "بال قائمًا". "انظر: نيل الأوطار ١/ ١٠٧، ١٠٩، فتح الباري ١/ ٣٤١، ٣٤٢ طبعة الحلبي، صحيح مسلم ١/ ٢٣٦، المنتقى شرح الموطأ ١/ ١٢٨ وما بعدها". ٣ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ١٣١، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٥٦، كشف الأسرار ٣/ ٦٨ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص ٥١، الكفاية ص ١١٠ وما بعدها، مختصر الطوفي ص ٦٠، إرشاد الفحول ص ٦٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٤ يقول عبد العزيز البخاري الحنفي: "وهو مذهب عامة الفقهاء والمحدثين، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة إلى أن الجرح المطلق مقبول" "كشف الأسرار ٣/ ٦٨". وقال البزدوي: "وأما الطعن من أئمة الحديث فلا يقبل مجملًا، لأن العدالة ظاهرة ، ثم قال: لا يقبل في الشهادة من المزكي الجرح المطلق، فهذا أولى". "أصول البزدوي مع كشف الأسرار ٣/ ٦٨".
[ ٢ / ٤٢١ ]
عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ قَالُوا: لأَنَّ الْمُحَدِّثَ ثِقَةٌ وَقَدْ ضَعَّفَهُ١.
"وَ" إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ، وَلا التَّضْعِيفَ الْمُطْلَقَ وَوُجِدَ "لا يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ" عَنْ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ "إلَى" حِينِ "تَبْيِينِ" الْجَرْحِ، أَوْ٢ التَّضْعِيفِ، بِخِلافِ الشَّهَادَةِ؛ لأَنَّ الْخَبَرَ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْقَدْحُ، وَالشَّهَادَةُ آكَدُ٣. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ٤.
وَقِيلَ: بَلَى فَيُتَوَقَّفُ٥ حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّبَبُ الَّذِي أَطْلَقَهُ؛ لأَنَّهُ أَوْجَبُ رِيْبَةً٦، وَإِلاَّ لانْسَدَّ بَابُ الْجَرْحِ غَالِبًا. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَيْلُ ابْنِ مُفْلِحٍ، وَهُوَ الأَحْوَطُ٧.
_________________
(١) ١ قال الشيخ زكريا الأنصاري: "ويكفي إطلاقه أي الجرح في الرواية، كأن يقول الجارح: فلان ضعيف، أو ليس بشيء، إن عرف مذهب الجارح من أنه لا يجرح إلا بقادح، فإن لم يعرف مذهبه فلا يكفي إطلاقه" "غاية الوصول ص ١٠٣". وجاء مثل ذلك في "مسلم الثبوت وشرحه". "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٦٢". ٢ في ب ض: و. ٣ لأن الشهادة لا تقبل إلا من العدل، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الطلاق/ ٢. ٤ انظر: المسودة ص ٢٥٤، ٢٧٢. ٥ في ب ع: فليتوقف. ٦ في ش: رتبة. وفي د: ربيبة. ٧ وهو ما أيده ابن الصلاح والشوكاني وغيرهما. "انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥١، إرشاد الفحول ص ٦٨، المستصفى ١/ ١٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٦٣، المسودة ص ٢٧٢".
[ ٢ / ٤٢٢ ]
"لا تَعْدِيلٍ" أَيْ أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْعَدَالَةِ١.
وَقِيلَ: بَلَى، لالْتِبَاسِ الْعَدَالَةِ لِكَثْرَةِ التَّصَنُّعِ٢.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ قَوِيٌّ، وَاشْتَرَطَهُ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، كَاشْتِرَاطِ ذِكْرِ سَبَبِ الْجَرْحِ لِلْمُسَارَعَةِ ٣إلَى التَّعْدِيلِ٢، بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ.
وَعَنِ٤ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. اخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ ابْنُ٥ الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. فَيَكْفِي مُجَرَّدُ قَوْلِهِ "هُوَ فَاسِقٌ أَوْ عَدْلٌ" اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ٦.
_________________
(١) ١ وهو قول أكثر الفقهاء ومنهم الحنفية، وأكثر المحدثين ومنهم البخاري ومسلم والخطيب البغدادي. انظر آراءهم وأدلتهم في "كشف الأسرار ٣/ ٦٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، تيسير التحرير ٣/ ٦١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٥، جمع الجوامع ٢/ ١٦٣، الكفاية ص ٩٩ وما بعدها، المسودة ص ٢٦٩، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٦، المستصفى ١/ ١٦٢، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، توضيح الأفكار ٢/ ١٤٨، تدريب الراوي ١/ ٣٠٥، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠١، مختصر الطوفي ص ٦٠، إرشاد الفحول ص ٦٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، الرفع والتكميل ص ٢٧ وما بعدها". ٢ انظر جمع الجوامع ٢/ ١٦٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٦، المستصفى ١/ ١٦٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، ١٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٦١، ٦٣، مختصر الطوفي ص ٦٠، الكفاية ص ٩٩، غاية الوصول ص ١٠٣، إرشاد الفحول ص ٦٨، الرفع والتكميل ص ٣٣. ٣ في ب ض: للتعديل. ٤ في ش: وعند. ٥ ساقطة من ض. ٦ وعلل ذلك الطوفي فقال: "لأنه إن كان خبيرًا ضابطًا ذا بصيرة قُبِلَ منه، وإلا فلا=
[ ٢ / ٤٢٣ ]
"وَ" لا يُشْتَرَطُ أَيْضًا ذِكْرُ سَبَبِ "تَصْحِيحٍ" لِلْخَبَرِ. فَيَكْفِي قَوْلُ مَنْ يُعْتَدُّ١ بِقَوْلِهِ "هَذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ" فَإِنَّ إطْلاقَ تَصْحِيحِهِ يَسْتَلْزِمُ تَعْدِيلَ رُوَاتِهِ٢. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ٣.
"وَيَكْفِي٤ فِيهِنَّ" فِي مَسَائِلِ الْجَرْحِ وَالتَّضْعِيفِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّصْحِيحِ إذَا وُجِدَتْ بِشُرُوطِهَا "وَ" فِي "تَعْرِيفِ" عَدْلٍ "وَاحِدٍ لَيْسَ مِنْ عَادَتِه"ِ أَيْ: لَيْسَ مِنْ٥ عَادَةِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ "تَسَاهُلٌ" فِي التَّعْدِيلِ "أَوْ مُبَالَغَةٌ" فِي الْجَرْحِ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٦.
_________________
(١) = أو يطالب بالسبب" "مختصر الطوفي ص ٦٠". وعلله الموفق أيضًا فقال: "لأن أسباب الجرح معلومة، فالظاهر لا يجرح إلا بما يعلمه". "الروضة ص ٥٩". وهذا ما رجحه الآمدي والقرافي ومن تبعهما. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، توضيح الأفكار ٢/ ١٤٤، الكفاية ص ١٠٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٥، جمع الجوامع ٢/ ١٦٣ وما بعدها، المسودة ص ٢٦٩ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠١، المستصفى ١/ ١٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، تيسير التحرير ٣/ ٦١، الروضة ص ٥٩، غاية الوصول ص ١٠٣، إرشاد الفحول ص ٦٦، ٦٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٦٣، الرفع والتكميل ص ٣٣". ١ في ز ش: يعتقد. ٢ في ش: روايته. وفي ض: راويه. ٣ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٦٢، توضيح الأفكار ١/ ٣٠٩، المسودة ص ٢٥١، والمراجع السابقة. ٤ في ع: فيكفي. ٥ ساقطة من ع. ٦ منهم القاضي أبو بكر الباقلاني والإمام فخر الدين الرازي والآمدي وغيرهم. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٥، المستصفى ١/ ١٦٢، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠٠، جمع الجوامع ٢/ ١٦٣، الكفاية ص ٩٦، المسودة ص ٢٧١، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٦٤، تدريب الراوي ١/ ٣٠٨، توضيح الأفكار ٢/ ١٢٠ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٥٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠، اللمع ص ٤٣، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦١، إرشاد الفحول ص ٦٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥". وانظر شروط الجارح والمعدل في "الرفع والتكميل ص ١٦ وما بعدها".
[ ٢ / ٤٢٤ ]
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ وَالْجُمْهُورُ: يَكْفِي جَرْحُ وَاحِدٍ وَتَعْدِيلُهُ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ لا يَزِيدُ عَلَى مَشْرُوطِهِ. وَيَكْفِي فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدٌ لا الشَّهَادَةُ. فَتَعْدِيلُ الرَّاوِي تَبَعٌ لِلرِّوَايَةِ وَفَرْعٌ لَهَا؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ لأَجْلِهَا، وَالرِّوَايَةُ لا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا رَاوٍ وَاحِدٌ. فَكَذَا مَا هُوَ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا. فَلَوْ قُلْنَا: تُقْبَلُ رِوَايَةُالْوَاحِدِ، وَلا يَكْفِي فِي تَعْدِيلِهِ إلاَّ اثْنَانِ١، لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ. وَزِيَادَةُ الْفُرُوعِ عَلَى أُصُولِهَا غَيْرُ مَعْهُودَةٍ عَقْلًا وَلا شَرْعًا٢.اهـ.
وَكَمَا أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مِنْ فُرُوعِ الرِّوَايَةِ: كَذَلِكَ التَّعْرِيفُ.
وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ الْعَدَدَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. مِنْهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ فِي مُقْنِعِهِ. كَالشَّهَادَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ؛ لأَنَّهَا شَهَادَةٌ، فَاعْتُبِرَ لَهَا الْعَدَدُ٣. رُدَّ بِأَنَّهُ خَبَرٌ لا شَهَادَةٌ٤.
وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ الْعَدَدَ فِي الْجَرْحِ فَقَطْ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ٥.
_________________
(١) ١ في ض: ثنان. ٢ انظر: المستصفى ١/ ١٦٢، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠- ١٥١، تيسير التحرير ٣/ ٥٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، المسودة ص ٢٧١، مختصر الطوفي ص ٦١، إرشاد الفحول ص ٦٦، الرفع والتكميل ص ٥١. ٣ وذهب إلى ذلك بعض الشافعية. انظر أدلة هذا الرأي ومناقشتها في "المستصفى ١/ ١٦٢، نهاية السول ٣/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠، تيسير التحرير ٣/ ٥٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، توضيح الأفكار ٢/ ١٢١، اللمع ص ٤٣، مختصر الطوفي ص ٦١، إرشاد الفحول ص ٦٦". ٤ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، اللمع ص ٤٣. ٥ وفي قول يشترط اثنان في الرواية والشهادة، وفي قول يثبت الجرح والتعديل بواحد في الرواية والشهادة، وهو قول الباقلاني، واختاره الكمال بن الهمام وأكثر الحنفية. وقال الإمام محمد: يشترط اثنان في تزكية الشهادة لطمأنينة القلب. وقال الخصاف: يشترط العدد بتزكية العلانية دون السر. "انظر: تيسير التحرير ٣/ ٥٨- ٥٩، كشف الأسرار ٣/ ٣٧- ٣٨، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، مناهج العقول ٢/ ٣٠٠، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٢، توضيح الأفكار ٢/ ١٢١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٦٣، الكفاية ص ٩٦، المغني ١٠/ ٥٨، ٦٠".
[ ٢ / ٤٢٥ ]
"وَمَنْ اشْتَبَهَ اسْمُهُ" مِنْ الْعُدُولِ "بِمَجْرُوحٍ وُقِفَ خَبَرُهُ" أَيْ الْخَبَرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الاشْتِبَاهُ، حَتَّى يُتَحَقَّقَ أَمْرُهُ. وَذَلِكَ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ذَلِكَ الْمَجْرُوحَ. فَلا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، بَلْ يُتَوَقَّفُ حَتَّى يُعْلَمَ هَلْ هُوَ الْمَجْرُوحُ أَوْ غَيْرُهُ؟ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ الْمُدَلِّسُونَ مِثْلَ هَذَا يَذْكُرُونَ الرَّاوِيَ الضَّعِيفَ بِاسْمٍ يُشَارِكُهُ فِيهِ رَاوٍ ثِقَةٌ، لِيُظَنَّ أَنَّهُ ذَلِكَ الثِّقَةُ تَرْوِيجًا لِرِوَايَتِهِمْ١.
"وَلا شَيْءَ لِجَرْحٍ بِاسْتِقْرَاءٍ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلَى ذِكْرِ الْجَرْحِ بِطَرِيقِ الاسْتِقْرَاءِ.
وَمَعْنَى الاسْتِقْرَاءِ: التَّتَبُّعُ، بِأَنْ يُقَالَ: تَتَبَّعْنَا كَذَا فَوَجَدْنَاهُ كَذَا مِرَارًا كَثِيرَةً لَمْ يَنْخَرِمْ فِي مَرَّةٍ مِنْهَا٢.
فَلَوْ قِيلَ: مَنْ وَجَدْنَاهُ يَعْمَلُ كَذَا فَهُوَ مَجْرُوحٌ. وَاسْتَقْرَيْنَا ذَلِكَ فِي أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَرْحٍ، وَلَيْسَ مِنْ طُرُقِ الْجَرْحِ حَتَّى يُحْكَمَ٣ بِهِ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَخَذْتُهَا مِنْ كَلامِ ابْنِ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ.
