فَصْلٌ: "الْخَبَرُ إنْ طَابَقَ"
مَا فِي الْخَارِجِ "فَ" هُوَ "صِدْقٌ وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ "فَ" هُوَ "كَذِبٌ" وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ مَعَ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمِهَا مَعَ الْكَذِبِ. وَبَيْنَ أَنْ لا يَعْتَقِدَ شَيْئًا أَوْ يَعْتَقِدَ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ وُجُودِهَا، أَوْ يَعْتَقِدَ وُجُودَهَا مَعَ عَدَمِهَا. وَإِذَنْ فَلا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ١.
وَقَالَ الْجَاحِظُ٢: الْمُطَابِقُ٣ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ صِدْقٌ، وَغَيْرُ الْمُطَابِقِ٤ مَعَ اعْتِقَادِ٥ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ كَذِبٌ. وَغَيْرُهُمَا وَاسِطَةٌ،
_________________
(١) ١ انظر قول الجماهير مع توجيهه وبيانه في "التمهيد للإسنوي ص ١٣٥، الإحكام للآمدي ٢/ ١٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٨، نهاية السول ٢/ ٢٦١، الفروق ١/ ٢٥، المعتمد ٢/ ٥٤٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٥٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٠، المسودة ص ٢٣٢، إرشاد الفحول ص ٤٤، غاية الوصول ص ٩٤". ٢ هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، المعروف بالجاحظ، الكناني الليثي البصري، العالم المشهور، صاحب التصانيف في كل فن، وله مقالة في أصول الدين، وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، كان بحرًا من بحور العلم، رأسًا في الكلام والاعتزال. ومن تصانيفه: "الحيوان"، و"البيان والتبيين"، و"العرجان والبرصان والقرعان". وله مصنفات في التوحيد وإثبات النبوة وفي الإمامة وفضائل المعتزلة، وكان مع فضائله وفصاحته مشوه الخلقة، وأصيب في أواخر عمره بالفالج. توفي بالبصرة سنة ٢٥٥هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٣/ ١٤٠، بغية الوعاة ٢/ ٢٢٨، شذرات الذهب ٢/ ١٢١، روضات الجنات ٥/ ٣٢٤، فرق وطبقات المعتزلة ص ٧٣". ٣ في ش ب ز ض: المطابقة. وكذا في أصل ع، لكنها صححت على الهامش كالأعلى. ٤ في ش ب ز ض: المطابقة. ٥ ساقطة من ش ب ز.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
لا١ صِدْقٌ٢، وَلا كَذِبٌ. فَيَدْخُلُ فِي الْوَاسِطَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فَتَصِيرُ الأَقْسَامُ عِنْدَهُ سِتَّةٌ: صِدْقٌ وَكَذِبٌ وَ٣وَاسِطَةٌ٤؛ لأَنَّ الْخَبَرَ إمَّا مُطَابِقٌ أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ. فَإِنْ كَانَ ٥مُطَابِقًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لا. وَالثَّانِي: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ أَنْ لا٥ مُطَابَقَةَ أَوْ لا٦.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَإِمَّا٧ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ أَنْ لا مُطَابَقَةَ أَوْ لا. وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ اعْتِقَادُ الْمُطَابَقَةِ أَوْ لا٨.
وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ الْجَاحِظِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ٩. وَالْمُرَادُ الْحَصْرُ فِي الافْتِرَاءِ وَالْجُنُونِ، ضَرُورَةَ عَدَمِ اعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ.
_________________
(١) ١ في ش ز: ولا. ٢ في ش ز: صدق فيه. ٣ ساقطة من ض. ٤ وكذلك قال الراغب الأصبهاني بالواسطة. وقال البناني: "قلت: وكلام السعد في مطوله يشعر بعدم الجزم بنفي الواسطة". "انظر: البناني على جمع الجوامع ٢/ ١١٢، الإحكام للآمدي ٢/ ١٠، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/ ١١١، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٥٠، المسودة ص ٢٣٢، الفروق ١/ ٢٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٨، نهاية السول ٢/ ٢٦٠، المعتمد ٢/ ٥٤٤، التمهيد ص ١٣٥، إرشاد الفحول ص ٤٤". ٥ ساقطة من ض. ٦ قال القرافي: "والخلاف لفظي". "شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٧". وكذلك يرى الرازي في "المحصول" أن المسألة لفظية، وهو ما يراه الآمدي أيضًا. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، إرشاد الفحول ص ٤٤". ٧ في ض: إما. ٨ انظر تفصيل قول الجاحظ وتقسيماته في "العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٧، غاية الوصول ص ٩٤، إرشاد الفحول ص ٤٤". ٩ الآية ٨ من سبأ. والآية حكاية عن الكفار في اعتراضهم على قوله ﷺ لهم: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِيْ خَلْقٍ جَدِيْدٍ﴾ . سبأ/ ٧.
[ ٢ / ٣١٠ ]
فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَلامُ مَجْنُونٍ لا يَكُونُ صِدْقًا؛ لأَنَّهُمْ لا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَهُ وَلا كَذِبَهُ؛ لأَنَّهُ قَسِيمُ الْكَذِبِ١ عَلَى مَا زَعَمُوهُ. فَثَبَتَتْ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ٢.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ لَمْ يَفْتَرِ. فَيَكُونَ مَجْنُونًا؛ لأَنَّ الْمَجْنُونَ لا افْتِرَاءَ لَهُ لِعَدَمِ قَصْدِهِ٣.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِنَحْوِ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي حَدِيثِ "إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" ٤: مَا كَذَبَ، وَلَكِنْ٥ وَهِمَ٦ ".
_________________
(١) ١ في ض: للكذب. ٢ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٧، الإحكام للآمدي ٢/ ١٠، الفروق ١/ ٢٦، إرشاد الفحول ص ٤٤. ٣ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٠، الفروق ١/ ٢٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٧، الإحكام للآمدي ٢/ ١٠، إرشاد الفحول ص ٤٤. ٤ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والشافعي والبغوي عن ابن عمر مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٢٣، صحيح مسلم ٢/ ٦٤١، سنن أبي داود ٢/ ١٧٢، سنن النسائي ٤/ ١٣، سنن ابن ماجه ١/ ٥٠٨، بدائع المنن ١/ ٢٠٥، شرح السنة ٥/ ٢٤٠ وما بعدها". ٥ في ب ع ض: ولكنه. وهي رواية ثانية عن مالك والشافعي وأحمد. ٦ روى كلام عائشة الإمام مسلم بلفظ: "إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ". والإمام مالك وأحمد بلفظ: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ"، والإمام الشافعي بلفظ: "أما إنه لم يكذب ولكنه أخطأ أو نسي". "انظر: صحيح مسلم ٢/ ٦٤١، الموطأ ١/ ٢٣٤، مسند أحمد ٦/ ١٠٧، بدائع المنن ١/ ٢٠٥". ووجه الاستدلال أن الوهم –وهو ما ليس عن اعتقاد، وإن خالف الواقع- ليس بكذب، وقد قبل جماهير الفقهاء والمحدثين حديث ابن عمر. وقال السيوطي: إنه متواتر، وبينوا المقصود منه=
[ ٢ / ٣١١ ]
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا كَذَبَ عَمْدًا، بَلْ وَهِمَ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": الْمُرَادُ مِنْ الآيَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْحَصْرُ فِي كَوْنِهِ خَبَرًا كَذِبًا، أَوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ لِجُنُونِهِ. فَلا عِبْرَةَ بِكَلامِهِ٢.
وَأَمَّا الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فَيَتْبَعَانِ الْقَصْدَ وَيَرْجِعَانِ إلَى الْمُخْبِرِ، لا إلَى الْخَبَرِ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الأُمَّةِ صِدْقُ الْمُكَذِّبِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٣ مَعَ عَدَمِ٤ اعْتِقَادِهِ، وَكَذِبُهُ فِي نَفْيِ الرِّسَالَةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ٥.
وَكَثُرَ فِي السُّنَّةِ تَكْذِيبُ مَنْ أَخْبَرَ - يَعْتَقِدُ الْمُطَابَقَةَ - فَلَمْ يَكُنْ، كَقَوْلِهِ٦ ﷺ: "كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ" ٧ اهـ.
_________________
(١) ١ وَهِمَ يَوْهَم على وزن غلط يَغْلَط وزنًا ومعنى، أي إنه نسي أو أخطأ كما جاء في رواية أخرى. "انظر: المصباح المنير ٢/ ١٠٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٠". ٢ يرى الآمدي وغيره أن المسألة لفظية، ويبرهنون على ذلك. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، إرشاد الفحول ص ٤٤". ٣ لفظ الجلالة غير موجود في ض. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١١، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨، المعتمد ٢/ ٥٤٥. ٦ في ض: قوله. ٧ هو الصحابي أبو السنابل بن بَعْكك بن الحجاج بن الحارث، اسمه حَبَّة، أو حَنَّة، وقيل عمرو، وقيل غير ذلك. أسلم يوم فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان شاعرًا، وخطب سبيعة الأسلمية. قال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبي ﷺ. وقال ابن سعد: أقام بمكة حتى مات. وقال البغوي: سكن الكوفة. وقال ابن حبان: توفي بالمدينة، ولم يذكر تاريخ وفاته، روي له اثنا عشر حديثًا=
[ ٢ / ٣١٢ ]
وَقِيلَ: إنْ اعْتَقَدَ الْمُخْبِرُ الْمُطَابَقَةَ وَكَانَ الأَمْرُ كَمَا اعْتَقَدَ، فَصِدْقٌ وَإِلاَّ فَكَذِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ مُطَابِقًا أَوْ لَمْ يَكُنْ١. كَقَوْلِهِ٢ تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣، كَذَّبَهُمُ٤ اللَّهُ تَعَالَى لِعَدَمِ٥ اعْتِقَادِهِمْ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ٦.
