فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ١ هُوَ "قَوْلُ غَيْرِ صَحَابِيٍّ فِي كُلِّ عَصْرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ" وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالْكَرْخِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ٢.
وَخَصَّهُ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ وَكَثِيرٌ مِنْ الأُصُولِيِّينَ بِالتَّابِعِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كِبَارِهِمْ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ، كَعُبَيْدِ اللَّهِ٣ بْنِ عَدِيِّ بْنِ٤ الْخِيَارِ٥ وَكَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ،
_________________
(١) ١ في د ب: الفقهاء والمحدثين. وذكره الشيخ زكريا الأنصاري أنه تعريف الفقهاء والأصوليين. غاية الوصول ص ١٠٤. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٢٣، المستصفى ١/ ١٦٩، نهاية السول ٢/ ٣٢٤، جمع الجوامع ٢/ ١٦٨، مناهج العقول ٢/ ٣٢٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٧٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، غاية الوصول ص ١٠٥، الكافية في الجدل ص ٥٦، الكفاية ص ٢٠، الروضة ص ٦٤، شروح الورقات ص ١٨٨، مختصر الطوفي ص ٦٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٦، إرشاد الفحول ص ٦٤. ٣ في ض: كعبد الله. ٤ ساقطة من ض. ٥ هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، القرشي، ولد في حياة النبي ﷺ. وروى عن عمر وعثمان وعلي، أسلم أبوه يوم الفتح، وكان من فقهاء قريش وعلمائهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من كبار التابعين، وله دار بالمدينة عند دار علي بن أبي طالب. روى له البخاري ومسلم. مات سنة ٩٥ هـ. انظر: ترجمته في "الإصابة ٣/ ٧٤، الاستيعاب ٢/ ٤٣٦، الخلاصة ص ٢٥٢، تهذيب الأسماء ١/ ٣١٣، مشاهير علماء الأمصار ص ٨٣".
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وَكَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ١ حَكِيمِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَكَمَسْرُوقٍ٢، وَكَعْبِ الأَحْبَارِ وَأَشْبَاهِهِمْ. أَوْ مِنْ صِغَارِهِمْ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَلْقَ مِنْ الصَّحَابَةِ إلاَّ الْقَلِيلَ. كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ وَأَبِي حَازِمٍ وَابْنِ شِهَابٍ لَقِيَ عَشَرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ٣.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن ثُوَّب. وقيل: ابن ثواب أو أثوب، وقيل: ابن عبد الله، أبو مسلم الخولاني. ويقال اسمه: يعقوب بن عوف، لكنه اشتهر بكنيته، اليماني الزاهد. رحل إلى النبي ﷺ، فمات ﵊ وهو في الطريق، فكان من سادات التابعين، وصاحب كرامات. وكان من عباد أهل الشام وزهادهم. قال مالك بن دينار: أبو مسلم حكيم هذه الأمة. مات سنة ٦٢ هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ٤٩، الخلاصة ص ٤٦٠، طبقات الحفاظ ص ١٣، مشاهير علماء الأمصار ص ١١٢، المعارف ص ٤٣٩، شذرات الذهب ١/ ٧٠، حلية الأولياء ٥/ ١٢٠، يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٣/ ٧٢٥". ٢ في ض: ومسروق. ٣ يرى الشوكاني أن الخلاف بين التعريفين لفظي واصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن محل الخلاف والكلام والحجية هو الثاني، وهو المرسل عند أكثر المحدثين انظر: إرشاد الفحول ص ٦٤. يقول القرافي: "الإرسال هو إسقاط صحابي من السند، والصحابة كلهم عدول، فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه، فكيف جرى الخلاف؟ جوابه: أنهم عدول إلا عند قيام المعارض، وقد يكون المسكوت عنه منهم عرض في حقه ما يوجب القدح، فيتوقف في قبول الحديث حتى تعلم سلامته عن القادح" "شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٠". ولكن الآمدي والغزالي وابن الحاجب وغيرهم عرفوا المرسل بتعريف الفقهاء والأصوليين، ثم بينوا الاختلاف في حجيته بين الأئمة، بينما قسم البزدوي المرسل إلى أربعة أنواع وبين حكم كل نوع، كما وضح الإمام الشافعي عن المرسل في "الرسالة ص ٤٦٥". وانظر: شرح الورقات ص ١٨٧، غاية الوصول ص ١٠٤، نهاية السول٢/ ٣٢٤، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢٣، المستصفى ١/ ١٦٩، تيسير التحرير ٣/ ٦٨، كشف الأسرار ٣/ ٢، توضيح الأفكار ١/ ٢٨٣، تدريب الراوي ١/ ١٩٥، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٧٤، جمع الجوامع ٢/ ١٦٨، الكفاية ص ٢٠، ٣٨٤، التعريفات للجرجاني ص ١٥، ٢٢١، أصول الحديث ص ٣٢٧.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ١ صِغَارِ التَّابِعِينَ لا يُسَمَّى مُرْسَلًا، بَلْ مُنْقَطِعًا لِكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ لِغَلَبَةِ رِوَايَتِهِمْ عَنْ التَّابِعِينَ.
