"فَصْلٌ": "يَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ فِي سَنَدٍ، وَيُسَمَّى إسْنَادً ا ١".
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الأَبْحَاثِ الْمُخْتَصَّةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكِتَابِ٢ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. شَرَعَ فِي الأَبْحَاثِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلامَ فِي الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ الأَلْفَاظِ. لأَنَّهُ بَعْدَ الصِّحَّةِ يَتَوَجَّهُ النَّظَرُ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّابِتُ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ اسْتِمْرَارُ الْحُكْمِ وَبَقَاؤُهُ بِأَنَّهُ٣ لَمْ يُنْسَخْ، ثُمَّ يَتْلُوهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، مِنْ بَيَانِ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ؛ لأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الثَّلاثَةِ الأُوَلِ.
وَقَوْلُهُ "يَشْتَرِكُ كَذَا فِي سَنَدٍ" إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِحَّةُ وُصُولِهَا إلَيْنَا لا ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِهَا، وَلا كَوْنُهَا حَقًّا.
"وَهُوَ" أَيْ السَّنَدُ "إخْبَارٌ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ" قَوْلًا أَوْ فِعْلًا تَوَاتُرًا أَوْ
_________________
(١) ١ يشترك الكتاب والسنة والإجماع في أمرين: الأول: النظر في السند، وهو ما بحثه المؤلف هنا حتى نهاية هذا المجلد. والثاني: النظر في المتن، ويشمل الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد إلخ، وهو موضوع المجلد الثالث بكامله. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٥، تدريب الراوي ٢/ ٤٢". ٢ في ض: الإجماع. ٣ في ش ب ز ض: بأن.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
آحَادًا١. وَلَوْ كَانَ الإِخْبَارُ بِوَاسِطَةٍ مُخْبِرٍ٢ وَاحِدٍ٣ فَأَكْثَرَ عَمَّنْ يُنْسَبُ الْمَتْنُ إلَيْهِ٤.
"و"َ يَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ أَيْضًا "فِي مَتْنٍ وَهُوَ الْمُخْبَرُ بِهِ".
وَأَصْلُ السَّنَدِ فِي اللُّغَةِ: مَا يُسْتَنَدُ٥ إلَيْهِ، أَوْ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الأَرْضِ٦.
وَأَخْذُ الْمَعْنَى الاصْطِلاحِيِّ مِنْ الثَّانِي أَكْثَرُ مُنَاسَبَةً. فَلِذَلِكَ يُقَالُ: أَسْنَدْت الْحَدِيثَ، أَيْ٧ رَفَعْته إلَى الْمُحَدِّثِ٨. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ أَسْنَدَ يُسْنِدُ، أُطْلِقَ عَلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَا يُسْنَدُ إلَيْهِ٩.
وَالْمُسْنِدُ - بِكَسْرِ النُّونِ - مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ إلاَّ مُجَرَّدُ رِوَايَتِهِ١٠.
وَأَمَّا مَادَّةُ الْمَتْنِ: ١١فَإِنَّهَا فِي١١ الأَصْلِ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى الصَّلابَةِ. وَيُقَالُ
_________________
(١) ١ في ض: إخبارًا. ٢ في ش ز: لخبر. ٣ في ش ب ز ض: آخر. ٤ انظر تعريف السند والإسناد في الورقات وشرحها ص ١٨٦، الإحكام للآمدي ٢/ ٣، شرح نخبة الفكر ص ١٩، تدريب الراوي ١/ ٤١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، التعريفات للجرجاني ص ٢٣. ٥ في ز ع: يسند. ٦ انظر: المصباح المنير ١/ ٤٤٤، القاموس المحيط ١/ ٣١٤. ٧ ساقطة من ز ع ض. ٨ في ش ب ز ع: محدث. ٩ انظر: تدريب الراوي ١/ ٤١. ١٠ انظر: تدريب الراوي ٢/ ٤٣، أصول الحديث ص ٤٤٨. ١١ في ش: ففي.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
لِمَا صَلُبَ مِنْ الأَرْضِ: مَتْنٌ، وَالْجَمْعُ مِتَانٌ. وَيُسَمَّى أَسْفَلُ الظَّهْرِ مِنْ الإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ مَتْنًا، وَالْجَمْعُ مُتُونٌ١. فَالْمَتْنُ هُنَا: مَا تَضَمَّنَهُ الثَّلاثَةُ، الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَمُجْمَلٍ وَمُبَيَّنٍ، وَمَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ وَنَحْوِهَا٢.
"وَالْخَبَرُ" يُحَدُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ. وَلَهُمْ فِيهِ حُدُودٌ كَثِيرَةٌ٣ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ خَدْشٍ. وَأَسْلَمُهَا قَوْلُهُمْ "مَا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَكَذِبٌ" وَهُوَ لأَبِي الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ"، وَابْنِ الْبَنَّا وَابْنِ عَقِيلٍ. وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ٤.
وَنُقِضَ بِمِثْلِ مُحَمَّدٌ وَمُسَيْلِمَةُ صَادِقَانِ. وَبِقَوْلِ مَنْ يَكْذِبُ دَائِمًا: كُلُّ أَخْبَارِي كَذِبٌ٥، فَخَبَرُهُ هَذَا لا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ، وَإِلاَّ٦ كُذِّبَتْ أَخْبَارُهُ وَهُوَ مِنْهَا. وَلا ٧كَذِبٌ وَإِلاَّ٦ كُذِّبَتْ أَخْبَارُهُ مَعَ هَذَا، وَصَدَقَ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ أَخْبَارِي كَذِبٌ فَتَنَاقَضَ٨.
