"فَصْلٌ" "الْعِبَادَةُ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ وَقْتُهَا" أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا١ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ٢،"لَمْ تُوصَفْ بِأَدَاءٍ وَلا قَضَاءٍ وَلا إعَادَةٍ" كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، مِنْ صَلاةٍ وَصَوْمٍ وَصَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا لَهَا سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلاوَةِ، أَوْ لا سَبَبَ لَهَا٣.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: قَدْ٤ تُوصَفُ مَا لَهَا سَبَبٌ بِالإِعَادَةِ. كَمَنْ أَتَى بِذَاتِ السَّبَبِ مَثَلًا مُخْتَلَّةً٥، فَتَدَارَكَهَا حَيْثُ يُمْكِنُ التَّدَارُكُ٦.
"وَإِنْ عُيِّنَ" وَقْتُهَا٧ "وَلَمْ يُحَدَّ، كَحَجٍّ وَكَفَّارَةٍ" وَزَكَاةِ مَالٍ، لا فِطْرَةٍ "تُوصَفُ بِأَدَاءٍ فَقَطْ" أَيْ دُونَ قَضَاءٍ، لأَنَّ وَقْتَ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ٨.
وَ"الْقَضَاءُ" فِعْلُ الْوَاجِبِ خَارِجَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا. وَلأَنَّ٩ كُلَّ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز د. ٢ قسم علماء الأصول الواجب باعتبار الوقت إلى قسمين: واجب مؤقت وواجب مطلق عن التوقيت، ثم قسموا الواجب المؤقت إلى أنواع، وهذا ما تناوله المصنف بالبيان. ٣ كالصلاة المطلقة والأذكار المطلقة. "انظر: نهاية السول ١/ ٨٤، البناني وشرح جمع الجوامع ١/ ١٠٩، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٣، الأشباه والنظائر، السيوطي ص٣٩٥". ٤ في ع: وقد. ٥ في ش: مختلفة. ٦ انظر: نهاية السول ١/ ٨٤، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، وانظر ما يوصف بالأداء والقضاء، وما لا يوصف به في "الأشباه والنظائر، للسيوطي ص٣٩٥ وما بعدها". ٧ الوقت هو الزمن المقدر شرعًا مطلقًا، أي موسعًا "شرح جمع الجوامع ١/ ١٠٩". ٨ انظر: كشف الأسرار ١/ ١٤٦، المستصفى ١/ ٩٥، مناهج العقول للبدخشي ١/ ٨١، حاشية الجرجاني على شرح العضد ١/ ٢٣٣، شرح تنقيح الفصول ص٢٧٥. ٩ هكذا في جميع النسخ، ولعل الأصح: لأن.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وَقْتٍ مِنْ الأَوْقَاتِ الَّتِي يُؤَخَّرُ فِعْلُهَا إلَيْهِ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ فِيهِ. وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ أَدَاءَهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي بَعْدَ تَأْخِيرِهَا قَضَاءٌ، لَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُمَا١.
"وَإِطْلاقُ الْقَضَاءِ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ لِشَبَهِهِ٢ بِمَقْضِيٍّ" فِي اسْتِدْرَاكِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِيهِ وَتَلَبَّسَ بِأَفْعَالِهِ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ٣. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ تَلَبَّسَ بِأَفْعَالِ الصَّلاةِ، مَعَ أَنَّ الصَّلاةَ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ٤.
وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: إنَّ٥ الْحَجَّ لا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ٦ وَصَفْتُمُوهُ هُنَا؟
"وَفِعْلُ صَلاةٍ بَعْدَ تَأْخِيرِ قَضَائِهَا لا يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ" لِتَسَلْسُلِهِ وَهُوَ مُمْتَنَعٌ٧.
_________________
(١) ١ انظر كشف الأسرار ١/ ١٤٧، وفي ز ع ب ض: بعده. ٢ في ش: يشبه. ٣ الأن الأصل أن وقت الحج هو العمر كله، لكنه تضيق وقته بالشروع، "انظر: تيسير التحرير ٢/ ٢٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، التمهيد ص٩، نهاية السول: ١/ ٨٥، شرح تنقيح الفصول ص٧٣، الأشباه والنظائر، للسيوطي ص٣٩٦". ٤ قال الإسنوي: "إذا أحرم بالصلاة وأفسدها، ثم أتى بها في الوقت فإنه يكون قضاء، يترتب عليه جميع أحكام القضاء، لفوات وقت الإحرام بها، لأجل امتناع الخروج، نص على ذلك القاضي حسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" والرُوْياني في "البحر" في باب صفة الصلاة" "نهاية السول ١/ ٨٥" وقال أيضًا: "وسببه أن وقت الإحرام بها قد فات، والدليل عليه: أنه لو أراد الخروج منها لم يجز على المعروف، وخالفهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فجزم بأنها تكون أداء" "التمهيد ص٩-١٠" وانظر: "اللمع ص٩، تيسير التحرير ١/ ٢٠٠، الأشباه والنظائر، للسيوطي ص٣٩٦، الفروع، ابن مفلح ٣/ ١٣٩". ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش د ع: فقد. ٧ انظر: مختصر الطوفي ص٣٤، الروضة ص٣٢، المستصفى ١/ ٩٦، تيسير التحرير ٢/ ١٩٨.
[ ١ / ٣٦٤ ]
"وَإِنْ حُدَّ" وَقْتُ الْعِبَادَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَصَلاةِ الظُّهْرِ "وُصِفَتْ بِالثَّلاثَةِ" الَّتِي هِيَ الأَدَاءُ، وَالْقَضَاءُ، وَالإِعَادَةُ١؛ لأَنَّهَا إنْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَدَاءً، وَإِنْ فُعِلَتْ بَعْدَهُ كَانَتْ قَضَاءً وَإِنْ تَكَرَّرَ فِعْلُهَا كَانَتْ مُعَادَةً٢، "سِوَى جُمُعَةٍ" فَإِنَّهَا تُوصَفُ بِالأَدَاءِ وَالإِعَادَةِ إذَا٣ حَصَلَ فِيهَا خَلَلٌ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهَا فِي وَقْتِهَا، وَلا تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ، لأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ صُلِّيَتْ ظُهْرًا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا. "فَالأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلًا شَرْعًا" ٤.
فَقَوْلُنَا "مَا فُعِلَ" جِنْسٌ لِلأَدَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُنَا "فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ٥" يَخْرُجُ الْقَضَاءُ وَمَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَقْتٌ كَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ إذَا ظَهَرَ. وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ إذَا وُجِدَ. وَالْجِهَادِ إذَا تَحَرَّكَ الْعَدُوُّ وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلاوَةِ.
