قَالَ فِي الْبَدْرِ١ الْمُنِيرِ: "بَاحَ الشَّيْءُ بَوْحًا - مِنْ بَابِ قَالَ- ظَهَرَ، وَيَتَعَدَّى بِالْحَرْفِ، فَيُقَالُ: بَاحَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَبِالْهَمْزَةِ أَيْضًا، فَيُقَالُ: أَبَاحَهُ، وَأَبَاحَ الرَّجُلُ مَالَهُ: أَذِنَ فِي الأَخْذِ٢ وَالتَّرْكِ، وَجَعَلَهُ مُطْلَقَ الطَّرَفَيْنِ، وَاسْتَبَاحَهُ النَّاسُ: أَقْدَمُوا٣ عَلَيْهِ"٤.
"وَشَرْعًا" أَيْ وَ٥ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "مَا" أَيُّ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ "خَلا مِنْ مَدْحٍ وَذَمٍّ".
فَخَرَجَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ: لأَنَّ كُلًاّ مِنْ الأَرْبَعَةِ لا يَخْلُو مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، إمَّا فِي الْفِعْلِ، وَإِمَّا٦ فِي التَّرْكِ.
وَقَوْلُهُ "لِذَاتِهِ"٧ مُخْرِجٌ لِمَا تَرَكَ بِهِ حَرَامًا. فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْحَرَامِ، وَمُخْرِجٌ أَيْضًا لِمَا تَرَكَ بِهِ وَاجِبًا، فَإِنَّهُ يُذَمُّ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، فَلا يَكُونُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ لِذَاتِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ٨.
_________________
(١) ١ كذا في جميع النسخ، والصواب: المصباح. ٢ في ش: الأخذ منه. ٣ في ز: قدموا. ٤ المصباح المنير ١/ ١٠٥، وانظر: القاموس المحيط ١/ ٢٢٤. ٥ ساقطة من ع. ٦ في ع: أو. ٧ في ش "لذاته"، مما يشعر أنها من الشرع وليست من المتن. ٨ انظر في تعريف المباح، "الحدود للباجي ص٥٥-٥٦، نهاية السول ١/ ٦١، جمع الجوامع ١/ ٨٣، إرشاد الفحول ص٦، المستصفى ١/ ٦٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٥، المسودة ص٥٥٧، الروضة ص٢١، مختصر الطوفي ص٢٩، شرح تنقيح الفصول ص٧١".
[ ١ / ٤٢٢ ]
"وَهُوَ" أَيْ وَ١ الْمُبَاحُ "وَوَاجِبٌ نَوْعَانِ" مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ جِنْسٍ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ "لِلْحُكْمِ" مَجَازًا٢.
وَقِيلَ: إنَّ الْمُبَاحَ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّ الْمُبَاحَ وَالْوَاجِبَ مَأْذُونٌ فِيهِمَا. وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ بِفَصْلِ٣ "الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ"، وَالْمَأْذُونُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ٤. فَيَكُونُ جِنْسًا٥ لَهُ٦.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ فَصْلَ٧ الْمُبَاحِ، لأَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ هُوَ الْمَأْذُونُ٨ فَقَطْ٩، بَلْ الْمَأْذُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ، وَالْمَأْذُونُ بِهَذَا الْقَيْدِ: لا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، بَلْ يَكُونُ مُبَايِنًا لِلْوَاجِبِ١٠.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ١١ فِي "شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ": وَالْحَقُّ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ. وَذَلِكَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ض. ٢ انظر: مختصر ابن الحاجب وشرح العضد ٢/ ٦، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٥، المستصفى ١/ ٧٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٢، فواتح الرحموت ١/ ١١٣. ٣ في ش: بفعل. وانظر: الإحكام: ١/ ١٢٥. ٤ في ز: وغيره بل يكون مبينًا للواجب. ٥ في ش: جنسيًا. ٦ انظر: شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦، الإحكام، للآمدي ١/ ١٢٥، المستصفى ١/ ٧٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٢، فواتح الرحموت ١/ ١١٣. ٧ في ش: فعل. ٨ في ب: فصل المأذون. ٩ في ز: فقط فلا شك أنه مشترك بين الواجب وغيره فيكون جنسًا. ١٠ انظر: شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٥، المستصفى ١/ ٧٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨. ١١ هو محمد بن محمود بن محمد بن عباد العجلي، الملقب بشمس الدين الأصفهاني، أبو عبد الله، ولد بأصفهان ثم رحل إلى بغداد فتعلم فيها، ودرس بمصر، وتولى القضاء فيها، وكان =
[ ١ / ٤٢٣ ]
لأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْمُبَاحِ الْمَأْذُونُ فَقَطْ، فَلا شَكَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ جِنْسًا. وَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُبَاحِ الْمَأْذُونُ، مَعَ عَدَمِ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ، فَلا شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ نَوْعًا مُبَايِنًا لِلْوَاجِبِ، ١ وَلا يَكُونُ ١ جِنْسًا٢.