_________________
(١) ١ انظر: المصباح المنير ٢/ ٨٦٦، القاموس المحيط ٤/ ٢٧١. ٢ انظر: تدريب الراوي ١/ ٤٢. ٣ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٠، الإحكام للآمدي ٢/ ٤. ٤ اختاره هذا التعريف الجبائي وابنه وأبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، واختاره إمام الحرمين الجويني، وذكره الآمدي وشرحه ثم ناقشه واعترض عليه. والمراد من دخول الصدق والكذب أن الخبر يحتملهما عقلًاَ بالنظر إلى حقيقته النوعية، مع قطع النظر عن الطرفين والمخبر. "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٢". "وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٦، المعتمد ٢/ ٥٤٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٠٦، المحصول ١/ ٣١٨، شرح الورقات ص ١٧٦، إرشاد الفحول ص ٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٢". ٥ في ز: أخبار. ٦ في ب ع: ولا كذب وإلا. وفي د: ولا كذب ولا. ٧ ساقطة من ب. ٨ في ع: فيتناقض، وفي ب: فيناقض. وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٧، نهاية السول ١/ ٢٤٥، المسودة ص ٢٣٣، الفروق ١/ ٥٨.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ١.
"وَ"٢لأَنَّ الصِّدْقَ: الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ، وَالْكَذِبَ: ضِدُّهُ. وَبَابَاهُمَا٣ مُتَقَابِلانِ فَلا يَجْتَمِعَانِ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ. فَيَلْزَمُ امْتِنَاعُ الْخَبَرِ أَوْ وُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ صِدْقِ الْحَدِّ. وَبِخَبَرِ الْبَارِي٤.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى خَبَرَيْنِ لإِفَادَتِهِ حُكْمًا لِشَخْصَيْنِ. وَلا يُوصَفَانِ بِهِمَا. بَلْ يُوصَفُ بِهِمَا الْخَبَرُ الْوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ٥.
_________________
(١) ١ أي لتوقف معرفة الصدق والكذب على معرفة الخبر، لأن الصدق هو الخبر عن الشيء على ما هو عليه، والكذب الخبر عن الشيء لا على ما هو عليه. "انظر: مناهج العقول ١/ ٢٤٣، نهاية السول ١/ ٢٤٥، البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٠٦، الإحكام للآمدي ٢/ ٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٤، المعتمد ٢/ ٥٤٣، الفروق ١/ ٢٠، إرشاد الفحول ص ٤٢". ٢ الواو إضافة يقتضيها المعنى والسياق، وذلك أن الآمدي ﵀ أورد على التعريف أربعة إشكالات مفصلة، اختصرها المصنف هنا، وهي: الأول: أنه نقض بقول القائل، والثاني: أنه يفضي إلى الدور ، والثالث: أن الصدق والكذب متقابلان ، والرابع: أن الباري تعالى له خبر ولا يتصور دخول الكذب فيه. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٦". ٣ في ش، ز ض: وبأنهما. وفي ب وأصل ع: وبابهما. ٤ "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٢، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، شرح الورقات ص ١٧٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٧، إرشاد الفحول ص ٤٢". ٥ هذا الجواب لأبي هاشم الجبائي، وقد أجاب والده أبو علي بجواب آخر أيضًا. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧، المعتمد ٢/ ٥٤٢، المسودة ص ٢٣٣، الفروق ١/ ٥٨".
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَرُدَّ: لا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ بِهِمَا بِدَلِيلِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ مَوْجُودٍ حَادِثٌ. وَإِنْ أَفَادَ حُكْمًا لأَشْخَاصٍ١.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَذِبٌ؛ لأَنَّهُ أَضَافَ الْكَذِبَ إلَيْهِمَا مَعًا، وَهُوَ لأَحَدِهِمَا٢. وَسَلَّمَهُ بَعْضُهُمْ. وَ٣لَكِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ الصِّدْقُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِّ بِأَنَّ اللُّغَةَ لا تَمْنَعُ الْقَوْلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ، صَدَقْتَ أَمْ كَذَبْتَ٤.
وَرُدَّ بِرُجُوعِهِ إلَى التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ. وَهُوَ غَيْرُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ٥.
وَقَوْلُهُ: "كُلُّ أَخْبَارِي كَذِبٌ". إنْ طَابَقَ فَصِدْقٌ، وَإِلاَّ فَكَذِبٌ. وَلا يَخْلُو عَنْهُمَا٦.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَنَاوَلُ قَوْلُهُ مَا٧ سِوَى هَذَا الْخَبَرِ؛ إذْ الْخَبَرُ لا يَكُونُ بَعْضَ الْمُخْبَرِ. قَالَ: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي، المرجع السابق، المعتمد ٢/ ٥٤٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥. ٢ هذا الجواب لأبي عبد الله البصري. انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧. ٣ ساقطة من ض. ٤ هذا الجواب للقاضي عبد الجبار المعتزلي. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧، المعتمد ٢/ ٥٤٣، ٥٤٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٧". ٥ انظر الفرق بين الصدق والكذب وبين التصديق والتكذيب في الفروق للقرافي ١/ ١٨، ٢١. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٧، شرح الورقات ص ١٧٧-١٧٨. ٧ في ش: ما في.
[ ٢ / ٢٩١ ]
وَلا جَوَابَ عَنْ الدَّوْرِ.
وَقَدْ قِيلَ: لا تَتَوَقَّفُ١ مَعْرِفَةُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ عَلَى الْخَبَرِ لِعِلْمِهِمَا ضَرُورَةً٢.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَخِيرِ وَمَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْمَحْدُودَ جِنْسُ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَابِلٌ لَهُمَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي جِنْسِ اللَّوْنِ٣. وَرُدَّ، لا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْحَدِّ فِي كُلِّ خَبَرٍ وَإِلاَّ لَزِمَ وُجُودُ الْخَبَرِ دُونَ حَدِّهِ٤ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ التَّرْدِيدُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَجَوُّزًا٥، لَكِنْ يُصَانُ الْحَدُّ عَنْ مِثْلِهِ٦.
وَ٧الْحَدُّ الثَّانِي لِلْقَاضِي فِي "الْعُدَّةِ" وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ٨ كُلُّ مَا دَخَلَهُ الصِّدْقُ وَ٩الْكَذِبُ١٠.
