"فصل"
يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ١.
فَـ "مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ" كَقِيَاسِ الأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ٢ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ " الْحَدِيثَ٣ "فَإِنَّا نَقْطَعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ الذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ فِيهِ.
_________________
(١) ١ انظر كلام الأصوليين على تقسيم القياس بهذا الاعتبار في "أدب القاضي للماوردي ١/٥٨٦-٦٠٠، الإحكام للآمدي ٤/٣، المنهاج للباجي ص ٢٦، الجدل لابن عقيل ص ١١، التلويح على التوضيح ٢/٥٨٩، اللمع ص ٥٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٤٤ وما بعدها، المنخول ص ٣٣٤، مختصر البعلي ص ١٥٠، المحصول ٢/٢/١٧٠، شرح العضد ٢/٢٤٧، نشر البنود ٢/٢٤٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٩، إرشاد الفحول ص ٢٢٢، نهاية السول ٣/٢٩، تيسير التحرير ٤/٧٦". ٢ في ز: ما. ٣ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن ابن عمر ﵁. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁. "انظر صحيح البخاري ٣/١١١، صحيح مسلم ٣/١٢٨٦، سنن النسائي ٧/٢٨١، بذل الجهود ١٦/٢٧٦، عارضة الأحوذي ٦/٩٢، سنن ابن ماجة ٢/٨٤٤، مسند أحمد ١/٥٦".
[ ٤ / ٢٠٧ ]
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ " أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ" نَقْطَعُ١ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي مَعْنَاهُ.
وَمِثْلُهُ قِيَاسُ الصَّبِيَّةِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي حَدِيثِ "مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ٢ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ" فَإِنَّا نَقْطَعُ أَيْضًا بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ الذُّكُورَةَ وَالأُنُوثَةَ.
"أَوْ نُصَّ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى عِلَّتِهِ "أَوْ أُجْمِعَ عَلَى عِلَّتِهِ" وَتَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُمَا.
"فَـ" هُوَ٣ فِي٤ الصُّوَرِ الثَّلاثِ "قِيَاسٌ جَلِيٌّ".
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ وَلَمْ تَكُنْ عِلَّتُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا، ٥أَوْ لَمْ تَكُنْ٦ مُجْمَعًا عَلَيْهَا "فَخَفِيٌّ"؛ لأَنَّ احْتِمَالَ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ فِيهِ قَوِيٌّ.
وَذَلِكَ كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ فِي وُجُوبِ
_________________
(١) ١ في ض ب: يقطع. وفي ش: فإنا نقطع. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ش: كل. ٤ في ش: من. ٥ ساقطة من ض. ٦ في ش ز: يكن.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
الْقِصَاصِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ فِي الْمُثْقَلِ١.
"وَ" يَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ أَيْضًا "بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ" إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: قِيَاسُ عِلَّةٍ، وَقِيَاسُ دَلالَةٍ، وَقِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ٢.
ثُمَّ "إنْ صُرِّحَ فِيهِ٣" أَيْ فِي الْقِيَاسِ "بِهَا" أَيْ بِالْعِلَّةِ، بِأَنْ كَانَ الْقِيَاسُ بِذِكْرِ الْجَامِعِ٤ وَكَانَ الْجَامِعُ هُوَ الْعِلَّةَ "فَ" هُوَ "قِيَاسُ عِلَّةٍ" كَقَوْلِنَا فِي الْمُثَقَّلِ: قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوَانٌ، فَيَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَارِحِ.
وَإِنْ كَانَ الْجَامِعُ وَصْفًا لازِمًا مِنْ لَوَازِمِ الْعِلَّةِ وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِنْ جُمِعَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقِيَاسِ "بِمَا يُلازِمُهَا" أَيْ الْعِلَّةِ كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ الْمُلازِمَةِ لِلشِّدَّةِ
_________________
(١) ١ وخالفه في ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن وقالا بوجوب القصاص في القتل بالمثقّل. انظر دليل الإمام على قوله ووجهة نظر الصاحبين في "بدائع الصنائع ١٠/٤٦١٨، رد المحتار ٥/٣٤٩، تبيين الحقائق ٦/١٠٠، البناية على الهداية ١٠/٥". ٢ انظر كلام الأصوليين في تقسيم القياس بهذا الاعتبار في "إعلام الموقعين ١/١٣٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٤/٤، المنهاج للباجي ص ٢٦ وما بعدها، مفتاح الوصول ص ١٥٥، الجدل لابن عقيل ص ١٣، اللمع ص ٥٥ وما بعدها، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٤٣ وما بعدها، مختصر البعلي ص ١٥٠، شرح العضد ٢/٢٤٧، إرشاد الفحول ص ٢٢٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٤١". ٣ في ض: به. ٤ في ش: الجامع وصفًا لازمًا من لوازم.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
الْمُطْرِبَةِ؛ لأَنَّ الرَّائِحَةَ لَيْسَتْ نَفْسَ الْعِلَّةِ.