وَقِيلَ: يُسَمَّى مُرْسَلًا إذَا سَقَطَ مِنْ الإِسْنَادِ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، سَوَاءٌ الصَّحَابِيُّ وَغَيْرُهُ. فَيَتَّحِدُ مَعَ الْمُسَمَّى بِالْمُنْقَطِعِ بِالْمَعْنَى الأَعَمِّ٢.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "فَفِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى٣ مُرْسَلًا. قَالَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَقَطَعَ بِهِ إلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِالإِرْسَالِ مِنْ حَيْثُ الاسْتِعْمَالُ: مَا رَوَاهُ التَّابِعِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا رَوَاهُ تَابِعُ التَّابِعِيِّ فَيُسَمُّونَهُ مُعْضَلًا٤".اهـ.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ سَقَطَ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ٥ يُسَمَّى مُعْضَلًا أَيْضًا.
"وَهُوَ" أَيْ الْمُرْسَلُ "حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ٦ الصَّحَابَةِ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ الْجُمْهُورِ.
_________________
(١) ١ في ش: عن. ٢ وهو تعريف الجويني. وذهب إليه الفقهاء وعلماء الأصول والخطيب البغدادي وجماعة من المحدثين وابن حزم الظاهري. وانظر في تعريف المرسل "اللمع ص ٤١، الورقات وشرحها ص ١٨٧، الحدود للباجي ص ٦٣، التعريفات للجرجاني ص ٢٢١، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٥، شرح نخبة الفكر ص ١١٠، توضيح الأفكار ١/ ٢٨٦، ٣٢٤، الكفاية ص ٢٠، أصول الحديث ص ٣٣٩". ٣ في ب: سمي. ٤ مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧ بتصرف. ٥ في ب: أنه. ٦ في ش ز: كمرسل.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ١.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ التَّابِعِينَ أَجْمَعُوا بِأَسْرِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْمَرَاسِيلِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ إنْكَارُهَا إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ٢.
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: إنْكَارُ كَوْنِهِ حُجَّةً بِدْعَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِقَبُولِهِمْ مَرَاسِيلَ الأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ٣.