_________________
(١) ١ في ب ع ض: يتوقف. ٢ هذا جواب القاضي عبد الجبار على الإشكال الثاني وهو لزوم الدور، وقد شرحه البدخشي، فقال: "والجواب أن الخبر المعرف هو الكلام المخَبَّر به، والخبر المأخوذ في الصدق والكذب بمعنى الإخبار بدليل تعديته بعن". "مناهج العقول ١/ ٢٤٣". "انظر: البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٠٦، الفروق للقرافي ١/ ٢١، الإحكام للآمدي ٢/ ٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٤". ٣ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨. ٤ انظر المرجع السابق. ٥ المرجع السابق. ٦ في ش: مثاله. ٧ ساقطة من ع. ٨ في ش ز: أن. ٩ في ب ض: أو. ١٠ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، الكفاية ص ١٦.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَالثَّالِثُ: لِلْمُوَفَّقِ فِي "الرَّوْضَةِ" وَغَيْرِهِ: مَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ أَوْ١ التَّكْذِيبُ٢.
فَيَرِدُ عَلَيْهِمَا الدَّوْرُ الْمُتَقَدِّمُ. وَمَا قَبْلَ الدَّوْرِ أَيْضًا، وَبِمُنَافَاةِ أَوْ لِلتَّعْرِيفِ؛ لأَنَّهَا لِلتَّرْدِيدِ٣. فَلِهَذَا٤ أَتَى الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ٥ وَغَيْرُهُ بِالْوَاوِ، وَهُوَ الْحَدُّ الرَّابِعُ٦.
وَالْحَدُّ الْخَامِسُ لأَبِي الْحُسَيْنِ الْمُعْتَزِلِيِّ: أَنَّ الْخَبَرَ كَلامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً، وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُ كَلامٌ؛ لأَنَّهُ حَدَّهُ بِمَا انْتَظَمَ مِنْ حُرُوفٍ مَسْمُوعَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ٧.
السَّادِسُ: لابْنِ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِهِ" وَغَيْرِهِ: هُوَ٨ الْكَلامُ الْمَحْكُومُ
_________________
(١) ١ في ز ش ب ع: و. وما أثبتناه في الأعلى من "الروضة" ومن ض. ٢ وقد عدل التعريف عن الصدق والكذب إلى التصديق والتكذيب، لأن الصدق مطابقة الواقع، والكذب عدم مطابقته، فهما نسبة، والنسب والإضافات عدمية. أما التصديق والتكذيب فهو قول وجودي مسموع، فالأولان عدميان، والآخران وجوديان. وفرق آخر أن الصدق والكذب تابع للخبر، أما التصديق والتكذيب فتابعان للصدق والكذب. "انظر: الفروق ١/ ١٨، نهاية السول ١/ ٢٤٥، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، المستصفى ١/ ١٣٢، الروضة ص ٤٨". ٣ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٨، الفروق ١/ ١٩. ٤ في ب: فلهذه. ٥ مختصر الطوفي ص ٤٩، ولفظه: "وما تطرق إليه التصديق والتكذيب". ٦ انظر: المحصول للرازي ١/ ٣٨١، الإحكام للآمدي ٢/ ٩، المستصفى ١/ ١٣٢. ٧ ولفظه: "كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور، نفيًا أو إثباتًا". المعتمد ٢/ ٥٤٤. "وانظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٤، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، إرشاد الفحول ص ٤٢-٤٣". ٨ في ب: وهو.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ. قَالَ: وَنَعْنِي الْخَارِجَ عَنْ كَلامِ النَّفْسِ. فَنَحْوُ: طَلَبْت الْقِيَامَ حُكْمٌ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ، بِخِلافِ قُمْ١.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وَنَعْنِي٢ بِالْكَلامِ مَا تَضَمَّنَ كَلِمَتَيْنِ بِالإِسْنَادِ. وَالْمُرَادُ بِالنِّسْبَةِ الْخَارِجِيَّةِ: الأَمْرُ الْخَارِجُ عَنْ كَلامِ النَّفْسِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ كَلامُ النَّفْسِ بِالْمُطَابَقَةِ وَاللاَّ مُطَابَقَةِ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ الأَمْرُ٣: النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ. فَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ: نَحْوُ طَلَبْت الْقِيَامَ. فَإِنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ، وَهُوَ نِسْبَةُ طَلَبِ الْقِيَامِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَهَذِهِ٤ النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ٥ عَنْ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ تَعَلَّقَ بِهَا الْحُكْمُ النَّفْسِيُّ بِالْمُطَابَقَةِ وَاللاَّ مُطَابَقَةِ٦ بِخِلافِ قُمْ. فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحُكْمِ النَّفْسِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ خَارِجِيٌّ٧.
الْحَدُّ السَّابِعُ لِلْبِرْمَاوِيِّ: أَنَّ الْخَبَرَ مَا لَهُ مِنْ الْكَلامِ خَارِجٌ. أَيْ لِنِسْبَتِهِ٨ وُجُودٌ خَارِجِيٌّ فِي زَمَنٍ غَيْرِ زَمَنِ الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ.
الْحَدُّ٩ الثَّامِنُ لابْنِ حَمْدَانَ فِي "الْمُقْنِعِ": أَنَّهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى نِسْبَةِ
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، وانظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٥، إرشاد الفحول ص ٤٣. ٢ في ش: ويعني. ٣ ساقطة من ع. ٤ في ش ز: وهو. ٥ في ب ز ع ض: خارجية. ٦ ساقطة من ش. ٧ انظر: شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٣، غاية الوصول ص ٩٤. ٨ في دع ض: لنسبة. ٩ ساقطة من ش ب ز ع.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
مَعْلُومٍ إلَى مَعْلُومٍ أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ، وَيَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ١.
وَالْقَوْلِ ٢ الثَّانِي: - وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ لا يُحَدُّ كَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ لِلْقَائِلِينَ٣ بِهِ - مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: عُسْرُهُ، كَمَا قِيلَ فِي الْعِلْمِ٤.
الْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ تَصَوُّرَهُ ضَرُورِيٌّ؛ لأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، أَيْ يَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا مَوْجُودٌ، مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ النِّسْبَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ ٥مُحْتَمِلٍ لِلصِّدْقِ١ وَالْكَذِبِ، وَهُوَ خَبَرٌ خَاصٌّ. فَمُطْلَقُ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ هَذَا الْخَبَرِ الْخَاصِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا٦.
