"فَصْلٌ"
"الاجْتِهَادُ يَتَجَزَّأُ١" عِنْدَ أَصْحَابِنَا٢ وَالأَكْثَرِ، إذْ٣ لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ إذْ جَمِيعُهَا لا يُحِيطُ بِهِ بَشَرٌ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْمَآخِذِ: الْعِلْمُ٤ بِجَمِيعِ الأَحْكَامِ٥؛ لأَنَّ بَعْضَ الأَحْكَامِ قَدْ يُجْهَلُ بِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ فِيهِ، أَوْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَرِ، إمَّا٦ لِمَانِعٍ
_________________
(١) ١ إن معنى تجزئة الاجتهاد هو جريانه في بعض المسائل دون بعض، بأن يحصل للمجتهد ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة في بعض المسائل دون غيرها، وفيه عدة مذاهب كما سيذكرها المصنف. انظر: إرشاد الفحول ص ٢٥٤، الوسيط ص ٥١٨، أصول مذهب أحمد ص ٦٢٩. ٢ في ز: أكثر أصحابنا. ٣ في ض: إذا. ٤ ساقطة من ب. ٥ يعني أنه يكفي أن يعرف المجتهد جميع مآخذ المسألة الواحدة من الكتاب والسنة ليجتهد بها، وهذا الاشتراط بالعلم بجميع المآخذ لا يلزم منه أن يعلم جميع الأحكام، لأن العلم بالأحكام يتوقف على الاجتهاد، ويكون بعده، وقد يصل إليها المجتهد، وقد لا يصل لتعارض الأدلة، أو عجز المجتهد، أو لمانع آخر، أو عذر معين، وفي هذه الحالة يتجزأ الاجتهاد عليه حكمًا وبالقوة. انظر: فواتح الرحموت ٢/٣٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٩٠، تيسير التحرير ٤/١٨٣. ٦ في ش: أو.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
مِنْ تَشْوِيشِ فِكْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ١.
وَقِيلَ٢: لا يَتَجَزَّأُ وَقِيلَ٣: يَتَجَزَّأُ فِي بَابٍ لا فِي مَسْأَلَةٍ٤ وَقِيلَ: فِي الْفَرَائِضِ لا فِي غَيْرِهَا٥.
"وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ ﷺ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَوَقَعَ" قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ إجْمَاعًا٦.
_________________
(١) ١ القول بتجزأ الاجتهاد هو لأكثر المتكلمين المعتزلة وأكثر الفقهاء، وقال به الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وأيده الآمدي وابن الحاجب وابن دقيق العيد وابن السبكي والغزالي والكمال بن الهمام وغيرهم. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨، فتح الغفار ٣/٣٧، كشف الأسرار ٤/١٧، تيسير التحرير ٤/١٨٢، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٠، الموافقات ٤/٦٨، إعلام الموقعين ٤/٢٧٥، مجموع الفتاوى ٢٠/٢٠٤، ٢١٢، مختصر البعلي ص ١٦٤، مختصر الطوفي ص ١٧٤، المحصول ٢/٣/٣٧، المعتمد ٢/٩٣٢، الإحكام للآمدي ٤/١٦٤، المستصفى ٢/٣٥٣، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٨٦، الروضة ص ٣٥٣، نزهة الخاطر ٢/٤٠٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٣، إرشاد الفحول ص ٢٥٤. ٢ ساقطة من ض ب. ٣ وهو قول طائفة من العلماء، وهو منقول عن الإمام أبي حنيفة، واختاره الشوكاني. انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٨٦، المحصول ٢/٣/٣٧، تيسير التحرير ٤/١٨٢، فواتح الرحموت ٢/٣٦٤، إرشاد الفحول ص ٢٥٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨. ٤ انظر مختصر البعلي ص ١٦٤، والمراجع السابقة. ٥ انظر: صفة الفتوى ص ٢٤، إعلام الموقعين ٤/٢٧٥، الوسيط ص ٥١٨، والمراجع السابقة. ٦ حكى هذا الإجماع سُليم الرازي وابن حزم وغيرهما. انظر: الإحكام لابن حزم ٢/٧٠٣، إرشاد الفحول ص ٢٥٥.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
"وَ" يَجُوزُ اجْتِهَادُهُ أَيْضًا "فِي أَمْرِ الشَّرْعِ عَقْلًا وَشَرْعًا" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ١، وَعَزَاهُ الْوَاحِدِيُّ إلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَلا حُجَّةَ لِلْمَانِعِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ﴾ ٢ فَإِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِالْوَحْيِ: اتِّبَاعٌ لِلْوَحْيِ٣.
وَمَنَعَهُ الأَكْثَرُ مِنْ الأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ٤، وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ
_________________
(١) ١ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، واختاره الغزالي والآمدي والرازي والبيضاوي وابن الحاجب، وابن السبكي، وهو مذهب الحنفية بشرط أن يكون الاجتهاد بعد انتظار الوحي واليأس من نزوله. انظر: نهاية السول ٣/٢٣٧، البرهان ٢/١٣٥٦، المعتمد ٢/٧٦٢، التبصرة ص ٥٢١، المنخول ص ٤٦٨، مناهج العقول ٣/٢٣، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩١، جمع الجوامع ٢/٣٨٦، الإحكام للآمدي ٤/١٦٥، المستصفى ٢/٣٥٥، ٣٦٦، المحصول ٢/٣/٩، ١٨، الروضة ص ٣٥٦، ٣٥٧، المسودة ص ٥٠٦، ٥٠٧، ٥٠٨، ٥١٠، مختصر البعلي ص ١٦٤، مختصر الطوفي ص ١٧٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٦٣، أصول السرخسي ٢/٩١، تيسير التحري ٤/١٨٣، ١٨، فواتح الرحموت ٢/٣٦٦، إرشاد الفحول ص ٢٥٦، التمهيد للأسنوي ص ١٥٩، الوسيط ص ٥٠٠. ٢ الآية ٥٠ من الأنعام. ٣ ساقطة من ض. ٤ وهو قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم الجبائي، وابن حزم، وكل من منع القياس أصلًا منع الاجتهاد على الرسول ﷺ عقلًا وشرعًا. انظر أدلتهم مع مناقشتها في "نزهة الخاطر ٢/٤٠٩، العضد على ابن الحاجب ٢/٢٩١، التمهيد ص ١٥٩، الإحكام للآمدي ٤/١٦٥، تيسير =
[ ٤ / ٤٧٥ ]
ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ١ عَبْدِ اللَّهِ.
"وَوَقَعَ" عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وَذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ.
وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فِي الاسْتِدْلالِ٢ بِالْوَقَائِعِ وَغَيْرِهِمْ٣. وَقِيلَ: لَمْ يَقَعْ٤.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ٥.
