"فَصْلٌ":"خِطَابُ الْوَضْعِ" فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ: "خَبَرٌ" أَيْ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ، بِخِلافِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ "اُسْتُفِيدَ مِنْ نَصْبِ١ الشَّارِعِ٢عَلَمًا٣ مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ"٤.
وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ خِطَابِهِ فِي كُلِّ حَالٍ٥ وَفِي كُلِّ وَاقِعَةٍ، بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ، حَذَرًا٦ مِنْ تَعْطِيلِ أَكْثَرِ الْوَقَائِعِ عَنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ٧.
وَ٨ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ شَيْءٌ وَضَعَهُ اللَّهُ٩ فِي شَرَائِعِهِ. أَيْ جَعَلَهُ دَلِيلًا وَسَبَبًا وَشَرْطًا، لا أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ، وَلا أَنَاطَهُ بِأَفْعَالِهِمْ، مِنْ حَيْثُ هُوَ خِطَابُ وَضْعٍ، وَلِذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ فِي أَكْثَرِ خِطَابِ الْوَضْعِ١٠، كَالتَّوْرِيثِ وَنَحْوِهِ١١.
_________________
(١) ١ في ز: نصيب. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: علم. ٤ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، مختصر الطوفي ص٣٠، التوضيح على التنقيح ٣/ ٩٠، تيسير التحرير ٢/ ١٢٨، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٨٦، وفي ض: للحكم. ٥ انظر: مختصر الطوفي ص٣٠. ٦ في ز: جذارا. ٧ قال ابن قدامة: "اعلم أنه لما عسْر على الخلق معرفةٌ خطاب الله تعالى في كل حال أظهر خطابه لهم بأمور محسوسة جعلها مقتضية لأحكامها، على مثال أقتضاء العلة المحسوسة معلولها، وذلك شيئان، أحداهما: العلة، والثاني السبب، ونصبْهما مقتضيين لأحكامهما حكمٌ من الشارع" "الروضة ص٣٠" وانظر: المستصفى ١/ ٩٣، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٢. ٨ ساقطة من ش ع ب ض. ٩ غير موجودة في ش ع ب ض. ١٠ في ش: العلم لوضع. ١١ انظر: تنقيح الفصول ص٨٩-٨٠، الإحكام، للآمدي ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٤٣٤ ]
قَالَ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ": وَيُسَمَّى١ هَذَا٢ النَّوْعُ خِطَابَ الْوَضْعِ وَالإِخْبَارِ٣.
أَمَّا مَعْنَى الْوَضْعِ: فَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ - أَيْ شَرَعَ- أُمُورًا، سُمِّيَتْ أَسْبَابًا وَشُرُوطًا وَمَوَانِعَ، يُعْرَفُ عِنْدَ وُجُودِهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ مِنْ إثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ. فَالأَحْكَامُ تُوجَدُ بِوُجُودِ الأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ، وَتَنْتَفِي٤ بِوُجُودِ الْمَانِعِ وَانْتِفَاءِ الأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ.
وَأَمَّا مَعْنَى الإِخْبَارِ: فَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ بِوَضْعِ هَذِهِ الأُمُورِ: أَخْبَرَنَا بِوُجُودِ أَحْكَامِهِ وَانْتِفَائِهَا، عِنْدَ وُجُودِ تِلْكَ الأُمُورِ٥ وَانْتِفَائِهَا. كَأَنَّهُ قَالَ مَثَلًا: إذَا وُجِدَ النِّصَابُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْحَوْلُ الَّذِي هُوَ شَرْطُهُ، فَاعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ أَدَاءَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ الدَّيْنُ الَّذِي هُوَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا، أَوْ انْتَفَى السَّوْمُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا فِي السَّائِمَةِ. فَاعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أُوجِبْ عَلَيْكُمْ الزَّكَاةَ. وَكَذَا الْكَلامُ فِي الْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَغَيْرِهَا، بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا وَعَكْسِهِ"٦. انْتَهَى.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ خِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ: أَنَّ الْحُكْمَ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ هُوَ قَضَاءُ الشَّرْعِ عَلَى الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا، وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ: لِطَلَبِ أَدَاءِ مَا تَقَرَّرَ٧ بِالأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش، وفي ب ض: وسمي. ٢ في ش: وهذا. ٣ وهو تسمية المجد بن تيمية "المسودة ص٨٠". ٤ في ز ب: وتنفى. ٥ في د ض: أو. ٦ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٥، المسودة ص٨٠. ٧ في ز: قرر.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَالْمَوَانِعِ١.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ: أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ٢، كَالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهَا، عَلَى مَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ٣. وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ: فَلا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلاَّ مَا اُسْتُثْنِيَ٤.
أَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ: فَكَالنَّائِمِ يُتْلِفُ شَيْئًا حَالَ نَوْمِهِ، وَالرَّامِي إلَى صَيْدٍ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، فَيَقْتُلُ إنْسَانًا، فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا، وَكَالْمَرْأَةِ تَحِلُّ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عَلَيْهَا، وَتَحْرُمُ بِطَلاقِ زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لا تَعْلَمُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ وَالْكَسْبِ٥: فَكَالدَّابَّةِ تُتْلِفُ شَيْئًا، وَالصَّبِيِّ أَوْ٦ الْبَالِغِ يَقْتُلُ خَطَأً، فَيَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالْعَاقِلَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ وَالإِتْلافُ مَقْدُورًا وَلا مُكْتَسَبًا لَهُمْ٧.
وَطَلاقُ الْمُكْرَهِ عِنْدَ مَنْ يُوقِعُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ بِمُطْلَقِ الإِكْرَاهِ أَوْ مَعَ الإِلْجَاءِ٨.
_________________
(١) ١ انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٢٨، حاشية البناني وشرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٨٤، الفروق ١/ ١١٦. ٢ انظر: أدلة ذلك في "شرح تنقيح الفصول ص٧٨، وما بعدها، الفروق ١/ ١٦١". ٣ لم يسبق للمصنف ذكر شروط التكليف، لكنه ذكرها فيما بعد في فصل التكليف. ٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧٨، التمهيد ص٢٥. ٥ في ز: على الكسب. ٦ في ز: و. ٧ انظر: الفروق ١/ ١٦٢. ٨ إذا كان الإكراه بحق فقد اتفق الفقهاء على وقوع الطلاق، كما إذا أكرهه الحاكم على الطلاق، أما إذا كان الإكراه بغير حق، فقال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة بعدم وقوع الطلاق، لاشتراط القصد فيه، لقوله ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا =
[ ١ / ٤٣٦ ]
وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ:
"وَلا يُشْتَرَطُ لَهُ تَكْلِيفٌ، وَلا كَسْبٌ، وَلا عِلْمٌ، وَلا قُدْرَةٌ"١.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ قَاعِدَتَانِ:
أُشِيرَ إلَى الأُولَى مِنْهُمَا٢ بِقَوْلِهِ: "إلاَّ سَبَبَ عُقُوبَةٍ"٣ كَالْقِصَاصِ. فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى مُخْطِئٍ فِي الْقَتْلِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَحَدِّ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى مِنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْضًا، وَلا عَلَى مَنْ أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الامْتِنَاعِ؛ إذْ الْعُقُوبَاتُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تُنْتَهَكُ بِهَا حُرْمَةُ الشَّرْعِ، زَجْرًا عَنْهَا وَرَدْعًا، وَالانْتِهَاكُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالاخْتِيَارِ. وَالْمُخْتَارُ لِلْفِعْلِ: هُوَ الَّذِي إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. وَالْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ قَدْ انْتَفَى ذَلِكَ فِيهِمَا، وَهُوَ شَرْطُ تَحَقُّقِ الانْتِهَاكِ لانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، فَتَنْتَفِي الْعُقُوبَةُ لانْتِفَاءِ سَبَبِهَا.
وَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَأُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: "أَوْ" إلاَّ "نَقْلُ مِلْكٍ" كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ. فَلَوْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ
_________________
(١) = عليه" رواه ابن ماجة عن ابن عباس مرفوعًا، وصححه ابن حبان، واستنكره أبو حاتم، ورواه ابن عدي وضعفه، ورواه البهقي عن ابن عمر، ورواه الطبراني عن ثوبان، ولقوله ﷺ: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وأحمد عن عائشة مرفوعًا، وقال الحنفية يقع طلاق المكره، لأنهم لا يشترطون الرضا للطلاق، وقالوا: إن الإكراه يزيل الرضا لا الاختيار، والمكره اختار الطلاق دون غيره. ١ انظر: التمهيد ص٢٥، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٨٥، الفروق ١/ ١٦١. ٢ ساقطة من ض. ٣ انظر: مختصر الطوفي ص٨٠، شرح تنقيح الفصول ص٧٩، ٨٠، الفروق ١/ ١٦٢.
[ ١ / ٤٣٧ ]
نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ مُقْتَضَاهُ، لِكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا بَيْنَ الْعَرَبِ١، أَوْ عَرَبِيًّا بَيْنَ الْعَجَمِ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ: لَمْ يَلْزَمْهُ مُقْتَضَاهُ٢.
وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِثْنَاءِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ: عَدَمُ تَعَدِّي الشَّرْعِ قَانُونَ الْعَدْلِ فِي الْخَلْقِ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَإِعْفَائِهِمْ عَنْ تَكْلِيفِ الْمَشَاقِّ، أَوْ التَّكْلِيفِ بِمَا لا يُطَاقُ، وَهُوَ حَلِيمٌ٣.
"وَأَقْسَامُهُ" أَيْ أَقْسَامُ خِطَابِ الْوَضْعِ أَرْبَعَةٌ "عِلَّةٌ، وَسَبَبٌ، وَشَرْطٌ، وَمَانِعٌ".
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": "وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعِلَّةِ: هَلْ هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَمْ لا؟ قَالَ: فَنَحْنُ تَابَعْنَا ٤ بِذِكْرِهَا هُنَا الشَّيْخَ"٤ - يَعْنِي الْمُوَفَّقَ- فِي "الرَّوْضَةِ"٥، وَالطُّوفِيَّ٦ وَابْنَ قَاضِي الْجَبَلِ"٧.
_________________
(١) ١ في ش: العجم. ٢ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٠، الفروق ١/ ١٦٢. ٣ ويؤيد ذلك لقوله ﷺ فيما رواه أبو داود وأحمد عن خيفة الرقاشي مرفوعًا: "لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس". "انظر: الفتح الكبير ٣/ ٣٥٩، الفروق ١/ ١٦٢، مسند أحمد ٥/ ٧٢". ٤ في ز: الشيخ بذكرها هنا. ٥ الروضة ص٣٠. ٦ مختصر الطوفي ص٣١. ٧ أن الاختلاف في اعتبار العلة من خطاب الوضع أم لا يعود إلى اختلاف العلماء في العلاقة بين العلة والسبب، فقال بعض العلماء، إنهما بمعنى واحد. وقال آخرون: إنهما متغايران، وخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينهما وبين الحكم، وخصوا السبب بالإمارة غير المؤثرة في الحكم، وقال أكثر العلماء: إن السبب أعم من العلة مطلقًا، فكل علة سبب ولا عكس، وأن السبب يشمل الأسباب التي ترد في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي تدرس في القياس، والفرق بينهما أن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك أثيرها في الحكم بالعقل، ولا تكون من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة فتسمى سببًا، أما إذا أدرك العقل تأثير الوصف بالحكم فيسمى علةٌ، ويسمى سببًا، فالسبب يشمل القسمين، وهو أعم من العلة مطلقًا. قال المحلي –بعد تعريف السبب-: "تنبيهًا على أن المعبر عنه هنا بالسبب، هو المعبر عنه في القياس بالعلة كالزنا لوجوب الجلد، والزوال لوجوب الظهر، والإسكار لحرمة الخمر". "المحلي على جمع الجوامع ١/ ٩٥" وانظر: المستصفى ١/ ٩٤، الموافقات ١/ ١٧٩، الحدود للباجي ص٧٢، التوضيح على التنقيح ٣/ ٩١، ١١٨، تيسير التحرير ٢/ ١٢٨، الإحكام، للآمدي ١/ ١٢٨.
[ ١ / ٤٣٨ ]
"وَالْعِلَّةُ أَصْلًا" أَيْ فِي الأَصْلِ "عَرَضٌ مُوجِبٌ لِخُرُوجِ الْبَدَنِ الْحَيَوَانِيِّ عَنْ الاعْتِدَالِ الطَّبِيعِيِّ"١، وَذَلِكَ لأَنَّ الْعِلَّةَ فِي اللُّغَةِ: هِيَ الْمَرَضُ٢، وَالْمَرَضُ هُوَ هَذَا الْعَرَضُ الْمَذْكُورُ.
وَالْعَرَضُ فِي اللُّغَةِ: مَا ظَهَرَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ٣.
وَفِي اصْطِلاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، كَالأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالْحَرَكَاتِ وَالأَصْوَاتِ.
وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الأَطِبَّاءِ، لأَنَّهُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ حَادِثٍ مَا، إذَا قَامَ بِالْبَدَنِ أَخْرَجَهُ عَنْ الاعْتِدَالِ٤.
وَقَوْلُنَا: "مُوجِبٌ لِخُرُوجِ الْبَدَنِ": هُوَ إيجَابٌ حِسِّيٌّ، كَإِيجَابِ الْكَسْرِ لِلانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ لِلاسْوِدَادِ. فَكَذَلِكَ الأَمْرَاضُ الْبَدَنِيَّةُ مُوجِبَةٌ لاضْطِرَابِ الْبَدَنِ إيجَابًا مَحْسُوسًا.
وَقَوْلُنَا: "الْبَدَنِ الْحَيَوَانِيِّ": احْتِرَازٌ٥ عَنْ النَّبَاتِيِّ وَالْجَمَادِيِّ، فَإِنَّ الأَعْرَاضَ الْمُخْرِجَةَ لَهَا٦ عَنْ حَالِ الاعْتِدَالِ - مَا مِنْ شَأْنِهِ الاعْتِدَالُ مِنْهَا-: لا
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الطوفي ص٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٢ انظر: المصباح المنير ٢/ ٦٥٢، الصحاح ٥/ ١٧٧٣،القاموس المحيط ٤/ ٢١. ٣ انظر: الصحاح ٣/ ١٠٨٢، القاموس المحيط ٢/ ٣٤٧. ٤ انظر: التعريفات للجرجاني ص١٦٠، كشاف اصطلاحات الفنون ٤/ ١٠٣٦. ٥ في ش ع: احترازًا. ٦ ساقطة من ش.
[ ١ / ٤٣٩ ]
يُسَمَّى فِي الاصْطِلاحِ عَلِيلًا.
وَقَوْلُنَا "عَنْ الاعْتِدَالِ الطَّبِيعِيِّ": هُوَ إشَارَةٌ إلَى حَقِيقَةِ الْمِزَاجِ، وَهُوَ الْحَالُ الْمُتَوَسِّطَةُ الْحَاصِلَةُ عَنْ تَفَاعُلِ كَيْفِيَّاتِ الْعَنَاصِرِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. فَتِلْكَ الْحَالُ هِيَ الاعْتِدَالُ الطَّبِيعِيُّ. فَإِذَا انْحَرَفَتْ عَنْ التَّوَسُّطِ لِغَلَبَةِ الْحَرَارَةِ١ أَوْ غَيْرِهَا: كَانَ ذَلِكَ هُوَ انْحِرَافُ الْمِزَاجِ، وَانْحِرَافُ الْمِزَاجِ هُوَ الْعِلَّةُ وَالْمَرَضُ وَالسَّقَمُ.
"ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ" الْعِلَّةُ "عَقْلًا" أَيْ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ "لِمَا أَوْجَبَ حُكْمًا عَقْلِيًّا" كَالْكَسْرِ لِلانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ الْمُوجِبِ، أَيْ الْمُؤَثِّرِ لِلسَّوَادِ. "لِذَاتِهِ ٢ كَكَسْرٍ لانْكِسَارٍ"٢" أَيْ لِكَوْنِهِ كَسْرًا أَوْ٣ تَسْوِيدًا، لا٤ لأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ وَضْعِيٍّ أَوْ اصْطِلاحِيٍّ٥.
وَهَكَذَا الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ. هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِذَوَاتِهَا بِهَذَا٦ الْمَعْنَى. كَالتَّحْرِيكِ٧ الْمُوجِبِ لِلْحَرَكَةِ، وَ٨ التَّسْكِينِ الْمُوجِبِ لِلسُّكُونِ.
"ثُمَّ" اُسْتُعِيرَتْ الْعِلَّةُ "شَرْعًا" أَيْ مِنْ التَّصَرُّفِ الْعَقْلِيِّ إلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ٩، فَجُعِلَتْ فِيهِ "لِـ" مَعَانٍ ثَلاثَةٍ:
_________________
(١) ١ في ش ز: المرارة. ٢ ساقطة من ش ز ض. ٣ في ع ب: و. ٤ ساقطة من ب. ٥ انظر: الروضة ص٣٠، مختصر الطوفي ص٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٦ في ش: هذا. ٧ في ز ع ب ض: كالتحرك. ٨ في ز: أو. ٩ سيأتي الكلام مفصلًا على العلة في بحث القياس، وهو المكان الذي تعرض فيه معظم الأصوليين لتعريف العلة وأنواعها وما يتعلق بها.
[ ١ / ٤٤٠ ]
أَحَدُهَا: "مَا أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا" أَيْ مَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْحُكْمُ "لا مَحَالَةَ" أَيْ قَطْعًا١، "وَهُوَ" الْمَجْمُوعُ "الْمُرَكَّبُ مِنْ مُقْتَضِيهِ" أَيْ من٢ مُقْتَضِي الْحُكْمِ. "وَشَرْطِهِ، وَمَحَلِّهِ، وَأَهْلِهِ"٣ تَشْبِيهًا بِأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ٤.
وَذَلِكَ لأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرَهُمْ. قَالُوا: كُلُّ حَادِثٍ لا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ٥:
- إمَّا مَادِّيَّةٌ: كَالْفِضَّةِ لِلْخَاتَمِ، وَالْخَشَبِ لِلسَّرِيرِ.
- أَوْ صُورِيَّةٌ: كَاسْتِدَارَةِ الْخَاتَمِ، وَتَرْبِيعِ السَّرِيرِ.
- أَوْ فَاعِلِيَّةٌ: كَالصَّانِعِ وَالنَّجَّارِ.
- أَوْ غَائِيَّةٌ: كَالتَّحَلِّي بِالْخَاتَمِ، وَالنَّوْمِ عَلَى السَّرِيرِ.
فَهَذِهِ أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ٦. وَلَمَّا كَانَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ هُوَ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَةَ "الْعِلَّةِ" بِإِزَاءِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْمُوجِبُ لا مَحَالَةَ: هُوَ مُقْتَضِيهِ وَشَرْطُهُ وَمَحَلُّهُ وَأَهْلُهُ.
مِثَالُهُ: وُجُوبُ الصَّلاةِ، حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمُقْتَضِيهِ: أَمْرُ الشَّارِعِ بِالصَّلاةِ، وَشَرْطُهُ: أَهْلِيَّةُ الْمُصَلِّي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ، بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا، وَمَحَلُّهُ الصَّلاةُ، [وَأَهْلُهُ: الْمُصَلِّي] ٧.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الطوفي ص٣١، الروضة ص٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦، أصول السرخسي ٢/ ٣٠١. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ مقتضي الحكم: هو المعنى الطالب له، وشرطه: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ومحله: ما تعلق به، وأهله: هو المخاطب به "المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦". ٤ انظر: مختصر الطوفي ص٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٥ ساقطة من ض. ٦ انظر: ص٣١. ٧ زيادة لاستكمال التقسيم والمعنى. "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦".
[ ١ / ٤٤١ ]
وَكَذَلِكَ حُصُولُ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَمُقْتَضِيهِ: كَوْنُ الْحَاجَةِ دَاعِيَةً إلَيْهِمَا١. وَصُورَتُهُ٢: الإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِيهِمَا. وَشَرْطُهُ: مَا ذُكِرَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَمَحَلُّهُ: هُوَ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ وَالْمَرْأَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا، وَأَهْلِيَّتُهُ: كَوْنُ الْعَاقِدِ صَحِيحَ الْعِبَارَةِ٣ وَالتَّصَرُّفِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ: لا فَرْقَ بَيْنَ الْمُقْتَضِي وَالشَّرْطِ وَالْمَحَلِّ وَالأَهْلِ، بَلْ الْعِلَّةُ الْمَجْمُوعُ، وَالأَهْلُ وَالْمَحَلُّ: وَصْفَانِ مِنْ أَوْصَافِهَا٤.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ": "قُلْت: الأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُمَا رُكْنَانِ مِنْ أَرْكَانِهَا، لأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمَا جُزْآنِ مِنْ أَجْزَائِهَا. وَرُكْنُ الشَّيْءِ هُوَ جُزْؤُهُ الدَّاخِلُ فِي حَقِيقَتِهِ".
وَبِالْجُمْلَةِ: فَهَذِهِ الأَشْيَاءُ الأَرْبَعَةُ مَجْمُوعُهَا يُسَمَّى عِلَّةً٥.
- وَالْمَعْنَى الثَّانِي مِمَّا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ الْعِلَّةُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْعَقْلِيِّ إلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ: اسْتِعَارَتُهَا "لِمُقْتَضِيهِ" أَيْ مُقْتَضِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ الْمَعْنَى الطَّالِبُ لِلْحُكْمِ، "وَإِنْ تَخَلَّفَ" الْحُكْمُ عَنْ مُقْتَضِيهِ "لِمَانِعٍ" مِنْ الْحُكْمِ "أَوْ فَوَاتِ شَرْطِ" الْحُكْمِ٦.
مِثَالُهُ: الْيَمِينُ. هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَتُسَمَّى عِلَّةً لِلْحُكْمِ. وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ أَمْرَيْنِ: الْحَلِفُ الَّذِي هُوَ الْيَمِينُ، وَالْحِنْثُ فِيهَا، لَكِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَالْحَلِفَ هُوَ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي
_________________
(١) ١ في د: إليها، وفي ش: إليه. ٢ ساقطة من ز. ٣ في ش: العبادة. ٤ انظر: روضة الناظر ص٣٠، وأضاف ابن قدامة فقال: "أخذًا من العلة العقلية". ٥ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٦ انظر: الحدود للباجي ص٧٢، مختصر الطوفي ص٣١، الروضة ص٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦، كشف الأسرار ٤/ ١٧١، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٢.
[ ١ / ٤٤٢ ]
لَهُ، فَقَالُوا: إنَّهُ عِلَّةٌ. فَإِذَا حَلَفَ الإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ، قِيلَ: قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ عِلَّةُ وُجُوبِ١ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ لا يُوجَدُ حَتَّى يَحْنَثَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ٢ الْحَلِفِ٣ انْعَقَدَ سَبَبُهُ٤.
وَكَذَلِكَ الْكَلامُ فِي مُجَرَّدِ مِلْكِ النِّصَابِ وَنَحْوِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا انْعَقَدَتْ أَسْبَابُ الْوُجُوب٥ مُجَرَّدِ هَذِهِ الْمُقْتَضَيَاتِ جَازَ فِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ٦ وُجُودِهَا، وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهَا عِنْدَنَا، كَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ٧، وَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ٨.
وَقَوْلُهُ: "وَإِنْ تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ"٩ مِثْلِ: أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَبًا لِلْمَقْتُولِ، فَإِنَّ الإِيلادَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ١٠ الْقِصَاصِ. وَكَذَا النِّصَابُ يُسَمَّى عِلَّةً لِوُجُوبِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: لمجرد. ٣ في ش ز ع: الحنث. ٤ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٥ في ش: الوجود. ٦ في ش ب: بغير. ٧ لحديث مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين، ثم أرى خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير" "انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٣٦٨". وقال الحنفية: لا يجوز التكفير قبل الحنث، لأن اليمين ليس بسبب للكفارة مغنى، والاداء قبل تحقيق السبب لا يجوز. "انظر: أصول السرخسي ٢/ ٣٠٥". ٨ وهو من قبيل تعجيل الواجب قبل وقت أدائه، كإخراج كفارة الفطر قبل انتهاء رمضان، واخراج زكاة المال قبل تمام الحول، وإخراج الكفارة قبل الحنث، وتعجيل الأجرة وغيرها، "انظر: نهاية السول ١/ ٨٤، التلويح على التوضيح ٢/ ١٩١، ٣/ ٩٤، ١٠٥، حاشية الجرجاني على ابن الحاجب ١/ ٢٣٤، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٥، الموافقات ١/ ١٨٢، ١٨٩، الفروق ١/ ١٩٦ وما بعدها". ٩ في ش: المانع. ١٠ في ش ع ب ض: وجود.
[ ١ / ٤٤٣ ]
الزَّكَاةِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ وُجُوبُهَا لِوُجُودِ مَانِعٍ كَالدَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ: "أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ" مِثْلُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. فَإِنَّهُ يُسَمَّى عِلَّةً لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ وُجُوبُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُكَافَأَةُ، بِأَنْ يكون١ الْمَقْتُولُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا، وَالْقَاتِلُ حُرًّا أَوْ مُسْلِمًا. وَكَذَا مِلْكُ النِّصَابِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، وَهُوَ خُرُوجُهُ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
- "وَ" الْمَعْنَى الثَّالِثُ مِمَّا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ الْعِلَّةُ مِنْ التَّصَرُّفِ الْعَقْلِيِّ إلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ: اسْتِعَارَتُهَا "لِلْحِكْمَةِ" أَيْ حِكْمَةِ الْحُكْمِ "وَهِيَ٢ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْحُكْمُ، كَمَشَقَّةِ سَفَرٍ لِقَصْرٍ وَفِطْرٍ"٣.
وَبَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ: أَنَّ حُصُولَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسَافِرِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِتَخْفِيفِ الصَّلاةِ عَنْهُ بِالْقَصْرِ، وَتَخْفِيفِ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ.
"وَكَـ" وُجُودِ "دَيْنٍ وَأُبُوَّةٍ٤ لِمَنْعِ" وُجُوبِ "زَكَاةٍ وَقِصَاصٍ"٥.
وَبَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ: أَنَّ انْقِهَارَ مَالِكِ النِّصَابِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ مَعْنًى٦ مُنَاسِبٌ لإِسْقَاطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَكَوْنَ الأَبِ سَبَبًا لِوُجُودِ الابْنِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لإِيجَادِهِ لَمْ تَقْتَضِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَبَبًا لإِعْدَامِ أَبِيهِ وَهَلاكِهِ٧ لِمَحْضِ حَقِّ الابْنِ٨.
_________________
(١) ١ في ش: كان. ٢ في ش: وهو. ٣ انظر: مختصر الطوفي ص٣١، الروضة ٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٤ في ش: وأبوه. ٥ وانظر: مختصر الطوفي ص٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٦ في ش: مامع. ٧ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٦. ٨ الحقيقة أن لابن ليس سبب لإعدام والقصاص، وإنما وجود القتل عمدًا عدوانًا هو السبب =
[ ١ / ٤٤٤ ]
وَاحْتَرَزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَنْ أَنَّهُ لا يَمْتَنِعُ رَجْمُهُ إذَا زَنَى بِابْنَتِهِ١، لِكَوْنِ ذَلِكَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى دُونَهَا.
"وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ "السَّبَبُ".
وَهُوَ "لُغَةً" أَيْ فِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ: "مَا تُوُصِّلَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ"٢: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: "السَّبَبُ: الْحَبْلُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ مِنْ الأُمُورِ"٣. فَقِيلَ: هَذَا سَبَبٌ، وَهَذَا مُسَبَّبٌ عَنْ هَذَا.
"وَشَرْعًا" أَيْ: وَالسَّبَبُ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَ" يَلْزَمُ "مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ"٤.
فَالأَوَّلُ: احْتِرَازٌ٥ مِنْ الشَّرْطِ: فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ٦ مِنْ الْمَانِعِ٧؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ.
_________________
(١) = الموجب للقصاص والإعدام، ولعل سبب منع القصاص أن ولي الدم للابن هو الأب وحده، أو مع غيره، وإذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص، قال الشوكاني: "وفي هذا المثال الذي أصبق عليه جمهور أهل الأصول نظر، لأن السبب المقتضي للقصاص هو فعله، لا وجود الابن ولا عدمه، ولا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة للقصاص، ولكنه ورد الشرع بعدم ثبوت القصاص لفرع من أصل، وقيل إن المراد هنا السبب البعيد، فإن الولد سبب يعيد في القتل إذ لولاه ثم يتصور قتله أياه، فله مدخل في القتل، لتوفقه عليه" "إرشاد الفحول ص٧" وانظر: حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٩٨. ١ في ز ب ع: ببنته. ٢ انظر: المصباح المنير ١/ ٤٠٠. ٣ الصحاح ١/ ١٤٥، وكذا في المصباح المنير ١/ ٤٠٠. ٤ انظر في تعريف السبب "المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، التعريفات للجرجاني ص١٢١، شرح تنقيح الفصول ص٨١، جمع الجوامع ١/ ٩٤، مناهج العقول ١/ ٦٨، المستصفى ١/ ٩٤، إرشاد الفحول ص٦، التلويح على التوضيح ٣/ ١٠٢". ٥ في ش: احترازًا. ٦ في ش: احترازًا. ٧ في ش: مما لو قارن المانع.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وَالثَّالِثُ: احْتِرَازٌ١ مِمَّا لَوْ قَارَنَ السَّبَبُ فِقْدَانَ الشَّرْطِ، أَوْ٢ وُجُودَ الْمَانِعِ. كَالنِّصَابِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ الدَّيْنِ. ٣ فَإِنَّهُ لا"٣ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، لَكِنْ لا لِذَاتِهِ، بَلْ لأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ وَوُجُودُ الْمَانِعِ٤. فَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِذَاتِهِ لِلاسْتِظْهَارِ٥ عَلَى مَا لَوْ تَخَلَّفَ وُجُودُ الْمُسَبَّبِ مَعَ وُجْدَانِ السَّبَبِ٦ لِفَقْدِ شَرْطٍ٧ ٨ أَوْ [وُجُودِ] مَانِعٍ ٨، كَمَنْ بِهِ سَبَبُ الإِرْثِ، وَلَكِنَّهُ قَاتِلٌ، أَوْ رَقِيقٌ أَوْ نَحْوُهُمَا، وَعَلَى مَا لَوْ وُجِدَ الْمُسَبَّبُ٩ مَعَ فُقْدَانِ السَّبَبِ١٠، لَكِنْ ١١ لِوُجُودِ سَبَبٍ ١١ آخَرَ. كَالرِّدَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْقَتْلِ إذَا فُقِدَتْ وَوُجِدَ قَتْلٌ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، أَوْ زِنَا مُحْصَنٍ١٢. فَتَخَلَّفَ هَذَا التَّرْتِيبُ عَنْ السَّبَبِ لا لِذَاتِهِ، بَلْ لِمَعْنًى خَارِجٍ١٣.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا "فَـ" اعْلَمْ أَنَّ السَّبَبَ "يُوجَدُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ، لا بِهِ"١٤ وَهُوَ
_________________
(١) ١ في ش: احترازًا. ٢ في ز: و. ٣ في ز: فلا. ٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨١، الفروق ١/ ١٠٩. ٥ في ع: لا للاستظهار. ٦ في ش ع: المسبب. ٧ في ع: شرطه. ٨ في ع: أو ما. ٩ في ش: السبب. ١٠ في ش: المسبب. ١١ في ز: بسبب لوجود. ١٢ في ز: محض. ١٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨١-٨٢. ١٤ أي إن السبب لا يكون سببًا إلا يجعل الشارع له سببًا، لأنه وضعه علامة على الحكم التكليفي، والتكليف من الله تعالى الذي يكلف المرء بالحكم، ويضع السبب الذي يرتبط به الحكم، وهذه الأسباب ليست مؤثرة بذاتها في وجود الأحكام، بل هي علامة وأمارة لظهورها =
[ ١ / ٤٤٦ ]
الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ١، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٢. وَ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ ٣ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ٣﴾ ٤؛ إذْ لِلَّهِ ﷾ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ حُكْمَانِ. أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الدُّلُوكِ سَبَبًا، وَالآخَرُ: وُجُوبُ الصَّلاةِ عِنْدَهُ. وَكَذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ. أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الرَّجْمِ. وَالثَّانِي: كَوْنُ الزِّنَى ٥ الَّذِي نِيطَ ٥ بِهِ٦ سَبَبًا٧.