"وَلَيْسَ" الْمُبَاحُ "مَأْمُورًا بِهِ" عِنْدَ الأَرْبَعَةِ٣. وَخَالَفَ الْكَعْبِيُّ٤ وَمَنْ تَبِعَهُ٥.
وَجْهُ قَوْلِ الأَرْبَعَةِ: أَنَّ الأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ الْفِعْلِ، ٦ وَلا تَرْجِيحَ فِي ٦ الْمُبَاحِ٧.
_________________
(١) = إمامًا متكلمًا فقيهًا أصوليًا أدبيًا شاعرًا، منطقيًا ورعًا متدينًا كثير العبادة والمراقبة، صنف في المنطق والخلاف وأصول الفقه، شرح "المحصول" للإمام الرازي، وهو شرح حافل، وله "غاية المطلب" في المنطق، وكتاب "القواعد" في العلوم الأربعة: علم أصول الفقه وأصول الدين والخلاف والمنطق، وشرح "مختصر ابن الحاجب" وشرح "الطوالع والتجريد" في علم الكلام، وشرح "منهاج الأصول" للبيضاوي في الأصول، توفي سنة ٦٨٨هـ بالقاهرةز انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٧/ ١٠٠، شذرات الذهب ٥/ ٤٠٦، الفتح المبين ٢/ ٩٠، فهارس المكتبة الأحمدية بتونس، حسن المحاضرة ١/ ٥٤٢، بغية الوعاة ١/ ٢٤٠". ١ في ش ع ب ض: فلم يكن. ٢ وهذا ما ايده الامدي فقال: "وعلى كل تقدير فالمسألة لفظية، وهي محل الاجتهاد، "الإحكام ١/ ١٢٦" وهو رأي ابن عبد الشكور أيضًا. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ١١٣". ٣ انظر: المستصفى ١/ ٧٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٦، الإحكام، الآمدي ١/ ١٢٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦، الروضة ص٢٣، مختصر الطوفي ص٢٩، نهاية السول ١/ ١٤٠، مناهج العقول ١/ ١٤٠، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٢، فواتح الرحموت ١/ ١١٣. ٤ هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعْبي، البلْخي، أبو القاسم، وهو رأس طائفة من المعتزلة، تسمى الكعبية، له آراء خاصة في علم الكلام والأصول، وله مؤلفات في علم الكلام، توفي سنة ٣١٩هـ. وقال ابن خلكان وابن كثير: ٣١٧هـ. "انظر: وفيات الأعيان ٢/ ٢٤٨، شذرات الذهب ٢/ ٢٨١، البداية والنهاية ١١/ ٢٨٤، الفتح المبين ١/ ١٧٠". ٥ في ش: وافقه وتبعه. ٦ في ش: لا ترجيح. ٧ انظر: شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧، الإحكام، للأمدي ١/ ١٢٥، المستصفى ١/ ٧٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨.
