"فَصْلُ"
الْقِرَانِ: أَنْ١ يَقْرُنَ الشَّارِعُ٢ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَفْظًا" أَيْ فِي اللَّفْظِ "لا يَقْتَضِي" ذَلِكَ الْقُرْآنِ٣ "تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا" أَيْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ "حُكْمًا فِي غَيْرِ" الْحُكْمِ "الْمَذْكُورِ إلاَّ بِدَلِيلٍ" مِنْ خَارِجٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ٤، وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ" ٥ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشَّرِكَةِ٦.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لا يَلْزَمُ مِنْ تَنَجُّسِهِ٧ بِالْبَوْلِ تَنَجُّسُهُ٨ بِالاغْتِسَالِ.
_________________
(١) ١ في ض ع: بأن. ٢ في ب: الشرع. ٣ ساقطة من ش. ٤ انظر: المسودة ص١٤٠، التبصرة ص٢٢٩، التمهيد ص٧٥، اللمع ص٢٥، جمع الجوامع ٢/١٩، أصول السرخسي ١/٢٧٣، مختصر البعلي ص١١٣. ٥ روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبغوي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه"، ورواه الترمذي والنسائي بلفظ: "ثم يتوضأ منه" وروى مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ف قال: كيف يفعل با أبا هريرة؟ قال "يتناوله تناولًا". "انظر: صحيح البخاري ١/٥٤، صحيح مسلم ١/٢٣٥، ٢٣٦، سنن أبي داود ١/١٧، تحفة الأحوذي ١/٢٢٢، سنن النسائي ١/٤٤، ١٠٣، سنن ابن ماجه ١/١٢٤، ١٩٨، مختصر سنن أبي داود ١/٧٥، شرح السنة ٢/٦٦، الفتح الكبير ٣/٣٥٢، إحكام الأحكام ١/٦٢". ٦ انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/١٩، المسودة ص١٤٠. ٨ ٧ في ش ز: تنجسه.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وَمِنْ الدَّلِيلِ أَيْضًا: قَوْلُهُ ﷾ ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١ فَعَطَفَ وَاجِبًا عَلَى مُبَاحٍ، لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الشَّرِكَةِ وَعَدَمُ دَلِيلِهَا٢.
وَخَالَفَ أَبُو يُوسُفَ وَجَمْعٌ. لأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ٣، نَحْوُ. قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٤ فَلِذَلِكَ لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ، لأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ دُخُولُهُ فِي الزَّكَاةِ لَكَانَ فِيهِ عَطْفٌ وَاجِبٌ عَلَى مَنْدُوبٍ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ مَنْدُوبَةٌ٥ اتِّفَاقًا٦.
وَضَعُفَ بِأَنَّ الأَصْلَ فِي اشْتِرَاكِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: إنَّمَا هُوَ فِيمَا ذَكَرَ، لا فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ، وَ٧ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ الْعَامَّيْنِ٨ إذَا عُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، وَخُصَّ أَحَدُهُمَا: لا يَقْتَضِي٩ تَخْصِيصَ١٠ الآخَرِ١١،
_________________
(١) ١ الآية ١٤١ من الأنعام. ٢ انظر: اللمع ص٢٥. ٣ وهو قول المزني من الشافعية. "انظر: جمع الجوامع ٢/١٩، التبصرة ص٢٢٩، اللمع ص٢٥، فتح الغفار ٢/٥٨، مختصر البعلي ص١١٣، المسودة ص١٤٠". ٤ الآية ٤٣ من البقرة. ٥ في ب: مندوبة عليه. ٦ انظر: أصول السرخسي ١/٢٧٣، فتح الغفار ١/٥٩. ٧ ساقطة من ب. ٨ في د ض: العاملين. ٩ في ع: يقضي. ١٠ في ع: بتخصيص. ١١ سيذكر المصنف هذه المسألة في الصفحة ٢٦٢، وسيكررها في آخر بحث الخاص، وبين الشوكاني سبب تكرار هذه المسألة في العام والخاص فقال: "فهذه المباحث لها تعلق بالعام وتعلق بالخاص" "إرشاد الفحول ص١٥٩".
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ أَيْضًا بِقَوْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ "وَاَللَّهِ لأقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ "١.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ لِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ بِأَنَّهَا قَرِينَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى٢، وَرَدَ الدَّلِيلُ٣ وَقَرِينُهُ٤ فِي الأَمْرِ بِهَا٥.
وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ ٦ قَالَ: فَعَطْفُ اللَّمْسِ عَلَى الْغَائِطِ مُوجِبٌ٧ لِلْوُضُوءِ٨، قَالَ: وَخَصَّصَهُ٩ أَحْمَدُ بِالْقَرِينَةِ، وذَكَرَ١٠ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ النَّجْوَى١١ وقَوْله
_________________
(١) ١ هذا جزء من حديث طويل رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. "انظر: صحيح البخاري ١/١٦٧ المطبعة العثمانية، صحيح مسلم بشرح النووي ١/٢٠٧، سنن أبي داود ١/٣٥٦، تحفة الأحوذي ٧/٣٢٦، سنن النسائي ٥/١١، ٧/٧١، مسند أحمد ٢/٥٢٨، ١/١٩، ٤٨". وانظر: التبصرة ص٢٢٦، أصول السرخسي ١/٣٧٣. ٢ انظر: التبصرة ص٢٣٠. ٣ في ش ز: ورد الدليل. ٤ في ع: وقرينته. وفي ش: وقرينه. ٥ وضح الشيرازي الرد على الاستدلال بقول أبي بكر ﵄ فقال: "والجواب أن أبا بكر ﵁ أراد: لا أفرق بين ما جمع الله في الإيجاب بالأمر، وكذلك ابن عباس أراد أنها لقرينة الحج في الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، فكان الاحتجاج في الحقيقة يظاهر الأمر، لا بالاقتران" "التبصرة ص٢٣٠". ٦ الآية ٦ من المائدة. ٧ في ش: يوجب. ٨ في ز ش ض: الوضوء. ٩ في ض ع ب: وخصص. ١٠ في ش ز ع ب: فذكر. ١١ وهي آيات النجوى في سورة المجادلة ٨-١٠: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ والآيتان ١٢/١٣ من المجادلة.
[ ٣ / ٢٦١ ]
تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ١ ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾ ٢ فَلا بَأْسَ، اُنْظُرْ إلَى آخِرِ الآيَةِ٣.
"وَلا يَلْزَمُ مِنْ إضْمَارِ شَيْءٍ فِي مَعْطُوفٍ " عَلَى شَيْءٍ "أَنْ يُضْمَرَ" ذَلِكَ الشَّيْءُ "فِي مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ" ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ حَمْدَانَ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْقَاضِي وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ٤.
وَتَرْجَمَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا فِي الْمَتْنِ هِيَ تَرْجَمَةُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ، وَتَرْجَمَهَا الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ بِقَوْلِهِمْ "عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ٥ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ "٦
_________________
(١) ١ الآية ٢٨٢ من البقرة. ٢ الآية ٢٨٣ من البقرة، وجاء في جميع النسخ: وإذا. ٣ وتتمة الآيتين: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ البقرة ٢٨٢-٢٨٣. ٤ انظر هذه المسألة في "المستصفى ٢/٧٠، الإحكام للآمدي ٢/٢٥٨، المحصول ج١ ق٢/٦٢٣، ج١ ق٣/٣٠٢، نهاية السول ٢/١٦٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٢، ١/٤٢٤، شرح تنقيح الفصول ص٢٢٢، المعتمد ١/٣٠٨، مختصر البعلي ص١١٣، المسودة ص١٤٠، مختصر ابن الحاجب ٢/١٢٠، فواتح الرحموت ١/٢٩٨، تيسير التحرير ١/٢٦١، إرشاد الفحول ص١٣٩، اللمع ص٢٥، مباحث الكتاب والسنة ص١٥٥". ٥ في ش ز: العام على الخاص. ٦ وترجم هذه المسالة البعلي وغيره بلفظ: "رجوع الضمير إلى بعض العام المتقدم لا يخصصه عند أكثر أصحابنا والشافعية "مختصر البعلي ص١٢٤"، ويلاحظ في هذه الترجمة مراعاتها لفصل الخاص والتخصيص، وهي ما سيذكرها المصنف في آخر فصل الخاص صفحة ٣٨٩. "وانظر: نهاية السول ٢/١٦٢، شرح تنقيح الفصول ص٢٢٢، جمع الجوامع ٢/٣٢، المحصول ج١ ق٣/٢٠٥".