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ٤.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٢٣، المستصفى ١/ ١٦٩، نهاية السول ٢/ ٣٢٥، مناهج العقول ٢/ ٣٢٣، جمع الجوامع ٢/ ١٦٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٤، المسودة ص ٢٥٠، ٢٥٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٧٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، كشف الأسرار ٣/ ٢، أصول السرخسي ١/ ٣٦٠، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، المعتمد ٢/ ٦٢٨، اللمع ص ٤١، الروضة ص ٦٤، غاية الوصول ص ٢٦، شرح نخبة الفكر ص ١١٢، قواعد التحديث ص ١٣٤، توضيح الأفكار ١/ ٢٨٧، ٢٩٣، تدريب الراوي ١/ ١٩٨، الكفاية ص ٣٨٤، المجموع ١/ ٦٠، أصول الحديث ص ٣٣٨، إرشاد الفحول ص ٦٤. ٢ قال ابن عبد البر: "كأن ابن جرير يعني أن الشافعي أول من أبى قبول المرسل". ويرد على قول الطبري بما نقله عن الإمام مسلم في مقدمة "صحيحه" عن ابن عباس أنه لم يقبل مرسل التابعين، وما نقله عن ابن سيرين وغيره في المرسل، وما نقله الحاكم عن سعيد بن المسيب ومالك بن أنس وغيرهم بعدم حجية المرسل. "انظر: صحيح مسلم ١/ ١٢ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ١٠٣، كشف الأسرار ٣/ ٤، توضيح الأفكار ١/ ٢٩٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٥، إرشاد الفحول ص ٦٥، معرفة علوم الحديث ص ٢٥ وما بعدها". ٣ انظر أدلة حجية مرسل غير الصحابة في "أصول السرخسي ١/ ٣٦٠ وما بعدها، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢ وما بعدها، كشف الأسرار ٣/ ٤، توضيح الأفكار ١/ ٢٩١، الكفاية ص ٣٩١ وما بعدها، الروضة ص ٩٥". ٤ انظر: توضيح الأفكار ١/ ٢٩٠، ٢٩٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٤، المجموع=
[ ٢ / ٥٧٧ ]
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَنُقَّادِ الأَثَرِ١"، كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ فِي "الْكِفَايَةِ"٢. وَحَكَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ٣. وَهَذَا وَإِنْ قَالَهُ مُسْلِمٌ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، لَكِنْ أَقَرَّهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِيهِ جَهْلًا بِعَيْنِ الرَّاوِي وَضَعْفِهِ٤.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إنْ كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يُرْسِلْ إلاَّ عَنْ عُذْرٍ، وَأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَهُ، وَشُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ عَضَّدَهُ عَمَلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ الأَكْثَرُ أَوْ قِيَاسٌ، أَوْ انْتِشَارٌ، أَوْ عَمَلُ الْعَصْرِ: قُبِلَ، وَإِلاَّ فَلا٥.
_________________
(١) =٦٠ جمع الجوامع ٢/ ١٦٩، تدريب الراوي ١/ ١٩٨، المسودة ص ٢٥٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٧٨، الرسالة للشافعي ص ٤٦٤ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ١/ ١٣٥، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢٣- ١٢٩، المستصفى ١/ ١٦٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، نهاية السول ٢/ ٣٢٤، مناهج العقول ٢/ ٣٢٣، شرح نخبة الفكر ص ١١٠، غاية الوصول ص ١٠٥، الروضة ص ٦٤، مختصر الطوفي ص ٦٩، إرشاد الفحول ص ٦٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٦، أصول الحديث ص ٣٣٨. ١ مقدمة ابن الصلاح ص ٢٦. ٢ الكفاية ص ٣٨٤. ٣ انظر: صحيح مسلم ١/ ٣٠. ٤ وهو قول للشافعي وقول للباقلاني والظاهرية وجمهول المحدثين. قال الشوكاني: فذهب الجمهور إلى ضعفه وعدم قيام الحجة به. وذكر الآمدي أدلة الطرفين وناقشها. وهناك أقوال أخرى في حجية الحديث المرسل وعدم حجيته، منها قول ابن الحاجب: إن كان الراوي من أئمة النقل قبل، وإلا فلا. "انظر: الكفاية ص ٣٨٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٧٤، جمع الجوامع ٢/ ١٦٩، المجموع ١/ ٦٠، تدريب الراوي ١/ ١٦٨، شرح نخبة الفكر ص ١١١، قواعد التحديث ص ١٣٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، أصول السرخسي ١/ ٣٦٠، كشف الأسرار ٣/ ٢، المعتمد ٢/ ٦٢٩، ٦٣٣ وما بعدها، اللمع ص ٤١، شرح الورقات ص ١٨٨، إرشاد الفحول ص ٦٤، نهاية السول ٢/ ٣٢٥". ٥ انظر: الرسالة للشافعي ص ٤٦١ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢٣، نهاية السول ٢/ ٣٢٤، مناهج العقول ٢/ ٣٢٦، جمع الجوامع ٢/ ١٦٩، المجموع ١/ ٦١، المسودة ص ٢٥٠، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٧٤، المعتمد ٢/ ٦٢٩، ٦٣٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، كشف الأسرار ٣/ ٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٠، اللمع ص ٤١، شرح الورقات ص ١٨٩، إرشاد الفحول ص ٦٥، غاية الوصول ص ١٠٥، قواعد التحديث ص ١٣٨، توضيح الأفكار ١/ ٢٨٨، تدريب الراوي ٢/ ١٩٨، أصول الحديث ص ٣٣٩، شرح نخبة الفكر ص ١١٢.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
"وَيَشْمَلُ"١ اسْمُ الْمُرْسَلِ مَا سَمَّوْهُ "مُعْضَلًا وَ" مَا سَمَّوْهُ "مُنْقَطِعًا" ٢.