[ ١ / ٤٢٤ ]
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَمِنْ الْعَجَبِ ١ مَا حُكِيَ عَنْ الْكَعْبِيِّ وَ١ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ بُرْهَانٍ وَالآمِدِيِّ٢: مِنْ إنْكَارِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ أَصْلًا، وَهُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ٣.
"وَلا مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْمُبَاحِ "فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ"٤ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ،
_________________
(١) ١ في ز: ما حكى الكعبي عن. وفي ع ب ض/ ما حكى عن الكعبي. ٢ قال الآمدي: "وقد اعترض عليه "على الكعبي" من لا يعلم غور كلامه"، ثم قال: "وبالجملة وإن استبعده من استبعده فهو في غاية الغوص والإشكال، وعسى أن يكون عند غيري حله" "الإحكام ١/ ١٢٤، ١٣٥"، وقد اعتبر ابن السبكي والمحلي وابن الحاجب أن الخلاف لفظي بناء على توجيه الكعبي لمذهبه "جمع الجوامع، والمحلي عليه ١/ ١٧٣، مختصر ابن الحاجب ١/ ٦" وانظر: تيسير التحرير ٢/ ٢٢٧، نهاية السول ١/ ١٤٢، وقال المجد بن تيمية: "وقوّي ابنْ بَرْهان مذهبه "الكعبي" بناء على تقدير صحة من قال: إن النهي عن الشيء ذي الأضداد أمر بواحد منها، ورد الجوني عليه هذا الأصل، وهذا لا إشكال فيه" "المسودة ص٦٥". ٣ أجمعت الأمة على انقسام الأحكام الشرعية إلى إيجاب وندب وإباحة وكراهية وتحريم، فمنكر المباح يكون خارقًا للإجماع، وأوَّل الكعبي الإجماع بأنه إجماع على وجود المباح باعتبار الفعل في ذاته، مع قطع النظر عما يستلزمه ويحصل به: من ترك حرام، أما ما يلزم عن الفعل من ترك حرام فلا إجماع فيه. واحتج الكعبي بأن كل فعل يوصف بالإباحة يكون وسيلة لترك الحرام، وذلك بالاشتغال به، وترك الحرام واجب، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وردّ عليه: بأن المباح ليس هو نفس ترك الحرام، وإنما هو شيء يترك به الحرام، مع إمكان ترك الحرام بغيره، فهو أخص من ترك الحرام، وأنَّ كلام الكعبي يترتب عليه أن يكون المندوب واجبًا، لأنه يشغل به عن الحرام، وأن يكون الحرام واجبًا، إذا شغل به عن حرام آخر، وأن يكون الواجب حرامًا إذا شغل به عن واجب آخر. "انظر: المسودة ص٦٥، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦، الإحكام، الآمدي ١/ ١٢٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٦، نهاية السول ١/ ١٤٢، المستصفى ١/ ٧٤، فواتح الرحموت ١/ ١١٤". ٤ هذا الحكم فرع عن أصل مختلف فيه بين أهل السنة والمعتزلة، وهو: هل المباح حكم شرعي؟ قالت المعتزلة: الإجابة ليست حكمًا شرعيًا، بل حكم عقلي، لأن المباح ما انتفى الحرج =
[ ١ / ٤٢٥ ]
فَإِنَّهُ قَالَ: "الْمُبَاحُ هُوَ١ كُلُّ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِفَاعِلِهِ، لا ثَوَابَ لَهُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا عِقَابَ فِي تَرْكِهِ".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ فِعْلِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ٢.
"وَيُسَمَّى" الْمُبَاحُ "طِلْقًا وَحَلالًا"٣.
قَالَ فِي "الْقَامُوسِ": "الطِّلْقُ: الْحَلالُ"٤.