[ ٣ / ٢٦٢ ]
وَمَثَّلَ الْفَرِيقَانِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ "لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ" ١.
وَالْخِلافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ، مَعَ الاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ يُقَدِّرُونَ تَتْمِيمًا٢ لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ لَفْظًا عَامًّا، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي مُتَعَلِّقِهِ، فَيَكُونُ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣ فَيُقَدَّرُ: وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ٤، إذْ لَوْ قَدَّرَ خَاصًّا - وَهُوَ وَلا ذُو٥ عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ- لَزِمَ التَّخَالُفُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، وَيَكُونُ٦ تَقْدِيرًا بِلا دَلِيلٍ، بِخِلافِ مَا لَوْ قَدَّرَ عَامًّا، فَإِنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ٧ عَلَيْهِ مِنْ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُخَصَّصُ
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بهذا اللفظ عن علي ﵁، ورواه الترمذي وابن ماجه عن علي وعمرو بن شعيب بدون الزيادة الأخيرة. "انظر: مسند أحمد ١/١١٩، ١٢٢، ٢/١٨٠، ١٩٢، سنن أبي داود ٢/٤٨٨، سنن النسائي ٨/٢١، تحفة الأحوذي ٤/٦٦٩، سنن ابن ماجه ٢/٨٨٧، ٨٨٨". قال المناوي: "تنبيه: هذا الحديث روي بزيادة، ولفظه: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده"، يعني بكافر حربي للإجماع على قتله بغير حربي، فقال الحنفي يقدر الحبي في المعطوف عليه لوجوب الاشتراك بين المعطوفين في صفة الحكم، فلا ينافي ما قال به من قتل المسلم بذمي، وقد مثل "بهذه الزيادة" أهل الصول للأصح عندهم أن عطف الخاص على العام كعكسه لا يخصص، فقوله: "ولا ذو عهد في عهده" يعني بكافر حربي للإجماع على قتله بغير الحربي، "فيض القدير ٦/٤٥٣". وانظر: المسودة ص١٤٠. ٢ في ش: تتمتها. ٣ الآية ٢٨٥ من البقرة. ٤ انظر: المسودة ص١٤٠. ٥ في ز ض: ذوا، وفي ب: وذو. ٦ في ز ض ع ب: وأن يكون. ٧ ساقطة من ز.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
الْعُمُومُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْحَرْبِيِّ. بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَهُوَ الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهَدَ لا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ، وَيُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ وَالذِّمِّيِّ١.
قَالُوا: وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يُخَصَّصَ الْعَامُّ الْمَذْكُورُ، أَوْ لا لِيَتَسَاوَيَا٢. فَيَصِيرُ: لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو٣ عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ٤.
وَأَمَّا أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: فَإِذَا قَدَّرُوا فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنَّمَا يُقَدِّرُونَ خَاصًّا. فَيَقُولُونَ: وَلا ذُو٥ عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ٦، لأَنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّمَا هُوَ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ بِلا زِيَادَةٍ، وَفِي التَّقْدِيرِ "بِحَرْبِيٍّ" كِفَايَةٌ وَلا يَضُرُّ تَخَالُفُهُ مَعَ الْمَعْطُوفِ