_________________
(١) = التحرير ٤/١٨٥، ١٨٨، الإحكام لابن حزم ٢/٦٩٩، البرهان ٢/١٣٥٦، المعتمد ٢/٧٦١، المنخول ص ٤٦٨، التبصرة ص ٥٢١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٦، المحصول ٢/٣/٩، ١٩، المستصفى ٢/٣٥٦، مختصر الطوفي ص ١٧٥، نهاية السول ٣/٢٣٧، إرشاد الفحول ص ٢٥٥". ١ ساقطة من ض ب ز. ٢ في ش: المستدل. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ٤/١٦٥، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٩١، المحصول ٢/٣/٩، اللمع ص ٧٦، التبصرة ص ٥٢١، نهاية السول ٣/٢٣٧، نزهة الخاطر ٢/٤١١، مختصر الطوفي ص ١٧٥، جمع الجوامع ٢/٣٨٦، إرشاد الفحول ص ٢٥٦، المسودة ص ٥٠٦ وما بعدها، الروضة ص ٣٥٧، تيسير التحرير ٤/١٨٦، الوسيط ص ٥٠٠. ٤ قال بعدم وقوع الاجتهاد من النبي ﷺ شرعًا أكثر المتكلمين وبعض الشافعية، انظر هذا القول مع أدلته ومناقشتها في الروضة ص ٣٥٧، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٨٧، الإحكام للآمدي ٤/١٦٥، ١٦٨، المحصول ٢/٣/٩/١٤، اللمع ص ٧٦، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٦، نهاية السول ٣/٢٣٧". ٥ وهناك قول رابع بالجواز والوقوع في الآراء والحروب، والمنع في غيرها جمعًا بين =
[ ٤ / ٤٧٦ ]
وَاسْتُدِلَّ لِلصَّحِيحِ -الَّذِي هُوَ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ- بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَبِأَنَّ الأَصْلَ مُشَارَكَتُهُ لأُمَّتِهِ، وَبِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١ وقَوْله ﷾: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢ وَطَرِيقُ الْمُشَاوَرَةِ٣: الاجْتِهَادُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَّهُ اسْتَشَارَ فِي أَسْرَى٤ بَدْرٍ فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْفِدَاءِ وَعُمَرُ بِالْقَتْلِ، فَجَاءَ عُمَرُ مِنْ الْغَدِ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ، وَقَالَ ﷺ: "أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ٥ " وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ٦ وَتَعَالَى: ﴿مَا كَانَ
_________________
(١) = الأدلة، وقال الرازي:"وتوقف أكثر المحققين في ذلك" "المحصول ٢/٣/٩، ١٤"، وهو ما صححه الغزالي في "المستصفى ٢/٣٥٥". وانظر: جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٨٧، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٦، نهاية السول ٣/٢٣٧، تيسير التحرير ٤/١٨٥، إرشاد الفحول ص ٢٥٦. ١ الآية ٢ من الحشر. ٢ الآية ١٥٩ من آل عمران. ٣ في ض: المشاركة. ٤ في ب: أمر. ٥ هذا جزء من حديث –مع الاختصار- رواه مسلم عن ابن عباس ﵁، ورواه أحمد عن أنس، ورواه أبو داود مختصرًا، كما رواه الترمذي، وذكرته كتب التفسير والسيرة. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٨٦، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣١، مسند أحمد ٣/٢١٩، سنن أبي داود ٢/٥٦، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٥/٣٧٢. ٦ في ض: وأنزل الله، وفي ش: وقوله.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ ١ وَأَيْضًا ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢.
قَالَ فِي الْفُنُونِ: هُوَ مِنْ أَعْظَمِ دَلِيلِ الرِّسَالَةِ٣، إذْ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ لَسَتَرَ٤ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ صَوَّبَهُ٥ لِمَصْلَحَةٍ يَدَّعِيهَا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ" ٦ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ٧ فِيمَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ٨ فِيهِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بِبَدْرٍ دُونَ الْمَاءِ، قَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ٩ " إنْ كَانَ هَذَا بِوَحْيٍ فَنَعَمْ، وَإِنْ كَانَ
_________________
(١) ١ الآية ٦٧ من الأنفال. وانظر: تفسير الطبري ١٠/٤٣، تفسير القرطبي ٨/٤٦، تفسير ابن كثير ٢/٣٢٥، فتح القدير ٢/٣٢٦. ٢ الآية ٤٣ من التوبة. وانظر تفسير الطبري ١٠/١٤٢، تفسير القرطبي ٨/١٥٤، تفسير ابن كثير ٢/٣٦٠، فتح القدير ٢/٣٦٥. ٣ في ش ب: لرسالته. ٤ في ش: لستره، وفي ز: ستر. ٥ في د ض: صوبها. ٦ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والشافعي عن جابر مرفوعًا، ورواه أبو داود عن عائشة مرفوعًان ورواه أحمد عن ابن عباس مرفوعًا. انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ١/١٨٨، صحيح مسلم بشرح النووي ٨/١٥٥، سنن أبي داود ١/٤١٤، بدائع المنن ١/٣١٠، مسند أحمد ١/٢٥٩، التلخيص الحبير ٢/٢٣١. ٧ ساقطة من ض. ٨ في ز: شيء. ٩ هو الحباب بن المنذر بن الجموح، أبو عمر، الأنصاري الخزرجي الصحابي، شهد مع رسول الله ﷺ بدرًا والمشاهد كلها، وكان يقال له: =
[ ٤ / ٤٧٨ ]
الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ، فَانْزِلْ بِالنَّاسِ عَلَى الْمَاءِ لِتَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ فَقَالَ: لَيْسَ بِوَحْيٍ، إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ١ وَاجْتِهَادٌ رَأَيْتُهُ، وَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِ"٢ وَكَذَا إلَى قَوْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ٣، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لَمَّا أَرَادَ صُلْحَ الأَحْزَابِ عَلَى٤ شَطْرِ نَخْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَتَبَ بَعْضَ الْكِتَابِ بِذَلِكَ، وَقَالا لَهُ" إنْ كَانَ بِوَحْيٍ: فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ: فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ"٥ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِغَيْرِ مَا
_________________
(١) = ذا الرأي، وحضر يوم سقيفة بني ساعدة عند بيعة أبي بكر، وكان خطيب الأنصار، توفي بالمدينة في خلافة عمر ﵁، وقد زاد عمره عن الخمسين. انظر ترجمته في "الإصابة ١/٣١٦، أسد الغابة ١/٤٣٦، مشاهير علماء الأمصار ص ٢٥". ١ ساقطة من ز. ٢ هذا الحديث رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال الذهبي عنه: حديث منكر، وذكره ابن كثير في "البداية"، كما ذكره كتاب السيرة. انظر: المستدرك ٣/٤٢٧، البداية والنهاية ٣/١٦٧، زاد المعاد ٣/١٧٥، السيرة النبوية لابن هشام ١/٦٢٠. ٣ هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، الصحابي، سيد الأوس، أسلم على يد مصعب بن عمير قبل الهجرة، وأسلم معه جميع بني الأشهل، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق وقريظة، ونزلوا على حكمه فيهم، وقال له النبي ﷺ: لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى، وتوفي شهيدًا من جرح أصابه من قتال الخندق، فقال النبي ﷺ: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"، ومناقبه كثيرة ومشهورة، ومنها كلامه وتأييده قبل معركة بدر. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/٨٧، أسد الغابة ٢/٣٧٣، تهذيب الأسماء ١/٢١٥، الخلاصة ١/٣٧١". ٤ في ض: بـ. ٥ هذا جزء من حديث طويل رواه البزار والطبراني في "الكبير" وذكرته كتب السيرة. انظر: زاد المعاد ٣/٢٧٣، السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٢٣، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣٢، مجمع الزوائد ٦/١٣٢.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
ذُكِرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى١ أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِالاجْتِهَادِ.
"وَ" عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ٢ اجْتِهَادِهِ ﷺ وَوُقُوعِهِ مِنْهُ "لا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ" إجْمَاعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ٣، إلاَّ أَنَّهُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ. وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ٤.
