فصل:"الأَحْكَامُ"
أَيْ: هَذَا فَصْلٌ نَذْكَرُ١ فِيهِ هُنَا نُبْذَةً مِنْ مَعَانِي الأَحْكَامِ. وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ اللُّغَةِ، شَرَعْنَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنْ الأَحْكَامِ، إذْ لا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ، وَحَاكِمٍ، وَمَحْكُومٍ فِيهِ، وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ.
وَالْكَلامُ الآنَ فِي الْحُكْمِ٢ فَنَقُولُ:
"الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ" يُطْلَقُ بِثَلاثَةِ٣ اعْتِبَارَاتٍ:
أَحَدُهَا: "بِمَعْنَى مُلاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ٤". كَقَوْلِنَا: إنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَسَنٌ، وَاتِّهَامُ الْبَرِيءِ قَبِيحٌ.
الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "أَوْ" بِمَعْنَى "صِفَةِ كَمَالٍ وَنَقْصٍ" كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ حَسَنٌ، وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ.
_________________
(١) ١ في ش: يذكر. ٢ بدأ المؤلف ﵀ الكلام على الحكم، وضمنه الحديث عن الحاكم، لأن الحكم والحاكم متلازمان، وقد تبع في ذلك ابن السبكي الذي عرف الحكم بأنه خطاب الله. ثم قال: لا حاكم إلا الله "جمع الجوامع ١/ ٤٧، ٥٣" والكلام عن الحاكم من اختصاص علم أصول الدين. ولكن علماء أصول الفقه يتعرضون لبعض بحوثه التي تتصل بالحكم. يقول الآمدي: اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به، ويتفرع عليه: أن العقل لا يحسن ولا يقبح. ولا يوجب شكر المنْعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع "الإحكام له ١/ ٧٩". ٣ في ز ب ض: لثلاث. ٤ قال البناني: "ليس المراد بالطبع المزاج، بل الطبيعة الإنسانية المائلة إلى جلب المنافع ودفع المضار. "حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٥٧". وقال الغزالي: "إنْ المراد هو ما يوافق غرض الفاعل أو يخالفه". "المستصفى ١/ ٥٦"
[ ١ / ٣٠٠ ]
وَكُلٌّ مِنْهُمَا١ "عَقْلِيٌّ" أَيْ إنَّ الْعَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الشَّرْعِ٢.
"وَ" الثَّالِثُ: إطْلاقُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ "بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالثَّوَابِ، وَ" بِمَعْنَى "الذَّمِّ وَالْعِقَابِ: شَرْعِيٌّ، فَلا حَاكِمَ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعَقْلُ لا يُحَسِّنُ وَلا يُقَبِّحُ وَلا يُوجِبُ وَلا يُحَرِّمُ٣" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالأَشْعَرِيَّةِ٤.٥ قَالَهُ٦ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْفُقَهَاءِ٧.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ٥: لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ، وَلا يُضْرَبُ لَهَا الأَمْثَالُ، وَلا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاتِّبَاعُ.
_________________
(١) ١ أي من المعنيين السابقين للحسن والقبيح. ٢ انظر: نهاية السول ١/ ١٤٥، شرح تنقيح الفصول ص٨٩، فواتح الرحموت ١/ ٢٥، التوضيح على التنقيح ٣/ ١٠٣، كتاب الأربعين ص٢٤٦. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٧٩. ٤ نقل ابن حجر عن السمعاني قوله: "إن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحرم شيئًا، ولا حظَّ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء " ثم ذكر الأدلة. "فتح الباري ١٣/ ٢٧٤". ٥ في ز ب: قال ابنْ عقيل وأهل السنة والإمام أحمد رحمه الله تعالى. ٦ في ع ض: قال. ٧ انظر معنى الحسن والقبيح وكلام العلماء فيه قي "المسودة ص٤٧٣، ٥٧٧، التعريفات ص٩١، ١٧٨، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٥٧، التوضيح على التنقيح ٢/ ١٠٣، إرشاد الفحول ص٧، الإحكام، الآمدي ١/ ٧٩، مختصر ابن الحاجب وشرحه وحواشيه ١/ ٢٠٠، نهاية السول ١/ ١٤٥، تيسير التحرير ٢/ ١٥٢، شرح البدخشي ١/ ١٤٤، الإحكام، ابن حزم ١/ ٥١، الإرشاد للجويني ص٢٥٨ غاية المرام ص٢٣٤، نهاية الأقدام ص٣٧٠، الأربعين ص٢٤٦".