أَوْ جُمِعَ فِي الْقِيَاسِ بِأَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْعِلَّةِ، كَقَوْلِنَا١ فِي الْمُثْقَلِ: قَتْلٌ أَثِمَ بِهِ فَاعِلُهُ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَتْلٌ فَوَجَبَ٢ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَارِحِ، فَالإِثْمُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْعِلَّةِ٣ لا نَفْسُهَا.
أَوْ جُمِعَ فِي الْقِيَاسِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي قَطْعِ الأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ: قَطْعٌ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ وُجُوبُهُ كَوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، فَوُجُوبُ الدِّيَةِ لَيْسَ عَيْنَ عِلَّةِ الْقِصَاصِ، بَلْ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهَا.
وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ "أَوْ٤ بِأَحَدِ مُوجِبِهَا٥" يَعْنِي: أَوْ جُمِعَ فِي الْقِيَاسِ٦ بِأَحَدِ مُوجِبَيْ الْعِلَّةِ "فِي الأَصْلِ" الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "لِمُلازَمَةِ الآخَرِ، فَـ" هُوَ "قِيَاسُ دَلالَةٍ".
وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَمَا جُمِعَ بِنَفْيِ الْفَارِقِ" كَإِلْحَاقِ الْبَوْلِ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ يَصُبُّهُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ بِالْبَوْلِ فِيهِ٧ "فَ" هُوَ "قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ".
_________________
(١) ١ في ض: بالمثفل. ٢ في ض: وجب. ٣ في ش: العلة كقولنا في قطع الأيدي باليد. ٤ ساقطة من ع. ٥ في ش: موجبيها. ٦ في ش: القصاص. ٧ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٢١٠ ]
وَمَثَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ١ مَا يَكُونُ الْجَامِعُ فِيهِ بِلازِمِ الْعِلَّةِ: بِقِيَاسِ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ٢ عَلَى قَتْلِهِمْ بِالْوَاحِدِ، بِوَاسِطَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ. فَإِنَّ الْجَامِعَ - الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ - لازِمُ٣ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ، وَهِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ أَحَدُ مُوجِبَيْ الْعِلَّةِ، الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُوجِبِهَا الآخَرِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ.
"ويجوز التعبد بالقياس" في الشرعيات "عقلا" عند الأئمة الأربعة٤ وغيرهم، خلافا للشيعة، وجماعة من معتزلة بغداد.
قال البرماوي: ومنهم من منعه عقلا. فقيل: لأنه قبيح في نفسه فيحرم. وقيل: لأنه يجب على الشارع أن يستنصح لعباده
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٤٧. ٢ أي إذا اشتركوا في قطع يده. "شرح العضد ٢/٢٤٨". ٣ في ش ز: بلازم. وفي ض: لازمة. وفي د: ملازمة. ٤ انظر "فواتح الرحموت ٢/٣١٠، المستصفى ٢/٢٣٩، إرشاد الفحول ص ١٩٩، نهاية السول ٣/١٠، مناهج العقول ٣/٨، الإبهاج ٣/٥، التبصرة ص ٤١٩، الوصول لابن برهان ٢/٢٣٢، منتهى السول والأمل ص ١٨٦، الإحكام للآمدي ٤/٥، اللمع ص ٥٤، شرح العضد ٢/٢٤٨، مختصر البعلي ص ١٥٠، الجدل لابن عقيل ص ١٣، مختصر الطوفي ص ١٤٦، المعتمد ٢/٧٠٦، المسودة ص ٣٦٧، فتح الغفار ٣/١٠، البرهان ٢/٧٥٣، روضة الناظر ص ٢٧٩، تيسير التحرير ٤/١٠٤".
[ ٤ / ٢١١ ]
وينص لهم على الأحكام كلها، وهذا على رأي المعتزلة المعلوم فساده.
وأوجب التعبد به القاضي و١أبو الخطاب والقفال وأبو الحسين٢ ٣البصري.
ومعنى التعبد به٤ عقلا: أنه يجوز أن يقول الشارع: إذا ثبت حكم في صورة، ٥ووجد في صورة٥ أخرى مشاركة للصورة الأولى ٦في وصف٦، وغلب على ظنكم أن هذا الحكم في الصورة الأولى معلل بذلك الوصف، فقيسوا الصورة الثانية على الأولى.
استدل للمذهب الأول الصحيح بأنه٧ لا يمتنع٨ عقلا أن يقول الشارع: حرمت الخمر لإسكارها، فقيسوا عليها ما في معناها؛ لأن هذا يتضمن دفع٩ ضرر مظنون، وهو واجب
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ع ض ب: الحسن. وفي ز: حسين. انظر المعتمد ٢/٧٢٥. ٣ ساقطة من ش. ٤ ساقطة من ض. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ض. ٧ في ش: أنه. ٨ في ش: يمنع. ٩ في ش: رفع.