وَلا شَكَّ أَنَّ الأَسْبَابَ مُعَرِّفَاتٌ٨، إذْ الْمُمْكِنَاتُ مُسْتَنِدَةٌ٩ إلَى اللَّهِ تَعَالَى
_________________
(١) = ووجودها ومعرفة لها عند جمهور العلماء، ولهذا عرّف الإمام الغزالي السبب فقال: "هو ما يحصل الشيء عنده لا به"، ويقول الشاطبي: "إن السبب غير فاعل بنفسه، إنما وقع المسبب عنده لا به". "انظر: المستصفى ١/ ٩٤، الموفقات ١/ ١٢٩، الإحكم للآمدي ١/ ١٢٨، إرشاد الفحول ص٦، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٩٥، نهاية السول ١/ ٧٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، الروضة ص٣٠، أصول السرخسي ٢/ ٣٠١". ١ يعرف السبب بإضافة الحكم إليه، كحد الزنا، فالحد حكم شرعي أضيف إلى الزنا، فعرفنا أن الرنا هو سبب الحد، ومثل صلاة المغرب، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى المغرب، فعرفنا أن الغروب هو السبب الذي يوجد عنده الحكم. "انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ٩٥، كشف الأسرار ٢/ ٣٤٣". ٢ الآية ٧٨ من الإسراء. ٣ غير موجودة في ز، وفي ع ب: تنتهي الآية بلفظ فاجلدوا. ٤ الآية ٢ من النور. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ز د ب. ٧ الزنا ليس موجبًا للحد بعينه، بل يجعل الشارع له موجبًا، ولذلك يصح تعليله به "انظر: الروضة ص٣٠، المستصفى ١/ ٩٣-٩٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٧، نهاية السول ١/ ٧١، مناهج العقول ١/ ٦٧". ٨ وذلك أن الشرع جعل وجود السبب علامة على وجود مسببه وهو الحكم، وجعل تخلفه وانتفاءه علامة على تخلف ذلك الحكم، فالشارع ربط وجود الحكم بوجود السبب، وعدمه بعدمه "انظر: التلويح على التوضيح على ٣/ ١٠٢، إرشاد الفحول ص٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧". ٩ في ع: مسندة.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ابْتِدَاءً عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ١. وَبَيْنَ الْمُعَرِّفِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، وَبَيْنَ الْحُكْمِ الَّذِي نِيطَ بِهِ: ارْتِبَاطٌ ظَاهِرٌ. فَالإِضَافَةُ إلَيْهِ وَاضِحَةٌ.
"وَيُرَادُ بِهِ" أَيْ بِالسَّبَبِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ أَشْيَاءُ:
- أَحَدُهَا: "مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ. كَحَفْرِ بِئْرٍ مَعَ تَرْدِيَةٍ. فَأَوَّلٌ سَبَبٌ. وَثَانٍ عِلَّةٌ"٢ فَإِذَا حَفَرَ إنْسَانٌ٣ بِئْرًا، وَدَفَعَ آخَرُ إنْسَانًا فَتَرَدَّى فِيهَا فَهَلَكَ. فَالأَوَّلُ - وَهُوَ الْحَافِرُ - مُتَسَبِّبٌ إلَى هَلاكِهِ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الدَّافِعُ - مُبَاشِرٌ. فَأَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ السَّبَبَ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ. فَقَالُوا: إذَا اجْتَمَعَ الْمُتَسَبِّبُ وَالْمُبَاشِرُ: غَلَبَتْ الْمُبَاشَرَةُ وَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ، وَانْقَطَعَ حُكْمُ التَّسَبُّبِ٤.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: لَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ. فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَلَقِّي بِالسَّيْفِ. وَلَوْ٥ أَلْقَاهُ فِي ٦ مَاءٍ مُغْرِقٍ ٦ فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ. فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُلْقِي، لِعَدَمِ قَبُولِ الْحُوتِ الضَّمَانَ. وَكَذَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي
_________________
(١) ١ قال جمهور العلماء: الحكم يحصل عند السبب لا به، وأن السبب غير فاعل بنفسه، بل معرف للشيء وعلامة عليه، قال المعتزلة: إن السبب مؤثر في الأحكام بذاته، بواسطة قوة أودعها الله فيه. وقال بعض العلماء: إن الأسباب تؤثر في الأحكام لا بذاتها، بل يجعل الله تعالى، وهو قول الغزالي، وقال الآمدي: السبب باعث على الحكم. "انظر: المستصفى ١/ ٩٤، ارشاد الفحول ص٦، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٩٥، نهاية السول ١/ ٧٠، ٧٣، مختصر الطوفي ص٣٢، تقريرات الشربيني ١/ ٩٤". ٢ انظر: مختصر الطوفي ص٣١، الروضة ص٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، المستصفى ١/ ٩٤، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٣. ٣ في ع ب: شخص. ٤ في ش: المتسبب، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد ٦٧. ٥ في ز: وان. ٦ في ز: ما يغرق.
[ ١ / ٤٤٨ ]
زُبْيَةِ١ أَسَدٍ. فَقَتَلَهُ.
- "وَ" الشَّيْءُ الثَّانِي مِمَّا يُرَادُ بِلَفْظِ السَّبَبِ "عِلَّةُ الْعِلَّةِ كَرَمْيٍ٢، هُوَ سَبَبٌ لِقَتْلٍ، وَعِلَّةٌ لِلإِصَابَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةٌ لِلزُّهُوقِ٣" أَيْ زُهُوقِ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ٤. فَالرَّمْيُ هُوَ٥ عِلَّةُ عِلَّةِ الْقَتْلِ. وَقَدْ سَمَّوْهُ٦ سَبَبًا٧.
- "وَ" الشَّيْءُ الثَّالِثُ مِمَّا يُرَادُ بِلَفْظِ السَّبَبِ "الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا كَـ" مِلْكِ "نِصَابٍ٨ بِدُونِ" حَوَلانِ "الْحَوْلِ"٩.
- "وَ" الشَّيْءُ الرَّابِعُ مِمَّا يُرَادُ بِلَفْظِ السَّبَبِ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ "كَامِلَةً" وَهِيَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ مُقْتَضَى الْحُكْمِ وَشَرْطِهِ، وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الأَهْلِ وَالْمَحَلِّ.
سُمِّيَ ذَلِكَ سَبَبًا اسْتِعَارَةً؛ لأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ ذَلِكَ فِي حَالٍ مِنْ الأَحْوَالِ. كَالْكَسْرِ لِلانْكِسَارِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْكَامِلَةُ سَبَبًا؛ لأَنَّ عَلِيَّتَهَا لَيْسَتْ
_________________
(١) ١ الزبْيَةُ: حفرة في موضع عالٍ يُصاد فيها الأسد ونحوه، والجميع زُبي، مثل مُدية ومدى. "المصباح المنير ١/ ٣٨٣". ٢ في ش: لرمي. ٣ في ش: لزهوق، وفي ع ب: الزهوق. ٤ انظر: مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، المستصفى ١/ ٩٤، أصول السرخسي ٢/ ٣١٦. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ع: سمَّاه. ٧ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧. ٨ في ع: لنصاب. ٩ انظر: مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، المستصفى ١/ ٩٤، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٥، وما بعدها.
[ ١ / ٤٤٩ ]
لِذَاتِهَا، بَلْ بِنَصَبِ الشَّارِعِ لَهَا أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ١، بِدَلِيلِ وُجُودِهَا دُونَهُ، كَالإِسْكَارِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَلَوْ كَانَ الإِسْكَارُ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ لِذَاتِهِ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ فِي حَالٍ، كَالْكَسْرِ لِلانْكِسَارِ فِي الْعَقْلِيَّةِ.
وَالْحَالُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَوُجُوبَ الْحَدِّ مَوْجُودَانِ بِدُونِ٢ مَا لا يُسْكِرُ. فَأَشْبَهَتْ بِذَلِكَ السَّبَبَ، وَهُوَ مَا يَحْصُلُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لا بِهِ. فَهُوَ مُعَرِّفٌ لِلْحُكْمِ لا مُوجِبٌ لَهُ لِذَاتِهِ، وَإِلاَّ لَوَجَبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
"وَهُوَ" أَيْ السَّبَبُ قِسْمَانِ:
- أَحَدُهُمَا: "وَقْتِيٌّ" وَهُوَ مَا لا يَسْتَلْزِمُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ٣ حِكْمَةً بَاعِثَةً "كَزَوَالِ" الشَّمْسِ "لِـ" وُجُوبِ الـ "ظُّهْرِ" فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ وَقْتُ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَلْزِمَ حِكْمَةً بَاعِثَةً عَلَى الْفِعْلِ٤.
- "وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي "مَعْنَوِيٌّ" وَهُوَ مَا "يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً بَاعِثَةً" فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ "كَإِسْكَارٍ" فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ جُهِلَ عِلَّةً "لِتَحْرِيمِ" كُلِّ مُسْكِر٥، وَكَوُجُودِ الْمِلْكِ. فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لإِبَاحَةِ الانْتِفَاعِ.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، المستصفى ١/ ٩٤، أصول السرخسي ٢/ ٣١١، وفي ع ز ب: الحكم به. ٢ في ش ع ب: بشرب. ٣ في ع: للحكم الشرعي. ٤ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٧، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧، مناهج العقول ١/ ٦٨، فواتح الرحموت ١/ ٦١، إرشاد الفحول ص٧. ٥ أضاف ابن بدران توضيحا فقال: "وسميت هذه العلة سببًا فرقًا بينها وبين العلة العقلية، لأن العقلية موجبة لوجود معلولها كالكسر للانكسار وسائر الأفعال مع الانفعالات، فإنه متى وجد الفعل القابل، وانتفى المانع، وجد الانفعال، بخلاف الأسباب، فأنه لا يلزم من وجودها وجود مسبباتها، وأما العلة الشرعية الكاملة فإنها، وإن كان يلزم من وجودها وجود معلولها سببًا، مع أن السبب لا يلزم من وجوده وجود مسببه، لكن لما كان تأثيرها ليس لذاتها، بل بواسطة نصب الشارع له ضعفت لذلك عن العلة العقلية فأشبهت السبب الذي حكمه أن يحصل عنده لا به، فلذلك سميت سببًا" "المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧-٦٨".
[ ١ / ٤٥٠ ]
وَكَالضَّمَانِ، فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبَبًا لِمُطَالَبَةِ الضَّامِنِ بِالدَّيْنِ، وَكَالْجِنَايَاتِ. فَإِنَّهَا جُعِلَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، أَوْ الدِّيَةِ١.
قَالَ الآمِدِيُّ: "السَّبَبُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٌ دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا ٢ لِثُبُوتِ حُكْمٍ ٢ شَرْعِيٍّ"٣، طَرْدِيًّا، كَجَعْلِ٤ زَوَالِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّلاةِ، أَوْ غَيْرَ طَرْدِيٍّ كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، سَوَاءٌ اطَّرَدَ الْحُكْمُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَطَّرِدْ٥، لأَنَّ السَّبَبَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، إذْ لا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إلاَّ وُجُودُ حُكْمِهَا فِي بَعْضِ صُوَرِ وُجُودِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ عَدَمُ الاطِّرَادِ.
- "وَ" الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ "الشَّرْطُ".
وَهُوَ "لُغَةً" أَيْ فِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ: "الْعَلامَةُ": لأَنَّه٦ عَلامَةٌ لِلْمَشْرُوطِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ٧، أَيْ عَلامَاتُهَا. قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ٨.
_________________
(١) ١ انظر: فواتح الرحموت ١/ ٦١، مناهج العقول ١/ ٦٨، مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٧، إرشاد الفحول ص٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، الإحكام للآمدي ١/ ١٢٧. ٢ في الإحكام: لحكم. ٣ الإحكام، له ١/ ١٢٧. ٤ في ع: كأن جعل. ٥ يقول الآمدي عن السبب، بعد تعريفه: "وهو منقسم إلى مالا يستلزم في تعريفه حكمةٌ باعثة عليه، كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة وإلى ما يستلزم حكمة باعثة على شرع الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ "أي قياسًا على الخمر". لا لتحريم شرب الخمر في الأصل المقيس عليه، فإنّ تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو "كذا" الاجماع" "الإحكام ١/ ١٢٧". ٦ في ش: لأنها. ٧ الآية ١٨ من سورة محمد. ٨ انظر: الروضة ص٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، تفسير الرازي ٢٨/ ٦٠، تفسير القرطبي ١٦/ ٢٤٠، تفسير ابن كثير ٦/ ٣١٧، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٢.
[ ١ / ٤٥١ ]
١ قَالَ: فِي ١ "الْمِصْبَاحِ": "الشَّرْطُ - مُخَفَّفٌ- مِنْ الشَّرَطِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ- وَهُوَ الْعَلامَةُ. وَجَمْعُهُ: أَشْرَاطٌ. وَجَمْعُ الشَّرْطِ - بِالسُّكُونِ- شُرُوطٌ، وَيُقَالُ لَهُ: شَرِيطَةٌ. وَجَمْعُهُ شَرَائِطُ"٢.
"وَ" الشَّرْطُ "شَرْعًا" أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ" وَ"لا" يَلْزَمُ "مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ لِذَاتِهِ"٣.
فَالأَوَّلُ: احْتِرَازٌ٤ مِنْ الْمَانِعِ، لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ.
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ٥ مِنْ السَّبَبِ وَمِنْ الْمَانِعِ أَيْضًا. أَمَّا مِنْ السَّبَبِ: فَلأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ٦ الْوُجُودُ لِذَاتِهِ. كَمَا سَبَقَ٧، وَأَمَّا مِنْ الْمَانِعِ: فَلأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: "لِذَاتِهِ" احْتِرَازٌ٨ مِنْ مُقَارَنَةِ الشَّرْطِ وُجُودَ السَّبَبِ. فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ، أَوْ مُقَارَنَةِ الشَّرْطِ قِيَامَ الْمَانِعِ. فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ، لَكِنْ لا لِذَاتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ شَرْطًا، بَلْ لأَمْرٍ خَارِجٍ، وَهُوَ مُقَارَنَةُ السَّبَبِ، أَوْ قِيَامُ الْمَانِعِ٩.