وَقَالَ٥ فِي الْبَدْرِ٦ الْمُنِيرِ: "وَشَيْءٌ طِلْقٌ - وِزَانُ حِمْلٍ- أَيْ حَلالٌ٧. وَافْعَلْ هَذَا طَلْقًا لَكَ: أَيْ حَلالًا٨، وَيُقَالُ: الطِّلْقُ الْمُطْلَقُ، الَّذِي يَتَمَكَّنُ
_________________
(١) = عن فعله وتركه، وذلك ثابت قبل ورود الشرع، ومستمر بعده، فلا يكون حكمًا شرعيًا، ومعنى إباحة الشيء تركه على ما كان قبل الشرع، وقال أهل السنة، الإباحة حكمٌ شرعيٌ، وهي خطاب الله تعالى بتخيير المكلف بين الفعل وبين الترك مطلقًا، أو خطاب الله تعالى بعدم المدح والذم على فاعله مطلقًا، أو لا ثواب على فعله، ولا عقاب على تركه، وبناء على ذلك فالخطاب موجه إلى المكلفين، أما غير المكلف فلا يوصف فعله بالإباحة، وهذا الاختلاف مع المعتزلة متفرع عن الاختلاف معهم في الحسن والقبيح، ولذلك قال المصنف سابقًا "ص ٣٠٧": "الحسن ما لفاعله، وعكسه"، ثم قال: "ولا يوصف فعل غير مكلف من صغير ومجنون بحسن ولا قبح". "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، الإحكام، للآمدي ١/ ١٢٤، الروضة ص٢١، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٦، شرح تنقيح الفصول ص٧٠، نهاية السول ١/ ٦٣"، وسيذكر الاختلاف مع المعتزلة في ذلك ص٤٢٨. ١ ساقطة من ش. ٢ المسودة ص٥٧٧. ٣ انظر: إرشاد الفحول ص٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، نهاية السول ١/ ٦٣. ٤ القاموس المحيط ٣/ ٢٦٧. ٥ في ع: قال. ٦ كذا في ش ز ع ب ض د: والصواب: المصباح. ٧ في ش: حلال، ويقال: الطلق المطلق. ٨ في ز ع: حلالا لك.
[ ١ / ٤٢٦ ]
صَاحِبُهُ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، فَيَكُونُ: فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، مِثْلُ: الذِّبْحِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ. وَأَعْطَيْته مِنْ طِلْقِ مَالِي: أَيْ مِنْ حِلِّهِ١، أَوْ مِنْ مُطْلَقِهِ٢". انْتَهَى.
"وَيُطْلَقُ" مُبَاحٌ "وَحَلالٌ عَلَى غَيْرِ الْحَرَامِ"٣، فَيَعُمُّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ٤، لَكِنَّ الْمُبَاحَ يُطْلَقُ عَلَى الثَّلاثَةِ، وَالْحَلالَ عَلَى الأَرْبَعَةِ. فَيُقَالُ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ: مُبَاحٌ٥. وَيُقَالُ لِهَذِهِ الثَّلاثَة، وَلِلْمُبَاحِ٦: حَلالٌ، لَكِنْ إطْلاقُ الْمُبَاحِ عَلَى مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ هُوَ الأَصْلُ٧. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا﴾ ٨.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: "وَسَلَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ فِي تَقْسِيمِ الْحُكْمِ، فَقَالَ: الْحُكْمُ قِسْمَانِ: تَحْرِيمٌ وَإِبَاحَةٌ"٩.
وَفِي "تَعْلِيقَةِ" الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: إنَّهَا ثَلاثَةٌ: إيجَابٌ، وَحَظْرٌ، وَإِبَاحَةٌ".
"وَالإِبَاحَةُ: إنْ أُرِيدَ بِهَا خِطَابُ" الشَّرْعِ "فَـ" ـهِيَ "شَرْعِيَّةٌ، وَإِلاَّ"
_________________
(١) ١ في ش: جله. ٢ المصباح المنير ٢/ ٥٧٥. ٣ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، شرح تنقيح الفصول ص٧٠. ٤ في ش: والمباح، ويقال لهذه الثلاثة. ٥ وقد وردت السنة في ذلك، روى أبو داود وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر رصي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". فالطلاق من الحلال الجائز الفعل ولكنه من أشد المكروهات. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧١، سنن ابي داود ٢/ ٣٤٣، سنن ابن ماجة ١/ ٦٥٠، المستدرك ٢/ ١٩٦". ٦ في ز: والمباح. ٧ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧١. ٨ الآية ٥٩ من يونس. ٩ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧٠.