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ١/ ١٦٢، الكفاية ص ٣٧١ وما بعدها، تدريب الراوي ١/ ٣٢٢، اللمع ص ٤٣، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٢ انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٨. ٣ في ع: نحكم.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
"وَلَهُ جَرْحٌ" أَيْ وَلِلْجَارِحِ الْجَرْحُ فِي الرَّاوِي "بِ" سَبَبِ "اسْتِفَاضَةٍ" أَيْ إشَاعَةٍ عَنْ مُحَدِّثٍ أَنَّ فِيهِ صِفَةً تُوجِبُ رَدَّ الْحَدِيثِ. فَيَجُوزُ الْجَرْحُ بِذَلِكَ. كَمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالاسْتِفَاضَةِ فِي مَسَائِلَ مَخْصُوصَةٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ١.
وَمَنَعَ الْجَرْحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ الْجَرْحُ بِالاسْتِفَاضَةِ وَلا تُقْبَلُ، كَمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ٢ أَنْ يُزَكِّيَهُ بِالاسْتِفَاضَةِ.
"لا تَزْكِيَةٍ"٣ يَعْنِي أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ٤ أَنْ يُزَكِّيَ بِالاسْتِفَاضَةِ مَنْ شَاعَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
"وَقِيلَ: بَلَى، إذَا شَاعَتْ عَدَالَتُهُ. كَأَحَدِ الأَئِمَّةِ. وَجَعَلَهُ" ٥أَيْ: وَجَعَلَ٤ "صَاحِبُ التَّحْرِيرِ" الَّذِي هُوَ أَصْلُ "كِتَابِنَا" "الْمَذْهَبَ فِي أَصْلِهِ"أَيْ أَصْلِ "كِتَابِنَا"، وَهُوَ "التَّحْرِيرُ". وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِمَنْ شَاعَتْ إمَامَتُهُ وَعَدَالَتُهُ ٦مِنْ الأَئِمَّةِ٥. فَإِنَّهُ يُزَكَّى بِالاسْتِفَاضَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الأَصْلِ، قُلْت: وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّهُ كَانَ يَسْأَلُهُ٧ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ٨ عَنْ
_________________
(١) ١ تقبل الشهادة بالاستفاضة في النسب والولادة والموت والنكاح والولاية والعزل والملك المطلق والوقف والعتق والولاء، مع اختلاف بين الفقهاء في هذه الحالات. "انظر: المغني ١٠/ ١٤١، الوجيز للغزال ٢/ ٢٥٤، المحرر في الفقه ٢/ ٢٤٤، شرح منح الجليل ٤/ ٢٧١، بدائع الصنائع ٦/ ٢٦٦". ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش ب ز: يزكيه. ٤ ساقطة من ض. ومشطوب عليها في ع. ٥ ساقطة من ب ع ض. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ في ش ب ز ع: يُسأَلُ. ٨ ساقطة من ض.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
مِثْلِهِ. فَيَقُولُ: ثِقَةٌ: لا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ. كَمَا لا١ يُسْأَلُ مَثَلًا عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمْ٢.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هَذَا صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَعَلَيْهِ الاعْتِمَادُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: الْخَطِيبُ٣، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَالِكٍ وَشُعْبَةَ٤
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ش. ٢ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٩، توضيح الأفكار ٢/ ١٢٤، تدريب الراوي ١/ ٣٠١، الكفاية ص ٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، اللمع ص ٤٣، إرشاد الفحول ص ٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٣ هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر الحافظ، المعروف بالخطيب. كان من الحفاظ المتقنين، والعلماء المتبحرين. وصنف قريبًا من مائة مصنف، أهمها: "تاريخ بغداد" الذي يدل على اطلاع عظيم، و"الجامع"، و"الكفاية"، و"شرف أصحاب الحديث"، و"الرحلة في طلب الحديث"، و"الفقيه والمتفقه" وغيرها. وكان محدثًا ومؤرخًا وفقيهًا وأديبًا، وهو محدث الشام والعراق. توفي سنة ٤٦٣ هـ ببغداد. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٢٩، وفيات الأعيان ١/ ٧٦، البداية والنهاية ١٢/ ١٠١، تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٣٥، طبقات الحفاظ ص ٤٣٤، تبيين كذب المفتري ص ٢٦٨، شذرات الذهب ٣/ ٣١١، التاج المكلل ص ٣٢، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ١٦٤". وانظر: الكفاية ص ٨٦. ٤ هو شعبة بن الحجاج بن الورد العَتَكي الأزدي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، الإمام المشهور، وهو من تابعي التابعين وأعلام المحدثين وكبار المحققين. قال الإمام أحمد: "لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثًا منه، قسم له منه حظ". وقال الشافعي: "لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق". وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين وعدالتهم. توفي سنة ١٦٠ هـ بالبصرة. انظر تر جمته في تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٣، طبقات الحفاظ ص ٨٣، تذيب الأسماء ١/ ٢٤٥، شذرات الذهب ١/ ٢٤٧، الخلاصة ص ١٦٦، حلية الأولياء ٧/ ١٤٤، تاريخ بغداد ٩/ ٢٥٥.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وَالسُّفْيَانَيْنِ١ وَالأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ٢ وَابْنِ الْمُبَارَكِ ٣وَوَكِيعٍ وَأَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ٤ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ٤، وَمَنْ جَرَى
_________________
(١) ١ هما سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، وقد مرت ترجمتهما. ٢ هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، المصري، التابعي، الحافظ، الفقيه المجتهد، شيخ الديار المصرية في الفقه والحديث. كان ورعًا فاضلًا، عالمًا كريمًا، إمامًا. أجمع العلماء على جلالته وإمامته وعلو مرتبته في الفقه والحديث. قال الشافعي: "الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أنه ضيعه أصحابه". واستقل بالفتوى في زمانه بمصر، وكان عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر. توفي سنة ١٧٥ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص ٧٨، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٤، طبقات الحفاظ ص ٩٥، تهذيب الأسماء ٢/ ٧٣، حسن المحاضرة ١/ ٣٠١، شذرات الذهب ١/ ٢٨٥، وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٠، مشاهير علماء الأمصار ص ١٩١، الخلاصة ص ٣٢٣، طبقات القراء ٢/ ٣٤". ٣ ساقطة من ض. وابن المديني هو علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني السعدي مولاهم، أبو الحسن البصري، أحد الأئمة الأعلام، حفاظ الإسلام، انعقد الإجماع على جلالته وإمامته. وله التصانيف الحسان. روى عنه أحمد والبخاري وأبو داود وأبو حاتم: وخلق. قال أبو حاتم: "كان علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد لا يسميه تبجيلًا له، إنما يدعوه بكنيته". توفي سنة ٢٣٤هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ١٤٥ن طبقات الفقهاء ص ١٠٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٨، طبقات الحفاظ ص ١٨٤، تهذيب الأسماء ١/ ٣٥٠، تاريخ بغداد ١١/ ٤٥٨، الخلاصة ص ٢٧٥، شذرات الذهب ٢/ ٨١، طبقات الحنابلة ١/ ٢٢٥، المنهج الأحمد ١/ ٩٧". ٤ هو يحيى بن معين بن عون الغَطَفاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، أحد الأئمة الأعلام، الحافظ، العالم، المتفنن. قال الخطيب: "كان إمامًا ربانيًّا، عالمًا، حافظًا، ثبتًا، متقنًا". وقال ابن المديني: "ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين". ورى له أصحاب الكتب الستة. قال الإمام أحمد: "كل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث". وكان بينه وبين أحمد مودة. توفي بالمدينة سنة ٢٣٣هـ، وقيل غير ذلك، حمل على سرير النبي ﷺ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٥/ ١٩٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٩، تهذيب الأسماء ٢/ ١٥٦، طبقات الحفاظ ص ١٨٥، الخلاصة ص ٤٢٨، تاريخ بغداد ١٤/ ١٧٧، شذرات الذهب ٢/ ٧٩، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٦٥٤، طبقات الحنابلة ١/ ٤٠٢، المنهج الأحمد ١/ ٩٣".
[ ٢ / ٤٢٩ ]
مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الأَمْرِ فَلا١ يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاءِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَإِنَّمَا٢ يُسْأَلُ عَمَّنْ خَفِيَ أَمْرُهُ عَنْ٣ الطَّالِبِينَ٤".
"وَيُقَدَّمُ٥ جَرْحٌ" يَعْنِي: إذَا جَرَحَ رَاوِيًا وَاحِدٌ٦ فَأَكْثَرُ، وَعَدَّلَهُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، قُدِّمَ الْعَمَلُ بِجَرْحِهِ عَلَى الْعَمَلِ بِتَعْدِيلِهِ؛ لأَنَّ الْجَارِحَ٧ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٨.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنْ كَثُرَ عَدَدُ ٩الْمُجَرِّحِينَ عَلَى عَدَدِ٧ الْمُعَدِّلِينَ قُدِّمَ الْجَرْحُ وَإِلاَّ فَلا١٠.
_________________
(١) ١ في ز ع ش ب ض: ولا. وما أثبتناه في الأعلى من مقدمة ابن الصلاح. ٢ في ع: فإنما. وفي ض: إنما. ٣ في الكفاية: على. ٤ مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠. وانظر: تدريب الراوي ١/ ٣٠١، الكفاية ص ٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٩، اللمع ص ٤٣، إرشاد الفحول ص ٦٦-٦٧. ٥ في ش: وبعدم. ٦ في ش ب ز ع: واحدًا. وهو خطأ نحوي. ٧ في ش: المجروح. ٨ انظر: مناهج العقول ٢/ ٣٠٢، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٢، توضيح الأفكار ٢/ ١٥٨، جمع الجوامع ٢/ ١٦٤، الكفاية ص ١٠٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٦، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٧، تدريب الراوي ١/ ٣٠٩، المسودة ص ٢٧٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٤، تيسير التحرير ٣/ ٦٠، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، المستصفى ١/ ١٦٣، اللمع ص ٤٤، الروضة ص ٥٩، غاية الوصول ص ١٠٣، مختصر الطوفي ص ٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٤، الرفع والتكميل ص ٥٤. ٩ ساقطة من ش. ١٠ وهناك قول ثالث بتقديم التعديل على الجرح، وقول بالتعارض مع الحاجة إلى مرجح، وقول بتقديم الأكثر من أية جهة، وقول بتقديم الجرح إن فسر، وإلا يقدم التعديل. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٧، المستصفى ١/ ١٦٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، المسودة ص ٢٧٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٤، تيسير التحرير ٣/ ٦٠، توضيح الأفكار ٢/ ١٦١، تدريب الراوي ١/ ٣١٠، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٢، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦١، إرشاد الفحول ص ٦٨-٦٩، الرفع والتكميل ص ٥٩".
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وَلِلتَّعْدِيلِ مَرَاتِبُ أُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
"وَأَقْوَى تَعْدِيلٍ" أَيْ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ "حُكْمُ مُشْتَرَطِ الْعَدَالَةِ بِهَا" أَيْ بِالْعَدَالَةِ. وَهَذَا بِلا خِلافٍ١.
قَالَ٢ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: وَحُكْمُ الْحَاكِمِ تَعْدِيلٌ اتِّفَاقًا. أَطْلَقَهُ فِي الرَّوْضَةِ٣. وَمُرَادُهُ: مَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ٤ حَاكِمٌ يَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ، وَهُوَ تَعْدِيلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ كَانَ الْحَاكِمُ فَاسِقًا لِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ٥ لَيْسَ عَدْلًا عِنْدَهُ.
"فَقَوْلٌ" أَيْ: فَيَلِي٦ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ التَّعْدِيلُ بِالْقَوْلِ.
"وَأَعْلاهُ" أَيْ مِنْ٧ أَعْلَى التَّعْدِيلِ بِالْقَوْلِ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ هُوَ "عَدْلٌ رَضِيٌّ، مَعَ ذِكْرِ سَبَبِهِ" أَيْ سَبَبِ التَّعْدِيلِ بِأَنْ يُثْنِيَ٨ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٨، المستصفى ١/ ١٦٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٦، مناهج العقول ٢/ ٣٠٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، جمع الجوامع ٢/ ١٦٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، الروضة ص ٦٠، إرشاد الفحول ص ٦٦، غاية الوصول ص ١٠٣، مختصر الطوفي ص ٦١، تيسير التحرير ٣/ ٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٤، الرفع والتكميل ص ٧٠ وما بعدها. ٢ في ع: وقال. ٣ الروضة ص ٦٠. ٤ في ش ع: غير. ٥ في ب ع ض: ما. ٦ في ش: قبل. ٧ ساقطة من ب ع ض. ٨ في ش: يبني.
[ ٢ / ٤٣١ ]
مِمَّا يُعْلَمُ مِنْهُ مِمَّا يَنْبَغِي شَرْعًا مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَاسْتِعْمَالِ وَظَائِفِ الْمُرُوءَةِ١.
فَبِدُونِهِ أَيْ فَيَلِي هَذِهِ٢ الْمَرْتَبَةَ قَوْلُهُ: هُوَ عَدْلٌ رَضِيٌّ بِدُونِ ذِكْرِ سَبَبِ التَّعْدِيلِ، وَيَتَفَاوَتُ هَذَا أَيْضًا. فَأَعْلاهُ تَكْرِيرُ٣ اللَّفْظِ، بِأَنْ يَقُولَ: ثِقَةٌ ثِقَةٌ، أَوْ عَدْلٌ عَدْلٌ، ٤أَوْ ثِقَةٌ عَدْلٌ١٢، أَوْ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ، أَوْ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، أَوْ ثِقَةٌ حُجَّةٌ أَوْ ثِقَةٌ حَافِظٌ، أَوْ ثِقَةٌ ضَابِطٌ٥.