_________________
(١) ١ زاد الشافعية قسمًا رابعًا وهو التعجيل، وذلك في الحالات التي أجاز الشارع فيها أداء الواجب قبل وقته، مثل إخراج زكاة الفطر قبل انتهاء رمضان، ودفع الزكاه قبل حولان الحول. "انظر: نهاية السول ١/ ٨٤، القواعد الكبرى، للعز بن عبد السلام ١/ ٢٤١، التلويح على التوضيح ٢/ ١٩١، حاشية الجرجاني ١/ ٢٣٤، الأشباه والنظائر، للسيوطي ص٣٩٥-٤٠٢، الفروق ١/ ١٩٦ وما بعدها". ٢ الإعادة: هي تكرار العبادة في الوقت لعذر، وسيذكر المصنف تعريف الإعادة فيما بعد ص٣٦٨. ٣ في ز ع ب ض: إن. ٤ انظر تعريف الأداء في "التمهيد ص٩، التعريفات ص١٣، مختصر الطوفي ص٣٣، الروضة ص٣١، كشف الأسرار ١/ ١٣٤، المستصفى ١/ ٩٥، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، البدخشي ١/ ٨١، نهاية السول ١/ ٨٤، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٣٢، شرح تنقيح الفصول ص٧٢". ٥ يكتفي في الصلاة بوقوع أول الواجب في الوقت، مثل تكبيرة الإحرام عند الحنفية والراجح عند الحنابلة، والركعة الأولى من الصلاة عند الجمهور، لحديث الصحيحين: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". "انظر: فواتح الرحموت ١/ ٨٥، حاشية البناني ١/ ١٠٨، تيسير التحرير ٢/ ١٩٨، حاشية الجرجاني على شرح العضد ١/ ٢٣٤، فيض القدير ٦/ ٤٤، روضة الطالبين، للنووي ١/ ١٨٣، الفروع، لابن مفلح ١/ ٣٠٥، سنن الدارمي ١/ ٢٧٧، فتح الباري ٢/ ٣٨، صحيح مسلم ١/ ٤٢٣، الموطأ ١/ ١٠٥".
[ ١ / ٣٦٥ ]
وَقَوْلُنَا "أَوَّلًا" لِيَخْرُجَ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا، لَكِنَّهُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ أَوَّلًا شَرْعًا، كَالصَّلاةِ إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لِقَوْلِهِ١ ﷺ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا. فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا" ٢، فَإِذَا فَعَلَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ وَقْتٌ ثَانٍ، لا أَوَّلُ٣. فَلَمْ يَكُنْ أَدَاءً.
وَيَخْرُجُ بِهِ أَيْضًا: قَضَاءُ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهُ وَقْتًا مُقَدَّرًا، لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ. وَهُوَ مِنْ حِينِ الْفَوَاتِ إلَى رَمَضَانَ السَّنَةِ الآتِيَةِ، فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ قَضَاءً، لأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ٤ لَهُ ثَانِيًا، لا أَوَّلًا٥.
وَقَوْلُنَا "شَرْعًا" لِيَخْرُجَ مَا قُدِّرَ لَهُ وَقْتٌ لا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَمَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ –لِعَارِضِ٦-[الْوَقْتِ] ٧ الْمُوَسَّعِ٨، إنْ لَمْ يُبَادِرْ٩.
_________________
(١) ١ في ع ض: كقوله. ٢ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك مرفوعًا بألفاظ مختلفة. "انظر: صحيح البخاري مع شرح السندي ١/ ١٢٢، صحيح مسلم ١/ ٤٧٧، سنن أبي داود، ١/ ١٧٥، سنن ابن ماجة ١/ ٢٢٧، التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٤٤٥، فيض القدير ٦/ ٢٣٠، ٢٣١، سنن النسائي ١/ ٢٣٦، مسند أحمد ٣/ ٣١، سنن الدارمي ١/ ٢٨٠". ٣ هذا الشرح على اعتبار "أولًا" حالا من "وقته المقدر"، ويصح أنْ تكون حالًا من "فعل" أي ما فعل أولًا في الوقت المقدر، لتخريج الإعادة، كما لو صلى الظهر في وقته، ثم صلاه مرة ثانية، فالفعل الأول أداء، والثاني إعادة. "انظر: نهاية السول ١/ ٨٤، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٢، وانظر تعريف المصنف للإعادة –فيما بعد- وأنه قيدها بالفعل ثانيًا ص٣٦٨". ٤ في ز: المقدور. ٥ انظر: التمهيد ص٩، نهاية السول ١/ ٨٤، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٣. ٦ في ش: لعارض هبة، وفي ز ع ب ض: ظنه. ٧ في جميح النسخ: الفوات ٨ ساقطة من ش ع ز ب. ٩ وكذا لو قدر الوقت من الحاكم، كما لو حَدَّد شهر رمضان لدفع الزكاة، فإنّ هذا الوقت المقدر ليس من قبل الشارع، ويسمى فعلُ المكلف أداء، سواء دفع الزكاة في الوقت أم خارجه. "انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٩٨، البدخشي ١/ ٨١، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٣".
[ ١ / ٣٦٦ ]
"وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الأَدَاءِ"١ عَلَى٢ قَوْلِ الْجُمْهُورِ "وَلَوْ" كَانَ التَّأْخِيرُ "لِعُذْرٍ" سَوَاءٌ "تَمَكَّنَ مِنْهُ" أَيْ مِنْ فِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ "كَمُسَافِرٍ" يُفْطِرُ "أَوْ لا" أَيْ٣ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ، "لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ" وَنِفَاسٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْفِعْلِ شَرْعًا مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، "أَوْ" لِمَانِعٍ "عَقْلِيٍّ، كَنَوْمٍ لِوُجُوبِهِ" أَيْ وُجُوبِ فِعْلِ الْعِبَادَةِ "عَلَيْهِمْ" وَهُوَ الصَّوْمُ حَالَةَ وُجُودِ الْعُذْرِ، وَهُوَ السَّفَرُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ، كَانَ فِعْلُهُ بَعْدَ زَوَالِهِ قَضَاءً لِخُرُوجِ وَقْتِ الأَدَاءِ، وَكَوْنُهُ قَضَاءً مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَالَ الْعُذْرِ٤.
_________________
(١) ١ انظر تعريف القضاء في "التمهيد ص٩٠، مختصر الطوفي ص٣٣، التعريفات ص١٨٥، الروضة ص٣١، كشف الأسرار ١/ ١٣٥، شرح تنقيح الفصول ص٧٣، المستصفى ١/ ٩٥، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، مناهج العقول، للبدخشي ١/ ٨٢، نهاية السول ١/ ٨٥، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١١١، للمع ص٩". ٢ في ز ع ب: وعلى. ٣ في ع ب ض: يعني. ٤ يرى بعض العلماء أن فعل الواجب إذا فات لعذر لا يسمى قضاء، لعدم وجوبه عليهم حال العذر، بدليل عدم عصيانهم لو ماتوا فيه، ويرد عليهم أن نية القضاء واجبة، وأن السيدة عائشة قالت: "كنا نحيضُ فنؤمر بقضاء الصوم" وأن العباداة تثبت في الذمة كالدين، ومن ثم يجب قضاؤها، وهو قضاء حقيقي أو مجازي علىقولين، وقال القرافي: لا يشترط في القضاء تقديم الوجوب، بل تقديم سببه. "انظر: مختصر الطوفي ص٣٣، الروضة ص٣٢، الإحكام لابن حزم ١/ ٣٠٦، ٢٨٣، ٣٠١، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٩، ١١٠، شرح تنقيح الفصول ص٧٤، القواعد والفوائد الأصولية ص٣١، المستصفى ١/ ٩٦، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، البدخشي ١/ ٨٣، نهاية السول ١/ ٨٦، تيسير التحرير ٢/ ١٩٩، حاشية البناني ١/ ١١٢، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٣".
[ ١ / ٣٦٧ ]
وَإِطْلاقُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمُؤَدَّى وَالْمَقْضِيِّ، مِنْ إطْلاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ، حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
"وَعِبَادَةُ صَغِيرٍ" لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ "لا تُسَمَّى قَضَاءً" إجْمَاعًا١، "وَلا أَدَاءً" عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّ الصَّغِيرَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ، حَتَّى تُقْضَى٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ": تَصِحُّ الصَّلاةُ مِنْ مُمَيِّزٍ نَفْلًا، وَيُقَالُ: لِمَا فَعَلَهُ: ٣ صَلاةُ كَذَا. وَفِي"٣ "التَّعْلِيقِ" مَجَازًا٤. اهـ.
"وَالإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ" أَيْ فِعْلُ٥ مَا فُعِلَ مِنْ الْعِبَادَةِ "فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ" أَيْ الْمَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ، "ثَانِيًا" أَيْ بَعْدَ فِعْلِهِ أَوَّلًا "مُطْلَقًا"٦ أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الإِعَادَةُ لِخَلَلٍ فِي الْفِعْلِ الأَوَّلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: لَوْ صَلَّى الصَّلاةَ فِي وَقْتِهَا صَحِيحَةً، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى. فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تُسَمَّى مُعَادَةً عِنْدَ الأَصْحَابِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ٧ خَلَلٍ وَلا عُذْرٍ٨.
"وَالْوَقْتُ" الْمُقَدَّرُ:
_________________
(١) ١ في ش: وجوبًا. ٢ في ش ز د: يقضي. ٣ في ش: كذا صلاة وكذا في. ٤ الفروع: ١/ ٢٩٠-٢٩١، وانظر الفروع أيضًا: ٢/ ١٨، في ش ز: مجاز، وكذا في الفروع. ٥ ساقطة من د. وفي ش: نقل. ٦ انظر: التمهيد ص٩، مختصر الطوفي ص٣٣، الروضة ص٣١، المستصفى ١/ ٩٥، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، تيسير التحرير ١/ ١٩٩، حاشية البناني ١/ ١١٧، شرح تنقيح الفصول ص٨٦. ٧ ساقطة من ش. ٨ خالف الحنفية في هذا القول، وقيدوا الإعادة بحالة الخلل في الفعل الأول دون العذر، بينما ذكر الجمهور من العذر طلب الفضيلة في صلاة الجماعة مثلًا. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ٨٥، مناهج العقول للبدخشي ١/ ٨٣، تيسير التحرير ٢/ ١٩٩، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١١٨، شرح العضد ١/ ٢٣٣".
[ ١ / ٣٦٨ ]
- "إمَّا" أَنْ يَكُونَ ١ بِقَدْرِ الْفِعْلِ"١ كَصَوْمِ" رَمَضَانَ "فَـ" ـهُوَ الْوَقْتُ "الْمُضَيَّقُ".
- "أَوْ" أَنْ يَكُونَ "أَقَلَّ، فَـ٢" ـهُوَ "مُحَالٌ" أَيْ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ، نَحْوِ إيجَابِ صَلاةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَنَحْوِهِ٣.
- "أَوْ" أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّرُ لِلْعِبَادَةِ "أَكْثَرَ" مِنْ وَقْتِ فِعْلِهَا "فَـ" ـهُوَ "الْمُوَسَّعُ" كَالصَّلَوَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ٤، "فَيَتَعَلَّقُ" الْوُجُوبُ "بِجَمِيعِهِ٥" أَيْ جَمِيعِ الْوَقْتِ "مُوَسَّعًا أَدَاءً" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ٦ الْمُتَكَلِّمِينَ٧.
"وَيَجِبُ الْعَزْمُ" ٨ عَلَى بَدَلِ"٨ الْفِعْلِ أَوَّلَ الْوَقْتِ "إذَا أُخِّرَ" ٩. "وَيَتَعَيَّنُ" الْفِعْلُ "آخِرَهُ" أَيْ آخِرَ الْوَقْتِ.
_________________
(١) ١ في ش بتقدير فعل. ٢ في ش: و. ٣ التكليف بالمحال جائز عند بعض العلماء كما سبق، أما الذين منعوا التكليف بالمحال فقالوا يجوز في الحالة المذكورة أعلاه، إذا كان لغرض التكميل خارج الوقت، كوجوب الظهر عند من زال عذره في آخر الوقت، كالجنون والحيض والصبا، وقد بقي مقدار تكبيرة، خلافًا لزفر من الحنفية. "انظر: نهاية السول ١/ ١١٢، مناهج العقول ١/ ١٠٨، كشف الأسرار ١/ ٢١٥". ٤ انظر: تخريج الفروع على الأصول ص٣١، مختصر الطوفي ص٢١، الروضة ص١٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٠، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٩، شرح جمع الجوامع ١/ ١٨٧. ٥ في ز: جميعه. ٦ في ز ع ب ض: والأكثر من. ٧ انظر: مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٤١، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٠، مختصر الطوفي ص٢١، نهاية السول ١/ ١١٢، اللمع ص٩، القواعد والفوائد الأصولية ص٧٠، حاشية البناني ١/ ١٨٧، المسودة ص٢٦، ٢٨، تخريج الفروع على الأصول ص٣١. ٨ ساقطة من ش: ويوجد مكانها: به قبل، وفي ز ب ض: يدل الفعل، وعلى هامش ب: على الفعل. ٩ اشترط أكثر الحنابلة والمالكية والشافعية والجبائي وابنه من المعتزلة وجوب العزم على بدل =
[ ١ / ٣٦٩ ]
"وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُ" فِعْلِ الْعِبَادَةِ "بِأَوَّلِهِ" أَيْ أَوَّلِ وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ١، لأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهَا فِيهِ٢، فَلَوْ طَرَأَ مَانِعٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ لَزِمَ الْقَضَاءُ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ. فَإِنْ أُخِّرَتْ عَنْهُ: صَارَتْ قَضَاءً٣.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ٤. زَادَ الْكَرْخِيُّ: أَوْ
_________________
(١) = الفعل لتمييزه عن المندوب الذي يجوز تركه مطلقًا، أما الواجب الموسع فلا يجوز تركه في أول الوقت إلا بشرط الفعل بعده أو العزم على الفعل، وما جاز تركه بشرط فليس بندب كالواجب المخير أيضًا. "انظر: الروضة ص١٨، مختصر الطوفي ص٢١، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٦، القواعد والفوئد الأصولية ص٧٠، كشف الأسرار ١/ ٢٢٠". ولم يشترط العزم على الفعل أبو الخطاب ومجد الدين بن تيمية من الحنابلة، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، والإمام الرازي وأتباعه وابن السبكي من الشافعية، وابن الحاجب من المالكية، "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٠، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٥، نهاية السول ١/ ١١٢، مناهج العقول ١/ ١٠٩، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ١/ ٢٤١، حاشية البناني: ١/ ١٨٨، فواتح الرحموت ١/ ٤٧، المسودة ٢٨، المجموع، للنووي ٣/ ٤٩". ١ قال البعلي: ونعني بالاستقرار وجوب القضاء، ثم ذكر أمثلة من الفروع الفقهية لذلك "القواعد الفوائد الأصولية ص٧١ وما بعدها، وانظر: المسودة ص٢٩، المجموع، للنووي ٣/ ٤٧". ٢ في أول الوقت "انظر: القواعد والفوئد الأصولية ص٧١، الروضة ص١٨، تيسير التحرير ٢/ ١٨٩، ١٩١، ١٩٣، أصول السرخسي ١/ ٣١". ٣ وهو قول بعض الشافعية وبعض الحنفية العراقيين. "انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ١٠٥، فواتح الرحموت ١/ ٧٤، شرح جمع الجوامع ١/ ١٨٨، القواعد والفوائد الأصولية ص٧١، تيسير التحرير ٢/ ١٩١ نهاية السول ١/ ١١٤، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٤١". ٤ وهذا ما نقله السرخسي عن العراقيين فقال: وأكثر العراقيين من مشايخنا يقولون: الوجوب لا يثبت في أول والوقت، وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت، "أصول السرخسي ١/ ٣١".وانظر: تخريج الفروع على الأصول ص٣١.