_________________
(١) =انظر ترجمته في "الإصابة ٤/ ٩٥، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٤١، مشاهير علماء الأمصار ص ٢١، الخلاصة ص ٤٥١". وسبب الحديث أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة، فتزينت وتعرضت للتزويج، فقال لها أبو السنابل: "لا سبيل إلى ذلك أي حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا فأتت النبي ﷺ فقال لها: "كذب أبو السنابل" أو "ليس كما قال أبو السنابل، وقد حللت فتزوجي". هكذا رواه البغوي والشافعي. والحديث مع القصة وردت بألفاظ مختلفة في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والشافعي وابن حبان والدارمي وغيرهم. "انظر: شرح السنة ٩/ ٣٠٤، صحيح البخاري ٣/ ٢٠٤، صحيح مسلم ٢/ ١١٢٢، تحفة الأحوذي ٤/ ٣٧٣، سنن النسائي ٦/ ١٥٨، بدائع المنن ٢/ ٤٠٢، موارد الظمآن ص ٣٢٣، سنن الدارمي ٢/ ١٦٦، سنن ابن ماجه ١/ ٦٥٣، فتح الباري ٨/ ٤٦١، الموطأ ٢/ ٥٩٠، مسند أحمد ٦/ ٢٨٩، الرسالة للشافعي ص ٥٧٥". ١ هو قول النظام ومن تابعه من أهل الأصول والفقهاء، ودليلهم النقلي الآية الكريمة المذكورة بالأعلى. واستدلوا أيضًا بالعقل. ويرى الشوكاني الجمع بينهما، وأن الصدق ما طابق الواقع والاعتقاد، وأن الكذب ما خالفهما أو خالف أحدهما. "انظر: إرشاد الفحول ص ٤٤، ٤٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٩". ٢ في ب ع ض: لقوله. ٣ الآية الأولى من سورة المنافقون. ٤ في ش ز: وكذبهم. ٥ في د ض: في عدم. ٦ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٨ ط الحلبي، إرشاد الفحول ص ٤٥.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ١ أَكْذَبَهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ؛ لأَنَّ الشَّهَادَةَ الصَّادِقَةَ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمُطَابَقَةِ مُعْتَقِدًا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَاذِبُونَ٢ فِي ضَمَائِرِهِمْ٣. وَقِيلَ فِي تَمَنِّيهِمْ.
فَالْخَبَرُ عَلَى٤ هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ مُنْحَصِرًا فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، لَكِنْ لا٥ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ٦.
"وَيَكُونَانِ" أَيْ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ "فِي" زَمَنٍ "مُسْتَقْبَلٍ" كَ مَا يَكُونَانِ٧ فِي زَمَنٍ مَاضٍ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِيمَنْ قَالَ: "لا آكُلُ" ثُمَّ أَكَلَ: هَذَا كَذِبٌ٨، لا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ. وَقِيلَ لَهُ٩ أَيْضًا: بِمَ تَعْرِفُ١٠ الْكَذَّابَ؟ قَالَ بِخُلْفِ الْوَعْدِ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ
_________________
(١) ١ في ض: أن. ٢ في ب: لكاذبون. ٣ قال محمد نظام الدين الأنصاري: "ولك أن تقرر بأن قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كناية عن الإخبار بإيمانهم. فمقصودهم الإخبار بأنهم مؤمنون ثابتون على إيمانهم، وعبروا عنه بما هو ملزوم الإيمان، وهو الشهادة عن صميم القلب، فردَّ الله عليهم بأنهم كاذبون في دعواهم، لما أنهم منافقون، وليس لهم في أصل الأمر تصديق أصلًا". "فواتح الرحموت ٢/ ١٠٧". "وانظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧١". ٤ في ب: في. ٥ ساقطة من ش. ٦ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، إرشاد الفحول ص ٤٥. ٧ في ض: يكون. ٨ في ز ش ب: الكذب. ٩ في ش: عنه. ١٠ في ب ع ض: يعرف.
[ ٢ / ٣١٤ ]
الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ١. وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ - إلَى آخِرِ الآيَةِ ٢، وقَال٣ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥ فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" فِي *قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ٦ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ "الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ" فَقَالَ ﷺ: "كَذَبَ سَعْدٌ" ٧.
_________________
(١) ١ الآية ٣٨ من النحل. ٢ الآية ١١ من الحشر، وتتمة الآية: ﴿وَلاَ نُطِيْعُ فِيْكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوْتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُوْنَ﴾ . ٣ في ش: وقوله. والأعلى أصح لأنها تكملة الآية السابقة، ومحلُّ الاستشهاد بها. ٤ الآية ١١ من الحشر. ٥ الآية ١٢ من العنكبوت. ٦ هو الصحابي سعد بن عبادة بن دُلَيم الخزرجي الأنصاري، سيد الخزرج، أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، كان نقيب بني ساعدة، وصاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. وكان سيدًا جوادًا، وجيهًا في الأنصار، ذا رياسة وسيادة وكرم، وكان شديد الغيرة، وكان أحد النقباء بالعقبة، وشهد بدرًا وباقي المشاهد مع رسول الله ﷺ، وكان يكتب بالعربية، ويحسن الرمي والعوم. خرج إلى الشام فمات بحوران سنة ١٥ هـ، وقيل ١٦ هـ. ويرى ابن عساكر وغيره أن قبره نُقل إلى المزة، وكان رسول الله ﷺ يشاوره مع سعد بن معاذ، ومناقبه كثيرة. انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٣٠، الاستيعاب ٢/ ٣٨، تهذيب الأسماء ١/ ٢١٢، الخلاصة ص ١٣٤". ٧ روى البخاري أن سعد بن عبادة قال يوم الفتح: "يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار فلما علم رسول الله ﷺ مقالة سعد قال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويومٌ تكسى فيه الكعبة". صحيح البخاري ٣/ ٦١".
[ ٢ / ٣١٥ ]
وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" فِي قَوْلِ١ عَبْدِ حَاطِبٍ٢ لَمَّا جَاءَ يَشْكُو حَاطِبًا٣ "لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ" فَقَالَ٤ ﷺ: "كَذَبْت، لا يَدْخُلُهَا" ٥.
وَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ٦ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ ٧.
_________________
(١) *- ١ ساقطة من ب. ٢ هو حاطب بن أبي بلتعة عمرو بن عمير الصحابي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، حليف الزبير بن العوام، شهد بدرًا والحديبية، وشهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ الآيتان ١-٢ من الممتحنة نزلتا فيه. وأرسله رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست من الهجرة، وسأله المقوقس عن رسول الله، ثم قال له: أنت حكيم جئت من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله ﷺ، منها مارية القبطية وأختها سيرين. وأرسل معه من يوصله إلى مأمنه. توفي حاطب سنة ٣٠ هـ بالمدينة، وصلى عليه عثمان ﵄، وكان عمره خمسًا وستين سنة. انظر ترجمته في "تهذيب الأسماء ١/ ١٥٢، شذرات الذهب ١/ ٣٧، مشاهير علماء الأمصار ص ٢١، الإصابة ١/ ٣٠٠". ٣ في ب ز ع ض: على حاطب. ٤ في ض: فقال النبي ﷺ. ٥ روى الإمام أحمد ومسلم عن جابر: "أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية". "انظر: صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٢، مسند أحمد ٣/ ٣٤٩". ٦ هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي، يعرف بابن النحاس، أبو جعفر النحوي، المصري، من أهل الفضل الشائع، والعلم الذائع، كان عالمًا بالنحو، صادقًا. صنف كتبًا كثيرة، منها: "إعراب القرآن"، و"معاني القرآن"، و"الكافي" في العربية، و"المقنع" في اختلاف البصريين والكوفيين، و"وشرح المعلقات"، و"شرح المفضليات". غرق في النيل سنة ٣٣٨ هـ. انظر ترجمته في "بغية الوعاة ١/ ٣٦٢، طبقات المفسرين ١/ ٦٧، شذرات الذهب ٢/ ٣٤٦، حسن المحاضرة ١/ ٥٣١، وفيات الأعيان ١/ ٨٢". ٧ الآية ٢٧ من الأنعام.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وَقِيلَ: لا يَكُونُ الْكَذِبُ إلاَّ فِي مَاضٍ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ، بَلْ هُوَ الْمَفْهُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ كَالْوَعْدِ. كَانَ إنْشَاءً. وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. اهـ.
"وَمَوْرِدُهُمَا" أَيْ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ "النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا" الْخَبَرُ بِإِيقَاعِ الْمُخْبِرِ١. "وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ الْخَبَرِ مَا هُوَ "مَعْلُومٌ صِدْقُهُ" وَهُوَ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ عِلْمُ صِدْقِهِ ضَرُورِيًّا بِنَفْسِ الْخَبَرِ بِتَكَرُّرِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، كَالْخَبَرِ الَّذِي ٢بَلَغَتْ رُوَاتُه٢ حَدَّ التَّوَاتُرِ، لَفْظِيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا٣.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِغَيْرِ نَفْسِ الْخَبَرِ، لِكَوْنِهِ٤ مُوَافِقًا لِلضَّرُورِيِّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُتَعَلَّقُهُ مَعْلُومًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ وَتَكَرُّرٍ.
_________________
(١) ١ أي إن مورد الصدق والكذب في الخبر هي مجرد النسبة التي تضمنها الخبر فقط دون غيرها، مثال: "قام زيد بن عمرو"، فإن مورد الصدق والكذب في القيام فقط، ولاتشمل بنوته لعمرو، إذ لم يقصد بالخبر الإخبار بالبنوة، وهذا ما يسمى في القضاء، بالحكم الضمني، وقد قال به أكثر الفقهاء إذا كان المشهود عليه غائبًا. "انظر: غاية الوصول ص ٩٤، نظرية الدعوى ٢/ ٢٠٦، ٢٢٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٥ وما بعدها". ٢ في ش: بلغ رواته. وفي د ض: بلغت روايته. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، المستصفى ١/ ١٤٠، نهاية السول ٢/ ٢٦١، ٢٦٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٧، المعتمد ٢/ ٥٤٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، إرشاد الفحول ص ٤٥. ٤ في ع ض: بل بكونه.
[ ٢ / ٣١٧ ]
نَحْوُ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الاثْنَيْنِ١.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ "نَظَرِيًّا" ٢، كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَخَبَرِ كُلِّ الأُمَّةِ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عُلِمَ بِالنَّظَرِ وَالاسْتِدْلالِ٣.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَا يَكُونُ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ وَغَيْرَ نَظَرِيٍّ، وَلَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِيِّ٤، وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي عُلِمَ مُتَعَلَّقُهُ بِالنَّظَرِ. كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ حَادِثٌ٥ "وَ" مِنْ الْخَبَرِ أَيْضًا مَا هُوَ مَعْلُومٌ "كَذِبُهُ٦" وَهُوَ أَنْوَاعٌ أَيْضًا.
أَحَدُهَا: مَا عُلِمَ خِلافُهُ بِالضَّرُورَةِ. كَقَوْلِ الْقَائِلِ: النَّارُ بَارِدَةٌ٧.