_________________
(١) ١ في ش: وفي. ٢ المصباح المنير ١/ ٤٧٢-٤٧٣، وانظر: القاموس المحيط: ٢/ ٣٨١. ٣ انظر: تعريف الشرط شرعًا في "الحدود للباجي ص٦٠، التعريفات للجرجاني ص١٣١، شرح تنقيح الفصول ص٨٢، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٠، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٣، إرشاد الفحول ص٧، المدخل ألى مذهب أحمد ص٦٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٧، مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣١". ٤ في ش: احترازًا. ٥ في ش: احترازًا. ٦ في ش: عدم وجوده. ٧ صفحة ٣٩٦. ٨ في ش: احترازًا. ٩ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٢.
[ ١ / ٤٥٢ ]
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَلِلشَّرْطِ ثَلاثُة١ إطْلاقَاتٍ:
- فَالأَوَّلُ٢: مَا يُذْكَرُ فِي الأُصُولِ هُنَا مُقَابِلًا لِلسَّبَبِ وَالْمَانِعِ، وَمَا يُذْكَرُ فِي قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ: "شَرْطُ الْعِلْمِ الْحَيَاةُ". وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: "شَرْطُ الصَّلاةِ الطَّهَارَةُ". "شَرْطُ صِحَّةِ الْبَيْعِ التَّرَاضِي"، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
- الإِطْلاقُ الثَّانِي: اللُّغَوِيُّ. وَالْمُرَادُ بِهِ: صِيَغُ التَّعْلِيقِ بِـ "إِنْ" وَنَحْوِهَا٣، وَهُوَ مَا يُذْكَرُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ لِلْعُمُومِ٤، نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ٥، وَمَا يُذْكَرُ فِي الْفِقْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: "لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ". وَنَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَإِنَّ دُخُولَ الدَّارِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلاقِ شَرْعًا وَلا عَقْلًا، بَلْ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ: يَرْجِعُ٦ إلَى كَوْنِهِ سَبَبًا وُضِعَ٧ لِلتَّعْلِيقِ، حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ٨. وَوَهَمَ مَنْ فَسَّرَهُ هُنَاكَ بِتَفْسِيرِ الشَّرْطِ الْمُقَابِلِ لِلسَّبَبِ وَالْمَانِعِ. كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الأُصُولِيِّينَ.
- الإِطْلاقُ الثَّالِثُ: جَعْلُ الشَّيْءِ٩ قَيْدًا فِي شَيْءٍ. كَشِرَاءِ الدَّابَّةِ
_________________
(١) ١ في ش د ز ع ب: ثلاث، وهو خطأ. ٢ في ش د ع ب: الأول. ٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٢٥٩. ٤ انظر: جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٩٧، أصول السرخسي ٢/ ٣٠٣، ٣٢٠، تيسير التحرير ٢/ ١٢٠. ٥ الآية ٦ من سورة الطلاق. ٦ في ز: ويرجع. ٧ في ز ع ب: يوضع. ٨ انظر: أصول السرخسي ٢/ ٣٢٠، شرح تنقيح الفصول ص٢٦١. ٩ في ز ع ب: شيء.
[ ١ / ٤٥٣ ]
بِشَرْطِ كَوْنِهَا حَامِلًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُعَادَ إلَى الأَوَّلِ بِسَبَبِ مُوَاضَعَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. كَأَنَّهُمَا قَالا: جَعَلْنَاهُ مُعْتَبَرًا فِي عَقْدِنَا يُعْدَمُ بِعَدَمِهِ، وَإِنْ أَلْغَاهُ الشَّرْعُ. فَهَلْ١ يَلْغُو٢ الْعَقْدُ، أَوْ يُثْبِتُ الْخِيَارَ؟ مَحَلُّ تَفْصِيلِ ذَلِكَ كُتُبُ الْفِقْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعَادَ إلَى الثَّانِي، كَأَنَّهُمَا قَالا: إنْ كَانَ كَذَا فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَإِلاَّ فَلا٣.
إذَا عَرَفْت٤ ذَلِكَ، فَالْمَقْصُودُ هُنَا: هُوَ٥ الْقِسْمُ الأَوَّلُ، "فَإِنْ أَخَلَّ عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ الشَّرْطِ "بِحِكْمَةِ السَّبَبِ فَـ" ـهُوَ "شَرْطُ السَّبَبِ" وَذَلِكَ "كَقُدْرَةٍ عَلَى تَسْلِيمِ مَبِيعٍ" فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ٦ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ ٦، الَّذِي هُوَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَصْلَحَةٍ، وَهُوَ حَاجَةُ الابْتِيَاعِ ٧ لِعِلَّةِ الانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ ٧. وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ. فَكَانَ عَدَمُهُ مُخِلًاّ بِحِكْمَةِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا الْبَيْعُ٨.
"وَإِنْ اسْتَلْزَمَ عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ الشَّرْطِ "حِكْمَةً تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ" كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلاةِ "فَـ" ذَلِكَ "شَرْطُ الْحُكْمِ" فَإِنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ حَالَ الْقُدْرَةِ
_________________
(١) ١ في ش: فهو. ٢ في ش: يلغى. ٣ انظر أنواع الشروط الفقهية وأثرها على التصرفات ومدى قبول العقود لها وما يتعلق فيها من آراء المذاهب في الكتب الفقهية لكل مذهب في كتاب "البيع"، "وانظر: نظرية الشروط المقترنة بالعقد، للشيخ زكي الدين شعبان، المدخل الفقهي العام، للأستاذ مصطفى الزرقا ١/ ٤٨١، وما بعدها، الموافقات ١/ ١٨٧، أصول الفقه، للخضري ص٦٩، الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد للدكتور وهبة الزحيلي ١/ ١٥٤". ٤ في ز: عرف. ٥ ساقطة من ع ب. ٦ في ش: شرط صحته، وفي د: شرط صحة البيع. ٧ في ش: في المبيع، وفي ز: وهو علة الانتفاع بالمبيع، وفي ع: وهو حاجة الانتفاع بالمبيع. ٨ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨.
[ ١ / ٤٥٤ ]
عَلَيْهَا مَعَ الإِتْيَانِ بِالصَّلاةِ: يَقْتَضِي نَقِيضَ حِكْمَةِ الصَّلاةِ، وَهُوَ الْعِقَابُ، فَإِنَّهُ نَقِيضُ وُصُولِ الثَّوَابِ١.
"وَهُوَ" أَيْ الشَّرْطُ مُنْحَصِرٌ فِي أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ٢:
- الأَوَّلُ: شَرْطٌ "عَقْلِيٌّ كَحَيَاةٍ لِعِلْمٍ"؛ لأَنَّه٣ إذَا انْتَفَتْ الْحَيَاةُ انْتَفَى الْعِلْمُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُهُ٤.
- وَالثَّانِي "شَرْعِيٌّ، كَطَهَارَةٍ لِصَلاةٍ"٥.
- "وَ" الثَّالِثَ "لُغَوِيٌّ، كَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ قُمْت، وَهَذَا" النَّوْعُ "كَالسَّبَبِ" فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْقِيَامِ وُجُودُ الطَّلاقِ. وَمِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ عَدَمُ الطَّلاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ٦.
- "وَ" الرَّابِعُ "عَادِيٌّ، كَغِذَاءِ الْحَيَوَانِ" إذْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْغِذَاءِ انْتِفَاءُ الْحَيَاةِ. وَمِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهَا؛ إذْ لا يَتَغَذَّى إلاَّ الْحَيُّ٧. فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الشَّرْطُ الْعَادِيُّ كَالشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ فِي كَوْنِهِ مُطَّرِدًا
_________________
(١) ١ هذا تقسيم للشرط باعتبار المشروط، أو باعتبار السبب والمسبب، أو السبب والحكم. "انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ١٣٠، فواتح الرحموت ١/ ٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، شرح العضد على ابن الحاجب، وحاشية التفتازاني عليه ٢/ ٧". ٢ هذا تقسيم للشرط باعتبار إدراك العلاقة مع المشروط. "انظر: الموافقات ١/ ١٨٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٧، مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣٠". ٣ في ش: لأنها. ٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٥، مختصر الطوفي ص٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨، الروضة ص٣١. ٥ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٥، مختصر الطوفي ص٣٢، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٩٨، أصول السرخسي ٢/ ٣٢٨، الروضة ص٣١، وفي ع: للصلاة. ٦ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨. مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣١. ٧ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨.
[ ١ / ٤٥٥ ]
مُنْعَكِسًا١.
"وَمَا جُعِلَ قَيْدًا فِي شَيْءٍ لِمَعْنًى" فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ "كَشَرْطٍ فِي عَقْدٍ فَـ" حُكْمُهُ "كَـ" شَرْطٍ "شَرْعِيٍّ"٢.
"وَ" الشَّرْطُ "اللُّغَوِيُّ: أَغْلَبُ اسْتِعْمَالِهِ فِي" أُمُورٍ "سَبَبِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ"٣، نَحْوُ٤: إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَالْعَالَمُ مُضِيءٌ، "وَ" سَبَبِيَّةٍ "شَرْعِيَّةٍ" نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ٥، فَإِنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ سَبَبُ ضَوْءِ الْعَالَمِ عَقْلًا. وَالْجَنَابَةَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ٦ التَّطْهِيرِ شَرْعًا٧.
"وَاسْتُعْمِلَ" الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ "لُغَةً" أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ: "فِي شَرْطٍ لَمْ يَبْقَ لِمُسَبِّبٍ شَرْطٌ سِوَاهُ" نَحْوُ: إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْك. فَإِنَّ الإِتْيَانَ شَرْطٌ لَمْ يَبْقَ لِلإِكْرَامِ سِوَاهُ، لأَنَّهُ إذَا دَخَلَ٨ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ عَلَيْهِ عُلِمَ أَنَّ أَسْبَابَ الإِكْرَامِ حَاصِلَةٌ، لَكِنْ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى حُصُولِ الإِتْيَانِ٩.
- "وَ" الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ "الْمَانِعُ" وَهُوَ١٠ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْمَنْعِ١١.
وَهُوَ "مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ".
_________________
(١) ١ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨. ٢ وقيل كاللغوي، "انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨". ٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٥، المدخل إلى مذهب أحمد ٦٨. ٤ في ع: كنحو. ٥ الآية ٦ من المائدة. ٦ في ش ز: لوجود. ٧ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨. ٨ في ش ز: أدخل على، وفي ب: أدخل. ٩ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨. ١٠ ساقطة من ش ز. ١١ انظر: المصباح المنير ٢/ ٨٩٧. القاموس المحيط ٣/ ٨٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فَالأَوَّلُ: احْتِرَازٌ١ مِنْ السَّبَبِ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ٢ مِنْ الشَّرْطِ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ.
٣ وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُنَا ٣: "لِذَاتِهِ": احْتِرَازٌ٤ مِنْ مُقَارَنَةِ الْمَانِعِ لِوُجُودِ سَبَبٍ آخَرَ. فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوُجُودُ لا لِعَدَمِ الْمَانِعِ، بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ الآخَرِ، كَالْمُرْتَدِّ الْقَاتِلِ لِوَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ قِصَاصًا، لأَنَّ الْمَانِعَ لأَحَدِ السَّبَبَيْنِ فَقَطْ٥.
"وَهُوَ" ٦ أَيْ الْمَانِعُ ٦ "إمَّا لِحُكْمِ"٧ وَتَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ "وَصْفٌ وُجُودِيٌّ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُسْتَلْزِمٌ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِ السَّبَبِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الْمُسَبِّبِ"٨، "كَأُبُوَّةٍ فِي قِصَاصٍ" مَعَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. وَهُوَ كَوْنُ الأَبِ سَبَبًا لِوُجُودِ الْوَلَدِ، فَلا يَحْسُنُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ٩. فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ ١٠ وَهُوَ الْقِصَاصُ ١٠ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَهُوَ الْقَتْلُ١١.
_________________
(١) ١ في ش: احترازا. ٢ في ش: احترازا. ٣ ف ع ب: وقولنا. ٤ في ش: احترازا. ٥ انظر في تعريف المانع "التعريفات للجرجاني ص٢٠٧، إرشاد الفحول ص٧، جمع الجوامع ١/ ٩٨، الموافقات ١/ ١٧٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٨-٦٩، مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣١". ٦ في ز: أي المنع المدلول عليه بالمانع. ٧ في ش: الحكم. ٨ هذه عبارة الآمدي مع تغيير في آخرها: "مع بقاء حكمة السبب" "الإحكام، له ١/ ١٣٠"، وانظر: فواتح الرحموت ١/ ٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ١/ ٩٨. ٩ انظر: شرح العضد ٢/ ٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٨٩. ١٠ ساقطة من ش ز ب. ١١ انظر هامش صفحة ٤٤٤ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٤٥٧ ]
"أَوْ" يَكُونُ الْمَانِعُ١ "لِسَبَبِهِ" أَيْ سَبَبِ الْحُكْمِ، وَالْمَانِعُ هُنَا: "وَصْفٌ يُخِلُّ وُجُودُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ" "كَدَيْنٍ مَعَ مِلْكِ نِصَابٍ"، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ حِكْمَةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ - الَّذِي هُوَ السَّبَبُ- كَثْرَةُ تَحَمُّلِ الْمُوَاسَاةِ مِنْهُ٢، شُكْرًا عَلَى نِعْمَةِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ٣ الْمَدِينُ مُطَالَبًا ٣ بِصَرْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ فِي الدَّيْنِ صَارَ كَالْعَدَمِ٤.
وَسُمِّيَ٥ الأَوَّلُ: مَانِعَ الْحُكْمِ؛ لأَنَّ سَبَبَهُ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَتِهِ لا يُؤَثِّرُ. وَالثَّانِي: مَانِعُ السَّبَبِ، لأَنَّ حِكْمَتَهُ فُقِدَتْ مَعَ وُجُودِ صُورَتِهِ فَقَطْ، فَالْمَانِعُ: يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِوُجُودِهِ. وَالشَّرْطُ: يَنْتَفِي الْحُكْمُ لانْتِفَائِهِ.
"وَنَصْبُ هَذِهِ" الأَشْيَاءِ، وَهِيَ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ "مُفِيدَةً" أَيْ حَالَ إفَادَتِهَا "مُقْتَضَيَاتِهَا" وَالْمَعْنَى: أَنَّ نَصْبَهَا لِتُفِيدَ مَا اقْتَضَتْهُ مِنْ الأَحْكَامِ "حُكْمٌ شَرْعِيٌّ" أَيْ قَضَاءٌ مِنْ الشَّارِعِ بِذَلِكَ٦. فَجَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَوُجُوبُ الْحَدِّ حُكْمٌ آخَرُ. وَكَذَا وُجُوبُ حَدِّ الْقَذْفِ مَعَ جَعْلِ الْقَذْفِ سَبَبًا لَهُ. وَوُجُوبُ الْقَطْعِ مَعَ نَصْبِ السَّرِقَةِ سَبَبًا لَهُ، وَوُجُوبُ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْقِصَاصِ، مَعَ نَصْبِ الرِّدَّةِ أَوْ الْقَتْلِ سَبَبًا. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
_________________
(١) ١ في ز: المنع. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: الدين مطابقًا. ٤انظر: مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٧، الإحكام، للآمدي ١/ ١٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ١/ ٩٧، فواتح الرحموت ١/ ٦١، مناهج العقول ١/ ٦٩، حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ٧، إرشاد الفحول ص٧. ٥ في ش: ومسمى، وفي ض: سُمّي. ٦ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٠، نهاية السول ١/ ٧٠، وما بعدها، مختصر الطوفي ص٣٢، الروضة ص٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩.