[ ١ / ٣٠١ ]
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ١، مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْعَقْلُ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ، وَيُوجِبُ وَيُحَرِّمُ٢.
وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ قَوْلانِ٣.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي٤ الشَّيْخَ٥ تَقِيَّ الدِّينِ- وَغَيْرُهُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ثَابِتَانِ، وَالإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ بِالْخِطَابِ وَالتَّعْذِيبُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الإِرْسَالِ وَرَدُّ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الشَّرْعِيَّيْنِ إلَى الْمُلاءَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ؛ لأَنَّ الْحُسْنَ الشَّرْعِيَّ: يَتَضَمَّنُ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ الْمُلائِمَيْنِ. وَالْقُبْحُ الشَّرْعِيُّ: يَتَضَمَّنُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ الْمُنَافِرَيْنِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ الْخَطِيبِ٦ فِي آخِرِ كُتُبِهِ: أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّيْنِ ثَابِتَانِ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ. انْتَهَى.
_________________
(١) ١ هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي. ولد سنة ٣١٧هـ. وصنف في الأصول والفروع والفرائض. توفي سنة ٣٧١هـ. "انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٩، المنهج الأحمد ٢/ ٦٦". ٢ انظر: المعتمد ١/ ٣٦٥، ٢/ ٨٦٨، الإحكام، الآمدي ١/ ٨٠، إرشاد الفحول ص٧، شرح البدخشي ١/ ١٤٦، المسودة ص٤٧٣، ٤٨٠، شرح العضد وحواشيه ١/ ١٢٢، تيسير التحرير ٢/ ١٥٢، كشف الأسرار ٤/ ٢٣٠، شرح تنقيح الفصول ص٨٨، مدارج السالكين ١/ ٢٣١، الرد على المنطقيين ص٤٢٠، الإرشاد للجويني ص٢٥٨. ٣ انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٥٠، كشف الأسرار ٤/ ٢٣١، فواتح الرحموت ١/ ٢٥، المنخول ص١٥، غاية المرام في علم الكلام ص٢٣٥، التوضيح على النتقيح ٢/ ١٠٤. ٤ في ب ع ض: يعني به. ٥ ساقطة من ز. ٦ هو الفخر الرازي. "انظر: طبقات الشافعية الكبراى للسبكي ٨/ ١٨، وفيات الأعيان ٣/ ٣٨١" وقد مرت ترجمته سابقًا.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ أَيْضًا: لَيْسَ مُرَادُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ الأَحْكَامَ عَقْلِيَّةٌ: ١ أَنَّ الأَوْصَافَ ١ مُسْتَقِلَّةٌ بِالأَحْكَامِ، ٢ وَلا أَنَّ "٢ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ، أَوْ الْمُحَرِّمُ٣، بَلْ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ كَلَّفَ٤ بِتَرْكِ الْمَفَاسِدِ٥ وَتَحْصِيلِ٦ الْمَصَالِحِ. فَالْعَقْلُ أَدْرَكَ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ٧، ٨ لا أَنَّهُ ٨ أَوْجَبَ وَحَرَّمَ فَالنِّزَاعُ ٩ مَعَهُمْ: فِي ٩ أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَمْ لا؟
فَخُصُومُهُمْ يَقُولُونَ١٠: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: بَلْ هَذَا عِنْدَ الْعَقْلِ مِنْ قِبَلِ الْوَاجِبَاتِ. فَكَمَا١١ يُوجِبُ الْعَقْلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِيمًا١٢ قَدِيرًا مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، كَذَلِكَ أَدْرَكَ وُجُوبَ مُرَاعَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَصَالِحِ وَلِلْمَفَاسِدِ. فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ١٣. انْتَهَى.