"وَيُطْلَقُ" الْخَبَرُ "مَجَازًا" أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ "عَلَى دَلالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَإِشَارَةٍ
_________________
(١) ١ هذا التعريف قريب من التعريف الذي اختاره الآمدي وشرحه وبين احترازاته، وهناك تعريفات أخرى للخبر. "انظر: التمهيد للإسنوي ص ١٣٤، التعريفات للجرجاني ص ١٠١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٦، الإحكام للآمدي ٢/ ٩، المستصفى ١/ ١٣٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٤، نهاية السول ١/ ٢٤٢، الفروق للقرافي ١/ ١٨، شرح الورقات ص ١٧٦، إرشاد الفحول ص ٤٤، اللمع ص ٣٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠". ٢ في ش ز: وللقول، وهذا هو القول الثاني المقابل لقول أكثر العلماء الذين رأوا تعريف الخبر. ٣ في ش ز: المقابلين. ٤ وقد سبق بيان ذلك في المجلد الأول ص ٦٠. ٥ في ب ع ض: يحتمل الصدق. ٦ لقد ناقش الآمدي ﵀ هذا القول ورد على أدلته. "انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٠، مناهج العقول ٢/ ٢٥٧، نهاية السول ١/ ٢٤٥، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، جمع الجوامع والمحلي عليه وحاشية البناني ٢/ ١٠٧، إرشاد الفحول ص ٤٣".
[ ٢ / ٢٩٥ ]
حَالِيَّةٍ" كَقَوْلِهِمْ: عَيْنَاكِ تُخْبِرُنِي بِكَذَا، وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِكَذَا١. قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي٢:
وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدَك مِنْ يَدٍ تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ٣
"و"َ يُطْلَقُ الْخَبَرُ"حَقِيقَةً عَلَى الصِّيغَةِ ٤". قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى قَوْلٍ مَخْصُوصٍ. وَذَلِكَ ٥لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ٧ عِنْدَ الإِطْلاقِ إلَى٦ ذَلِكَ٧. "وَتَدُلُّ" الصِّيغَةُ "بِمُجَرَّدِهَا" أَيْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ "عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى كَوْنِهِ خَبَرًا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ٨.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٥٩. ٢ هو أحمد بن الحسين بن الحسن، الجُعْفي، الكندي الكوفي، المفروف بالمتنبي، الشاعر المشهور. قدم الشام وجال في الأقطار، واشتغل في فنون الأدب، وكان من المكثرين من نقل اللغة المطلعين على غريبها، ويستشهد بكلام العرب من النظم والنثر. وشعره في النهاية والقمة، ادعى النبوة في السماوة، ثم تاب منها، قتل سنة ٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ١/ ١٠٢، شذرات الذهب ٣/ ١٣، حسن المحاضرة ١/ ٥٦٠". ٣ البيت لأبي الطيب المتنبي يمدح به كافورا الأخشيدي ومطلعها: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب والمانوية أصحاب ماني بن فاتك الثنوي الذي يمجد النور ويعبده، ويكره الظلمة ويلعن السواد. "انظر: العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطبي ٢/ ٣٣٦، الملل والنحل للشهرستاني ٢/ ٧٢، الفهرست ص ٤٥٨". ٤ انظر: المسودة ص ٢٣٢، الإحكام للآمدي ٢/ ٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠. ٥ في ض: التبادر للفهم. ٦ في ض: في. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٣. ٨ انظر: المسودة ص ٢٣٢، اللمع ص ٣٩.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وَنَاقَشَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَالَ: الصِّيغَةُ. هِيَ الْخَبَرُ. فَلا يُقَالُ لَهُ صِيغَةٌ، وَلا١ هِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ٢. وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مَا قَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالُوا: لأَنَّ الْخَبَرَ هُوَ ٣اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، لا٤ اللَّفْظُ فَقَطْ. فَتَقْدِيرُهُ لِهَذَا الْمُرَكَّبِ جُزْءٌ، وَ٤يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمُرَكَّبِ٥.
وَإِذَا قِيلَ: الْخَبَرُ الصِّيغَةُ فَقَطْ، بَقِيَ الدَّلِيلُ هُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ٦. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لا صِيغَةَ لَهُ، وَيَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ بِقَرِينَةٍ هِيَ٧ قَصْدُ الْمُخْبِرِ إلَى الإِخْبَارِ٨. كَالأَمْرِ عِنْدَهُمْ٩.
وَقَالَتْ الأَشْعَرِيَّةُ: هُوَ الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ١٠.
وَقَالَ الآمِدِيُّ: "يُطْلَقُ عَلَى الصِّيغَةِ وَعَلَى الْمَعْنَى، وَالأَشْبَهُ لُغَةً: حَقِيقَةٌ فِي
_________________
(١) ١ في ب: إلا. ٢ انظر: المسودة ص ٢٣٢. ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ب ع ض. ٥ انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٥، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٤، المسودة ص ٢٣٢. ٦ انظر: المسودة ص ٢٣٢. ٧ في ع ب ز ض: هو. وفي المسودة: وهو. ٨ في المسودة: الإخبار به. ٩ نسب الشيرازي هذا القول للأشعرية، ورَدَّ عليه: بأن أهل اللغة قسموا الكلام إلى أربعة أقسام، فقالوا: أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذا يدل على فساد قولهم. "انظر: اللمع ص ٣٩، المعتمد ٢/ ٥٤٢، المسودة ص ٢٣٢". ١٠ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٤، المستصفى ١/ ١٣٢، جمع الجوامع ٢/ ١٠٤، المسودة ص ٢٣٢.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الصِّيغَةِ لِتَبَادُرِهَا عِنْدَ الإِطْلاقِ١.
"وَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ" أَيْ فِي الْخَبَرِ "إرَادَةُ" الإِخْبَارِ، بَلْ هُوَ مُفِيدٌ بِذَاتِهِ إفَادَةً أَوَّلِيَّةً٢. وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا يُفِيدُ بِاللاَّزِمِ أَوْ بِالْقَرِينَةِ. نَحْوُ أَنَا أَطْلُبُ مِنْك أَنْ تُخْبِرَنِي بِكَذَا، أَوْ أَنْ تَسْقِيَنِي مَاءً، أَوْ أَنْ تَتْرُكَ الأَذَى وَنَحْوَهُ. فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ دَالًاّ عَلَى الطَّلَبِ، لَكِنَّهُ٣ لا بِذَاتِهِ بَلْ هَذِهِ٤ إخْبَارَاتٌ لازَمَهَا الطَّلَبُ، وَلا يُسَمَّى الأَوَّلُ اسْتِفْهَامًا، وَلا الثَّانِي أَمْرًا، وَلا الثَّالِثُ نَهْيًا٥. وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا عَطْشَانُ. كَأَنَّهُ قَالَ: اسْقِنِي. فَإِنَّ هَذَا طَلَبٌ بِالْقَرِينَةِ لا بِذَاتِهِ٦.
