"فَصْلٌ"
لَمَّا أَنْهَى١ الْكَلامَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى خَمْسَةٍ٢، أَخَذَ يُبَيِّنُ تَعْرِيفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالأَحْكَامِ، فَقَالَ:
"الْوَاجِبُ لُغَةً:" أَيْ فِي اللُّغَةِ "السَّاقِطُ وَالثَّابِتُ".
قَالَ فِي "الْقَامُوسِ": وَجَبَ يَجِبُ وَجْبَةً: سَقَطَ. وَالشَّمْسُ وَجْبًا وَوُجُوبًا: غَابَتْ. وَالْوَجْبَةُ: السَّقْطَةُ مَعَ الْهَدَّةِ، أَوْ صَوْتُ السَّاقِطِ٣.
وَقَالَ فِي "الْمِصْبَاحِ": وَجَبَ الْحَقُّ، وَالْبَيْعُ يَجِبُ وُجُوبًا وَوَجْبَةً: لَزِمَ وَثَبَتَ٤.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الثُّبُوتِ: [قَوْلُهُ ﷺ]: "أَسْأَلُك مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك" ٥.
"وَ". أَمَّا الْوَاجِبُ "شَرْعًا:" أَيْ: فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَلَهُمْ فِيهِ حُدُودٌ كَثِيرَةٌ، اقْتَصَرَ مِنْهَا فِي الأَصْلِ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ٦.
- أَحَدُهَا: وَهُوَ مَا قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": أَنَّهُ أُولاهَا: "مَا ذُمَّ شَرْعًا
_________________
(١) ١ في نسخة ع، ب: انتهى. ٢ ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين: تكليفي ووضعي، والحكم التكليفي ينقسم إلى خمسة أقسام، وهذا رأي الجمهور العلماء، خلافًا للحنفية الذين يقسمون الحكم التكليفي إلى سبعة أقسام، فيزيدون الفرض والمكروه تحريمًا. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ٥٨". وعبارة "إلى خمسة" ساقطة من ب. ٣ القاموس المحيط ١/ ١٤١. ٤ المصباح المنير ٢/ ١٠٠٣، وانظر الصحاح، للجوهري ١/ ٢٣١-٢٣٢. ٥ هذا جزء من دعاء الرسول ﷺ: رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا، والموجبات: جمع موجب، وهي الكلمة التي أوجبت لقائلها الرحمة من الله ﷾. "انظر: فيض القدير ٢/ ١٢١، الأذكار ص٢١". ٦ ساقطة من ز ع ب ض.
[ ١ / ٣٤٥ ]
تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا" وَهُوَ لِلْبَيْضَاوِيِّ١. وَنَقَلَهُ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ ابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَقَالَ فِي "الْمُنْتَخَبِ"٢: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الرُّسُومِ، لَكِنْ فِيهِ نَقْصٌ وَتَغْيِيرٌ٣. وَتَبِعَهُ الطُّوفِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ"، وَلَمْ يَقُلْ "قَصْدًا"٤.
فَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ "مَا ذُمَّ" خَيْرٌ مِنْ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ "مَا يُعَاقَبُ" لِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ تَارِكِهِ٥.
وَقَوْلُنَا "شَرْعًا": أَيْ مَا وَرَدَ ذَمُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷾ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، أَوْ فِي إجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَلأَنَّ الذَّمَّ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِالشَّرْعِ٦، ٧ خِلافًا لِمَا"٧ قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ.
وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، لأَنَّهُ٨ لا ذَمَّ فِيهَا٩.
وَقَوْلُهُ: "تَارِكُهُ": اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ. فَإِنَّهُ لا يُذَمُّ إلاَّ فَاعِلُهُ١٠.
_________________
(١) ١ منهاج الوصول، للبيضاوي، مع شرحه للأسنوي ١/ ٥٢. ٢ هو "منتخب المحصول" في الأصول المنسوب للرازي، فخر الدين محمد بن عمر الرازي الشافعي المتوفي سنة ٦٠٦هـ، والأكثر أنه لبعض تلامذة الإمام الرازي وليس له، "انظر: طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي ٨/ ٩٣، إيضاح المكنون ٢/ ٥٦٩". ٣ التغيير في التعريف هو أن الإمام الرازي عبر في "المحصول" و"المنتخب" بقوله: "على بعض الوجوه" وتبعه صاحب التحصيل والشوكاني في إرشاد الفحول ص٦، لكن صاحب الحاصل أبدله بقوله: "مطلقًا" فتبعه البيضاوي. "انظر: نهاية السول ١/ ٥٥، ٥٧، المسودة ص٥٧٦"، وفي د ز ع ب ض: تعبير. ٤ مختصر الطوفي ص١٩. ٥ انظر: شرح الورقات ص٢٣. ٦ انظر: نهاية السول ١/ ٥٦. ٧ في ش ز د: خلاف ما. ٨ ساقطة من ش. ٩ انظر: نهاية السول ١/ ٥٥. ١٠ انظر: نهاية السول ١/ ٥٦.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَقَوْلُهُ: "قَصْدًا" فِيهِ تَقْدِيرَانِ١ مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ بِالْحَيْثِيَّةِ، أَيْ الَّذِي بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ لَذُمَّ تَارِكُهُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْحَيْثِيَّةِ لاقْتَضَى أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ لا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الذَّمِّ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ٢.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ: أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِالْقَصْدِ؛ لأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ؛ إذْ التَّارِكُ لا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ لا يُذَمُّ٣.