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ سَمَّوْا مَا رَوَاهُ تَابِعُ٣ التَّابِعِيِّ وَمَا سَقَطَ بَيْنَ رَاوِيَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مُعْضَلًا٤.
وَقَالَ الْقَاضِي٥ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَوْ انْقَطَعَ فِي الإِسْنَادِ وَاحِدٌ، كَرِوَايَةِ تَابِعِ التَّابِعِيِّ عَنْ صَحَابِيٍّ. فَهُوَ مُرْسَلٌ، وَالأَشْهَرُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. اهـ.
_________________
(١) ١ في ض: ويشتمل. ٢ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥، ٢٧، ٢٨، توضيح الأفكار ١/ ٢٨٧، أصول الحديث ص ٣٣٩، ٣٤٠. ٣ في ض: تابعي. ٤ أي يدخل في الحديث المرسل باصطلاح علماء الفقه والأصول المنقطع بالاصطلاح المشهور عند المحدثين، وهو ما سقط من رواته قبل الصحابي راوٍ في موضع واحد. ويدخل المعضل في اصطلاح المحدثين، وهو ما سقط منه اثنان فصاعدًا في موضع واحد. قال النووي: "والمشهور في الفقه والأصول أن الكل مرسل، وبه قطع الخطيب، وهذا اختلاف في الاصطلاح والعبارة". "انظر: تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، معرفة علوم الحديث ص ٢٧، ٣٦، مقدمة ابن الصلاح ص ٢٦، ٢٨، الكفاية ص ٢٠، مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧، ٢٨، شرح نخبة الفكر ص ١١٠، ١١٣، ١١٤، تدريب الراوي ١/ ١٩٥، كشف الأسرار ٣/ ٢، توضيح الأفكار ١/ ٣٢٤". ٥ ساقطة من ض.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: مَنْ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ وَوَقَفَهُ عَلَيْهِ فَمُرْسَلٌ١ أَوْ مُنْقَطِعٌ، وَيُسَمَّى مَوْقُوفًا، وَالْمُنْقَطِعُ سُقُوطُ رَاوٍ فَأَكْثَرَ مِمَّنْ٢ هُوَ دُونَ الصَّحَابِيِّ٣.
وَالانْقِطَاعُ: إمَّا فِي الْحَدِيثِ أَوْ الإِسْنَادِ، عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلامِهِمْ مِنْ الإِطْلاقَيْنِ؛ إذْ مَرَّةً يَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ: مُنْقَطِعٌ، وَمَرَّةً فِي الإِسْنَادِ مُنْقَطِعٌ. فَالْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمُنْقَطِعِ الْمُقَابِلِ لِلْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ. فَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ طَبَقَتَيْنِ فَصَاعِدًا، إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ سُمِّيَ٤ مُعْضَلًا، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعَيْنِ سُمِّيَ٥ مُنْقَطِعًا مِنْ مَوْضِعَيْنِ٦.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَإِذَا رَوَى عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ، فَهُوَ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ انْقَطَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ٧ رَوَى عَنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَمُنْقَطِعٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ فِي أَصْلِ الْمُرْسَلِ. وَمَوْقُوفٌ لِكَوْنِهِ وَقَفَهُ٨ عَلَى شَخْصٍ. فَهُوَ بِهَذِهِ الاعْتِبَارَاتِ لَهُ ثَلاثُ
_________________
(١) ١ في ب: فهو مرسل. ٢ في ب: عمن. ٣ انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧. ٤ في ش ز: يسمى. ٥ في ش ز: يسمى. ٦ قال الشوكاني: "ولا تقوم الحجة بالحديث المنقطع، وهو الذي سقط من رواته واحد ممن دون الصحابة، ولا بالمعضل، وهو الذي سقط من رواته اثنان" "إرشاد الفحول ص ٦٦". وانظر: شرح الورقات ص ١٨٨، غاية الوصول ص ١٠٥، أصول السرخسي ١/ ٣٥٩. ٧ في ض: ما. ٨ في د ب ع ض: وقف.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
صِفَاتٍ. يُسَمَّى مُرْسَلًا بِاعْتِبَارٍ، وَمُنْقَطِعًا عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَوْقُوفًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَقَفَهُ عَلَى شَخْصٍ١.