٧إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ٥ "فَإِتْيَانُهُ" أَيْ مَجِيئُهُ "دُعَاءً" نَحْوَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ٨ "أَوْ٩ تَهْدِيدًا" نَحْوَ ١٠قَوْله تَعَالَى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ ١١ وَ٨نَحْوَ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّك لا تَنْتَهِي عَنْ سُوءِ فِعْلِك بِدُونِ الْمُعَاقَبَةِ "أَوْ أَمْرًا" نَحْوَ قَوْلِهِ ﷾ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ
_________________
(١) ١ الإحكام للآمدي ٢/ ٤، وانظر: الحدود للباجي ص ٦٠، نهاية السول ٢/ ٢٦٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٤. ٢ انظر: المعتمد ٢/ ٥٤٢. ٣ في ب ع ض: لكن. ٤ في ض: هذا. ٥ في ب ض ع: نهيأ لذلك. ٦ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٤٨. ٧ ساقطة من ض. ٨ في ب ع: ورحمه الله. ٩ في ز ع ب: و. ١٠ ساقطة من ش ز. وفي ض: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، و. ١١ الآية ٣١ من الرحمن.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
يَتَرَبَّصْنَ﴾ ١ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ ٢ وَأَمَرْتُك أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِكَذَا "مَجَازٌ" لأَنَّ ذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَلا كَذِبٌ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالْخَبَرُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٍ بِهِ. وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الْبَيَانِيُّونَ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ وَمُسْنَدٍ، وَيَعُدُّونَهُ إلَى مُطْلَقِ الْكَلامِ.
وَالْمَنَاطِقَةُ يُسَمُّونَ الْخَبَرَ قَضِيَّةً، لِمَا فِيهَا مِنْ الْقَضَاءِ بِشَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ، وَيُسَمُّونَ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَوْضُوعًا، وَالْمَقْضِيَّ بِهِ مَحْمُولًا؛ لأَنَّك تَضَعُ الشَّيْءَ وَتَحْمِلُ عَلَيْهِ حُكْمًا، وَيُقَسِّمُونَ الْقَضِيَّةَ إلَى:
طَبِيعِيَّةٍ٣، وَهِيَ مَا حُكِمَ فِيهَا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ٤عَلَى الآخَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ١٣، لا بِالنَّظَرِ إلَى أَفْرَادِهِ نَحْوُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَنَحْوُ: ٥الْمَاءُ مُرْوٍ٥. وَغَيْرِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي قُصِدَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى شَخْصٍ فِي الْخَارِجِ لا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، ثُمَّ يُنْظَرُ. فَإِنْ حُكِمَ فِيهَا عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ سُمِّيَتْ شَخْصِيَّةً. نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ. أَوْ لا عَلَى مُعَيَّنٍ. فَإِنْ ذُكِرَ فِيهَا سُورُ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ فِي نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ. سُمِّيَتْ مَحْصُورَةً. نَحْوُ كُلُّ إنْسَانٍ كَاتِبٌ بِالْقُوَّةِ، وَبَعْضُ الإِنْسَانِ كَاتِبٌ بِالْفِعْلِ.
_________________
(١) ١ الآية ٢٢٨ من البقرة. ٢ الآية ٢٣٣ من البقرة. ٣ في ض: طبيعة. ٤ ساقطة من ع. ٥ في ش: المأمور. وهو خطأ فادح.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَنَحْوُ لا شَيْءَ، أَوْ لا وَاحِدَ مِنْ الإِنْسَانِ بِجَمَادٍ، وَلَيْسَ بَعْضُ الإِنْسَانِ بِكَاتِبٍ بِالْفِعْلِ، أَوْ بَعْضُ الإِنْسَانِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَضِيَّةِ سُورٌ، وَالْمُرَادُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى الأَفْرَادِ لا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ: سُمِّيَتْ١ مُهْمَلَةً، نَحْوُ الإِنْسَانُ فِي خُسْرٍ. وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ ضَرُورِيٌّ، فَهُوَ الْمُتَحَقِّقُ. وَلا يَصْدُقُ عَلَيْهَا كُلِّيَّةٌ. لَكِنْ إذَا كَانَ فِيهَا " أَلْ " كَمَا فِي: الإِنْسَانُ كَاتِبٌ، يُطْلِقُ عَلَيْهَا٢ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ كَثِيرًا أَنَّهَا كُلِّيَّةٌ، نَظَرًا إلَى إفَادَةِ "أَلْ" لِلْعُمُومِ٣. فَهِيَ مِثْلُ: كُلٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ اصْطِلاحِ الْمَنَاطِقَةِ٤.
"وَغَيْرُهُ" أَيْ وَغَيْرُ الْخَبَرِ مِنْ الْكَلامِ "إنْشَاءٌ وَتَنْبِيهٌ" وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، سُمِّيَ٥ إنْشَاءً لأَنَّك ابْتَكَرْته مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ٦، وَسُمِّيَ٧ تَنْبِيهًا؛ لأَنَّك تُنَبِّهُ بِهِ عَلَى مَقْصُودِك٨.