_________________
(١) ١في ش: إلا إذا أصبحت. وفي ز ع ب ض: إذ الأوصاف. ٢ في ش ع: ولا. وفي ز: وأن. ٣ في ش: المحرام. ٤ في ش: كان. ٥ في ش: الفاسد. ٦ في ش: زمن تحصيل. ٧ انظر: نهاية السول ١/ ١٤٥، شرح تنقيح الفصول ص٩٠. ٨ في ش: لأنه. ٩ في ش: منهم. ١٠ في ز ع ض: تقول. ١١ في ش: فكل ما. ١٢ في ش: عليا. ١٣ انظر: حاشية البناني ١/ ٥٦، المستصفى ١/ ٥٧، شرح تنقيح الفصول ص٩٠.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَمِنْ قَوَاعِدِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ١ "لا حَاكِمَ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى": أَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَهُ لَيْسَا لِذَاتِ الْفِعْلِ، وَلا لأَمْرٍ دَاخِلٍ فِي ذَاتِهِ٢، وَلا خَارِجٍ٣ لازِمٍ لِذَاتِهِ، حَتَّى يَحْكُمَ الْعَقْلُ بِحُسْنِ الْفِعْلِ، أَوْ قُبْحِهِ بِنَاءً عَلَى تَحَقُّقِ٤ مَا بِهِ مِنْ٥ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ٦.
وَالْحَنَفِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلُوا الْعَقْلَ حَاكِمًا صَرِيحًا فَقَدْ قَالُوا: حُسْنُ بَعْضِ الأَشْيَاءِ وَقُبْحُهَا لا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الأَشْيَاءِ بِأَنَّهَا مَنَاطٌ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ وَلا كِتَابٌ٧.
وَبَعْضُ تِلْكَ الأَحْكَامِ بَدِيهِيٌّ٨، وَبَعْضُهَا كَسْبِيٌّ٩، "وَلا يَرِدُ الشَّرْعُ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ كالزوجية للأربعة "فواتح الرحموت ١/ ٣١" ٣ في ب ع ض: لخارج. ٤ في ش: تحقيق. ٥ ساقطة من ز ع ب ض. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٧٩، مختصر ابن الحاجب وشرحه ١/ ٢٠٢، شرح البدخشي ١/ ١٤٤، المنخول ص٨، كتاب الأربعين ص٢٤٦، الإرشاد ص٢٥٨. ٧ يقول محمد بن نظام الدين الأنصاري الحنفي: أنَّ العقل معرّف لبعض الأحكام الإلهية، سواء ورد به الشرع أم لا، وهذا مأثور عن أكابر مشايخنا أيضًا. وقال أيضًا: من الحنفية من قال: إن العقل قد يستقل في إدراك بعض أحكامه تعالى. "فواتح الرحموت، له: ١/ ٢٥" وقال بعض الحنفية: إن الحسن والقبيح عقليان، ولكن لا يوجبان حكمًا "تيسير التحرير ٢/ ١٥٣" وانظر: كشف الأسرار ٤/ ٢٣١، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٠١، وهذا ما رجحه ابن القيم وقال: لا تلازم بينهما. "مدارج السالكين ١/ ٢٣١". ٨ في ش: بديعي. ٩ يقول الآمدي، نقلًا عن القائلين بالحْسن والقبيح العقليين: فما يدرك بالعقل: منه بديهي، كحسن العلم والإيمان، وقبح الجهل والكفران، ومنه نظري، كحسن الصدق المضر، وقبح الكذب النافع. "غاية المرام في علم الكلام ص٢٣٤".