[ ١ / ٤٢٧ ]
أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَدْ بِهَا ذَلِكَ لِتَحَقُّقِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ "فَعَقْلِيَّةٌ" وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ١.
وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. فَقَالُوا: الْمُبَاحُ مَا اقْتَضَى نَفْيَ الْحَرَجِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ قَبْلَ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ٢.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ النِّزَاعَ فِيهِ لَفْظِيٌّ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالإِبَاحَةِ عَدَمُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ: فَلَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، لأَنَّهُ قَبْلَ الشَّرْعِ مُتَحَقِّقٌ وَلا حُكْمَ قَبْلَهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا٣ الْخِطَابُ الْوَارِدُ مِنْ الشَّرْعِ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَهِيَ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ٤.
"وَتُسَمَّى" الإِبَاحَةُ "شَرْعِيَّةً بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، أَوْ" بِمَعْنَى "الإِذْنِ" قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ٥.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي "الرَّوْضَةِ" - لَمَّا قَسَّمَ الأَفْعَالَ-: "وَقِسْمٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِدَلِيلٍ مِنْ أَدِلَّةِ السَّمْعِ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ٦ طَلَبُ فِعْلٍ وَلا تَرْكٍ. فَالْمُكَلَّفُ بِهِ مُخَيَّرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لا حُكْمَ لَهُ٧".
"وَالْجَائِزُ٨ لُغَةً: الْعَابِرُ".
_________________
(١) ١ انظر: الروضة ص٢١، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٦، شرح تنقيح الفصول ص٧٠، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٥، المسودة ص٣٦، المستصفى ١/ ٧٥، الإحكام، الآمدي ١/ ١٢٤، نهاية السول ١/ ٦٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، مختصر الطوفي ص١٩. ٢ المراجع السابقة. ٣ في ش: بالإباحة عدم الفعل عن الحرج. ٤ وهذا ما صرح به الآمدي "الإحكام، له ١/ ١٢٤" وانظر: المسودة ص٣٦، المستصفى ١/ ٧٥. ٥ انظر: المسودة ص٣٦-٣٧. ٦ كذا في الروضة، وفي ش: به، وساقطة من ز ع ب ض. ٧ الروضة ص٢٢، وانظر: المستصفى ١/ ٧٥. ٨ ذكر المصنف الجائز بعد المباح، لأن المباح اسم من أسماء الجائز "شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦".
[ ١ / ٤٢٨ ]
قَالَ فِي الْبَدْرِ١ الْمُنِيرِ: "جَازَ الْمَكَانَ يَجُوزُهُ جَوْزًا وَجَوَازًا. سَارَ فِيهِ، وَأَجَازَهُ بِالأَلِفِ: قَطَعَهُ، وَأَجَازَهُ أَنْفَذَهُ، وَجَازَ الْعَقْدُ وَغَيْرُهُ: نَفَذَ٢ وَمَضَى عَلَى الصِّحَّةِ. وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ أَمْضَيْتُهُ. وَجَعَلْته جَائِزًا نَافِذًا"٣.
"وَ" الْجَائِزُ "اصْطِلاحًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ: "يُطْلَقُ عَلَى مَا لا يَمْتَنِعُ شَرْعًا، فَيَعُمُّ غَيْرَ الْحَرَامِ٤" مُبَاحًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا، أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا.
"وَ" يُطْلَقُ الْجَائِزُ فِي عُرْفِ الْمَنْطِقِيِّينَ عَلَى مَا لا يَمْتَنِعُ "عَقْلًا"٥، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُمْكِنِ الْعَامِّ "فَيَعُمُّ كُلَّ مُمْكِنٍ".