الثَّانِي: أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ فِعْلِ الصَّلاةِ ثُمَّ تَرَكَهَا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَقَدْ تَمَكَّنَ٤. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذَمَّ شَرْعًا تَارِكُهَا، لأَنَّهُ مَا تَرَكَهَا قَصْدًا. فَأَتَى بِهَذَا الْقَيْدِ لإِدْخَالِ٥ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الْحَدِّ، وَيَصِيرُ بِهِ جَامِعًا٦.
وَقَوْلُهُ "مُطْلَقًا" فِيهِ تَقْدِيرَانِ أَيْضًا مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الإِيجَابَ بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَلَى الْعَيْنِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ٧ قَدْ يَكُونُ مُخَيَّرًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، [وَقَدْ يَكُونُ مُحَتَّمًا، كَالصَّلاةِ أَيْضًا وَبِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فِيهِ قَدْ يَكُونُ مُوَسَّعًا كَالصَّلاةِ] ٨، وَقَدْ
_________________
(١) ١ في ش ب ع ض د: تقريران، وكذلك في الحالات التالية. ٢ انظر: نهاية السول ١/ ٥٦. ٣ انظر: نهاية السول ١/ ٥٦. ٤ يقول الأسنوي: لأن الصلاة تجب عندنا بأول الوقت وجوبًا موسعًا بشرط الإمكان، وقد تمكن. "نهاية السول ١/ ٥٦". ٥ في ش: لادخاله. ٦ انظر: نهاية السول ١/ ٥٦، البدخشي ١/ ٥٣، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٣٠. ٧ في ش: المعقول. ٨ زيادة ضرورية من نهاية السول ١/ ٥٧.
[ ١ / ٣٤٧ ]
يَكُونُ مُضَيَّقًا كَالصَّوْمِ. فَإِذَا تَرَكَ الصَّلاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا، إذْ الصَّلاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ. وَمَعَ ذَلِكَ لا يُذَمُّ عَلَيْهَا إذَا أَتَى بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ. وَيُذَمُّ إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ جَمِيعِهِ، وَإِذَا تَرَكَ إحْدَى١ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ تَرَكَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لا ذم٢ فِيهِ إذَا أَتَى بِغَيْرِهِ. وَإِذَا تَرَكَ صَلاةَ جِنَازَةٍ فَقَدْ تَرَكَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلا يُذَمُّ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ٣.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ٤: "مُطْلَقًا" عَائِدٌ إلَى الذَّمِّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ٥ قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَلَى الْمُخَيَّرِ وَعَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَالذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ وَالْمُحَتَّمِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَلِذَلِكَ قَالَ: "مُطْلَقًا" لِيَشْمَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرْطِهِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ٦.
وَالتَّقْدِيرُ الثَّانِي: أَنَّ "مُطْلَقًا" عَائِدٌ إلَى التَّرْكِ، وَالتَّقْدِيرُ تَرْكًا مُطْلَقًا٧، لِيَدْخُلَ الْمُخَيَّرُ وَالْمُوَسَّعُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ. فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لا يَأْثَمُ، وَإِنْ صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا، وَكَذَلِكَ الآتِي بِهِ آتٍ بِالْوَاجِبِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ. وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا حَصَلَ التَّرْكُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَهَكَذَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ. وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا الْوَاجِبُ الْمُحَتَّمُ وَالْمُضَيَّقُ وَفَرْضُ
_________________
(١) ١ في ز ع ب ض: أحد. ٢ في ش: لازم. ٣ انظر: نهاية السول ١/ ٥٧، البدخشي ١/ ٥٤، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٠، الحدود، للباجي ص٥٤. ٤ في ز: قولنا. ٥ في ع ب ض: لأنه. ٦ انظر: نهاية السول ١/ ٥٧. ٧ في ش زيادة: ليشمل ذلك كله بشرطه، ولو لم يذكر ذلك لورد عليه من ترك شيئًا من ذلك. اهـ. وهو مكرر مع السطر الذي قبله.
[ ١ / ٣٤٨ ]
الْعَيْنِ، لأَنَّ كُلَّ مَا ذُمَّ الشَّخْصُ عَلَيْهِ ١ إذَا تَرَكَهُ وَحْدَهُ ذُمَّ عَلَيْهِ"١ أَيْضًا إذَا تَرَكَهُ هُوَ وَغَيْرَهُ٢.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْحُدُودِ السِّتَّةِ:
فَالْحَدُّ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ.
الرَّابِعُ: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا.
الْخَامِسُ: مَا يُخَافُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ.
السَّادِسُ: لابْنِ عَقِيلٍ، فَإِنَّهُ حَدَّهُ بِأَنَّهُ إلْزَامُ الشَّرْعِ. وَقَالَ: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَحْكَامُهُ وَمُتَعَلَّقَاتُهُ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": فَحَدُّهُ بِهِ يَأْبَاهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَهُوَ حَسَنٌ٣.