_________________
(١) ١ في ب ز ع ض: وسميت. ٢ في ع: عليهما. ٣ في ب ع: العموم. ٤ انظر: مختصر ابن الحاجب ١/ ٨٦. ٥ في ع: يسمى. ٦ حقيقة الإنشاء أنه القول الذي بحيث يوجد به مدلوله في نفس الأمر أو متعلقه. انظر: الفروق ١/ ٢١. ٧ في ع: ويسمى. ٨ قال ابن عبد الشكور: "وتسمية الجميع بالتنيبه كما في المختصر غير متعارف". "مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ٢/ ١٠٣". وقال بعضهم: التنبيه، يطلق على القسم والنداء. وقال المناطقة: يطلق على القسم والنداء والتمني والترجي. وزاد بعضهم: الاستفهام. وقال ابن الحاجب وغيره كالمصنف: "كل ما ليس بخبر يسمى إنشاء وتنبيهًا". "مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٤٥، ٤٩". "وانظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٦، مناهج العقول ٢/ ٢٤٥، نهاية السول ١/ ٢٤٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٦، التعريفات للجرجاني ص ٤٠، ٧١، المحصول للرازي ١/ ٣١٨، الفروق ١/ ٢١، إرشاد الفحول ص ٤٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠".
[ ٢ / ٣٠٠ ]
"وَمِنْهُ" أَيْ مِنْ غَيْرِ الْخَبَرِ "الأَمْرُ" نَحْوُ قُمْ "وَنَهْيٌ" نَحْوُ لا تَقْعُدْ "وَاسْتِفْهَامٌ" نَحْوُ هَلْ عِنْدَك أَحَدٌ؟ "وَتَمَنٍّ" نَحْوُ "لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ١" "وَتَرَجٍّ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ ٢.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي: أَنَّ التَّمَنِّي يَكُونُ فِي الْمُسْتَحِيلِ وَالْمُمْكِنِ، وَالتَّرَجِّي لا يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُمْكِنِ٣.
"وَقَسَمٌ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ٤ وَنِدَاءٌ نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ٥ "وَصِيغَةُ عَقْدٍ" نَحْوُ وَهَبْت وَنَحْوُ قَبِلْت "وَ" صِيغَةُ "فَسْخ" نَحْوُ أَقَلْت.
وَقِيلَ: إنَّ صِيَغَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ لَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الإِخْبَارِ. فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِك: الإِخْبَارُ عَمَّا فِي قَلْبِك. فَإِنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ هُوَ
_________________
(١) ١ لفظة "يعود" ساقطة من ز. وفي ض: يعود يومًا. وهذه الجملة قطعة من بيت من الشعر، وهو: فيا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب والبيت لأبي العتاهية إسماعيل بن قاسم ت ٢١٣ هـ. "انظر: أبو العتاهية؛ أشعاره وأخباره ص ٣٢، مغني اللبيب ص ٣٧٦". ٢ الآية ٢١٦ من البقرة، وأول الآية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ . ٣ انظر: مناهج العقول ١/ ٢٤٤، البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٠٦. ٤ الآية ٥٧ من الأنبياء، وأول الآية ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ . ٥ الآية الأولى من النساء.
[ ٢ / ٣٠١ ]
التَّرَاضِي. فَصَارَ "بِعْت" وَنَحْوُهَا: لَفْظًا١ دَالًاّ٢ عَلَى الرِّضَى بِمَا فِي ضَمِيرِك. فَيُقَدَّرُ وُجُودُهَا٣ قَبْلَ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ. وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ٤.
وَدَلِيلُ الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٥: أَنَّ صِيغَةَ الْعَقْدِ وَالْفَسْخِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا اقْتَرَنَ مَعْنَاهُ بِوُجُودِ لَفْظِهِ، نَحْوُ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَأَعْتَقْت وَطَلَّقْت وَفَسَخْت وَنَحْوِهَا٦ مِمَّا يُشَابِهُ ذَلِكَ، مِمَّا تُسْتَحْدَثُ بِهَا الأَحْكَامُ إنْشَاءً؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ إمَّا عَنْ مَاضٍ أَوْ حَالٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، وَالأَوَّلانِ بَاطِلانِ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ أَنْ لا يَقْبَلَ الطَّلاقُ وَنَحْوُهُ التَّعْلِيقَ. لأَنَّهُ يَقْتَضِي تَوَقُّفَ شَيْءٍ٧ لَمْ يُوجَدْ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ، وَالْمَاضِي وَالْحَالُ قَدْ وُجِدَا٨، لَكِنَّ
_________________
(١) ١ في ب: لفظ. وهو خطأ. ٢ في ض: دلَّ. ٣ في ش ز: وجودهما. ٤ وهو قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه. وادعى ابن عبد الشكور أنه قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة. "انظر: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢/ ١٠٣، ١٠٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٦، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ٢/ ١٦٣، الفروق ١/ ٢٨، ٢٩، غاية الوصول ص ١٠٣، المحصول ١/ ٤٤٠، الفروق ١/ ٢٣". ٥ قال الجمهور: إن صيغ العقود والفسوخ إنشاء لوجود مضمونها في الخارج بها. "انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٣، الفروق ١/ ٢٧، ٢٨ وما بعدها، غاية الوصول ص ١٠٣، المحصول ١/ ٤٤٠". ٦ في ش: ونحوهما. ٧ في ز: الشيء. ٨ في ش ض: وجد.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قَبُولَهُ التَّعْلِيقَ إجْمَاعٌ، وَالْمُسْتَقْبَلُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ؛ لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ "سَأُطَلِّقُ"، وَالْفَرْضُ١ خِلافُهُ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّتِهِ. وَأَيْضًا لا خَارِجَ لَهَا، وَلا تَقْبَلُ٢ صِدْقًا وَلا كَذِبًا. وَلَوْ كَانَتْ خَبَرًا لَمَا قَبِلَتْ تَعْلِيقًا، لِكَوْنِهِ مَاضِيًا؛ وَلأَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ قَاطِعٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ طَلَّقْت إذَا قَصَدَ بِهِ الْوُقُوعَ وَطَلَّقْت إذَا قَصَدَ بِهِ الإِخْبَارَ٣.
"وَلَوْ قَالَ لِرَجْعِيَّةٍ: طَلَّقْتُك، طَلُقَتْ" عَلَى الصَّحِيحِ٤ الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ لأَنَّهُ٥ إنْشَاءٌ لِلطَّلاقِ٦.
فَعَلَى هَذَا: لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ أَرَادَ الإِخْبَارَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "وَفِي وَجْهٍ وَإِنْ ادَّعَى مَاضِيًا" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ "أَنِّي مَتَى قُلْت فِي وَجْهٍ: كَانَ الْمُقَدَّمُ خِلافَهُ٧" فَعُلِمَ مِنْهَا: أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا تَطْلُقُ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت الإِخْبَارَ٨.