وَيَلِيهِ: ذِكْرُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، ٦وَهُوَ أَنْ٢ يَأْتِيَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ٧.
وَيَلِيهِ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ: هُوَ صَدُوقٌ، أَوْ مَأْمُونٌ، أَوْ خِيَارٌ، أَوْ لا بَأْسَ وَنَحْوُهُ٨.
وَيَلِيهِ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ: مَحِلُّهُ الصِّدْقُ، أَوْ رَوَوْا عَنْهُ، أَوْ صَالِحُ الْحَدِيثِ أَوْ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ، أَوْ حَسَنُ الْحَدِيثِ، أَوْ صُوَيْلِحٌ، أَوْ صَدُوقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ١/ ١٦٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٦، مناهج العقول ٢/ ٣٠٢، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٨، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٤. ٢ في ع: بهذه. ٣ في ع ض: تكرار. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٨، المستصفى ١/ ١٦٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٩، توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٢، تدريب الراوي ١/ ٣٤٢، الكفاية ص ٨٤. ٦ في ع ز ض: بأن. وفي ب: بأنه. ٧ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٤٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٤، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٨. ٨ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٩، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٨، توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥، تدريب الراوي ١/ ٣٤٣.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
أَرْجُو أَنْ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَنَحْوُهُ١.
"فَعُمِلَ بِرِوَايَتِهِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهُ غَيْرُهَا" أَيْ فَيَلِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ - وَهِيَ التَّعْدِيلُ بِالْقَوْلِ - عَمَلُ مَنْ٢ يُعْتَدُّ بِتَعْدِيلِهِ بِرِوَايَةِ الْمُعَدِّلِ، بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَامِلَ بِرِوَايَتِهِ لا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي عَمَلِهِ غَيْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا، لاحْتِمَالِ أَنْ٣ يَكُونَ عَمِلَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ رِوَايَتَهُ٤.
وَقَالَ٥ الْمُوَفَّقُ وَأَبُو الْمَعَالِي. "إلاَّ فِيمَا الْعَمَلُ بِهِ احْتِيَاطًا"٦.
قَالَ٧ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ" "قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَالْمَقْدِسِيُّ: يَكُونُ تَعْدِيلًا إلاَّ فِيمَا الْعَمَلُ بِهِ مِنْ مَسَالِكِ الاحْتِيَاطِ". قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ مَسْتُورِ الْحَالِ، أَوْ يَجْهَلُ مَذْهَبَهُ فِيهِ٨.
"وَلَيْسَ تَرْكُ عَمَلٍ بِهَا" أَيْ بِرِوَايَةِ أَحَدٍ "وَ" لا تَرْكُ عَمَلٍ "بِشَهَادَةِ"
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٩، توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥، ٢٦٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٩. ٢ في ز ش: بمن. ٣ في ز: أنه. ٤ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، نهاية السول ٢/ ٣٠٦، مناهج العقول ٢/ ٣٠٤، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٨، المستصفى ١/ ١٦٣، اللمع ص ٤٤، الروضة ص ٦٠، غاية الوصول ص ١٠٤، مختصر الطوفي ص ٦١، إرشاد الفحول ص ٦٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٤، تيسير التحرير ٣/ ٥٠، تدريب الراوي ١/ ٣١٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، جمع الجوامع ٢/ ١٦٤، الكفاية ص ٩٢، المسودة ص ٢٦٩، ٢٧٢. ٥ في ب ز ع ض: وقاله. ٦ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٦٤، المستصفى ١/ ١٦٣، غاية الوصول ص ١٠٤، الروضة ص ٦٠. ٧ في ز ش ع ب: قاله. ٨ المسودة ص ٢٧٢.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أَحَدٍ "جَرْحًا" لَهُ، لاحْتِمَالِ سَبَبٍ لِتَرْكِ الْعَمَلِ غَيْرِ الْفِسْقِ. كَعَدَاوَةٍ أَوْ تُهْمَةِ قَرَابَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَلأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ يَكُونُ مُتَوَقِّفًا عَلَى أَمْرٍ آخَرَ زَائِدٍ عَنْ الْعَدَالَةِ. فَيَكُونُ التَّرْكُ لِعَدَمِ ذَلِكَ، لا لانْتِفَاءِ الْعَدَالَةِ، فَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْجَرْحِ بِذَلِكَ مَعَ الاحْتِمَالِ١.
"ثُمَّ" يَلِي مَا تَقَدَّمَ فِي الرُّتْبَةِ "رِوَايَةُ عَدْلٍ عَادَتُهُ أَنْ٢ لا يَرْوِيَ إلاَّ عَنْ عَدْلٍ".
هَذَهِ٣ آخِرُ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ. وَصُورَةُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مَتَى رَوَى الثِّقَةُ عَنْ شَخْصٍ مَجْهُولِ الْحَالِ، وَكَانَتْ عَادَةُ الثِّقَةِ أَنَّهُ٤ لا يَرْوِي إلاَّ عَنْ عَدْلٍ، فَتَكُونُ رِوَايَتُهُ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ تَعْدِيلًا لِذَلِكَ الشَّخْصِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ. فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ٥.
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ١/ ١٦٣، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٩، مناهج العقول ٢/ ٣٠٢، ٣٠٤، جمع الجوامع ٢/ ١٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، الكفاية ص ١١٤، الروضة ص ٦٠، غاية الوصول ص ١٠٤، مختصر الطوفي ص ٦١، تدريب الراوي ١/ ٣١٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٥٤. ٢ ساقطة من ب ع ض. ٣ في ز ش: هذا. ٤ ساقطة من ض. ٥ هذا هو الرأي الأول. وهو ما اختاره الجويني وابن القشيري والغزالي والآمدي والصفي الهندي وابن الحاجب والكمال بن الهمام وابن عبد الشكور وغيرهم. وفي المسألة قولان آخران سيذكرهما المصنف فيما يلي. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٩، المستصفى ١/ ١٦٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٦، مناهج العقول ٢/ ٣٠٣، جمع الجوامع ٢/ ١٦٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٦، المسودة ص ٢٥٤، ٢٧٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٨٦، تيسير التحرير ٣/ ٥٠، ٥٥، ٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠، غاية الوصول ص ١٠٤، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦١، إرشاد الفحول ص ٥٣، ٦٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٤".
[ ٢ / ٤٣٤ ]
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي آخِرِ "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ": اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الثِّقَةِ عَنْ رَجُلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ: هَلْ هُوَ تَعْدِيلٌ أَمْ لا؟
حَكَى١ أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ٢ وَحَكَوْا عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ تَعْدِيلٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ خِلافُ ذَلِكَ٣.
قَالَ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إنْ عُرِفَ أَنَّهُ لا يَرْوِي إلاَّ عَنْ ثِقَةٍ، فَرِوَايَتُهُ عَنْ إنْسَانٍ تَعْدِيلٌ لَهُ. وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ. وَصَرَّحَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَاب الشَّافِعِيِّ٤.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الأَثْرَمِ: إذَا رَوَى الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ رَجُلٍ: فَهُوَ حُجَّةٌ.
قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ٥: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إذَا رَوَى عَنْ رَجُلٍ لا يُعْرَفُ. فَهُوَ حُجَّةٌ.
_________________
(١) ١ في ز: وحكى. ٢ انظر: المسودة ص ٢٥٣، مختصر الطوفي ص ٦١. ٣ انظر: جمع الجوامع ٢/ ١٦٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، ١٧٧. ٤ انظر: نهاية السول ٢/ ٣٠٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، إرشاد الفحول ص ٦٧. ٥ هو عبد الرحمن بن عمرو بن صفوان النَّصْري، أبو زرعة الدمشقي. ذكره الخلال فقال: إمام في زمانه، رفيع القدر، حافظ، عالم بالحديث والرجال، وصنف من حديث الشام ما لم يصنفه أحد وجمع كتابًا لنفسه في التاريخ وعلل الرجال، سمعناه، وسمعنا منه حديثًا كثيرًا، وكان عالمًا بأحمد ويحيى بن معين، وسمع منهما سماعًا كثيرًا وروى عن أحمد. وكان محدث الشام في زمانه. توفي سنة ٢٨٠ هـ، وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/ ٢٠٥، طبقات الحفاظ ص ٢٦٦، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٤، الخلاصة ص ٢٣٢، شذرات الذهب ٢/ ١٧٧". كما روى عن الإمام أحمد أبو زُرعة الرازي، وستأتي ترجمته فيما بعد ص ٤٧١.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ١: مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ أَحَدٍ إلاَّ وَهُوَ ثِقَةٌ. وَذَكَرَ نُصُوصًا أُخَرَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ.
وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ: إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيُعْرَفُ كَوْنُهُ لا يَرْوِي إلاَّ عَنْ عَدْلٍ، إمَّا بِتَصْرِيحِهِ وَهُوَ الْغَايَةُ، أَوْ بِاعْتِبَارِنَا لِحَالِهِ، أَوْ اسْتِقْرَائِنَا لِمَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَهُوَ دُونَ الأَوَّلِ. قَالَهُ٢ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ٣
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ عَنْ شَخْصٍ لا تَكُونُ٤ تَعْدِيلًا لَهُ مُطْلَقًا٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": وَرِوَايَةُ الْعَدْلِ لَيْسَتْ تَعْدِيلًا عِنْدَ أَكْثَرِ
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن هانئ، أبو إسحاق النيسابوري. نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وكان ورعًا صالحًا، صبورًا على الفقر، كثير العبادة، ثقة. اختفى عنده الإمام أحمد ثلاثة أيام من الواثق. وقال الإمام أحمد: إن كان أحد من الأبدال فإبراهيم بن هانئ. وثقه أحمد والدارقطني. توفي سنة ٢٦٥ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/ ٩٧، المنهج الأحمد ١/ ١٥٢، شذرات الذهب ٢/ ١٤٩". وفي ب: ابن برهان. وهو خطأ. ٢ في ض: قال. ٣ انظر: إرشاد الفحول ص ٦٧. ٤ في ش ب ز: يكون. ٥ وهو قول أكثر الشافعية وابن حزم الظاهري والخطيب. وقال ابن الصلاح: "عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم". ثم قال: "وهو الصحيح". "انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣، تدريب الراوي ١/ ٣١٤، الكفاية ص ٨٩، الرسالة للشافعي ص ٣٧٤ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٥، المسودة ص ٢٥٣، ٢٧١، ٢٧٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠، تيسير التحرير ٣/ ٥٠، ٥٥، نهاية السول ٢/ ٣٠٦، اللمع ص ٤٤، الروضة ص ٥٩، إرشاد الفحول ص ٦٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الْعُلَمَاءِ١ مِنْ الطَّوَائِفِ، وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ٢.اهـ.
وَقِيلَ: إنَّهَا تَعْدِيلٌ لَهُ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَالِ٣.
"وَلا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مُبْهَمٍ كَحَدَّثَنِي ثِقَةٌ أَوْ عَدْلٌ أَوْ مَنْ لا أَتَّهِمُهُ" عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، لاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَجْرُوحًا عِنْدَ غَيْرِهِ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنْ صُوَرِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْخِلافِ فِيهِ٤.
قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ كَالْمُرْسَلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَكَذَا أَبُو الْمَعَالِي، وَاخْتَارَ٥ قَبُولَهُ؛ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَيْهِ٦.
وَقَبِلَهُ الْمَجْدُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ وَالْمَجْهُولَ. فَقَالَ: "إذَا قَالَ الْعَدْلُ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، أَوْ مَنْ لا أَتَّهِمُهُ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ، وَ٧نَحْوَ ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ في ض: و. ٢ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٥٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦. ٣ انظر هذا القول مع أدلته ومناقشتها في "فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، ١٥٠، تيسير التحرير ٣/ ٥٠، ٥٥، نهاية السول ٢/ ٣٠٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، الكفاية ص ٨٩، المسودة ص ٢٥٣، ٢٧١، ٢٧٣، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣، تدريب الراوي ١/ ٣١٤". ٤ وهو قول أبي بكر القفال الشاشي والخطيب البغدادي والصيرفي والقاضي أبي الطيب الطبري وابن حزم والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والماوردي والروياني. "انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٢، توضيح الأفكار ٢/ ١٦٧، تدريب الراوي ١/ ٣١٠، الكفاية ص ٨٩، المسودة ص ٢٥٦ وما بعدها، جمع الجوامع ٢/ ١٥١، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٥، كشف الأسرار ٣/ ٧١، إرشاد الفحول ص ٦٧". ٥ في ب ع ض: واختياره. ٦ انظر: جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٥١، المسودة ص ٢٥٧. ٧ في ش ز: أو. وما أثبتناه في الأعلى من ب ع و"المسودة".
[ ٢ / ٤٣٧ ]
فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَإِنْ رَدَدْنَا الْمُرْسَلَ وَالْمَجْهُولَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ تَعْدِيلٌ صَرِيحٌ عِنْدَنَا١". اهـ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ٢.
وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلاحِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يُقْبَلُ٣.