[ ٤ / ٢١٢ ]
عقلا، فالقياس واجب عقلا، والوجوب١، يستلزم الجواز.
وقال المخالف: العقل يمنع من وقوع ما فيه٢ خطأ؛ لأنه٣ محذور.
رد٤: منع احتياطا لا إحالة٥، ثم لا منع٦ مع ظن الصواب، بدليل العموم وخبر٧ الواحد والشهادة.
"و" على القول بالجواز "وقع شرعا" عند المعظم٨ من أصحابنا٨ وغيرهم٩.
ومنعه داود وابنه والقاشاني١٠
_________________
(١) ١ في ش: فالوجوب. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض: لأنه فيه. ٤ في ع: ورد. ٥ في ز: إخالة. ٦ في ع: لا يمنع. ٧ في ش: خير. ٨ ساقطة من ش. ٩ انظر روضة الناظر ص ٢٧٩، مختصر البعلي ص ١٥٠، المعتمد ٢/٧٢٤، البرهان ٢/٧٦٤، تيسير التحرير ٤/١٠٨، الوصول لابن برهان ٢/٢٤٣، منتهى السول والأمل ص ١٨٨، الإحكام للآمدي ٤/٣١، شرح العضد ٢/٢٥١، فواتح الرحموت ٢/٣١١، المستصفى ٢/٢٣٤". ١٠ كذا في ش ز ب ض، وفي ع: الفاشاني. والصواب: القاساني. بالقاف والسين المهملة، نسبة إلى قاسان، بلدة =
[ ٤ / ٢١٣ ]
والنهرواني١ وبعض أصحابنا وجمع، وهو رواية عن أحمد ﵀. وحملها القاضي وابن عقيل على قياس خالف نصا. وابن رجب على٢ من لم يبحث عن الدليل، أو لم يحصل شروطه.
_________________
(١) = قرب "قم" كما قال الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه ٣/١١٤٦ وكذا ضبطه السعد التفتازاني في حاشيته على شرح العضد ٢/٥٨، والزركشي عند التعريف بالرجال المذكورين في مختصر ابن الحاجب ومنهاج البيضاوي من كتابه "المعتبر" ص ٢٧٨، وابن النديم في الفهرست ص ٢٦٧، والشيرازي في التبصرة ص ٤١٩، والجويني في البرهان ٢/٧٧٤، والماوردي في أدب القاضي ١/٥٥٩، وصاحب تيسير التحرير ٤/١٠٦، والشوكاني في إرشاد الفحول ص ٢٠٠ وغيرهم. والقاساني: هو محمد بن إسحاق، أبو بكر. قال الشيرازي: "حمل العلم عن داود، إلا أنه خالفه في مسائل كثيرة في الأصول والفروع". وقال الزركشي: "كان القاساني من أصحاب داود ينفي القول بالقياس، وكان يدعي نقض الرسالة على الشافعي". "انظر ترجمته في طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٧٦، المعتبر للزركشي ص ٢٧٩، اللباب لابن الأثير ٣/٧، تبصير المنتبه ٣/١١٤٧، الفهرست لابن النديم ص ٢٦٧". ١ قال الزركشي في قسم التعريف برجال المنهاج والمختصر من كتابه "المعتبر" ص ٢٧٨ وما بعدها: "القاساني والنهرواني ذكرهما في المختصر في القياس. قال بعضهم: لا يعرف لهما ترجمة. وسألت الحافظين أبا الحسن السبكي وأبا عبد الله الذهبي فقالا: لا نعلم لأحد منهما ترجمة ثم قال: وأما النهرواني فالظاهر أنه محرّف، وأصله الياء لا الواو، فإن الشيخ أبا إسحاق –يعني الشيرازي- ذكر الحسن بن عبيد النهرياني. وذكر السمعاني "نَهْرُيين" من قرى بغداد". اهـ "وانظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٧٦، الفهرست لابن النديم ص ٢٧٣، الأنساب للسمعاني ١٣/٢١٨". ٢ في ز: عن.
[ ٤ / ٢١٤ ]
"و" على الأول "وقوعه بدليل السمع قطعي" عند القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل، وعليه الأكثر.
وفي كلامهم أيضا: أنه ظني.
"وهو" أي القياس "حجة"١ عند الأكثر من أصحابنا٢ وغيرهم٣.
وقد احتج القاضي وغيره على العمل بالقياس بقول أحمد ﵀: لا يستغني أحد عن القياس، وقوله في رواية الميموني٤: سألت الشافعي عنه، فقال: ضرورة، وأعجبه ذلك.