_________________
(١) ١ في د ع: والغرض. ٢ في ز ض: يقبل. ٣ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٣، ١٠٤ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٩، البناني على جمع الجوامع ٢/ ٢٨ وما بعدها، المحصول ١/ ٤٤١ وما بعدها. ٤ في ب ض: الأصح. ٥ في ز ع: أنه. ٦ انظر: المحصول ١/ ٤٤٤. ٧ المجلد الأول صفحة ٢٩. ٨ وهذا الطلاق يقع قضاء فقط، ولا يقع ديانة إذا كان صادقًا فيما بينه وبين نفسه. "انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٩، التفتازاني على العضد ٢/ ٤٩، الفروق ١/ ٢٨، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٣".
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا لا تَطْلُقُ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ قَصَدَ الإِخْبَارَ عَنْ الطَّلاقِ الْمَاضِي١.
"وَ" قَوْلُ الشَّاهِدِ "أَشْهَدُ: إنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إخْبَارًا" عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ٢.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إخْبَارٌ مَحْضٌ٣؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي "الْمُجْمَلِ": الشَّهَادَةُ خَبَرٌ عَنْ عِلْمٍ. وَقَالَ الرَّازِيِّ: قَوْلُهُ أَشْهَدُ إخْبَارٌ عَنْ الشَّهَادَةِ. وَهِيَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الْمُسَمَّى بِكَلامِ٤ النَّفْسِ.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ؛ لأَنَّهُ لا يَدْخُلُهُ تَكْذِيبٌ شَرْعًا. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْقَرَافِيُّ٥.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٦ فَرَاجِعٌ إلَى تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ شَهَادَةً؛ ٧لا أَنَّهَا١١ مَا وَاطَأَ فِيهَا الْقَلْبُ اللِّسَانَ.
وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ الْقَوْلُ الأَوَّلُ لاضْطِرَابِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. فَقَائِلٌ بِأَنَّهَا إخْبَارٌ. كَمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَقَائِلٌ بِأَنَّهَا إنْشَاءٌ؛ لأَنَّهُ لا يَدْخُلُ تَكْذِيبٌ شَرْعًا. فَالْقَائِلُ
_________________
(١) ١ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٠٤ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٠، الفروق ١/ ٣٠. ٢ أي تضمن الأخبار بالمشهود به نظرًا إلى وجود مضمونه في الخارج به وإلى متعلقه. انظر: غاية الوصول ص ١٠٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٢. ٣ نظرًاَ إلى متعلقه فقط. "انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٢، غاية الوصول ص ١٠٢". ٤ في ز ب ع ض: كلام. ٥ نظرًا إلى اللفظ فقط. "انظر: الفروق ١/ ١٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٢، غاية الوصول ص ١٠٢". ٦ الآية الأولى من المنافقون. ٧ في ز ع ض ب: لأنها.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
بِالثَّالِثِ - رَأَى١ أَنَّ كُلًاّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ - لَهُ وَجْهٌ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا٢.
وَقَالَ الْكُورَانِيُّ: إذَا٣ أَرَدْت تَحْقِيقَ الْمَسْأَلَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ دَلالَةَ الأَلْفَاظِ إنَّمَا هِيَ عَلَى الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالنَّفْسِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالْكَلامِ الإِشَارَةُ إلَى أَنَّ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِالنَّفْسِ مُطَابِقَةٌ لأُخْرَى٤ خَارِجِيَّةٍ فِي أَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ. فَالْكَلامُ خَبَرٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْخَارِجِيَّةُ قَائِمَةً بِالنَّفْسِ أَيْضًا، كَعَلِمْتُ وَظَنَنْت. أَوْ بِغَيْرِهِ كَخَرَجْتُ وَدَخَلْت، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ٥ مُطَابَقَةُ تِلْكَ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ لأُخْرَى خَارِجِيَّةٍ. فَالْكَلامُ إنْشَاءٌ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: أَشْهَدُ بِكَذَا. لا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهِ تُطَابِقُ نِسْبَةً أُخْرَى فِي أَحَدِ الأَزْمِنَةِ، بَلْ مُرَادُهُ الدَّلالَةُ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ النِّسْبَةِ. مِثْلُ: اضْرِبْ، وَلا تَضْرِبْ. فَهُوَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ، وَلا يَرْجِعُ الصِّدْقُ وَلا٦ الْكَذِبُ إلَيْهِ، وَكَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ خَبَرًا لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ ٧إنْشَاءً مَحْضًا؛ لأَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمٍ، وَلَوْ كَانَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُتَضَمِّنًا لآخَرَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ٧ مَحْضُ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَبْقَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ قَطُّ إذْ قَوْلُك:
_________________
(١) ١ في ش: أي. ٢ قال العلامة المحلي: "لم تتوارد الثلاثة على محل واحد، ولا منافاة بين كون أشهد إنشاء، وكون معنى الشهادة إخبارًا، لأنه صيغة مؤدية لذلك المعنى بمتعلقه". "المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٦٢".وقال العضد: "وهذه المسألة لفظية لا يجدي الإطناب فيها كثير نفع". "العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١". "وانظر: غاية الوصول ص ١٠٢". ٣ في ع ض: إن. ٤ في ع: للأخرى. ٥ في ب ع ض: ترد. ٦ ساقطة من ب ز ض. ٧ ساقطة من ض.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
اضْرِبْ. مُتَضَمِّنٌ لِقَوْلِك: الضَّرْبُ مِنْك مَطْلُوبٌ، أَوْ أَطْلُبُ الضَّرْبَ١ مِنْك. وَهَذَا مِمَّا لا يَقُولُ بِهِ عَاقِلٌ٢. اهـ.