_________________
(١) ١ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٤، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، نهاية السول ٢/ ٢٦١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، المعتمد ٢/ ٥٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، إرشاد الفحول ص ٤٥. ٢ في جميع النسخ: ضروريًّا. ٣ انظر: التمهيد ص ١٣٤، الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٧، أصول السرخسي ١/ ٣٧٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٤، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، المستصفى ١/ ١٤١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٩، المسودة ص ٢٤٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، غاية الوصول ص ٩٥، إرشاد الفحول ص ٤٥، المعتمد ٢/ ٥٤٦، ٥٥١. ٤ في ع: للنظر. ٥ ذكر القرافي وغيره أنواعًا أخرى للخبر المعلوم صدقه والمفيد للعلم. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، إرشاد الفحول ص ٤٥". ٦ انظر: المسودة ص ٢٣٣. ٧ ونحو: النقيضان يجتمعان أو يرتفعان. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، المستصفى ١/ ١٤٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٦، مناهج العقول ٢/ ٢٧٤، نهاية السول ٢/ ٢٧٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٥، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، غاية الوصول ص ٩٤، إرشاد الفحول ص ٤٦، المعتمد ٢/ ٥٤٧".
[ ٢ / ٣١٨ ]
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا عُلِمَ خِلافُهُ بِالاسْتِدْلالِ. كَقَوْلِ الْفَيْلَسُوفِ١: الْعَالَمُ قَدِيمٌ٢.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوهِمَ أَمْرًا بَاطِلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ لِمُعَارَضَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ. كَمَا لَوْ اخْتَلَقَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ حَدِيثًا كَذِبًا عَلَى اللَّهِ ﷾، أَوْ عَلَى ٣رَسُولِ اللَّهِ٥ ﷺ وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ كَذِبٌ٤.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ الرِّسَالَةَ عَنْ اللَّهِ ﷾ بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ٥.
"وَ" مِنْ الْخَبَرِ أَيْضًا: مَا هُوَ "مُحْتَمِلٌ" لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ٦.
_________________
(١) ١ في ع: الفيلسوفي. ٢ انظر: التمهيد للباقلاني ص ١٦١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٦، الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٧، المستصفى ١/ ١٤٢، مناهج العقول ٢/ ٢٧٤، نهاية السول ٢/ ٢٧٧، المعتمد ٢/ ٥٤٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٥، غاية الوصول ص ٩٤، إرشاد الفحول ص ٤٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠. ٣ في ب ع ض: رسوله. ٤ ومثل ذلك قول الزنادقة أيضًا: إن الله تعالى خلق نفسه، فهذا كذب لإيهامه باطلًا، وهو حدوثه تعالى، وقد دل العقل القاطع على أنه تعالى منزه عن الحدوث. ومثل حديث: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نَفْسٌ منفوسة اليومَ". رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، فحذفوا كلمة "اليوم". "انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٦، غاية الوصول ص ٩٥، إرشاد الفحول ص ٤٦، صحيح مسلم ٤/ ١٩٦٧". ٥ ذكر القرافي والمحلي وغيرهما أنواعًا أخرى للخبر المعلوم كذبه. "انظر: التمهيد للإسنوي ص ١٣٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١ وما بعدها، المستصفى ١/ ١٤٥، أصول السرخسي ١/ ٣٧٤، غاية الوصول ص ٩٥، إرشاد الفحول ص ٤٦". ٦ هذا تقسيم آخر للخبر باعتبار آخر. "انظر: التمهيد للإسنوي ص ١٣٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، التمهيد للباقلاني ص ١٦٢، المسودة ص ٢٣٣، أصول السرخسي ١/ ٣٧٤، إرشاد الفحول ص ٤٦".
[ ٢ / ٣١٩ ]
"فَالأَوَّلُ" وَهُوَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ. قَدْ تَقَدَّمَتْ أَنْوَاعُهُ الَّتِي مِنْهَا مَا هُوَ "ضَرُورِيٌّ بِنَفْسِهِ كَمُتَوَاتِرٍ. وَبِغَيْرِهِ كَمُوَافِقٍ لِضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ، كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَالإِجْمَاعِ وَخَبَرِ مَنْ وَافَقَ أَحَدَهَا أَوْ١ ثَبَتَ فِيهِ٢ صِدْقُهُ٣.
"وَ" الْقِسْمُ "الثَّانِي" مِنْ الْخَبَرِ وَهُوَ الْمَعْلُومُ كَذِبُهُ. قَدْ تَقَدَّمَتْ ٤أَنْوَاعُهُ أَيْضًا٥. وَمِنْهَا "مَا خَالَفَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ٥".
"وَ" أَمَّا الْقِسْمُ "الثَّالِثُ" مِنْ الْخَبَرِ، وَهُوَ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ٦.
أَحَدُهَا: "مَا ظُنَّ صِدْقُهُ كَعَدْلٍ" أَيْ كَخَبَرِ الْعَدْلِ، لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ، وَيَتَفَاوَتُ فِي الظَّنِّ٧
"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: مَا ظُنَّ "كَذِبُهُ كَ" خَبَرِ "كَذَّابٍ" لِرُجْحَانِ
_________________
(١) ١ في ز ش: و. ٢ في ع ض: به. ٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٤، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، المستصفى ١/ ١٤١، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١. ٤ في ز ع ض: أيضًا أنواعه. ٥ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٥، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢، المستصفى ١/ ١٤٢، نهاية السول ٢/ ٢٧٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١. ٦ ساقطة من ب. وانظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، الكفاية ص ١٨، إرشاد الفحول ص ٤٦. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٣، مناهج العقول ٢/ ٢٧٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، نهاية السول ٢/ ٢٨١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، إرشاد الفحول ص ٤٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ. وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ أَيْضًا١.
"وَ" النَّوْعُ الثَّالِثُ: "مَا شُكَّ فِيهِ كَ" خَبَرِ "مَجْهُولِ" الْحَالِ. فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الاحْتِمَالانِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ٢.
"وَلَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ" يَكُونُ "كَذِبًا" ٣.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "وَقَوْلُ قَوْمٍ: كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ كَذِبٌ بَاطِلٌ٤. وَاسْتَدَلُّوا لِقَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ٥ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَنُصِبَ عَلَيْهِ٦ دَلِيلٌ، كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَ صِدْقًا٧ دَلَّ عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَةِ. وَهَذَا الاسْتِدْلال فَاسِدٌ، لِجَرَيَانِ مِثْلِهِ فِي نَقِيضِ مَا أَخْبَرَ بِهِ إذَا أَخْبَرَ بِهِ آخَرُ. فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَيُعْلَمُ٨ بِالضَّرُورَةِ وُقُوعُ الْخَبَرِ بِهِمَا، أَيْ بِالإِخْبَارِ بِشَيْءٍ وَبِنَقِيضِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْعِلْمُ بِكَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ؛ إذْ لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ إلاَّ
_________________
(١) ١ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٨١، الإحكام للآمدي ٢/ ١٣، الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٠١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، إرشاد الفحول ص ٤٦. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٣، نهاية السول ٢/ ٢٨١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، إرشاد الفحول ص ٤٦. ٣ وهذا رد على بعض الظاهرية القائلين بأن كل خبر لم يعلم صدقه فهو كذب، لأنه لو كان صدقًا لما تركنا الله تعالى بدون دليل يدل عليه. "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، الإحكام للآمدي ٢/ ١٣، تيسير التحرير ٣/ ٣٠، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٥١". ٤ ساقطة من ب. ٥ في ع: بأن. ٦ في ز: على. ٧ في ب: صادقًا. ٨ في شرح العضد: ونعلم.
[ ٢ / ٣٢١ ]
بِدَلِيلٍ، وَالْعِلْمُ١ بِكَذِبِ كُلِّ مُسْلِمٍ فِي دَعْوَى إسْلامِهِ؛ ٢إذْ لا١٠ دَلِيلَ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ. وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ٣.
"وَمَدْلُولُهُ" أَيْ الْخَبَرُ هُوَ "الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لا ثُبُوتُهَا" أَيْ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ النِّسْبَةِ لا نَفْسُ الثُّبُوتِ. فَإِذَا قُلْت: زَيْدٌ قَائِمٌ. فَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ قِيَامِهِ ٤لا نَفْسِ ثُبُوتِ قِيَامِهِ١؛ إذْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ ثُبُوتُ قِيَامِ زَيْدٍ، لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا، بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ صِدْقًا. قَالَهُ الرَّازِيّ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ٥.
وَخَالَفَ الْقَرَافِيُّ فَقَالَ: إنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ الْخَبَرَ إلاَّ لِلصِّدْقِ، لاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى "قَامَ زَيْدٌ": حُصُولُ الْقِيَامِ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي. وَاحْتِمَالُهُ الْكَذِبَ لَيْسَ مِنْ الْوَضْعِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ٦. اهـ.
_________________
(١) ١ أي ويلزم العلم. ٢ في ب: أو لا يعلم. ٣ العضد على ابن الحاجب ١/ ٥١. وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٣٠. ٤ ساقطة من ش. ٥ اختلف العلماء في مدلول الخبر على قولين: الأول: ما ذكره المصنف وهو الحكم بالنسبة، وهو قول الرازي ومن وافقه. والقول الثاني: أن مدلول الخبر ثبوت النسبة في الخارج، وهو ما رجحه السعد التفتازاني وغيره. "انظر: المحصول ١/ ٣٢٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٦، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٣-١١٤، غاية الوصول ص ٩٤". ٦ قاله القرافي في كتابه: "نفائس الأصول في شرح المحصول" وهو مخطوط. وذكر معناه في كتابيه الفروق ١/ ٢٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٦. "وانظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٣، غاية الوصول ص ٩٤، إرشاد الفحول ص ٤٤".
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ أَنَّ الْخَبَرَ فِي١ مِثْلِ: "زَيْدٌ قَائِمٌ"، إذَا صَدَرَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقَصْدِ، يَدُلُّ عَلَى الإِيقَاعِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي صَدَرَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الْوُقُوعِ. فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى حُكْمًا، فَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَصِدْقُ الْخَبَرِ وَكَذِبُهُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الإِيقَاعِ؛ لأَنَّهُ الْمُتَّصِفُ٢ بِذَلِكَ الْوُقُوعِ٣، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ إفَادَةِ الْمُخَاطَبِ فَالْحُكْمُ هُوَ الْوُقُوعُ٤؛ لأَنَّك إذَا قُلْت "زَيْدٌ قَائِمٌ" إنَّمَا يُفِيدُ الْمُخَاطَبَ وُقُوعَ الْقِيَامِ، لا أَنَّك أَوْقَعْت الْقِيَامَ عَلَى زَيْدٍ. فَإِنَّهُ لا يُعَدُّ فَائِدَةً.