وَمَنَعَ قَوْمٌ جَوَازَ الْخَطَإِ عَلَيْهِ٥، لِعِصْمَةِ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ الْخَطَإِ فِي الاجْتِهَادِ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ز: يجوز. ٣ في ش ب ز: الخطأ عليه. ٤ انظر هذا القول مع أدلته في "الإحكام للآمدي ٤/٢١٦، ٢١٧، المسودة ص ٥٠٩، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٣، المستصفى ٢/٣٥٥، المحصول ٢/٣/٢٢، اللمع ص ٧٦، التبصرة ص ٥٢٤، نهاية السول ٣/٢٣٩، مناهج العقول ٣/٢٣٧، أصول السرخسي ٢/٩١، ٩٥، تيسير التحرير ٤/١٩٠، الإحكام لابن حزم ٢/٧٠٥، فواتح الرحموت ٢/٣٧٣". ٥ ساقطة من ز. ٦ انظر القول بعدم وقوع الخطأ من الرسول ﷺ في الاجتهاد لعِصمته، وهو اختيار السبكي والحليمي والرازي والبيضاوي والشيعة، وانظر أدلة هذا القول ومناقشتها في "المسودة ص ٥١٠، اللمع ص ٧٦، مختصر =
[ ٤ / ٤٨٠ ]
"وَ" يَجُوزُ "اجْتِهَادُ مَنْ عَاصَرَهُ ﷺ عَقْلًا" عِنْدَ الأَكْثَرِ "وَشَرْعًا وَوَقَعَ١".
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْعُدَّةِ٢ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ وَغَيْرُهُمَا. وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ٣.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ مُطْلَقًا٤.
_________________
(١) = ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٠٣، جمع الجوامع ٢/٣٨٧، الإحكام للآمدي ٤/٢١٦، تيسير التحرير ٤/١٩٠، فواتح الرحموت ٢/٣٧٢، المستصفى ٢/٣٥٥، المحصول ٢/٣/٢٢، التبصرة ص ٥٢٤، نهاية السول مع منهاج الوصول ٣/٢٣٩، مناهج العقول ٣/٢٣٦، مختصر البعلي ص ١٦٤، الوسيط ص ٥٠٥". ١ ساقطة من ض. ٢ ساقطة من ب. ٣ انظر القول بجواز اجتهاد من عاصره ﷺ عقلًا وشرعًا ووقوعه مع أدلته في "المسودة ص ٥١١، الروضة ص ٣٥٤، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٩٢، الإحكام لابن حزم ٢/٦٩٨، جمع الجوامع ٢/٣٨٧، المستصفى ٢/٣٥٤، المحصول ٢/٣/٢٥، ٢٧، اللمع ص ٧٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٦، التبصرة ص ٥١٩، مناهج العقول ٣/٢٣٩، البرهان ٢/١٣٥٥، المعتمد ٢/٧٦٥، الإحكام للآمدي ٤/١٧٥، التمهيد للأسنوي ص ١٥٨، مختصر البعلي ص ١٦٤، مختصر الطوفي ص ١٧٥، فواتح الرحموت ٢/٣٧٤، تيسير التحرير ٤/١٩٣، إرشاد الفحول ص ٢٥٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٦، نهاية السول ٣/٢٤٠". ٤ قال بمنع اجتهاد من عاصر النبي ﷺ أبو الخطاب وأبو علي الجبائي وأبو هاشم وبعض الشافعية. انظر: المسودة ص ٥١١، الروضة ص ٣٥٤، العضد على ابن الحاجب =
[ ٤ / ٤٨١ ]
وَقِيلَ: إنْ وَرَدَ الإِذْنُ بِذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ جَازَ وَإِلاَّ فَلا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْغَائِبِينَ عَنْهُ دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى النَّصِّ١.
وَقَدْ حَكَى الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ ﷺ لِلْغَائِبِ عَنْهُ.
وَاسْتَدَلَّ لِلْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ بِنُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
_________________
(١) = ٢/٢٩٣، التمهيد ص ١٥٨، المحلي على جمع الجوامع ٢/٣٨٧، الإحكام للآمدي ٤/١٧٥، ١٧٧، المستصفى ٢/٣٥٤، المحصول٢/ ٣/٢٦، ٢٧، اللمع ص ٧٥، التبصرة ص ٥١٩، نهاية السول ٣/٢٤٠، البرهان ٢/١٣٥٦، المعتمد ٢/٧٦٥، تيسير التحرير ٤/١٩٣، فواتح الرحموت ٢/٣٧٤، مختصر البعلي ص ١٦٤، مختصر الطوفي ص ١٧٥، إرشاد الفحول ص ٢٥٦. ١ أيد هذا القول الغزالي في "المنخول ص ٤٦٨" والجويني، وهناك قول رابع ذكره الرازي بقوله: "وتوقف فيه الأكثرون"، وهناك قول خامس بعد اشتراط الإذن، ويكفي السكوت من الرسول ﷺ بعد علمه بوقوعه، ولك قول دليله. انظر: المسودة ص ٥١١، الروضة ص ٣٥٤، ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٣، التمهيد ص ١٥٨، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٨٧، الإحكام للآمدي ٤/١٧٥، مختصر الطوفي ص ١٧٥، المستصفى ٢/٣٥٤، المحصول ٢/٣/٢٦، التبصرة ص ٥١٩، نهاية السول ٣/٢٤٠، البرهان ٢/١٣٥٦، المعتمد ٢/٧٦٥، تيسير التحرير ٤/١٩٣، فواتح الرحموت ٢/٣٧٤، إرشاد الفحول ص ٢٥٦.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ١، فَجَاءَ٢ فَقَالَ: "نَزَلَ هَؤُلاءِ عَلَى حُكْمِك قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ بِقَتْلِ مُقَاتِلَتِهِمْ٣ وَسَبْيِ٤ ذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: قَضَيْتَ فِيهِمْ٥ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٦.
وَجَاءَهُ٧ ﷺ رَجُلانِ فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ٨: "اقْضِ بَيْنَهُمَا" فَقَالَ: وَأَنْتَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
_________________
(١) ١ في ش: للغائب عنه فجاء إليه. ٢ ساقطة من ش ٣ في ب ز: مقاتلهم. ٤ في ب: وبسبي. ٥ ساقطة من ض ب ز. ٦ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وذكرته كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ﴾ الآية الأحزاب/٢٦. انظر: صحيح البخاري مع حاشية السندي ٣/٢٣، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٩٣، مجمع الزوائد ٦/١٣٧، تفسير الطبري ٢١/١٥٢، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٨، تفسير القرطبي ١٤/١٣٩، فتح القدير ٤/٢٧٤. ٧ في ب: وجاء. ٨ هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، القرشي السهمي، الصحابي أبو عبد الله، وقيل أبو محمد، أسلم عام خيبر سنة سبع للهجرة مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وأمره رسول الله ﷺ في غزوة ذات السلاسل، واستعمله رسول الله ﷺ على عُمان، ثم أرسله أبو بكر أميرًا على الشام، فشهد فتوحها، وولي فلسطين لعمر بن الخطاب، ثم أرسله عمر في جيش إلى مصر ففتحها، ولم يزل واليًا عليها، وأقره عثمان ثم عزله واستعمله معاوية على مصر، فبقي عليها حتى توفي، ودفن بها سنة ٤٣هـ، وقيل غير ذلك، وكان من أبطال العرب ودهاتهم، وروى له عدة أحاديث عن رسول الله ﷺ، وله مناقب كثيرة انظر ترجمته في "الإصابة ٥/٢، أسد الغابة ٤/٢٤٤، تهذيب الأسماء ٢/٣٠، مشاهير علماء الأمصار ص ٥٥، الخلاصة ٢/٢٨٨، حسن المحاضرة ١/٢٤٤، ٥٧٨".