"وَهُوَ" أَيْ وَالْمُمْكِنُ "مَا جَازَ وُقُوعُهُ حِسًّا" أَيْ مَا جَازَ أَنْ يَقَعَ وُقُوعًا يُدْرَكُ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ "أَوْ وَهْمًا" يَعْنِي أَوْ مَا جَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الْوَهْمِ "أَوْ شَرْعًا" يَعْنِي أَوْ مَا جَازَ أَنْ يَقَعَ فِي الشَّرْعِ٦.
"وَ" يُطْلَقُ الْجَائِزُ أَيْضًا "عَلَى مَا اسْتَوَى فِيهِ الأَمْرَانِ شَرْعًا كَمُبَاحٍ، وَ" عَلَى مَا اسْتَوَى فِيهِ الأَمْرَانِ "عَقْلًا٧، كَفِعْلِ صَغِيرٍ".
_________________
(١) ١ كذا في جميع النسخ، والصواب: المصباح. ٢ في ع: نفذه. ٣ المصباح المنير ١/ ١٨٠، وانظر: القاموس المحيط ٢/ ١٧٦. ٤ انظر تعريف الجائز في الاصطلاح الشرعي في "الحدود للباجي ص٥٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، المسودة ص٥٧٧، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦، الإحكام، للآمدي ١/ ١٢٦، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٥". ٥ أي سواء كان واجبًا أو راجحًا أو متساوي الطرفين أو مرجوحًا. "انظر: شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦". ٦ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥. ٧ ما استوى فيه الأمران شرعًا وعقلًا عند المخْبر بجوازه وبالنظر إلى عقله، وإن كان أحدهما في نفس الأمر واجبًا أو راجحًا. "انظر: حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ٦".
[ ١ / ٤٢٩ ]
"وَ" يُطْلَقُ الْجَائِزُ أَيْضًا "عَلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ فِيهِمَا" أَيْ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ١ "بِالاعْتِبَارَيْنِ"٢.
وَالأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْخَمْسَةُ لَهَا نَظَائِرُ مِنْ الأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ، نَظِيرُ٣ الْوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ: ضَرُورِيُّ الْوُجُودِ٤، وَهُوَ الْوَاجِبُ عَقْلًا، وَنَظِيرُ الْمُحَرَّمِ: الْمُمْتَنِعُ، وَنَظِيرُ الْمَنْدُوبِ: الْمُمْكِنُ الأَكْثَرِيُّ، وَنَظِيرُ الْمَكْرُوهِ: الْمُمْكِنُ الأَقَلِّيُّ، وَنَظِيرُ الْمُبَاحِ: الْمُمْكِنُ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ.
"وَلَوْ نُسِخَ وُجُوبُ" فِعْلٍ "بَقِيَ الْجَوَازُ" فِيهِ "مُشْتَرَكًا بَيْنَ نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ"٥ فَيَبْقَى٦ الْفِعْلُ إمَّا مُبَاحًا، أَوْ مَنْدُوبًا. لأَنَّ الْمَاهِيَةَ الْحَاصِلَةَ بَعْدَ النَّسْخِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَيْدَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: زَوَالُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الأَمْرِ.
وَالثَّانِي: زَوَالُ الْحَرَجِ عَنْ التَّرْكِ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ النَّاسِخِ.
وَهَذِهِ الْمَاهِيَّةُ صَادِقَةٌ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، فَلا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِخُصُوصِهِ٧. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَرَجَّحَهُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ. وَحُكِيَ عَنْ الأَكْثَرِ٨.