وذكر ابن حامد عن بعض أصحابنا: أنه٥ ليس بحجة،
_________________
(١) ١ في ش: عن. ٢ انظر الجدل لابن عقيل ص ١٤، المسودة ص ٣٦٧، ٣٧٢، مختصر الطوفي ص ١٤٦. ٣ انظر "أصول الشاشي وعمدة الحواشي ص ٣٠٨، الإشارات للباجي ص ٩٥، أدب القاضي للماوردي ١/٥٥٧، فتح الغفار ٣/١٠، تيسير التحرير ٤/١٠٦، أصول السرخسي ٢/١١٨، الفقيه والمتفقه للخطيب ١/١٧٨، التبصرة ص ٤٢٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٥، اللمع ص ٥٤، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢١٥، المحصول ٢/٢/٣٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٠٨، فواتح الرحموت ٢/٢٤٩، كشف الأسرار ٣/٢٧٠، إرشاد الفحول ص ١٩٩، نهاية السول ٣/١١، الإبهاج ٣/٦". ٤ هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي، أبو الحسن، من جلة أصحاب الإمام أحمد. قال ابن العماد: كان أحمد يكرمه ويجله ويفعل معه ما لا يفعل مع أحد غيره. توفي سنة ٢٧٤ هـ "انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١/٢١٢، شذرات الذهب ٢/١٦٥، المنهج الأحمد للعليمي ١/٢٤٩، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٦١٦". ٥ ساقطة من ش ز.
[ ٤ / ٢١٥ ]
لقول أحمد في رواية الميموني: يجتنب المتكلم هذين١ الأصلين: المجمل، والقياس.
وحمله القاضي وابن عقيل على قياس عارضه٢ سنة.
قال ابن رجب: فتنازع أصحابنا في معناه. فقال بعض المتقدمين والمتأخرين: هذا يدل على المنع من٣ استعمال القياس في الأحكام الشرعية بالكلية. وأكثر أصحابنا لم يثبتوا عن أحمد في العمل بالقياس خلافا، كابن٤ أبي موسى، والقاضي، وابن عقيل، وغيرهم، وهو الصواب. انتهى.
واستدل لكونه حجة - وهو الصحيح - بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٥. والاعتبار: اختبار شيء بغيره وانتقال من شيء إلى غيره والنظر في شيء ليعرف به آخر من جنسه.
فإن قيل: هو الاتعاظ٦ لسياق الآية.
رد: بأنه مطلق.
_________________
(١) ١ في ش: هذين الوجهين. ٢ في ش: عارض. ٣ في ع ز ب: في. وفي ض: و. ٤ في ع: لابن. ٥ الآية ٢ من الحشر. ٦ في ض: الاتعاض.
[ ٤ / ٢١٦ ]
فإن قيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي.
رد: بلى.
ثم مراد الشارع: القياس الشرعي؛ لأن خطابه غالبا بالأمر الشرعي.
وفي كلام أصحابنا وغيرهم: عام لجواز الاستثناء، ثم متحقق فيه؛ لأن المتعظ بغيره منتقل من العلم بغيره إلى نفسه. فالمراد قدر مشترك، وسبق في الأمر ظهور صيغة " افعل " في الطلب.
واحتج القاضي وأبو الخطاب وغيرهما بقوله ﷺ "إذا اجتهد الحاكم فأصاب١ فله أجران. وإن أخطأ فله أجر" رواه مسلم٢.
واحتج أصحابنا أيضا وغيرهم٣ بإجماع الصحابة.
قال بعض أصحابنا والآمدي٤ وغيرهم: هو أقوى الحجج.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ صحيح مسلم ٣/١٣٤٢ والحديث رواه أيضًا البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن أبي هريرة وعمرو بن العاص "انظر صحيح البخاري ٨/١٥٧، بذل المجهود ١٥/٢٥٤، عارضة الأحوذي ٦/٦٧، سنن النسائي ٨/١٩٧، سنن ابن ماجة ٢/٧٧٦، مسند أحمد ٤/١٩٨، ٢٠٤". ٣ ساقطة من ض. ٤ الإحكام في أصول الأحكام ٤/٥٢.
[ ٤ / ٢١٧ ]
فمنه اختلافهم الكثير الشائع١ المتباين في ميراث الجد مع الإخوة٢، وفي الأكدرية٣ والخرقاء٤، ولا نص عندهم.
إذا تقرر هذا فيكون القياس حجة "في الأمور الدنيوية" غير الشرعية اتفاقا، كمداواة الأمراض والأغذية والأسفار والمتاجر ونحو ذلك٥.