[ ٤ / ٤٨٣ ]
"نَعَمْ" ١ وَعَنْ عُقْبَةَ٢ بْنِ عَامِرٍ٣ مَرْفُوعًا بِمِثْلِهِ٤ رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ٥ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ [فَرَجِ ٦] بْنِ فَضَالَةَ، وَضَعَّفَهُ الأَكْثَرُ٧.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ، فقال لعمرو: "اقضِ بينهما، فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله؟ قال نعم على أنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر" ورواه أحمد والدارقطني كذلك. انظر: المستدرك ٤/٨٨، مسند أحمد ٤/٢٠٥، سنن الدارقطني ٤/٢٠٣، مجمع الزوائد ٤/١٩٥. ٢ في ب: عفينة. ٣ ساقطة من ض ب. ٤ رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما. انظر: مسند أحمد ٤/٢٠٥، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٧٩، ميزان الاعتدال ٣/٣٥٤، مجمع الزوائد ٤/١٩٥، التلخيص الحبير ٤/١٨٠. ٥ سنن الدارقطني ٤/٢٠٣. ٦ اللفظة من سنن الدارقطني، وفي جميع النسخ: نوح، وهو تصحيف. ٧ هو فَرَج بن فضالة بن النعمان القضاعي، التنوخي، أبو فضالة الشامي الحمصي، كان على بيت مال بغداد، وتوفي بها سنة ١٧٦هـ في خلافة هارون الرشيد. وثقة أحمد في الشاميين، وضعفه النسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: صدوق لا يحتج به، وقال ابن معين: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر ترجمته في "الخلاصة ٢/٣٣٣، ميزان الاعتدال ٣/٣٤٣، المغني في الضعفاء ص ٥٠٩، طبقات ابن سعد ٤/٤٦٩، الوزراء والكتاب ص ١١٢".
[ ٤ / ٤٨٤ ]
وَلأَحْمَدَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ١ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ قَوْمٍ٢.
وَلأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ بَعَثَ عَلِيًّا ﵁ قَاضِيًا٣.
"وَمَنْ جَهِلَ وُجُودَهُ تَعَالَى" جَلَّ وَعَزَّ "أَوْ عَلِمَهُ، وَفَعَلَ" مَا لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ "أَوْ قَالَ مَا لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ إجْمَاعًا فَـ" ـهُوَ
_________________
(١) ١ هو معقل بن يسار بن مُعَبَّر بن حُراق، أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار وأبو علي، المزني البصري، الصحابي المشهور، شهد بيعة العقبة الرضوان، وقال –كما روى مسلم-: "لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشر مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر"، ثم نزل بالبصرة، وله الخطة المعروفة به، وإليه ينسب نهر معقل بها، روى عدة أحاديث في الكتب الستة، توفي بالبصرة في آخر خلافة معاوية. انظر ترجمته في "الإصابة ٦/١٢٦، أسد الغابة ٥/٢٣٢، تهذيب الأسماء ٢/١٠٦، الخلاصة ٣/٤٥، مشاهير علماء الأمصار ص ٣٨". ٢ قال معقل بن يسار ﵁: "أمرني النبي ﷺ أن أقضي بين قوم، فقلتُ: ما أحسنُ ما أقضيَ يا رسول الله؟ قال: " اللهُ مع القاضي ما لم يَحِف عمْدًا". انظر مسند أحمد ٥/٢٦. ٣ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم عن علي ﵁ وأوله: "في سنن أبي داود": "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا". انظر: سنن أبي داود ٢/٢٧٠، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٤/٥٦١، سنن ابن ماجه ٢/٧٧٤، مسند أحمد ١/١٤٩، تخريج أحاديث البزدوي ص ١٥٥، المستدرك ٤/٨٨.
[ ٤ / ٤٨٥ ]
"كَافِرٌ" وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالإِسْلامِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: تَبَعًا لِ " مُسْوَدَّةِ " بَنِي تَيْمِيَّةَ: مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَهُ وَفَعَلَ أَوْ قَالَ مَا أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ أَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ٢ فَكَافِرٌ. انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي آخِرِ " الشِّفَاءِ ": وَكَذَا يَكْفُرُ٣ بِكُلِّ فِعْلٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لا يَصْدُرُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُصَرِّحًا بِالإِسْلامِ، مَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ٤ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالصَّلِيبِ وَالنَّارِ وَالسَّعْيِ إلَى الْكَنَائِسِ، وَالْبِيَعِ مَعَ أَهْلِهَا، [وَالتَّزَيِّي] ٥ بِزِيِّهِمْ مِنْ شَدِّ٦ الزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ٧ - فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ هَذَا لا يُوجَدُ إلاَّ مِنْ كَافِرٍ وَأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ عَلامَةٌ عَلَى٨ الْكُفْرِ، وَإِنْ صَرَّحَ فَاعِلُهَا بِالإِسْلامِ٩. انْتَهَى.
_________________
(١) ١ انظر تيسير التحرير ٤/١٩٥ وما بعدها، ٢١٢، فواتح الرحموت ٢/٣٧٧، ٣٨٧، إرشاد الفحول ص ٢٦٠، رسائل ابن عابدين ١/٣١٦. ٢ ساقطة من ض. ٣ في الشفاء: نكفر. ٤ في الشفاء: و. ٥ اللفظة من الشفاء. ٦ في ب: مثل. ٧ في الشفاء: الزنانير وفحص الرؤوس، أي حلق أوساطها وتركها كمفاحص القطا. ٨ في ض: لـ. ٩ الشفاء ٢/٦١١.
[ ٤ / ٤٨٦ ]
"وَلا يُكَفِّرُ مُبْتَدِعٌ غَيْرَهُ" أَيْ غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمُوَفَّقُ، وِفَاقًا لِلأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَكَمُقَلِّدٍ فِي الأَصَحِّ فِيهِ عِنْدَ أَحْمَدَ ١وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ٢، وَهَلْ يَفْسُقُ أَمْ٣ لا؟.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الدَّاعِيَةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ يَكْفُرُ وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "إلاَّ الدَّاعِيَةَ فِي رِوَايَةٍ" وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ لا يَكْفُرُ الدَّاعِيَةُ وَلا غَيْرُهُ وَعَنْهُ يَكْفُرَانِ.
"وَيَفْسُقُ مُقَلِّدٌ" فِي الْبِدَعِ "لا مُجْتَهِدٌ" فِيهَا، وَيَكُونُ فِسْقُ الْمُقَلِّدِ "بِمَا كَفَرَ بِهِ الدَّاعِيَةُ".
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ كَفَّرْنَا٤ فِيهَا٥ الدَّاعِيَةَ، فَإِنَّا٦ نُفَسِّقُ الْمُقَلِّدَ فِيهَا.
قَالَ الْمَجْدُ: الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ لا تُوجِبُ الْكُفْرَ: لا يَفْسُقُ الْمُقَلِّدُ فِيهَا لِخِفَّتِهَا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: تيسير التحرير ٤/٢١٨، فواتح الرحموت ٢/٣٨٧. ٣ في ض ب ز: أو. ٤ في ب: كفرناها. ٥ ساقطة من ب. ٦ في ض: فإنها.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
"وَلا يَفْسُقُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ" قَالَهُ الْمَجْدُ.