"وَمِنْهُ" أَيْ مِنْ الْوَاجِبِ: "مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، كَنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ٤، وَرَدِّ وَدِيعَةٍ وَغَصْبٍ وَنَحْوِهِ" كَعَارِيَّةٍ، وَدَيْنٍ "إذ٥ فَعَلَ" ذَلِكَ "مَعَ غَفْلَةٍ٦" لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُتَرَتِّبِ٧ عَلَيْهَا الثَّوَابُ٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش، وكذا في د مع تقديم وتأخير، وانظر: نهاية السول ١/ ٥٨. ٢ انظر: نهاية السول ١/ ٥٨. ٣ انظر في تعريف الواجب: "التعريفات ص٣١٩، الحدود للباجي ص٥٣، المستصفى ١/ ٦٥، شرح الورقات ص٢٢، الإحكام لابن حزم ١/ ٣٢٣، فواتح الرحموت ١/ ٦١، المسودة ص٥٧٥، إرشاد الفحول ص٦، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ١/ ٢٢٥، ٢٢٩". ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش د: إن. ٦ في ز: غفلته. ٧ في ب ض: المرتب. ٨ نرى أن هذا الكلام غير دقيق، لأنه يخالف النصوص الشرعية التي تثبت الأجر للمؤمن، ولو كان فعله واجبًا شرعيًا، أي مفروضًا عليه لغيره، كالأمثلة التي ذكرها المصنف، يقول رسول الله ﷺ: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على =
[ ١ / ٣٤٩ ]
"وَمِنْ الْمُحَرَّمِ مَا لا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، كتركه١" أَيْ كَأَنْ يَتْرُكَ الْمُكَلَّفُ الْمُحَرَّمَ "غَافِلًا" عَنْ كَوْنِ تَرْكِهِ طَاعَةً بِامْتِثَالِ الأَمْرِ بِالتَّرْكِ. لأَنَّ شَرْطَ تَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَى تَرْكِهِ، نِيَّةُ٢ التَّقَرُّبِ بِهِ، فَتَرَتُّبُ٣ الثَّوَابِ وَعَدَمُهُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمِ رَاجِعٌ إلَى وُجُودِ شَرْطِ الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ٤.
"وَالْفَرْضُ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ:
- "التَّقْدِيرُ"، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ٥، أَيْ قَدَّرْتُمْ. وَمِنْهُ٦ قَوْلُهُ ﷾: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ٧ أَيْ مَعْلُومًا.
_________________
(١) = مساكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك" رواه مسلم، وروى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله". وقال ﵊: "إنّ من الذنوب ذنوبًا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الصدقة، ولكنها يكفرها الهم على كسب العيال". وقال أيضًا: "السعي على نفقة العيال جهاد في سبيل الله" وقال أيضًا: "حتى اللقمة تضعها في في زوجتك صدقة". "انظر: مسند أحمد: ١/ ١٧٢، ١٧٣، صحيح مسلم ٢/ ٦٩١-٦٩٢". كل هذه النصوص، وغيرها كثيرة، تثبت وتؤكد الثواب في النفقة، وكذلك فإن حفظ الأمانة والوديقة صدقة، وردها حسنة، ورد المغصوب لصاحبه توبة وعدول عن الظلم والعدوان، فهو عمل حسن وله أجر وثواب. وأما تقييدها بأنها مع غفلة، وبدون نية، فهذا يشمل كل الواجبات، وخاصة العبادات، كما لو أدى الزكاة جبرًا، والبقاء بدون طعام وشراب طوال النهار، فالعبادة لا تصح إلا بالنية، وقد ذكر المصنف ما يؤيد ذلك ص٣٨٥، ٣٩٧، فقال: ولو بدون نية. ١ ساقطة من ش د ز. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ز ع ض: فترتيب. ٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧١. ٥ الآية ٢٣٧ من البقرة. ٦ ساقطة من ز ع ب ض. ٧ الآية ١١٨ من النساء.
[ ١ / ٣٥٠ ]
- "وَالتَّأْثِيرُ" قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفَرْضُ: الْحَزُّ فِي الشَّيْءِ، وَفَرْضُ الْقَوْسِ: الْحَزُّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْوَتَرُ١.
- "وَالإِلْزَامُ"، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ٢، أَيْ أَوْجَبْنَا الْعَمَلَ بِهَا٣.
- "وَالْعَطِيَّةُ" يُقَالُ، فَرَضْت لَهُ٤ كَذَا وَافْتَرَضْته أَيْ أَعْطَيْته، وَفَرَضْت لَهُ فِي الدِّيوَانِ. قَالَهُ٥ فِي "الصِّحَاحِ"٦.
- "وَالإِنْزَالُ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلَى مَعَادٍ﴾ ٧، أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْك الْقُرْآنَ. قَالَ الْبَغَوِيّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ٨.
- "وَالإِبَاحَةُ" وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ٩، ١٠ أَيْ: أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ"١٠.
- "وَيُرَادِفُ١١" الْفَرْضَ "الْوَاجِبُ شَرْعًا" أَيْ فِي١٢ عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى
_________________
(١) ١ الصحاح، له ٣/ ١٠٩٧، وانظر: القاموس المحيط ٢/ ٣٥٢. ٢ الآية ١ من النور. ٣ انظر: القاموس المحيط: ٢/ ٣٥٢. ٤ في ش: لك. ٥ في ش: قال. ٦ الصحاح، للجوهري ٣/ ١٠٩٧، وانظر: القاموس المحيط ٢/ ٣٥٢. ٧ الآية ٨٥ من القصص. ٨ تفسير البغوي ٥/ ١٨٦. ٩ الآية ٣٨ من الأحزاب. ١٠ ساقطة من ش. وانظر: الإحكام، الآمدي ١/ ٩٩. ١١ في ش: ويراد به. ١٢ في ش: من.