"وَمِنْهُ" أَيْ وَ٥مِنَ الْخَبَرِ "تَوَاتُرٌ" يَعْنِي أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، تَوَاتُرًا وَآحَادًا.
"وَهُوَ" أَيْ التَّوَاتُرُ "لُغَةً تَتَابُعُ" شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ "بِمُهْلَةٍ" أَيْ٦ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْ الْوَتْرِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ٧ أَصْلُهَا وَتْرًا أُبْدِلَتْ التَّاءُ مِنْ الْوَاوِ٨. قَالَهُ٩ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ١٠: مِنْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ب ز ع. ٢ في ش: المتصف بالكلام. ٣ في ب ز ض: لا الوقوع. ٤ في د: لا الوقوع. ٥ ساقطة من ع ض. ٦ في ب: أو. ٧ الآية ٤٤ من المؤمنون. ٨ انظر: القاموس المحيط ٢/ ١٥٦، المصباح المنير ٢/ ١٠٠٢، المغرب للمطرزي ص ٤٧٥. ٩ في ز: وقاله. ١٠ هو موهوب بن أحمد بن محمد، أبو منصور الجوالقي، شيخ أهل اللغة في عصره قال ابن السمعاني: "إمام في اللغة والأدب، وهو من مفاخر بغداد، وهو متدين ثقة ورع، غزير الفضل، كامل العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنف التصانيف، واشتهرت عنه". وكان يصلي بالمقتفي بالله الخليفة. ومن تصانيفه: "شرح أدب الكاتب" و"المعرب"، و"تتمة درة الغوّاص للحريري" وسماه "التكملة فيما يلحن به العامة". توفي سنة ٥٤٠ ببغداد. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٤/ ٤٢٦، شذرات الذهب ٤/ ١٢٧، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٠٤، بغية الوعاة ٢/ ٣٠٨، إنباه الرواة ٣/ ٣٣٥".
[ ٢ / ٣٢٣ ]
غَلَطِ الْعَامَّةِ قَوْلُهُمْ: تَوَاتَرَتْ كُتُبُك إلَيَّ. أَيْ اتَّصَلَتْ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ. وَإِنَّمَا التَّوَاتُرُ الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ بَيْنَهُمَا انْقِطَاعٌ. وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنْ الْوَتْرِ، وَهُوَ الْعَوْدُ اهـ.
"و"َ التَّوَاتُرُ "اصْطِلاحًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ الْعُلَمَاءِ "خَبَرُ عَدَدٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ" أَيْ مَعَ هَذَا الْعَدَدِ "لِكَثْرَتِهِ" أَيْ مِنْ أَجْلِ كَثْرَتِهِ "تَوَاطُؤٌ" فَاعِلُ يَمْتَنِعُ "عَلَى كَذِبٍ" مُتَعَلِّقٌ بِتَوَاطُؤٍ عَنْ مَحْسُوسٍ مُتَعَلِّقٍ بِخَبَرٍ، أَيْ بِخَبَرِ عَدَدٍ١ "عَنْ مَحْسُوسٍ" "أَوْ خَبَرُ" عَدَدٍ "عَنْ عَدَدٍ كَذَلِكَ" أَيْ يَمْتَنِعُ مَعَهُ لِكَثْرَتِهِ تَوَاطُؤٌ عَلَى كَذِبٍ إلَى "أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَحْسُوسٍ" أَيْ مَعْلُومٍ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ. كَمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ٢.
فَقَوْلُهُ: "خَبَرٌ" جِنْسٌ يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَ وَغَيْرَهُ. وَبِإِضَافَتِهِ إلَى عَدَدٍ يَخْرُجُ خَبَرُ الْوَاحِدِ.
وَبِقَوْلِهِ: "يَمْتَنِعُ مَعَهُ٣ إلَى آخِرِهِ": يَخْرُجُ بِهِ خَبَرُ عَدَدٍ لَمْ يَتَّصِفْ ذَلِكَ الْعَدَدُ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. وفي ب ز ع ض: خبر. ٢ اعتبر الطوفي وغيره هذا القيد شرطًا في التواتر، فقالوا: وشرط التواتر إسناده إلى عيان محسوس، وليس عن اجتهاد، وهو قول الجويني وابن برهان والمقدسي وغيرهم. "انظر: المسودة ص ٢٣٤، المعتمد ٢/ ٥٦٣، مختصر الطوفي ص ٥١، شرح الورقات ص ١٨٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٣، الروضة ص ٥٠، غاية الوصول ص ٩٦". ٣ ساقطة من ش ب ز.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وَخَرَجَ بِقَيْدِ "الْمَحْسُوسِ" مَا كَانَ عَنْ مَعْلُومٍ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ كَإِخْبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ دَهْرِيًّا بِحُدُوثِ١ الْعَالَمِ لِتَجْوِيزِهِ غَلَطَهُمْ فِي الاعْتِقَادِ٢.
"مُفِيدٌ" صِفَةٌ لِتَوَاتُرٍ، أَيْ وَمِنْ الْخَبَرِ تَوَاتُرٌ مُفِيدٌ "لِلْعِلْمِ بِنَفْسِهِ٣".فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ فِيهِ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُتَوَاتِرِ عَادَةً وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ لا بِنَفْسِهِ، بَلْ بِسَبَبِ مَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ٤.
ثُمَّ الْقَرَائِنُ الْمُفِيدَةُ لِلْعِلْمِ قَدْ تَكُونُ عَادِيَّةً كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ بِمَوْتِ وَلَدِهِ مِنْ شَقِّ الْجُيُوبِ وَالتَّفَجُّعِ. وَقَدْ تَكُونُ عَقْلِيَّةً، كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ
_________________
(١) ١ في ب ز ع: بحدث. ٢ انظر في تعريف التواتر التعريفات للجرجاني ص ١٠٢، ٢١٠، ٧٤، الحدود للباجي ص ٦١، المغرب ص ٤٧٥، الكافية في الجدل ص ١٧٩، ١٨١، مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٩٣، شرح الورقات ص ١٧٩، ١٨١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٩، أصول السرخسي ١/ ٢٨٢، فواتح الرحموت ٢/ ١١٠، تيسير التحرير ٣/ ٣٠، نهاية السول ٢/ ٢٦٢، مختصر الطوفي ص ٤٩، اللمع ص ٣٩، غاية الوصول ص ٩٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠، الإحكام للآمدي ٢/ ١٤، إرشاد الفحول ص ٤٦. ٣ انظر: المسودة ص ٢٣٣، شرح الورقات ص ١٧٩، الإحكام لابن حزم ١/ ٩٣، المعتمد ٢/ ٥٥١، الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٦، شرح نخبة الفكر ص ٢٤، جامع بيان العلم ٢/ ٤١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٩، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ١١٠، الإحكام للآمدي ٢/ ١٤، الروضة ص ٤٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠. ٤ أما القرائن اللازمة للخبر من أحوال المخبِر والمخبَر والمخبَر عنه، فلا تضر في إفادة العلم من المتواتر، بل لها تأثير في ذلك. "انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٢، شرح الورقات ص ١٧٩، مناهج العقول ٢/ ٢٦٠، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، تيسير التحرير ٣/ ٣٠، فواتح الرحموت ٢/ ١١٠، الروضة ص ٤٨، إرشاد الفحول ص ٤٦".
[ ٢ / ٣٢٥ ]
تَقْتَضِي الْبَدِيهَةُ١ أَوْ٢ الاسْتِدْلال صِدْقَهُ. وَقَدْ تَكُونُ حِسِّيَّةً٣ كَالْقَرَائِنِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَنْ يُخْبِرُ بِعَطَشِهِ.
وَكَوْنُ خَبَرِ التَّوَاتُرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ٤.
"وَ" الْعِلْمُ "الْحَاصِلُ" بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ "ضَرُورِيٌّ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، إذْ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لافْتَقَرَ إلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَسَاغَ الْخِلافُ فِيهِ عَقْلًا، كَسَائِرِ النَّظَرِيَّاتِ، وَلأَنَّ الضَّرُورِيَّ مَا اُضْطُرَّ الْعَقْلُ إلَى التَّصْدِيقِ بِهِ. وَهَذَا كَذَلِكَ٥.
_________________
(١) ١ في ش: البديهي. ٢ في ز ش: و. ٣ ساقطة من ش. ٤ وخالف في ذلك السمنية، وهم من عبدة الأصنام، والبراهمة، وهم من منكري الرسالة، فإنهم حصروا مدارك العلم في الحواس الخمسة فقط. وفرق بعضهم بين الحاضر والماضي، فقالوا: يفيد العلم في الحاضر، لأنه معضود بالحس، فيبعد تطرق الخطأ إليه، أما الماضي فإنه بعيد عن الحس، فيتطرق إليه احتمال الخطأ والنسيان. وقال جماعة بأنه يفيد علم طمأنينة لا يقين. وقد بين الآمدي وصاحب "فواتح الرحموت" أدلة هذه الآراء مع مناقشتها والرد عليها. "انظر: كشف الأسرار ٢/ ٢٦٢ وما بعدها، المعتمد ٢/ ٥٥١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٢، المسودة ص ٢٣٣، مناهج العقول ٢/ ٢٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ١١٣، الإحكام للآمدي ٢/ ١٥، المستصفى ١/ ١٣٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٩، ٣٥٠، أصول السرخسي ١/ ٢٨٣، شرح الورقات ص ١٧٩، نهاية السول ٢/ ٢٦٥، الروضة ص ٤٨، مختصر الطوفي ص ٤٩، إرشاد الفحول ص ٤٧، تيسير التحرير ٣/ ٣١". ٥ انظر: الحدود للباجي ص ٦٢، أصول السرخسي ١/ ٢٨٣، ٢٩٢، كشف الأسرار ٢/ ٢٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ١١٤، تيسير التحرير ٣/ ٣٢، نهاية السول ٢/ ٢٦٥، مناهج العقول ٢/ ٢٦٤، المستصفى ١/ ١٣٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٢، المسودة ص ٢٣٤، التمهيد للباقلاني ص ١٦٢، شرح نخبة الفكر ص ٢٦، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٥٣، الإحكام للآمدي ٢/ ١٨، ١٩، غاية الوصول ص ٩٦، المعتمد ٢/ ٥٥٢ وما بعدها، مختصر الطوفي ص ٥٠، اللمع ص ٣٩، الروضة ص ٤٩، إرشاد الفحول ص ٤٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمْعٌ: إنَّهُ نَظَرِيٌّ؛ إذْ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا ١لَمَا افْتَقَرَ٦ إلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ. وَهُمَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الإِخْبَارِ وَامْتِنَاعُ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. فَصُورَةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ٢. رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ٣.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَالْخِلافُ لَفْظِيٌّ؛ إذْ مُرَادُ الأَوَّلِ بِالضَّرُورِيِّ: مَا اُضْطُرَّ الْعَقْلُ إلَى تَصْدِيقِهِ. وَالثَّانِي: الْبَدِيهِيُّ الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ. وَالضَّرُورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَيْهِمَا. فَدَعْوَى كُلٍّ غَيْرُ دَعْوَى الآخَرِ، وَالْجَزْمُ حَاصِلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ٤.