[ ١ / ٣٧٠ ]
بِالدُّخُولِ فِيهَا١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ - بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ-: إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ. وَزِيَادَةُ الْكَرْخِيِّ: بِالدُّخُولِ. فَإِنْ قَدَّمَهُ فَنَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ، وَأَكْثَرُهُمْ قَالَ٢: إنْ بَقِيَ مُكَلَّفًا، فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ. وَعِنْدَهُمْ إنْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فَلا وُجُوبَ٣. انْتَهَى.
وَلَنَا عَلَى الأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ-الآيَةَ﴾ ٤، قُيِّدَ٥: بِجَمِيعِ وَقْتِهَا. لأَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ ٦ أَوَّلَ الْوَقْتِ"٦ وَآخِرَهُ. وَقَالَ لَهُ٧:
_________________
(١) ١ الواقع أن للحنفية رأيين، فقال بعض الحنفية العراقيين: ليس كل الوقت وقتًا للواجب بل آخره، فإن قدمه فنفل يسقط به المرض، وهذا ما ذكره المصنف أعلاه، وقال الأنصاري في شرح مسلم الثبوت: ونسب هذا القول للحنفية، وهذه النسبة غلط، وقال أكثر الحنفية: إذا كان الواجب موسعًا فجميع الوقت لأدائه، وأن سبب الوجوب هو الجزء الأول من الوقت إن اتصل به الأداء، وإلا انتقل إلى ما يليه، وإلا تعين الجزء الأخير. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ٧٣، ٧٤، تيسير التحرير ٢/ ١٨٩، التوضيح على التنقيح ٢/ ٢٠٥، أصول السرخسي ١/ ٣٠، ٣٢، ٣٣، كشف الأسرار ١/ ٢١٥، ٢١٩، وانظر: الإحكام، للآمدي ١/ ١٠٥، المدخل إلى مذهب إحمد ص٦٠، نهاية السول ١/ ١١٤، شرح تنقيح الفصول ص١٥٠، شرح تنقيح الفصول ص١٥٠". ٢ ساقطة من ش ز ع ب ض. ٣ قال الكمال بن الهمام: فلو كانت طاهرة أول الوقت فلم تُصلِ حتى حاضت اخره لا قضاء عليها "تيسير التحرير ٢/ ١٩٢، ١٩٤، وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٧١، نهاية السول ١/ ١١٤، فواتح الرحموت ١/ ٧٤، مناهج العقول ١/ ١١١ وبعدها، كشف الأسرار ١/ ٢١٦، أصول السرخسي ١/ ٣١، جمع الجوامع ١/ ١٨٩". ٤ الآية ٧٨ من الأسراء، وهي ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ . ٥ في ش د ع: قيل. ٦ في ز ع ب: أوله. ٧ ساقطة من ز: وفي ع ب: وقال: الوقت ما بينهما، وقاله له جبريل أيضًا ﵊.
[ ١ / ٣٧١ ]
"الْوَقْتُ مَا بَيْنَهُمَا"١. وَلأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ لِلْفِعْلِ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ الْفِعْلُ قَبْلَهُ، وَيَكُونُ٢ الْفِعْلُ بَعْدَهُ قَضَاءً. فَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ، وَهُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ٣.
"وَمَنْ أَخَّرَ" الْفِعْلَ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ "مَعَ ظَنِّ مَانِعٍ" مِنْهُ "كَعَدَمِ الْبَقَاءِ٤" بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ فِيهِ "أَثِمَ" إجْمَاعًا، لِتَضْيِيقِهِ عَلَيْهِ بِظَنِّهِ٥.
"ثُمَّ إنْ بَقِيَ" مِنْ ظَنِّ عَدَمِ الْبَقَاءِ "فَفَعَلَهَا" أَيْ فَعَلَ الْعِبَادَةَ "فِي وَقْتِهَا
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه الإمام أحمد عن جابر مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ١٠١، سنن أبي داود ١/ ١٦١، سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ١/ ٤٦٤، سنن النسائي ١/ ١٩٧، ٢٠٩، المستدرك ١/ ١٩٣، نيل الأوطار ١/ ٣٥١"، قال الطوفي: النص قُيَّد بجميع الوقت، فتخصيص بعضه بالإيجاب تحكم "مختصر الطوفي ص٢١"، وفي ز: وقاله جبريل أيضًا ﵇. ٢ في ش: ويكره. ٣ قال البدخشي: ثم حقيقة الموسع ترجع إلى المخير بالنسبة إلى الوقت، كأن قيل للمكلف: افعل إما في أول الوقت أو وسطه أو آخره، فهو مخير في الإتيان به في أول جزء منها "منهاج العقول ١/ ١٠٩" وهو ما صرح به البزدوي والسرخسي "كشف الأسرار ١/ ٢٢٠، ٢٢٩، أصول السرخسي ١/ ٣٣"، وانظر: "الروضة ص١٨، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٨، نهاية السول ١/ ١١٥، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٤٢، تخريج الفروع على الأصول ص٣١، شرح تنقيح الفصول ص١٥٠". ٤ في ش: البناء. ٥ كما لو كان محكومًا عليه بالقتل، وأن التنفيذ سيتم في ساعة معينة، وكما لو كانت المرأة تعرف أن عادتها تأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت عليهما، "انظر: جمع الجوامع ١/ ١٩٠، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٤٣، نهاية السول ١/ ٨٧، فواتح الرحموت ١/ ٨٦، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٩، القواعد والفوائد الأصولية ص٨٢، المستصفى ١/ ٩٥، الروضة صي٣١، تيسير التحرير ٢/ ٢٠٠، مختصر الطوفي ص٢٣، التمهيد ص١٠، الفروع، ابن المفلح ١/ ٢٩٣".
[ ١ / ٣٧٢ ]
فَـ" ـهِيَ "أَدَاءٌ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لِبَقَاءِ الْوَقْتِ. وَلا يُلْتَفَتُ إلَى ظَنِّهِ الَّذِي بَانَ خَطَؤُهُ.
"وَمَنْ لَهُ تَأْخِيرٌ" فَمَاتَ١ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهَا فَإِنَّهَا "تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، لأَنَّهَا لا تَدْخُلُهَا٢ النِّيَابَةُ فَلا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِخِلافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ٣، "وَلَمْ يَعْصِ" بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ٤. وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا، لأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ. وَاعْتِبَارُ سَلامَةِ الْعَاقِبَةِ مَمْنُوعٌ لأَنَّهُ غَيْبٌ٥.