"وَ" الْمُجْتَهِدُ "الْمُصِيبُ فِي" الأُمُورِ "الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ" إجْمَاعًا؛ لأَنَّهُ لا سَبِيلَ إلَى أَنَّ كُلًاّ١ مِنْ النَّقِيضَيْنِ أَوْ الضِّدَّيْنِ حَقٌّ، بَلْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَالآخَرُ بَاطِلٌ، وَمَنْ لا يُصَادِفُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ فِي الْوَاقِعِ: فَهُوَ ضَالٌّ آثِمٌ، وَإِنْ بَالَغَ فِي النَّظَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَدْرَكٌ ذَلِكَ عَقْلِيًّا٢ مَحْضًا. كَحُدُوثِ٣ الْعَالَمِ أَوْ٤ وُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ شَرْعِيًّا مُسْتَنِدًا إلَى ثُبُوتِ أَمْرٍ عَقْلِيٍّ، كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ٥.
"وَنَافِي الإِسْلام مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ مُطْلَقًا" يَعْنِي سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ، وَقَدْ ذُكِرَتْ هُنَا
_________________
(١) ١ في ش: كل. ٢ في ض: عقلًا. ٣ في ز: كحدث. ٤ في ض ز: و. ٥ انظر: المسودة ص ٤٩٥، الروضة ص ٣٩٥، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٩٣، التمهيد ص ١٦٣، جمع الجوامع ٢/٣٨٨، الإحكام للآمدي ٤/١٧٨، المستصفى ٢/٣٥٤، المحصول ٢/٣/٤١، اللمع ص ٧٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨، ٤٣٩، التبصرة ص ٤٩٦، المنخول ص ٤٥١، نهاية السول ٣/٢٤٩، البرهان ٢/١٣١٦، المعتمد ٢/٩٨٨، تيسير التحرير ٤/١٩٥، فواتح الرحموت ٢/٣٧٦، إرشاد الفحول ص ٢٥٩، مختصر البعلي ص ١٦٤، مختصر الطوفي ص ١٧٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٦، الوسيط ص ٥٣٣، الملك والنحل ١/٢٠١، الشفاء ٢/٦٠١.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
أَقْوَالٌ تَنْفِرُ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ أَضْرَبْنَا عَنْهَا١.
"وَالْمَسْأَلَةُ الظَّنِّيَّةُ، الْحَقُّ فِيهَا: وَاحِدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ طَلَبُهُ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ وَصَلَهُ، فَمَنْ أَصَابَهُ فَمُصِيبٌ، وَإِلاَّ فَمُخْطِئٌ مُثَابٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَقَالَهُ الأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالْمُحَاسِبِيُّ وَابْنُ كُلاَّبٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الأَشْعَرِيِّ نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ٢.
_________________
(١) ١ انظر تفصيل ذلك في "الشفاء ٢/٤٧٣ وما بعدها، ٦٠١، الملل والنحل ١/٢٠٣، مختصر البعلي ص ١٦٤، كشف الأسرار ٤/١٧، الروضة ص ٣٦٢، المنخول ص ٤٥١، المسودة ص ٤٤٦، ٤٥٧، ٤٩٥، ٥٠٣، جمع الجوامع ٢/٣٨٨، إرشاد الفحول ص ٢٥٩، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٩٣، الإحكام للآمدي ٤/١٧٨، المستصفى ٢/٣٥٤، ٣٥٧، المحصول ٢/٣/٤٢، اللمع ص ٧٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٩، فتح الغفار ٣/٣١، فواتح الرحموت ٢/٣٧٦". ٢ قال جمهور العلماء: المصيب في الفروع والظنيات واحد، وهو قول مالك وأبي حنيفة في قول والشافعية والحنابلة، وهو قول الأشعري والباقلاني والغزالي والمعتزلة، وقال الحنفية في القول الآخر: كل مجتهد مصيب، وهناك أقوال أخرى، ولكل قول دليله، وتسمى هذه المسألة: مسألة تصويب المجتهد، وذكرها العلماء بتوسع وأدلة ومناقشة. انظر: مجموع الفتاوى ١٩/٢٠٤، ٢٠/١٩، المسودة ص ٤٩٧، ٥٠١ وما بعدها، مختصر البعلي ص ١٦٥، مختصر الطوفي ص ١٧٦، الرسالة ص ٤٨٩، ٤٩٦ وما بعدها، نزهة الخاطر ٢/٤١٤، ٤١٥، الروضة ص ٣٦٠، ٣٦٣، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٣، ١٩٤ وما بعدها، التمهيد ص ١٦٣، جمع الجوامع ٢/٣٨٩، الإحكام للآمدي ٤/١٨٣ وما بعدها، =
[ ٤ / ٤٨٩ ]
قَالَ "وَثَوَابُهُ عَلَى قَصْدِهِ وَاجْتِهَادِهِ لا عَلَى الْخَطَإِ١" وَقَالَهُ٢ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَبَعْضُهُمْ عَلَى قَصْدِهِ٣.
وَفِي الْعُدَّةِ وَغَيْرِهَا: مُخْطِئٌ عِنْدَ اللَّهِ وَحُكْمًا٤.
"وَ" الْقَضِيَّةُ "الْجُزْئِيَّةُ الَّتِي فِيهَا نَصٌّ قَاطِعٌ: الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ بِالاتِّفَاقِ٥" وَإِنْ دَقَّ مَسْلَكُ ذَلِكَ الْقَاطِعِ٦.