وَقِيلَ: -وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّلاحِ عَنْ اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ-؛ إنَّهُ٤ إنْ كَانَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ٥ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ الْعَارِفِينَ بِمَا٦ يَشْتَرِطُهُ هُوَ وَخُصُومُهُ فِي الْعَدْلِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ فَيُقْبَلُ؛ لأَنَّ مِثْلَ هَؤُلاءِ لا يُطْلَقُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ إلاَّ فِي مَوْضِعٍ يَأْمَنُ أَنْ يُخَالِفَ ٧فِيهِ مَنْ١٠ أَطْلَقَ أَنَّهُ ثِقَةٌ٨.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا قَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، فَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ أَحْمَدَ٩، وَتَارَةً ١٠يُرِيدُ بِهِ٢ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ١١، وَتَارَةً يُرِيدُ بِهِ ابْنَ
_________________
(١) ١ المسودة ص ٢٥٦-٢٥٧. ٢ وهو قول الإمام أبي حنيفة وأكثر الحنفية. "انظر: كشف الأسرار ٣/ ٧٢، توضيح الأفكار ٢/ ١٦٧، ١٧١، إرشاد الفحول ص ٦٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٧". ٣ فواتح الرحموت ٢/ ١٧٧. ٤ ساقطة من ش. وفي ب ز: بأنه. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ب: بها. ٧ في د ب ع ض: فيمن. ٨ قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: "قبل في الأصح"، وهو قولٌ للإمام أحمد. "انظر: غاية الوصول ص ١٠٠، المسودة ص ٢٧١، توضيح الأفكار ٢/ ١٧٢، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٢". ٩ انظر: مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ٣١٥، طبقات الحنابلة ١/ ٢٨١، ٢٨٢. ١٠ ساقطة من ب ع ض. ١١ هو يحيى بن حسان بن حيان البكري التنيسي، أبو زكريا المصري. أخذ عن=
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أَبِي فُدَيْكٍ١، وَتَارَةً سَعِيدَ بْنَ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ٢، وَتَارَةً إسْمَاعِيلَ بْنَ إبْرَاهِيمَ٣.
_________________
(١) = الحمادين، وأخذ عنه الشافعي وأحمد بن صالح. وثقه أحمد والعجلي والنسائي والشافعي وغيرهم. وكان إمامًا حجة من جلة المصريين. توفي سنة ٢٠٨ هـ عن ٦٤ سنة. انظر ترجمته في "حسن المحاضرة ١/ ٢٨٧، الخلاصة ص ٤٢٢، شذرات الذهب ٢/ ٢٢". ونقل البيهقي عن الربيع بن سليمان أنه قال: "إذا قال الشافعي: أخبرني الثقة، يريد به يحيى بن حسان". ونقل أيضًا: "كان الشافعي إذا قال: "أخبرني الثقة: فإنه يريد به يحيى بن حسان". "مناقب الشافعي ١/ ٥٣٣، ٢/ ٢٤٦، ٣١٦". ١ هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُدَيك دينار الديلمي مولاهم، أبو إسماعيل المدني، الحافظ. كان كثير الحديث. قال في المغني: "ثقة مشهور". وقال ابن سعد: "وحده ليس بحجة". روى عنه الشافعي وأحمد وقتيبة وآدم بن أبي إياس وآخرون. توفي سنة ٢٠٠ هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ٣٤٥، طبقات الحفاظ ص ١٤٥، الخلاصة ص ٣٢٨، شذرات الذهب ١/ ٣٥٩، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٥٠٥". ٢ هو سعيد بن سالم القداح، أبو عثمان الخراساني ثم المكي، يروي عن ابن جريج وابن عمر. ويروي عنه الشافعي وعلي بن حرب. قال ابن معين: ليس به بأس. وأخرج له أبو داود والنسائي، وصار مفتي مكة. قال الذهبي: "مات بعد المائتين". انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ٢/ ١٣٩، الخلاصة ص ١٣٨، العقد الثمين ٤/ ٥٦٤، مناقب الشافعي ٢/ ٣١٢، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٢٠١". ٣ هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، الإمام الحجة، أبو بشر الأسدي البصري، ابن عُلَيَّة، وهي أمه. كان حافظًا فقيهًا، كبير القدر، ولي المظالم ببغداد زمن الرشيد، وحدّث بها إلى أن مات. قال ابن معين: ثقة ورع تقي. وقال شعبة: ابن عُلية سيد المحدثين، وعُليّة أمه. قال ابن المديني: ما أحد أثبت بالحديث من إسماعيل. وقال: الحفاظ أربعة: إسماعيل بن علية . قال ابن قتيبة: وكان من خيار الناس، منسوب إلى أمه. مات سنة ١٩٣ هـ، وكان على مظالم محمد الأمين. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ١/ ٢١٣، المعارف ص ٣٨٤، ٥٠٧، شذرات الذهب ١/ ٣٣٣، طبقات الحفاظ ص ١٣٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٢، تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٩، طبقات المفسرين ١/ ١٠٤، تهذيب الأسماء ١/ ١٢٠، الخلاصة ص ٣٢، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٢٩، الفهرست ص ٣١٧"=
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وَاشْتُهِرَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيهِ، وَتَارَةً يُرِيدُ مَالِكًا١.
"وَالْجَرْحُ" هُوَ أَنْ يُنْسَبَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "إلَى قَائِلٍ مَا" أَيْ شَيْءٌ"يُرَدُّ لأَجْلِهِ" أَيْ لأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ "قَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ مِنْ خَبَرٍ، أَوْشَهَادَةٍ مِنْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ ارْتِكَابِ ذَنْبٍ، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ٢.
"وَالتَّعْدِيلُ ضِدُّهُ" وَهُوَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى قَائِلٍ مَا يُقْبَلُ لأَجْلِهِ قَوْلُهُ: مِنْ فِعْلِ
_________________
(١) = وجاء في جميع النسخ: إبراهيم بن إسماعيل. وهو خطأ؛ لأن البيهقي عدد أسماء من روى عنهم الشافعي، وليس فيهم إبراهيم بن إسماعيل، بل ذكر ما أثبتناه في الأعلى، فقال: "إسماعيل بن إبراهيم بن عُلية البصري". "مناقب الشافعي ٢/ ٣١٤". وقال أيضًا: "قلت: وقد قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن معمر، والمراد به "إسماعيل بن عليّة" لتسميته إياه في موضع آخر". "مناقب الشافعي ٢/ ٣١٦". أما إبراهيم بن إسماعيل بن علية فيقول عنه الذهبي: جهمي هالك، كان يناظر ويقول بخلق القرآن. مات سنة ٢١٨ هـ. "ميزان الاعتدال ١/ ٢٠". وذكر البيهقي إبراهيم بن إسماعيل بن عُليّة وأنه كان يناقش الشافعي في خبر الواحد، ثم وصفه بأنه "مبتدع". مناقب الشافعي ١/ ٢١١. ١ حقق الإمام أبو حاتم الرازي هذا الموضوع فقال: "إذا قال الشافعي: أخبرني الثقة عن ابن أبي ذئب، فهو ابن أبي فديك. وإذا قال: حدثني الثقة عن الليث بن سعد، فهو يحيى بن حسان. وإذا قال: أخبرني الثقة عن الوليد بن كثير، فهو أبو أسامة. وإذا قال: أخبرني الثقة عن الأوزاعي، فهو عمرو بن أبي سلمة. وإذا قال: أخبرني الثقة عن ابن جريج، فهو مسلم بن خالد الزنجي. وإذا قال: أخبرني الثقة عن صالح مولى التوأمة، فهو إبراهيم بن يحيى. "انظر: آداب الشافعي ومناقبه ص ٩٦". وانظر: جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٥٠، تيسير التحرير ٣/ ١٠٦، تدريب الراوي ١/ ٣١٣، إرشاد الفحول ص ٦٧- ٦٨. ٢ قال ابن حجر: "الطعن يكون بعشرة أشياء: بعضها يكون أشد في القدح من بعض، خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط". "شرح نخبة الفكر ص ١٢٠". وانظر في تعريف الجرح "التعريفات للجرجاني ص ٧٨، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣١، مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، الرفع والتكميل ص ٢٧".
[ ٢ / ٤٤٠ ]
الْخَيْرِ وَالْعِفَّةِ وَالْمُرُوءَةِ، وَالتَّدَيُّنِ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ١.
"وَتَدْلِيسُ الْمَتْنِ" وَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ "عَمْدًا: مُحَرَّمٌ وَجَرْحٌ" لِمُتَعَمِّدِهِ٢.
وَ٣لِلتَّدْلِيسِ مَعْنَيَانِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالاصْطِلاحُ.
فَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: كِتْمَانُ الْعَيْبِ فِي مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَيُقَالُ: دَالَسَهُ: خَادَعَهُ، كَأَنَّهُ مِنْ الدَّلَسِ وَهُوَ الظُّلْمَةُ؛ لأَنَّهُ إذَا غَطَّى عَلَيْهِ الأَمْرُ أَظْلَمَهُ عَلَيْهِ٤.
وَأَمَّا فِي الاصْطِلاحِ فَقِسْمَانِ: قِسْمٌ مُضِرٌّ يَمْنَعُ الْقَبُولَ. وَقِسْمٌ لا يَضُرُّ.
فَالْمُضِرُّ: هُوَ تَدْلِيسُ الْمَتْنِ. وَسَمَّاهُ الْمُحَدِّثُونَ: الْمُدْرِجِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ – اسْمُ فَاعِلٍ. فَالرَّاوِي لِلْحَدِيثِ إذَا أَدْخَلَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ كَلامِهِ أَوَّلًا أَوْ٥ آخِرًا أَوْ وَسَطًا عَلَى وَجْهٍ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ.
وَفَاعِلُهُ عَمْدًا مُرْتَكِبٌ مُحَرَّمًا مَجْرُوحٌ٦ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ. أَمَّا لَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُحَرَّمًا٧.
_________________
(١) ١ انظر في تعريف التعديل "مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣.الرفع والتكميل ص ٢٧". ٢ انظر: اللمع ص ٤٢، جمع الجوامع ٢/ ١٦٥، غاية الوصول ص ١٠٤، شرح نخبة الفكر ص ١٣٥. ٣ ساقطة من ع ض. ٤ انظر: المصباح المنير ١/ ٣٠٥، القاموس المحيط ٢/ ٢٢٤. ٥ في ب: و. ٦ ساقطة من ش. ٧ المدرج أنواع كثيرة ذكرها علماء الحديث وفصلوا القول فيها "انظر: تدريب الراوي ١/ ٢٦٨، توضيح الأفكار ٢/ ٥١ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص ٤٥، ٤٦، إرشاد الفحول ص ٥٥".
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي التَّشَهُّدِ١. قَالَ فِي آخِرِهِ "فَإِذَا٢ قُلْت هَذَا، فَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ" وَهُوَ مِنْ كَلامِهِ، لا مِنْ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ: وَهَذَا مِنْ الْمُدْرَجِ أَخِيرًا٣.
وَمِثَالُ٤ الْمُدْرَجِ أَوَّلًا: مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ" ٥، فَإِنَّ "أَسْبِغُوا
_________________
(١) ١ روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال: "علمني رسول الله ﷺ التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن: "التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله". قال الترمذي: حديث ابن مسعود أصح حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. "انظر: صحيح البخاري ١/ ١٥٠، صحيح مسلم ١/ ٣٠٢، مسند أحمد ١/ ٣٧٦، سنن أبي داود ١/ ٢٢١، تحفة الأحوذي ٢/ ١٧١، سنن النسائي ٢/ ١٨٩، سنن ابن ماجه ١/ ٢٩١". ٢ في ع: وإذا. ٣ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٤٥، معرفة علوم الحديث ص ٣٩، شرح نخبة الفكر ص ١٣٦، تدريب الراوي ١/ ٢٦٨، توضيح الأفكار ٢/ ٥٣. ٤ في ش: وقال. ٥ روى البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال: "ويلٌ للأعقاب من النار". ورواه أحمد عن جابر أيضًا. وروى أبو داود والنسائي عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "أسبغوا الوضوء"، وفي رواية: "أمرنا أن نسبغ الوضوء، ويل للأعقاب من النار"=
[ ٢ / ٤٤٢ ]
الْوُضُوءَ" مِنْ كَلامِ أَبِي هُرَيْرَةَ١.