"وَمَتَى طُلِبَ٦" أَيْ طُلِبَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ "مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ، أَوْ مِنْ مُعَيَّنٍ كَالْخَصَائِصِ" النَّبَوِيَّةِ٧. قَالَ الإِمَامُ٨ أَحْمَدُ: ﵁: خُصَّ
_________________
(١) ١ في هامش ب: كمن به سَلَسُ بول مثلًا ومستحاضة، وانظر أمثلة أخرى في "القواعد والفوائد الأصولية ص٧٦". ٢ في ش: تسقطها. ٣ انظر حكم هذه المسألة، مع بيان الأحكام التي تدخلها النيابة في "التمهيد ص١١، الإحكام، الآمدي ١/ ١٤٩، شرح جمع الجوامع ١/ ١٩١، روضة الطالبين للنووي ١/ ١٨٣، الفروع، لابن مفلح ١/ ٢٩٣، تخريج الفروع على الأصول ص٦٠". ٤ تدخل هذه المسألة في القاعدة الأصولية وهي "الأمر الذي أريد به التراخي، إذا مات المأمور به بعد تمكنه منه وقبل الفعل" لم يمت عاصيًا عند الجمهور، وقال قوم يموت عاصيًا، واختاره الجويني وأبو الخطاب، "انظر: القواعد والفوائد الأصلية ص٧٦، المسودة ص٤١، الفروع ١/ ٢٩٣"، وفي ز: جماهير العلماء. ٥ انظر رأي الجمهور في "مختصر الطوفي ص٢٣، الروضة ص١٩، الإحكام، للآمدي ١/ ١٩١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٠، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٤٣، المستصفى ١/ ٧٠، شرح جمع الجوامع ١/ ١٩١" والمراجع السابقة. ٦ في ش د: طلب. ٧ في ز: أي خصائص النبي ﷺ. ٨ في ش د: إمامنا.
[ ١ / ٣٧٣ ]
النَّبِيُّ ﷺ بِواجَبَاتٍ١ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَاتٍ٢، "فَـ" إنْ كَانَ الطَّلَبُ "مَعَ جَزْمٍ" كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ٣ رَمَضَانَ. فَالْمَطْلُوبُ "فَرْضُ عَيْنٍ٤. وَ" إنْ كَانَ الطَّلَبُ "بِدُونِهِ" أَيْ بِدُونِ جَزْمٍ، كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَصَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ، فَالْمَطْلُوبُ "سُنَّةُ عَيْنٍ"٥.
"وَإِنْ طُلِبَ الْفِعْلُ" أَيْ حُصُولُهُ "فَقَطْ، فَـ" طَلَبُهُ "مَعَ جَزْمٍ" كَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِ "فَرْضُ كِفَايَةٍ٦، وَ" طَلَبُ حُصُولِهِ "بِدُونِهِ" أَيْ بِدُونِ جَزْمٍ. كَابْتِدَاءِ السَّلامِ مِنْ جَمْعٍ فَهُوَ "سُنَّةُ كِفَايَةٍ"٧.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ: أَنَّ ٨ فَرْضَ الْعَيْنِ"٨ مَا تَكَرَّرَتْ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا. فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَمُنَاجَاتُهُ وَالتَّذَلُّلُ وَالْمُثُولُ٩ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَهَذِهِ الآدَابُ تُكَرَّرُ١٠ كُلَّمَا كُرِّرَتْ الصَّلاةُ١١.
_________________
(١) ١ في ش: بموجبات. ٢ انظر كتاب الخصائص الكبرى للسيوطي، مطبوع في ثلاثة أجزاء، والشامل للترمذي وغيره. ٣ في ز ع ب ض: صوم. ٤ سمي فرض عين لأن خطاب الشارع يتوجه إلى كل مكلف بعينه، ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه بنفسه. ٥ انظر: الفروق ١/ ١١٧. ٦ سمي فرض كفاية لأن قيام بعض المكلفين به يكفي للوصول إلى مقصد الشارع في وجود الفعل، ويكفي في سقوط الإثم عن الباقين، مع كونه واجبًا على الجميع كما سيأتي. "انظر: التمهيد ص١٣، نهاية السول ١/ ١١٨". ٧ انظر: التمهيد ص١٣، نهاية السول ١/ ١١٧، حاشية البناني ١/ ١٨٢، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٦، الفروق ١/ ١١٧. ٨ في ش: الأول. ٩ في ش: والتضرع. ١٠ في ش ز: تكثر. ١١ في ز: الصلوات.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا لا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ. كَإِنْجَاءِ الْغَرِيقِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَنَحْوِهَا، فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ تَبَايُنَ النَّوْعَيْنِ١.
"وَهُمَا" أَيْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ "مُهِمٌّ" أَيْ. أَمْرٌ يُهْتَمُّ بِهِ، "يُقْصَدُ" مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ "حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ٢" فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ نَحْوُ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ.
وَقَوْلُهُ: "مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ - إلَخْ٣" مُخْرِجٌ٤ لِفَرْضِ الْعَيْنِ وَسُنَّةِ الْعَيْنِ، لأَنَّ مَا مِنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ إلاَّ٥ وَيَنْظُرُ فِيهِ الْفَاعِلُ، حَتَّى يُثَابَ عَلَى وَاجِبِهِ وَمَنْدُوبِهِ، وَيُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ - إنْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ-. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي كَوْنِ الْمَطْلُوبِ عَيْنًا يُخْتَبَرُ بِهِ الْفَاعِلُ وَيُمْتَحَنُ، لِيُثَابَ أَوْ يُعَاقَبَ. وَالْمَطْلُوبُ عَلَى الْكِفَايَةِ يُقْصَدُ حُصُولُهُ قَصْدًا ذَاتِيًّا، وَقَصْدُ الْفَاعِلِ فِيهِ تَبَعٌ٦ لا ذَاتِيٌّ٧.
"وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ" وَاجِبٌ "عَلَى الْجَمِيعِ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ٨. قَالَ الإِمَامُ
_________________
(١) ١ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٦، الفروق ١/ ١١٦، شرح تنقيح الفصول ص١٥٧. ٢ المقصود في فرض الكفاية إيقاعُ الفعل مع قطع النظر عن الفاعل. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٦، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٨٣، تيسير التحرير ٢/ ٢١٣، الفروق ١/ ١١٧". ٣ في ز ع ب ض: بالذات إلى فاعله. ٤ في ش: جامع. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: يقع. ٧ أي من غير نظر بالأصالة والأولية إلى الفاعل، وإنما المنظور إليه أولًا وبالذات هو الفعل والفاعل إنما ينظر إليه تبعًا لضرورة توقف الفعل على فاعل. "انظر حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١٨٣". ٨ الواجب الكفائي يتعلق بجميع المكلفين عند الجمهور، فالقادر عليه يقوم بنفسه به، وغير القادر يحثُ غيره على القيام به، لأن الخطاب موجهٌ لكل مكلف، وأن التأثيم يتعلق بالكل عند الترك، لكنه يسقط بفعل البعض لحصول المقصود، وقال الإمام الرازي والبيضاوي والتاج السبكي: إن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة، لأنه لو تعلق بالكل لم سقط إلا بفعل =
[ ١ / ٣٧٥ ]
أَحْمَدُ ﵁: الْغَزْوُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَإِذَا غَزَا بَعْضُهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ١.
وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي "الأُمِّ": حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، لا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ. وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى٢.
"وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ الْجَازِمُ وَالإِثْمُ" فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ "بِفِعْلِ مَنْ يَكْفِي" رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا٣، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ٤.
"وَيَجِبُ" عَيْنًا "عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لا يَقُومُ بِهِ" أَيْ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ٥، لأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ٦.