[ ١ / ٣٥١ ]
الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ١ وَالأَكْثَرِ٢ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ٣، أَيْ أَوْجَبَهُ. وَالأَصْلُ تَنَاوُلُهُ حَقِيقَةً وَعَدَمُ غَيْرِهِ، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ٤. وَفِي الصَّحِيحِ٥: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ" ٦، وَلأَنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا، وَالاسْتِدْعَاءُ لا يَقْبَلُ التَّزَايُدَ. كَجَائِزٍ وَلازِمٍ، وَصَادِقٍ وَكَاذِبٍ. فَلا يُقَالُ: أُجَوِّزُ وَلا أُلْزِمُ؛ لأَنَّهُ٧ انْتَظَمَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْفَرْضَ آكَدُ٨. وَاخْتَارَهَا
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: مختصر الطوفي ص١٩، الروضة ص١٦، التمهيد ص٧، الحدود للباجي ص٥٥، المستصفي ١/ ٦٦، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٣، نهاية السول ١/ ٥٨، شرح البدخشي ١/ ٥٨، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ١/ ٢٢٨، ٢٣٢، إرشاد الفحول ص٦، الإحكام، الآمدي ١/ ٩٧، لابن حزم ١/ ٣٢٣. ٣ الآية ١٩٧ من البقرة. ٤ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ٩٩. ٥ أي صحيح البخاري، وكتب الأحاديث الصحيحة كثيرة، ولكن المصنف إذا أطلق الصحيح فيريد به صحيح البخاري، لأنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم، لما بذل فيه مؤلفه ﵀ من الجهد والدقة والتمحيص في أسانيده ومتونه، وفي ض ز ع ب: الصحيحين، وهو خطأ، لأن هذا الحديث لم يروه إلا البخاري. ٦ هذا جزء من حديث رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا، وأوله: "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد أذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه " الحديث، وما تقرب إلي عبدي بشيء، أي بفعل طاعة، مما افترضته عليه: أي من أدائه عينًا أو كفاية، لأنها الأصل الذي ترجع إليه جميع الفروع، والأمر بها جازم، ويتضمن أمرين: الثواب على فعلها، والعقاب على تركها. "انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٢٩، فيض القدير ٢/ ٢٤١". ٧ في ز: الأن. ٨ انظر: الروضة ص١٦، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٣، المسودة ص٥٠.
[ ١ / ٣٥٢ ]
مِنْ أَصْحَابِنَا: ابْنُ شَاقِلا وَالْحَلْوَانِيُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ١، وَابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ.
وَلِلْقَاضِي٢ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَوْلانِ.
قَالَ٣ الطُّوفِيُّ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، إذْ لا نِزَاعَ فِي انْقِسَامِ الْوَاجِبِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ٤. فَلْيُسَمُّوا هُمْ الْقَطْعِيَّ مَا شَاءُوا٥،
ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْخِلافَ لَيْسَ بِلَفْظِيٍّ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: بَعْضُ الْوَاجِبِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا٦، وَأَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ٧.
_________________
(١) ١ الفرق بينهما عند الحنفية أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والواجب ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة العدم. "انظر: التعريفات للجرجاني ص١٧٣، ٣١٩، كشف الأسرار ٢/ ٣٠٣، الإحكام للآمدي ١/ ٩٩، أصول السرخسي ١/ ١١٠، فواتح الرحموت ١/ ٥٨، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٣، البدخشي ١/ ٥٥، التوضيح على التنقيح ٣/ ٧٥". ٢ في ش: والقاضي. ٣ في ز: وقال. ٤ في ش دع: ظني وقطعي. ٥ مختصر الطوفي ص١٩، وهذا ما ذهب إليه ابن قدامة في "الروضة" "ص ١٦"، والغزالي في "المستصفي" "١/ ٦٦"، والأرْمَوي في الحاصل "نهاية السول ١/ ٥٨" والعضد في "شرح مختصر ابن الحاجب" "١/ ٢٣٢"، قال ابن اللحام: إن أريد أن المأمور به ينقسم إلى مقطوع به ومظنون فلا نزاع في ذلك، وإن أريد أنه لا تختلف أحكامها فهذا محل نظر "القواعد والفوائد الأصولية ص٦٤" وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ٩٩. ٦ انظر: القواعد والفوئد الأصولية ص٦٤، المسودة ص٥٠، ٥٨. ٧ رتب الحنفية على الفرق بينهما آثارًا كثيرة منها أن حكم الفرض لازم علمًا وتصديقًا بالقلب، وعملًا بالبدن، وأنه من أركان الشرائع، ويكفر جاحده، ويفسق تاركه بلا عذر، أما حكم الواجب فهو لازم عملًا بالبدن لا تصديقًا، ولا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إن استخف به، أما إذا تأول فلا، وإذا ترك المكلف فرضًا كالركوع أو السجود بطلت صلاته، ولا يسقط في عمد ولا في سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجبًا فإن عمله صحيح، ولكنه ناقص، وعليه الإعادة، فإن لم يُعد برئت ذمته مع الإثم. "انظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٠٣، أصول السرخسي ١/ ١١١، فواتح الرحموت ١/ ٥٨، القواعد والفوائد الأصولية ص٦٤، شرح البدخشي ١/ ٥٥، تيسير التحرير ٢/ ١٣٥، المسودة ص٥٠، ٥٨، التوضيح على التنقيح ٣/ ٧٥".