"و" يكون القياس حجة في "غيرها" أي غير الأمور الدنيوية، من الأمور الشرعية عند الأكثر٦ من القائلين بالقياس للأدلة
_________________
(١) ١ في ش: المتتابع. ٢ قال الفخر الرازي: "إنهم اختلفوا في الجد مع الإخوة، فبعضهم ورث الجد من الإخوة، وبعضهم أنكر ذلك. والأولون اختلفوا: فمنهم من قال: إنه يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة خيرًا له من الثلث. فأجراه مجرى الأم، ولم ينقص حقه عن حقها، لأن له مع الولادة تعصيبًا. ومنهم من قال: إنه يقاسم الإخوة ما كانت المقاسمة خيرًا له من السدس. وأجراه مجرى الجدة في أن لا ينقص حقها من السدس". "المحصول ٢/٢/٧٩". ٣ الأكدرية: مسألة في الفريضة أركانها: زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب. "انظر بيانها في العذب الفائض ١/١١٩، المغني ٦/٢٢٣، رد المحتار ٥/٥٠١، التلخيص الحبير ٣/٨٨". ٤ الخرقاء: مسألة في الفريضة وأركانها: أم وجد وأخت شقيقة أو لأب. وفيها للصحابة ستة أقوال. "انظر العذب الفائض ١/١١٨، المغني ٦/٢٢٦، التخليص الحبير ٣/٨٨". ٥ انظر "نشر البنود ٢/١١٣، شرح تنقيح الأصول ص ٣٨٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٠٣، إرشاد الفحول ص ١٩٩، نهاية السول ٣/١٠". ٦ في ع ب: الأكثرين.
[ ٤ / ٢١٨ ]
المتقدمة١.
ومنع القاضي أبو بكر الباقلاني، ومن تبعه كونه حجة في قياس العكس.
قال ابن مفلح: فإن قيل: ما حكم قياس العكس٢؟ قيل: حجة. ذكره القاضي وغيره من أصحابنا والمالكية، وهو المشهور عن الشافعية والحنفية، كالدلالة لطهارة دم السمك بأكله به٣؛ لأنه لو كان نجسا لما أكل به. كالحيوانات النجسة الدم، ونحو لو سنت السورة في الأخريين لسن الجهر فيهما كالأوليين.
وفي مسلم٤ من حديث أبي ذر " في بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان٥ عليه [فيها] ٦ وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
_________________
(١) ١ انظر شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٧، نشر البنود ٢/١١٣. ٢ انظر تعريف قياس العكس وكلام الأصوليين عليه في "الإحكام للآمدي ٣/٢٦٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٤٣، الآيات البينات ٤/١٧٥، فواتح الرحموت ٢/٢٤٧، تيسير التحرير ٣/٢٧١، المعتمد ٢/٦٩٩، المسودة ص ٤٢٥، مفتاح الوصول للتلمساني ص ١٥٩". ٣ ساقطة من ش. ٤ صحيح مسلم ٢/٦٩٨ وقد سبق تخريجه في ص ١٠ من هذا المجلد. ٥ في ض: كان. ٦ زيادة من صحيح مسلم.
[ ٤ / ٢١٩ ]
ومنع قوم القياس في إثبات أصول العبادات، فنفوا جواز الصلاة بالإيماء المقيسة على صلاة القاعد بجامع العجز١.
ومنعه أبو حنيفة وأصحابه في حد وكفارة وبدل٢ ورخص ومقدر٣.
لنا ٤عموم دليل٤ كون القياس حجة، و٥قول الصحابي "إذا سكر هذى وإذا هذى افترى" وكبقية٦ الأحكام.
ومنعه جمع في سبب وشرط ومانع، كجعل الزنا سببا لإيجاب الحد. فلا يقاس عليه اللواط٧. وصححه
_________________
(١) ١ انظر شرح تنقيح الأصول ص ٤١٥، الإبهاج ٣/٢٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٠٦. ٢ في ش: وبذل. ٣ انظر تحقيق المسألة في "الجدل لابن عقيل ص ١٥، المسودة ص ٣٩٨، تيسير التحرير ٤/١٠٣، فواتح الرحموت ٢/٣١٧، منتهى السول والأمل ص ١٩١، المستصفى ٢/٣٣٤، إرشاد الفحول ص ٢٢٣، التمهيد للأسنوي ص ٤٤٩، المنخول ص ٣٨٥، الإشارات للباجي ص ١١٠، أدب القاضي للماوردي ١/٦١٠، روضة الناظر ص ٣٣٨، مختصر البعلي ص ١٥١، الإحكام للآمدي ٢/٢٤٩، شرح تنقيح الفصول ص ٤١٥، اللمع ص ٥٤، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٣٦، نشر البنود ٢/١١٠، المحصول ٢/٢/٤٧١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٠٤". ٤ ساقطة من ض. ٥ ساقطة من ع ض. ٦ في ش: وكيفية. ٧ انظر "الوصول لابن برهان ٢/٢٥٦، المسودة ص ٣٩٩، نشر البنود ٢/١١، =
[ ٤ / ٢٢٠ ]
الآمدي١، وابن الحاجب٢. وجزم به البيضاوي٣.
