الرِّوَايَةُ فِي اصْطِلاحِ الْعُلَمَاءِ "إخْبَارٌ" يُحْتَرَزُ بِهِ "عَنْ" الإِنْشَاءِ عَنْ أَمْرٍ "عَامٍّ" مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ "لا يَخْتَصُّ" وَاحِدٌ مِنْهُمَا "بِ" شَخْصٍ "مُعَيَّنٍ" مِنْ الأُمَّةِ١.
"وَ" مِنْ صِفَةِ هَذَا الإِخْبَارِ: أَنَّهُ "لا تَرَافُعَ٢ فِيهِ مُمْكِنٌ عِنْدَ الْحُكَّامِ".
"وَعَكْسُهُ" أَيْ وَعَكْسُ هَذَا الْمَذْكُورِ "الشَّهَادَةُ" فَإِنَّهَا إخْبَارٌ بِلَفْظٍ خَاصٍّ ٣عَنْ خَاصٍّ٣ عِلْمُهُ مُخْتَصٌّ بِمُعَيَّنٍ ٤يُمْكِنُ التَّرَافُعُ٤ فِيهِ عِنْدَ الْحُكَّامِ٥.
_________________
(١) ١ انظر: الفروق للقرافي ١/ ٥، فقد حكى هذا التعريف حرفيًّا عن المازري. ٢ في ش: تدافع. ٣ مشطوب عليها في ع. ٤ في ش: ممكن التدافع. ٥ انظر الفرق بين الرواية والشهادة في "الرسالة للشافعي ص ٣٧٢ وما بعدها، أصول السرخسي ١/ ٣٥٣ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ١/ ١١٨، الإحكام للآمدي ٢/ ٤٦، المستصفى ١/ ١٦١، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٢، المعتمد ٢/ ٥٧٤، تدريب الراوي ١/ ٣٣١، الرفع والتكميل ص ٥٠ وما بعدها، الكفاية ص ٩٤، جمع الجوامع ٢/ ١٦١، الفروق للقرافي / ٤ وما بعدها، شرح النووي على مسلم ١/ ٧٢".
[ ٢ / ٣٧٨ ]
"وَمِنْ شُرُوطِ رَاوٍ١: عَقْلٌ" إجْمَاعًا؛ إذْ لا وَازِعَ٢ لِغَيْرِ٣ عَاقِلٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ، وَلا عِبَارَةَ٤ أَيْضًا، كَالطِّفْلِ٥.
"وَ" مِنْهَا "إسْلامٌ" إجْمَاعًا لِتُهْمَةِ عَدَاوَةِ الْكَافِرِ لِلرَّسُولِ٦ ﷺ وَلِشَرْعِهِ٧.
"وَ" مِنْهَا "بُلُوغٌ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ٨مِنْ الأَئِمَّةِ٨،
_________________
(١) ١ المقصود هنا شروط الراوي عند الأداء، وهي تختلف في جملتها عن شروط الراوي عند التحمل. "انظر: الرسالة للشافعي ص ٣٧٠ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٣٩، توضيح الأفكار ٢/ ١١٤، أصول الحديث ص ٢٢٩". ٢ في هامش ز ش: "لا مانع. والوازع هو الكافّ، يقال: وزعه يزعه وزعًا، إذا كفّه"، وفي نهاية العبارة في ز: "طوفي". ٣ في ب: بغير. ٤ في ع: عبادة. وكذا في "مختصر الطوفي" ص ٥٨، وفي "المدخل إلى مذهب أحمد" ص ٩٣: ولا عبادة لهما "أي للصبي والمجنون". ٥ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٣٨، نهاية السول ٢/ ٢٩٤، مناهج العقول ٢/ ٢٩٢، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٢، الإحكام للآمدي ٢/ ٧١، المستصفى ١/ ١٥٦، أصول السرخسي ١/ ٣٤٥، جمع الجوامع ٢/ ١٤٦، الكفاية ص ٧٦، توضيح الأفكار ٢/ ١١٤، تدريب الراوي ١/ ٣٠٠، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، غاية الوصول ص ٩٩، الروضة ص ٥٧، مختصر الطوفي ص ٥٨، إرشاد الفحول ص ٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٦ في ع: لرسوله. ٧ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٨، أصول السرخسي ١/ ٣٤٦، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٣، المستصفى ١/ ١٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٣٩، تيسير التحرير ٣/ ٤١، ٤٧، المعتمد ٢/ ٦١٨، نهاية السول ٢/ ٢٩٥، مناهج العقول ٢/ ٢٩٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٢، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، معرفة علوم الحديث ص ٥٣، أصول الحديث ص ٢٣٠، توضيح الأفكار ٢/ ١١٥، تدريب الراوي ١/ ٣٠٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٢، جمع الجوامع ٢/ ١٤٦، الكفاية ص ٧٧، غاية الوصول ص ٩٩، الروضة ص ٥٦، مختصر الطوفي ص ٥٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٥٧. ٨ ساقطة من ش.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
لاحْتِمَالِ كَذِبِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، كَالْفَاسِقِ بَلْ أَوْلَى؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلا يَخَافُ
الْعِقَابَ١.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَخَرَّجُ فِي رِوَايَتِهِ رِوَايَتَانِ، كَشَهَادَتِهِ٢.
وَرُوِيَ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: أَنَّ شَهَادَةَ الْمُمَيِّزِ٣ تُقْبَلُ.
وَعَنْهُ ابْنُ عَشْرٍ. وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ٤.
"وَ" مِنْهَا "ضَبْطٌ" لِئَلاَّ يُغَيِّرَ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى فَلا يُوثَقُ بِهِ٥.
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد ص ١٣٥، غاية الوصول ص ٩٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٩، أصول السرخسي ١/ ٣٧٢، الإحكام للآمدي ٢/ ٧١، المستصفى ١/ ١٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٣٩، تيسير التحرير ٣/ ٣٩، المسودة ص ٢٥٨، نهاية السول ٢/ ٢٩٤، مناهج العقول ٢/ ٢٩٢، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٥، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، الكفاية ص ٧٧، المعتمد ٢/ ٦٢٠، أصول الحديث ص ٢٣٠، توضيح الأفكار ٢/ ١١٥، تدريب الراوي ١/ ٣٠٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦١، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٤٦، الروضة ص ٥٧، مختصر الطوفي ص ٥٨، إرشاد الفحول ص ٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، النووي على صحيح مسلم ١/ ٦١. ٢ قال الإسنوي عن خبر الصبي: فيه خلاف بين الأصوليين، وكذلك عند المحدثين والفقهاء، والأصح عند الجميع عدم القبول. "التمهيد ص ١٣٥". وانظر: نهاية السول ٢/ ٢٩٥، مناهج العقول ٢/ ٢٩٢، توضيح الأفكار ٢/ ١٢٤، المسودة ص ٢٥٨، غاية الوصول ص ٩٩، تيسير ٣/ ٤٠، المجموع شرح المهذب للنووي ٣/ ١٠٠، والمراجع السابقة في الهامش السابق. ٣ في ب: الكبير. ٤ انظر: المغني ١٠/ ١٤٤، المسودة ص ٢٩٠، تدريب الراوي ٢/ ٦. ٥ انظر: أصول السرخسي ١/ ٣٤٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٢، تيسير التحرير ٣/ ٤٤، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٢، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، أصول الحديث ص ٢٣٢، توضيح الأفكار ٢/ ١١٦، تدريب الراوي ١/ ٣٠٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٥، المستصفى ١/ ١٥٦، الروضة ص ٥٧، اللمع ص ٤٢، مختصر الطوفي ص ٥٨، إرشاد الفحول ص ٥٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٨، مناهج العقول ٢/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لا يَنْبَغِي لِمَنْ لا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ أَنْ
يُحَدِّثَ بِهِ.
وَالشَّرْطُ غَلَبَةُ ضَبْطِهِ وَذِكْرِهِ عَلَى سَهْوِهِ لِحُصُولِ الظَّنِّ إذًا. ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ
وَجَمَاعَةٌ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَفِي الْوَاضِحِ لابْنِ عَقِيلٍ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: مَتَى تَتْرُكُ٢ حَدِيثَ الرَّجُلِ.؟ قَالَ: إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، وَلأَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ تَرَكُوا رِوَايَةَ٣ كَثِيرٍ٤ مِمَّنْ ضَعُفَ ضَبْطُهُ مِمَّنْ سَمِعَ كَثِيرًا٥ ضَابِطًا.
فَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ. فَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهَا٦ لا تُقْبَلُ٧؛ لأَنَّهُ لا غَالِبَ لِحَالِ الرُّوَاةِ٨.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَ الآمِدِيُّ: مِنْ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى غَالِبِ٩ حَالِ١٠ الرُّوَاةِ. فَإِنْ جُهِلَ حَالُهُمْ: اُعْتُبِرَ حَالُهُ. فَإِنْ قِيلَ:
_________________
(١) ١ انظر في تعريف الضبط كتاب "التعريفات للجرجاني ص ١٤٢، أصول السرخسي ١/ ٣٤٨، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٢، تيسير التحرير ٣/ ٤٤، مناهج العقول ٢/ ٣٠٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٦ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، المعتمد ٢/ ٦١٩، توضيح الأفكار ١/ ٨، تدريب الراوي ١/ ٣٠٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٣، الكفاية ص ١٥٨، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٥". ٢ في ب ع ض: يترك. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ض: كثيرًا. ٥ في ش ز: كبيرًا. ٦ في ض: أنه. ٧ في ب ع ض: يقبل. ٨ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧٥، الروضة ص ٥٧، إرشاد الفحول ص ٥٤. ٩ في ع: الغالب. ١٠ ساقطة من ش.
[ ٢ / ٣٨١ ]
ظَاهِرُ حَالِ الْعَدْلِ أَلاَّ يَرْوِيَ إلاَّ مَا يَضْبِطُهُ. وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ الإِكْثَارُ١.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الضَّبْطِ، بَلْ خِيفَ ٢ذَلِكَ لإِكْثَارِهِ٢.
فَإِنْ قِيلَ: الْخَبَرُ دَلِيلٌ. وَالأَصْلُ صِحَّتُهُ فَلا يُتْرَكُ٣ بِاحْتِمَالٍ، كَاحْتِمَالِ حَدَثٍ بَعْدَ طَهَارَةٍ٤.
رُدَّ إنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ مَعَ الظَّنِّ، وَلا ظَنَّ مَعَ تَسَاوِي الْمُعَارِضِ وَاحْتِمَالُ الْحَدَثِ وَرَدَ عَلَى يَقِينِ الطُّهْرِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ٥.
"وَ" مِنْهَا "عَدَالَةٌ" إجْمَاعًا لِمَا سَبَقَ مِنْ الأَدِلَّةِ "ظَاهِرًا وَبَاطِنًا" عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا٦. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِ٧.
_________________
(١) ١ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٢-١٤٣، الإحكام ٢/ ٧٥. ٢ في ش: من ذلك الإكثار. وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣. ٣ في ب ع ض: نتركه. وصححت على هامش ع كما أثبتناه أعلاه. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧٦. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧٦، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٥٠ وما بعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٦ وما بعدها. ٦ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٠، المستصفى ١/ ١٥٧، نهاية السول ٢/ ٣٠٣، مناهج العقول ٢/ ٢٩٦، جمع الجوامع ٢/ ١٤٨، الكفاية ص ٣٤، ٧٧، المسودة ص ٢٥٧، تدريب الراوي ١/ ٣٠٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٣، توضيح الأفكار ٢/ ١١٦، صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٦١، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٠، معرفة علوم الحديث ص ٥٣، المعتمد ٢/ ٦٢٠، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٢، تيسير التحرير ٣/ ٤٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، أصول السرخسي ١/ ٣٤٥، أصول الحديث ص ٢٣١، غاية الوصول ص ٩٩، اللمع ص ٤٢، ٤٣، الروضة ص ٥٧، التمهيد ص ١٣٦، مختصر الطوفي ص ٥٧، إرشاد الفحول ص ٥١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٢. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧٦.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَعِنْدَ الْقَاضِي وَابْنِ الْبَنَّاءِ، وَغَيْرِهِمَا: تَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا لِلْمَشَقَّةِ. كَمَا قُلْنَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ. وَصَاحِبُ "رَوْضَةِ الْفِقْهِ" مِنْ أَصْحَابِنَا١.