[ ١ / ٣٥٣ ]
"وَ" عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ "ثَوَابَهُمَا١ سَوَاءٌ" وَلَيْسَ بَعْضُهَا٢ آكَدَ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا عَلَى الأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا آكَدَ مِنْ بَعْضٍ. وَأَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الآخَرِ، وَأَنَّ طَرِيقَ أَحَدِهِمَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَطَرِيقَ الآخَرِ مَظْنُونٌ. كَمَا قُلْنَا. عَلَى٣ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّهُمَا٤ مُتَبَايِنَانِ٥.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت٦: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى هَذَا - سَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّبَايُنِ أَوْ التَّرَادُفِ٧-: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا آكَدَ مِنْ الآخَرِ، وَأَنَّهُ٨ يُثَابُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الآخَرِ٩. انْتَهَى.
"وَصِيغَتُهُمَا" أَيْ صِيغَةُ الْوُجُوبِ وَالْفَرْضِ. كَوَجَبَ١٠ وَفَرَضَ. وَكَذَا وَاجِبٌ وَفَرْضٌ.
_________________
(١) ١ في ش د: ثواباهما. ٢ في ش د: بعضهما. ٣ ساقطة من ش د. ٤ في ع ز ب ض: وأنهما. ٥ انظر: البدخشي ١/ ٥٦ وما بعدها، المسودة ص٥٠. ٦ ساقطة من ز، وفي ع ض: وقلت. ٧ في ز: بالترادف. ٨ في ز: أنه. ٩ انظر المسودة ص٥٠، ٥٨. ١٠ في ش: كموجب.
[ ١ / ٣٥٤ ]
"وَحَتْمٌ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ١ أَيْ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ، وَإِلاَّ فَهُوَ ﷾ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. فَيُقَالُ فِي الْوَاجِبِ: حَتْمٌ وَمَحْتُومٌ وَمُحَتَّمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي "الْمِصْبَاحِ": حَتَمَ عَلَيْهِ الأَمْرُ حَتْمًا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ- أَوْجَبَهُ جَزْمًا، وَتَحَتَّمْ: وَجَبَ وُجُوبًا لا يُمْكِنُ سُقُوطُهُ٢. انْتَهَى.
"وَ" كَذَا "لازِمٌ" قَالَ فِي٣ "الْحَاوِي"٤ وَغَيْرِهِ: حَتْمٌ وَلازِمٌ كَوَاجِبٍ٥ قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَلا يُقْبَلُ التَّأْوِيلُ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وَهُوَ مِنْ اللُّزُومِ وَهُوَ لُغَةً: عَدَمُ الانْفِكَاكِ عَنْ الشَّيْءِ٦. فَيُقَالُ لِلْوَاجِبِ لازِمٌ وَمَلْزُومٌ بِهِ٧، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ: "وَمَنْ لَزِمَتْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ ابْنُ لَبُونٍ" ٨.
_________________
(١) ١ الآية ١٧ من مريم. ٢ المصباح المنير ١/ ١٨٨، وانظر: الصحاح ٥/ ١٨٩٢. ٣ ساقطة من ش. ٤ تصنيف الفقيه عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم بن علي، الضرير البصري، المتوفى سنة ٦٨٤هـ. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٢٠٨". ٥ انظر: المستصفى ١/ ٦٦. ٦ انظر: المصباح المنير ٢/ ٨٥٠، لسان العرب ١٢/ ٥٤١، القاموس المحيط ٤/ ١٧٥. ٧ انظر: الصحاح ١/ ٢٣١. ٨ هذا جزء من حديث طويل، رواه احمد والنسائي وأبو داود والبخاري، وقطعه في عشرة مواضع، والدارقطني، وأخرجه الشافعي والبيهقي والحاكم والدارمي عن أنس عن أبي بكر ﵄ مرفوعًا، قال ابن حزم: هذا كتاب في غاية الصحة، وقال الدارقطني: هذا إسناده صحيح، ورواته كلهم ثقات. "انظر: نيل الأوطار ٤/ ١٤٠، سنن أبي داود ٢/ ١٢٩، صحيح البخاري مع حاشية السندي ١/ ٢٥١، المستدرك ١/ ٣٩٠، السنن الكبرى ٤/ ١٠٠، سنن النسائي ٥/ ١٣، مسند أحمد ١/ ١١، سنن الدارمي ١/ ٣٨٢".
[ ١ / ٣٥٥ ]
"وَ" كَذَا "إطْلاقُ الْوَعِيدِ" لأَنَّ خَاصَّةَ الْوَاجِبِ مَا تُوُعِّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ خَاصَّةِ الشَّيْءِ بِدُونِ ثُبُوتِهِ إلاَّ فِي كَلامِ مَجَازٍ.
"وَ" وَكَذَا "كُتِبَ عَلَيْكُمْ" مَأْخُوذٌ مِنْ كَتَبَ الشَّيْءَ إذَا حَتَّمَهُ وَأَلْزَمَ بِهِ، وَتُسَمَّى الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ لِذَلِكَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ١"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ ٢، وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾ ٣، كُلُّ ذَلِكَ "نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ"٤.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ-الآيَةَ﴾ ٥، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَجَبَ. وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا وَنُسِخَتْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ٦ بِالْوَصِيَّةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. فَلا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ٧.