[ ١ / ٣٠٤ ]
بِمَا يُخَالِفُ مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ١ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا٢".
قَالَ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ٣ وَغَيْرُهُمَا: مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ٤ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا٥ - كَالتَّوْحِيدِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ- لا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلافِهِ. وَمَا يُعْرَفُ بِتَوْلِيدِ الْعَقْلِ اسْتِنْبَاطًا أَوْ اسْتِدْلالًا، فَلا يُمْتَنَعُ أَنْ يَرِدَ بِخِلافِهِ٦.
وَمَعْنَاهُ لأَبِي الْخَطَّابِ. فَإِنَّهُ قَالَ: مَا ثَبَتَ بِالْعَقْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ٧:
- فَمَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ - كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالإِنْصَافِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ- فَلا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
- وَمَا كَانَ وَاجِبًا٨ لِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ، مِثْلِ: الأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا الَّتِي فِيهَا الْخِلافُ. فَيَصِحُّ أَنْ يَرْتَفِعَ الدَّلِيلُ وَالْعِلَّةُ، فَيَرْتَفِعَ٩ ذَلِكَ الْحُكْمُ. وَهَذَا غَيْرُ
_________________
(١) ١ في ز ش ض: ببدائه. "كذا". ٢ في ز ع ب ض: وضروراتها. ٣ هو محمد بن علي بن محمد بن عثمان، أبو الفتح، الفقيه الزاهد، كان من فقهاء الحنابلة ببغداد، وكان مشهورًا بالورع والدين المتين وكثرة العبادة، له كتاب "كفاية المبتدي" في الفقه، ومصنف في أصول الفقه في مجلدين، و"مختصر العبادات" ولد سنة ٤٣٩هـ وتوفي سنة ٥٠٥هـ. "انظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٠٦، طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص٢١٠". ٤ في ز ش ب ض: ببدائة. "كذا". ٥ في ز ع ب ض: وضروراتها. ٦ انظر: المسودة ص٤٧٦-٤٧٧، مدارج الساكين ١/ ٢٣٩ وما بعدها. ٧ في ش ز: قسمان. ٨ في ش ز ع: وجب. ٩ في ش: ويرتفع.
[ ١ / ٣٠٥ ]
مُمْتَنِعٍ. كَفُرُوعِ الدِّينِ كُلِّهَا. تَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ ثُمَّ تُنْسَخُ الأَدِلَّةُ فَيَرْتَفِعُ الْحُكْمُ١.
وَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ إذَا كَانَ الْعَقْلُ لا يُحِيلُهُ كَتَكْلِيفِ مَا لا يُطَاقُ٢، وَإِنَّ اللَّهَ ﷾ يُرِيدُ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَسَنِهَا وَقَبِيحِهَا وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى الْقَبِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
"وَالْحُسْنُ" شَرْعًا "وَالْقُبْحُ شَرْعًا: مَا أَمَرَ بِهِ" اللَّهُ ﷾، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْحُسْنِ "وَمَا نَهَى عَنْهُ" اللَّهُ ﷾، وَهَذَا٣ رَاجِعٌ لِلْقَبِيحِ٤.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إذَا أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِفِعْلٍ، فَهُوَ حَسَنٌ بِالاتِّفَاقِ. وَإِذَا نَهَى عَنْ فِعْلٍ ٥ فَهُوَ قَبِيحٌ ٥ بِالاتِّفَاقِ، وَلَكِنَّ٦ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ ٧ إمَّا أَنْ ٧ يَنْشَأَ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَمَا يُقَالُ، أَوْ٨ يَنْشَأَ
_________________
(١) ١ انظر: المسودة ص٤٨٣-٤٨٤. ٢ ذهب جمهور الأصوليين إلى عدم اشتراط القدرة للتكليف. وأنه يجوز التكليف بالمحال، سواء كان محالًا لذاته أو محالًا لغيره، وقال بعضهم بشرط القدرة في التكليف، وأنه لا تكليف إلا بما يطاق. "انظر: حاشية البناني ١/ ٢٠٦، تيسير التحرير ٢/ ١٣٧، التوضيح على التنقيح ٢/ ١٧٧، المنخول ص٢٢، المسودة ص٤٨٤". وسيأتي الكلام عن هذه المسألة تفصيلًا في مبحث المحكوم فيه. ٣ في ز: هذا. ٤ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ٧٩، التوضيح على التنقيح ٢/ ١٠٤، غاية المرام ص٢٣٤، الإرشاد ص٢٥٩. ٥ في ز ع ض: فقبيح. ٦ في ز ب: لكن. ٧ في ش: إنما. ٨ في ش: و.