لكن نقل الآمدي٤ عن أكثر الشافعية جريانه فيها. ومشى٥ عليه في جمع الجوامع٦.
"والنص على علة حكم الأصل يكفي في التعبد" عند أصحابنا٧ والأكثر٨. واحتج الإمام أحمد ﵀ لعدم جواز بيع رطب بيابس بنهيه ﷺ عن بيع الرطب بالتمر.
_________________
(١) = المحصول ٢/٢/٤٦٥، روضة الناظر ص ٣٣٥، المستصفى ٢/٣٣٢، نهاية السول ٣/٣٦، مناهج العقول ٣/٣٣، إرشاد الفحول ص ٢٢٢، شرح تنقيح الفصول ص ٤١٤، منتهى السول والأمل ص ١٩١، فواتح الرحموت ٢/٣١٩". ١ الإحكام في أصول الأحكام ٤/٨٦. ٢ منتهى السول والأمل ص ١٩١، مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٥٥. ٣ المنهاج للبيضاوي مع شرحه نهاية السول ٣/٣١. ٤ الإحكام في أصول الأحكام ٤/٨٦. ٥ في ش: وبنى. ٦ جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٢٠٥، ورجحه أيضًا التاج السبكي في الإبهاج شرح المنهاج ٣/٢٦. ٧ انظر الجدل لابن عقيل ص ١٤. ٨ انظر تيسير التحرير ٤/١١١، التبصرة ص ٤٣٦، الوصول لابن برهان ٢/٢٣٠، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٣٤، فواتح الرحموت ٢/٣١٦.
[ ٤ / ٢٢١ ]
و١قال: أبو الخطاب والموفق٢ وأكثر الشافعية٣: إن ورد التعبد بالقياس كفى٤، وإلا فلا٥.
والبصري٦: يكفي في علة التحريم لا غيرها٧.
قال الشيخ تقي الدين: هو قياس مذهبنا٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ روضة الناظر ص ٢٩٣. ٣ انظر الإحكام للآمدي ٤/٧٢، المحصول ٢/٢/١٦٤، شرح العضد ٢/٢٥٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٠، الإبهاج ٣/١٥، المستصفى ٢/٢٧٢. ٤ ساقطة من ش. ٥ أي وإن لم يرد التعبد بالقياس فالعلة صحيحة وإن لم تتعد إلى سائر الفروع. انظر المسودة ص ٣٩٠. ٦ المراد بالبصري ههنا: أبو عبد الله البصري، الحسين بن علي الحنفي المعتزلي المتوفى سنة ٣٦٩ هـ. وقد سبقت ترجمته في ج ٢ ص ٢٥٨. انظر عزو القول المذكور إليه في المعتمد ٢/٧٥٣، المسودة ص ٣٩٠، المحصول ٢/٢/١٦٤، الإحكام للآمدي ٤/٧٢، التبصرة ص ٤٣٧، شرح العضد ٢/٢٥٣، تيسير التحرير ٤/١١١ وغيرها. ٧ أي إن كانت العلة المنصوصة علة في التحريم كان النص عليها تعبدًا بالقياس بها، وإن كانت علة في إيجاب الفعل أو كونه ندبًا لم يكن النص عليها تعبدًا بالقياس بها. "انظر المعتمد ٢/٧٥٣". ٨ ونص كلامه في المسودة ص ٣٩١، بعد ذكر رأي أبي عبد الله البصري: "قلت الفرق بين التحريم والإيجاب في العلة المنصوصة قياس مذهبنا في الأيمان وغيرها، لأن المفاسد يجب تركها كلها، بخلاف المصالح فإنما يجب تحصيل ما يحتاج إليه. فإذا أوجب تحصيل مصلحة لم يجب تحصيل كل ما كان مثلها للاستغناء عنه بالأول. ولهذا نقول بالعموم في باب الإيمان إذا كان المحلوف عليه تركًا، بخلاف ما إذا كان المحلوف عليه فعلًا".
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وسمى١ ابن عقيل المنصوص استدلالا. وقال: مذهبنا ليس بقياس. وقاله أيضا بعض الفقهاء.
"والحكم المتعدي إلى فرع بعلة منصوصة مراد بالنص، كعلة مجتهد فيها فرعها مراد بالاجتهاد" قاله٢ ابن مفلح وغيره؛ لأن الأصل مستتبع لفرعه، خلافا لبعضهم. ذكره أبو الخطاب.
قال المجد: كلام أبي الخطاب يقتضي أنها مستقلة. قال: وعندي أنها مبنية على المسألة قبلها٣.
قال الشيخ تقي الدين: وذكر القاضي [ما هو] ٤ أعم من ذلك، فقال: ٥الحكم بالقياس٥ على أصل منصوص عليه مراد بالنص الذي في الأصل، خلافا لبعض المتكلمين٦.