"وَمَنْ رَوَى" حَالَ كَوْنِهِ "بَالِغًا مُسْلِمًا عَدْلًا وَقَدْ تَحَمَّلَ"٢ حَالَ كَوْنِهِ "صَغِيرًا ضَابِطًا٣، أَوْ" حَالَ كَوْنِهِ "كَافِرًا" ضَابِطًا "أَوْ" حَالَ كَوْنِهِ "فَاسِقًا" ضَابِطًا "قُبِلَ" مَا رَوَاهُ، لاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ فِيهِ حَالَ رِوَايَتِهِ٤.
"وَهِيَ" أَيْ الْعَدَالَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَسُّطُ فِي الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلا نُقْصَانٍ٥.
_________________
(١) ١ وهو قول بعض الشافعية في الاكتفاء بالعدالة الظاهرة لقبول الرواية. انظر: اللمع ص ٤٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٦-١٤٧. ٢ في ز: يحتمل. ٣ يشترط في الراوي في حال السماع أن يكون مميزًا ضابطًا، فلو سمع المجنون حال جنونه، ثم أفاق فلا يصح ذلك، لأنه وقت الجنون غير ضابط. انظر: اللمع ص ٤١، المستصفى ١/ ١٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٣٨ وما بعدها، الإلماع للقاضي عياض ص ٦٢، أصول الحديث ص ٢٢٧، إرشاد الفحول ص ٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٤ ذهب أكثر العلماء إلى جواز تحمل الصبي المميز للرواية على أن يؤديها بعد البلوغ، ويقاس عليه غيره ممن ذكر أعلاه، لكنهم في تحديث سن الصبي لصحة سماعه وتحمله. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧٢، المستصفى ١/ ١٥٦، نهاية السول ٢/ ٢٩٥، مناهج العقول ٢/ ٢٩٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٥، المسودة ص ٢٥٨، ٢٩٠، الكفاية ص ٥٤، ٧٦، مقدمة ابن الصلاح ص ٦٠، المعتمد ٢/ ٦٢٠، تدريب الراوي ٢/ ٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦١، جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، تيسير التحرير ٣/ ٣٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٩، غاية الوصول ص ٩٩، الروضة ص ٥٧، مختصر الطوفي ص ٥٨، إرشاد الفحول ص ٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، شرح النووي على مسلم ١/ ٦١". ٥ انظر: المصباح المنير ٢/ ٦٠٤، القاموس المحيط ٤/ ١٣.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وَهِيَ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ "صِفَةٌ" أَيْ كَيْفِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَتُسَمَّى قَبْلَ رُسُوخِهَا حَالًا "رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ" أَيْ نَفْسِ الْمُتَّصِفِ بِهَا تَحْمِلُهُ عَلَى مُلازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ، وَتَحْمِلُهُ أَيْضًا عَلَى "تَرْكِ الْكَبَائِرِ١"
"وَمِنْهَا" أَيْ مِنْ الْكَبَائِرِ: غِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": اُخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ. هَلْ هُمَا مِنْ الصَّغَائِرِ أَوْ مِنْ الْكَبَائِرِ؟ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ"، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي "فُرُوعِهِ".
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "لا خِلافَ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنْ الْكَبَائِرِ٢".اهـ.
وَقِيلَ: إنَّهُمَا مِنْ الصَّغَائِرِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ "الْفُصُولِ٣" "وَالْغُنْيَةِ٤" وَالْمُسْتَوْعِبِ٥".
_________________
(١) ١ انظر: المغني ١٠/ ١٤٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، إرشاد الفحول ص ٥١. ٢ تفسير القرطبي ١٦/ ٣٣٧. ٣ كتاب "الفصول" لعلي بن عقيل بن محمد البغدادي الفقيه الأصولي المجتهد، المتوفى سنة ٥١٣ هـ، ومرت ترجمته في المجلد الأول. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٩". ٤ كتاب "الغنية" للشيخ عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي البغدادي. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٨". ٥ كتاب "المستوعب" للعلامة محمد بن عبد الله بن الحسين بن محمد السامري، المتوفى سنة ٦١٠هـ، وهو كتاب مختصر، جمع فيه مؤلفه بين عدد من المختصرات في المذهب الحنبلي. قال ابن بدران: "وبالجملة فهو أحسن متن صنف في مذهب الإمام أحمد وأجمعه". ثم قال: "وقد حذا حذوه الشيخ موسى الحجاوي في كتابه "الإقناع"، وجعله مادة كتابه. "المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢١٠، ٢١٧".
[ ٢ / ٣٨٤ ]
"وَ" تَحْمِلُهُ أَيْضًا عَلَى تَرْكِ "الرَّذَائِلِ" الْمُبَاحَةِ. كَالأَكْلِ فِي السُّوقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَلا يَأْتِي بِكَبِيرَةٍ لِلآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْقَاذِفِ١. وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي مِنْ الْكَبَائِرِ٢.
وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ "بِلا بِدْعَةٍ مُغَلَّظَةٍ" وَسَيَأْتِي الْكَلامُ عَلَيْهَا٣.
"وَتُقْبَلُ٤ رِوَايَةُ" مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ٥، وَلَوْ أَنَّهُ "قَاذِفٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ".
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: إنْ قَذَفَ٦ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ؛ لأَنَّ٧ نَقْصَ الْعَدَدِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ٨.
_________________
(١) ١ وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . الآية ٤ من النور. ٢ انظر في تعريف العدالة: "التعريفات للجرجاني ص ١٥٢، اللمع ص ٤٢، المعتمد ٢/ ٦١٦، توضيح الأفكار ٢/ ١١٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٣، المغني ١٠/ ١٤٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦١، أصول السرخسي ١/ ٣٥٠ وما بعدها، الكفاية ص ٧٨، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٧، المستصفى ١/ ١٥٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، تيسير التحرير ٣/ ٤٤، جمع الجوامع ٢/ ١٤٨، نهاية السول ٢/ ٣٠٣، مناهج العقول ٢/ ٢٩٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٩، ٤٠٠، شرح نخبة الفكر ص ٥٢، غاية الوصول ص ٩٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٥١، ٥٢، شرح منح الجليل ٤/ ٢١٨". ٣ صفحة ٤٠٢. ٤ في ع: ويقبل. ٥ أي تقبل رواية من اتصف بهذه الشروط السابقة في الراوي. ٦ في ب: القذف. ٧ في ب: لأنه. ٨ قال الحنفية بقبول رواية المحدود في القذف مطلقًا، سواء كان محدودًا بشهادة أم=
[ ٢ / ٣٨٥ ]
زَادَ الْقَاضِي فِي "الْعُدَّةِ١": وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَذْفِ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ، وَيَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ، وَلا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِمَا يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ٢. وَكَذَا زَادَ ابْنُ عَقِيلٍ.
قَالَ الشِّيرَازِيُّ فِي "اللُّمَعِ": "وَأَبُو بَكْرَةَ٣ وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ؛ لأَنَّهُمْ أَخْرَجُوا أَلْفَاظَهُمْ مَخْرَجَ الإِخْبَارِ، لا مَخْرَجَ الْقَذْفِ. وَجَلَدَهُمْ عُمَرُ بِاجْتِهَادِهِ٤".
_________________
(١) ١ في ز ش: العمدة. وهو تصحيف. ٢ لا ترد الرواية بما يسوغ فيه الاجتهاد، كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ ونحوه لقول بعض المجتهدين به. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٣، ٤٦، ٥٥، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٥١، ١٦٥، المسودة ص ٢٥٨، ٢٦٥، ٢٦٦". ٣ هو الصحابي نفيع بن الحارث بن كلدة، ويقال: نفيع بن مسروح، الثقفي، مولى رسول الله ﷺ، وهو من عبيد الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي فاستلحقه، وهو مشهور بكنيته. وكان من فضلاء الصحابة، سكن البصرة، وأنجب أولادًا لهم شهرة في العلم والمال والولايات. وكان تدلى إلى النبي ﷺ من حصن الطائف ببكرة، فاشتهر بأبي بكرة، وكان ممن اعتزل الفتنة يوم الجمل. وكان ممن شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا، فلم تتم الشهادة، فجلده عمر، ثم سأله الانصراف والرجوع عن ذلك فلم يفعل وأبى، فلم يقبل له شهادة، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفي سنة ٥١ هـ بالبصرة. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٥٧٢، الاستيعاب ٣/ ٥٦٧، تهذيب الأسماء ٢/ ١٩٨، الخلاصة ص ٤٠٤". ٤ اللمع ص ٤٣. وانظر شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٠، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٤، المسودة ص ٢٥٨.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
"وَيُحَدُّ" الْقَاذِفُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ مَعَ قَبُولِ رِوَايَتِهِ١.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِير"ِ: وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ٢. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ يُحَدُّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لا يُحَدُّ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: فَيُتَوَجَّهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَقَاءُ عَدَالَتِهِ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ الآمِدِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْجَرْحِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْقَذْفِ٣.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: صَرَّحَ الْقَاضِي فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ مِنْ الْعَدَالَةِ بِعَدَالَةِ مَنْ أَتَى بِكَبِيرَةٍ٤٥أَيْ وَاحِدَةً١، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ٦﴾ ٧.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَكَلَ الرِّبَا: إنْ أَكْثَرَ لَمْ يُصَلَّ خَلَفَهُ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: فَاعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي "الْمُغْنِي": "إنْ أَخَذَ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، رُدَّتْ رِوَايَتُهُ٨".
_________________
(١) ١ انظر: الروضة ص ٦٠، مختصر الطوفي ص ٦١. ٢ قال الخزرجي عن أبي بكرة ﵁: "له مائة واثنان وثلاثون حديثًا اتفقا "أي البخاري ومسلم" على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بآخر. روى عنه أولاده عبد الرحمن وعبد العزيز وعبيد الله ومسلم وجماعة. "الخلاصة ص ٤٠٤". ٣ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٩. ٤ في ب ع ض: كبيرة. ٥ ساقطة من ش ب ز، وفي ع: بواحدة. ٦ في ب ز ض: الآية. ٧ الآية ١٠٢ من المؤمنون. وفي ع: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية القارعة/. ٨ المغني ١٠/ ١٦٤ "مع التصرف".
[ ٢ / ٣٨٧ ]
"وَالصَّغَائِرُ" وَهِيَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ لا حَدَّ فِيهِ فِي الدُّنْيَا وَلا وَعِيدَ فِي الآخِرَةِ وَهُنَّ مَعَ كَثْرَةِ صُوَرِهِنَّ "سَوَاءٌ١ حُكْمًا" أَيْ فِي الْحُكْمِ.
قَالَ فِي "التَّحْرِير"ِ: وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي الصَّغَائِرِ، بَلْ أَطْلَقُوا. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لا فَرْقَ.
"إنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ تَكَرُّرًا يُخِلُّ بِالثِّقَةِ٢ بِصِدْقِهِ٣" أَيْ صِدْقِ الرَّاوِي لَمْ تَقْدَحْ٤ فِي صِحَّةِ رِوَايَتِهِ "لِتَكْفِيرِهَا" أَيْ تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ "بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَمَصَائِبِ الدُّنْيَا" عَلَى الأَصَحِّ فِي كَوْنِ الذُّنُوبِ تَنْقَسِمُ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ٥.
وَقَالَ الأُسْتَاذُ٦ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَابْنُ فُورَكٍ وَالْقُشَيْرِيُّ٧ وَالسُّبْكِيُّ٨. وَحُكِيَ عَنْ الأَشْعَرِيَّةِ: إنَّ جَمِيعَ الذُّنُوبِ كَبَائِرُ٩.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ع ز: الثقة. ٣ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، مناهج العقول ٢/ ٢٩٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٠، إرشاد الفحول ص ٥٣. ٤ في ش ع ز: يقدح. ٥ انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٣، إرشاد الفحول ص ٥٢، الفروق للقرافي ١/ ١٢١. ٦ هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، كما هو معروف في مصطلح الفقه الشافعي، وهو ما نص عليه ابن حجر الهيتمي في الزواجر ١/ ٣. ٧ في الزواجر ١/ ٣: ابن القشيري في "المرشد". ٨ هو تقي الدين السبكي، والد تاج الدين صاحب جمع الجوامع. انظر: "جمع الجوامع" ٢/ ١٥٢، إرشاد الفحول ص ٥٢. ٩ انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٣، جمع الجوامع ٢/ ١٥٢، إرشاد الفحول ص ٥٢.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
قَالَ الْقَرَافِيُّ: كَأَنَّهُمْ١ كَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةً إجْلالًا لَهُ، مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ فِي الْجَرْحِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ، بَلْ مِنْهُ مَا يَقْدَحُ، وَمِنْهُ مَا لا يَقْدَحُ. وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي التَّسْمِيَةِ٢.اهـ.
اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ – الآيَةَ٣، وَبِقَوْلِهِ ﷺ، فِي تَكْفِيرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ مَا بَيْنَهُمَا إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ٤؛ إذْ لَوْ كَانَ الْكُلُّ كَبَائِرَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُكَفَّرُ بِمَا ذُكِرَ. وَفِي٥ الْحَدِيثِ: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ" ٦، وَفِي رِوَايَةٍ "تِسْعٌ".
_________________
(١) ١ في ش: كأنما. وفي الفروق: وكأنهم. ٢ الفروق للقرافي ١/ ١٢١. وانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٦١. ٣ الآية ٣١ من النساء. ٤ روى مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه، واللفظ لمسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". وهو عنوان عند البخاري: "باب الصلوات الخمس كفارة"، وساق حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم ". "انظر: صحيح مسلم ١/ ٢٠٩، مسند أحمد ٢/ ٢٢٩، تحفة الأحوذي ١/ ٦٢٧، سنن ابن ماجه ١/ ١٩٦، صحيح البخاري ١/ ١٠٢، فيض القدير ٤/ ٢٤٣، مرعاة المفاتيح ٢/ ١". ٥ في ش ب: وفي هذا. ٦ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". "انظر: صحيح مسلم ١/ ٩٢، صحيح البخاري ٢/ ١٣١، فيض القدير ١/ ١٥٣". وروى النسائي عن عمير: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "هنّ سبع، أعظمهن الإشراك وقتل النفس والفرار" الحديث. سنن النسائي ٧/ ٧٢". وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد مرفوعًا: "الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والرجوع إلى الأعرابية بعد الهجرة". قال السيوطي: صحيح، لكن تعقبه المناوي وضعفه. "انظر: فيض القدير ٥/ ٦١". ورواه الخطيب في "الكفاية ص ١٠٣".
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَعَدَّهَا"١. فَلَوْ كَانَتْ الذُّنُوبُ كُلُّهَا كَبَائِرَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ٢.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الْكُورَانِيُّ فِي "شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ": إنْ أَرَادُوا إسْقَاطَ الْعَدَالَةِ فَقَدْ خَالَفُوا الإِجْمَاعَ. وَإِنْ أَرَادُوا قُبْحَ الْمَعْصِيَةِ نَظَرًا إلَى كِبْرِيَائِهِ تَعَالَى، وَأَنَّ٣ مُخَالَفَتَهُ لا تُعَدُّ٤ أَمْرًا صَغِيرًا، فَنِعْمَ الْقَوْلُ٥.اهـ.
وَعَلَى الأَصَحِّ فِي كَوْنِ الصَّغَائِرِ سَوَاءً حُكْمًا. وَقَالَ الآمِدِيُّ، وَمَنْ وَافَقَهُ: إنَّ مِثْلَ سَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، وَاشْتِرَاطِ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى إسْمَاعِ٦ الْحَدِيثِ يُعْتَبَرُ تَرْكُهُ٧ كَالْكَبَائِرِ٨. وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ
_________________
(١) ١ روى أبو داود والنسائي والحاكم عن عمير مرفوعًا: "الكبائر تسع، أعظمهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار يوم الزحف، وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا". "انظر: المستدرك ١/ ٥٩، الفتح الكبير ٢/ ٣٣٧". ٢ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، إرشاد الفحول ص ٥٢، تفسير الطبري ٥/ ٣٦ وما بعدها، الفروق للقرافي ١/ ١٢١. ٣ في ش ز: فإن. ٤ في ب: يُعد. ٥ انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٣، الفروق للقرافي ١/ ١٢١. ٦ في ب: سماع. ٧ ساقطة من ش. أي يعتبر ترك هذه الصغائر في صفات العدل وشروطه لقبول الرواية. ٨ قال الآمدي: "وذلك "أي تعريف العدالة" إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات. أما الكبائر وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقص الدين، وعدم الترفع عن الكذب، وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث، ونحو ذلك. وأما بعض المباح فما يدل على نقص المروءة ودناءة الهمة كالأكل في السوق، والبول في الشوارع، وصحبة الأراذل، والإفراط في المزح، ونحو ذلك مما يدل على سرعة الإقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به. "الإحكام للآمدي ٢/ ٧٧". "وانظر: المستصفى ١/ ١٥٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٤٥، مناهج العقول ٢/ ٢٩٧، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٦".
[ ٢ / ٣٩٠ ]
اللَّهُ عَنْهُ فِي اشْتِرَاطِ أَخْذِ الأُجْرَةِ: لا يُكْتَبُ عَنْهُ الْحَدِيثُ وَلا كَرَامَةَ١. وَقَالَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو حَاتِمٍ٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُعْتَبَرُ تَرْكُ٣ مَا فِيهِ دَنَاءَةٌ وَتَرْكُ مُرُوءَةٍ كَأَكْلِهِ فِي السُّوقِ بَيْنَ النَّاسِ الْكَثِيرِ. وَمَدِّ رِجْلَيْهِ وَ٤كَشْفِ رَأْسِهِ بَيْنَهُمْ وَالْبَوْلِ فِي الشَّوَارِعِ وَاللَّعِبِ بِالْحَمَامِ وَصُحْبَةِ٥ الأَرَاذِلِ٦ وَالإِفْرَاطِ فِي الْمَزْحِ٧، لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ "إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت" رَوَاهُ
_________________
(١) ١ رواه الخطيب في "الكفاية" عن الإمام أحمد. "انظر الكفاية ص ١٥٣". وانظر حكم أخذ الأجرة على الرواية في "توضيح الأفكار ٢/ ٢٥١، تدريب الراوي ١/ ٣٣٧، العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٣، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٤٨-١٤٩، الكفاية ص ١٥٣، المسودة ص ٢٦٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، طبقات الحنابلة ١/ ١٧٠". ٢ هو محمد بن إدريس بن المنذر بن مِهْران، الغطفاني الحنظلي، أبو حاتم الرازي، أحد الأعلام، حافظ المشرق، كان بارع الحفظ، واسع الرحلة، من أوعية العلم. قال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل. جمع أحاديث الزهري وصنفها ورتبها، وكان المرجع في معرفة رجال الحديث. توفي سنة ٢٧٧ هـ، وقيل ٢٧٥هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٢٠٧، شذرات الذهب ٢/ ١٧١، طبقات القراء ٢/ ٩٧٠، طبقات الحفاظ ص ٢٥٥، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٦٧، تاريخ بغداد ٣/ ٧٣، المنهج الأحمد ١/ ١٨٣، طبقات الحنابلة ١/ ٢٨٤". ٣ في ض: تركه. ٤ في ب ز ض: أو. ٥ في ع: وصحبته. ٦ في ز ش ب: الأرذال. ٧ قال ابن الحاجب: وتتحقق "العدالة" باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر، وبعض الصغائر، وبعض المباح. "مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٣". وهو معنى ما نقلناه عن الآمدي في "الإحكام ٢/ ٧٧".
[ ٢ / ٣٩١ ]
الْبُخَارِيُّ١، يَعْنِي: إذَا٢ صَنَعَ مَا شَاءَ فَلا يُوثَقُ بِهِ٣.اهـ.
وَعَلَى الأَصَحِّ فِي كَوْنِ الصَّغَائِرِ إنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ مِنْهُ٤ تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بِصِدْقِ الرَّاوِي لَمْ يُقْدَحْ فِي رِوَايَتِهِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي "أُصُولِهِ": حَدُّ الإِصْرَارِ٥ الْمَانِعِ فِي الصَّغَائِرِ: أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بِصِدْقِهِ٦.اهـ.
وَقِيلَ: يَقْدَحُ تَكْرَارُهَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَقِيلَ: ثَلاثًا. قَالَهُ٧ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "الْمُقْنِعِ" وَ"آدَابِ الْمُفْتِي٨".
_________________
(١) ١ رواه البخاري وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود. ورواه بعضهم عن حذيفة. ورواه أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وعن حذيفة. ورواه ابن ماجه عن عقبة بن عمرو، ولفظه: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة؛ إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". ورواه مالك مرسلًا. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ٦٨، مسند أحمد ٤/ ١٢١، ٥/ ٣٨٣، سنن ابن ماجه ٢/ ١٤٠٠، سنن أبي داود ٢/ ٥٥٢، الموطأ ١/ ١٥٨، كشف الخفا ١/ ٩٨، فيض القدير ٢/ ٥٤٠". ٢ في ب: أي إن من. وفي ع: أي من. وفي ض: أي. ٣ انظر: المستصفى ١/ ١٥٧، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٧، تيسير التحرير ٣/ ٤٥، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٤٩، المغني ١٠/ ١٤٩. ٤ ساقطة من ش ب ز. ٥ في ش: الاحتراز. ٦ قال الشوكاني: "وقد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية، فإنه قال: لا صغيرة مع إصرار. وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ، وجعله حديثًا، ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه، فالإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة". "إرشاد الفحول ص ٥٣". وانظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣. ٧ في ب: قال. ٨ قال ابن حمدان: وبالجملة كل ما يأثم بفعله مرة يفسق بفعله ثلاثًا. "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص ١٣". وانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٦١.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وَقَالَ فِي "التَّرْغِيبِ" وَغَيْرِهِ: تَقْدَحُ كَثْرَةُ الصَّغَائِرِ وَإِدْمَانُ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي "الْمُقْنِعِ": "لا يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةٍ١".
وَهُوَ مُرَادُ الأَوَّلِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فَالإِدْمَانُ هُنَا كَمَا قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ فِي "أُصُولِهِ" كَمَا تَقَدَّمَ.
وَعَلَى الأَصَحِّ فِي كَوْنِ الصَّغَائِرِ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَبِمَصَائِب الدُّنْيَا لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٢. وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مِنْ تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ. وَحَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ٣.
"وَيُرَدُّ كَاذِبٌ وَلَوْ تَدَيَّنَ" أَيْ تَحَرَّزَ عَنْ الْكَذِبِ "فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ" أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الإِمَامَانِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا؛ لأَنَّهُ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْذِبَ فِيهِ.
وَعَنْهُ: وَلَوْ بِكَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْوَاضِحِ" وَغَيْرُهُ٤.
_________________
(١) ١ وعبارة ابن قدامة: ويعتبر لها "للعدالة" شيئان: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض واجتناب المحارم، وهو أن لا يرتكب كبيرة، ولا يدمن على "صغيرة. المقنع ٣/ ٦٩٠". ٢ الآية ٣١ من النساء. وتتمة الآية: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيْمًا﴾ . ٣ انظر: منهاج السنة النبوية ٣/ ٣١ وما بعدها، ٣٥ وما بعدها، تفسير الطبري ٥/ ٤٤، تفسير غريب القرآن ص ١٢٥، الكبائر للذهبي ص ٧. ٤ قال المجد ابن تيمية: "وقد روي عن أحمد أن الكذبة الواحدة لا تردّ بها الشهادة، فالرواية أولى" "المسودة ص ٢٦٢". وهذه الرواية هي الراجحة عند الإمام أحمد، كما يفهم من عبارة المصنف بلفظ: "وعنه". وهو ما صرح به المصنف أيضًا بعد عدة أسطر، ونص عليها غيره. "انظر: المسودة ص ٢٦٢، ٢٦٦، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٩، الكفاية ص ١٠١، توضيح الأفكار ٢/ ٢٣٧ وما بعدها، إرشاد الفحول ص ٥١، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٤".