[ ١ / ٤٥٨ ]
فَوَائِدُ١:
الأُولَى: قَدْ يَلْتَبِسُ السَّبَبُ بِالشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِهِمَا. وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِمَا كَالْحَدَثِ٢، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهُ، بِخِلافِ الشَّرْطِ. فَإِذَا شُكَّ فِي وَصْفٍ: هَلْ هُوَ٣ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ؟
نَظَرْت: فَإِنْ كَانَتْ كُلَّهَا مُنَاسِبَةً لِلْحُكْمِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ الْعُدْوَانِ، فَالْكُلُّ سَبَبٌ.
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا٤ مُنَاسِبًا، كَأَسْبَابِ الْحَدَثِ، فَكُلِّ٥ وَاحِدٍ سَبَبٌ.
وَإِنْ نَاسَبَ الْبَعْضَ فِي ذَاتِهِ وَالْبَعْضَ فِي غَيْرِهِ، فَالأَوَّلُ: سَبَبٌ. وَالثَّانِي: شَرْطٌ. كَالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ. فَإِنَّ النِّصَابَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْغِنَى وَنِعْمَةِ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ. فَهُوَ٦ السَّبَبُ، وَالْحَوْلُ مُكَمِّلٌ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي مُدَّتِهِ. فَهُوَ شَرْطٌ. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ٧.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: "وَلَكِنَّ هَذَا لا يَكُونُ إلاَّ فِي السَّبَبِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي يَكُونُ عِلَّةً، لا فِي السَّبَبِ الزَّمَانِيِّ وَنَحْوِهِ. فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْوَصْفُ هُوَ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي تَعْرِيفِهِ أَوْ تَأْثِيرِهِ عَلَى الْخِلافِ. فَالسَّبَبُ، وَإِلاَّ فَالشَّرْطُ". اهـ.
_________________
(١) ١ انظر هذه الفوائد في "شرح تنقيح الفصول ص٨٢ وما بعدها". ٢ ساقطة من ش ز ب ض. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ش: منهما. ٥ في ش: كلكل. ٦ في ز: وهو. ٧ شرح تنقيح الفصول ص٨٤.
[ ١ / ٤٥٩ ]
الثَّانِيَةُ: الشَّرْطُ وَعَدَمُ الْمَانِعِ، كِلاهُمَا يُعْتَبَرُ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ. فَقَدْ يَلْتَبِسَانِ، حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ جَعَلَهُ إيَّاهُ١. كَمَا عَدَّ الْفُورَانِيُّ٢ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاةِ: تَرْكُ الْمَنَاهِي مِنْ الأَفْعَالِ وَالْكَلامِ وَالأَكْلِ وَنَحْوِهِ. وَتَبِعَهُمَا الرَّافِعِيُّ٣ فِي "شَرْحِ الْوَجِيزِ"٤ وَغَيْرُهُ. وَالنَّوَوِيُّ٥ فِي "الرَّوْضَةِ"٦. لَكِنْ قَالَ فِي "شَرْحِ الْمُهَذَّبِ": "الصَّوَابُ أَنَّهَا لَيْسَتْ شُرُوطًا. وَإِنْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ
_________________
(١) ١ انظر: الفروق للقرافي ١/ ١١١. ٢ هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الشافعي، أبو القاسم، الإمام الكبير، الحافظ للمذهب، وهو شيخ أهل مرو، صنف في الأصول والفروع والخلاف والجدل والملل والنحل، ومن مصنفاته "الإبانة" و"العمد" في الفقه، وقد تتبعه فيهما الجويني، ونال منه كثيرًا. توفي سنة ٤٦١هـ. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٢/ ٣١٤، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ١٠٩، شذرات الذهب ٣/ ٣٠٩، البداية والنهاية ١٢/ ٩٨، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٨٠". ٣ هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، القزويني، الرافعي، أبو القاسم، كان متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، وكان ورعًا تقيًا زاهدًا، طاهر الذيل، مراقبًا لله، ويعتبر مع النووي من محرري المذهب الشافعي ومحققيه في القرن السابع، له مصنفات، ومنها "الشرح الكبير" المسمى بـ "فتح العزيز في شرح الوجيز" و"الشرح الصغير" و"المحرر" و"شرح مسند الشافعي" و"الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة" و"الإيجاز في أخبار الحجاز" توفي سنة ٦٢٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٢٨١، شذرات الذهب ٥/ ١٠٨، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦٤، فوات الوفيات ٢/ ٧، طبقات المفسرين ١/ ٣٣٥". ٤ فتح العزيز، شرح الوجيز ٤/ ١٠٥، ١١٨، ١٣٤. ٥ هو يحيى بن شرف بن مري النووي، شيخ الإسلام، أبو زكريا، أستاذ المتأخرين، قال السبكي: "كان يحيى ﵀ سيدًا حصورًا، ولينًا على النفس هصورًا، وزاهدًا لم يبال بخراب الدنيا إذا صير دينه ربعا معمورًا، له الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم فقها ومتون حديث وأسماء رجال ولغة وتصوفًا"، له مصنفات فاخرة نفيسة، أهمها: "رياض الصالحين" و"شرح صحيح مسلم" و"الأذكار" و"الأربعين" في الحديث، و"المجموع شرح المهذب" و"الروضة" و"لغات التنبيه" و"المناسك" و"المنهاج" في الفقه، و"تهذيب الأسماء وللغات" و"طبقات الفقهاء". توفي سنة ٦٧٦هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٨/ ٣٩٥، شذرات الذهب ٥/ ٣٥٤، الفتح المبين ٢/ ٨١، طبقات الحفاظ ص٥١٠، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٠". ٦ روضة الطالبين ١/ ٢٨٩، ٢٩٣، ٢٩٦.
[ ١ / ٤٦٠ ]
فَمَجَازٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُبْطِلاتٌ"١.
وَقَالَ فِي "التَّحْقِيقِ": غَلِطَ مَنْ عَدَّهَا شُرُوطًا". اهَـ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا - عَلَى تَقْدِيرِ التَّغَايُرِ - أَنَّ الشَّرْطَ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا وُجُودِيًّا. وَأَمَّا عَدَمُ الْمَانِعِ٢ فَعَدَمِيٌّ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي التَّغَايُرِ٣: إنْ عُدِمَ الْمَانِعُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالأَصْلِ. وَالشَّرْطُ لا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ. فَإِذَا شَكَّ فِي شَيْءٍ يَرْجِعُ لِهَذَا٤ الأَصْلِ٥. وَلِذَلِكَ عُدَّتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا، لأَنَّ الشَّكَّ فِيهَا مَعَ تَيَقُّنِ ضِدِّهَا الْمُسْتَصْحَبِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الصَّلاةِ.
قَالُوا: وَيَلْزَمُ مَنْ ادَّعَى اتِّحَادَهُمَا اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ فِيمَا إذَا شَكَكْنَا فِي طَرَيَانِ الْمَانِعِ، لأَنَّا حِينَئِذٍ نَشُكُّ فِي عَدَمِهِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ عَدَمَهُ شَرْطٌ. فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرْطٌ لا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ. وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّكَّ فِي طَرَيَانِ الْمَانِعِ ٦ لا أَثَرَ ٦ لَهُ، فَيُوجَدُ الْمَشْرُوطُ. وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
الثَّالِثَةُ: سَبَبُ السَّبَبِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ، لأَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ مُتَوَقِّفٌ٧ عَلَيْهِ. كَالإِعْتَاقِ فِي الْكَفَّارَةِ، سَبَبُ السُّقُوطِ٨ عَنْ الذِّمَّةِ، وَالإِعْتَاقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُحَصِّلِ لَهُ.
_________________
(١) ١ المجموع شرح المهذب ٣/ ٥١٨. ٢ ساقطة من ش. ٣ ساقطة من ز ع ب ض. ٤ في ش ز: في هذا. ٥ بيّن القرافي الفرق بينهما فقال: "الفرق بينهما يظهر بتقرير قاعدة، وهي أن كل مشكوك فيه ملغي في الشريعة، فإذا شككنا في السبب لم نرتب عليه حكمًا، أو في الشرط لم نرتب الحكم أيضًا، أو في المانع رتبنا الحكم" ثم يقول: "فهذه القاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه" "الفروق ١/ ١١١". ٦ في ع: لاثر. ٧ في ب: يتوقف. ٨ في ش: السقوط.
[ ١ / ٤٦١ ]
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ": الشَّرْطُ١ وَجُزْؤُهُ وَجُزْءُ الْعِلَّةِ، كُلٌّ مِنْهَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ٢ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلا عَدَمٌ. فَهِيَ تَلْتَبِسُ٣، وَالْفَرْقُ: أَنَّ مُنَاسَبَةَ الشَّرْطِ وَجُزْئِهِ: فِي غَيْرِهِ. وَمُنَاسَبَةَ جُزْءِ الْعِلَّةِ: فِي نَفْسِهِ"٤.
"مِثَالُهُ: الْحَوْلُ، مُنَاسَبَتُهُ٥ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ لِتَكْمِلَتِهِ الْغِنَى الْحَاصِلُ بِهِ التَّنْمِيَةُ. وَجُزْءُ الْعِلَّةِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ مُنَاسَبَتُهُ٦ فِي نَفْسِهِ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَعْضِ الْغِنَى. فَالْعِلَّةُ وَجُزْؤُهَا مُؤَثِّرَانِ. وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ لِتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الشَّرْطَ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ".
قَالَ: "وَمِنْهَا: الْحُكْمُ. كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ. فَمَا الْفَرْقُ؟ "٧.
"الْجَوَابُ: بِمَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا مُنَاسِبًا فِي نَفْسِهِ. وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ مُنَاسِبٌ فِي غَيْرِهِ".
قَالَ: "وَمِنْهَا: أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ. يَتَرَتَّبُ٨ عَلَيْهَا الْحُكْمُ، وَالْعِلَلُ الْمُتَعَدِّدَةُ إذَا وُجِدَتْ ٩ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ ٩، فَمَا الْفَرْقُ؟ ".
"وَالْجَوَابُ: أَنَّ جُزْءَ١٠ الْعِلَّةِ إذَا انْفَرَدَ لا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ، بَلْ لا بُدَّ مِنْ
_________________
(١) ١ في ش: الجزء. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: تلبيس. ٤ انظر: الفورق ١/ ١٠٩. ٥ في ع: مناسبه. ٦ في ع: مناسبه. ٧ في ع: الفرق بينهما. ٨ في ش ز: ترتب. ٩ ساقطة من ش. ١٠ في ع: أجزاء.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وُجُودِ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا. كَأَوْصَافِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، إذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَ الْقَوَدُ، وَلَوْ انْفَرَدَ بَعْضُهَا، كَالْقَتْلِ خَطَأً، أَوْ عَمْدًا فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ قَتَلَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ: لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ، بِخِلافِ الْعِلَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ. فَإِنَّ بَعْضَهَا إذَا انْفَرَدَ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ. كَمَنْ لَمَسَ وَنَامَ وَبَالَ، وَجَبَ الْوُضُوءُ بِجَمِيعِهَا. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. نَعَمْ إذَا اجْتَمَعَتْ كَانَ حُكْمًا ثَابِتًا بِعِلَلٍ١. ٢ كَمَا يَأْتِي ٢. اهـ.
الرَّابِعَةُ: الْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ، مِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ وَاسْتِمْرَارَهُ، كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارَهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ٣.
وَمِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ فَقَطْ. كَالْعِدَّةِ تَمْنَعَ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَلا تُبْطِلُ اسْتِمْرَارَهُ٤.
وَمِنْهَا: مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَالإِحْرَامِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الصَّيْدِ. فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ، فَهَلْ تَجِبُ٥ إزَالَةُ٦ الْيَدِ عَنْهُ٧؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا تَجِبُ٨، وَكَالطَّوْلِ يَمْنَعُ
_________________
(١) ١ انظر: الفروق ١/ ١٠٩-١١٠. ٢ في ع: كما ذكروه في موضعه. ٣ مثال طروء الرضاع على النكاح أن يتزوج بنتًا في المهد فترضعها أمه فتصير أخته من الرضاع، فتحرم عليه، فيبطل النكاح بينهما، "شرح تنقيح الفصول ص٨٤، الفروق ١/ ١١٠". ٤ لا يجوز العقد على المعتقدة لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ "البقرة/ ٢٣٥" ولكن العدة لا تبطل استمرار النكاح، كما إذا غصبت امرأة متزوجة، أو زنت اختيارا، أو وطئت بشبهة، فإنها تستبرأ من هذا الماء، ليتبين هل خلق منه ولد فيلحق بالغير، أو يلاعن منه الزنا، ومع ذلك فالنكاح لا يبطل بهذا الاستبراء. "شرح تنقيح الفصول ص٨٤، الفروق ١/ ١١٠". ٥ في ش ز ب: يجب. ٦ في ش: ابتداء إزالة. ٧ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٤. ٨ انظر: الفروق ١/ ١١٠.
[ ١ / ٤٦٣ ]
ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الأَمَةِ١. فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُبْطِلُهُ٢؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لا يُبْطِلُهُ٣. وَكَوُجُودِ الْمَاءِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ التَّيَمُّمِ. فَلَوْ طَرَأَ وُجُودُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلاةِ فَهَلْ يَبْطُلُ٤؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُبْطِلُهُ٥.
"وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ "فَسَادٌ وَصِحَّةٌ"، لأَنَّهُمَا مِنْ الأَحْكَامِ٦، وَلَيْسَا دَاخِلَيْنِ فِي الاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ، لأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَبُطْلانِهَا، وَبِصِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ وَبُطْلانِهَا: لا يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءٌ وَلا تَخْيِيرٌ، فَكَانَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ. وَهَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٧.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَى الصِّحَّةِ: الإِبَاحَةُ، وَمَعْنَى الْبُطْلانِ: الْحُرْمَةُ٨.
وَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَجَمْعٌ إلَى أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلانَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الشَّرْعِ. فَلا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ٩.
_________________
(١) ١ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء / ٢٥]، والطوْل: القدرة على تكاليف الزواج. ٢ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٤. ٣ انظر: الفروق ١/ ١١٠. ٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٤. ٥ انظر: الفروق ١/ ١١٠. ٦ هذا تقسيم للحكم باعتبار اجتماع الشروط المعتبرة في الفعل في الفعل، وعدم اجتماعها فيه "نهاية السول ١/ ٧٤". ٧ هناك أقوال أخرى في اعتبار الفساد والصحة من خطاب الوضع أو التكليف أو غير ذلك "انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٢١ وما بعدها، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٩٩". ٨ في ش: الحرمان. ٩ لأن الفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء أو موافقًا لأمر الشارع فيكون صحيحا بحكم العقل، واما أن لا يسقط القضاء أو لا يوافق أمر الشارع فهو باطل وفاسد بحكم العقل، "انظر: مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٧، فواتح الرحموت ١/ ٥٥، ١٢٠، ١٢١، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٨".
[ ١ / ٤٦٤ ]
"وَهِيَ" أَيْ الصِّحَّةُ "فِي عِبَادَةٍ: سُقُوطُ الْقَضَاءِ" أَيْ قَضَاءُ الْعِبَادَةِ "بِالْفِعْلِ" أَيْ: بِفِعْلِهَا١. بِمَعْنَى أَنْ لا يَحْتَاجَ إلَى فِعْلِهَا ثَانِيًا٢. وَهَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ٣.
وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: مُوَافَقَةُ الأَمْرِ٤، وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ٥. فَصَلاةُ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ صَحِيحَةٌ عَلَى قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَاسِدَةٌ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ٦. فَالْمُتَكَلِّمُونَ نَظَرُوا لِظَنِّ الْمُكَلَّفِ. وَالْفُقَهَاءُ لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ٧.
_________________
(١) ١ في ش ز: بعملها. ٢ المقصود بالقضاء هنا فعل العبادة ثانيًا في الوقت، وهو الإعادة اصطلاحا، وليس القضاء بالمعنى الاصطلاحي الأصولي السابق، وهو فعل العبادة خارج الوقت، ولذلك فسر المصنف سقوط القضاء "بمعنى أن لا يحتاج إلى فعلها ثانيًا". "انظر: حاشية البناني ١/ ١٠٠". ٣ مراد المصنف بالفقهاء هنا طريقة الحنفية ومن سار على نهجهم في كتابة علم الأصول، ويقابلها طريقة المتكلمين التي سار عليها معظم علماء الأصول من المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة. وانظر معنى الصحة في العبادة في "الإحكام للآمدي ١/ ١٣٠، نهاية السول ١/ ٧٥، شرح تنقيح الفصول ص٧٦، المستصفى ١/ ٩٤، فواتح الرحموت ١/ ١٢٢، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٥، الموفقات ١/ ١٩٧، الروضة ص٣١، مختصر الطوفي ص٣٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩، إرشاد الفحصول ص١٠٥، شرح الورقات ص٣٠، حاشية البناني ١/ ١٠٠". ٤ أي أن يوافق فعل المكلف أمر الشارع، والمراد بالموافقة أعم من أن تكون بحسب الواقع أو بحسب الظن، بشرط عدم ظهور فساده، لأنا أمرنا باتباع الظن مالم يظهر فساده، والمسقط للقضاء هو الموافقة الواقعية. "انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٢١". ٥ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٣٠، حاشية البناني ١/ ٩٩، نهاية السول ١/ ٧٥، المستصفى ١/ ٩٤، شرح تنقيح الفصول ص٧٦، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٥، الروضة ص٣١، مختصر الطوفي ص٣٣، إرشاد الفحول ص١٠٥. ٦ انظر: المستصفى ١/ ٩٤، الإحكام للآمدي ١/ ١٣٠، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٠، نهاية السول ١/ ٧٥، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٥، حاشية البناني ١/ ٩٩، شرح تنقيح الفصول ص٧٦، الروضة ص٣١، مختصر الطوفي ص٣٣، إرشاد الفحول ص١٠٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩. ٧ يرى جلال الدين المحلي الجميع بين القولين باعتبار آخر، وهو أن النظر في العبادة بحسب اعتقاد الفاعل، وأن لزوم القضاء لا ينافي ذلك، وأن النظر في المعاملات بحسب الواقع ونفس الأمر. "انظر: شرح الورقات ص٣٠".
[ ١ / ٤٦٥ ]
لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: "اللاَّئِقُ بِقَوَاعِدِ الْفَرِيقَيْنِ الْعَكْسُ".
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ١: "هَذَا الْبِنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ ٢ مَنْ قَالَ ٢: مُوَافَقَةُ الأَمْرِ إنْ أَرَادَ الأَمْرَ الأَصْلِيَّ: فَلَمْ تَسْقُطْ٣، أَوْ الأَمْرَ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ: فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ الظَّنِّ٤. فَيَلْزَمُ أَنْ لا تَكُونَ صَحِيحَةً مِنْ حَيْثُ عَدَمُ مُوَافَقَةِ الأَمْرِ الأَصْلِيِّ وَلا٥ الأَمْرِ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ"٦.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ٧. قَالَ: وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ الأَكْثَرِ٨، وَقَطَعُوا بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ،
_________________
(١) ١ هو محمد بن علي بن وهْب، تقي الدين، القشيْري، أبو الفتح، المنفلوطي المصري المالكي، ثم الشافعي، اشتهر بالتقوى حتى سمي بتقي الدين، وكان عالما زاهدا ورعا عارفا بالمذهب المالكي والمذهب الشافعي، متقنًا لأصول الدين وأصول الفقه والنحو واللغة، له تصانيف كثيرة، منها: "الالمام" في آحاديث الأحكام، شرحه "الإمام" و"مقدمة المطرزي" في أصول الفقه، وشرح بعض "مختصر ابن الحاجب"، و"شرح العمدة" و"الاقتراح في علوم الحديث" و"الأربعين التساعية"، ولي فضاء الديار المصرية، وتوفي سنة ٧٠٢هـ. انظر ترجمته في "شذرات الذهب ٦/ ٥، الدرر الكامنة ٤/ ٢١٠، طبقات الشافعة الكبرى للسبكي ٩/ ٢٠٧، البدر الطالع ٢/ ٢٢٩، الديباج المذهب ٢/ ٣١٨، الفتح المبين ٢/ ١٠٢، طبقات الحفاظ ص٥١٣، حسن المحاضرة ١/ ٣١٧، شجرة النور ص١٨٩، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٨١". ٢ ساقطة من ش. ٣ في ع: يسقط. ٤ في ز: النظر. ٥ ساقطة من ب. ٦ يقول الأنصاري في فواتح الرحموت "١/ ١٢١": "فموافقة الأمر، وسقوط القضاء متلازمان عند التحقيق، ثم نقاش أدلة المتكلمين في ذلك. ٧ في ع: الظاهر. ٨ خلافًا للقاضي عبد الجبار وأتباعه. "انظر: ارشاد الفحول ص١٥٠".
[ ١ / ٤٦٦ ]
وَيَكُونُ الْخِلافُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لَفْظِيًّا١. اهـ.
"وَ" الصِّحَّةُ "فِي مُعَامَلَةٍ: تَرَتُّبُ أَحْكَامِهَا" أَيْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَةِ "الْمَقْصُودَةِ بِهَا" أَيْ بِالْمُعَامَلَةِ، "عَلَيْهَا"٢ وَذَلِكَ لأَنَّ٣ الْعَقْدَ لَمْ يُوضَعْ إلاَّ لإِفَادَةِ مَقْصُودِ كَمَالِ النَّفْعِ فِي الْبَيْعِ. وَمِلْكِ الْبُضْعِ فِي النِّكَاحِ. فَإِذَا أَفَادَ مَقْصُودَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ. وَحُصُولُ مَقْصُودِهِ: هُوَ تَرَتُّبُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، لأَنَّ الْعَقْدَ مُؤَثِّرٌ لِحُكْمِهِ وَمُوجِبٌ لَهُ٤.
قَالَ الآمِدِيُّ: "وَلا بَأْسَ بِتَفْسِيرِ الصِّحَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ بِهَذَا"٥.
قَالَ الطُّوفِيُّ: "لأَنَّ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ رَسْمُ٦ التَّعَبُّدِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْعَبْدِ مِنْهَا. فَإِذَا أَفَادَتْ ذَلِكَ كَانَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهَا كَافِيَةٌ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً"٧.
_________________
(١) ١ قال علماء الأصول: والقضاء واجب على القولين، ومن هنا نرى أن الخلاف بينهما لفظي لا حقيقي، لأن الصحة على قول المتكلمين في موافقة الأمر المتوجه على المكلف في الحال، وأن الفضاء يجب بأمر جديد، كما أن الصلاة على قول الفقهاء غير مجزئة، فليست صحيحة، ويجب قضاؤها، ولذلك قال القرافي: "فاتفقوا على أنه لا يجب الفضاء إذا لم يطلع على الحدث، وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع" "شرح تنقيح الفصول ص٧٧" وانظر: المستصفى ١/ ٩٥، نهاية السول ١/ ٧٥، شرح الورقات ص٣٠، تيسير التحرير ١/ ٢٣٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩، مختصر الطوفي ص٣٣. ٢ انظر: المستصفى ١/ ٩٤، فواتح الرحموت ١/ ١٢٢، شرح تنقيح الفصول ص٧٦، الموافقات ١/ ١٩٧، شرح الورقات ص٣٠، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، حاشة البناني على جمع الجوامع ١/ ١٠٠، مناهج العقول ١/ ٧٣، التعريفات للجرجاني ص١٣٧، الروضة ص٣١، مختصر الطوفي ص٣٣. ٣ في ز: أن. ٤ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠١، نهاية السول ١/ ٧٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩. ٥ عبارة الآمدي: "ولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج" "الإحكام، له ١/ ١٣١". ٦ في ش: وسم. ٧ قال الطوفي في مختصره: "الصحة في العبادات وقوع الفعل كافيًا في سقوط القضاء" "مختصر الطوفي ص٣٣"، وانظر: إرشاد الفحول ص١٠٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩.
[ ١ / ٤٦٧ ]
"وَيَجْمَعُهُمَا" أَيْ وَيَجْمَعُ الْعِبَادَةَ وَالْمُعَامَلَةَ فِي حَدِّ صِحَّتِهِمَا قَوْلُهُ: "تَرَتُّبُ أَثَرٍ مَطْلُوبٍ مِنْ فِعْلٍ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ١. فَالْفُقَهَاءُ فَسَّرُوا الأَثَرَ الْمَطْلُوبَ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ. وَالْمُتَكَلِّمُونَ بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ.
"فَبِصِحَّةِ عَقْدٍ يَتَرَتَّبُ أَثَرُهُ" مِنْ٢ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ لَهُ٣، كَالْبَيْعِ إذَا صَحَّ الْعَقْدُ تَرَتَّبَ أَثَرُهُ مِنْ مِلْكٍ، وَجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ هِبَةٍ وَوَقْفٍ وَأَكْلٍ وَلُبْسٍ وَانْتِفَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا إذَا صَحَّ عَقْدُ النِّكَاحِ وَالإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَثَرُهَا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ لَهُ بِهِ. فَيَنْشَأُ ذَلِكَ عَنْ الْعَقْدِ.
وَتَرَتُّبُ الْعِتْقِ عَلَى الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ٤ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَتَرَتُّبُ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ، لِوُجُودِ الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، لا مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ فِي الثَّلاثِ.
"وَ" بِصِحَّةِ "عِبَادَةٍ" يَتَرَتَّبُ "إجْزَاؤُهَا، وَهُوَ" أَيْ إجْزَاؤُهَا "كِفَايَتُهَا فِي إسْقَاطِ التَّعَبُّدِ"٥.
"وَيَخْتَصُّ" الإِجْزَاءُ "بِهَا" أَيْ بِالْعِبَادَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً٦.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام، للآمدي ١/ ١٣١، حاشية البناني ١/ ٩٩، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٤. ٢ في ض: أي من. ٣ انظر: الموافقات ١/ ١٩٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠١، الإحكام، للآمدي ١/ ١٣١. ٤ ساقطة من ز. ٥ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨، نهاية السول ١/ ١٩٩. ٦ ذهب القرافي وغيره إلى أن الإجزاء وصف للعبادة الوجبة فقط. وأن النوافل من العبادات توصف بالصحة دون الإجزاء كالعقود، وقال الجمهور إن الإجزاء يشمل العبادة الواجبة والمستحبة. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧٨، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٣ وما بعدها، نهاية السول ١/ ٧٧، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٦".
[ ١ / ٤٦٨ ]
وَتَفْسِيرُ إجْزَائِهَا بِكِفَايَتِهَا فِي إسْقَاطِ التَّعَبُّدِ يُنْقَلُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ١.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَقِيلَ: الإِجْزَاءُ هُوَ الْكِفَايَةُ فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ. وَيُنْقَلُ عَنْ الْفُقَهَاءِ٢.
فَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ: فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِشُرُوطِهِ يَسْتَلْزِمُ الإِجْزَاءَ بِلا٣ خِلافٍ. وَعَلَى الثَّانِي: يَسْتَلْزِمُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: "وَإِلاَّ لَكَانَ الأَمْرُ بَعْدَ الامْتِثَالِ مُقْتَضِيًا٤ إمَّا لِمَا فُعِلَ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ، فَالْمَجْمُوعُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَلَمْ يُفْعَلْ إلاَّ بَعْضُهُ. وَالْفَرْضُ خِلافُهُ"٥.
"وَكَصِحَّةِ قَبُولٍ وَنَفْيِهِ، كَنَفْيِ إجْزَاءٍ" يَعْنِي أَنَّ الْقَبُولَ مِثْلُ الصِّحَّةِ، فَلا يُفَارِقُهَا فِي إثْبَاتٍ وَلا نَفْيٍ. فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا وُجِدَ الآخَرُ، وَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا انْتَفَى الآخَرُ. وَهَذَا٦ الْمُقَدَّمُ فِي "التَّحْرِيرِ". وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ
_________________
(١) ١ انظر: الموافقات ١/ ١٩٧، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٥، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٣، نهاية السول ١/ ١٩٩، إرشاد الفحول ص١٠٥، شرح تنقيح الفصول ص٧٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٧١". ٢ الإجزاء في العبادة بمعنى الصحة، والفرق بينهما أن الصحة وصف للعبادة والعقود، أما الإجزء فهو وصف للعبادة فقط فالصحة أعم من الإجزاء مطقًا، وقيل: الإجزاء شمل العبادة وغيرها، فعلى هذا فهما متسايان "انظر: شرح تنقيح الفصول ص٧٧-٧٨، نهاية السول ١/ ٧٧ وما بعدها، شرح الورقات ص٣١، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٥، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٣، مناهج العقول ١/ ٨٦". ٣ في ش: ولا. ٤ في ع: يكون مقتضيًا. ٥ انظر أدلة الجمهور على سقوط القضاء بمجرد الإتيان بالمأمور به على وجهه، وأدلة المخالفين ومناقشتها في "إرشاد الفحول ص١٠٥، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٨، نهاية السول ١/ ١٩٩". ٦ في ش: وهو.
[ ١ / ٤٦٩ ]
فِي "الْوَاضِحِ".
وَقِيلَ: إنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ، إذْ كُلُّ مَقْبُولٍ صَحِيحٌ وَلا عَكْسَ. وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ ١ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا" ٢ وَ١ "إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَوَالِيهِ" ٣ وَ٤ "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا" ٥ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَيَكُونُ الْقَبُولُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ. وَالصِّحَّةُ قَدْ تُوجَدُ فِي الْفِعْلِ وَلا ثَوَابَ فِيهِ٦.
لَكِنْ قَدْ أَتَى نَفْيُ الْقَبُولِ فِي الشَّرْعِ تَارَةً بِمَعْنَى نَفْيِ٧ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ع ب ض. ٢ رواه مسلم وأحمد، وهو حديث صحيح، وقد خص العدد بالأربعين، على عادة العرب، للتكثير، وخص الليلية لأن من عادة العرب ابتداء الحساب بالليالي، وخص الصلاة لكونها عماد الدين، ومعني عدم القبول عدم الثواب لا استحقاق العقاب، فالصلاة المقبولة يستحق فاعلها الثواب، والصلاة غير المقبولة لايستحق الثواب ولا العقاب، كما قال النووي، وقيل: إن عدم القبول يحبط تضيعف الأجر مع براءة الذمة من المطالبة. "انظر: صحيح مسلم ٤/ ١٧٥١، فيض القدير ٦/ ٢٢، مسند أحمد ٤/ ٦٨". ٣ حديث صحيح رواه مسلم عن جرير، والمعنى أن لا يثاب عليها مع صحتها لعدم التلازم بين القبول والصحة، فالصلاة غير مقبولة لاقترانها بمعصية، وصحيحة لوجود شروطها وأركانها. "انظر: صحيح مسلم ١/ ٨٣، فيض القدير ١/ ٢٣٨". ٤ ساقطة من ش ع ب ض. ٥ رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والطراني وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وراه أحمد وزاد: فإن مات مات كافرًا. "انظر: تحفة الأحوذي ٥/ ٦٠١، سنن النسائي ٨/ ٢٨١، سنن ابن ماجة ٢/ ١١٢١، الترغيب والترهيب ٣/ ٢٦٤، فيض القدير ٦/ ١٥٧، مسند أحمد ٢/ ١٧٦". ٦ انظر: المسودة ص٥٢. ٧ ساقطة من ز.