"وَيَجُوزُ ثُبُوتُ كُلِّ الأَحْكَامِ بِنَصٍّ٧ مِنْ الشَّارِعِ" عِنْدَ
_________________
(١) ١ في ش: ويسمي. ٢ في ض: قال. ٣ المسودة ص ٣٨٦ بتصرف. وعبارة المجد في المسودة: "وذكرها أبو الخطاب بعد مسألة كون التعليل إذنًا في القياس وهي عندي مبنية على تلك المسألة، وكلامه يقتضي أنها مستقلة". ٤ زيادة من كلام الشيخ تقي الدين في المسودة. ٥ كذا في جميع النسخ. وفي المسودة: جميع ما يحكم به من جهة القياس. ٦ المسودة ص ٣٨٦. ٧ في ع ض ب: من الأحكام.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
أَصْحَابِنَا١ وَالأَكْثَرِ٢.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأَنَّ الْحَوَادِثَ لا تَتَنَاهَى فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا نُصُوصٌ مُتَنَاهِيَةٌ؟!
وَ٣رُدَّ: بِأَنَّهَا تَتَنَاهَى لِتَنَاهِي التَّكْلِيفِ بِالْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَحْدُثَ نُصُوصٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَ"لا" يَجُوزُ ثُبُوتُ كُلِّ الأَحْكَامِ "بِالْقِيَاسِ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ٤؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ؛ وَلأَنَّ فِي الأَحْكَامِ - مَا لا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. فَإِجْرَاءُ الْقِيَاسِ فِي مِثْلِهِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ تَعَقُّلِ٥ الْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِهِ الْحُكْمُ فِي الأَصْلِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيهَا مَا تَخْتَلِفُ٦ أَحْكَامُهُ فَلا يَجْرِي فِيهِ.
وَقِيلَ: بَلَى٧. كَمَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا كُلُّهَا بِالنَّصِّ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا كُلُّهَا٨ بِالْقِيَاسِ.
_________________
(١) ١ انظر المسودة ص ٣٧٤، مختصر البعلي ص ١٥١. ٢ انظر المعتمد ٢/٧٢٣، المحصول ٢/٢/٤٧٨. ٣ الواو ساقطة من ش. ٤ انظر "المعتمد ٢/٧٢٣، المسودة ص ٣٧٤، تيسير التحرير ٤/١١٣، الوصول لابن برهان ٢/٢٢٣، منتهى السول والأمل ص ١٩١، الإحكام للآمدي ٤/٨٩، المحصول ٢/٢/٤٧٩، شرح العضد ٢/٢٥٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٠٩، الإبهاج ٣/٢٢". ٥ في ع ز ب: يعقل. ٦ في ع: يختلف. ٧ في ش ز ب: بلى. قالوا. ٨ ساقطة من ز.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ -وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ- أَنَّهُ١ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَمَا لا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَبَيَّنَّا ذَلِكَ بِمَا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ٢.
"وَمَعْرِفَتُهُ" أَيْ مَعْرِفَةُ الْقِيَاسِ "فَرْضُ كِفَايَةٍ" عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمُجْتَهِدِينَ "وَيَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ" فِي صُورَةٍ، وَهِيَ٣ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلاَّ مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ وَاحْتَاجَ إلَى الْقِيَاسِ لِنُزُولِ حَادِثَةٍ، وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي حَقِّهِ فَرْضَ عَيْنٍ٤.
وَغَايَرَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي مُقْنِعِهِ ٥بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَقَالَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: فَرْضُ عَيْنٍ. وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ.
"وَهُوَ" أَيْ الْقِيَاسُ "مِنْ الدِّينِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٦؛ لأَنَّهُ مِمَّا٧
_________________
(١) ١ في ش: بأنه. ٢ ذكر ذلك العلامة ابن تيمية في رسالته "القياس" "التي نشرها محب الدين الخطيب بصورة مستقلة في المطبعة السلفية بالقاهرة، كما نشرت ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ج ٢٠ ص ٥٠٤-٥٨٤" وتبعه في ذلك الإمام ابن القيم، فشرح كلامه وزاد عليه في كتابه "إعلام الموقعين" ج ٢ ص ١-١٧٥. ٣ في ش: وهو. ٤ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٩، الإحكام للآمدي ٤/٩١، نشر البنود ٢/٢٤٥. ٥ ساقطة من ض. ٦ انظر المعتمد ٢/٧٧٦، نشر البنود ٢/٢٤٧. ٧ في ع ض: ما.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
تَعَبَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَكُلُّ مَا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِهِ فَهُوَ دِينٌ١.
وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ٢ بِصِيغَةِ " افْعَلْ "٣ دَلِيلُهُ٤: قَوْلُهُ - ﷾ - ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الْقِيَاسُ دِينٌ، وَعِنْدَ٦ أَبِي٧ الْهُذَيْلِ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ٨ اسْمُ دِينٍ، وَهُوَ فِي بَعْضِ كَلامِ الْقَاضِي. وَعِنْدَ الْجُبَّائِيِّ: الْوَاجِبُ مِنْهُ دِينٌ اهـ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: الْقِيَاسُ عِنْدَنَا دِينُ اللَّهِ وَحُجَّتُهُ وَشَرْعُهُ٩ اهـ.
"وَالنَّفْيُ" ضَرْبَانِ:
_________________
(١) ١ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٧. ٢ في ض: الشرع. ٣ انظر الإحكام للآمدي ٤/٩٠. ٤ في ش: ودليله. ٥ الآية ٢ من الحشر. ٦ في ش: وعن. ٧ في ش: ابن. ٨ في ز: على. ٩ قال الآمدي: "والمختار أن يقال: إن عُني بالدين ما كان من الأحكام المقصودة بحكم الأصالة، كوجوب الفعل وحرمته ونحوه، فالقياس واعتباره ليس بدين، فإنه غير مقصود لنفسه، بل لغيره. وإن عُني بالدين ما تُعُبدنا به، كان مقصودًا أصليًا أو تابعًا، فالقياس من الدين لأنا متعبدون به على ما سبق. وبالجملة فالمسألة لفظية". "الإحكام في أصول الأحكام ٤/٩١".
[ ٤ / ٢٢٦ ]
أَحَدُهُمَا نَفْيٌ١ "أَصْلِيٌّ" وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، ٢كَانْتِفَاءِ صَلاةٍ سَادِسَةٍ، فَهُوَ مُبْقًى٣ بِاسْتِصْحَابِ مُوجَبِ الْعَقْلِ، فَلا يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، لأَنَّهُ لا مُوجِبَ لَهُ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، حَتَّى يُطْلَبَ لَهُ عِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، بَلْ هُوَ نَفْيُ حُكْمِ الشَّرْعِ. وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ لِمَا يَتَجَدَّدُ، لَكِنْ٤ "يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلالَةِ" وَهُوَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِانْتِفَاءِ حُكْمِ شَيْءٍ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْ مِثْلِهِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ ضَمَّ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ "فَيُؤَكَّدُ بِهِ الاسْتِصْحَابُ" أَيْ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ٥.
وَهَذَا: و٦َهُوَ كَوْنُهُ: لا يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَيَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلالَةِ، هُوَ الصَّحِيحُ. اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ٧ وَالرَّازِيُّ٨، وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلْمُحَقِّقِينَ٩.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: يبقى. وفي روضة الناظر: منفي. ٤ في ش: لكن حتى يطلب له علة شيء. ٥ قاله ابن قدامة في الروضة ص ٣٣٩، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ٤١٤، مختصر البعلي ص ١٥١، مختصر الطوفي ص ١٦٥. ٦ الواو ساقطة من ش. ٧ المستصفى ٢/٣٣٢. ٨ المحصول ٢/٢/٤٦٧. ٩ في ع ض ب: إلى المحققين
[ ٤ / ٢٢٧ ]
"وَ" الضَّرْبُ الثَّانِي: نَفْيٌ "طَارِئٌ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ" مِنْ الدَّيْنِ، وَنَحْوُهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ "يَجْرِي فِيهِ هُوَ" أَيْ قِيَاسُ الدَّلالَةِ وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَادِثٌ. فَهُوَ كَسَائِرِ الأَحْكَامِ الْوُجُودِيَّةِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ: وَيُسْتَعْمَلُ الْقِيَاسُ عَلَى وَجْهِ التَّلازُمِ، فَيُجْعَلُ حُكْمُ الأَصْلِ فِي الثُّبُوتِ مَلْزُومًا. وَفِي النَّفْيِ نَقِيضَهُ لازِمًا، نَحْوَ لَمَّا وَجَبَتْ زَكَاةُ مَالِ الْبَالِغِ الْمُشْتَرَكِ٢ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِ٣ الصَّبِيِّ: وَجَبَتْ فِيهِ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِي حُلِيٍّ وَجَبَتْ فِي جَوْهَرٍ قِيَاسًا، وَاللاَّزِمُ مُنْتَفٍ٤، فَيَنْتَفِي مَلْزُومُهُ٥ اهـ.
_________________
(١) ١ انظر روضة الناظر ص ٣٣٨، مختصر الطوفي في ص ١٦٥. ٢ أي للعلة المشتركة "نهاية السول ٣/١٢٥". وفي ش ز: المشترك. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ض: مشتق. ٥ انظر الإبهاج ٣/١٠٧، مناهج العقول ٣/١٢٥، نهاية السول ٣/١٢.
[ ٤ / ٢٢٨ ]