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وَاحْتَجَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "رَدَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذْبَةٍ١". وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ. رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ٢ وَالْخَلاَّلُ وَجَعَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ إنْ صَحَّ لِلزَّجْرِ. وَفِيهِ وَعِيدٌ فِي مَنَامِهِ٣٤صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٦ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: الزَّجْرُ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَأَنَّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ٥.
_________________
(١) ١ انظر: المغني ١٠/ ١٤٩. ٢ هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي. قال ابن أبي يعلى: "كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًاَ بالأحكام، حافظًا للحديث". وهو أحد الناقلين لمذهب أحمد. صنف كتبًا كثيرة، منها: "غريب الحديث"، و"دلائل النبوة"، و"كتاب الحمام"، و"سجود القرآن"، و"ذم الغيبة"، و"النهي عن الكذب"، و"المناسك". توفي سنة ٢٨٥ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/ ٨٦، المنهج الأحمد ١/ ١٩٦، شذرات الذهب ٢/ ١٩٠، طبقات الحفاظ ص ٢٥٩، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٦". ٣ كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: عقابه أو عتابه. ٤ في ض ب ع: عليه أفضل الصلاة والسلام. ٥ روى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والبيهقي عن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ - ثلاثًا- قلنا: نعم يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" - وكان متكئًا فجلس - فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت". "انظر: صحيح البخاري ٢/ ١٠٢، صحيح مسلم ١/ ٩١، تحفة الأحوذي ٦/ ٥٨٤، مسند أحمد ٥/ ٣٦، السنن الكبرى ١٠/ ١٢١". وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والبيهقي أن رسول الله ﷺ قال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله"- ثلاث مرات، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ . الحج/ ٣٠-٣١. "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٢٧٤، تحفة الأحوذي ٦/ ٥٨٥، سنن ابن ماجه ٢/ ٧٩٤، السنن الكبرى ١٠/ ١٢١، التلخيص الحبير ٢/ ٤٠٤، مسند أحمد ٤/ ١٧٨". وروى البخاري والترمذي والنسائي عن أنس "أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور". "انظر: صحيح البخاري ٢/ ١٢، تحفة الأحوذي ٨/ ٣٧٢، ٦/ ٥٨٤، سنن النسائي ٧/ ٨١، مسند أحمد ٣/ ١٣١، ٥/ ٣٧".
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وَذَكَرَ فِي "الْفُصُولِ" فِي الشَّهَادَةِ: أَنَّ بَعْضَهُمْ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ. وَقَاسَ عَلَيْهَا بَقِيَّةَ الصَّغَائِرِ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْكَذْبَةَ الْوَاحِدَةَ لا تَقْدَحُ لِلْمَشَقَّةِ وَعَدَمِ دَلِيلِهِ١.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ "الْفُصُولِ": أَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ. وَقِيَاسُ بَقِيَّةِ الصَّغَائِرِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ، لأَنَّ الْكَذِبَ مَعْصِيَةٌ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَهُوَ الْخَبَرُ الْعَامُّ٢.اهـ.
"وَتَقْدَحُ كَذْبَةٌ" وَاحِدَةٌ "فِيهِ" أَيْ فِي الْحَدِيثِ "وَلَوْ تَابَ مِنْهَا". نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁. وَقَالَ: لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ٣ مُطْلَقًا٤. وَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ٥، قَالَ: لأَنَّهُ زِنْدِيقٌ. فَتُخَرَّجُ تَوْبَتُهُ عَلَى تَوْبَتِهِ وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ فِيهَا لِرِشْوَةٍ إلَى أَرْبَابِ الدُّنْيَا.
_________________
(١) ١ "انظر: المسودة ص ٢٦٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦١ وما بعدها. ٢ ساقطة من ز ش ب ع ض. ٣ ساقطة من ش ب ز ع. ٤ نقل الخطيب البغدادي بإسناده، والمجد بن تيمية عن الإمام أحمد أنه سئل عن محدث كذب في حديث واحد ثم تاب ورجع، فقال: "توبته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب حديثه أبدًا". "انظر: الكفاية ص ١١٧، المسودة ص ٢٦١، ٢٦٢". "وانظر: توضيح الأفكار ٢/ ٢٣٧، تدريب الراوي ١/ ٢٣٩ وما بعدها". ٥ يقول عبد العزيز البخاري: "ثم التائب من أسباب الفسق والكذب تقبل روايته، إلا التائب من الكذب متعمدًا في حديث رسول الله ﷺ، فإنه لا تقبل روايته أبدًا، وإن حسنت توبته على ما ذكر عن غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ=
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا فَرْقٌ بَعِيدٌ؛ لأَنَّ الرَّغْبَةَ إلَيْهِمْ بِأَخْبَارِ الرَّجَاءِ١، أَوْ٢ الْوَعِيدِ غَايَةُ٣ الْفِسْقِ.
وَظَاهِرُ كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ. وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، لَكِنْ فِي غَيْرِ مَا كَذَبَ فِيهِ. كَتَوْبَتِهِ فِيمَا أَقَرَّ بِتَزْوِيرِهِ٤.
وَقَبِلَهَا الدَّامَغَانِيُّ الْحَنَفِيُّ٥ فِيهِ أَيْضًا. قَالَ: لأَنَّ رَدَّهَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمٌ.
_________________
(١) = البخاري. ثم نقل مثل ذلك عن أبي بكر الصيرفي في شرحه لـ"رسالة الشافعي" وعن أبي المظفر السمعاني، وأبي عمرو بن الصلاح. "انظر: كشف الأسرار ٢/ ٤٠٤". وانظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٥، توضيح الأفكار ٢/ ٢٣٧ وما بعدها، ٢٤١، الكفاية ص ١١٧، المسودة ص ٢٦٢. لكن النووي ﵀ قال: "قلت: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا، ولا يتقوى الفرق بينه وبين الشهادة" "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ١/ ٣٣٠". وانظر: توضيح الأفكار ٢/ ٢٤٠، ٢٤٢. ١ في ض: الرجال. ٢ في ز ش: و. ٣ في د ع: غايته. ٤ وهذا ما رجحه النووي وقطع به، وقال: "المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته". شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٧٠. وانظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ١/ ٣٣٠. ٥ هو محمد بن علي بن الحسين بن عبد الملك، أبو عبد الله الدامغاني، قاضي القضاة ببغداد، سمع الحديث، وبرع بالفقه، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء. وكان ذا عقل واسع، وتواضع جم، وكان كثير العبادة، وبقي في القضاء ثلاثين سنة. توفي سنة ٤٧٨ هـ، ولم يتفق له الحج، وله "شرح مختصر الحاكم". انظر ترجمته في "الجواهر المضية ٢/ ٩٦، الفوائد البهية ص ١٨٢، شذرات الذهب ٤/ ٣٦٢، تاريخ بغداد ٣/ ١٠٩، البداية والنهاية ١٢/ ١٢٩".
[ ٢ / ٣٩٦ ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: سَأَلْت أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ١ عَنْهُ. فَقَالَ: لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فِيمَا رُدَّ، وَيُقْبَلُ٢ فِي غَيْرِهِ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ. قَالَ: وَسَأَلْت قَاضِي الْقُضَاةِ الدَّامَغَانِيَّ. فَقَالَ: يُقْبَلُ حَدِيثُهُ الْمَرْدُودُ وَغَيْرُهُ، بِخِلافِ شَهَادَتِهِ إذَا رُدَّتْ ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تِلْكَ خَاصَّةً. قَالَ: لأَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا مِنْ الْحَاكِمِ بِرَدِّهَا. فَلا يُنْقَضُ، وَرَدُّ الْخَبَرِ مِمَّنْ رُوِيَ لَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ٣.اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا يَتَوَجَّهُ لَوْ رَدَدْنَا الْحَدِيثَ لِفِسْقِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَذْهَبُ. فَأَمَّا إذَا عَلِمْنَا كَذِبَهُ فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ الشَّهَادَةِ؟ فَنَظِيرُهُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ شَهَادَةِ زُورٍ ٤وَيُقِرَّ فِيهَا٥ بِالتَّزْوِيرِ٥.
"وَالْكَبِيرَةُ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا "مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ" فِيهِ "وَعِيدٌ" خَاصٌّ "فِي الآخِرَةِ. وَزِيدَ" أَيْ وَزَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ أَوْ مَا فِيهِ "لَعْنَةٌ أَوْ غَضَبٌ ٦أَوْ نَفْيُ إيمَانٍ ٧"
_________________
(١) ١ كذا في جميع النسخ. وقد يرد على الذهن أن المقصود هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال، أبو بكر الشاشي، الذي مرت ترجمته ص ١٥٤، وهو غير صحيح، لأن أبا بكر الشاشي توفي قبل ولادة أبي يعلى بنصف قرن تقريبًا. وفي المسودة: أبا بكر الشامي. ٢ في ز ش ب: وتقبل. ٣ انظر: المسودة ص ٢٦٢. ٤ في ش: ويقرنها. ٥ المسودة ص ٢٦٢. ٦ ساقطة من ش. وفي د: أو نفي إيمان أو غضب. ٧ وهذا ما قاله الواحدي في تفسيره. "انظر: الوجيز للواحدي ١/ ١٤٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣".
[ ٢ / ٣٩٧ ]
١اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَبِيرَةِ، هَلْ لَهَا ضَابِطٌ تُعْرَفُ بِهِ أَوْ لا؟
فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا لا يُعْرَفُ ضَابِطُهَا٢.
قَالَ٢ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَمَدِ: مَعْنَى الْكَبِيرَةِ أَنَّ عِقَابَهَا أَعْظَمُ وَالصَّغِيرَةُ أَقَلُّ، وَلا يُعْلَمَانِ إلاَّ بِتَوْقِيفٍ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ٣: الصَّحِيحُ أَنَّ الْكَبَائِرَ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ تُعْرَفُ بِهِ، وَإِلاَّ لاقْتَحَمَ النَّاسُ الصَّغَائِرَ وَاسْتَبَاحُوهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْفَى ذَلِكَ عَنْ الْعِبَادِ لِيَجْتَهِدُوا فِي اجْتِنَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، رَجَاءَ أَنْ تُجْتَنَبَ٤ الْكَبَائِرُ. نَظِيرُهُ إخْفَاءُ الصَّلاةِ الْوُسْطَى وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَسَاعَةِ الإِجَابَةِ ٥فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ٦ وَقِيَامِ السَّاعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. وانظر: إرشاد الفحول ص ٥٢، الوجيز في تفسير القرآن العزيز للواحدي ١/ ١٤٨. ٢ في د ض: وقال. ٣ هو علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسين الواحدي، النيسابوري، المفسر، كان أستاذ عصره في علم النحو والتفسير، ودأب في العلوم، وأخذ اللغة، وتصدر للتدريس والإفادة مدة طويلة، وكان شاعرًا، وله مصنفات كثيرة، منها: التفاسير الثلاثة: "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، وله "أسباب النزول"، و"الإغراب في الإعراب"، و"التحبير" في شرح الأسماء الحسنى"، و"شرح ديوان المتنبي"، و"نفي التحريف عن القرآن الشريف". توفي سنة ٤٦٨ هـ بنيسابور. انظر ترجمته في "طبقات القراء ١/ ٥٢٣، طبقات المفسرين ١/ ٣٨٧، وفيات الأعيان ٢/ ٤٦٤، إنباه الرواة ٢/ ٤٦٤، بغية الوعاة ٢/ ١٤٥، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٢٤٠، شذرات الذهب ٣/ ٣٣٠، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ١٦٨، البداية والنهاية ١٢/ ١١٤". ٤ في ش ب ز: يجتنبوا. ٥ ساقطة من ش. وفي ب ع ض: في الجمعة. ٦ قال ابن حجر الهيثمي: "قاله الواحدي في بسيطه" "الزواجر ١/ ٥". وانظر: الوجيز للواحدي ١/ ١٤٨.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ لَهَا١ ضَابِطًا مَعْرُوفًا٢، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الضَّابِطِ عَلَى أَقْوَالٍ.