_________________
(١) ١ في ض: لافتقر. ٢ وهو قول الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة، وإمام الحرمين والدقاق من الشافعية. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٢، المسودة ص ٢٣٤، شرح نخبة الفكر ص ٢٧، فواتح الرحموت ٢/ ١١٤، ١١٥، تيسير التحرير ٣/ ٣٢، أصول السرخسي ١/ ٢٩١، المعتمد ٢/ ٥٥٢، نهاية السول ٢/ ٢٦٥، مناهج العقول ٢/ ٢٦٤، الإحكام للآمدي ٢/ ١٨، ٢٠، المستصفى ١/ ١٣٢، غاية الوصول ص ٩٦، الروضة ص ٤٩، مختصر الطوفي ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٤٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠". ٣ قال العضد: "إن العلم بالصدق ضروري يحصل بالعادة لا بالمقدمتين، فاستغني عن الترتيب، ولا ينافي صورة الترتيب، فإن وجوده لا يوجب الاحتياج إليها، فإنها ممكنة في كل ضروريّ. العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٣". وانظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٦٧، ٣٦٨، نهاية السول ٢/ ٢٦٦، مناهج العقول ٢/ ٢٦٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥١، أصول السرخسي ١/ ٢٩١، فواتح الرحموت ٢/ ١١٥، تيسير التحرير ٣/ ٣٢، الروضة ص ٤٩. ٤ مختصر الطوفي ص ٥٠. وهذا الرأي هو ما أيده شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وابن بدران والمحلي. وقال الغزالي: إنه قسم ثالث ليس ضروريًا ولا نظريًا، بل من نوع القضايا التي قياساتها معها، وقال المرتضى والآمدي بالوقف، وهناك أقوال كثيرة "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٨، ٢٣، المستصفى ١/ ١٣٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٢، غاية الوصول ص ٩٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠، أصول السرخسي ١/ ٢٨٤، فواتح الرحموت ٢/ ١١٤، تيسير التحرير ٣/ ٣٢، نهاية السول ٢/ ٢٦٦، مناهج العقول ٢/ ٢٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٣، إرشاد الفحول ص ٤٦".
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ، بَلْ "يَقَعُ" الْعِلْمُ "عِنْدَهُ" أَيْ عِنْدَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ "بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى" عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَخَالَفَ قَوْمٌ١.
لَنَا عَلَى الأَوَّلِ: مَا ثَبَتَ مِنْ الأُصُولِ أَنَّهُ لا مُوجِدَ٢ إلاَّ اللَّهُ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إجْرَاءِ الْعَادَةِ بِخَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ الْمَنِيِّ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ بِدُونِ ذَلِكَ خِلافًا لِمَنْ قَالَ بِالتَّوَلُّدِ٣.
قَالَ الْمُخَالِفُ: يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللَّهُ٤ وَيُمْكِنُ ضِدُّهُ.
قُلْنَا: هُوَ٥ مُمْكِنٌ عَقْلًا وَوَاجِبٌ عَادَةً.
وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ وُلِّدَ الْعِلْمُ فَإِمَّا مِنْ الأَخِيرِ وَحْدَهُ، ٦وَهُوَ مُحَالٌ إذْ كَانَ يَكْفِي مُنْفَرِدًا. أَوْ مِنْهُ وَمِنْ الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ٦، وَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا، لِعَدَمِ صُدُورِ
_________________
(١) ١ وهم البراهمة وغيرهم. وانظر أدلتهم ومناقشتهم والرد عليها في "اللمع ص ٣٩، غاية الوصول ص ٩٥، أصول السرخسي ١/ ٢٨٣، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٣، نهاية السول ٢/ ٢٧٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، المسودة ص ٢٣٥". ٢ في ز ش ب: يوجد. ٣ في ش: التوالد. والتولد هو إيجاد المخلوق بلا أب ولا أم، مثل: الحيوان المتولد من الماء الراكد في الصف. أما التوالد فهو فعل مشترك بين شخصي الذكر والأنثى. "انظر: التعريفات للجرجاني ص ٧٢، المسودة ص ٢٣٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٣، المعتبر في الحكمة ٢/ ٢٦٦". ٤ لفظة الجلالة غير موجودة في ع ض. ٥ ساقطة من ز ش. ٦ ساقطة من ض.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبَيْنِ١ فَصَاعِدًا، أَوْ٢ لأَنَّهَا تُعْدَمُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَالْمَعْدُومُ لا يُؤَثِّرُ.
فَقِيلَ: يَجُوزُ تَأْثِيرُ الأَخِيرِ مَشْرُوطًا بِوُجُودِ مَا قَبْلَهُ وَانْعِدَامِهِ أَيْضًا. فَهُوَ وَارِدٌ فِي إفَادَتِهِ التَّوَلُّدَ٣.
"وَهُوَ" أَيْ التَّوَاتُرُ قِسْمَانِ:
قِسْمٌ "لَفْظِيٌّ" وَهُوَ مَا اشْتَرَكَ عَدَدُهُ فِي لَفْظٍ بِعَيْنِهِ٤. وَذَلِكَ كَحَدِيثِ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" ٥ فَإِنَّهُ قَدْ
_________________
(١) ١ في ز ش ع: شيئين. ٢ في ب: و. ٣ انظر مناقشة ذلك في "الإحكام للآمدي ٢/ ٢٣ وما بعدها". وقد اشترط العلماء في خبر التواتر ليفيد العلم شروطًا عدة، منها: أن يكون المخبرون عددًا لا يصح منهم التواطؤ على الكذب، وأن يستوي طرفاه ووسطه، وأن يكون الخبر في الأصل عن مشاهدة أو سماع مباشر، وغير ذلك. "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١١٥، تيسير التحرير ٣/ ٣٤، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، المستصفى ١/ ١٣٤، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٣، نهاية السول ٢/ ٢٧٠، مناهج العقول ٢/ ٢٦٦، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٣، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٥٣، المعتمد ٢/ ٥٥٨، ٥٦١، مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٥، المسودة ص ٢٣٥، شرح نخبة الفكر ص ٢٢، اللمع ص ٣٩، الروضة ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٤٧". ٤ "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٣، تيسير التحرير ٣/ ٣٦، نهاية السول ٢/ ٢٧٤، غاية الوصول ص ٩٥. ٥ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم والطبراني والدارمي وغيرهم عن عدد من الصحابة، منهم أنس والزبير وأبو هريرة وعلي وجابر وأبو سعيد وابن مسعود وزيد بن أرقم وخالد بن عرفطة وسلمة بن الأكوع وعقبة بن عامر ومعاوية والسائب بن يزيد وسلمان بن خالد الخزاعي والعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٣١، صحيح مسلم ١/ ١٠، سنن أبي داود ٢/ ٢٨٧، تحفة الأحوذي ٧/ ٤١٩، سنن ابن ماجه ١/ ١٣، مسند أحمد ١/ ٧٠، ٤/ ٢٤٥، سنن الدارمي ١/ ٧٦، فيض القدير ٦/ ٢١٤، النووي على مسلم ١/ ٦٦، المستدرك ١/ ١٠٣".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
نَقَلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ١.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ٢: "يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِثَالًا لِلْمُتَوَاتِرِ مِنْ السُّنَّةِ٣". اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوَاتُرَ٤ يَكُونُ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقِرَاءاتِ السَّبْعَ مُتَوَاتِرَةٌ. وَ٥تَقَدَّمَ الْخِلافُ فِي الْعَشْرِ٦.