_________________
(١) = الكل، وأنه يجوز الأمر لواحد مبهم اتفاقًا، كفوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة / ١٢٢]، وهناك أقوال أخرى. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٢، ١٨٧، نهاية السول ١/ ١١٨، مناهج العقول ١/ ١١٨، فواتح الرحموت ١/ ٦٣، ٦٤، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٣٤، جمع الجوامع وشرح المحلي عليه ١/ ١٨٤، تيسير التحرير ٢/ ٢١٣، الروضة ص١٠٨، المستصفى ٢/ ١٥، المسودة ص٣٠، شرح تنقيح الفصول ص١٥٥"، وفي ض: على وفاق الأمر. ١ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٧، المسودة ص٣٠. ٢ الأم ١/ ٢٧٤. ٣ في ش: تحقيقًا. ٤ انظر: نهاية السول ١/ ١١٩، فواتح الرحموت ١/ ٦٦، حاشية الجرجاني على شرح العضد ١/ ٢٣٤، الفروق ١/ ١١٦. ٥ كما إذا انحصر الواجب الكفائي بشخص واحد فيصير عليه واجبًا عينيًا، ويجب عليه القيام به، مثل وجود عالم واحد يصلح للفتوى أو للقضاء، وشاهد واحد في القضية، وطبيب واحد في البلدة، وسباح واحد أمام الغريق، كما ينقلب الواجب الكفائي من جهة أخرى إلى واجب عيني على كل مسلم في بعض الحالات، كالجهاد في سبيل الله، فهو واجب كفائي، ولكن إذا تعرضت بلاد المسلمين للغزو أو الاعتداء أو الاحتلال، فإنه يصبح واجبًا عينيًا على كل مكلف قادر يستطيع حمل السلاح وحماية الوطن والذود عن حياضه. "انظر: منهاج العقول ١/ ١١٧". ٦ وكذلك العكس، فإن غلب على ظن جماعة أن غيرهم يقوم بذلك سقط عنهم، فالتكليف بفرض الكفاية دائر مع الظن. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٢، ١٨٩، نهاية السول ١/ ١١٨، مناهج العقول ١/ ١١٧، ١١٨، فواتح الرحموت ١/ ٦٣، تيسير التحرير ٢/ ٢١٤، المسودة ص٣٠، شرح تنقيح الفصول ص١٥٦، الفروق ١/ ١١٧".
[ ١ / ٣٧٦ ]
"وَإِنْ فَعَلَهُ" أَيْ فَعَلَ الْمَطْلُوبَ حُصُولُهُ "الْجَمِيعُ مَعًا" أَيْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ "كَانَ فَرْضًا" فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي تَمْيِيزَ بَعْضِهِمْ١.
"وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ" مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، لأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ أَهَمُّ، وَلأَجْلِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الأَعْيَانِ. وَهَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ عَكْسُهُ٢.
"وَلا فَرْقَ بَيْنَهُمَا" أَيْ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ "ابْتِدَاءً"٣ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ٤، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي ثَانِي الْحَالِ٥، وَهُوَ فَرْقٌ حُكْمِيٌّ٦.
_________________
(١) ١ ولأن فرض الكفاية يتعلق بالجميع، ولترغيب الناس فيه. "انظر: التمهيد ص١٣، فواتح الرحموت ١/ ٦٤، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٩، المستصفى ٢/ ١٥، الروضة ص١٠٨، المسودة ص٣١". ٢ وهو قول أكثر الشافعية، ونقل الطويق في شرحه قولين، قال إمام الحرمين: إن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين، لأن فاعله ساعٍ في صيانة الأمة كلها عن المأثم، ولا شك في رجحان من حلّ محل المسلمين أحمعين في القيام بمهم من مهمات الدين، خلافًا للتاج السبكي والمحلي وغيرهما الذين قالوا: إن فرض العين أفضل لشدة اعتناء الشارع به لقصده حصوله من كل مكلف. "انظر: التمهيد ص١٣، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٨٣، ١٨٤، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٨، ١٨٩". ٣ أي من جهة الوجوب، لشمول حد الواجب لهما "الإحكم، الآمدي ١/ ١٠٠". ٤ وهو قول الجمهور. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٠، الروضة ص١٠٨، المسودة ص٣٠". ٥ أي من جهة الإسقاط، فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، خلافًا لفرض العين، فلا يسقط بفعل البعض، بل لا بد أن يقوم به كل مكلف بعينه. "انظر: الإحسكام، الآمدي ١/ ١٠٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٧". ٦ أي من حيث الأثر، لا من حيث الحقيقة والذات. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٨٧"، وفي ض: فرض حكمي.
[ ١ / ٣٧٧ ]
"وَيَلْزَمَانِ" أَيْ فَرْضُ الْعَيْنِ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ "بِشُرُوعٍ مُطْلَقًا١" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ جِهَادًا، أَوْ صَلاةً عَلَى جِنَازَةٍ، أَوْ غَيْرَهُمَا٢. قَالَ فِي "شَرْحِ٣ التَّحْرِيرِ": فِي الأَظْهَرِ.
وَيُؤْخَذُ٤ لُزُومُهُ بِالشُّرُوعِ٥ مِنْ٦ مَسْأَلَةِ حِفْظِ الْقُرْآنِ. فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، فَإِذَا حَفِظَهُ إنْسَانٌ٧ وَأَخَّرَ تِلاوَتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَشَدَّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ٨. وَفِيهِ وَجْهٌ يُكْرَهُ٩.
_________________
(١) ١ وهو قول الشافعية بأن يصير فرض الكفاية كفرض العين في وجوب الإتمام على الإصح بجامع الفرضية. وقيل: لا يجب إتمامه، لأن القصد من فرض الكفاية حصوله في الجملة، فلا يتعين حصوله ممن شرع فيه، وقيل: يتعين فرض الكفاية بالشروع في الجهاد وصلاة الجنازة دون غيرهما. "انظر: شرح جمع الجوامع ١/ ١٨٥-١٨٦، القواعد والفوائد الإصولية ص١٨٨". ٢ في ب: غيرهما. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: يؤخذ من. ٥ في ع ب: بالشرع. ٦ ساقطة من ش. ٧ ساقطة من ش. ٨ ويؤخذ اللزوم بالشرع أيضًا من الجهاد، فهو فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة / ١٢٢] ولكن إذا دخل به إنسان فيحرم عليه التراجع والتوالي، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال / ١٥-١٦]، فيجب الاستمرار في صف القتال، لما في الانصراف عنه من كسر قلوب الجند. "انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٨٦". ٩ قال البعلي بعد كلام الإمام أحمد: وقدمه بعضهم "القواعد والفوائد الإصولية ص١١٨-١٨٩".
[ ١ / ٣٧٨ ]
"وَإِنْ طُلِبَ" شَيْءٌ١ "وَاحِدٌ مِنْ أَشْيَاءَ٢، كَخِصَالِ كَفَّارَةِ" يَمِينٍ "وَنَحْوِهَا" ٣ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْله تَعَالَى ٣: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٤، وَكَفِدْيَةِ الأَذَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٥، وَكَالْجُبْرَانِ فِي الزَّكَاةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: ٦ "شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ ٦ دِرْهَمًا". وَمِثْلُهُ٧ الْوَاجِبُ٨ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْ الإِبِلِ أَرْبَعُ حِقَاقٍ٩، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ١٠. وَكَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ١١ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ لِلابِسِ
_________________
(١) ١ في ش: مفتي. ٢ ينقسم الواجب من حيث نوع الفعل المطلوب القيام به إلى قسمين: واجب معين كالصلاة والحج، وواجب مخير أو مبهم، كخصال الكفارة وغيرها. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٥، الروضة ص١٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٩، التمهيد ص١٤، نهاية السول ١/ ٩٦، تيسير التحرير: ٢/ ٢١١". ٣ في ش د: اية. ٤ الآية ٩٥ من المائدة، وفي د تتمة الآية، وهي ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ . ٥ الآية ١٩٦ من البقرة، وفي ش تتمة الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . ٦ في ز ب ض: شاتين أو عشرين، وهذا موافق لبعض روايات الحديث، وقد سبق تخريجه ص٣٥٥. ٧ في ز ب ض: ومثل. ٨ في ش: كواجب. ٩ الحقائق جمع حِقّة من الإبل، وهي التي طبعنت في السنة الرابعة، لأنها استحقت أن يحمل عليها. "المصباح المنير ١/ ٢٢٤". ١٠ بنيت اللبون هي بنت الناقة التي دخلت في السنة الثالثة، سميت بذلك لأن أمها ولدت غيرها فصار لها لبن. "المصباح المنير ١/ ٨٤٥". ١١ في ش: من.