وَمِثَالُ الْوَسَطِ: مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ٢ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ٣ رَضِيَ
_________________
(١) = ووروى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص مرفوعًا بلفظ: "أتموا الوضوء، ويل للأعقاب من النار". وروى مالك وأحمد وغيرهما أن عبد الرحمن بن أبي بكر دخل عند عائشة، فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢١، ٤٣، صحيح مسلم ١/ ٢١٣، سنن أبي داود ١/ ٢٢، سنن النسائي ١/ ٦٦، ٧٥، تحفة الأحوذي ١/ ١٥٢، سنن ابن ماجه ١/ ١٥٤، مسند أحمد ٢/ ٢٠١، ٢٨٢، ٤/ ١٩١، ٥/ ٤٢٥، ٦/ ٨١، ٩٩، موارد الظمآن ص ٦٧، الموطأ ١/ ١٩، سنن الدارمي ١/ ١٧٧، نيل الأوطار ١/ ١٩٧، ١٩٩، ٢٠٠، فيض القدير ٢/ ٣٦٦، ٦/ ٣٦٦". ١ انظر: شرح نخبة الفكر ص ١٣٥، توضيح الأفكار ٢/ ٥٥، أصول الحديث ص ٣٧١. ٢ هو علي بن عمر بن أحمد بن مَهْدي، أبو الحسن، البغدادي، الدارقطني، الإمام الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، حافظ الزمان، إليه النهاية في معرفة الحديث وعلومه. وكان يدعى فيه أمير المؤمنين، وكان إمامًا في القراءات والنحو. قال الخطيب: "كان فريد عصره، وإمام وقته، وانتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وحسن الاعتقاد". وله مصنفات كثيرة، منها: "السنن"، و"العلل"، و"الأفراد"، و"المختلف والمؤتلف"، و"المعرفة بمذاهب الفقهاء"، و"المعرفة بالأدب والشعر". توفي سنة ٣٨٥ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في طبقات الحفاظ ص ٣٩٣، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٤٦٢، وفيات الأعيان ١/ ٤٥٩، طبقات القراء ١/ ٥٥٨، تاريخ بغداد ١٢/ ٣٤. ٣ هي الصحابية بُسرة بنت صفوان بن نوفل الأسدية. وهي خالة مروان بن الحكم، وجدة عبد الملك بن مروان، وهي بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن أبي معيط لأمه، كانت تحت المغيرة بن أبي العاص، فولدت له معاوية وعائشة. روي لها أحد عشر حديثًا. قال الشافعي: "لها سابقة قديمة وهجرة". وكانت من المبايعات. انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٢٥٢، الاستيعاب ٤/ ٢٤٩، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٣٢، الخلاصة ص ٤٨٩".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رُفْغَهُ١، فَلْيَتَوَضَّأْ٢" قَالَ: فَذِكْرُ الأُنْثَيَيْنِ، وَالرُّفْغِ مُدْرَجٌ، إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ الرَّاوِي عَنْ بُسْرَةَ٣.
وَ٤مَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْمُحَدِّثِينَ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَنْ يَرِدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلامِ الرَّاوِي، وَهُوَ طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ، قَدْ يَقْوَى وَقَدْ يَضْعُفُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحَدِّثُ عَمْدًا، بِأَنْ قَصَدَ إدْرَاجَ كَلامِهِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ، بَلْ دَلَّسَ ذَلِكَ: كَانَ فِعْلُهُ حَرَامًا، وَيَصِيرُ مَجْرُوحًا مَرْدُودَ الْحَدِيثِ٥.
"و"َ الْقِسْمُ الثَّانِي "غَيْرُهُ" أَيْ غَيْرُ الْمُضِرِّ الَّذِي هُوَ تَدْلِيسُ الْمَتْنِ "مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا٦" وَلَهُ صُوَرٌ:
إحْدَاهَا ٧: أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ فِي رِوَايَتِهِ٨ بِاسْمٍ لَهُ غَيْرِ مَشْهُورٍ مِنْ كُنْيَةٍ
_________________
(١) ١ في سنن الدارقطني: رفغيه. ٢ سنن الدارقطني ١/ ١٤٨. الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارمي وابن الجارود، بدون الزيادة. وسبق تخريجه ص ٣٦٧. ٣ سنن الدارقطني ١/ ١٤٨. وانظر: توضيح الأفكار ٢/ ٥٦، شرح نخبة الفكر ص ١٣٥. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٤٦، شرح نخبة الفكر ص ١٣٧، أصول الحديث ص ٣٧٢، توضيح الأفكار ٢/ ٦٢. ٦ انظر: شرح نخبة الفكر ص ١١٥، تدريب الراوي ١/ ٢٢٨، الكفاية ص ٣٥٥، شرح النووي على مسلم ١/ ٣٣، اللمع ص ٤٢، المسودة ص ٢٧٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، تيسير التحرير ٣/ ٥٦. ٧ في ض: أحدها. ٨ في ش: رواية.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
أَوْ لَقَبٍ أَوْ اسْمٍ١ وَنَحْوِهِ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ الإِمَامِ٢: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى. يُرِيدُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيَّ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسَد٣،٤وَيُرِيدُ بِهِ٥ النَّقَّاشَ٥ الْمُفَسِّرَ٦ - نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ - وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا، وَيُسَمَّى هَذَا "تَدْلِيسَ الشُّيُوخِ٧".
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ هو أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، المقرئ، الإمام الحافظ، أبو بكر التميمي، شيخ القراء في وقته. قال ثعلب: ما بقي في عصرنا أعلم بكتاب الله من ابن مجاهد. وكان ذا علم واسع، وبراعة وفهم، وصدق لهجة، وعبادة ونسك، وكان شافعي المذهب، كما كان بصيرًا بالقراءات وعللها، وازدحم عليه الطلبة للقراءة والعلم، وصنف "القراءات السبعة". توفي سنة ٣٢٤ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٥٧، طبقات القراء ١/ ١٣٩، شذرات الذهب ١/ ١٣٩، تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٢٠، معرفة القراء الكبار ١/ ٢١٦". ٣ في ش: أسيد. ٤ في ب ع ض: يريد. ٥ في ش: النعاس. ٦ هو محمد بن الحسن بن زياد، المقرئ، المفسر، المعروف بالنقاش، أبو بكر، الموصلي الأصل، البغدادي، الإمام في القراءات والتفسير وكثير من العلوم. وكان إمام أهل العراق في القراءة والتفسير. وصنف في التفسير "شفاء الصدور"، كما صنف في غيره. فمن ذلك: "الإشارة إلى غريب القرآن"، و"الموضح في القرآن ومعانيه"، و"المناسك"، و"دلائل النبوة"، و"المعجم الكبير والأوسط والأصغر" في أسماء القرآن. وله أحاديث مناكير. ولد سنة ٢٦٦ هـ، وتوفي سنة ٣٥١ هـ. انظر ترجمته في "طبقات المفسرين ٢/ ١٣٢، طبقات القراء ٢/ ١١٩، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٤٥، طبقات الحفاظ ص ٣٧٠، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٠٨، شذرات الذهب ٣/ ٨، معرفة القراء الكبار ١/ ٢٣٦، تاريخ بغداد ٢/ ٢٠١، البداية والنهاية ١١/ ٢٤٢، وفيات الأعيان ٣/ ٣٢٥". ٧ انظر مزيدًا من الأمثلة في "توضيح الأفكار ١/ ٣٦٧ وما بعدها، التعريفات للجرجاني ص ٥٧، المسودة ص ٢٧٧، أصول السرخسي ١/ ٣٧٩ وما بعدها، تدريب الراوي ١/ ٢٢٨، جمع الجوامع ٢/ ١٦٥، الكفاية ص ٢٢، شرح نخبة الفكر ص ١١٥، نهاية السول ٢/ ٦٤٠، غاية الوصول ص ١٠٤، إرشاد الفحول ص ٥٥، أصول الحديث ص ٣٤٢".
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وَأَمَّا تَدْلِيسُ الإِسْنَادِ: فَهُوَ١ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ أَوْ عَاصَرَهُ حَدِيثًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، مُوهِمًا سَمَاعَهُ مِنْهُ، قَائِلًا: قَالَ: فُلانٌ أَوْ عَنْ فُلانٍ وَنَحْوَهُ. وَرُبَّمَا لَمْ٢ يُسْقِطْ شَيْخَهُ وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ. قَالَهُ٣ ابْنُ الصَّلاحِ٤.
وَمِثْلَهُ غَيْرُهُ: كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: "لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" ٥. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ٦
_________________
(١) ١ في ز ع ض: وهو. ٢ في ش: لا. ٣ في ض: وقاله. ٤ مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤. وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٠، تيسير التحرير ٣/ ٥٦، كشف الأسرار ٣/ ٧٠، أصول السرخسي ١/ ٣٧٩، التعريفات للجرجاني ص ٥٧، الكفاية ص ٢٢، ٣٥٧، المسودة ص٢٧٦، شرح نخبة الفكر ص ١١٥، اللمع ص ٤٢، تدريب الراوي ١/ ٢٤٣، توضيح الأفكار ١/ ٣٥٠، إرشاد الفحول ص ٥٥، أصول الحديث ص ٣٤٢، ٣٤٣. ٥ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن عائشة مرفوعًا. ورواه أيضًا أبو داود عن ابن عباس. ورواه النسائي عن عمران بن حصين."انظر: سنن أبي داود ٢/ ٢٠٨ وما بعدها، تحفة الأحوذي ٥/ ١٢٢، سنن النسائي ٧/ ٢٤، ٢٦، سنن ابن ماجه ١/ ٦٨٦، مسند أحمد ٦/ ٢٤٦، سنن الدارمي ٢/ ١٨٣". ٦ هو سليمان بن أرقم البصري، أبو معاذ. قال البخاري: هو مولى قريظة والنضير. روى عن الحسن وعطاء. وروى عنه الثوري ويحيى بن حمزة. قال الترمذي: متروك. وقال أحمد: لا يروى عنه. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: كنا ننهى عن مجالسة سليمان بن أرقم، فذكر منه أمرًا عظيمًا. وقال الذهبي: "له في "الكامل" نيف وعشرون حديثًا". "انظر: الخلاصة ص ١٥٠، ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٦، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٢٢٨".
[ ٢ / ٤٤٦ ]
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ١، وَأَنَّ هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ٢.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هَذَا الْقِسْمُ مَكْرُوهٌ جِدًّا ذَمَّهُ الْعُلَمَاءُ. وَكَانَ شُعْبَةُ مِنْ أَشَدِّهِمْ ذَمًّا لَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ، وَلأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ. وَهَذَا مِنْهُ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ٣".