الأَوَّلُ - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - أَنَّ الْكَبِيرَةَ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الآخِرَةِ، لِوَعْدِ٣ اللَّهِ مُجْتَنِبَهَا٤ بِتَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلأَنَّهُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ مَا فِيهِ لَعْنَةٌ أَوْ غَضَبٌ أَوْ نَفْيُ إيمَانٍ؛ لأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ نَفْيُ الإِيمَانِ لأَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ، بَلْ لِكَمَالٍ وَاجِبٍ٦.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ كَلامَ أَحْمَدَ إلاَّ عَلَى مَعْنًى يُبَيِّنُ مِنْ كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُهُ، لا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنْ كَلامِ كُلِّ أَحَدٍ.
الْقَوْلُ٧ الثَّانِي - وَهُوَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ -:أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةٌ، وَمَا تَعَلَّقَ بِحَقِّ الآدَمِيِّ كَبِيرَةٌ.
_________________
(١) ١ في ش: لهما. ٢ وضع العز بن عبد السلام ضابطًا لتمييز الصغائر من الكبائر فقال: "إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر ". ثم ذكر أمثلة. "انظر: قواعد الأحكام ١/ ٢٣". وانظر: تفسير الطبري ٥/ ٣٧ وما بعدها، الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥، الفروق للقرافي ١/ ١٢١، إرشاد الفحول ص ٥٢. ٣ في ش: كوعد. ٤ في ش: لمن يجتنبها. وفي د ع: مجتنبيها. ٥ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، تفسير الطبري ٥/ ٤٠، الفروق للقرافي ١/ ١٢١. ٦ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٦١، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤. ٧ في ع ض: والقول.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - وَنُسِبَ إلَى الأَكْثَرِ -: أَنَّ الْكَبِيرَةَ مَا فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ١.
الرَّابِعُ: مَا أَوْجَبَ حَدًّا فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَغَيْرُهُ صَغِيرَةٌ، وَهُوَ لِجَمَاعَةٍ٢.
الْخَامِسُ - وَهُوَ لِلْهَرَوِيِّ٣ -: أَنَّ الْكَبِيرَةَ ٤كُلُّ مَعْصِيَةٍ٩ يَجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدٌّ مِنْ قَتْلٍ وَ٥غَيْرِهِ. وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ٦ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ وَ٧الرِّوَايَةِ وَفِي الْيَمِينِ.
_________________
(١) ١ انظر: الزواجر ١/ ٤، جمع الجوامع ٢/ ١٥٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، غاية الوصول ص ١٠٠، إرشاد الفحول ص ٥٢. ٢ وهو تعريف البغوي وغيره. "انظر: الزواجر ١/ ٤، جمع الجوامع ٢/ ١٥٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦١، غاية الوصول ص ١٠٠". ٣ إن الفقهاء والمحدثين الذين ينتسبون إلى هراة كثيرون، منهم القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العبادي، الهروي، صاحب "أدب القضاء" المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، ومنهم أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي صاحب "كتاب الغريبين"، وإذا أطلق "الهروي" في أبواب القضاء فالمقصود القاضي أبو سعيد محمد بن أحمد بن أبي يوسف الهروي تلميذ القاضي أبي عاصم، وهو قاضي همذان، شرح "أدب القضاء" للعبادي الهروي، وسماه "الإشراف على غوامض الحكومات"، وكان من الأئمة الفقهاء. توفي في حدود سنة ٥٠٠هـ، وقيل: قتل شهيدًا مع ابنه في جامع همذان سنة ٤٩٨هـ. وهو المقصود هنا، لأن ابن حجر الهيتمي نص عليه فقال: "وهو تعريف الهروي في إشرافه". "الزواجر ١/ ٢". انظر ترجمة أبي سعيد الهروي في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٣٦٥، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٣٦، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ١٨٧، طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٥١٩. وفي هامش ب: الحافظ الحنبلي. ٤ ساقطة من ز ش. ٥ في ب ع ض: أو. ٦ في ض: كبيرة. ٧ في ض: وفي.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
الْقَوْلُ السَّادِسُ - وَهُوَ لإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ-: أَنَّ الْكَبِيرَةَ كُلُّ جَرِيمَةٍ١ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ٢. وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٣.
وَمَجْمُوعَةُ مَا جَاءَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الأَحَادِيثِ مِنْ الْكَبَائِرِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ٤: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالزِّنَا، وَأَفْحَشُهُ بِحَلِيلَةِ الْجَارِ٥، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ، وَالسِّحْرُ، ٦وَأَكْلُ الرِّبَا١٠، وَأَكْلُ
_________________
(١) ١ وفي رواية: جريرة، وهي بمعناها "انظر: الزواجر ١/ ٤". ٢ قال ابن حجر الهيتمي: "على أنك إذا تأملت كلام الإمام "الجويني" الأول ظهر لك أنه لم يجعل ذلك حدًّا للكبيرة، خلافًا لمن فهم منه ذلك، لأنه يشمل صغائر الخسّة، وليست كبائر، وإنما ضبطه به ما يبطل العدالة، لأن إمام الحرمين قال في آخر التعريف: "ورقة الديانة مبطلة للعدالة" "الزواجر ١/ ٤". ٣ وهو ما اختاره السبكي وغيره، وانظر تعريف الكبيرة في التعريفات للجرجاني ص ١٩٢، إرشاد الفحول ص ٥٢، غاية الوصول ص ١٠٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣-١٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٤٥، مناهج العقول ٢/ ٢٩٧، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٩ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩٣، جمع الجوامع ٢/ ١٥٢، الزواجر ١/ ٤، تفسير الطبري ٥/ ٣٧ وما بعدها، الفروق للقرافي ١/ ١٢١، تفسير مجاهد ص ١٥٣، قواعد الأحكام ١/ ٢٦. ٤ اختلف العلماء في عدد الكبائر، فقيل هي سبع، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل اثنتا عشرة، وقيل أربع عشرة، وقيل ست وثلاثون، وقيل سبعون، وقيل ثلاث. وأكد الذهبي أن عددها سبعون، وصنف كتابًا فيها "الكبائر"، ولكن الحافظ ابن حجر الهيتمي صنف كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" وأوصلها إلى سبعمائة معصية. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع". وليس هناك دليل على حصرها في عدد معين. قال الطبري: "والذي نقول به في ذلك كل ما ثبت به الخبر". "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٠ وما بعدها، الزواجر ١/ ٩، موسوعة فقه إبراهيم النخعي ٢/ ٥٧٦، تفسير الطبري ٥/ ٤٢، إرشاد الفحول ص ٥٢، قواعد الأحكام ١/ ٢٤، الكبائر للذهبي ص ٨". ٥ في ز ش: الجارة. وفي ع: جاره. ٦ ساقطة من ش.
[ ٢ / ٤٠١ ]
مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالسَّرِقَةُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَاسْتِحْلالُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ، وَتَرْكُ السُّنَّةِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ١، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَمَنْعُ ابْنِ السَّبِيلِ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ، وَعَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالتَّسَبُّبُ إلَى شَتْمِهِمَا، وَالإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ٢.
"وَيُرَدُّ مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ" أَيْ رِوَايَةُ مُبْتَدِعٍ يَدْعُو النَّاسَ ٣إلَى بِدْعَتِهِ٣. وَ٤الْمُبْتَدِعُ وَاحِدُ الْمُبْتَدِعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ الأَهْوَاءِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ٥.
وَالْمُرَادُ إذَا كَانَتْ بِدْعَتُهُ غَيْرَ مُكَفِّرَةٍ. كَالْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ "أَوْ مَعَ بِدْعَةٍ٦ مُكَفِّرَةٍ" كَالْقَوْلِ بِإِلاهِيَّتِهِ٧ أَوْ غَيْرِهِ٨.
_________________
(١) ١ التعرب: هو الإقامة في البادية مع الأعراب. قال ابن الأثير: "وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يَعدّونه كالمرتد" "النهاية في غريب الحديث ٣/ ٢٠٢". وانظر: القاموس المحيط ١/ ١٠٧. ٢ انظر: جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٥٣ وما بعدها، مناهج العقول ٢/ ٢٩٧، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، الزواجر ١/ ٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، تيسير التحرير ٣/ ٤٥، غاية الوصول ص ١٠٠، إرشاد الفحول ص ٥٣. ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ز ش. ٥ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤، معرفة علوم الحديث ص ٥٣، توضيح الأفكار ٢/ ١٩٨ وما بعدها، ٢٨٠، جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، المسودة ص ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٤، أصول السرخسي ١/ ٣٧٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٠، تيسير التحرير ٣/ ٤٢-٤٣، اللمع ص ٤٢، غاية الوصول ص ٩٩، إرشاد الفحول ص ٥٠. ٦ ساقطة من ز ش ع. ٧ في ش ع: بآلهيته. ٨ انظر: شرح نخبة الفكر ص ١٥٦، توضيح الأفكار ٢/ ٢١٣، تدريب الراوي ١/ ٣٢٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٢، المسودة ص ٢٦٣، المعتمد ٢/ ٦١٧، ٦١٨، نهاية السول ٢/ ٢٩٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٣، غاية الوصول ص ٩٩، الروضة ص ٥٦.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وَعَلَّلَ رَدَّ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ بِخَوْفِ الْكَذِبِ لِمُوَافَقَةِ هَوَاهُ.
وَنُقِضَ ذَلِكَ بِالدَّاعِيَةِ فِي الْفُرُوعِ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ جَمَاعَةٌ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ. وَقَبِلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ١.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْكَفَاءَةِ مِنْ "الْفُصُولِ": إنْ دَعَا كَفَرَ. وَقَالَ أَيْضًا: وَالصَّحِيحُ لا كُفْرَ؛ لأَنَّ أَحْمَدَ أَجَازَ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ٢.اهـ.
وَعُلِمَ مِمَّا فِي الْمَتْنِ: أَنَّ الْمُبْتَدِعَ غَيْرَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرَ الْمُكَفَّرِ بِبِدْعَتِهِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ لِعَدَمِ عِلَّةِ الْمَنْعِ، وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُبْتَدَعَةِ. كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَرِوَايَةِ السَّلَفِ٣ وَالأَئِمَّةِ عَنْهُمْ٤.