[ ١ / ٤٧٠ ]
حَدِيثِ١: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ" ٢. وَ"لا تُقْبَلُ صَلاةُ حَائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ" ٣ وَ"لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" ٤، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ﴾ ٥.
وَتَارَةً بِمَعْنَى نَفْيِ الْقَبُولِ مَعَ وُجُودِ الصِّحَّةِ، كَمَا فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي الآبِقِ، وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا.
وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ فِي "الْوَاضِحِ". وَرَجَّحَ أَنَّ الصَّحِيحَ لا يَكُونُ إلاَّ
_________________
(١) ١ في ش: الحديث. ٢ رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماحه وأحمد والدرامي، وعَنْوَن به البخاري، والطهور –بضم الطاء- المراد به المصدر أي التطهير، والمراد هنا ما هو أعم من الوضوء والغسل، قال النووي: والقبول هنا يرادف الصحة، وهو الإجزاء وعدم القبول عدم الصحة، والغُلُول: ما يؤخذ من جهة الخيانة في الغنيمة أو الغصب أو السرقة، والمعنى أن الله تعالى لا يقبلُ صدقة من مال غُلول. "انظر: صحيح مسلم ١/ ٢٠٤، سنن أبي داود ١/ ٤٧، سنن النسائي ١/ ٧٥، سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ١/ ٢٣، صحيح البخاري ١/ ٣٨، سنن أبن ماجة ١/ ١٠٠، سنن الدارمي ١/ ١٧٥، فيض القدير ٦/ ٤١٥، مسند أحمد ٢/ ٢٠". ٣ رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وابن حبان عن عائشة مرفوعًا، والمقصود بالحائض المرأة التي بلغت سنّ الحيض، والخمار ما تستر به الرأس، خصّ الحيض لأنه أكثر ما يبلغ به الإناث، لا للاحتراز، فالصبية المميزة لا تقبل صلاتها إلا بخمار. "انظر: تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٢/ ٣٧٧، سنن أبي داود ١/ ٢٤٤، سنن ابن ماجة ١/ ٢١٥، فيض القدير ٦/ ٤١٥-٤١٦، مسند أحمد ٦/ ١٥٠". ٤ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا، والقبول هنا يرادف الصحة أيضًا، ولما كان الإتيان بشروط الصلاة مظنة الإجزاء، وأن القبول ثمرته، عبر عن الصحة بالقبول مجازًا. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٣٨، صحيح مسلم ١/ ٢٠٤، سنن أبي داود ١/ ٤٧، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ١/ ١٠٢، فيض القدير ٦/ ٤٥٢، مسند أحمد ٢/ ٣٠٨". ٥ الآية ٩١ من آل عمران.
[ ١ / ٤٧١ ]
مَقْبُولًا، وَلا يَكُونُ مَرْدُودًا، إلاَّ١ وَهُوَ بَاطِلٌ٢.
قَالَ٣ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: ظَهَرَ لِي٤ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولَ وَلَمْ تَنْتَفِ مَعَهُ الصِّحَّةُ - كَصَلاةِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ- أَنَّا نَنْظُرُ فِيمَا نُفِيَ، فَإِنْ قَارَنَتْ ذَلِكَ الْفِعْلَ مَعْصِيَةٌ، - كَحَدِيثِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ-؛ انْتَفَى، الْقَبُولُ. أَيْ الثَّوَابُ، لأَنَّ إثْمَ الْمَعْصِيَةِ أَحْبَطَهُ، وَإِنْ لَمْ تُقَارِنْهُ مَعْصِيَةٌ. كَحَدِيثِ: "لا صَلاةَ إلاَّ بِطُهُورٍ" وَنَحْوِهِ، فَانْتِفَاءُ الْقَبُولِ سَبَبُهُ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَنَحْوُهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشَّرْطِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ. انْتَهَى.
"وَ" الصِّحَّةُ - بِاعْتِبَارِ إطْلاقَاتِهَا- ثَلاث:
- "شَرْعِيَّةٌ، كَمَا هُنَا" وَتُرْسَمُ بِـ "مَا أَذِنَ الشَّارِعُ فِي جَوَازِ الإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُتَّصِفِ بِهَا"، وَهُوَ يَشْمَلُ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إلاَّ التَّحْرِيمَ، فَإِنَّهُ لا إذْنَ فِيهِ، وَالأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ: فِيهَا٥ الإِذْنُ اتِّفَاقًا٦ فِي جَوَازِ الإِقْدَامِ ٧ عَلَى الْفِعْلِ الْمُتَّصِفِ بِهَا ٧.
- "وَ" الثَّانِيَةُ: "عَقْلِيَّةٌ، كَإِمْكَانِ الشَّيْءِ وُجُودًا وَعَدَمًا" يَعْنِي بِأَنْ يَتَعَلَّقَ٨ وُجُودُ الْمُمْكِنِ وَعَدَمُ الْمُمْتَنِعِ.
- "وَ" الثَّالِثَةُ: "عَادِيَّةٌ، كَمَشْيٍ وَنَحْوِهِ" كَجُلُوسٍ وَاضْطِجَاعٍ. وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلا مَأْمُورٌ بِهِ، وَلا مَشْرُوعٌ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: المسودة ص٥٢. ٣ في ز ع ض: وقال. ٤ ساقطة من ش. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ش. ٧ ساقطة من ز ع ب ض. ٨ في ش: يتعلق.
[ ١ / ٤٧٢ ]
عَلَى الإِطْلاقِ، إلاَّ وَفِيهِ الصِّحَّةُ الْعَادِيَّةُ. وَلِذَلِكَ حَصَلَ الاتِّفَاقُ١ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ لَمْ يَقَعْ فِيهَا طَلَبُ وُجُودٍ وَلا عَدَمٍ، إلاَّ فِيمَا يَصِحُّ عَادَةً. وَإِنْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ مَا لا يُطَاقُ.
"وَبُطْلانٌ وَفَسَادٌ مُتَرَادِفَانِ، يُقَابِلانِ الصِّحَّةَ٢ الشَّرْعِيَّةَ" سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ فِي الْمُعَامَلاتِ٣.
فَهُمَا فِي الْعِبَادَاتِ٤: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا، أَوْ عَدَمِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، أَوْ٥ عَدَمِ٦ مُوَافَقَةِ الأَمْرِ، وَفِي الْمُعَامَلاتِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَرَتُّبِ الأَثَرِ عَلَيْهَا٧.
وَفَرَّقَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ بَيْنَ الْبُطْلانِ وَالْفَسَادِ٨.
_________________
(١) ١ في ع: اتفاق الناس. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٥، نهاية السول ١/ ٨٤، شرح العضد ٢/ ٧، الموافقات ١/ ١٩٨، المسودة ص٨٠، المستصفى ١/ ٩٥، الروضة ص٣١، مختصر الطوفي ص٣٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩، التمهيد ص٨. ٤ في ز ض ع: العبادة. ٥ في ب: و. ٦ في ع: أعدم. ٧ انظر: المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٥، نهاية السول ١/ ٧٤، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، شرح الورقات ص٣١، المستصفى ١/ ٩٥، شرح تنقيح الفصول ص٧٦، التعريفات للجرجاني ص٤٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٩. ٨ يرى الحنفية أن الفاسد والباطل بمعنى واحد في العبادات، ولكنهم يفرقون بينهما في المعاملات، فقال أبو حنيفة: الفاسد: هو ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه، ويفيد الملك عند اتصال القبض به، والباطل مالم يشرع بأصله ولا بوضعه. "انظر: التعريفات للجرجاني ص١٧٠، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٦، شرح تنقيح الفصول ص٧٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٦، نهاية السول ١/ ٧٥، التمهيد ص٨، المسودة ص٨٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٠، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، الفروق ٢/ ٨٢".
[ ١ / ٤٧٣ ]
وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ فِي الْفِقْهِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ١.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت غَالِبُ الْمَسَائِلِ الَّتِي حَكَمُوا عَلَيْهَا بِالْفَسَادِ إذَا كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَاَلَّتِي حَكَمُوا عَلَيْهَا بِالْبُطْلانِ إذَا كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، أَوْ الْخِلافُ فِيهَا شَاذٌّ، ثُمَّ وَجَدْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ: الْفَاسِدُ مِنْ النِّكَاحِ مَا يَسُوغُ فِيهِ الاجْتِهَادُ، وَالْبَاطِلُ مَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلانِهِ٢.
"فَوَائِدُ":
"النُّفُوذُ٣: تَصَرُّفٌ لا يَقْدِرُ فَاعِلُهُ عَلَى رَفْعِهِ" كَالْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ مِنْ الْبَيْعِ وَالإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا٤، إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا، وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهَا٥، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَالطَّلاقُ وَالْفَسْخُ وَنَحْوُهَا.
وَقِيلَ: إنَّهُ مُرَادِفٌ لِلصِّحَّةِ٦.
_________________
(١) ١ إن التفريق بين الفاسد والباطل عند الجمهور بسبب الدليل، وليس كما يقول الحنفية: "إن الباطل ما لم يشرع بالكلية، والفاسد ما شرع أصله، وامتنع لاشتماله على وصف محرم"، ولذلك قال الجمهور: المنهي عنه فاسد وباطل، سواء كان النهي لعينه أو لوصفه. ومن المسائل التي فرق فيها الجمهور بين الفاسد والباطل الحج والنكاح والوكالة والخلع والإجارة "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١١١ وما بعدها، التمهيد ص٨، شرح الورقات ص٣٢، نهاية السول ١/ ٧٤، الفروق ٣/ ٨٢". ٢ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٧٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٢. ٣ في د: العقود. ٤ ومناسبة هذه الفائدة أن الإجزاء يختص بالعبادة عند الأكثر، والنفوذ يختص بالعقود، عند الأكثر. "انظر: شرح الورقات ص٣١". ٥ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص٧١. ٦ انظر: شرح الورقات ص٣١.
[ ١ / ٤٧٤ ]
قَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ١: "نُفُوذُ الْعَقْدِ: أَصْلُهُ: مِنْ نُفُوذِ السَّهْمِ، وَهُوَ بُلُوغُ الْمَقْصُودِ مِنْ الرَّمْيِ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ إذَا أَفَادَ الْمَقْصُودَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ نُفُوذًا، فَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْعَقْدِ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ، مِثْلُ: الْبَيْعِ إذَا أَفَادَ الْمِلْكَ وَنَحْوَهُ قِيلَ لَهُ صَحِيحٌ، وَيُعْتَدُّ بِهِ. فَالاعْتِدَادُ بِالْعَقْدِ هُوَ الْمُرَادُ بِوَصْفِهِ، بِكَوْنِهِ٢ نَافِذًا".
وَقَالَ فِي "مَتْنِ الْوَرَقَاتِ": وَالصَّحِيحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ٣.
"وَالْعَزِيمَةُ لُغَةً: الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ".
قَالَ فِي "الْقَامُوسِ": "عَزَمَ عَلَى الأَمْرِ يَعْزِمُ عَزْمًا٤ - وَيُضَمُّ- وَمَعْزَمًا وَعُزْمَانًا٥ - بِالضَّمِّ- وَعَزِيمًا وَعَزِيمَةً، ٦ وَعَزَمَهُ وَاعْتَزَمَهُ ٦، وَعَلَيْهِ، وَتَعَزَّمَ أَرَادَ فِعْلَهُ، وَقَطَعَ عَلَيْهِ أَوْ٧ جَدَّ فِي الأَمْرِ، وَعَزَمَ الأَمْرُ نَفْسُهُ عُزِمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم، الشيخ برهان الدين بن الفِرْكاح، الفَزاري، العلامة فقيه الشام، شيخ الشافيعة في زمانه، قال ابن السبكي: "وكان ملازمًا للشغل بالعلم والإفادة والتعليق سديد السيرة، كثيرة الورع، مُجمعًا على تقدمه في الفقه ومشاركته في الأصول والنحو والحديث" أخذ الكثير عن والده، وخلفه في تدريس الطلبة ولإفتاء، وعرض عليه القضاء فامتنع، وتولى الخطابة بعد موت عمه، له مصنفات كثيرة، منها: "التعليقة" على التنبيه للشيرازي في عشر مجلدات، و"تعليقة على مختصر ابن الحاجب" في الأصول، وعلق على "المنهاج" توفي بدمشق سنة ٧٢٩هـ. "انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٩/ ٣١٢، الدرر الكامنة ١/ ٣٥، شذرات الذهب ٦/ ٨٨، المنهل الصافي ١/ ٨٠، طبقات الشافعيه، للأسنوي ٢/ ٢٩٠، مرآة الجنان ٤/ ٢٧٩، الفتح المبين ٢/ ١٣٥". ٢ في ش ز: وبكونه. ٣ انظر: شرح الورقات ص٣١. ٤ كذا في القاموس وع، وفي ش ز ب ض: عزمه، وهي صواب لغة، كما جاء في "لسان العرب ١٢/ ٣٩٩". ٥ في ش ز ب: وعزمًا. ٦ في ش ض: وعزمة وأعزامه. ٧ كذا في القاموس، وفي ش ز ض ع ب: و.
[ ١ / ٤٧٥ ]
الرَّجُلِ: أَقْسَمَ، وَالرَّاقِي قَرَأَ١ الْعَزَائِمَ: أَيْ الرُّقَى. وَ٢ هِيَ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ تُقْرَأُ عَلَى ذَوِي الآفَاتِ رَجَاءَ الْبُرْءِ، وَأُولُو الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ: الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فِيمَا عَهِدَ إلَيْهِمْ. وَهُمْ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ"٣.
"وَ" الْعَزِيمَةُ "شَرْعًا" أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ٤".
"فَشَمِلَ"٥ الأَحْكَامَ "الْخَمْسَةَ": لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. فَيَكُونُ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَى مَعْنَى التَّرْكِ. فَيَعُودُ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْحَرَامِ إلَى الْوُجُوبِ٦.
وَقَوْلُهُ: "بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ": احْتِرَازٌ عَنْ٧ الثَّابِتِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ.