_________________
(١) = المستصفى ٢/٣٥٧، ٣٦٣ وما بعدها، المحصول ٢/٣/٤٧ وما بعدها، ٨٨ وما بعدها، اللمع ص ٧٣. شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨، ٤٣٩، التبصرة ص ٤٩٦ وما بعدها، المنخول ص ٤٥٣، نهاية السول ٣/٢٤٦، مناهج العقول ٣/٢٥٠ وما بعدها، البرهان ٢/١٣١٩، المعتمد ٢/٩٤٩، ٩٥٦، ٩٦٤، التوضيح على التنقيح ٣/٦٤، ٦٦، ٦٨، فتح الغفار ٣/٣٥، كشف الأسرار ٤/١٦، ١٨ ٢٥، تيسير التحرير ٤/٢٠٢، فواتح الرحموت ٢/٣٨٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٦. ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: وقال. ٣ انظر: مختصر الطوفي ص ١٧٧، الإحكام لابن حزم ٢/٦٤٨، تيسير التحرير ٤/٢٠٢، شرح الورقات ص ٢٨١، ٢٨٢، فواتح الرحموت ٢/٣٨١. ٤ انظر المسودة ص ٤٩٨، ٥٠١. ٥ في ض: باتفاق. ٦ انظر: مجموع الفتاوى ١٩/٢٠٥، الروضة ص ٣٥٩، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٩٤، جمع الجوامع ٢/٣٩٠، المستصفى ٢/٣٥٤، ٣٧٥، مختصر الطوفي ص ١٧٦، ١٧٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٦، إرشاد الفحول ص ٢٦٠، الوسيط ص ٥٣٦.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
"وَلا يَأْثَمُ مُجْتَهِدٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، وَيُثَابُ" عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَخَالَفَ الظَّاهِرِيَّةُ وَجَمْعٌ١.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ وَتَكَرَّرَ وَشَاعَ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلا تَأْثِيمٍ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ أَحَدٌ فِي أَحَدِ أَرْكَانِ
_________________
(١) ١ قال بعض المتكلمين وبشر المريسي وأبو بكر الأصم وابن عُليّة: إن المصيب واحد، والحق في جهة واحدة، والمخطئ آثم مطلقًا، سواء بذل جهده في الاجتهاد أم لا، وقالت الظاهرية: إن المصيب واحد، ولا إثم على المخطئ المعذور الذي بذل جهده، وقال عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة والجاحظ: لا يأثم المجتهد المخطئ سواء كان في أصول الدين والعقيدة أم في الفروع متى جد في طلبه، حتى ولو وصل إلى ما يخالف الإسلام، وقيل إن العنبري رجع عن هذا الرأي. انظر هذه الآراء مع أدلتها ومناقشتها في "مجموع الفتاوى ١٩/١٢٤، ٢٠٣ وما بعدها، ٢٠٦، القواعد النورانية ص ١٢٨، المسودة ص ٤٩٥، ٤٩٧، ٥٠٣، الروضة ص ٣٦٢، ٣٦٨ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب ٢/٢٩٤ وما بعدها، التمهيد للأسنوي ص ١٦٤، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٨٨، ٣٨٩، الإحكام للآمدي ٤/١٧٨، ١٨٢، ١٨٣، المستصفى ٢/٣٥٤، ٣٦٠ وما بعدها، المحصول ٢/٣/٤١، ٤٦، ٥٠ وما بعدها، الاعتصام ١/١٦٧، اللمع ص ٧٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٨ وما بعدها، التبصرة ص ٤٩٦، المنخول ص ٤٥٤، الإحكام لابن حزم ٢/٦٤٧، ٦٥٨، ١١٥٩، البرهان ٢/١٣١٦، ١٣٢٠، المعتمد ٢/٩٤٩، ٩٨٨، كشف الأسرار ٤/١٧، تيسير التحرير ٤/١٩٧ وما بعدها، فواتح ٢/٣٧٧، إرشاد الفحول ص ٢٥٩، ٢٦١، الفقيه والمتفقه ٢/٦٠ وما بعدها، مختصر الطوفي ص ١٧٧، ١٧٨، ١٨٤".
[ ٤ / ٤٩١ ]
الإِسْلامِ الْخَمْسِ لأَنْكَرُوا١ كَمَانِعِي٢ الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ.
"وَلا" يَأْثَمُ أَيْضًا "مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ، وَ٣لَوْ خَالَفَ" دَلِيلًا "قَاطِعًا وَإِلاَّ أَثِمَ لِتَقْصِيرِهِ".
أَمَّا عَدَمُ إثْمِهِ إذَا بَذَلَ وُسْعَهُ: فَلأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا، وَقَدْ أَتَى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْذُلْ وُسْعَهُ: فَإِنَّهُ يَأْثَمُ؛ لِكَوْنِهِ قَصَّرَ فِي بَذْلِ الْوُسْعِ٤.
وَلِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ "فِي وَقْتَيْنِ لا" فِي وَقْتٍ "وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ".
أَمَّا كَوْنُ الْمُجْتَهِدِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ: فَلأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ، وَلأَنَّهُ لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَا٥ فَاسِدَيْنِ وَعُلِمَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ بِهِمَا
_________________
(١) ١ في ض ب: أنكروا. ٢ في ض: كمانع. ٣ ساقطة من ب. ٤ انظر: المسودة ٤٩٨، ٥٠١، ٣٦٠، الروضة ص ٣٧٥ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٩٤، ٣٩٥ وما بعدها، جمع الجوامع ٢/٣٩٠، ٣٩١، الإحكام للآمدي ٤/١٨٤، المستصفى ٢/٣٦٤، المحصول ٢/٣/٥١، التلويح على التوضيح ٣/٦٩، تيسير التحرير ٤/٢٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٧. ٥ في ب: يكون.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
حَرَامٌ فَلا قَوْلَ أَصْلًا، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَاسِدًا، فَكَذَلِكَ فَلا وُجُودَ لِلْقَوْلَيْنِ، أَوْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ فَإِذًا الْقَوْلُ بِهِمَا مُحَالٌ، لاسْتِلْزَامِهِمَا التَّضَادَّ١ الْكُلِّيَّ و٢َالْجُزْئِيَّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَاسِدَ مِنْهُمَا: فَلَيْسَ عَالِمًا بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فَلا قَوْلَ لَهُ٣ فِيهَا فَيَلْزَمُهُ التَّوَقُّفُ أَوْ التَّخْيِيرُ، وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ لا قَوْلانِ٤.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ إلاَّ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ.
وَفَائِدَةُ ذِكْرِ٥ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا لا يُؤْخَذُ بِهِ، وَأَنَّ الْجَوَابَ مُنْحَصِرٌ فِيمَا ذُكِرَ فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ فِيهِ٦.
_________________
(١) ١ في ش: الجزئي والكلي، وفي ز: كالكلي والجزئي ٢ في ب ز: أو. ٣ في ض: فليس له قول. ٤ انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد ٢/٢٩٩، الإحكام للآمدي ٤/٢٠١، فتح الغفار ٣/٣٧، نهاية السول ٣/١٨٤، المعتمد ٢/٨٦٠، شرح تنقيح الفصول ص ٤١٩، رسائل ابن عابدين ١/٢٣، تيسير التحرير ٤/٢٣٢، المعتمد ٢/٨٦٠، مختصر البعلي ص ١٦٥، مختصر الطوفي ١٧٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٧، فتح الغفار ٣/٣٧، القواعد النورانية ص ١٢٧، ١٢٩. ٥ في ض: ذلك. ٦انظر: جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٥٩، المحصول ٢/٣/٥٢٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٤/٢٠١ وما بعدها، اللمع ص ٧٤، ٧٥، التبصرة ص ٥١١ =
[ ٤ / ٤٩٣ ]
قَالَ الطُّوفِيُّ: وَأَحْسَنُ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الدَّلِيلانِ فَقَالَ بِمُقْتَضَاهُمَا عَلَى شَرِيطَةِ التَّرْجِيحِ١ انْتَهَى.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُجْتَهِدِ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي وَقْتَيْنِ: فَلأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتَيْنِ لَيْسَ بِمُحَالٍ.
ثُمَّ لا يَخْلُو: إمَّا٢ أَنْ يُعْلَمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، أَوْ لا "فَإِنْ عُلِمَ أَسْبَقُهُمَا" أَيْ أَسْبَقُ الْقَوْلَيْنِ "فَالثَّانِي مَذْهَبُهُ" أَيْ مَذْهَبُ٣ الْمُجْتَهِدِ الْقَائِلِ بِالْقَوْلَيْنِ "وَهُوَ نَاسِخٌ" لِقَوْلِهِ الأَوَّلِ عِنْدَ الأَكْثَرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْهُ٤.