_________________
(١) ١ وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة والغزالي وغيره من الشافعية، وأبي الحسين البصري من المعتزلة، بشرط أن يعتقدوا حرمة الكذب، وأن لا يتعلق الخبر بعقيدتهم وهواهم. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، الكفاية ص ١٢١، تدريب الراوي ١/ ٣٢٥، شرح نخبة الفكر ص ١٥٦، مناهج العقول ٢/ ٢٩٥، نهاية السول ٢/ ٢٩٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٥-٢٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٢، اللمع ص ٤٢، غاية الوصول ص ٩٩، إرشاد الفحول ص ٥١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٢". ٢ وهذا ما أيده الكمال بن الهمام حيث أجاز الرواية عن المبتدع بما هو كفر، كغلاة الروافض والخوارج، إن اعتقد حرمة الكذب "انظر: تيسير التحرير ٣/ ٤١". ٣ في ش ز: المسلمين. ٤ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٣، مناهج العقول ٢/ ٢٩٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٥٩، الإحكام للآمدي ٢/ ٨٣، جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، تدريب الراوي ١/ ٣٢٥، توضيح الأفكار ٢/ ٢١٤، المسودة ص ٢٦٣، الكفاية ص ١٢٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٦، ٢٧، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤، المعتمد ٢/ ٦١٨، تيسير التحرير ٣/ ٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٠، ١٤٢، شرح نخبة الفكر ص ١٥٨، مختصر الطوفي ص ٥٧، غاية الوصول ص ٩٩، الروضة ص ٥٦، النووي على صحيح مسلم ١/ ٦٠.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لا يُقَالُ: قَدْ تُكُلِّمَ فِي بَعْضِهِمْ؛ لأَنَّهُ أُرِيدَ مَعْرِفَةُ حَالِهِمْ، أَوْ لِلتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، ثُمَّ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ رَدِّهِ رَدُّ الْجَمِيعِ أَوْ الأَكْثَرِ، لِكَثْرَةِ تَفْسِيقِ الطَّوَائِفِ وَتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلأَنَّهَا حَاجَةٌ عَامَّةٌ. فَهِيَ أَوْلَى مِنْ تَصْدِيقِهِ فِي اسْتِئْذَانِهِ وَإِرْسَالِهِ بِهَدِيَّةٍ. وَذَلِكَ إجْمَاعٌ. ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَنَهْيُ أَحْمَدَ عَنْ الأَخْذِ عَنْهُمْ إنَّمَا هُوَ لِهَجْرِهِمْ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِالأَحْوَالِ وَالأَشْخَاصِ. وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ الْخَلاَّلُ عَنْ قَوْمٍ لِنَهْيِ الْمَرُّوذِيِّ١، ثُمَّ رَوَى عَنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ٢. وَلِهَذَا جَعَلَ الْقَاضِي الدَّاعِيَ إلَى الْبِدْعَةِ قِسْمًا غَيْرَ دَاخِلٍ فِي مُطْلَقِ الْعَدَالَةِ٣.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن محمد بن الحجاج، المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله. وهو من أجل أصحابه، وكان إمامًا في الفقه والحديث، كثير التصانيف. توفي سنة ٢٧٥ هـ، ودفن عند قبر الإمام أحمد. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ١/ ٥٦، المنهج الأحمد ١/ ١٧٢، شذرات الذهب ٢/ ١٦٦. وفي ش: المروزي، وهو تصحيف. ما أثبتناه في الأعلى من نسخة ب ز. وقد نص عليه في المسودة ص ٢٦٤. أما المروزي فهو هيدام بن قتيبة أحد الناقلين مذهب أحمد عنه. توفي سنة ٢٧٤هـ. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢١١". ٢ وعلل ذلك الشيخ تقي الدين فقال: "وذلك أن العلة استحقاق الهجر عند التارك، واستحقاق الهجر يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، كما ترك النبي ﷺ الصلاة على من أمر أصحابه بالصلاة عليه". "المسودة ص ٢٦٤، ٢٦٦". ٣ انظر: المسودة ص ٢٦٤.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَالآمِدِيِّ وَالْجُبَّائِيَّةِ وَجَمَاعَةٍ١. كَمَا لَوْ تَدَيَّنَ بِالْكَذِبِ كَالْخَطَّابِيَّةِ مِنْ الرَّافِضَةِ - نِسْبَةً إلَى أَبِي الْخَطَّابِ٢ - مِنْ مَشَايِخِ الرَّافِضَةِ، كَانَ يَقُولُ: بِأُلُوهِيَّةِ٣ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ٤، ثُمَّ ادَّعَى٥ الأُلُوهِيَّةَ٦ لِنَفْسِهِ، عَلَيْهِ
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٣، المستصفى ١/ ١٦٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، نهاية السول ٢/ ٢٩٥-٢٩٦، مناهج العقول ٢/ ٢٩٦، شرح نخبة الفكر ص ١٥٦، تدريب الراوي ١/ ٣٢٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٢، الكفاية ص ١٢٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٠. ٢ هو محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع، مولى بني أسد. قال ابن قتيبة: "ولا أدري من هو". وهو الذي عزا نفسه إلى أبي جعفر محمد الصادق. فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه تبرأ منه ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه، وشدد القول في ذلك. فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه، وزعم أبو الخطاب أن الأئمة أنبياء ثم آلهة. وقال بألوهية جعفر بن محمد، وألوهية آبائه، وأن الألوهية نور في النبوة، وزعم أن جعفرًا هو الإله في زمانه، ولما وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله بالكوفة، وافترقت ال خطابية بعده فرقًا. قال السبكي: "يرون جواز الشهادة لأحدهم بمجرد قوله، وهم المجسمة، ويرون الكذب على مخالفيهم". "انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٧٩ طبعة ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م، طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ١٦، المعارف ص ٦٢٣، دائرة المعارف الإسلامية ٨/ ٣٦٩". ٣ في ب ز ع ض: بإلاهية. ٤ هو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الهاشمي، أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية. كان سيد بني هاشم في زمنه، ومن سادات أهل البيت. ولقب بالصادق لصدقه في مقالته. وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل، وله خمسمائة رسالة، جمعها تلميذه جابر بن حباب الصوفي، وكان من عباد أتباع التابعين، ومن علماء أهل المدينة. مات سنة ١٤٨ هـ، ودفن بالبقيع في قبر أبيه وجده وعم جده الحسن بن علي. روى عنه خلق كثير، وكان ثقة. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/ ٢٩١، طبقات القراء ١/ ١٩٦، تهذيب الأسماء ١/ ١٤٩، مشاهير علماء الأمصار ص ١٢٧، الخلاصة ص ٦٣، حلية الأولياء ٣/ ١٩٢، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٦". ٥ ساقطة من ض. ٦ في ب ز ض: الإلهية.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ وَأَتْبَاعُهُ يَسْتَحِلُّونَ الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ. فَيَرَوْنَ١ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِهِمْ عَلَى مُخَالِفِهِمْ٢.
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁: مَا فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ قَوْمٌ أَشْهَدُ بِالزُّورِ مِنْ الرَّافِضَةِ٣.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَبُولُ مَعَ بِدْعَةٍ مُفَسِّقَةٍ مُطْلَقًا لا مَعَ مُكَفِّرَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لِعِظَمِ الْكُفْرِ، فَيَضْعُفُ الْعُذْرُ وَيَقْوَى عَدَمُ الْوُثُوقِ٤.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ: إنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ قَالُوا: لا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ كُفِّرَ بِبِدْعَتِهِ٥ اتِّفَاقًا٦اهـ.
_________________
(١) ١ في ع: ويرون. ٢ ولأن المبتدعة إما كفرة أو فسقة، فلا يجوز أن يقبل خبرهم، وهو رأي القاضي عبد الجبار من المعتزلة. "انظر: المستصفى ١/ ١٦٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٠، ٣٦٢، نهاية السول ٢/ ٢٩٦، مناهج العقول ٢/ ٢٩٤، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٠، اللمع ص ٤٢، إرشاد الفحول ص ٥٠ وما بعدها". ٣ آداب الشافعي ومناقبه ص ١٨٧، ١٨٩. وانظر: النووي على صحيح مسلم ١/ ٦٠. وقال الآمدي: "فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به فلا نعرف خلافًا في امتناع قبول شهادته، كالخطابية من الرافضة، لأنهم يرون شهادة الزور لموافقيهم في المذهب". "الإحكام للآمدي ٢/ ٨٣". "وانظر: المستصفى ١/ ١٦٠، نهاية السول ٢/ ٣٠٤، مناهج العقول ٢/ ٢٩٨، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤، الكفاية ص ١٢٠، ١٢٦". ٤ انظر: توضيح الأفكار ٢/ ٢١٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، المسودة ص ٢٦٣. ٥ في ب: ببدعة. ٦ وقال النووي أيضًا في "التقريب": "من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق". "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ١/ ٣٢٤، شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٦٠". وانظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٢.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وَقَالَ الْقَاضِي عَلاءُ الدِّينِ الْبَعْلِيُّ١ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا: "إنْ كَانَتْ بِدْعَةُ أَحَدِهِمْ مُغَلَّظَةً كَالتَّجَهُّمِ رُدَّتْ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً كَالْقَدَرِيَّةِ. رُدَّتْ إنْ كَانَ دَاعِيَةً. وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً٢ كَالإِرْجَاءِ، فَهَلْ تُقْبَلُ٣ مَعَهَا مُطْلَقًا. أَمْ يُرَدُّ غَيْرُ الدَّاعِيَةِ؟ رِوَايَتَانِ. هَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا٤".اهـ.
"وَلَيْسَ الْفُقَهَاءُ" الْمُخْتَلِفُونَ فِي الْفُرُوعِ "مِنْهُمْ" أَيْ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": قَالَهُ٥ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَوْلَى٦.
وَخَالَفَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَجَمْعٌ فَأَدْخَلُوهُمْ فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ.
_________________
(١) ١ هو علي بن محمد بن علي بن عباس، أبو الحسين البعلي الحنبلي، علاء الدين المعروف بابن اللحام، كان يعظ في الجامع الأموي، وينقل مذاهب المخالفين محررة من كتبهم مع حسن المجالسة وكثرة التواضع، وصار شيخ الحنابلة بالشام مع ابن مفلح، وعرض عليه قضاء دمشق فأبى، ثم قدم القاهرة بعد غزوة التتر للشام، وولي تدريس المنصورية. ومن مصنفاته "القواعد والفوائد الأصولية"، و"الأخبار العلمية"، و"اختيارات الشيخ تقي الدين"، و"تجريد أحكام النهاية"، و"المختصر في أصول الفقه". توفي سنة ٨٠٣ هـ. انظر: ترجمته في "الضوء اللامع ٥/ ٣٢٠، شذرات الذهب ٧/ ٣١، طبقات المفسرين ١/ ٤٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٣٦". ٢ في ع: خفية. ٣ في ع: يقبل. ٤ المختصر في أصول الفقه ق ٢٥/ ب، مخطوط بالمكتبة الأزهرية رقم ١٢٧/ ٥٤٨٢، ومصور في مركز البحث العلمي والتراث الإسلامي بمكة المكرمة، ويقوم بتحقيقه الزميل الفاضل الدكتور محمد مظهر بقا، المحقق في المركز. ٥ في ض: قال. ٦ قال أبو حامد الشافعي: "ضرب اختلفوا في الفروع، فهؤلاء لا يفسقون بذلك، ولا ترد شهادتهم، وقد اختلف الصحابة في الفروع ومن بعدهم من التابعين". المغني لابن قدامة ١٠/ ١٤٦، ١٦٤.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
فَ عَلَى الأَوَّلِ "مَنْ شَرِبَ نَبِيذًا مُخْتَلَفًا فِيهِ: حُدَّ" عِنْدَنَا "وَيُفَسَّقُ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ" أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى إبَاحَتِهِ "أَوْ مُقَلِّدٌ" لِذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ؛ لأَنَّ١ مَحِلَّ الْخِلافِ فِيهِمَا٢.
وَعَنْ٣ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ بِالْفِسْقِ مُطْلَقًا. وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي "الإِرْشَادِ"، وَأَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي "الْمُبْهِجِ"٤، وِفَاقًا لِلإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي ذَلِكَ٥.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لا حَدَّ وَلا فِسْقَ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ قَوِيٌّ لِلْخِلافِ فِيهِ كَغَيْرِهِ، وَلِئَلاَّ يُفَسَّقَ بِوَاجِبٍ، لِفِعْلِهِ مُعْتَقِدًا وُجُوبَهُ فِي مَوْضِعٍ٦، وَلا أَثَرَ لاعْتِقَادِ الإِبَاحَةِ٧.
_________________
(١) ١ في ب: لأنه. ٢ وخالف الحنفية في ذلك، فقال الكمال بن الهمام: "وأما شرب النبيذ واللعب بالشطرنج وأكل متروك التسمية عمدًا من مجتهد ومقلده فليس بفسق". "تيسير التحرير ٣/ ٤٣". وقال المجد ابن تيمية: "وأما من فعل محرَّمًا بتأويل فلا ترد روايته في ظاهر المذهب". "المسودة ص ٢٦٥". وانظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، ٦٦، صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ١١٠، المغني ١٠/ ١٦٤، المسودة ص ٢٦٦. ٣ في ض: وعند. ٤ في ش ز: المنهج. وهو تصحيف. "وانظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٨، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٧١، المنهج الأحمد ٢/ ١٦٢". ٥ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٢. ٦ في ب ع ض: مواضع. ٧ قال ابن الحاجب: "وأما من يشرب النبيذ ويلعب بالشطرنج ونحوه من مجتهد ومقلد فالقطع أنه ليس بفاسق". "مختصر ابن الحاجب ٢/ ٦٢". وهناك أقوال أخرى في المسألة. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨٢، المستصفى ١/ ١٦٠، تيسير التحرير ٣/ ٤٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، المسودة ص ٢٦٥، ٢٦٦".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
"وَحَرُمَ إجْمَاعًا إقْدَامُ" مُكَلَّفٍ "عَلَى مَا" أَيْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ "لَمْ يَعْلَمْ جَوَازَهُ:" لأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُ أَوْ لا يَجُوزُ: جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى الْعُلَمَاءِ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْأَلْ، وَلأَنَّهُ ضَمَّ جَهْلًا إلَى فِسْقٍ.