_________________
(١) ١ كذا في القاموس، وفي ش: وفي ز ض ع ب: في. ٢ في ض: إذ. ٣ القاموس المحيط ٤/ ١٥١، وانظر: المصباح المنير ٢/ ٦٢٦، لسان ١٢/ ٣٩٩. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ض: فتشمل. ٦ قال الطوفي: "إن العزيمة تشمل الواجب والحرام والمكروه". وقال الآمدي وابن قدامة: إن العزيمة تختص بالواجب، وقال القرافي: تخص بالواجب والمندوب، وقال الحنفية: العزيمة تشمل الفرض والواجب والسنة والنقل، "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١١٤ وما بعدها، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، الروضة ص٣٢، شرح تنقيح الفصول ص٨٧، فواتح الرحموت ١/ ١١٩، التوضيح على التنقيح ٣/ ٨٢، كشف الأسرار ٢/ ٣٠٠، حاشية البناني على جمع الجوامع وتقريرات الشربيني ١/ ١٢٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٩" وانظر مناقشة التفتازاني للقرافي والحنفية في "التلويح على التوضيح ٣/ ٨٣". ٧ في ع ب ض: من.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وَقَوْلُهُ: "خَالٍ١ عَنْ مُعَارِضٍ": احْتِرَازٌ عَمَّا٢ يَثْبُتُ٣ بِدَلِيلٍ، لَكِنْ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ مُعَارِضٌ، مُسَاوٍ أَوْ رَاجِحٌ؛ لأَنَّهُ إنْ٤ كَانَ الْمُعَارِضُ مُسَاوِيًا لَزِمَ الْوَقْفُ٥ وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ. وَوَجَبَ طَلَبُ الْمُرَجِّحِ الْخَارِجِيِّ، وَإِنْ كَانَ رَاجِحًا، لَزِمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَانْتَفَتْ الْعَزِيمَةُ، وَثَبَتَتْ٦ الرُّخْصَةُ كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَخْمَصَةِ فَالتَّحْرِيمُ فِيهَا عَزِيمَةٌ، لأَنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ. فَإِذَا وُجِدَتْ الْمَخْمَصَةُ حَصَلَ الْمُعَارِضُ٧ لِدَلِيلِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ رَاجِحٌ عَلَيْهِ، حِفْظًا لِلنَّفْسِ، فَجَازَ الأَكْلُ، وَحَصَلَتْ الرُّخْصَةُ٨.
"وَالرُّخْصَةُ لُغَةً: السُّهُولَةُ".
قَالَ فِي "الْمِصْبَاحِ": يُقَالُ: رَخَّصَ الشَّارِعُ لَنَا فِي كَذَا تَرْخِيصًا. وَأَرْخَصَ إرْخَاصًا: إذَا يَسَّرَهُ وَسَهَّلَهُ، وَفُلانٌ يَتَرَخَّصُ فِي الأَمْرِ إذَا لَمْ يَسْتَقْصِ، وَقَضِيبٌ رَخْصٌ أَيْ طَرِيٌّ٩ لَيِّنٌ، وَرَخُصَ الْبَدَنُ - بِالضَّمِّ- رَخَاصَةً
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ في ز ض ع ب: مما. ٣ في ب: ثبت. ٤ في ش: إذا. ٥ في ش: التوقف. ٦ في ش: وتثبت. ٧ في ز العارض. ٨ انظر في تعريف العزيمة "الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ١٢٤، كشف الأسرار ٢/ ٢٩٨، أصول السرخسي ١/ ١١٧، نهاية السول ١/ ٩١، مناهج العقول ١/ ٨٩، التعريفات للجرجاني ص١٥٥، المستصفى ١/ ٩٨، القواع والفوائد الأصولية ص١١٤، مختصر الطوفي ص٣٤، الروضة ص٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص٧١، شرح تنقيح الفصول ص٨٥، ٨٧، التوضيح على التنقيح ٣/ ٨٢". ٩ في ش: طرف.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وَرُخُوصَةً: إذَا نَعُمَ وَلانَ مَلْمَسُهُ، فَهُوَ رَخِيصٌ١.
"وَ" الرُّخْصَةُ "شَرْعًا: مَا ثَبَتَ عَلَى خِلافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ٢".
فَقَوْلُهُ: "مَا ثَبَتَ عَلَى خِلافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ". احْتِرَازٌ عَمَّا٣ ثَبَتَ٤ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ. فَإِنَّهُ لا يَكُونُ رُخْصَةً، بَلْ عَزِيمَةً. كَالصَّوْمِ فِي الْحَضَرِ٥.
وَقَوْلُهُ: "لِمُعَارِضٍ٦ رَاجِحٍ": احْتِرَازٌ عَمَّا٧ كَانَ لِمُعَارِضٍ غَيْرِ رَاجِحٍ، بَلْ إمَّا مُسَاوٍ، فَيَلْزَمُ الْوَقْفُ٨ عَلَى حُصُولِ الْمُرَجِّحِ، أَوْ قَاصِرٍ عَنْ مُسَاوَاةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، فَلا يُؤَثِّرُ، وَتَبْقَى الْعَزِيمَةُ بِحَالِهَا٩. وَهَذَا الَّذِي فِي الْمَتْنِ ذَكَرَهُ الطُّوفِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ"١٠.
_________________
(١) ١ كذا في المصباح المنير ١/ ٣٤٢، ٣٤٣، وفي جميع النسخ: رخيص، لكن جاء في المصباح المنير: رخُص الشيء رُخْصًا فهو رخيص من باب قَرُب، "واننظر: القاموس المحيط ٢/ ٣١٦". ٢ انظر في تعريف الرخصة "نهاية السول ١/ ٨٧، المستصفى ١/ ٩٨، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧، كشف الأسرار ٢/ ٢٩٨، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٢، التلويح على التوضيح ٣/ ٨١، الموفقات ١/ ٢٠٥، أصول السرخسي ١/ ١١٧، مناهج العقول ١/ ٨٧، التعريفات ص١١٥، شرح تنقيح الفصول ص٨٥، حاشية البناني ١/ ١٢٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص٧١، القواعد والفوائد الأصولية ص ١١٥، الروضة ص٣٢". ٣ في ز ع ب ض: مما. ٤ في ع ب: يثبت. ٥ قال الإسنوي: "هذا تقسيم للحكم باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه" "نهاية السول ١/ ١٨٩". ٦ المعارض هو العذر "مناهج العقول ١/ ٨٧". ٧ في ز ع ب ض: مما ٨ في ش: التوقف. ٩ إنْ الرخصة لا تثبت إلا بدليل، وإلا يلزم ترك العمل بالدليل الأصلي السالم عن المعارص، "انظر: نهاية السول ١/ ٨٩، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٢". ١٠ مختصر الطوفي ص٣٤.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي ١ شَرْحِ مُخْتَصَرِهِ ١: "فَلَوْ قَيلَ٢: اسْتِبَاحَةَ الْمَحْظُورِ شَرْعًا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ٣. صَحَّ وَسَاوَى الأَوَّلَ".
وَقَالَ الْعَسْقَلانِيُّ فِي "شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطُّوفِيِّ": "أَجْوَدُ مَا يُقَالُ فِي الرُّخْصَةِ: "ثُبُوتُ حُكْمٍ لِحَالَةٍ تَقْتَضِيهِ، مُخَالَفَةُ مُقْتَضَيْ دَلِيلٍ يَعُمُّهَا". وَهَذَا الْحَدُّ لابْنِ حَمْدَانَ فِي "الْمُقْنِعِ".
"وَمِنْهَا" أَيْ مِنْ٤ الرُّخْصَةِ "وَاجِبٌ" كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُ؛ لأَنَّهُ سَبَبٌ لإِحْيَاءِ النَّفْسِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ٥، وَذَلِكَ: لأَنَّ النُّفُوسَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ، ٦ فَيَجِبُ حِفْظُهَا ٦، لِيَسْتَوْفِيَ٧ اللَّهُ ﷾ حَقَّهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالتَّكَالِيفِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٨، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٩.
"وَ" مِنْهَا " مَنْدُوبٌ" كَقَصْرِ الْمُسَافِرِ١٠ الصَّلاةَ إذَا اجْتَمَعَتْ الشُّرُوطُ،
_________________
(١) ١ في ب: شرحه. ٢ في ش: قبل. ٣ انظر: القواعد والفوئد الأصولية ص١١٥، كشف الآسرار ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩، وفي ع ض: الحاضر. ٤ ساقطة من ع ض ب. ٥ انظر: شرح تنقيح الفصول ص٨٧، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٢، التوضيح على التنقيح ٣/ ٨٣، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٢، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١٢٢، التمهيد ص١٢، الروضة ص٣٣، مختصر الطوفي ص٣٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٧. ٦ ساقطة من ز. ٧ في ز: ليوفي. ٨ الآية ١٩٥ من البقرة. ٩ الآية ٢٩ من النساء. ١٠ ساقطة من ض.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ١.
"وَ" مِنْهَا "مُبَاحٌ" كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ٢. وَكَذَا مَنْ٣ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ٤. وَكَذَا بَيْعُ الْعَرَايَا٥، لِلْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ٦.
وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الرُّخْصَةَ لا تَكُونُ مُحَرَّمَةً وَلا مَكْرُوهَةً٧، وَهُوَ
_________________
(١) ١ خلافًا للحنفية، فإنهم يعتبرون القصر للمسافر عزيمة، وليس له أنْ يصلي أربعًا. "انظر: مناهج العقول ١/ ٨٨". ٢ إن الجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة مباحّ ورخصة للمكلف عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة وعرفة. "انظر: نهاية السول ١/ ١٩٠، التمهيد ص١٣". ٣ في ع: لمن. ٤ يرى بعض العلماء أن الأفضل عدمُ النطق بكلمة الكفر، والنطق بها خلاف الأولى، والأولى الصبر وتحمل الأذى في سبيل الإيمان. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١١٨، فواتح الرحموت ١/ ١١٧". ٥ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٢٠، كشف الأسرار ٢/ ٢٢٢، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، حاشية البناني ١/ ١٢١، التمهيد ص١٣، الروضة ص٣٣، مختصر الطوفي ص٣٥. ٦ وهو ما رواه البخاري والترمذي وأحمد عن رافع بن خُديج وسهل بن ابي حثمة، وروى البخاري ومسلم ومالك حديثًا بلفظ: "إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت يخرصها تمرًا، يأكلون رطبًا"، والعرية في الأصل ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من لا تمر له، وقال مالك: العرية: أن يعري الرجل النخلة، أي يهبها له، أو يهب له ثمرها ثم يتأذى بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس. "انظر: نيل الأوطار ٥/ ٢٢٥، مسند أحمد ٤/ ١٤٠، الموطأ ٢/ ٦٢٠، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٤/ ٥٢٧، فتح الباري بشرح البخاري ٤/ ٢٦٣، صحيح مسلم ٣/ ١١٦٧". ٧ قال البعلي: "ومن الرخص ما هو مكروه، كالسفر للترخص" "القواعد والفوائد الأصولية ص١١٨، ١١٩". وانظر: أصول السرخسي ١/ ١١٨، ١١٩، التوضيح على التنقيح ٣/ ٨٥، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨، حاشية البناني ١/ ١٢١، فواتح الرحموت ١/ ١١٧، التمهيد ص١٣، مختصر الطوفي ص٣٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٧٢.
[ ١ / ٤٨٠ ]
ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ" ١.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا خُفِّفَ عَنَّا مِنْ التَّغْلِيظِ الَّذِي كان٢ عَلَى الأُمَمِ قَبْلَنَا لَيْسَ بِرُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لَكِنْ قَدْ يُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازًا٣، بِمَعْنَى أَنَّهُ سُهِّلَ عَلَيْنَا مَا شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، رِفْقًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَةً بِنَا مَعَ جَوَازِ إيجَابِهِ عَلَيْنَا، كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، لا عَلَى مَعْنَى أَنَّا اسْتَبَحْنَا شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمِ٤ عَلَيْهِمْ، مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ فِي حَقِّنَا، لأَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لا عَلَيْنَا. فَهَذَا وَجْهُ التَّجَوُّزِ، وَعَدَمُ كَوْنِ الأَوَّلِ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ، لأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ٥.
"وَالاثْنَتَانِ" أَيْ الْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ "وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ" لا لِلْفِعْلِ فَتَكُونُ الْعَزِيمَةُ بِمَعْنَى التَّأْكِيدِ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ، وَتَكُونُ الرُّخْصَةُ بِمَعْنَى التَّرْخِيصِ٦. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: "فَاقْبَلُوا رُخْصَةَ اللَّهِ" ٧، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمِّ
_________________
(١) ١ رواه أحمد والبيهقي عن ابن عمر، ورواه الطبراني عن ابن عباس وابن مسعود، وهو حديث ضعيفن، وقال ابن طاهر: وفقه على ابن مسعود أصح. "انظر: فيض القدير ٢/ ٢٩٢، مسند أحمد ٢/ ١٠٨". ٢ ساقطة من ش ز. ٣ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ١٣٣، المستصفى ١/ ٩٨، فواتح الرحموت ١/ ١١٨، أصول السرخسي ١/ ١٢٠، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٢، مختصر الطوفي ص٣٤. ٤ في ض: العزم. ٥ انظر: الموافقات ١/ ٢٠٧، أصول السرخسي ١/ ١٣٠ التوضيخ على التنقيح ٣/ ٨٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٢٠، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٢، المستصفى ١/ ٩٨. ٦ انظر: المستصفى ١/ ٩٨، ١٠٠، حاشية البناني ١/ ١٢٤، الإحكام، الآمدي ١/ ١٣١، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٨، التمهيد ص١٢، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص٧١. ٧ رواه مسلم اللفظ، وروى معناه أصحاب السنن وأحمد في صيام المسافر. "انظر: صحيح مسلم ١/ ٤٧٨، ٢/ ٧٨٦، سنن النسائي ٤/ ١٤٧، فيض القدير ٥/ ٣٨١، تفيسر ابن كثير ٢/ ٣٧٤، مسند أحمد ٥/ ٥٨، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٣/ ٣٩٧، سنن أبي داود ٢/ ٤٢٦، سنن ابن ماجة ١/ ٥٣١".
[ ١ / ٤٨١ ]
عَطِيَّةَ١: "نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا"٢.
وَقِيلَ: هُمَا وَصْفَانِ لِلْفِعْلِ٣.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمَا وَصْفان٤ لِلْحُكْمِ. فَقَالَ جَمْعٌ: هُمَا وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ "الْوَضْعِيِّ" ٥ أَيْ فَيَكُونَانِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ ٥، مِنْهُمْ. الآمِدِيُّ٦. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقْنِعِهِ"٧. وَقَالَ جَمْعٌ: لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ٨ لِمَا فِيهِمَا مِنْ مَعْنَى الاقْتِضَاءِ٩.
_________________
(١) ١ هي نُسَيبةُ بنت الحارث، الصحابية، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ، وشاركت بالجهاد، قال: "عزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وكنت أخالفهم في الرجال، وأصنع لهم الطعام، وأقوم على المرضى، وأداوي الجرحى"، روت عدة أحاديث في الصحيحين وغيرهما. "انظر: الإصابة ٤/ ٤٧٦، الاستيعاب ٤/ ٤٧١، صفة الصفوة ٢/ ٧١، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٦٤". ٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد، "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٢١، صحيح مسلم ٢/ ٦٤٦، سنن أبي داود ٣/ ٢٧٤، سنن ابن ماجة ١/ ٥٠٢، مسند أحمد ٥/ ٨٥، الفتح الرباني ٨/ ٢١". ٣ وهو قول ابن الحاجب والرازي وغير هما، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة. "انظر: مختصر ابن الحاجب وشرح العضد عليه ٢/ ٨، التمهيد ص١٢، حاشية البناني ١/ ١٢٤". وقارن ما نقله البعلي عن الرازي وابن الحاجب في "القواعد والفوائد الأصولية ص١١٦". ٤ في ش: وصف. ٥ ساقطة من ز ع ض، لكن كتبت في ع بعد سطرين. ٦ الإحكام، له ١/ ١٣١. ٧ انظر: المستصفى ١/ ٨٩، الموافقات ١/ ١٢٢، المسودة ص٨٠، فواتح الرحموت ١/ ١١٦، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٦. ٨ في ع: التكليفي أي فيكونان من خطاب الوضع، لا من خطاب التكليف. ٩ وهو رأي ابن السبكي والإسنوي والعضد من الشافعية، وصدر الشريعة من الحنفية، "انظر: جمع الجوامع مع حاشية البناني ١/ ١١٩، كشف الأسرار ٢/ ٢٩٨، شرح العضد على ابن الحاجب وحاشية التفتازاني ٢/ ٨، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٦".
[ ١ / ٤٨٢ ]