_________________
(١) ١ انظر استعمال الجائز في معان أخرى في "الحدود للباجي ص٥٩، المسودة ص٥٧٧". ٢ أي باعتبار العقل أو الشرع، وهما استواء الطرفين وعدم الامتناع، يعني في النفس، ولا يجزم بعدمه إذا كان جانب وجوده راجحًا. "انظر: حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٥، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٥". ٣ في ش: نظير. ٤ في ش: الوجوب. ٥ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١٦٣، نهاية السول ١/ ١٣٦، مناهج العقول للبدخشي ١/ ١٣٦، جمع الجوامع ١/ ١٧٤. ٦ في ع: فبقي. ٧ انظر: نهاية السول ١/ ١٣٩، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٧٤. ٨ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١٦٣، المسودة ص١٦، نهاية السول ١/ ١٣٨.
[ ١ / ٤٣٠ ]
وَقَالَ١ الْقَاضِي فِي "الْعُدَّةِ"، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ"، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْوَاضِحِ"، وَابْنُ حَمْدَانَ فِي "الْمُقْنِعِ". يَبْقَى النَّدْبُ٢، لأَنَّ الْمُرْتَفِعَ: التَّحَتُّمُ٣ بِالطَّلَبِ، فَإِذَا زَالَ التَّحَتُّمُ، بَقِيَ أَصْلُ الطَّلَبِ، وَهُوَ النَّدْبُ، فَيَبْقَى الْفِعْلُ مَنْدُوبًا٤.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ٥ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّ الْخِلافَ لَفْظِيٌّ، مِنْهُمْ: ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ٦، وَالْهِنْدِيُّ، لأَنَّا إنْ٧ فَسَّرْنَا الْجَوَازَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ، فَلا شَكَّ أَنَّهُ
_________________
(١) ١ في ش: وقاله. ٢ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، جمع الجوامع ١/ ١٧٥. ٣ في ع: تحتم. ٤ نقل ابن بدران قولا ثالثًا، ورجحه، فقال: وقيل: تبقى الإباحة، وهو مثل القول بالجواز. وهو المختار "المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥". وذهب القاضي أبو يعلى وأبو محمد التميمي، واختاره ابن برْهان والإمام الغزالي والحنفية، إلى أنه لا يدل على الندب أو الإباحة، وإنما يرجع إلى ماكان عليه من البراءة الأصلية، أو الإباحة، أو التحريم، لأن اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز، وإنما الجواز تبع، للوجوب، إذ لا يجوز أن يكون واجبًا لا يجوز فعله، فإذا نسخ الوجوب وسقط، سقط التابع له، وهو نظير قول الفقهاء، إذا بطل الخصوص بقي العموم. "وانظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٦٣، المسودة ص١٦، المستصفى ١/ ٧٣، نهاية السول ١/ ١٣٦، ١٤٠، مناهج العقول ١/ ١٣٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٦". ٥ في ز: فذهب. ٦ هو عبد الله بن محمد بن أحمد، الشريف الحسني، أبو محمد، الإمام العلامة المحقق الحافظ الجليل المتفنن المتقن، أبن الإمام العلامة الجحة النظار أبي عبد الله الشريف التلمساني إمام وقته بلا مدافع، وكان أبوه محمد من أكابر علماء تلمسان ومحققيهم كأبيه، ولد سنة ٧٤٨هـ فنشأ على عفة وصيانة وجدِّ، مرضي الأخلاق، محمود الأحوال، موصوفًا بالنبل والفهم والحذق والحرص على طلب العلم، أخذ عن أبيه، وتوفي غريقًا سنة ٧٩٢هـ أثناء انصرافه من مالقة إلى تلمسان. "انظر: نيل الابتهاج ص١٥٠، شجرة النور الزكية ص٢٣٤، الفكر السامي، للحجوري ٤/ ٨٣"، وفي ش: التلمساني. ٧ ساقطة من ش.