[ ١ / ٣٠٦ ]
عَنْ تَعَلُّقِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ١، أَوْ مِنْ الْمَجْمُوعِ.
فَالأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلِهَذَا لا يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا٢.
وَالثَّانِي: قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الطَّوَائِفِ٣.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْشَأُ عَنْ الأَمْرَيْنِ. فَتَارَةً يَأْمُرُ بِالْفِعْلِ لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الأَمْرِ، دُونَ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَهُوَ٤ الَّذِي يَجُوزُ نَسْخُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ٥، كَنَسْخِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ إلَى خَمْسٍ٦. وَكَمَا نُسِخَ أَمْرُ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٧ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ٨ الْفِعْلِ نَفْسِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ مِنْ الْفِعْلِ حَصَلَتْ بِالأَمْرِ٩.
"وَ" الْحَسَنُ "عُرْفًا" أَيْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ "مَا لِفَاعِلِهِ فِعْلُهُ" أَيْ أَنْ يَفْعَلَهُ، "وَعَكْسُهُ" أَيْ: وَالْقَبِيحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا لَيْسَ لِفَاعِله١٠ أَنْ يَفْعَلَهُ١١.
_________________
(١) ١ فالحسن حسن لأن الشارع أمر به، والقبيح قبيح لأن الشارع نهى عنه. ٢ لأن الأمر بالصلاة –مثلًا- حسن لذاته، فلا يصح عندهم بطلان الحسن بذاته، لأن ما بالذات لا يتغير ولا يبطل ولا يختلف من وقت لوقت. "فواتح الرحموت ١/ ٢٧". ٣ يقول الآمدي –بناء على تحسين الشرع وتقبيحه-: ولهذا صح القول بنسخ الشرائع، ولو كان الفضاء فيه بالحسن أو القبح على شيء ما لذاته ونفسه، لا لنفس الخطاب، لما تصور أن يختلف ذلك باختلاف الأمم والأعصار. "غاية المرام في علم الكلام ص٢٣٦". ٤ في ع ب ض: وهذا. ٥ انظر: غاية المرام ص٣٥٨. ٦ في ش: حسن. ٧ في ب ض: ﵊. ٨ في ش ز: عن. ٩ في ز: من الأمر. ١٠ في ش د ع ض: لفاعل. ١١ انظر: المسودة ص٥٧٧، الإحكام، الآمدي ١/ ٨٠، المعتمد ١/ ٣٦٥.
[ ١ / ٣٠٧ ]
"وَلا١ يُوصَفُ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ" مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ "بِحُسْنٍ وَلا قُبْحٍ"؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلا مَحْظُورٍ٢.
"وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ" ﷾، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ٣ جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْقُوَى وَالأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الْمُدْرِكَةِ وَالْمُحَرِّكَةِ فِيمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لأَجْلِهِ٤، كَاسْتِعْمَالِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ رَحْمَتِهِ، لِيُسْتَدَلَّ عَلَى صَانِعِهَا، وَكَذَا السَّمْعُ وَغَيْرُهُ.
"وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى" وَهِيَ٥ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِ ذَاتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ٦ فِيمَا يَزَلْ وَلا يَزَالُ دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، لاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
"وَهِيَ" أَيْ مَعْرِفَتُهُ جَلَّ وَعَلا "أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ" عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالنَّظَرِ فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ٧.
_________________
(١) ١ في ش ز: ولم. ٢ إن فعل غير المكلف ليس حسنًا ولا قبيحًا بمعنى أن الحَسَن ما أمر الله به، والقبيح ما نهى الله عنه، والصغير أو المجنون غير مكلف، كما أن فعله لا يوصف بحُسْن ولا قبح بمعنى أن ما لفاعله فعله مع كونه متمكنًا منه، عالمًا بحالة، والقبيح عكسه، لأن غير الكلف ليس عالمًا بحاله، ولا متمكنًا من فعله، فلا يوصف فعله بحُسْن ولا قبح، كما لا يوصف فعل الصغير أو المجنون بالحسن والقبيح بمعنى الثوات والعقاب، لأن هؤلاء لا يكتب لهم ثوت، ولا ينزل به عقاب. "انظر: شرح العضد وحاشية الجرجاني ١/ ٢٠٠، المعتمد ١/ ٣٦٥-٣٦٦، التوضيح على التنقيح ٢٨/ ١٠٥". وسيأتي كلام المصنف في ذلك "ص٤٢٢" في فصل المباح. ٣ في ش: استعماله. ٤ انظر: التعريفات ص١٣٣. ٥ في ز: هو. ٦ في ز: الكمالات. ٧ اختلف العلماء في أول واجب على الإنسان، فقال قوم: أو واجب المعرفة، لأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من المأمورات على قصد الأمتثال، والانكفاف عن شيء من النهيات على قصد الانزجار إلا بعد معرفة الأمر والناهي، واستدلوا بحديث معاذ ﵁ عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن وقال له: فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله وقال آخرون: أول واجب النظر والاستدلال لأن المعرفة لا تتأتى إلا بهما، والنظر والاستدلال مقدمة الواجب فيجب، فيكون أول واجب النظر، وجمع بعضهم بين القولين بأن من قال أول واجب المعرفة أراد طلبًا وتكليفًا، ومن قال النظر أو القصد أراد امتثالًا، وخالف آخرون هذه الأقوال وقالوا إن المعرفة حصلت بالفطرة للآيات والأحاديث فيها، "كل مولود يولد على الفطرة". انظر هذه الآراء ومناقشتها في: "فتح الباري ١٣/ ٢٧٠-٢٧٥، الشامل في أصول الدين ص١٢٠، شرح الأصول الخمسة ص٣٩، فواتح الرحموت ١/ ٤٤، الإرشاد لنجويني ص٨".
[ ١ / ٣٠٨ ]
"وَاجِبَانِ" أَيْ شُكْرُ الْمُنْعِمِ١ وَمَعْرِفَتُهُ "شَرْعًا" أَيْ: بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ لا يُوجِبُ وَلا يُحَرِّمُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ٢.
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: بِالْعَقْلِ دُونَ الشَّرْعِ٣.