_________________
(١) ١ هو يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل، الطائي مولاهم، أبو النضر، اليماني. كان أحد العلماء الأعلام الأثبات. قال أحمد: من أثبت الناس، إنما يعد مع الزهري. وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة. روى عن أنس وجابر وأبي أمامة مرسلًا، وعن عبد الله بن أبي أوفى وعكرمة وغيرهم. وكان يدلس. وقال ابن حبان: "لا يصح له عن أنس بن مالك ولا غيره من الصحابة سماع. وتلك كلها أخبار مدلسة". مات سنة ١٢٩ هـ. انظر ترجمته في "الخلاصة ص ٤٢٧، طبقات الحفاظ ص ٥١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٧، شذرات الذهب ١/ ١٧٦، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٦٥٢، مشاهير علماء الأمصار ص ١٩١". ٢ تحفة الأحوذي ٥/ ١٢٢. وقال الخطابي: لو صح هذا الحديث لكان القول به واجبًا والمصير إليه لازمًا، إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب، وهم فيه سليمان. وقال النووي في "الروضة": حديث ضعيف باتفاق المحدثين. ثم تعقبه الحافظ ابن حجر فقال: قلت: قد صححه الطحاوي وأبو علي ابن السكن، فأين الاتفاق؟ وقال ابن حجر في "فتح الباري": رواته ثقات، لكنه معلول. وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال: لا يصحّ. لكن له شاهد، ونبه على الشاهد السيوطي عند النسائي عن عمران. وقال العراقي: فيه اضطراب. وقال النسائي: سليمان بن أرقم متروك. وللحديث طرق ذكرها الحافظ ابن حجر في "التلخيص" مع الكلام عليها. "انظر: نيل الأوطار ٨/ ٢٧٤، ٢٧٥، فيض القدير ٦/ ٤٣٧، تحفة الأحوذي ٥/ ١٢٢، فتح الباري ١١/ ٤٦٩، شرح السنة للبغوي ١٠/ ٣٤". ٣ مقدمة ابن الصلاح ص ٣٥. وممن شدّد في ذمه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "اللمع ص ٤٢". وانظر: أصول السرخسي ١/ ٣٧٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، كشف الأسرار ٣/ ٧٠، شرح النووي على مسلم ١/ ٣٣، شرح نخبة الفكر ص ١١٨، تدريب الراوي ١/ ٢٢٨، أصول الحديث ص ٣٤٢، ٣٤٣.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ بِاسْمِ شَيْخٍ آخَرَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ عَنْهُ١، كَمَا يَقُولُهُ تَلامِذَةُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ٢:
حَدَّثَنَا أَبُو٣ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، تَشْبِيهًا بِقَوْلِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَهَذَا لا يَقْدَحُ لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ٤.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْتِيَ فِي التَّحْدِيثِ بِلَفْظٍ يُوهِمُ أَمْرًا لا قَدْحَ فِي إيهَامِهِ٥، وَ٦ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: حَدَّثَنَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُوهِمًا أَنَّهُ٧ نَهْرُ جَيْحُونَ،
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٣٥، اللمع ص ٤٢، غاية الوصول ص ١٠٤، كشف الأسرار ٣/ ٧٠، إرشاد الفحول ص ٥٥. ٢ هو محمد بن أحمد بن عثمان، أبو عبد الله الذهبي، شمس الدين، الحافظ، الإمام. ولد بكفر بطنا من غوطة دمشق، ودرس في دمشق والقاهرة والإسكندرية ومكة وغيرها، ثم أقام بدمشق. وكان متقنًا لعلم الحديث ورجاله، وعرف تراجم الناس والتاريخ، حتى لقب بـ"مؤرخ الإسلام". وله مصنفات كثيرة مشهورة، وهي غاية في الدقة والكمال، منها: "تاريخ الإسلام" الكبير، و"تذهيب التهذيب"، و"ميزان الاعتدال"، و"النبلاء" في شيوخ السنة، و"تذكرة الحفاظ"، و"مختصر سنن البيهقي"، و"طبقات مشاهير كبار القراء"، و"التجريد في أخبار الصحابة". وقد أضر قبل موته بسنوات. توفي سنة ٧٤٧هـ. انظر ترجمته في "الدرر الكامنة ٣/ ٤٢٦، نكت الهميان ص ٢٤١، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٩/ ١٠٠، شذرات الذهب ٦/ ١٥٣، البدر الطالع ٢/ ١١٠، طبقات الحفاظ ص ٥١٧، طبقات القراء ٢/ ٧١، ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٤، ٣٤٧". ٣ ساقطة من ز. ٤ ساقطة من ب ز ع ض. وانظر: كشف الأسرار ٣/ ٧١، جمع الجوامع ٢/ ١٦٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، تيسير التحرير ٣/ ٥٦، غاية الوصول ص ١٠٤. ٥ في ع: إبهامه. ٦ ساقطة من ش ز ض. ٧ ساقطة من ز ش ب.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وَهُوَ نَهْرُ عِيسَى بِبَغْدَادَ أَوْ١ الْحِيرَةِ وَنَحْوِهَا بِمِصْرَ، فَلا قَدْحَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الإِغْرَابِ٢، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إيهَامُ الرِّحْلَةِ إلاَّ أَنَّهُ صَدَقَ فِي نَفْسِهِ٣.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ٤.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ٥ وَالْمَرُّوذِيِّ٦: لا يُعْجِبُنِي، هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيبَةِ. وَلا يُغَيِّرُ اسْمَ رَجُلٍ؛ ٧لأَنَّهُ لا يُعْرَفَ٢. وَسَأَلَهُ مُهَنَّا٨ عَنْ
_________________
(١) ١ في ش ز: و. ٢ الإغراب من أغرب أي جاء بشيء غريب، وكلام غريب بعيد عن الفهم "المصباح المنير ٢/ ٦٨١". ٣ ويسمى هذا التدليس "تدليس البلاد" ولا يعتبر ذلك جرحًا. "انظر: توضيح الأفكار ١/ ٣٧٢، أصول الحديث ص ٣٤٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٧، جمع الجوامع ٢/ ١٦٥، تيسير التحرير ٣/ ٥٦، الإحكام للآمدي ٢/ ٩٠، غاية الوصول ص ١٠٤". ٤ قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: "هذه الكراهة: تنزيه أم تحريم؟ قولان والأشبه أنه محرم" "المسودة ص ٢٧٧". وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، شرح نخبة الفكر ص ١٥ وما بعدها، تدريب الراوي ١/ ٢٢٨. ٥ هو حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي، الكرماني، أبو محمد، وقيل أبو عبد الله. كان يكتب بخطه مسائل سمعها من الإمام أحمد. وكان فقيه البلد، رجلًا جليلًا مهيبًا، وكان السلطان قد جعله على أمر الحكم وغيره. وسمع من أحمد يقول: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء، لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين. توفي سنة ٢٨٠ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/ ١٤٥، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦١٣، طبقات الحفاظ ص ٢٧١، شذرات الذهب ٢/ ١٧٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٦". ٦ في ش: والمروزي. ٧ في ش ز: لئلا يعرف. وفي ب ع: لأنه لا يعرفه. ٨هو مهنا بن يحيى الشامي، السُّلَمي، أبو عبد الله. قال الخلال: "كان من كبار أصحاب الإمام أحمد، وروى عن الإمام أحمد من المسائل ما فخر به، وكان الإمام أحمد يكرمه، ويعرف له حق الصحبة. ولزمه ٤٣ سنة إلى أن مات. قال الدارقطني: ثقة نبيل. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ١/ ٣٤٥، المنهج الأحمد ١/ ٣٣١.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
هُشَيْمٍ١؟ قَالَ: ثِقَةٌ إذَا لَمْ يُدَلِّسْ. قُلْت: فِي٢ التَّدْلِيسِ عَيْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالأَشْبَهُ تَحْرِيمُهُ، لأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ تَدْلِيسِ الْمَبِيعِ٣.
"وَمَنْ عُرِفَ بِهِ عَنْ الضُّعَفَاءِ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ السَّمَاعَ" يَعْنِي أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الضُّعَفَاءِ مُوهِمًا أَنَّ سَمَاعَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ: لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ، بِأَنْ يُفْصِحَ بِتَعْيِينِ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ، عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى٤.
"وَمَنْ كَثُرَ مِنْهُ" التَّدْلِيسُ "لَمْ تُقْبَلْ عَنْعَنَتُهُ" قَالَهُ الْمَجْدُ٥، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُحْمَلَ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِمَا سَبَقَ فِي الضَّبْطِ مِنْ
_________________
(١) ١ هو هُشيم بن بشير بن القاسم، السُّلَمي مولاهم، أبو معاوية الواسطي. روى عنه شعبة ومالك وأحمد والثوري وغيرهم. قال العجلي: "ثقة يدلس". وقال ابن سعد: ثقة حجة كثير الحديث يدلس كثيرًا. وكان عنده عشرون ألف حديث. ومن مؤلفاته: "السنن في الفقه"، و"التفسير"، و"القراءات". توفي سنة ١٨٣ هـ ببغداد. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/ ٢٤٨، تاريخ بغداد ١٤/ ٨٥، طبقات الحفاظ ص ١٠٥، طبقات المفسرين ٢/ ٣٥٢، الفهرست ٣١٨، الخلاصة ص ٤١٤، مشاهير علماء الأمصار ص ١٧٧، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٦٢٠. ٢ ساقطة من ع. ٣ المسودة ص ٢٧٧. ٤ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، كشف الأسرار ٣/ ٧٠، مقدمة ابن الصلاح ص ٣٥، شرح نخبة الفكر ص ١١٦، تدريب الراوي ١/ ٢٢٩ وما بعدها. ٥ وهو قول الشافعي وغيره. انظر: الرسالة ص ٣٨٠، تيسير التحرير ٣/ ٥٦، المسودة ص ٢٦١، ٢٧٦، ٢٧٨.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
كَثْرَةِ السَّهْوِ وَغَلَبَتِهِ، وَمَا١ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ.
وَمَنْ دَلَّسَ مُتَأَوِّلًا قُبِلَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ لأَنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنْ الأَعْيَانِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهُ٢.
وَقَدْ رَدَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ قَوْلَ شُعْبَةَ: التَّدْلِيسُ كَذِبٌ. قِيلَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: إنَّ التَّدْلِيسَ كَذِبٌ. فَقَالَ: لا، قَدْ دَلَّسَ قَوْمٌ. وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْهُمْ٣.
"وَالْمُعَنْعَنُ بِلا تَدْلِيسٍ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ: مُتَّصِلٌ" يَعْنِي: أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ الَّذِي لا يُعْلَمُ فِيهِ تَدْلِيسٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ:٤ مُتَّصِلٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالأَكْثَرِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ. وَالأَصْلُ عَدَمُ التَّدْلِيسِ٥، لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثَلاثَةَ شُرُوطٍ: الْعَدَالَةَ، وَاللِّقَاءَ،
_________________
(١) ١ ما: ساقطة من ض. ٢ انظر: المسودة ص ٢٧٧. ٣ انظر تفصيل ذلك مع الأدلة، وبيان من اشتهر بالتدليس مع الأمثلة في "المسودة ص ٢٧٧، توضيح الأفكار ١/ ٣٤٦، ٣٤٨، ٣٥٣، الكفاية ص ٣٥٥، مقدمة ابن الصلاح ص ٣٤ وما بعدها، تدريب الراوي ٢/ ٢٢٣ وما بعدها، معرفة علوم الحديث ص ١٠٣، شرح نخبة الفكر ص ١١٦". ٤ ساقطة من ب. ٥ أي يعتبر الحديث المعنعن مسندًا من حيث الأصل، وليس مرسلًا، ويعمل به، وقال الحاكم: "إن الأحاديث المعنعنة متصلة بإجماع أئمة أهل النقل، إذا لم يكن فيه تدليس". "معرفة علوم الحديث ص ٣٤". وانظر: كشف الأسرار ٣/ ٧١، مقدمة ابن الصلاح ص ٢٩، الرسالة ص ٣٧٣، ٣٧٨، شرح الورقات ص ١٩٢، اللمع ص ٤١، شرح نخبة الفكر ص ٢١٤ وما بعدها، توضيح الأفكار ١/ ٣٣٠، تدريب الراوي ١/ ٢١٤، صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١٢٧ وما بعدها، المسودة ص ٢٦٠.
[ ٢ / ٤٥١ ]
وَعَدَمَ التَّدْلِيسِ١.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: مَا رَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ٢ عَنْ عَلْقَمَةَ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. *أَوْ٤ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ٥ عَنْ أَبِيهِ، وَدَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ
_________________
(١) ١ انظر: شرح الورقات ص ١٩٣، تدريب الراوي ١/ ٢١٥. ٢ هو إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن الأسود، أبو عمران، النخعي. قال الذهبي: "أحد الأعلام، يرسل عن جماعة، وكان لا يُحكِم العربية، ربما لحن، واستقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره، فليس ذلك بحجة". رأى إبراهيم زيد بن أرقم وغيره من الصحابة، ولم يصح له سماعٌ من صحابي، وكان فقيه أهل الكوفة. توفي سنة ٩٥ هـ، وقيل ٩٦ هـ. انظر ترجمته في "ميزان الاعتدال ١/ ٧٤، الخلاصة ص ٢٣، طبقات الفقهاء ص ٨٢، طبقات الحفاظ ص ٢٩، تذكرة الحفاظ ١/ ٧٣، حلية الأولياء ٤/ ٢١٧، صفة الصفوة ٣/ ٨٦، وفيات الأعيان ١/ ٦، طبقات القراء ١/ ٢٩، شذرات الذهب ١/ ١١١، مشاهير علماء الأمصار ص ١٠١". ٣ هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعي، أبو شِبل الكوفي، التابعي الكبير، الفقيه البارع. سمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليًّا وابن مسعود وسلمان، وأجمعوا على جلالته، ووفور علمه، وجميل طريقته. وكان أكبر أصحاب ابن مسعود وأشبههم به هديًا ودلالة، شهد صفين. توفي سنة ٦٢ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء ص ٧٩، طبقات الحفاظ ص ١٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٤٨، الخلاصة ص ٢٧١، تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٦، تهذيب الأسماء ١/ ٣٤٢، المعارف ص ٤٣١، شذرات الذهب ١/ ٧٠، معرفة القراء الكبار ١/ ٤٤، طبقات القراء ١/ ٥١٦، مشاهير علماء الأمصار ص ١٠٠". ٤ في ز ش: و. ٥هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر. وقيل أبو عبد الله القرشي، العدوي، المدني، التابعي، الإمام الفقيه، الزاهد العابد. أجمعوا على إمامته وجلالته، وزهادته وعلو=
[ ٢ / ٤٥٢ ]
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١": كُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ٢.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ٣.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "عَدَّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ٤". فَيُجْعَلَ مُرْسَلًا، إنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ٥ الصَّحَابِيِّ، وَمُنْقَطِعًا إنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ٦ غَيْرِهِ٧.
"*وَقَوْلُنَا: "بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ" يَشْمَلُ٨: "عَنْ وَإِنْ وَقَالَ" وَنَحْوَهُ عَلَى الصَّحِيحِ٩.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ "إنَّ فُلانًا" لَيْسَتْ لِلاتِّصَالِ.١٠
_________________
(١) = مرتبته. قال ابن سعد: "كان سالم كثير الحديث، عاليًا من الرجال ورعًا". وعدَّه ابن المبارك من فقهاء المدينة السبعة، وأصح الأسانيد كلها: الزهري عن سالم عن أبيه، وهي سلسلة الذهب. توفي سنة ١٠٦ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٣٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٨٨، تهذيب الأسماء ١/ ٢٠٧، الخلاصة ص ١٣١، حلية الأولياء ٢/ ١٩٣، وفيات الأعيان ٢/ ٩٤، شذرات الذهب ١/ ٣٣، طبقات القراء ١/ ٣٠١، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٦٢، مشاهير علماء الأمصار ص ٦٥". *-١ ساقطة من ب. ٢ انظر: المسودة ص ٢٦١. ٣ انظر: المسودة ص ٢٦٠. ٤ مقدمة ابن الصلاح ص ٢٩. ٥ في ش ز: قبل. ٦ في ش ز: قبل. ٧ انظر: اللمع ص ٤١، كشف الأسرار ٣/ ٧١. ٨ في ع: شمل. ٩ انظر: الكفاية ص ٤٠٦. ١٠ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٩.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ١، عُلِمَ٢ إمْكَانُ اللِّقَاءِ أَوْ لا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ.
"وَيَكْفِي إمْكَانُ لُقِيٍّ" دُونَ الْعِلْمِ بِهِ٣ "فِي قَوْلٍ" اخْتَارَهُ مُسْلِمٌ. وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ٤.
قَالَ٥ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُرَدُّ بِهِ الْخَبَرُ وَمَا لا يُرَدُّ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي آخِرِ "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ". وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ.
وَاشْتَرَطَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْعِلْمَ بِاللُّقِيِّ٦.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ": هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الإِمَامِ٧ أَحْمَدَ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمْ٨ مِنْ أَعْيَانِ الْحُفَّاظِ، بَلْ كَلامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ السَّمَاعِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَعْيَانِ ثَبَتَتْ٩ لَهُمْ الرُّؤْيَةُ١٠ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتْ
_________________
(١) *-١ ساقطة من ض. ٢ في ع ض: وعلم. ٣ ساقطة من ب. ٤ انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١٣٠ وما بعدها، صحيح مسلم ١/ ٢٩. ٥ في ض: وقال. ٦ انظر: توضيح الأفكار ١/ ٤٤، ٨٦، ١٠٠. ٧ ساقطة من ش ز. ٨ ساقطة من ش ز. وفي ض: وغيرهما. ٩ في ب: ثبت. ١٠ في ز ع ب: الرواية. وهو تصحيف.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
لَهُمْ السَّمَاعُ مِنْهُمْ. فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُمْ مُرْسَلَةٌ. مِنْهُمْ الأَعْمَشُ١، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَأَيُّوبُ٢ وَابْنُ عَوْنٍ٣، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ٤: رَأَوْا أَنَسًا وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ٥. كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَهُ٦ أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا فِي٧ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
_________________
(١) ١ في ز: للأعمش. ٢ هو أيوب بن أبي تميمة كيسان، السختياني، العنزي، أبو بكر البصري، الفقيه، أحد الأئمة الأعلام. قال شعبة: "هو سيد الفقهاء". وقال ابن سعد: "وكان ثقة ثبنتًا حجة جامعًا كثير العلم". وكان من سادات البصرة، وعباد أتباع التابعين، وفقهائهم. واشتهر بالفضل والعلم والنسك والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدعة. رأى أنس بن مالك، ولم يسمع منه، وهو من صغار التابعين، مات بالطاعون سنة ١٣١ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٩، طبقات الحفاظ ص ٥٢، تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٠، تهذيب الأسماء ١/ ١٣١، الخلاصة ص ٤٢، شذرات الذهب ١/ ١٨١، مشاهير علماء الأمصار ص ١٥٠، المعارف ص ٤٧١، حلية الأولياء ٣/ ٣، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٤٨". ٣ هو عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، أبو عون البصري، أحد الأعلام، وهو شيخ البصرة وعالمهم. وكان ورعًا ثقة، عالمًا بالسنة. قال عبد الرحمن بن مهدي: ما كان بالعراق أعلم بالسنة من ابن عون. وقال أبو إسحاق: هو ثقة في كل شيء. وقال ابن معين: وقد رأى ابن عون أنس بن مالك، وهو أكبر من أيوب بسنتين، وعاش بعده عشرين سنة. توفي سنة ١٥١ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٦٩، تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٦، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩٠، الخلاصة ص ٢٠٩، شذرات الذهب ١/ ٢٣٠، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٣٢٤". ٤ هو قرة بن خالد السدوسي، الحافظ، أبو خالد البصري، صاحب الحسن وابن سيرين. قال يحيى القطان: كان من أثبت شيوخنا، وثقه أحمد وابن معين، مات سنة ١٥٤ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٨٥، تذكرة الحفاظ ١/ ١٩٨، الخلاصة ص ٣١٦، شذرات الذهب ١/ ٢٣٧، مشاهير علماء الأمصار ص ١٥٦". ٥ في ب: غير مرسلة. ٦ في ب ز ع: وقال. ٧ في ع: فيه في.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: قَدْ رَأَى أَنَسًا فَلا أَدْرِي أَسَمِعَ١ مِنْهُ أَمْ لا؟
وَلَمْ يَجْعَلُوا رِوَايَتَهُ عَنْهُ مُتَّصِلَةً بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ، وَالرُّؤْيَةُ أَبْلَغُ مِنْ إمْكَانِ اللُّقِيِّ.
وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ صِبْيَانِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُمْ سَمَاعٌ مِنْهُ. فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ. كَطَارِقِ بْنِ شِهَابٍ٢ وَغَيْرِهِ٣.
وَكَذَلِكَ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَعَ اللِّقَاءِ لَمْ يَسْمَعْ مِمَّنْ لَقِيَهُ إلاَّ شَيْئًا يَسِيرًا. فَرِوَايَتُهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ. كَرِوَايَاتِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ. فَإِنَّ الأَكْثَرِينَ نَفَوْا سَمَاعَهُ مِنْهُ. ٤وَأَثْبَتَ أَحْمَدُ أَنَّهُ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: رِوَايَاتُهُ٥ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ. إنَّمَا سَمِعَ١ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، مِثْلَ
_________________
(١) ١ في ز ش ع ض: سمع. ٢ هو طارق بن شهاب بن عبد شمس، الكوفي البجلي، الأحمسي، أبو عبد الله. أدرك الجاهلية. ورأى النبي ﷺ وهو رجل. ويقال: لم يسمع منه شيئًا. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: له صحبة، والحديث الذي رواه مرسل" وقال ابن حجر: "إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح". وأخرج له أصحاب الكتب الستة. غزا في زمن أبي بكر وعمر وثلاثين غزوة. سكن الكوفة، توفي سنة ٨٣ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٢٢٠، الاستيعاب ٢/ ٢٣٧، تهذيب الأسماء ١/ ٢٥١، الخلاصة ص ١٧٨، مشاهير علماء الأمصار ص ٤٨". ٣ الروايات المرسلة عن الصحابة، سواء كانوا من كبار الصحابة أم من صغارهم، مقبولة عند جماهير علماء الحديث والأصول. أما الروايات المرسلة عن غير الصحابة فقد اختلف العلماء فيها، كما سيذكر ذلك المصنف في فصل "المرسل" في آخر هذا المجلد.٤ ساقطة من ض. ٥ في ب: روايته.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
نَعْيِهِ١ النُّعْمَانَ بْنَ مُقْرِنٍ٢ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ٣. وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ٤ عُثْمَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَأْمُرُ٥ بِقَتْلِ الْكِلابِ وَذَبْحِ الْحَمَامِ، وَرِوَايَاتُهُ عَنْهُ٦ غَيْرَ ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ.
وَ٧قَالَ أَحْمَدُ: ابْنُ جُرَيْجٍ٨ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ طَاوُسٍ وَلا حَرْفًا. وَيَقُولُ: رَأَيْت طَاوُسًا.
_________________
(١) ١ في ز ش: نفيه. ٢ هو الصحابي النعمان بن مقرن بن عائذ المزني، ويقال: النعمان بن عبيد، ويقال لعبيد: مقرن بن مقرن بن أوس بن مالك الأنصاري. ويقال: النعمان بن عمرو بن مقرن، يكنى بأبي عمرو. وقيل: أبو حكيم. كان مع النبي ﷺ مع إخوته، وهم سبعة. وسكن. البصرة، ثم ذهب إلى الكوفة، وكان من سادات الصحابة، وشارك في القادسية، وكان أميرًا في فتح أصبهان، وتوجه إلى نهاوند، فكان أول صريع فيها سنة ٢١ هـ. فنعاه عمر للناس يوم أصيب على المنبر، وأخذ حذيفة بن اليمان الراية بعده، ففتح الله عليه. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٥٦٢، الاستيعاب ٣/ ٥٤٥، المعارف ص ٢٩٩، الخلاصة ص ٤٠٣، شذرات الذهب ١/ ٣٢". ٣ قال يحيى بن سعيد: كان سعيد أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته، وكان يسمى راوية عمر، وقد ولد سعيد لسنتين مضتا، وقيل لأربع من خلافة عمر. وقال يحيى بن معين: "سعيد بن المسيب رأى عمر". وقال: "ولم يثبت له من عمر سماع. توفي سعيد سنة ٩٣ هـ أو ٩٤ هـ. ومرت ترجمته ص ٢٣٢. "وانظر: طبقات الحفاظ ص ١٧- ١٨، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٢٠٧". ٤ في ع: عن. ٥ ساقطة من ب ز ع ض. ٦ ساقطة من ب. ٧ ساقطة من ز ش ع. ٨ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج القرشي، الأموي مولاهم، المكي، أبو الوليد، ويقال: أبو خالد، من تابعي التابعين، أحد العلماء المشهورين، من فقهاء مكة وقرائهم. قال أحمد: أول من صنف الكتب ابنُ جريج وابن أبي عروبة. وقال عطاء: سيد أهل الحجاز ابن جريج. وقال ابن حبان البستي: جمع وصنف وحفظ وذاكر، وكان يدلس. قال الواقدي: سألته عن قراءة الحديث عن المحدث؟ قال: إذا قرأها هو والسماع سواء. قال ابن العماد: قلت: هذا مذهب مالك وجماعة. وعن أحمد: فالسماع أعلى رتبة. مات سنة ١٥٠ هـ. قال النووي: واعلم أن ابن جريج أحد شيوخنا وأئمتنا، فالشافعي أخذ عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٧٤، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٩، مشاهير علماء الأمصار ص ١٤٥، طبقات القراء ١/ ٤٦٩، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٩٨، وفيات الأعيان ٢/ ٣٣٨، المعارف ص ٤٨٨، تاريخ بغداد ١/ ٤٠٠، شذرات الذهب ١/ ٢٢٧، الخلاصة ص ٢٤٤، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٥٢، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٣٧١، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧١".
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ أَيْضًا: الزُّهْرِيُّ١ لا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، رَآهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ٢ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَأَثْبَتَ أَيْضًا دُخُولَ مَكْحُولٍ٣ عَلَى وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ٤ وَرُؤْيَتَهُ لَهُ وَمُشَافَهَتَهُ، وَأَنْكَرَ
_________________
(١) ١ في ض: الرازي. ٢ هو الصحابي بن الصحابي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر القرشي الهاشمي. أمه أسماء بنت عميس. كان أبوه جعفر قد هاجر إلى أرض الحبشة فولدت له عبد الله هناك، وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة. وهاجر مع أبيه إلى المدينة، وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق، ويحيى بن علي بن أبي طالب. أمهم أسماء تزوجها جعفر، ثم أبو بكر، ثم علي. وكان عبد الله كريمًا جوادًا حليمًا. وكان يسمى بحر الجود، وهو أجود العرب، مسح رسول الله ﷺ رأسه، ودعا له. توفي سنة ٨٠ هـ. انظر ترجمته "في الإصابة ٢/ ٢٨٩، الاستيعاب ٢/ ٢٧٥، تهذيب الأسماء ١/ ٢٦٣، الخلاصة ص ١٩٣، مشاهير علماء الأمصار ص ٩". ٣ هو مكحول بن عبد الله الدمشقي، أبو عبد الله الفقيه، أحد أئمة التابعين. قال أبو حاتم: "ما أعلم بالشام أفقه منه". ولم يكن في زمانه أبصر منه بالفتيا، وكان في لسانه عجمة ظاهرة، وهي عجمة أهل السند، لأنه كان من سبي كابل، وثقه جماعة. وضعفه جماعة. توفي سنة ١١٢ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٤٢، تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٧، حلية الأولياء ٥/ ١٧٧، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٧٥، وفيات الأعيان ٤/ ٣٦٨، الخلاصة ص ٣٨٦، شذرات الذهب ١/ ١٤٦، مشاهير علماء الأمصار ص ١١٤". ٤ هو الصحابي واثلة بن الأسقع بن عبد العزى، أبو شداد، وقيل في كنيته غير ذلك، الكناني الليثي. أسلم قبل غزوة تبوك وشهدها مع رسول الله ﷺ، وشهد فتح الشام وحمص. وقيل: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصُّفّة. سكن الشام بدمشق، ثم استوطن بيت جيرين بقرب بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار. توفي بدمشق سنة ٨٥ هـ، وقيل غير ذلك. وله مائة وخمس سنين. وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٦٢٦، الاستيعاب ٣/ ٦٤٣، طبقات القراء ٢/ ٣٥٨، تهذيب الأسماء ٢/ ١٤٢، حلية الأولياء ٢/ ٢١".
[ ٢ / ٤٥٨ ]
سَمَاعَهُ مِنْهُ١. وَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ٢، وَجَعَلَ رِوَايَاتِهِ عَنْهُ مُرْسَلَةً.
وَقَالَ أَحْمَدُ: أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ٣ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، مِنْ أَيْنَ سَمِعَ مِنْهُ؟
وَمُرَادُهُ: مِنْ أَيْنَ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ٤ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَإِلاَّ فَإِمْكَانُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُهُ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ٥: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ،
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ع ض. ٢ خالف في ذلك الإمام يحيى بن معين، فقال: "سمع مكحول من واثلة بن الأسقع، وسمع من فضالة بن عبيد، وسمع من أنس بن مالك". "يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٥٨٤". ٣ هو أبان بن عثمان بن عفان، أبو سعيد القرشي، المدني الأموي، التابعي الكبير. قال عمرو بن شعيب: "ما رأيت أحدًا أعلم بحديث ولا فقه من أبان بن عثمان". وهو أحد فقهاء المدينة العشرة. واتفق العلماء على أنه ثقة. شهد الجمل مع عائشة، وكان أبرص أحول، وأصابه الفالج قبل موته بسنة. توفي بالمدينة سنة ١٠٥ هـ. انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء ١/ ٩٧، شذرات الذهب ١/ ١٣١، مشاهير علماء الأمصار ص ٦٧، الخلاصة ص ١٥". ٤ في ب ع ض: الرواية. ٥هو أسعد بن سهل بن حنيف، سماه رسول الله ﷺ باسم جده لأمه أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكناه بكنيته ودعا له. وهو أنصاري دَوْسي مدني. ولد في حياة رسول الله ﷺ. قال ابن شهاب: ممن أدرك النبي ﷺ. وقال ابن عبد البر: يعد من كبار التابعين، وكان من علماء المدينة. توفي سنة مائة هجرية. انظر ترجمته في "الاستيعاب ٤/ ٥، الإصابة ٤/ ٩، ٣/ ٥٩، شذرات الذهب ١/ ١١٨، مشاهير علماء الأمصار ص ٢٨".