[ ١ / ٤٣١ ]
جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ، فَإِذَا١ رُفِعَ الْوُجُوبُ وَحْدَهُ، فَلا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُهُ. وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِالأَعَمِّ٢، أَوْ بِالإِبَاحَةِ، أَوْ بِالنَّدْبِ: فَخَاصَّتُهَا فِي خَاصَّةِ الْوُجُوبِ. فَلَيْسَ شَيْءٌ٣ مِنْهَا جِنْسًا لِلْوُجُوبِ. فَإِذَا رُفِعَ الْوُجُوبُ لا يُوجَدُ إلاَّ بِدَلِيلٍ يَخُصُّهَا فَلا نِزَاعَ، لأَنَّ الأَقْوَالَ لَمْ تَتَوَارَدْ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ يَخُصُّهَا٤.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ الَّذِي يُعِيدُ٥ الْحَالَ إلَى٦ مَا كَانَ قَبْلَ الإِيجَابِ: مِنْ إبَاحَةٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ كَرَاهَةٍ٧، غَيْرُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حُدُوثِ الإِيجَابِ بَعْدَ ذَلِكَ: أَنْ تَبْقَى إبَاحَةٌ٨ شَرْعِيَّةٌ، أَوْ نَدْبٌ كَمَا قُرِّرَ، حَتَّى يُسْتَدَلَّ أَنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ بِذَلِكَ الأَمْرِ الَّذِي نُسِخَتْ خَاصَّةُ التَّحَتُّمِ٩ بِهِ، وَبَقِيَّةُ مَا تَضَمَّنَتْهُ١٠ بَاقِيَةٌ، فَلا يَكُونُ الْخِلافُ لَفْظِيًّا، بَلْ مَعْنَوِيًّا١١، لأَنَّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ مَجِيءِ أَمْرِ الإِيجَابِ حَرَامًا، وَأُعِيدَ الْحَالُ إلَى ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا. وَمَنْ يَقُولُ: يَبْقَى١٢ الْجَوَازُ، لا يَكُونُ حَرَامًا.
_________________
(١) ١ في ز ع: وإذا. ٢ أي بالمعنى الأعم: وهو الإذن بالفعل "انظر: مناهج العقول ١/ ١٣٧"، وفي ع ب ز ض: بالإباحة أو بالأعم. ٣ في ع: في شيء. ٤ ساقطة من ز ع ض. ٥ في ش: يفيد. ٦ في ع: على. ٧ هذا الجواب بناء على القول الذي ذكرناه سابقًا في "ص٤٣١ هامش ٤" عن القاضي أبي يعلى وأبي محمد التميمي وابن برهان والغزالي والحنفية بعودة الباقي إلى أصله قبل ورود الشرع. ٨ في ع: اباحته. ٩ في ش: التحريم. ١٠ في ش ز ع ب: تضمنه. ١١ انظر: نهاية السول ١/ ١٣٨. ١٢ في ش: ينفي.
[ ١ / ٤٣٢ ]
"وَلَوْ صُرِفَ نَهْيٌ عَنْ تَحْرِيمِ" شَيْءٍ "بَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ" فِيهِ "حَقِيقَةً" عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ١.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "إذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ٢ لَيْسَ لِلْفَسَادِ، لَمْ يَكُنْ مَجَازًا، لأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِبِهِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ عَنْ بَعْضِ مُوجِبِهِ، كَالْعُمُومِ الَّذِي خَرَجَ٣ بَعْضُهُ، بَقِيَ حَقِيقَةً٤ فِيمَا بَقِيَ٥، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ: وَكَذَا إذَا قَامَتْ الدَّلالَةُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ التَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى نَهْيًا حَقِيقَةً عَلَى التَّنْزِيهِ، كَمَا إذَا قَامَتْ دَلالَةُ الأَمْرِ عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ"٦.
_________________
(١) ١ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٥٦، القواعد والفوائد الأصولية ص١٩٣. ٢ في ش: الفساد للنهي. ٣ كذا في جميع النسخ، وفي المسودة: إذا خرج. ٤ كذا في المسودة، وفي ض، وفي بقية النسخ: حقيقته. ٥ في د ض: يقي له. ٦ المسودة ص٨٤.
[ ١ / ٤٣٣ ]