[ ١ / ٣٧٩ ]
الْخُفِّ أَوْ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ،"فَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ لا بِعَيْنِهِ" عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ١.
قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ: إنَّهُ إجْمَاعُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ.
"وَيَتَعَيَّنُ" ذَلِكَ الْوَاحِدُ "بِالْفِعْلِ٢" ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالأَشْعَرِيَّةِ، لأَنَّهُ يَجُوزُ٣ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ عَقْلًا، كَتَكْلِيفِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِفِعْلِ هَذَا الشَّيْءِ أَوْ ذَاكَ٤، عَلَى أَنْ يُثِيبَهُ عَلَى أَيِّهِمَا فَعَلَ. وَيُعَاقِبَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ. وَلَوْ أَطْلَقَ لَمْ يُفْهَمْ وُجُوبُهُمَا. وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْجَمِيعَ وَلا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ؛ لأَنَّهُ خَيَّرَهُ. وَلَوْ أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ الجَمِيعِ٥ لَوَجَبَ عِتْقُ الْجَمِيعِ، إذَا وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَتَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ٦ بِالْخَاطِبَيْنِ، إذَا وَكَّلَتْهُ٧ فِي التَّزْوِيجِ بِأَحَدِهِمَا٨.
وَمُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ: هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ، وَلا تَخْيِيرَ فِيهِ، لأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَلا يَجُوزُ تَرْكُهُ. وَمُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ الَّتِي فِيهَا التَّعَدُّدُ٩، وَلا وُجُوبَ فِيهَا. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ١٠.
_________________
(١) ١ انظر: جمع الجوامع ١/ ١٧٥، الإحكام، للآمدي ١/ ١٠٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٠، الروضة ص١٧، المسودة ص٢٧، التمهيد ص١٤، نهاية السول ١/ ٩٧، المستصفى ١/ ٦٧، اللمع ص٩، المعتمد ١/ ٨٤. ٢ أي بفعل المكلف. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٠، تيسير التحرير ٢/ ٢١٣". ٣ في ع: لا يجوز. ٤ في ز: وذلك، وفي ب ض: أو ذاك. ٥ في ش: في الجميع. ٦ في ز ش: وليتيه. ٧ في ش: إذا وكله. ٨ انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ١٠٤، الروضة ص١٧، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٦، المستصفى ١/ ٦٧. ٩ وهي خصوص الإعتاق مثلًا، أو الكسوة، أو الطعام. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٧، التمهيد ص١٤، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٦، شرح تنقيح الفصول ص١٥٢". ١٠ مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ١/ ٢٣٥، وانظر: التمهيد ص١٤.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: وَعِنْدِي زِيَادَةٌ أُخْرَى فِي التَّخْيِيرِ١، وَهِيَ٢ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ يُقَالُ عَلَى الْمُتَوَاطِئِ٣، كَالرَّجُلِ، وَلا إبْهَامَ فِيهِ. فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ مَعْلُومَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ٤، وَيُقَالُ عَلَى الْمُبْهَمِ مِنْ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ. كَأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الأَوَّلَ لَمْ تُقْصَدْ فِيهِ إلاَّ الْحَقِيقَةُ. وَالثَّانِي: قُصِدَ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ بِعَيْنِهِ، أَيْ ٥ لا بِاعْتِبَارِ ٥ مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُبْهَمًا؛ لأَنَّهُ أُبْهِمَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ.
فَلا يُقَالُ فِي الأَوَّلِ الَّذِي نَحْوُ أَعْتِقْ رَقَبَةً، إنَّهُ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيهِ بِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِخُصُوصِيَّاتِهِ، بِخِلافِ الثَّانِي. فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ مُخَيَّرًا. وَمِنْ الأَوَّلِ: أَكْثَرُ أَوَامِرِ الشَّرِيعَةِ٦، فَيَتَعَيَّنُ٧ أَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي الأَوَّلِ، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُمْ: "مِنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ"، وَالْمَعْنَى: أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنُهَا وَتَمَيُّزُهَا مَعَ الإِبْهَامِ احْتِرَازًا٨ عَنْ٩ الْقِسْمِ الأَوَّلِ. انْتَهَى.
_________________
(١) ١ في ش ز ع ب ض: التحير. ٢ في ش ع: وهو. ٣ المتواطىء هو الكلي الذي لم تتفاوت أفراده، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده، فإن الكلي فيها، وهو الحيوانية والناطقة، لا يتفاوت فيها بزيادة ولا نقص، وسمي بذلك من التواطؤ، وهو التوافق. ٤ قال الإسنوي: أحد الأشباه قدر مشترك بين الخصال كلها لصدقه على كل واحد منها، وهو واحد لا تعدد فيه، وإنما التعدد في محالِّه، لأن المتواطىء موضوع لمعنى واحد صادق على أفراد، كالإنسان، وليس موضوعًا لمعان متعددة، وإذا كان واحد استحال فيه التخيير، وإنما التخيير في الخصوصيات، وهو خصوص الإعتاق مثلًا أو الكسوة أو الإطعام. "التمهيد ص١٤". ٥ في ش ع: لاعتبار. ٦ في ش: الشيء بعينه. ٧ في ش: فتعين، وفي د: فتبين. ٨ في ب ض: احتراز. ٩ في ز ع ض: من.
[ ١ / ٣٨١ ]
وَقِيلَ: يَجِبُ جَمِيعُ الْخِصَالِ١، وَيَسْقُطُ٢ بِفِعْلِ٣ وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ٤ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُ مِنْهَا سَقَطَ٥.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ٦.
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِي صِيغَةٍ وَرَدَتْ يُرَادُ بِهَا التَّخْيِيرُ أَوْ٧ مَا فِي مَعْنَاهُ٨. وَأَمَّا نَحْوُ تَخْيِيرِ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَمُرِيدِ الْحَجِّ٩ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، لأَنَّهُ لَمْ ١٠ يَرِدْ تَخْيِيرٌ فِيهِ بِلَفْظٍ"١٠ وَلا بِمَعْنَاهُ١١.