[ ٢ / ٤٥٩ ]
هَذَا مَعَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ.
فَدَلَّ كَلامُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ عَلَى أَنَّ الاتِّصَالَ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ. وَهَذَا أَضْيَقُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْهُمَا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ١: إمَّا السَّمَاعُ، وَإِمَّا اللِّقَاءُ. وَالإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ تَبِعَهُ٢: عِنْدَهُمْ لا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ السَّمَاعِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُمْ: أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: ابْنُ سِيرِينَ٣ لَمْ يَجِئْ عَنْهُ سَمَاعٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الزُّهْرِيُّ أَدْرَكَ أَبَانَ بْنَ عَبَّاس٤ وَمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَلَكِنْ لا يَثْبُتُ لَهُ السَّمَاعُ، كَمَا أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي
_________________
(١) ١ في ع: الأمرين. ٢ في د ض: معه. وكذا في أصل ز. لكنها صححت على الهامش كما أثبتناه أعلاه. ٣ هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر البصري، مولى أنس بن مالك، التابعي الكبير، الإمام في التفسير والحديث والفقه. وعبر الرؤيا والمقدم في الزهد والورع، ولم يكن بالبصرة أعلم منه بالقضاء. وأريد على القضاء فهرب إلى الشام، وكان بزازًا، وحبس بدين عليه. توفي سنة ١١٠ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٨، طبقات القراء ٢/ ١٥١، تذكرة الحفاظ ١/ ٧٧، طبقات الحفاظ ص ٣١، الخلاصة ص ٣٤٠، وفيات الأعيان ٣/ ٣٢٢، شذرات الذهب ١/ ١٣٨، تاريخ بغداد ٥/ ٣٣١، حلية الأولياء ٢/ ٢٦٣، تهذيب الأسماء ١/ ٨٢، مشاهير علماء الأمصار ص ٨٨". ٤ كذا في جميع النسخ. ولم أجد هذا الاسم في كتب الرجال والتراجم. والغالب أنه تصحيف من أبان بن عثمان الذي مرت ترجمته في الصفحة السابقة. ولعله أبان بن أبي عياش، الفقيه أبو إسماعيل، مولى بني عبد القيس، من أهل البصرة. يحدث عن أنس والحسن، وروى عنه الثوري. وكان من العباد الذين يسهرون الليل بالقيام، ويطوي النهار بالصيام. قال أحمد وابن معين: متروك. وقال ابن حبان: ضعيف. مات في حدود ١٤٠ هـ. "انظر: الخلاصة ص ١٥، المعارف ص ٤٢١، ميزان الاعتدال ١/ ١٠، كتاب المجروحين ١/ ٨١، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٦".
[ ٢ / ٤٦٠ ]
ثَابِتٍ١ لا يَثْبُتُ لَهُ السَّمَاعُ مِنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ حُجَّةً.
وَاعْتِبَارُ السَّمَاعِ لاتِّصَالِ الْحَدِيثِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَحَكَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَقُوَّةُ كَلامِهِ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ.
"وَظَاهِرُهُ" أَيْ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَكْفِي إمْكَانُ اللِّقَاءِ٢ "لَوْ٣ رَوَى" ثِقَةٌ "عَمَّنْ" أَيْ عَنْ إنْسَانٍ "لَمْ يُعْرَفْ بِصُحْبَتِهِ، و"َ وَلا بِـ "رِوَايَتِهِ٤ عَنْهُ يُقْبَلُ مُطْلَقًا" سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ أَصْحَابُ الشَّيْخِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَوْ أَنْكَرُوهُ؛ لأَنَّهُ ثِقَةٌ. وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ بُرْهَانٍ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ٥ الشَّافِعِيَّةُ. وَكَلامُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "إذَا رَوَى رَجُلٌ خَبَرًا عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ لَمْ يُعْرَفْ بِصُحْبَتِهِ وَلَمْ ٦يَشْتَهِرْ بِالرِّوَايَةِ٥ عَنْهُ، وَأَجْمَعَ٧ أَصْحَابُ الشَّيْخِ
_________________
(١) ١ هو حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الأسدي، أبو يحيى الكوفي، وهو من خيار الكوفيين وثقاتهم ومتقنيهم، لكنه كان يدلس، وهو فقيه الكوفة ومفتيها. سمع ابن عمر وابن عباس، وثقه ابن معين وجماعة. واحتج به كل من أفراد الصحاح بلا تردد. وتكلم فيه ابن عون بأنه كان أعور، وهو من الشيعة. توفي سنة ١١٩ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ١١٦، طبقات الحفاظ ص ٤٤، ميزان الاعتدال ١/ ٤٥١، مشاهير علماء الأمصار ص ١٠٨، الخلاصة ص ٧٠، المعارف ص ٥٨٧، ٦٢٤، شذرات الذهب ١/ ١٥٦، حلية الأولياء ٥/ ٦٠، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٩٦، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٣". ٢ في ع: اللقي. ٣ في ش: أو. ٤ في ع: برواية. ٥ في ب ع ض: تقبله. ٦ في المسودة: تشتهر الرواية. ٧ في المسودة: واجتمع.
[ ٢ / ٤٦١ ]
الْمَعْرُوفُونَ عَلَى جَهَالَتِهِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ: هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ قَبُولَ خَبَرِهِ؟ قَالَتْ١ الشَّافِعِيَّةُ: يَمْنَعُ، وَقَالَتْ٢ الْحَنَفِيَّةُ: لا يَمْنَعُ، وَنَصَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ. وَالأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَوَاضِعَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ. وَالثَّانِي: يَدُلُّ عَلَى كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي اعْتِذَارِهِ لِجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ٣ فِي قِصَّةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ٤ مَعَ زَوْجَتِهِ٥٦".
وَقَدْ٧ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْمُحَقِّقُونَ٨ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَمْنَعُونَ رَدَّ الْخَبَرِ
_________________
(١) ١ في ش ز: وقال. ٢في ش ز: وقال. ٣ هو جابر بن يزيد بن الحارث، الجُعْفي، الكوفي، أحد كبار علماء الشيعة. وثقه الثوري وغيره. وقال النسائي: "متروك". له في أبي داود حديث فرد. وقال شعبة: كان جابر إذا قال: أخبرنا وحدثنا وسمعنا فهو من أوثق الناس، وكان يؤمن بالرجعة فترك بسبب اعتقاده وتصرفاته. توفي سنة ١٢٨ هـ. وروى عنه أبو حنيفة ثم قال: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي. وقال ابن معين: كان جابر الجعفي كذابًا. وقال: لا يكتب حديثه ولا كرامة. انظر ترجمته في "الخلاصة ص ٥٩، ميزان الاعتدال ١/ ٣٧٩، شذرات الذهب ١/ ١٧٥، المعارف ص ٤٨٠، طبقات الحفاظ ص ٣٩، كشف الأسرار ٣/ ٣، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٧٦". ٤ هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو المنذر. قال ابن سعد: "كان ثقة ثبتًا كثير الحديث حجة". وهو أحد تابعي المدينة المشهورين، المكثرين من الحديث، المعدودين من أكابر العلماء، وجلة التابعين. قدم بغداد على المنصور فمات فيها سنة ١٤٦ هـ، وقيل غير ذلك. وصلى عليه المنصور. انظر ترجمته في "طبقات الحفاظ ص ٦١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٤٤، وفيات الأعيان ٥/ ١٢٩، الخلاصة ص ٤١٠، شذرات الذهب ١/ ٢١٨، ميزان الاعتدال ٤/ ٣٠١، تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢/ ٦١٨". ٥ هي فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية المدنية. روت عن أم سلمة وعن جدتها أسماء بنت أبي بكر، وحدث عنها زوجها هشام بن عروة وابن سوقة. وثقها العجلي."انظر: الخلاصة ص ٤٩٤، تذكرة الحفاظ ١/ ١٤٤". ٦ المسودة ص ٣٠٥. ٧ ساقطة من ب. ٨ في ش: المحقون.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
بِالاسْتِدْلالِ، كَرَدِّ خَبَرِ الْقَهْقَهَةِ١ اسْتِدْلالًا بِفَضْلِ٢ الصَّحَابَةِ ﵃ الْمَانِعِ مِنْ الضَّحِكِ٣.
وَرَدَّتْ عَائِشَةُ ﵂ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّؤْيَةِ٤.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ قَوْلَهُ: "لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ٥" بَعِيدُ الصِّحَّةِ؛ لأَنَّ السُّنَّةَ تَأْتِي بِالْعَجَائِبِ٦.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَعْرُوفٍ بِالْخَبَرِ بِإِتْلافٍ أَوْ غَضَبٍ لَمْ تُرَدَّ بِالاسْتِبْعَادِ٧.
هَذَا مَعْنَى٨ كَلامِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي رَدِّهِ بِمَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ٩.
_________________
(١) ١ روى ابن أبي شيبة عن حميد بن هلال قال: كانوا في سفر، فصلى بهم أبو موسى، فسقط رجل أعور في بئر أو شيء، فضحك القوم كلهم غير أبي موسى والأحنف، فأمرهم أن يعيدوا الصلاة. وروى الطبراني عن أبي موسى حديث الوضوء من القهقهة. "انظر: تخريج أحاديث البزدوي ص ١٩٧". ٢ في ش ز: بفعل. ٣ انظر: المسودة ص ٢٣٨. ٤ انظر: المسودة ص ٢٣٨. وحديث الرؤية رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والدارمي عن أبي هريرة وغيره مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ١٠٥، ٤/ ٢٨٣، صحيح مسلم ١/ ١٦٣، سنن أبي داود ٢/ ٥٣٥، تحفة الأحوذي ٧/ ٢٦٧، سنن ابن ماجه ١/ ٦٣، سنن الدارمي ٢/ ٣٢٦، مسند أحمد ٣/ ١٦". ٥ رواه البخاري في"صحيحه ٣/ ١٣٨"، والترمذي بمعناه "تحفة الأحوذي ٨/ ٤٩٦". ٦ انظر: المسودة ص ٢٣٨. ٧ هنا ينتهي كلام ابن عقيل عن منع رد الخبر بالاستدلال، مع الأمثلة لذلك، والتصرف في العبارة. انظر: "المسودة ص ٢٣٨". ٨ ساقطة من ض. ٩ انظر: المسودة ص ٢٣٨.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
"وَلا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ خَبَرٍ أَنْ لا يُنْكَرَ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ رَوَى ثِقَةٌ خَبَرًا فَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِهِ عِنْدَنَا. وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلافِ فِي خَبَرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ١ وَرَدِّ عُمَرَ لَهُ٢. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَوَابُ مَنْ قَالَ: ٣رَدَّهُ السَّلَفُ٣: أَنَّ الثِّقَةَ لا يُرَدُّ حَدِيثُهُ لإِنْكَارِ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةً٤.
_________________
(١) ١ هي الصحابية فاطمة بنت قيس بن خالد الفهرية القريشية. وهي أخت الضحاك بن قيس، وكانت أكبر منه بعشر سنين، طلقها زوجها، وتزوجت أسامة، وكانت من المهاجرات الأول، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى، وكانت ذات عقل وافر وجمال وكمال، وهي التي روت قصة الجساسة بطولها، وحديثها في طلب النفقة من وكيل زوجها. وروت ٣٤ حديثًا. انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٣٨٤، الاستيعاب ٤/ ٣٨٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٥٣، الخلاصة ص ٤٩٤، مسند أحمد ٦/ ٣٧٣". ٢ روى مسلم عن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود بن يزيد كفًّا من حصى فحصبه به وقال: ويلك، تحدث بمثل هذا؟! قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري، لعلها حفظت أو نسيت". وكذلك روى مسلم أن عائشة ﵂ أنكرت ذلك على فاطمة. "انظر صحيح مسلم ٢/ ١١١٦، ١١١٨، نيل الأوطار ٦/ ٣٣٩". وروى مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك والدارمي وغيرهم عن فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة". "انظر: صحيح مسلم ١/ ١١٥، مسند أحمد ٦/ ٣٧٣، سنن أبي داود ١/ ٥٣١، تحفة الأحوذي ٤/ ٣٥١، سنن النسائي ٦/ ١٧٥، سنن ابن ماجه ١/ ٦٥٦، الموطأ ٢/ ٥٧٩، سنن الدارمي ٢/ ١٦٥، نيل الأوطار ٦/ ٣٣٨". ٣ في ب: رد السلف الخلف. ٤ انظر: المسودة ص ٢٧٢.
[ ٢ / ٤٦٤ ]