وَأَمَّا مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ: فَحُجِّيَّةُ غَيْرِ الصَّحَابَةِ٢ مَقِيسَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ مُرْسَلِهِمْ، وَعَلَى حُجِّيَّةِ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ٣ غَيْرُ قَادِحَةٍ لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. وَهَذَا فِي الْغَالِبِ وَإِلاَّ فَقَدْ يَرْوِي عَنْ التَّابِعِيِّ٤.
وَأَمَّا صِغَارُ الصَّحَابَةِ - كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ٥، فَإِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، نهاية السول ٢/ ٣٢٤، مناهج العقول ٢/ ٣٢٣، مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥. ٢ في ض: الصحابي. ٣ في ب ض: بالصحابة. ٤ أجمع الصحابة على قبول الأحاديث التي أرسلها الصحابة، مع علمهم أن بعضهم يروي بواسطة بعض، وقد قال البراء بن عازب: "ما كل ما حدثناكم به سمعناه من رسول الله ﷺ، غير أنا لا نكذب". والصحابي لا يروي إلا عن صحابي مثله، أو عن معلوم العدالة. وقال قوم: لا يقبل مرسل الصحابي إلا أن يُعلم بنصه أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي، لجواز أن يروي عن غير صحابي. "انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، ١٧٥، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، أصول السرخسي ١/ ٣٥٩، الإحكام للآمدي ٢/ ١٢٤، المستصفى ١/ ١٧٠، الإحكام لابن حزم ١/ ١٤٣، الكفاية ص ٣٨٥ وما بعدها، المعتمد ٢/ ٦٣٢، معرفة علوم الحديث ص ١٤، مقدمة ابن الصلاح ص ٢٦، توضيح الأفكار ١/ ٣١٧، قواعد التحديث ص ١٤٣، تدريب الراوي ١/ ٢٠٧، اللمع ص ٤١، الروضة ص ٦٤، شرح الورقات ص ١٩١، المسودة ص ٢٥٩، إرشاد الفحول ص ٩٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٦، مختصر الطوفي ص ٦٨- ٦٩. ٥ هو محمد بن أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان التيمي، أبو القاسم. أمه أسماء بنت عميس. ولدته في طريق المدينة إلى مكة في حجة الوداع، ونشأ في حجر علي بن أبي=
[ ٢ / ٥٨١ ]
النَّبِيِّ ﷺ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ - فَإِنَّ مَرَاسِيلَهُمْ كَمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، لا مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ.
وَهَذَا مِمَّا١ يُلْغَزُ بِهِ. فَيُقَالُ: صَحَابِيٌّ حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ لا يَقْبَلُهُ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ.
_________________
(١) = طالب، لأنه تزوج أمه، وانضم إليه، فكان من كبار أحزابه، وشهد معه الجمل وصفين، ثم أرسله إلى مصر أميرًا سنة ٣٧ هـ، فولي إمارتها لعلي. ثم انهزم أمام عمرو بن العاص في جيش معاوية، وقتل بمصر سنة ٣٨ هـ. وكان علي يثني عليه ويفضله على غيره. وكانت له عبادة واجتهاد. ولما بلغ عائشة قتله حزنت عليه كثيرًا، وتولت تربية ولده القاسم، وكان ممن حضر الدار عند قتل عثمان ﵃ أجمعين. وروى حديثه النسائي وابن ماجه. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٤٧٢، الاستيعاب ٣/ ٣٤٨، الخلاصة ص ٣٢٩، تهذيب الأسماء ١/ ٨٥، حسن المحاضرة ١/ ٢٣٣، ٥٨٣، ٥٨٤". فائدة: وهناك محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أدرك النبي ﷺ هو وأبوه وجده وأبو جده أبو قحافة، أربعتهم، وليست هذه المنقبة لغيره. "انظر: الاستيعاب ٣/ ٣٥٣". ١ في ش: كما.
[ ٢ / ٥٨٢ ]