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَلا يُحْكَمُ بِفِسْقِ مُخَالِفٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، خِلافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ١.
قَالَ٢ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا أَطْلَقَهُ.
"وَيُرَدُّ مَا رَوَاهُ مُتَسَاهِلٌ فِي رِوَايَتِهِ٣" سَمَاعًا أَوْ إسْمَاعًا كَالنَّوْمِ وَقْتَ السَّمَاعِ، وَقَبُولِ التَّلْقِينِ، أَوْ يُحَدِّثُ لا مِنْ أَصْلٍ مُصَحَّحٍ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ.
وَهُوَ قَادِحٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الْفُتْيَا وَاسْتِفْتَاءُ مَعْرُوفٍ بِهِ. وَقَبُولُ الْحَدِيثِ مِمَّنْ هُوَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ. وَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي "الْمَحْصُولِ" وَغَيْرِهِ٤.
_________________
(١) ١ "انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٢. ٢ في ض: قاله. ٣ في ز ش: رواية. ٤ قال المجد بن تيمية: "إذا كان الراوي يتساهل في أحاديث الناس، ويكذب فيها، ويتحرز في حديث رسول الله ﷺ لم تقبل روايته وبهذا قال مالك خلافًا لبعضهم". "المسودة ص ٢٦٦". وانظر: أصول السرخسي ١/ ٣٧٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٣، ٢٥، ٤٨، ٤٩، المستصفى ١/ ١٦٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٧٠، مناهج العقول ٢/ ٣٠٦، نهاية السول ٢/ ٣٠٩، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٧، توضيح الأفكار ٢/ ٢٥٥، تدريب الراوي ١/ ٣٣٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، غاية الوصول ص ٩٩، الكفاية ص ١٥١ وما بعدها.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
"وَ" مَا رَوَاهُ "مَجْهُولُ عَيْنٍ" عَلَى الصَّحِيحِ وَقَطَعَ بِهِ جَمْعٌ، مِنْهُمْ التَّاجُ السُّبْكِيُّ١.
وَحَكَى الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ٢.
أَحَدَهَا: لا يُقْبَلُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ٣.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مُطْلَقًا. وَهُوَ رَأْيُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الرَّاوِي غَيْرَ الإِسْلامِ٤.
وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ لا يَرْوِي إلاَّ عَنْ عَدْلٍ، كَابْنِ
مَهْدِيٍّ٥ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ٦.
_________________
(١) ١ جمع الجوامع ٢/ ١٥٠. وانظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣، توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥، الروضة ص ٥٧، المستصفى ١/ ١٦٢، غاية الوصول ص ١٠٠، إرشاد الفحول ص ٥٤. ٢ انظر هذه الأقوال مع بيان أصحابها وأدلتهم في توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥ وما بعدها". ٣ انظر: المسودة ص ٢٥٥، إرشاد الفحول ص ٥٣، توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥. ٤ انظر: غاية الوصول ص ١٠٠، توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥، إرشاد الفحول ص ٥٣. ٥ هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد البصري، اللؤلؤي، الحافظ. روى عن شعبة ومالك والسفيانين والحمادين وخلق. قال ابن المديني: "كان من أعلم الناس". وقال أبو حاتم: "إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد، وأوثق من وكيع". وكان أحد أركان الحديث بالعراق، وكتب عن صغار التابعين، وكان رأسًا في العبادة، وكان فقيهًا مفتيًا عظيم الشأن، يحج كل سنة. مات بالبصرة سنة ١٩٨هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩، طبقات الحفاظ ص ١٣٩، الخلاصة ص ٢٣٥، طبقات الحنابلة ١/ ٢٠٧، المنهج الأحمد ١/ ٥٨، المعارف ص ٥١٣، شذرات الذهب ١/ ٣٥٥، تاريخ بغداد ١٠/ ٢٤٠، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩١، تهذيب الأسماء ١/ ٣٠٤". ٦ هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، التميمي مولاهم، المحدث، أبو سعيد البصري الأحول، الحافظ، الإمام، من تابعي التابعين. اتفقوا على إمامته وجلالته ووفور حفظه وعلمه وصلاحه، وكان محدث زمانه، وأحد أئمة الجرح والتعديل، وكان ورعًا فاضلًا متدينًا=
[ ٢ / ٤١٠ ]
وَاكْتَفَيْنَا بِالتَّعْدِيلِ بِوَاحِدٍ قُبِلَ، وَإِلاَّ فَلا١.
وَالرَّابِعُ: إنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي غَيْرِ الْعِلْمِ بِالزُّهْدِ وَالْقُوَّةِ فِي الدِّينِ، قُبِلَ وَإِلاَّ فَلا، وَهُوَ لابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ٢.
وَالْخَامِسُ: إنْ زَكَّاهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مَعَ رِوَايَةِ وَاحِدٍ عَنْهُ، قُبِلَ وَإِلاَّ فَلا. وَهُوَ لأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ٣.
"أَوْ عَدَالَةٍ" عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ "مَجْهُولُ عَيْنٍ" يَعْنِي أَنَّهُ لا تُقْبَلُ٤ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ انظر: توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥، المسودة ص ٢٥٥، إرشاد الفحول ص ٥٣. ٢ انظر: توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥. ٣ هو أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بابن القطان، البغدادي، أبو الحسين، الفقيه الشافعي الأصولي. نشأ ببغداد، وحفظ بها القرآن، وتعلم العلوم، ونبغ في الفقه والأصول، وكان من كبار أئمة الشافعية، مجتهدًا في المذهب، وانحصرت فيه رئاسة علماء الشافعية بعد وفاة أبي القاسم الداركي، وصنف في أصول الفقه وفروعه. توفي سنة ٣٥٩ هـ، ولم يترجم له ابن السبكي. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/ ٥٣، طبقات الفقهاء ص ١١٣، تاريخ بغداد ٤/ ٣٦٥، شذرات الذهب ٣/ ٢٨، الفتح المبين ١/ ١٩٨، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٨٥". وهذا الرأي ظاهر تصرف ابن حبان في ثقاته، فإنه يحكم برفع الجهالة برواية واحدة وحكي ذلك عن النسائي أيضًا. "انظر: توضيح الأفكار ٢/ ١٨٥، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣، إرشاد الفحول ص ٥٣". ٤ في ض: يقبل.
[ ٢ / ٤١١ ]
عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ١.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: تُقْبَلُ وِفَاقًا لأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَابْنِ فُورَكٍ وَسُلَيْمٍ الرَّازِيِّ وَالْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ٢. وَمِنْ أَصْحَابِنَا: الطُّوفِيُّ. كَقَبُولِهِ عَقِبَ إسْلامِهِ.
وَإِطْلاقُ الْقَبُولِ٣ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٤.
_________________
(١) ١ وهو رأي الكمال بن الهمام من الحنفية. انظر أدلة هذا القول في "الكفاية ص ٨١، المسودة ص ٢٥٣، تيسير التحرير ٣/ ٤٨، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٠، ٣/ ٢٠، نهاية السول ٢/ ٣٠٤، الإحكام للآمدي ٢/ ٧٨، المستصفى ١/ ١٥٧، تدريب الراوي ١/ ٣١٦، مختصر ابن الحاجب ١/ ٦٤، توضيح الأفكار ٢/ ١٩١، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣، شرح نخبة الفكر ص ١٥٥، غاية الوصول ص ١٠٠، اللمع ص ٤٣، التمهيد ص ١٣٦، مختصر الطوفي ص ٥٨، الروضة ص ٥٧-٥٨، إرشاد الفحول ص ٥١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣". ٢ هو أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، الحافظ أبو العباس، محب الدين، الطبري، ثم المكي، شيخ الحرم، وحافظ الحجاز بلا مدافعة. وهو شيخ الشافعية ومحدث الحجاز. كان فقيهًا إمامًا، زاهدًا صالحًا. صنف التصانيف الجيدة، منها: "الإحكام" في الحديث، "ومختصر في الحديث"، ورتبه على أبواب "التنبيه"، وكتاب في "فضل مكة"، و"شرح على التنبيه"، و"تخريجة في التفسير"، و"الكافي في غريب القرآن" وغير ذلك. توفي سنة ٦٩٤هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ١٨، العقد الثمين ٣/ ٦١، المنهل الصافي ١/ ٣٢٠، طبقات الحفاظ ص ٥١٠، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٤، البداية والنهاية ١٣/ ٣٤٠، شذرات الذهب ٥/ ٤٢٥". ٣ في ب ض: القول. ٤ انظر أدلة هذا القول ومناقشتها في "الإحكام للآمدي ٢/ ٧٨، ٨٠، المستصفى ١/ ١٥٧ وما بعدها، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٦، تيسير التحرير ٣/ ٤٨، مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤، جمع الجوامع ٢/ ١٥٠، الكفاية ص ٨٢، شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٦١، المغني لابن قدامة ١٠/ ٥٧، المسودة ص ٢٥٣، ٢٥٦، توضيح الأفكار ٢/ ١٩٢، شرح نخبة الفكر ص ١٥٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٤، الروضة ص ٥٧- ٥٨، إرشاد الفحول ص ٥١-٥٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٨٦".
[ ٢ / ٤١٢ ]
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إنْ رَدَّهُ جَمِيعُهُمْ لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِ قُبِلَ، وَإِنْ لَمْ يُرَدَّ وَلَمْ يُقْبَلْ جَازَ قَبُولُهُ لِظَاهِرِ عَدَالَةِ الْمُسْلِمِ وَلَمْ يَجِبْ. وَجَوَّزَ الْحَنَفِيَّةُ الْقَضَاءَ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ. أَمَّا الْيَوْمَ فَتُعْتَبَرُ١ التَّزْكِيَةُ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ٢.اهـ.
وَنَقَلَ الْبِرْمَاوِيُّ عَنْ صَاحِبِ "الْبَدِيعِ٣" وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَبِلَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الإِسْلامِ حَيْثُ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْعَدَالَةُ. فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلا بُدَّ مِنْ التَّزْكِيَةِ لِغَلَبَةِ الْفِسْقِ٤.اهـ.
_________________
(١) ١ في ع: فيعتبر. ٢ وهو ما اختاره الكمال بن الهمام نقلًا عن ظاهر الرواية عن أبي حنيفة في مجهول الحال، وأنه لا بدَّ من التزكية. أما ظاهر العدالة، وهو من التزم أوامر الله ونواهيه، ولم يظهر فيه خلاف ذلك، وباطن أمره غير معلوم، فهو عدل، وتقبل روايته "انظر: تيسير التحرير ٣/ ٤٨- ٤٩". بينما يخصص السرخسي قبول العدالة الظاهرة بالقرون الثلاثة، فيقول: "المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، فيكون خبره حجة" "أصول السرخسي ١/ ٣٥٢". وانظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٨٦، ٣٨٨، ٤٠٠، ٣/ ٢٠، المعتمد ٢/ ٦٢٠، تدريب الراوي ١/ ٣١٧، المسودة ص ٢٥٧، أصول السرخسي ١/ ٣٧٠، إرشاد الفحول ص ٥٣. ٣ في ش: البدائع. وهو تصحيف، لأن كتاب "البدائع" للكاساني في الفقه الحنفي. أما كتاب "البديع" فهو في أصول الفقه، وهو ما ينقل عنه الحنفية في هذه المواطن، ويتردد في كتبهم الأصولية، واسمه الكامل: "بديع النظام، الجامع بين أصول البزدوي والإحكام" للساعاتي، مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي البغدادي الحنفي المتوفى سنة ٦٩٤هـ. "انظر: الفتح المبين ٢/ ٩٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠". ٤ حكى الإمام مسلم في "صحيحه" الإجماع على رد خبر الفاسق، فقال: "إنه غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". وهو ما نقله السرخسي عن الإمام محمد رحمه الله تعالى. وقال عضد الدين: "واعلم أن هذا مبني على أن الأصل الفسق أو العدالة، والظاهر أنه الفسق، لأن العدالة طارئة، ولأنه أكثر العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤". وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١/ ٦١، أصول السرخسي ١/ ٣٧١، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٧، إرشاد الفحول ص ٥٣.