وَأَمَّا الإِجْمَاعُ: فَالْمُتَوَاتِرُ فِيهِ كَثِيرٌ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَالْمُتَوَاتِرُ فِيهَا قَلِيلٌ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ نَفَاهُ إذَا كَانَ لَفْظِيًّا، لَكِنَّ الأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ اللَّفْظِيِّ مِنْ السُّنَّةِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ
_________________
(١) ١ نص العلماء على تواتر هذا الحديث، وأنه رواه عن رسول الله ﷺ أربعون رجلًا من الصحابة. وقال ابن الجوزي: "رواه من الصحابة واحد وستون نفسًا". وفي قول: اثنان وستون، وفيهم المشهود لهم بالجنة، ولم يجتمع العشرة على رواية حديث غيره، واستمر عدد رواته في ازدياد في الطبقات التالية على التوالي والاستمرار. "انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٥، فيض القدير ٦/ ٢١٤، النووي على صحيح مسلم ١/ ٦٨، شرح الورقات ص ١٨٣، اللمع ص ٣٩، الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٥٦، ٦٥". ٢ هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشَّهْرَزوري الشافعي، أبو عمرو، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، تقي الدين. تفقه وبرع في المذهب الشافعي وأصوله، وفي الحديث وعلومه، وفي التفسير. وكان مشاركًا في عدة علوم، متبحرًا في الأصول والفروع. وكان زاهدًا جليلًا. وإذا أطلق الشيخ في علم الحديث فالمراد به ابن الصلاح. صنف كتبًا كثيرة، منها: "علوم الحديث"، و"شرح مسلم"، و"إشكالات على كتاب الوسيط" في الفقه. توفي بدمشق سنة ٦٤٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٣٢٦، طبقات المفسرين ١/ ٣٧٧، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٨، طبقات الحفاظ ص ٤٩٩، البداية والنهاية ١٣/ ١٦٨، شذرات الذهب ٥/ ٢٢١، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٢٢٠". ٣ مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٥. ٤ في ش ز ض: المتواتر. ٥ في ب ع: وقد. ٦ صفحة ١٢٧ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
حَدِيثَ ذِكْرِ حَوْضِ النَّبِيِّ ﷺ. فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ فِي كِتَابِ "الْبَعْثِ وَالنُّشُور": أَوْرَدَ رِوَايَتَهُ عَنْ أَزْيَدَ مِنْ ثَلاثِينَ صَحَابِيًّا١. وَأَفْرَدَهُ الْمَقْدِسِيُّ بِالْجَمْعِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَحَدِيثُهُ مُتَوَاتِرٌ بِالنَّقْلِ. وَحَدِيثُ الشَّفَاعَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: بَلَغَ التَّوَاتُرَ٢،
_________________
(١) ١ حديث الحوض رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري وحذيفة وثوبان وأنس وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وغيرهم. قال القاضي عياض: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه، ثم قال: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ البيهقي في كتابه "البعث والنشور" بأسانيده زطرقه المتكاثرات. ثم قال القاضي عياض: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا. وذكر الزين العراقي أن رواته من الصحابة مائة ونيف، ونقل عن ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" أن رواته ثمانية وتسعون نفسًا". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٣٢، ٣/ ٢٠، صحيح مسلم ٤/ ١٧٩٢، سنن أبي داود ٢/ ٥٣٨، تحفة الأحوذي ٧/ ١٣٣، سنن ابن ماجه ٢/ ١٤٣٨، شرح ألفية العراقي ٢/ ٢٧٧، ذخائر المواريث ٢/ ٢٠، الموطأ ١/ ٢٩، المنتقى ١/ ٧٠، مسند أحمد ١/ ٢٥٧، المستدرك ١/ ٧٥، موارد الظمآن ص ٦٤٦". ٢ روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. قال: فيأتون آدم الحديث إلى قوله: قال رسول الله ﷺ: "فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع الحديث. "صحيح مسلم ١/ ١٨٠".ورواه البخاري عن أبي هريرة. "صحيح البخاري ٣/ ١٤٩". وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم وابن ماجه عن جابر مرفوعًا أن ر سول الله ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". "انظر: مسند أحمد ٣/ ٢١٣، سنن أبي داود ٢/ ٥٣٧، تحفة الأحوذي ٧/ ١٢٧، سنن ابن ماجه ٢/ ١٤٤١، المستدرك ١/ ٦٩". وقد وردت أحاديث الشفاعة وخصوصية الرسول ﷺ بها، وأنه اختبأ دعوته للشفاعة يوم=
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَحَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ١. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَاهُ نَحْوُ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا وَاسْتَفَاضَ وَتَوَاتَرَ٢.
وَأَمَّا التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ مِنْ السُّنَّةِ، وَهُوَ بِأَنْ٣ يَتَوَاتَرَ مَعْنًى فِي ضِمْنِ أَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ فِيهِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ فَكَثِيرٌ.
"و"َ قِسْمٌ "مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ تَغَايُرُ الأَلْفَاظِ مَعَ الاشْتِرَاكِ فِي مَعْنًى كُلِّيٍّ" وَلَوْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ٤ كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَلِكَ "كَحَدِيثِ الْحَوْضِ، وَسَخَاءِ
_________________
(١) = القيامة، وأنه صاحب المقام المحمود، في جميع كتب السنة تقريبًا بروايات كثيرة، وألفاظ متعددة، وعن عدد كبير من الصحابة، وذكر معظمها القاضي عياض في كتابه القيم "الشفا". "انظر: الشفا ١/ ٢١٦ وما بعدها طبع التجارية، صحيح مسلم ١/ ١٨٠ وما بعدها، صحيح البخاري ١/ ١١٥، سنن أبي داود ١/ ١٢٦، تحفة الأحوذي ٧/ ١٢٧، سنن ابن ماجه ٢/ ١٤٤١، مسند أحمد ٢/ ٢٢٢، ٣/ ٢، ٤/ ٤٣٧، ٥/ ٤٣، المستدرك ١/ ٦٩ وما بعدها، سنن الدارمي ٢/ ٣٢٧، موارد الظمآن ص ٦٤٢ وما بعدها، فيض القدير ٢/ ١٦٢، سنن النسائي ٢/ ٢٢، النووي على مسلم ٣/ ٥٣". ١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والطبراني والدارمي وابن حبان وغيرهم عن ابن عمر وسعد وحذيفة والمغيرة وجرير وبلال وصفوان وخزيمة وثوبان وأسامة وعمر بن الخطاب وابن أبي عمارة وغيرهم. قال الزين العراقي: "فقد رواه أكثر من ستين من الصحابة، منهم العشرة". شرح ألفية العراقي ٢/ ٢٧". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٤٩، صحيح مسلم ١/ ٢٢٨، سنن أبي داود ١/ ٣٣، سنن النسائي ١/ ٦٩، تحفة الأحوذي ١/ ٣١٣، سنن ابن ماجه ١/ ١٨١، نيل الأوطار ١/ ٢٠٩، تخريج أحاديث البزدوي ص ١٥٢، سنن الدارمي ١/ ١٨١، مسند أحمد ٤/ ٢٤٦، موارد الظمآن ص ٧١، الموطأ ١/ ٣٨". ٢ انظر: شرح ألفية العراقي ٢/ ٢٧٦. ٣ في ع: أن. ٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٥٥، مناهج العقول ٢/ ٢٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٧٤، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٩، المسودة ص ٢٣٥، تيسير التحرير ٣/ ٣٦، غاية الوصول ص ٩٥.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
حَاتِمٍ١ وَشُجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيْرِهَا٢.
وَذَلِكَ إذَا كَثُرَتْ الأَخْبَارُ فِي الْوَقَائِعِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا، لَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا بِجِهَةِ التَّضَمُّنِ أَوْ الالْتِزَامِ، حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَثَلًا الشَّجَاعَةُ أَوْ الْكَرَمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيُسَمَّى الْمُتَوَاتِرَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَذَلِكَ كَوَقَائِعِ حَاتِمٍ فِيمَا يُحْكَى مِنْ عَطَايَاهُ مِنْ فَرَسٍ وَإِبِلٍ وَعَيْنٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِهَا. فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ جُودَهُ فَيُعْلَمُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا بِعَيْنِهِ، وَكَقَضَايَا٣ عَلِيٍّ ﵁ فِي حُرُوبِهِ مِنْ أَنَّهُ هَزَمَ فِي خَيْبَرَ كَذَا٤، وَفَعَلَ فِي أُحُدٍ كَذَا، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالالْتِزَامِ عَلَى شُجَاعَتِهِ. وَقَدْ تَوَاتَرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْقَطْعِ٥.
"وَلا يَنْحَصِرُ" التَّوَاتُرُ "فِي عَدَدٍ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمُحَقِّقِينَ "وَيُعْلَمُ" حُصُولُ الْعَدَدِ "إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ" عِنْدَهُ "وَلا دَوْرَ" إذْ حُصُولُ الْعِلْمِ مَعْلُولُ
_________________
(١) ١ هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشْرج، من طيئ، كان جوادًا شاعرًا جيد الشعر، وكان حيث ما نزل عرف منزله، وإذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وقسم ماله بضع عشرة مرة. "انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٢٤١ تحقيق أحمد شاكر طبع دار المعارف بمصر ١٩٦٦، شرح شواهد المغني للسيوطي ص ٧٥، والمراجع التي أشير إليها في هامش الكتابين". ٢ انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٩، الإحكام للآمدي ٢/ ٣٠، فواتح الرحموت ٢/ ١١٩، تيسير التحرير ٣/ ٣٦، شرح الورقات ص ١٨٣، اللمع ص ٣٩. ٣ في ض: وقضايا. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٣٠، نهاية السول ٢/ ٢٧٤، مناهج العقول ٢/ ٢٧١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١١٩.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الأَخْبَارِ وَدَلِيلُهُ. كَالشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَعْلُولُ الْمُشْبِعِ١ وَالْمُرْوِي وَدَلِيلُهُمَا٢، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ابْتِدَاءً الْقَدْرُ الْكَافِي مِنْهُمَا٣.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّقْدِيرَاتِ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ٤.
نَعَمْ، لَوْ أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِالْمَخْبَرِ عَنْهُ فِيهَا٥ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ أَقَلِّ عَدَدٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ؛ إذْ الظَّنُّ يَتَزَايَدُ بِتَزَايُدِ الْمُخْبِرِينَ تَزَايُدًا خَفِيًّا تَدْرِيجِيًّا. كَتَزَايُدِ النَّبَاتِ وَعَقْلِ الصَّبِيِّ وَنُمُوِّ بَدَنِهِ، وَنُورِ٦ الصُّبْحِ وَحَرَكَةِ الْفَيْءِ فَلا يُدْرَكُ٧.
_________________
(١) ١ في ض: الشبع. ٢ في ش: ودليلها. ٣ في ش: منها. وانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٢، أصول السرخسي ١/ ٢٩٤، نهاية السول ٢/ ٢٧٠، مناهج العقول٢/ ٢٦٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، شرح الورقات ص ١٨١، الروضة ص ٥٠، مختصر الطوفي ص ٥١-٥٢، إرشاد الفحول ص ٤٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩١. ٤ انظر أقوال العلماء في تحديد العدد ومناقشة ذلك، وأن التواتر غير محصور في عدد عند الجماهير في "المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٠ وما بعدها، المسودة ص ٢٣٥، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٥٤، مناهج العقول ٢/ ٢٦٨، نهاية السول ٢/ ٢٧١، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٥ وما بعدها، شرح الورقات ص ١٨١، المستصفى ٢/ ١٣٤، ١٣٧، ١٣٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥١ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ١/ ٩٤، كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، تيسير التحرير ٣/ ٣٤، فواتح الرحموت ٢/ ١١٠، ١١٦ وما بعدها، شرح نخبة الفكر ص ١٩ وما بعدها، شرح الورقات ص ١٨١، إرشاد الفحول ص ٤٧، غاية الوصول ص ٩٥، الروضة ص ٥٠، اللمع ص ٤٠، المعتمد ٢/ ٥٦١، ٥٦٥". ٥ في ض: فيهما. ٦ في ب ع ض: وضوء. وكذا في مختصر الطوفي ص ٥٢. ٧ مختصر الطوفي ص ٥٢. وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٦، المستصفى ١/ ١٣٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٤، كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، المسودة ص ٢٣٥، اللمع ص ٤٠، الروضة ص ٥١.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَعْلَمُ١ الْعِلْمَ بِالتَّوَاتُرِ مَعَ الْجَهْلِ بِأَقَلِّ عَدَدِهِ؟
قُلْنَا: كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ الْخُبْزَ مُشْبِعٌ، وَالْمَاءَ مُرْوٍ، وَإِنْ جَهِلْنَا عَدَدَهُ٢. اهـ.