فَائِدَةٌ:
ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فُرُوقًا بَيْنَ الْخَبَرِ وَالإِنْشَاءِ:
أَحَدُهَا: قَبُولُ الْخَبَرِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، بِخِلافِ الإِنْشَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ ٣تَابِعٌ لِلْمُخْبِرِ عَنْهُ١ فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَالًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَالإِنْشَاءُ مَتْبُوعٌ لِمُتَعَلَّقِهِ. فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الإِنْشَاءَ سَبَبٌ لِوُجُودِ مُتَعَلَّقِهِ. فَيَعْقُبُ آخِرَ حَرْفٍ مِنْهُ ٤أَوْ يُوجَدُ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ٢ عَلَى الْخِلافِ فِي ذَلِكَ إلاَّ أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ. وَلَيْسَ الْخَبَرُ سَبَبًا وَلا مُعَلَّقًا٥ عَلَيْهِ، بَلْ مُظْهِرٌ لَهُ٦ فَقَطْ٧ اهـ.
وَهَذِهِ الْفُرُوقُ رَاجِعَةٌ إلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَهُ خَارِجٌ ٨يَصْدُقُ أَوْ يَكْذِبُ٦.
وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ هَلْ هُوَ خَبَرٌ أَوْ إنْشَاءٌ؟
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ز ض. ٢ انظر مناقشة الموضوع في "فواتح الرحموت ٢/ ١٠٣-١٠٧". ٣ في ش ب ع ز: للمخبر. وما أثبتناه أعلاه من د ض. والنص باختصار وتصرف من "الفروق". ٤ ساقطة من ش. ٥ في د ع ض: متعلقًا. ٦ ساقطة من ب ع ض. ٧ الفروق ١/ ٢٣ باختصار وتصرف. وانظر: حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ٤٩. ٨ في ش ض: بصدق أو بكذب. وفي د: بيصدق أو يكذب.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قَالَ الْقَرَافِيُّ: قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ إنْشَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَشَارَ إلَى كَذِبِ الْمُظَاهِرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا ١ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ٢ قَالَ: وَلأَنَّهُ حَرَامٌ وَلا سَبَبَ لِتَحْرِيمِهِ إلاَّ كَوْنُهُ كَذِبًا. وَأَجَابَ عَمَّنْ قَالَ: سَبَبُ التَّحْرِيمِ: أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ. وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى رَأْيٍ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ٣.
لَكِنْ٤ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْشَاءٌ خِلافًا٥ لَهُ؛ لأَنَّ مَقْصُودَ النَّاطِقِ بِهِ تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ الْخَبَرِيِّ بِإِنْشَاءِ التَّحْرِيمِ. فَالتَّكْذِيبُ وَرَدَ عَلَى مَعْنَاهُ الْخَبَرِيِّ لا عَلَى مَا قَصَدَ مِنْ إنْشَاءِ التَّحْرِيمِ. فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ طَلاقًا وَلا ظِهَارًا إلاَّ مِنْ حَيْثُ الإِخْبَارُ.
فَالإِنْشَاءُ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ أَذِنَ الشَّارِعُ فِيهِ كَمَا أَرَادَهُ الْمُنْشِئُ. كَالطَّلاقِ. وَضَرْبٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّرْعُ، وَلَكِنْ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا. وَهُوَ الظِّهَارُ، رَتَّبَ عَلَيْهِ٦ ٧تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ إذَا عَادَ٢ حَتَّى يُكَفِّرَ. وَقَوْلُهُ: إنَّهَا حَرَامٌ لا ٨يَقْصِدُ طَلاقًا أَوْ ظِهَارًا٣ رَتَّبَ فِيهِ التَّحْرِيمَ حَتَّى يُكَفِّرَ. اهـ.
_________________
(١) ١ هنا ينتهي الاستشهاد بالآية في ب ع ض. ٢ الآية ٢ من المجادلة. ٣ الفروق ١/ ٣١-٣٧. ٤ ساقطة من ض. ٥ وهو قول أبي سعيد الهروي والغزالي. "انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٣٦٧". ٦ في ب ز ع ض: فيه. ٧ في ض: التحريم. ٨ في ع: بقصد طلاق أو ظهار.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
"وَيَتَعَلَّقُ" مِنْ قِسْمِ الإِنْشَاءِ "بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ" اثْنَا عَشَرَ حَقِيقَةً.
"أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَدُعَاءٌ وَتَرَجٍّ وَتَمَنٍّ" لِدَلالَةِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ عَلَى الطَّلَبِ. وَطَلَبُ الْمَاضِي مُتَعَذِّرٌ، وَالْحَالُ مَوْجُودٌ، وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ. فَتَعَيَّنَ الْمُسْتَقْبَلُ.
"وَشَرْطٌ وَجَزَاءٌ" لأَنَّ مَعْنَى هَاتَيْنِ١ الْحَقِيقَتَيْنِ رَبْطُ أَمْرٍ وَتَوْقِيفُ دُخُولِهِ٢ فِي الْوُجُودِ عَلَى وُجُودِ أَمْرٍ آخَرَ. وَالتَّوَقُّفُ فِي الْوُجُودِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
"وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ" لأَنَّ الْوَعْدَ حَثٌّ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فِيمَا٣ تَتَوَقَّعُهُ النَّفْسُ مِنْ خَيْرٍ. وَالْوَعِيدُ زَجْرٌ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ بِمَا تَتَوَقَّعُهُ النَّفْسُ مِنْ شَرٍّ. وَالتَّوَقُّعُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
"وَإِبَاحَةٌ" وَذَلِكَ لأَنَّ الإِبَاحَةَ تَخْيِيرٌ بَيْنَ ٤الْفِعْلِ أَوْ٤ التَّرْكِ. وَالتَّخْيِيرُ إنَّمَا يَكُونُ فِي٥ مَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ.
"وَعَرْضٌ" نَحْوُ أَلا تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَنُكْرِمَك.
"وَتَحْضِيضٌ" نَحْوُ: هَلاَّ تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَنُكْرِمَك؛ لأَنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا مُخْتَصٌّ بِالْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنَّ التَّحْضِيضَ أَشَدُّ وَأَبْلَغُ مِنْ الْعَرْضِ٦.
_________________
(١) ١ في ب ز ع: هذين. ٢ في ز: وخوله. ٣ في ب د ع ض: بما. ٤ في ب: الفعلين و. وفي ع ض: الفعل و. ٥ ساقطة من ض. ٦ انظر: الفروق ١/ ٢٧ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٠٨ ]