_________________
(١) ١ مسألة شكر المنعم فرع عن مسألة الحسن والقبح، ويبحث الأصوليون من أهل السنة هذه المسألة على التسليم جدلًا بالحسن والقبح العقليين، مع أنه إذا بطل هذا الأصل لم يجب شكر المنعم عقلًا. "انظر: مناهج العقول للبدخشي ١/ ١٤٧، الإحكام، الآمدي ١/ ٨٧، شرح العضد ١/ ٢١٦، حاشية البناني ١/ ٦٠، المسودة ص٤٧٣". ٢ قال الإسنوي: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا، إذ لا تعذيب قبل الشرع لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الاسراء / ١٥]، ولأنه لو وجب إما لفائدة للمشكور وهو منزه. أو للشاكر في الدينا وأنه مشقة بلا حظ، أو في الآخرة، ولا استقلال للعقل بها. "نهاية السول ١/ ١٤٧ وما بعدها" ونقل ابن مفلح عن أبي بعلى: "أن معرفة الله لا تجب عقلًا، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل" "الفروع ٦/ ١٨٥"، وانظر: الإحكام، الآمدي ١/٨٧، الإحكام ابن حزم ٢/ ١١٥٣، إرشاد الفحول ص٨، مناهج العقول ١/ ١٤٧، شرح العضد وحواشيه ١/ ٢١٧، تيسير التحرير ٢/ ١٦٥، جمع الجوامع ١/ ٦٢، المستصفى ١/ ٦١، المسودة ص٤٧٣، الشامل ١١٥، ١١٩. ٣ يقول القاضي عبد الجبار: إن سأل سائل فقال: ما أولُ ما أوجب الله عليك؟ فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف بالضرورة، فيجب أن يعرف بالتفكير والنظر "شرح الأصول الخمسة ص٣٩"، وانظر: فواتح الرحموت ١/ ٤٤.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وَعَنْ الأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. نَقَلَهُ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ "جَامِعِ الأَنوار١، لِتَوْحِيدِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ".
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّظَرَ وَالْمَعْرِفَةَ لا يَقَعَانِ ضَرُورَةً٢. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدَّمَهُ٣ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "بَابِ الْمُرْتَدِّ"٤ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ" وَغَيْرُهُمَا.
وَقَالَ٥ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: بَلْ هُمَا كَسْبِيَّانِ. انْتَهَى.
وَقَالَ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٦: إنَّهُمَا يَقَعَانِ ضَرُورَةً٧، فَلا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِمَا بِأَدِلَّةِ٨ الْعَقْلِ. وَحَمَلَ٩ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ١٠ الْفِطْرِيَّةِ. كَمَعْرِفَةِ إبْلِيسَ. لا الْمَعْرِفَةِ الإِيمَانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: لا يَتَأَتَّى أَنَّهُ مُطِيعٌ فِي نَظَرِهِ، لأَنَّهُ
_________________
(١) ١ في ش: الألغاز. ٢ العلم الضروري هو العلم الذي يلزم نفس المخلوق لزومًا لا يمكنه معه الانفكاك عنه "فتاوي ابن تيمية ١٣/ ٧٠" وانظر: شرح الأصول الخمسة ٥١ وما بعدها، الشامل للجويني ص١١٥، ١١٩. ٣ في ش: وقيده. ٤ قال ابن مفلح: "والمشهور في أصول الدين عن أصحابنا أن معرفة الله تعالى وجبت شرعًا، نص عليه، وقيل: عقلًا، وهي أول واجب لنفسه، ويجب قبلها النظر لتوقفها عليه، فهو أول واجب لغيره، ولا يقعان ضرورة، وقيل: بلى "الفروع ٦/ ١٨٦". ٥ في ش: فقال. وفي د ز ع ض: وقاله. ٦ منهم أبو القاسم البلخي "انظر: شرح الأصول الخمسة ص٥٢، ٥٧". ٧ انظر بيان هذا القول مناقشته في "شرح الأصول الخمسة ص٥٧". ٨ في ش: بأداة. ٩ في ز ش: حمل ١٠ في ز ش: على العقل والمعرفة.
[ ١ / ٣١٠ ]
لا تَصِحُّ طَاعَةُ مَنْ لا يَعْرِفُ، وَلا مَعْرِفَةُ مَنْ١ لَمْ يَنْظُرْ٢.