[ ٢ / ٤١٣ ]
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُوقَفُ وَيَجِبُ الْكَفُّ فِي التَّحْرِيمِ إلَى الظُّهُورِ احْتِيَاطًا. فَلَوْ كُنَّا عَلَى اعْتِقَادٍ فِي حِلِّ شَيْءٍ فَرَوَى لَنَا مَسْتُورٌ تَحْرِيمَهُ، فَاَلَّذِي أَرَاهُ: وُجُوبُ الانْكِفَافِ١ عَمَّا كُنَّا نَسْتَحِلُّهُ إلَى تَمَامِ الْبَحْثِ عَنْ حَالِ الرَّاوِي٢.
قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالْحَظْرِ لِلتَّرْتِيبِ عَلَى الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ فِي الأَمْرِ. وَالتَّوَقُّفُ٣ فِي الإِبَاحَةِ يَتَضَمَّنُ الإِحْجَامَ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَظْرِ. فَهُوَ إذًا حَظْرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ قَاعِدَةٍ مُمَهَّدَةٍ. وَهِيَ التَّوَقُّفُ عِنْدَ عَدَمِ بُدُوِّ ظَوَاهِرِ الأُمُورِ إلَى اسْتِبَانَتِهَا. فَإِذَا ثَبَتَتْ الْعَدَالَةُ فَالْحُكْمُ بِالرِّوَايَةِ إذْ ذَاكَ. اهـ.
"أَوْ ضَبْطٍ" مَعْطُوفٌ عَلَى "عَدَالَةٍ" يَعْنِي أَنَّهُ تُرَدُّ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الضَّبْطِ كَمَا تُرَدُّ رِوَايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ؛ لأَنَّ غَيْرَ الضَّابِطِ لا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يُدَلَّسَ عَلَيْهِ. فَاشْتُرِطَ ثُبُوتُ ضَبْطِهِ٤.
"لا رَقِيقٌ" يَعْنِي أَنَّهُ لا تُرَدُّ رِوَايَةُ الرَّقِيقِ مِنْ أَجْلِ رِقِّهِ٥ لِظَاهِرِ الأَدِلَّةِ. فَإِنَّهَا تَشْمَلُهُ٦.
_________________
(١) ١ في ش: الكف. وفي ز: الكفاف. ٢ واعترض عليه الأبياري في "شرح البرهان" بأن اليقين لا يزول بالشك، والحِلُّ ثابت بالأصل فلا يرفع بالتحريم المشكوك فيه. "انظر: جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٥٠". ٣ في ع ض: والتوقيف. ٤ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٢، اللمع ص ٤٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٥ في ز ش: رق. ٦ انظر: أصول السرخسي ١/ ٣٥٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٤٦، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٢، المعتمد ٢/ ٦٢١، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، المسودة ص ٢٥٩.
[ ٢ / ٤١٤ ]
"وَ" لا "أُنْثَى" لِقَبُولِهِمْ خَبَرَ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ١ وَأَمِّ سَلَمَةَ وَأَمِّ سُلَيْمٍ٢ وَغَيْرِهِنَّ، وَلا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الأُنْثَى حُرَّةً أَوْ رَقِيقَةً٣.
"وَ" كَذَا لا تُرَدُّ رِوَايَةُ "قَرِيبٍ" لِكَوْنِهِ قَرِيبًا لِلرَّاوِي عَنْهُ٤.
"وَ" لا رِوَايَةُ "ضَرِيرٍ" لِكَوْنِهِ ضَرِيرًا٥.
_________________
(١) ١ هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، والدة عبد الله بن الزبير بن العوام. أسلمت قديمًا بعد سبعة عشر نفسًا. هاجرت وهي تحمل بعبد الله، فولدته بقباء، وعاشت إلى أن ولي ابنها الخلافة، وبقيت على قيد الحياة إلى أن قتل، وماتت بعده بقليل بمكة سنة ٧٣ هـ. وقيل غير ذلك. وكانت تلقب بذات النطاقين، لقبها بذلك رسول الله ﷺ يوم الهجرة. روت عدة أحاديث في الصحيحين والسنن. عاشت مائة سنة لم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، ولها مناقب كثيرة ﵂. انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٢٣٠، الاستيعاب ٤/ ٢٣٢، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٢٨، الخلاصة ص ٤٨٨، حلية الأولياء ٢/ ٥٥". ولفظة "أسماء" ساقطة من ض. ٢ هي سهلة بنت ملحان بن خالد الأنصارية النجارية، وقيل اسمها رملة، وقيل غير ذلك. وهي أم أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ. وكانت من فاضلات الصحابيات، وكانت تحت مالك بن النضر. أسلمت مع قومها، وعرضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها وخرج إلى الشام فمات هناك، ثم خلف عليها أبو طلحة الأنصاري. روت عن النبي ﷺ عدة أحاديث، وكانت من عقلاء النساء، وقاتلت يوم حنين. انظر ترجمتها في "الاستيعاب ٤/ ٤٥٥، الإصابة ٤/ ٤٦١، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٦٣، الخلاصة ص ٤٩٨، حلية الأولياء ٢/ ٥٧". ٣ انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤، المعتمد ٢/ ٦٢١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، المسودة ص ٢٥٨، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، أصول السرخسي ١/ ٣٥٢، الروضة ص ٥٨، مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٩٣. ٤ انظر: المستصفى ١/ ١٦١، الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، ٦٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٤٦، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤، المستصفى ١/ ١٦١، المعتمد ٢/ ٦٢١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٨، المسودة ص ٢٥٩، ٢٩٠، تيسير التحرير ٣/ ٤٦، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، أصول السرخسي ١/ ٣٥٢، الروضة ص ٥٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣.
[ ٢ / ٤١٥ ]
"وَ" لا "عَدُوٍّ" لِكَوْنِهِ عَدُوًّا لِلرَّاوِي عَنْهُ؛ لأَنَّ حُكْمَ الرِّوَايَةِ عَامٌّ لِلْمُخْبِرِ وَالْمُخْبَرِ١، وَلا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ فَلا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ، بِخِلافِ الشَّهَادَةِ٢.
"وَ" لا تُرَدُّ أَيْضًا رِوَايَةُ "قَلِيلِ سَمَاعِ الْحَدِيثِ" ٣ بَلْ مَتَى سَمِعَ، وَلَوْ حَدِيثًا وَاحِدًا، صَحَّتْ رِوَايَتُهُ لَهُ٤.
"وَ" لا تُرَدُّ أَيْضًا رِوَايَةُ "جَاهِلٍ بِمَعْنَاهُ" أَيْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيه.
وَلا جَاهِلٍ بِـ "فِقْهٍ وَعَرَبِيَّةٍ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ٥.
وَاعْتَبَرَ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ مَعْرِفَةَ الْفِقْهِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي
_________________
(١) ١ في ش: والخبر. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، ٦٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٤٦، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٣ في ب زيادة وخبط وقلب: "أي معنى الحديث الذي يرويه ولا ترد أيضًاَ رواية جاهل بمعناه، بل متى سمع، ولو حديثًا واحدًا صحت روايته له، ولا ترد أيضًا رواية جاهل بـ " ٤ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤، المستصفى ١/ ١٦١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٨، كشف الأسرار ٣/ ٧٥، المعتمد ٢/ ٦٢١، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، ١٤٩، الكفاية ص ٩٣، المسودة ص ٢٦٧. ٥ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٩، نهاية السول ٢/ ٣١٠، مناهج العقول ٢/ ٩٤، المستصفى ١/ ١٦١، المعتمد ٢/ ٦٢٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٨، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، الروضة ص ٥٨، غاية الوصول ص ٩٩، مختصر الطوفي ص ٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣، الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤.
[ ٢ / ٤١٦ ]
حَنِيفَةَ ١مِثْلُهُ، وَنُقِلَ عَنْهُ٢ أَيْضًا: إنَّمَا تُعْتَبَرُ٢ مَعْرِفَتُهُ إنْ خَالَفَ مَا رَوَاهُ الْقِيَاسُ٣.
وَاحْتَجَّا بِأَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ مَظِنَّةُ سُوءِ الْفَهْمِ وَوَضْعِ النُّصُوصِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهَا، فَالاحْتِيَاطُ لِلأَحْكَامِ أَنْ لا يُرْوَى عَنْهُ٤.
وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وَلَيْسَ بِفَقِيهٍ" إسْنَادُهُ٥ جَيِّدٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ٦. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ٧.
وَقَوْلُهُ ﷺ "نَضَّرَ اللَّهُ" رَوَاهُ الأَصْمَعِيُّ: بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَأَبُو
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ش. وفي ب ع ض: مثله. وعن أبي حنيفة. ٢ في ض: يعتبر. ٣ وهو اختيار عيسى بن إبّان والقاضي أبي زيد الدبوسي، وتابعهما فخر الإسلام البزدوي، خلافًا لأبي الحسن الكرخي الذي تبعه ابن عبد الشكور وغيره. "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤-١٤٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، نهاية السول ٢/ ٣١٠، مناهج العقول ٢/ ٣٠٨، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٦٩، غاية الوصول ص ٩٩". ٤ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٥. ٥ في ع: وإسناده. ٦ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي مرفوعًا. "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٢٨٩، تحفة الأحوذي ٧/ ٤١٦، سنن ابن ماجه ١/ ٦٤، ٢/ ١٠٥١، تخريج أحاديث البزدوي ص ١٨٨، سنن الدارمي ١/ ٧٤". ٧ انظر: بدائع المنن ١/ ١٥، مسند أحمد ١/ ٤٣٧، ٤/ ٨٠، ٥/ ١٣٨. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٨، الروضة ص ٥٨.
[ ٢ / ٤١٧ ]
عُبَيْدٍ بِتَخْفِيفِهَا١، أَيْ نَعَّمَهُ اللَّهُ٢.
وَكَانَتْ٣ الصَّحَابَةُ تَقْبَلُ رِوَايَةَ الأَعْرَابِيِّ لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ الْمُحَدِّثِينَ٤.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: "فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ٥.
وَالْجَوَابُ ٦عَمَّا قَالُوا٦: أَنَّا٧ إنَّمَا نَقْبَلُ٨ رِوَايَتَهُ إذَا٩ رَوَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الْمُطَابِقِ وَكَانَ يَعْرِفُ مُقْتَضَيَاتِ الأَلْفَاظِ. وَالْعَدَالَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ تَحْرِيفٍ لا يَجُوزُ١٠.
_________________
(١) ١ في ب ع ض: بتخفيفه. ٢ التشديد للمبالغة والتكثير، والنَّضْر والنضارة في الأصل حسن الوجه. والمراد هنا رفع القدر والمرتبة، وهو إما دعاء أي جمله وزينه، وإما خبر عن أنه من أهل نضرة النعيم. "انظر: القاموس المحيط ٢/ ١٤٩، المصباح المنير ٢/ ٩٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٥، تيسير التحرير ٣/ ١٠١". ٣ في ش: وكان. ٤ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٥، الروضة ص ٥٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٣. ٥ هذا جزء من حديث رواه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد. "انظر: تحفة الأحوذي ٧/ ٤١٧، سنن ابن ماجه ١/ ٨٥، مسند أحمد ١/ ٤٣٧". ٦ في ض: عنا. ٧ ساقطة من ب. ٨ في ب: تقبل. ٩ في ع: إذ. ١٠ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٤٥ وما بعدها.
[ ٢ / ٤١٨ ]
"وَ" لا تُرَدُّ رِوَايَةُ "عَدِيمِ نَسَبٍ" كَوَلَدِ الزِّنَا وَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ "وَ" لا رِوَايَةُ "مَجْهُولِهِ١" أَيْ مَجْهُولِ النَّسَبِ؛ لأَنَّ هَؤُلاءِ كُلَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عُمُومِ الأَدِلَّةِ. فَصَحَّتْ رِوَايَتُهُمْ كَغَيْرِهِمْ حَيْثُ لا مَانِعَ٢.٣والله أعلم١٣.
_________________
(١) ١ في ش ز: مجهول. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٤، المستصفى ١/ ١٦٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٧٠، الروضة ص ٥٩، مختصر الطوفي ص ٦٠. ٣ ساقطة من ش ب ز ع.
[ ٢ / ٤١٩ ]