"وَإِنْ كَنَّى الشَّارِعُ عَنْ عِبَادَةٍ بِبَعْضِ ٨ مَا فِيهَا"٨" نَحْوِ٩ تَسْمِيَةِ الصَّلاةِ قُرْآنًا
_________________
(١) ١ رواه أحمد ومالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، قال الزين العراقي، وصححه ابن عبد البر. "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٨٤، سنن ابن ماجة ١/ ٤٤٨، سنن النسائي ١/ ١٨٦، فيض القدير ٣/ ٤٥٣، مسند أحمد ٥/ ٣١٩". ٢ الآية ١٨٣ من البقرة. ٣ الآية ٢١٦ من البقرة. ٤ في ش: الوجود. ٥ الآية ١٨٠ من البقرة. ٦ في ز: والمراد. ٧ انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٢، أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦١، ٧٠، تفسير القرطبي ٢/ ٢٤٤، ١: تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٢، أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦١، ٧٠، تفسير القرطبي ٢/ ٢٤٤، ٢٥٨ وما بعدها، تفسير الطبري ٢/ ١١٥ وما بعدها، تفسير الخازن ١/ ١٤٨، تفسير البغوي ١/ ١٤٨". ٨ ساقطة من ش. ٩ ساقطة من د، والقوس في ش ز وبعدها.
[ ١ / ٣٥٦ ]
فِي قَوْله١ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ٢، وَنَحْوِ ٣ التَّعْبِيرِ عَنْ الإِحْرَامِ بِالنُّسُكِ"٣ بِأَخْذِ الشَّعْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ٤، "دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ" أَيْ فَرْضِ الْمُكَنَّى بِهِ عَنْ ٥ تِلْكَ الْعِبَادَةِ"٥. فَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ٦ فِي الصَّلاةِ وَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْحَلْقِ فِي الْحَجِّ، لأَنَّ الْعَرَبَ لا تُكَنِّي عَنْ الشَّيْءِ إلاَّ بِالأَخَصِّ بِهِ.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ٧ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٨ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاةِ. ذَكَرَهُ٩ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ.
"وَمَا لا يَتِمُّ الْوُجُوبُ١٠ إلاَّ بِهِ" سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ. كَاكْتِسَابِ الْمَالِ لِلْحَجِّ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ، كَحُضُورِ الإِمَامِ
_________________
(١) ١ في ز ع ب: بقوله. ٢ الآية ٧٨ من الإسراء. ٣ في ش: التعبير في النسك، وفي د ع: التعبير في الإحرام والنسك، وفي ب: التعبير بالنسك عن الإحرام، وفي ض: التعبير عن الإحرام والنسك. ٤ الآية ٢٧ من الفتح. ٥ في ش: ذلك العبارة. ٦ في ش: القرآن. ٧ في ش ع ز ب: فسبح!؟ وهو خطأ. ٨ الآية ٣٩ من السورة ق. ٩ في ش: وذكره. ١٠ في ش: الواجب، والصواب ما في المتن، وهو ما عبر عنه المجد بن تيمية والبعلي بقولهما: إن مالا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب كالمال في الحج والكفارات، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقًا "المسودة ص٦١، القواعد والفوئد الأصولية ص٩٤" وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦١، اللمع ص١٠، والمقصود أن مالا يتم الوجوب، أي التكليف "انظر: نهاية السول ١/ ١٢٠، التمهيد ص١٥".
[ ١ / ٣٥٧ ]
الْجُمُعَةَ وَحُضُورِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرِطِ فِيهَا، لأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ "لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُطْلَقًا"١ وَحُكِيَ إجْمَاعًا.
"وَمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ" إيجَابُهُ٢ "إلاَّ بِهِ وَهُوَ٣" أَيْ وَاَلَّذِي لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلاَّ بِهِ "مَقْدُورٌ لِمُكَلَّفٍ فَوَاجِبٌ، يُعَاقَبُ" الْمُكَلَّفُ "بِتَرْكِهِ، وَيُثَابُ٤ بِفِعْلِهِ" كَالْوَاجِبِ الأَصْلِيِّ٥.