_________________
(١) ١ وهو قول الحبائي وابنه أبي هاشم من المعتزلة، وقال أبو الحسن البصري المعتزلي: يجب الجميع على البدل. "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٠، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٥، المعتمد ١/ ٨٤، ٨٧". ٢ أي الواجب. ٣ في ش: فعل. ٤ في ش: الواحد. ٥ هذا القول ينسبه الأشاعرة إلى المعتزلة، ينسبه المعتزلة إلى الأشاعرة، ولذلك سمي قول التراجُم. "انظر: القواعد والفوئد الأصولية ص٦٥، المسودة ص٢٨، نهاية السول ١/ ٩٨، التمهيد ص١٤، تيسير التحرير ٢/ ٢١٢، حاشية البناني ١/ ١٧٩، فواتح الرحموت ١/ ٦٦، المعتمد ١/ ٨٧". وفي ز ب: يسقط. ٦ انظر مناقشة هذه الأقوال في "شرح العضد وحاشية التفتازاني ١/ ٢٣٥ وما بعدها، نهاية السول ١/ ٩٧، ١٠٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ١٧٧ وما بعدها، المستصفى ١/ ٦٨، المعتمد ١/ ٩١". ٧ في ب ض: و. ٨ انظر: المسودة ص٢٧، فواتح ١/ ٦٦، اللمع ص٩. ٩ في ز ع ب ض: النسك. ١٠ في ش: يخير فيه بلفظه. ١١ في ب ض: معناه.
[ ١ / ٣٨٢ ]
"وَ" إذَا عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ الْمُكَلَّفِ فِيهَا١، "إنْ٢ كَفَّرَ بِهَا" كُلِّهَا، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ "مُتَرَتِّبَةً٣" أَيْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ "فَالْوَاجِبُ الأَوَّلُ" أَيْ الْمُخْرَجُ أَوَّلًا إجْمَاعًا، لأَنَّهُ الَّذِي أَسْقَطَ الْفَرْضَ. وَاَلَّذِي بَعْدَهُ لَمْ يُصَادِفْ وُجُوبًا فِي الذِّمَّةِ.
"وَ" إنْ أَخْرَجَ الْكُلَّ "مَعًا" أَيْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. قَالَ٤ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَصَوَّرَهَا أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "شَرْحِ اللُّمَعِ"٥: بِأَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ يَوْمٌ وَوَكَّلَ فِي الإِطْعَامِ وَالْعِتْقِ. ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَأَوْلَى مِنْهَا٦ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِأَنْ يُوَكِّلَ شَخْصًا يُطْعِمُ، وَشَخْصًا يَكْسُو وَيَعْتِقُ، هُوَ٧ فِي آنٍ وَاحِدٍ، أَوْ٨ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْكُلِّ، وَتُفْعَلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، "أُثِيبَ ثَوَابَ وَاجِبٍ عَلَى أَعْلاهَا فَقَطْ٩"؛ لأَنَّهُ لا يُنْقِصُهُ مَا انْضَمَّ١٠ إلَيْهِ وَ١١ تَرْجِيحُ الأَعْلَى، لِكَوْنِ الزِّيَادَةِ فِيهِ لا يَلِيقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى تَضْيِيعُهَا عَلَى
_________________
(١) ١ في ز: بها. ٢ في ش: و"إن. ٣ في ش: مترتبة. ٤ في ش: قاله. ٥ قال الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" ص٩: فالحواجب منها واحدّ غير معين، فأيها فعل فقد فعل الواجب، وإن فعل الجميع سقط الفرض عنه بواحد منها، والباقي تطوع. ٦ في ش: فيها. ٧ في ش: وهو. ٨ في ش: و. ٩ انظر: القواعد والفوئد الأصولية ص٦٧، المسودة ص٢٨، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٩، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٢. ١٠ في ش: فانضم. ١١ ساقطة من ش.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الْفَاعِلِ مَعَ الإِمْكَانِ وَقَصْدُهَا بِالْوُجُوبِ. وَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ١ آخَرُ٢.
"كَمَا" أَنَّهُ "لا يَأْثَمُ لَوْ تَرَكَهَا" كُلَّهَا "سِوَى بِقَدْرِ" عِقَابِ أَدْنَاهَا "لا نَفْسِ عِقَابِ أَدْنَاهَا فِي قَوْلِ" الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ٣.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَاقَبُ عَلَى نَفْسِ الأَدْنَى، لأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْقُطُ بِهِ٤.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: يُثَابُ عَلَى وَاحِدٍ وَيَأْثَمُ بِهِ٥.
وَقِيلَ: يَأْثَمُ عَلَى وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، كَمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ٦.
"تَنْبِيهٌ٧":
"الْعِبَادَةُ" هِيَ "الطَّاعَةُ٨".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي آخِرِ "الْمُسَوَّدَةِ": "كُلُّ مَا كَانَ طَاعَةً وَمَأْمُورًا بِهِ، فَهُوَ عِبَادَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْعِبَادَةُ:
_________________
(١) ١ ساقطة من ش، وفي ز: بها، ومعنى به أي بالأعلى. ٢ ولأنه لو اقتصر عليه لحصل له بذلك، فإضافة غيره إليه لا تُنقصه. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٩". ٣ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٧، المسودة ص٢٨. ٤ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٨٠. ٥ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٧، الإحكام، الآمدي ١/ ١٠٢. ٦ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٦٧. ٧ في ش: تكفيه. ٨ قال الباجي: العبادة هي الطاعة والتذلل لله تعالى باتباع ما شُرع، قولنا: هي الطاعة يحتمل معنيين، أحداهما: امتثال الأمر، وهو مقتضاه في اللغة، إلا أنه في اللغة واقع على كل امتثالٍ لأمر في طاعة أو معصية، لكننا قد احترزنا من المعصية بقولنا: والتذلل لله تعالى، لأن طاعة الباري تعالى لا يصح أن تكون معصية، والثاني: أن الطاعة إذا أطلقت في الشرع فإنها تقتضي القربة، وطاعة الله تعالى دون طاعة غيره. "الحدود ص٥٨".
[ ١ / ٣٨٤ ]
مَا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا١ النِّيَّةُ٢".
فَدَخَلَ فِي كَلامِ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ، كَتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالنَّجَاسَةِ وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَالأَفْعَالُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ مَعَ النِّيَّةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَلَوْ بِلا نِيَّةٍ٣.
"وَ" أَمَّا "الطَّاعَةُ" فَهِيَ "مُوَافَقَةُ الأَمْرِ" أَيْ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وِفَاقِ الأَمْرِ بِهِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الإِرَادَةِ.
"وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَتُهُ" أَيْ مُخَالَفَةُ الأَمْرِ بِارْتِكَابِ ضِدِّ مَا كُلِّفَ بِهِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الإِرَادَةِ٤.
"وَكُلُّ قُرْبَةٍ" وَهِيَ مَا قُصِدَ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَفْقِ أَمْرِهِ أَوْ نَهْيِهِ "طَاعَةٌ، وَلا عَكْسَ٥" أَيْ وَلَيْسَ كُلُّ طَاعَةٍ قُرْبَةً، لاشْتِرَاطِ الْقَصْدِ فِي الْقُرْبَةِ٦ دُونَ الطَّاعَةِ٧، فَتَكُونُ الْقُرْبَةُ أَخَصَّ مِنْ الطَّاعَةِ٨. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ كذا في المسودة وز، وفي ش د ع ب ض: شرطه. ٢ المسودة ص٥٧٦، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٢، أصول السرخسي ١/ ٩٧. ٣ انظر: المسودة ص٤٣، وقال الجرجاني عن المحرم: وحكمه الثواب بالترك لله تعالى، والعقاب بالفعل. "التعريفات ص١٨١". ٤ انظر: المسودة ص٥٧٦، التعريفات للجرجاني ص١٤٥، كشاف اصطلاحات الفنون ٤/ ٩١٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٢، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٣-٢٢٤، الأربعين ص٢٤٦. ٥ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٢. ٦ في ش: الطاعة. ٧ في ش: القربة. ٨ انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٤/ ٩١٥.
[ ١ / ٣٨٥ ]