_________________
(١) = وما بعدها، نهاية السول ٣/١٨٥، البرهان ٢/١٣٦٣، تيسير التحرير ٤/٢٣٣، فواتح الرحموت ٢/٣٩٥، الوسيط ص ٥٥٣، المعتمد ٢/٨٦١، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٩، ٣٠٠، الروضة ص ٣٧٦، مختصر البعلي ص ١٦٥، مختصر الطوفي ص ١٧٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٧. ١ مختصر الطوفي ص ١٨٠. ٢ ساقطة من ض ب ز. ٣ ساقطة من ش. ٤ انظر المسودة ص ٥٢٦، ٥٢٧، الروضة ص ٣٧٦، ٣٨٠، مختصر البعلي ص ١٦٥، مختصر الطوفي ص ١٨٢، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٩٩، الإحكام للآمدي ٤/٢٠١، اللمع ص ٧٥، التبصرة ص ٥١٤، فتح الغفار ٣/٣٧، تيسير التحرير ٤/٢٣٢، نهاية السول ٣/١٨٥ وما بعدها، المحصول ٢/٣/٥٢٢، الفروع ١/٦٤، صفة الفتوى ص ٣٣، ٣٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٧، ١٩٠، إرشاد الفحول ص ٢٦٣.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إذَا رَأَيْتُ مَا هُوَ أَقْوَى أَخَذْتُ بِهِ، وَتَرَكْتُ الْقَوْلَ الأَوَّلَ١.
وَقِيلَ: يَكُونُ الأَوَّلُ مَذْهَبَهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ عَنْ الأَوَّلِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، كَمَنْ صَلَّى صَلاتَيْنِ بِاجْتِهَادَيْنِ إلَى جِهَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَخْطَأَ؛ وَلأَنَّ الاجْتِهَادَ لا يُنْقَضُ بِالاجْتِهَادِ٢.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الأَسْبَقُ مِنْهُمَا "فَمَذْهَبُهُ" أَيْ فَمَذْهَبُ٣ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ "أَقْرَبُهُمَا" أَيْ أَقْرَبُ الْقَوْلَيْنِ "مِنْ الأَدِلَّةِ، أَوْ" مِنْ "قَوَاعِدِهِ" أَيْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ٤. قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ وَغَيْرِهِ٥.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرُهُ: يُجْتَهَدُ فِي الأَشْبَهِ بِأُصُولِهِ، الأَقْوَى فِي الْحُجَّةِ: فَيَجْعَلَهُ مَذْهَبَهُ.
_________________
(١) ١ في ش: الآخر. ٢ انظر: المسودة ص ٥٢٧ن الروضة ص ٣٨٠ وما بعدها، مختصر البعلي ص ١٦٥، مختصر الطوفي ص ١٨٢، الفروع وتصحيحه ١/٦٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٠. ٣ في ض ب ز: مذهب. ٤ انظر: المسودة ص ٥٢٦، ٥٢٨، الروضة ص ٣٨٠، التبصرة ص ٥١٤، تيسير التحرير ٤/٢٣٢، روضة الطالبين ١١/١١١، مختصر البعلي ص ١٦٥، مختصر الطوفي ص ١٨٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٧، ١٩٠. ٥ الفروع لابن مفلح ١/٦٥، صفة الفتوى ص ٤٠، ٨٧، ٨٩، الروضة ص ٣٨٠.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
"وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الإِطْلاقِ الَّذِينَ لَمْ يُؤَلِّفُوا كُتُبًا مُسْتَقِلَّةً فِي الْفِقْهِ - كَاللَّيْثِ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَنَحْوِهِمْ - فَإِنَّمَا١ أَخَذَ أَصْحَابُهُ مَذْهَبَهُ مِنْ بَعْضِ تَآلِيفِهِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِالْفِقْهِ، وَمِنْ أَقْوَالِهِ فِي فَتَاوِيهِ، وَغَيْرِهَا. وَ٢مِنْ أَفْعَالِهِ "مَا قَالَهُ" صَرِيحًا فِي الْحُكْمِ بِلَفْظٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، أَوْ بِلَفْظٍ ظَاهِرٍ فِي الْحُكْمِ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ "أَوْ جَرَى مَجْرَاهُ" أَيْ جَرَى٣ مَجْرَى مَا قَالَهُ "مِنْ تَنْبِيهٍ وَغَيْرِهِ" كَقَوْلِهِمْ: أَوْمَأَ إلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ، أَوْ دَلَّ كَلامُهُ عَلَيْهِ٤، أَوْ تَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ قَسَّمَ أَصْحَابُهُ دَلالَةَ أَلْفَاظِهِ إلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ٥ "وَكَذَا فِعْلُهُ" يَعْنِي أَنَّهُ٦ إذَا فَعَلَ فِعْلًا قُلْنَا: مَذْهَبُهُ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ، وَإِلاَّ لَمَا كَانَ الإِمَامُ٧ فَعَلَهُ٨.
_________________
(١) ١ في ض ب: وإنما. ٢ ساقطة من ب. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ض: لكلامه. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ١٩/١٥٢، ٢٠/٢١٧، مختصر البعلي ص ١٦٦، مختصر الطوفي ص ١٨١، المسودة ص ٥٢٤، ٥٢٩ وما بعدها، ٥٣٢، ٥٣٣، نزهة الخاطر ٢/٣٦٤، التبصرة ص ٥١٥ وما بعدها، صفة الفتوى ص ٨٥، ١١٣. ٦ ساقطة من ض. ٧ ساقطة من ش ز. ٨ اختلف العلماء في أخذ مذهب الإمام من فعله على قولين، فمنهم من أجازه وهو الراجح، ومنهم من منعه. انظر: مجموع الفتاوى ١٩/١٥٢ وما بعدها، صفة الفتوى ص ١٠٣.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
"وَ" كَذَا "مَفْهُومُ كَلامِهِ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِكَلامِهِ مَفْهُومٌ، فَإِنَّا نَحْكُمُ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ بِمَا يُخَالِفُ الْمَنْطُوقَ، إنْ كَانَ مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ، أَوْ بِمَا يُوَافِقُهُ، إنْ كَانَ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ.
وَفِي١ فِعْلِهِ. وَ٢مَفْهُومُ كَلامِهِ وَجْهَانِ لِلأَصْحَابِ٣ أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلًاّ مِنْ فِعْلِهِ وَمَفْهُومِ كَلامِهِ: مَذْهَبٌ لَهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ فِي تَهْذِيبِ الأَجْوِبَةِ: عَامَّةُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ: إنَّ فِعْلَهُ مَذْهَبٌ لَهُ وَقَدَّمَهُ، وَرَدَّ٤ غَيْرُهُ.
وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: اخْتَارَ الْخِرَقِيُّ٥ وَابْنُ حَامِدٍ
_________________
(١) ١ في ش: وقد. ٢ في ش: وفي. ٣ ساقطة من ب. ٤ في ش: وردَّه. ٥ هو عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي، أخذ العلم عن أصحاب الإمام أحمد، كان عالمًا بارعًا في مذهب الإمام أحمد، وأحد أئمة المذهب، وكان ذا ورع ودين، كثيرة العبادة والفضائل، وله مصنفات كثيرة، وتخريجات على المذهب لم ينتشر منها إلا "المختصر في الفقه" الذي شرحه الموفق ابن قدامة في "المغني"، كان الخرقي في بغداد فخرج منها، وتوفي بدمشق سنة ٣٣٤هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/٧٥، المنهج الأحمد ٢/٥١، المنتظم ٦/٣٤٦، شذرات الذهب ٢/٣٣٦، البداية والنهاية ١١/٢١٤، وفيات الأعيان ٣/١١٥، طبقات الفقهاء ص ١٧٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٩".
[ ٤ / ٤٩٧ ]
وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: أَنَّ مَفْهُومَ كَلامِهِ مَذْهَبُهُ وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ١: أَنَّهُ لا يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ٢. انْتَهَى٣.