"وَيَخْتَلِفُ" الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ "بِاخْتِلافِ الْقَرَائِنِ" أَيْ قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ. مِثْلِ الْهَيْئَاتِ الْمُقَارِنَةِ لِلْخَبَرِ الْمُوجِبَةِ لِتَعْرِيفِ مُتَعَلَّقِهِ، وَلاخْتِلافِ أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ فِي اطِّلاعِهِمْ عَلَى قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ، وَلاخْتِلافِ إدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ لِتَفَاوُتِ الأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ وَلاخْتِلافِ الْوَقَائِعِ عَلَى عِظَمِهَا وَحَقَارَتِهَا٣.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ٤.
قَالَ فِي "جَمْعِ الْجَوَامِعِ": "وَالصَّحِيحُ ثَالِثُهَا": أَنَّ عِلْمَهُ لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ مُتَّفِقٌ، وَلِلْقَرَائِنِ قَدْ يَخْتَلِفُ٥. فَيَحْصُلُ لِزَيْدٍ دُونَ عَمْرٍو٦".
وَ٧قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: هَلْ يَجِبُ اطِّرَادُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَ، أَوْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ. ثَالِثُهَا - وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - أَنَّ عِلْمَهُ مُتَّفِقٌ٨، أَيْ يَتَّفِقُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الْعِلْمِ بِهِ،
_________________
(١) ١ في ب ع ص: يعلم. ٢ انظر: المستصفى ١/ ١٣٨، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٦، الروضة ص ٥١. ٣ انظر: المستصفى ١/ ١٣٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٤، غاية الوصول ص ٩٦، الروضة ص ٤٩. ٤ انظر هذه الأقوال في "المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٤، غاية الوصول ص ٩٦". ٥ انظر: غاية الوصول ص ٩٦. ٦ جمع الجوامع ٢/ ١٢٤. ٧ ساقطة من ب. ٨ في د: متفق عليه.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَلا يَخْتَلِفُونَ وَإِنْ كَانَ لاخْتِلافِ قَرَائِنَ بِهِ اضْطَرَبَتْ١. فَقَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْخَبَرَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ فِيهِ إلاَّ بِانْضِمَامِ قَرِينَةٍ إلَى الْخَبَرِ لَيْسَ مِنْ التَّوَاتُرِ، بَلْ٢ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِمُجَرَّدِ٣ رِوَايَتِهِمْ٤. اهـ.
"وَيَتَفَاوَتُ الْمَعْلُومُ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُحَقِّقِينَ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالأُرْمَوِيُّ وَالْخُونَجِيُّ٥ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ لا.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: الأَصَحُّ التَّفَاوُتُ. فَإِنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ "الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ" وَبَيْنَ مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ مَعَ كَوْنِ الْيَقِينِ حَاصِلًا فِيهِمَا.
_________________
(١) ١ في ش: اضطردت. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش: لمجرد. ٤ يميز العلماء في هذا المجال بين القرائن اللازمة والقرائن المنفصلة، وقد حصروا موضوع المسألة في القرائن اللازمة للخبر من أحواله المتعلقة بالعدد، أو بالمخبر به أو بالمخبر عنه. أما القرائن المنفصلة عن الخبر المفيد للعلم فلا تجعل الحديث متواترًا. "انظر: غاية الوصول ص ٩٦، مختصر الطوفي ص ٥١". ٥ هو محمد بن ناماوار بن عبد الملك، القاضي أفضل الدين، أبو عبد الله الشافعي، الخونجي، الفيلسوف، بالغ في علوم الأوائل حتى تفرد برئاسة ذلك في زمانه، وكان يفتي ويناظر، وولي قضاء القاهرة بعد عزل الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وصنف "الموجز" في المنطق والجمل، و"كشف الأسرار" في الطبيعيات. وشرح مقالة ابن سينا، وغير ذلك. توفي سنة ٦٤٦، وقيل غير ذلك، ودفن بسفح المقطم. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ١٠٥، حسن المحاضرة ١/ ٥٤١، شذرات الذهب ٥/ ٢٣٧".
[ ٢ / ٣٣٦ ]
قَالَ: وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَ الشَّيْخِ١ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ وَبَيْنَ الْخُونَجِيِّ. فَنَفَى ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ التَّفَاوُتَ وَأَثْبَتَهُ الْخُونَجِيُّ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ قُلْت: كَيْفَ يَنْفِي التَّفَاوُتَ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: "لَيْسَ الْمُخْبَرُ ٢ كَالْمُعَايِنِ ٣" وَكَمَا يُفَرَّقُ٤ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ؟ ثُمَّ هُنَا أَمْرٌ آخَرُ. وَهُوَ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الرُّؤْيَةَ فِي الآخِرَةِ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ الْكَلامُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ نَفْيُ التَّفَاوُتِ؟ اهـ.
"وَيَمْتَنِعُ اسْتِدْلالٌ بِهِ" أَيْ بِالتَّوَاتُرِ "عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ٥ بِهِ عِلْمٌ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ التَّوَاتُرُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ آخَرِينَ، امْتَنَعَ الاسْتِدْلال بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ مَنْ حَصَلَ لَهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ؛ لأَنَّهُ يَقُولُ: مَا تَدَّعِيهِ مِنْ التَّوَاتُرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَلا أَسْمَعُهُ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ عِنْدِي٦.
"و"َ يَمْتَنِعُ "كِتْمَانُ أَهْلِهِ" أَيْ أَهْلِ التَّوَاتُرِ "مَا" أَيْ شَيْئًا "يُحْتَاجُ إلَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. ٢ في ش: الخبر. وهو نص رواية ثانية. ٣ هذا الحديث رواه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري وابن حبان والحاكم عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "ليس الخبر كالمعاينة"، وله تتمة. ورواه أحمد وابن حبان بلفظ: "ليس المعاين كالمُخْبَر". ورواه البغوي والدارقطني في "الأفراد" والضياء في "المختارة" وابن عدي وأبو يعلى الخليلي في "الإرشاد". "انظر: فيض القدير ٥/ ٣٥٧، كشف الخفا ٢/ ١٦٨، مسند أحمد ١/ ٢٧١، موارد الظمآن ص ٥١٠". ٤ في ب ع: نفرق. وفي ض: تفرق ٥ ساقطة من ش. ٦ عبر المجد ابن تيمية عن هذه المسألة بأسلوب آخر فقال: "ولا يشترط للتواتر أن يُجْمِع الناس كلهم على التصديق به، خلافًا لليهود". "المسودة ص ٢٣٣".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
نَقْلِهِ كَـ" امْتِنَاعِ "كَذِبٍ عَلَى عَدَدِهِمْ" أَيْ عَدَدِ الْحَاصِلِ الْعِلْمُ بِهِمْ فِي التَّوَاتُرِ "عَادَةً" أَيْ فِي الْعَادَةِ١.
وَ٢هَاهُنَا مَسْأَلَتَانِ:
الأُولَى: امْتِنَاعُ٣ كِتْمَانِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ مَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ، خِلافًا لِلرَّافِضَةِ، حَيْثُ قَالُوا: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ٤، لاعْتِقَادِهِمْ كِتْمَانَ النَّصِّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥. وَهَذَا لا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ يَكُونَ خَيْرُ الْقُرُونِ الَّذِينَ ﵃ وَشَهِدَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ﷺ بِالْجَنَّةِ٦، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ٧ بِأَنَّهُ رَضِيَ عَنْهُمْ٨، يَعْلَمُونَ أَنَّ الإِمَامَةَ يَسْتَحِقُّهَا عَلِيٌّ ﵁، وَيَكْتُمُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيُوَلُّونَ غَيْرَهُ. وَهَذَا٩ مِنْ أَمْحَلْ الْمُحَالِ الَّذِي لا يَرْتَابُ فِيهِ مُسْلِمٌ. وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ بُهْتِ
_________________
(١) ١ انظر: المسودة ص ٢٣٥، الروضة ص ٥١، مختصر الطوفي ص ٥٣. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش ز ض: في امتناع. ٤ في ش ز: على ذلك. ٥ انظر: التمهيد للباقلاني ص ١٦٥، المسودة ص ٢٣٥، الروضة ص ٥١، مختصر الطوفي ص ٥٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩١. ٦ سيأتي نص الحديث في ذلك في "فصل الصحابي" من هذا المجلد ص ٤٦٥، ٤٧٤. ٧ ساقطة من ب ع ض. ٨ وردت آيات كثيرة في الثناء على الصحابة وبيان فضلهم ورضاء الله عليهم، وقد ذكر المصنف بعضها فيما بعد في "فصل الصحابي"، منها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُوْنَ الأَوَّلُوْنَ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِيْنَ اتَّبَعُوْهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوْا عَنْهُ﴾ . التوبة/ ١٠٠، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِيْنَ إِذْ يُبَايِعُوْنَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ . الفتح/ ١٨. "وانظر: المسودة ص ٢٥٩". ٩ في ب ز ع ض: هذا.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
الرَّافِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَسْتَحِقُّونَ١، وَلأَنَّ هَذَا فِي الْقُبْحِ كَتَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: امْتِنَاعُ الْكَذِبِ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ عَادَةً، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ. وَهَذَا مَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي جَوَازِ مَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ؛ لأَنَّهُ إذَا جَازَ الْكَذِبُ فَالْكِتْمَانُ أَوْلَى. وَالأَصَحُّ عَدَمُ جَوَازِهِ عَادَةً لا لِذَاتِهِ٢، وَلا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ٣
"وَلا يُشْتَرَطُ إسْلامُهُمْ" أَيْ٤ إسْلامُ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ فِي التَّوَاتُرِ٥.
وَاشْتَرَطَ ابْنُ عَبْدَانَ٦ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الإِسْلامَ وَالْعَدَالَةَ أَيْضًا. لأَنَّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ عُرْضَةٌ لِلْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ، لأَفَادَ إخْبَارَ النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ، وَهُوَ
_________________
(١) ١ في ب: يستحقونه. ٢ ساقطة من د ض. ٣ انظر: مختصر الطوفي ص ٥٣، المدخل إلى مدخل مذهب أحمد ص ٩١. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: المستصفى ١/ ١٤٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، نهاية السول ٢/ ٢٦١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٥٥، شرح نخبة الفكر ص ٢١، كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، تيسير التحرير ٣/ ٣٥، غاية الوصول ص ٩٦، اللمع ص ٣٩، الروضة ص ٥١، شرح الورقات ص ١٨١، مختصر الطوفي ص ٥٢، المسودة ص ٢٣٤، إرشاد الفحول ص ٤٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩١. ٦ هو عبد الله بن عبدان بن محمد بن عبدان، الفقيه أبو الفضل، شيخ همذان وفقيهها وعالمها، كان ثقة ورعًا جليل القدر، وممن يشار إليه. له كتاب "شرائط الأحكام"، و"شرح العبادات". توفي سنة ٤٣٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٦٥، شذرات الذهب ٣/ ٢٥١، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ١٤٣".