_________________
(١) ١ مطلقًا أي سواء كان شرطًا أم سببًا، وسواء كان في مقدور المكلف أم لا. ٢ الواجب المطلق هو الذي يكون وجوبه غير مشروط الوجوب بذلك الغير، بل مشروط الوقوع به، وهو مقدمة الوجود، كما سيأتي "في هـ٥"، قال البناني: المراد بالمطلق ما لا يكون مقيدًا بما يتوقف عليه وجوده، وإن كان مقيدًا بما يتوقف عليه وجوبه، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فإن وجوب الصلاة مقيد بما يتوقف عليه ذلك الوجوب، وهو الدلوك، وليس مقيدًا بما يتوقف عليه وجود الواجب، وهو الوضوء والاستقبال ونحوهما "حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١٩٣". وانظر: تقرير الشربيني ١/ ١٩٢، فواتح الرحموت ١/ ٩٥، المسودة ص ٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦١، الإحكام للآمدي ١/ ١١١". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: ثياب. ٥ تنقسم مقدمة الواجب إلى قسمين: القسم الأول: مدمة الوجوب، وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، أو يتوقف شغل الذمة عليها كدخول الوقت بالنسبة للصلاة، فهو مقدمة لوجوب الواجب في ذمة المكلف، وكالاستطاعة لوجوب الحج، وحولان الحول لوجوب الزكاة، فهذه المقدمة ليست واجبة على المكلف باتفاق. والقسم الثاني: مقدمة الوجود، وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب بشكل شرعي صحيح، لتبرأ منه الذمة، كالوضوء بالنسبة للصلاة، فلا توجد الصلاة الصحيحة إلا بوجود الوضوء، ولا تبرأ ذمة المكلف بالصلاة إلا بالوضوء، ومقدمة الوجود قد تكون في مقدور المكلف فتجب، وقد لا تكون في مقدوره فلا تجب، واختلاف العلماء في القسم الثاني فقط. "انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ١١٠، مختصر الطوفي ص٢٣، المستصفى ١/ ٧١، حاشية البناني ١/ ١٩٣، تقرير الشربيني ١/ ١٩٣، العضد على ابن الحاجب ١/٢٤٤، المسودة ص٦٠، نهاية السول ١/ ١٧٠، شرح البدخشي ١/ ١٢٢، اللمع ص١٠، شرح تنقيح الفصول ص١٦٠، تيسير التحرير ٢/ ٢١٥".
[ ١ / ٣٥٨ ]
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَلا يَخْلُو.
إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ جُزْءًا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ، كَالسُّجُودِ فِي الصَّلاةِ. فَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ، لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَمْرٌ١ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ. كَالسَّبَبِ٢ الشَّرْعِيِّ، وَالسَّبَبِ الْعَقْلِيِّ، وَالسَّبَبِ الْعَادِيِّ. وَكَالشَّرْطِ٣ الشَّرْعِيِّ، وَالشَّرْطِ٤ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْطِ٥ الْعَادِيِّ. فَهَذِهِ السِّتَّةُ مَحَلُّ الْخِلافِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ وُجُوبُهَا٦.
فَمِثَالُ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ: صِيغَةُ الْعِتْقِ في٧ الْوَاجِبِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا.
وَمِثَالُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ: الطَّهَارَةُ لِلصَّلاةِ وَنَحْوِهَا.
وَمِثَالُ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ: الصُّعُودُ إلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. فِيمَا إذَا وَجَبَ إلْقَاءُ الشَّيْءِ مِنْهُ.
_________________
(١) ١ في ز: أمر كلي. ٢ السبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص٩٤، نهاية السول ١/ ١٢٣". ٣ الشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. "القواعد والفوائد الأصولية ص٩٤، نهاية السول ١/ ١٢٣". ٤ في ز: وكالشرط. ٥ في ز: وكالشرط. ٦ وهو مذهب الإمام الرازي وأتباعه والآمدي وأكثر الشافعية والحنابلة، خلافًا للمعتزلة الذين منعوا ذلك، وهناك أقوال أخرى، منها أن الأمر بالشيء يكون أمرًا بالمقدمة إذا كانت سببًا لا شرطًا، ومنها أنه ليس أمرًا لا بالسب ولا بالشرط، ومنها أن الأمر بالشيء يكون أمرًا بالشرط الشرعي دون العقلي والعادي ودون السبب بأنواعه، وهذا رأي الطوفي وإمام الحرمين وابن الحاجب. "انظر: التمهيد ص١٥-١٦، مختصر الطوفي ض٢٤، الروضة ص١٩، المستصفى ١/ ٧١، جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ١٩٣، تيسير التحرير ٢/ ٢١٥، مختصر ابن الحاجب ١/ ٢٤٤، المسودة ص٦٠-٦١، فواتح الرحموت ١/ ٩٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦١". ٧ في ش: من.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ: تَرْكُ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَمِثَالُ السَّبَبِ الْعَادِيِّ١: وُجُودُ النَّارِ فِيمَا إذَا وَجَبَ إحْرَاقُ شَخْصٍ.
وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْعَادِيِّ: غَسْلُ الزَّائِدِ عَلَى حَدِّ الْوَجْهِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ لِيَتَحَقَّقَ غَسْلُ جَمِيعِهِ.
فَالشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ: مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ شَرْطًا، وَإِنْ أَمْكَنَ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ ٢ وَالشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ: مَا لا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ"٢ عَقْلًا، وَالشَّرْطُ الْعَادِيُّ: مَا لا يُمْكِنُ ٣ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ"٣ عَادَةً٤.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ٥، وَتَارَةً بِمَا لا يَتِمُّ الأَمْرُ٦ إلاَّ بِهِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ٧، لَكِنَّ الْعِبَارَةَ الأُولَى أَشْهَرُ. وَالثَّانِيَةُ أَشْمَلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الأَمْرَ قَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ. فَتَكُونُ مُقَدِّمَتُهُ مَنْدُوبَةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةً. كَالشَّرْطِ٨ فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ، إلاَّ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْكَفُّ عَنْ فَاسِدِ الصَّلاةِ عِنْدَ إرَادَةِ التَّلَبُّسِ بِالصَّلاةِ مَثَلًا وَجَبَ مَا لا يَتِمُّ الْكَفُّ مَعَ التَّلَبُّسِ إلاَّ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَمَّا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ش، وموجودة في ز د ب وعلى هامش ع. ٣ ساقطة من ز. ٤ انظر: حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١٩٥. ٥ وتسمى أيضًا مقدمة الواجب، وغير ذلك "انظر: التمهيد للإسنوي ص١٥، المستصفى ١/ ٧١، تقرير الشربيني على جمع الجوامع ١/ ١٩٢". ٦ في ع ب ض: المأمور. ٧ يعبر البيضاوي عنها بقوله: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به، ويقول الإسنوي في شرحه على منهاج البيضاوي: فالواجب الأول والأخير بمعنى التكليف، والوجوب الثاني بمعنى الاقتضاء. "نهاية السول ١/ ١٢٠، ١٢٣، وانظر: التمهيد ص١٥". ٨ في ع ب ض: كالشروط.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وَاجِبٌ١.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الْمَتْنِ: أَنَّهُ لا يَجِبُ إلاَّ إذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ٢، لِحَدِيثِ: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ٣، لَكِنْ لَوْ سَقَطَ وُجُوبُ الْبَعْضِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، هَلْ يَبْقَى٤ وُجُوبُ الْبَاقِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. أَمْ لا٥؟
قَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْوُجُوبِ لِلْحَدِيثِ الْمُوَافِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٦، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ النُّطْقُ فِي الصَّلاةِ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ. خِلافًا لِلْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٧، لِوُجُوبِهِ ضَرُورَةً كَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ، وَشُرُوطِ الصَّلاةِ٨.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ الْخِلافُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ فِي قَوْلِ مَنْ اسْتَحَبَّ غَسْلَ مَوْضِعِ الْقَطْعِ فِي الطَّهَارَةِ٩. وَكَذَا إمْرَارُ الْمُوسَى فِيمَنْ
_________________
(١) ١ يشترط لوجوب المقدمة عند الجمهور شرطان: أن يكون الواجب مطلقًا، أي غير معلق على حصول ما يتوقف عليه، وإن تكون المقدمة في مقدور المكلف، وهذا ما أشار إليه المصنف. "انظر: نهاية السول ١/ ١٢٣، ١٢٤". ٢ انظر: مختصر الطوفي ص٢٤، الروضة ص١٩، المستصفى ١/ ٧١، حاشية البناني وتقرير الشربيني ١/ ١٩٢، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٤٥، نهاية السول ١/ ١٢٤. ٣ هذا جزء من حديث صحيح رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، ومعنى "إذا أمرتكم بأمر فأئتوا منه" أي وجوبًا في الواجب، وندبًا في المندوب، ما استطعتم: أي ما أطلقتم، لأن فعله هو إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شرائط وأسباب كالقدرة على الفعل. "انظر: صحيح مسلم ٢/ ٩٧٥، سنن ابن ماجة ١/ ٣، فيض القدير: ٣/ ٥٦٣، سنن السنائي ٥/ ٨٣، مسند أحمد ٢/ ٢٤٧". ٤ في ز: بقي. ٥ ساقطة من ش. ٦ الآية ١٦ من التغابن. ٧ انظر: المغني لابن قدامة ١/ ٣٥٠. ٨ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١١١. ٩ انظر: المغني ١/ ١٩.
[ ١ / ٣٦١ ]
لا شَعْرَ لَهُ١، وَرُدَّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "عُمْدَةِ الأَدِلَّةِ": يُمِرُّ الْمُوسَى. وَلا يَجِبُ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَشَيْخُنَا٢. وَأَمَّا كَلامُ أَحْمَدَ: فَخَارِجٌ مَخْرَجَ الأَمْرِ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ شَيْخُنَا عَلَى النَّدْبِ. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ مُفْلِحٍ٣.
وَلَنَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ شَبِيهَةٌ بِذَلِكَ. كَوُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِعِلَّةٍ فِي ظَهْرِهِ وَوَاجِدٍ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ مِنْ الْمَاءِ٤، وَبَعْضِ صَاعٍ فِي٥ الْفِطْرَةِ٦.
وَرُبَّمَا خَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ، الرَّاجِحُ فِيهَا خِلافُ ذَلِكَ، لِمَدَارِكَ فِقْهِيَّةٍ، مَحَلُّهَا الْفِقْهُ٧.
_________________
(١) ١ وذلك للتحلل من الإحرام بالحلق في الحج والعمرة. "انظر: المغني ٣/ ٣٨٨". ٢ جاء في هامش ب: يعني به الشيخ تقي الدين إن كان من تتمة كلام ابن المفلح، والقاضي إن كان من كلام ابن عقيل، لأن القاضي أبا يعلى شيخه. ٣ لعل كلام ابن مفلح في "أصوله" المخطوط، وانظر عدم لزوم القراءة وتحريك اللسان عن المعذور في "الفروع ١/ ٤١٧". ٤ انظر: المغني ١/ ١٧٥. ٥ في ش: من. ٦ يقول ابن اللحام: وضابطه "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" إما أن يكون بالأداء لتبرأ الذمة، أو بالاجتناب ليحصل ترك الحرام، إذ تركه واجب. "القواعد والفوائد الأصولية ص١٠٤"، وانظر: "الروضة ص٢٠، نهاية السول ١/ ١٢٧، البدخشي ١/ ١٢٦". ٧ انظر أمثلة عنها في كتاب "القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام البعلي ص٩٤ وما بعدها، التمهيد ص١٦، مختصر الطوفي ص٢٤، المسودة ص٦٥".
[ ١ / ٣٦٢ ]