وَإِذَا صَحَّ كَوْنُ مَفْهُومِ كَلامِهِ مَذْهَبًا لَهُ "فَلَوْ قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ بِخِلافِهِ" أَيْ بِخِلافِ مَفْهُومِ كَلامِهِ "بَطَلَ" كَوْنُ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ الَّذِي صَرَّحَ بِخِلافِهِ مَذْهَبًا لَهُ٤.
"فَإِنْ٥ عَلَّلَهُ٦" أَيْ عَلَّلَ مَا ذُكِرَ مِنْ حُكْمٍ "بِعِلَّةٍ؛ فَقَوْلُهُ" هُوَ٧ "مَا وُجِدَتْ فِيهِ" تِلْكَ الْعِلَّةُ "وَلَوْ قُلْنَا: بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ" عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: سَوَاءٌ قُلْنَا: بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَوْ لا. وَقَطَعَ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ٨ وَمُخْتَصَرِ الطُّوفِيِّ٩ وَغَيْرِهِمَا؛ إذْ الْحُكْمُ
_________________
(١) ١ هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر غلام الخلال، كما نص عليه ابن حمدان يف "صفة الفتوى ص ١٠٣، وهو المقصود في المذهب إذا أطلق، وسبقت ترجمته "١/١٩٢". ٢ ساقطة من ض. ٣ صفة الفتوى ص ١٠٢ مع التصرف، وانظر: المسودة ص ٥٣٢. ٤ انظر: المسودة ص ٥٣٢، صفة الفتوى ص ١٠٣. ٥ في ش: فلو. ٦ في ش: علل. ٧ ساقطة من ض ب ز. ٨ الروضة ص ٣٧٩، وانظر: الفروع ١/٧٠، المسودة ص ٥٢٥. ٩ مختصر الطوفي ص ١٨١.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
يَتْبَعُ الْعِلَّةَ١.
وَقِيلَ: لا يَكُونُ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ٢.
"وَكَذَا الْمَقِيسُ عَلَى كَلامِهِ" يَعْنِي أَنَّهُ مَذْهَبُهُ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مَذْهَبُهُ فِي الأَشْهَرِ٣ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمَا٤، وَهُوَ مَذْهَبُ الأَثْرَمِ وَالْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ٥ فِي تَهْذِيبِ الأَجْوِبَةِ.
وَقِيلَ: لا يَكُونُ مَذْهَبَهُ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ٦.
قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَالأَجْوَدُ أَنْ يُفَصَّلَ فَمَا كَانَ مِنْ جَوَابٍ لَهُ مِنْ٧ أَصْلٍ ٨يَحْتَوِي عَلَى٩ مَسَائِلَ خَرَجَ جَوَابُهُ عَلَى بَعْضِهَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ بَقِيَّةُ مَسَائِلِ ذَلِكَ الأَصْلِ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ١٠.
_________________
(١) ١ انظر: المسودة ص ٥٢٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٩. ٢ انظر: المسودة ص ٥٢٥. ٣ الفروع ١/٦٥، وانظر: صفة الفتوى ص ٨٨. ٤ في ب ز: وغيرهم. ٥ في ش: أبو حامد، وفي ض: ابن حمدان. ٦ وقال بهذا الشيرازي الشافعي في "اللمع ص ٧٥"، وانظر: تصحيح الفروع ١/٦٦. ٧ في ض ب ز: في. ٨ ساقطة من ض. ٩ ساقطة من ب ز. ١٠ انظر: المسودة ص ٥٣٢، اللمع ص ٧٥.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا١ "فَلَوْ أَفْتَى فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفِينَ فِي وَقْتٍ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ" أَيْ نَقْلُ الْحُكْمِ "مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ "إلَى الأُخْرَى عَلَى الأَصَحِّ" كَقَوْلِ الشَّارِعِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَجْدُ٢ وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ٣، كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَنَعَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ٤.
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَآدَابِ٥ الْمُفْتِي: أَوْ قَرُبَ٦ الزَّمَنُ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ ذَاكِرٌ حُكْمَ٧ الأَدِلَّةِ حِينَ أَفْتَى بِالثَّانِيَةِ٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: المسودة ص ٥٢٥، ٥٣٢، ٥٣٣، ٥٣٤. ٣ انظر: الروضة ص ٣٨٠. ٤ قال ابن بدران: "النقل يكون من نص الإمام بأن ينقل عن محلٍ إلى غيره بالجامع المشترك، والتخريج يكون من قواعده الكلية، فهو أعم من النقل ، وأما النقل والتخريج معًا فهو مختص بنصوص الإمام" "المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٠". وانظر: صفة الفتوى ص ٢٠ وما بعدها، القواعد النورانية ص ٢٥٨ نزهة الخاطر ٢/٤٤٥، اللمع ص ٧٥، التبصرة ص ٥١٧، المعتمد ٢/٨٦٦. ٥ في ض: أدب. ٦ في ش: أقرب. ٧ في ش: حكمًا. ٨ قال ابن بدران: "والأولى جواز ذلك بعد الجد والبحث فيه من أهله، إذ خفاء الفرق مع ذلك، وإن دق، ممتنع، وقد وقع النقل والتخريج في مذهبنا" وذكر أمثلة عن "المحرر" "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨٩".
[ ٤ / ٥٠٠ ]
"وَلَوْ نَصَّ" الإِمَامُ "عَلَى حُكْمِ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ بِكَذَا، أَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَيْهِ". لَكَانَ١ مَذْهَبًا لَهُ٢: "لَمْ يَكُنْ" ذَلِكَ "مَذْهَبًا لَهُ" أَيْ لِلإِمَامِ كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى كَذَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ بَعْدَهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ وَآدَابِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهِمْ٣.
"وَالْوَقْفُ مَذْهَبٌ" يَعْنِي أَنَّ الإِمَامَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَتَوَقَّفَ فِيهَا، فَيَكُونُ مَذْهَبُهُ فِيهَا الْوَقْفَ٤، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٥.
_________________
(١) = ونقل ابن مفلح وجهين في ذلك، ونقل النووي عن الشيرازي عدم جواز النقل أيضًا. انظر المسودة ص ٥٢٥ وما بعدها، ٥٢٧، ٥٤٨، صفة الفتوى ص ٢١، ٨٨، الروضة ص ٣٨٠، الفروع ١/٦٥، الإحكام للآمدي ٤/٢٠٢، روضة الطالبين ١١/١٠٢، التبصرة ص ٥١٦ وما بعدها، نزهة الخاطر ٢/٤٤٣، مختصر الطوفي ص ١٨١، اللمع ص ٧٥، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٦٠. ١ في ش: كان. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ انظر: صفة الفتوى ص ١٠٢، الفروع ١/٧٠، المسودة ص ٥٢٤، اللمع ص ٧٥، التبصرة ص ٥١٨. ٤ خالف في ذلك ابن حمدان وابن مفلح، فقال ابن حمدان: "فإن توقف في مسألة، جاز إلحاقها بما يشبهها، إن كان حكمه أرجح من غيره، وإن أشبهت مسألتين أو أكثر، أحكامها مختلفة بالخفة والثقل، فهل يلحق بالأخف، أو الأثقل، أو يخير المقلد بينهماِ؟ يحتمل أوجهًا، الأظهر عنه التخيير" "صفة الفتوى ص ١٠٢" وقال ابن مفلح مثل ذلك في الفروع ١/٧". ٥ ساقطة من ض ب ز.
[ ٤ / ٥٠١ ]