_________________
(١) ١ وخلاصة الخلاف أن الجمهور يرون أن التعاطف بين الكلمتين ل يقتضي لأكثر من اشتراكها في أصل الحكم، وقال الحنفية: إن عموم المعطوف عليه يسري إلى معطوفه عن طريق التبعية، وبناء عليه قال الجمهور في الحديث: إن كلمة "كافر" في الجملة عامة تعم الذمي والحربي، وإذا قتل المسلم ذميًا أو حربيًا فلا يقتل به، وأن الجملة الثانية معطوفة عليه، ولا علاقة لها بعمومها ومعناها: أنه لا يجوز قتل المعاهد مادام غير خارج على عهده، فالأولى عامة، والثانية خاصة. وقال الحنفية: العطف يسوي بين المعطوف والمعطوف عليه في العموم، ولا يصح العموم في الحديث في المعطوف لأنها تصبح "ولا يقتل ذو عهد بعهده بقتل كافرٍ ذميًا كان أو حربيًا" وهذا غير صحيح، لأن المعاهد لا يقتل بقتله الكافر الحربي، ولكن يقتل باتفاق بقتله الكافر الذمي، ولذلك قال الحنفية: "إن الفقرة الثانية خصصت بدليل آخر، ويجب تخصيص الجملة الأولى مثلها للتساوي بينهما، ويخصص العام الأول، فيصير "لا يقتل مسلم بكافر حربي". "انظر: الإحكام للآمدي ٢/٢٥٨، المحلي على جمع الجوامع ١/٣٢، ٤٢٤، نهاية السول ٢/١٦٣، شرح تنقيح الفصول ص٢٢٢، المعتمد ١/٣٠٨، المحصول ج١ ق٣/٢٠٦، العضد على ابن الحاجب والتفتازاني عليه ٢/١٢٠، ١٢١، المسودة ص١٤٠، فواتح الرحموت ١/٢٩٨، تيسير التحرير ١/٢٦١، إرشاد الفحول ص١٣٩، مباحث الكتاب والسنة ص١٥٥". ٢ في ز: يتساويا، وفي ض" فيتساويا، وفي ش: يتساويان. ٣ في ز: ذوا. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ض: ذوا. ٦ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/٤٢٤، تيسير التحرير ١/٢٦٢، فواتح الرحموت ١/٢٩٨، شرح تنقيح الفصول ص٢٢٢.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، إذْ لا يُشْتَرَطُ إلا١ اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ، وَهُوَ هُنَا: مَنْعُ الْقَتْلِ بِمَا ذَكَرَ. أَوْ٢ بِمَا يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لا فِي كُلِّ الأَحْوَالِ٣: وَهُوَ قَوْلُهُ ﷾ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ٤ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ٥ بِالرَّجْعِيَّاتِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمُطَلَّقَاتُ بِالْعُمُومِ٦.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ، اهـ٧.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ض: ذكروا و، في ع: يذكر أو، في ب: ذكر و. ٣ أجاب القرافي على استدلال الحنفية بالحديث فقال: "والجواب عنه من أربعة أوجه، أحدها أنا نمنع أن الواو عاطفة، بل هي للاستئناف، فلا يلزم التشريك، وثانيها: سلمناه لكن العطف يقتضي التشريك في أصل الحكم دون توابعه..، وثالثها: بل معناه التنبيه على السببية فإنها "في عهده" للسببية..، ورابعها: أن معناه نفي الوهم عما يعتقد أن المعاهدة كعقد الذمة يدوم، وتكون "في" على هذا للظرفية" "شرح تنقيح الفصول ص٢٢٣ باختصار". "وانظر: المعتمد ١/٢٠٩، المحصول ج١ ق٣/٣٠٦". ٤ الآية ٢٢٨ من البقرة. ٥ في ش ع: يختص. ٦ العموم في أول الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ الآية، فلفظ "المطلقات" عام للبائن والرجعية، وتجب العدة عليهما، ويلزم من ذلك أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ يشملن بعل البائن وبعل الرجعية، وهذا غير صحيح، لأن البائن لا يحق لبعلها أن يردها ويراجعها، فدل على أن الضمير مع المعطوف خاص بالرجعية، مع أنه في المعطوف عليه عام في البائن والرجعية، لأن العطف لا يقتضي المشاركة في الحكم عند الجمهور، وقال الحنفية وابن الحاجب: "إن الضمير في المعطوف "وبعولتهن" عام لكنه خص بدليل منفصل". "انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/١٢١، المستصفى ٢/٧١، الإحكام للآمدي ٢/٢٥٨، المحصول ج١ ق٢/٦٣٤، شرح تنقيح الفصول ص١٩١، فواتح الرحموت ١/١٩٩، تيسير التحرير ١/٣٢٠، مختصر البعلي ص١٢٤، اللمع ص٢٥". وسوف يذكر المصنف هذه الآية والمسالة في نهاية بحث التخصيص. ٧ ساقطة من ض ع.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى الْعَامِّ وَصِيَغِ الْعُمُومِ، وَكَانَ يَلْحَقُهُ التَّخْصِيصُ ذَكَرَهُ١ عَقِبَهُ٢ فَقَالَ:
_________________
(١) ١ في ض ب: ذكر. ٢ في ش: عقبة.
[ ٣ / ٢٦٦ ]