[ ٢ / ٣٣٩ ]
بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ١، وَبِالإِجْمَاعِ٢.
وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ حُصُولِ شَرْطِ التَّوَاتُرِ لِلاخْتِلالِ٣ فِي الطَّبَقَةِ الأُولَى، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَلأَنَّهُمْ٤ رَأَوْهُ مِنْ بَعِيدٍ أَوْ بَعْدَ صَلْبِهِ، فَشُبِّهَ لَهُمْ. وَلِلاخْتِلالِ فِي الْوَسَطِ بِقُصُورِ النَّاقِلِينَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِمَّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاقِلِينَ إلَيْنَا مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ؛ لأَنَّ بُخْتنَصْر٥ قَدْ قَتَلَ النَّصَارَى حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاَّ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ.
وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ إخْبَارِ الإِمَامِيَّةِ بِالنَّصِّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٦.
"وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ" بَيْنَ وُقُوعِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَبَيْنَ الإِخْبَارِ.
_________________
(١) ١ الآية ١٥٧ من النساء. ٢ وكذلك اشترط البزدوي من الحنفية الإسلام في عدد التواتر. "انظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، فواتح الرحموت ٢/ ١١٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، اللمع ص ٣٩، المسودة ص ٢٣٤". ٣ في ش ز: للاخلال. ٤ في ض: ولأنه. ٥ هو أحد ملوك الأرض، كان كاتبًا عند ملك الجزيرة ليقر الذي نذر؛ لئن ظفر ببيت المقدس ليذبحن ابنه للزهرة التي يعبدها، ولكن الله أرسل ريحًا فأهلكته، وأفل هو وجيشه، فقتله ابنه، وغضب بختنصر للأب، فقتل الابن واستلم الحكم، وكان أول ملك، ثم غزا بني إسرائيل وانتصر عليهم، ثم رده الله عنهم، ثم فسقوا فجاءهم وانتصر عليهم، وقتل منهم وصلب وجدع، وباع ذراريهم ونساءهم، ومثل بهم، وأسر منهم الكثير، ثم لحق بأرض بابل. "انظر: المعارف ص ٣٢، ٤٦، ٥٦٢". ٦ انظر: أصول السرخسي ١/ ٢٨٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٨، المستصفى ١/ ١٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ١١٨، تيسير التحرير ٣/ ٣٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٦، المعضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا "أَنْ لا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ وَلا يُحْصِيَهُمْ عَدَدٌ١".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ طَوَائِفُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنْ لا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ وَلا يُحْصِيهِمْ عَدَدٌ٢، وَهُوَ بَاطِلٌ. لأَنَّ أَهْلَ الْجَامِعِ لَوْ أَخْبَرُوا عَنْ سُقُوطِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ٣ الْمَنَارَةِ، أَوِ٤ الْخَطِيبِ عَنْ الْمِنْبَرِ، لَكَانَ إخْبَارُهُمْ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَضْلًا عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ٥.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِيهِمْ "اخْتِلافُ نَسَبٍ٦ وَ" لا اخْتِلافُ "دِينٍ وَ" لا اخْتِلافُ "وَطَنٍ ٧".
قَالَ٨ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ قَوْمٌ اخْتِلافَ النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالْوَطَنِ
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٢٢، المسودة ص ٢٣٤، ٢٣٦، نهاية السول ٢/ ٢٧١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، فواتح الرحموت ٢/ ١١٩، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، المستصفى ١/ ١٣٩، الإحكام لابن حزم ١/ ٩٦، غاية الوصول ص ٩٦، مختصر الطوفي ص ٥٢، الروضة ص ٥١، إرشاد الفحول ص ٤٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩١. ٢ وممن اشترط ذلك البزدي "انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي ٢/ ٣٦١". وقد عرف السرخسي خبر التواتر فقال: "أن ينقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم عن قوم مثلهم هكذا إلى أن يتصل برسول الله ﷺ. أصول السرخسي ١/ ٢٨٢". فاشترط في التعريف تباين الأمكنة. "وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥". ٣ في ب ع ض: عن. ٤ في ب: و. ٥ انظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٦١، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، الروضة ص ٥١، مختصر الطوفي ص ٥٢. ٦ انظر: المستصفى ١/ ١٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ١١٩، نهاية السول ٢/ ٢٧١، غاية الوصول ص ٩٦. ٧ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١١٩، نهاية السول ٢/ ٢٧١، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، المستصفى ١/ ١٣٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، مختصر الطوفي ص ٥٢، إرشاد الفحول ص ٤٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩١. ٨ في ض: قاله.
[ ٢ / ٣٤١ ]
لِتَنْدَفِعَ١ التُّهْمَةُ٢، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ؛ لأَنَّ التُّهْمَةَ لَوْ حَصَلَتْ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ، سَوَاءٌ كَانُوا عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ نَسَبٍ وَاحِدٍ وَفِي٣ وَطَنٍ وَاحِدٍ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وَإِنْ ارْتَفَعَتْ حَصَلَ الْعِلْمُ كَيْفَ كَانُوا.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا "إخْبَارُهُمْ طَوْعًا٤". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ قَوْمٌ إخْبَارَهُمْ طَوْعًا، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الصِّدْقَ لا يَمْتَنِعُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِلاَّ فَاتَ٥ الشَّرْطُ٦.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا "أَنْ لا يَعْتَقِدَ" الْمُخْبِرُ "خِلافَهُ" أَيْ نَقِيضَ الْمُخْبَرِ بِهِ٧.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَشَرَطَ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ - وَهُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُوسَوِيُّ٨ - عَدَمَ اعْتِقَادِ نَقِيضِ الْمُخْبَرِ. قَالَ: لأَنَّ اعْتِقَادَ النَّقِيضِ مُحَالٌ
_________________
(١) ١ في ب: لتدفع. ٢ وهو ما اشترطه البزدوي. "انظر: كشف الأسرار ٢/ ٢٧، أصول السرخسي ٢/ ٢٧". ٣ في ش ز ع: في. ٤ اشترط الخطيب البغدادي في خبر التواتر أن لا يدخله أسباب القهر والغلبة. "انظر: الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٦". وانظر: المستصفى ١/ ١٤٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٨، إرشاد الفحول ص ٤٨. ٥ في ع ض: لفات. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٨. ٧ انظر: مختصر الطوفي ص ٥٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩١. ٨ هو علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف المرتضى، أبو القاسم، وهو أخو الشريف الرضي. كان أبو القاسم نقيب الطالبيين، وكان إمامًا في علم الكلام والأدب والشعر وأصول الفقه، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدين. وله ديوان شعر كبير. واختلف الناس في "نهج البلاغة" هل هو الذي جمعه أم الشريف الرضي؟ والغالب أنه ليس من كلام علي، وإنما هو من كلام من جمعه. ومن مصنفات المرتضى: "الغرر والدرر" في اللغة والنحو، و"الذخيرة" في الأصول، و"الذريعة" في أصول الفقه، و"الشيب والشباب"، وكتاب "النقض على ابن جني"، و"طيف الخيال"، و"ديوان شعر". توفي سنة ٤٣٦هـ ببغداد. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٣/ ٣، شذرات الذهب ٣/ ٢٥٦، بغية الوعاة ٣/ ٢٥٦، إنباه الرواة ٢/ ٢٤٩، مرآة الجنان ٣/ ٥٥، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص ٣٨٣، تاريخ بغداد ١١/ ٤٠٢".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وَالطَّارِئُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُسْتَقِرِّ، فَلا يَرْفَعُهُ. وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا، بَلْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ سَوَاءٌ كَانَ السَّامِعُ يَعْتَقِدُ نَقِيضَ الْمُخْبَرِ بِهِ أَوْ لا. فَلا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ عَلَى ذَلِكَ١.
"وَمَنْ حَصَلَ بِخَبَرِهِ عِلْمٌ بِوَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ حَصَلَ٢" الْعِلْمُ "بِمِثْلِهِ" أَيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْخَبَرِ "بِغَيْرِهَا" أَيْ بِغَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ "لآخَرَ" أَيْ لِشَخْصٍ آخَرَ٣.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ٤ وَالْبَاقِلاَّنِيّ: مَنْ حَصَلَ بِخَبَرِهِ عِلْمٌ بِوَاقِعَةٍ٥ لِشَخْصٍ حَصَلَ بِمِثْلِهِ بِغَيْرِهَا لِشَخْصٍ آخَرَ٦ صَحِيحٍ.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الطوفي ص ٥٢. ٢ في ع: حصل له. ٣ انظر: المستصفى ١/ ١٣٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٩، الروضة ص ٤٩، غاية الوصول ص ٩٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠. ٤ في جميع النسخ: الحسن، وهو خطأ. وأبو الحسين هو البصري المعتزلي القاضي، صاحب "المعتمد"، وقد نص الآمدي على ذلك فقال: "ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد وأن يكون مفيدًا للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه". "الإحكام للآمدي ٢/ ٢٩". ٥ في ب: واقعة. ٦ انظر: المعتمد ٢/ ٥٦١، ٥٦٣، ٥٦٤.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ثُمَّ قَالَ: إنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَلأَجْلِ هَذَا قُلْنَا "مَعَ تَسَاوٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ".
قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ عَادَةً.
وَسَبَقَهُ بِاشْتِرَاطِ التَّسَاوِي ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ١.
_________________
(١) ١ والتساوي يكون في المخبرين والخبر والمخبَر. وهذا ما صرح به ابن الحاجب والعضد، وهو مضمون كلام الآمدي. واشترط الغزالي تجرد الخبر عن القرائن. أما إذا حفت به القرائن فإن الوقائع والأشخاص تختلف. "انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٥٥، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٩-٣٠، المستصفى ١/ ١٣٥، فواتح الرحموت ٢/ ١١٧، تيسير التحرير ٣/ ٣٥".
[ ٢ / ٣٤٤ ]