"وَ" اُخْتُلِفَ: هَلْ بَيْنَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، أَمْ لا؟
فَـ٣ "فِي قَوْلٍ: لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَقْلًا" قَالَ الرَّازِيّ: لا فَرْقَ بَيْنَ الشُّكْرِ وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَقْلًا. فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّكْرَ عَقْلًا أَوْجَبَ الْمَعْرِفَةَ، وَمَنْ لا فَلا، قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ النَّظَرِيَّاتِ، لا مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ. قَالَ الأُرْمَوِيُّ٤ فِي "الْحَاصِلِ": هُمَا مُتَلازِمَانِ٥.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشُّكْرَ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ٦؛ لأَنَّ الشُّكْرَ عِنْدَهُمْ إتْعَابُ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ٧، كَالنَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى الآيَاتِ، وَالذِّهْنِ إلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا٨. فَعِنْدَهُمْ مُدْرِكُ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَقْلِيٌّ لِلْبُرْهَانِ الْكُلِّيِّ٩ الْعَقْلِيِّ، وَمُخَالِفُوهُمْ
_________________
(١) ١ في ع ب ض: لمن. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص٨٧. ٣ في ش ز: و. ٤ هو محمد بن حسين بن عبد الله الأزْمَوي، الفقيه الأصولي القاضي، كان من أكبر تلامذة الإمام فخر الدين الرازي، واختصر "المحصول"، وسماه "الحاصل" وكانت له شهرة وثروة ووجاهة، وكان متواضعًا، استوطن بغداد، ودرّس بالمدرسة الأشرفية، توفي في بغداد سنة ٦٥٦هـ وقيل ٦٥٣هـ. "انظر: طبقات الشافعية، الإسنوي ١/ ٤٥١، كشف الظنون ٢/ ١٦١٥، معجم المؤلفين ٩/ ٢٤٤". ٥ انظر: مناهج العقول ١/ ١٥٢ وما بعدها، الشامل في أصول الدين ص١٢٠. ٦ انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ٨٧، مناهج العقول ١/ ١٥٢، شرح الأصول الخمسة ص٨٧. ٧ معنى الشكر عندهم: اجتناب المستخبثات العقلية، والإتيان بالمستحبات العقلية. "نهاية السول ١/ ١٥٠". ٨ في ض: معناها. ٩ ساقطة من ز ع ب ض.
[ ١ / ٣١١ ]
يَقُولُونَ: مُدْرِكُهُ السَّمْعُ لا الْعَقْلُ١.
"وَفِعْلُهُ تَعَالَى" وَتَقَدَّسَ "وَأَمْرُهُ لا لِعِلَّةٍ وَلا لِحِكْمَةٍ٢ فِي قَوْلٍ " اخْتَارَهُ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ٣. وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ٤، وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ٥.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ. اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ٦، وَابْنُ الْقَيِّمِ٧، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. وَحَكَاهُ عَنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ٨ بِوُجُوبِ الصَّلاحِ. وَلَهُمْ فِي
_________________
(١) ١ انظر: مناهج العقول ١/ ١٤٨. ٢ هذه المسألة فرع عن الاختلاف في الحسن والقبيح، وهي جواب لاعتراض المعتزلة على رد أهل السنة عليهم، بأن شكر المنعم لا يجب عقلًا، لأنه لو وجب لوجب إما لفائدة للمشكور وهو منزه. أو للشاكر في الدنيا وأنه مشقة بلا حظ، أو في الآخرة لا استقلال للعقل بها، فاعترض المعتزلة على هذا الدليل بأنه ينطبق على الأحكام الشرعية، فأجاب أهل السنة بأن أفعال الله تعالى غير معللة بالأغراض والفائدة، لكن أحكام الله تعالى جاءت لرعاية مصالح العباد تفضلًا واحسانًا، لا إيجابًا كما يقول المعتزلة. "انظر: نهاية السول ١/ ١٤٧، ١٥٠، مناهج العقول ١/ ١٥٠ وما بعدها، المستصفى ١/ ٥٨، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٩٢". وفي ز ع ض: حكمة. ٣ نقل الإسنوي الشافعي مذهبه فقال: إنّ مذهبنا أنه لا يجبُ تعليل أحكام الله تعالى، وأفعاله بالأعراض، فله بحكم المالكية أن يوجب ماشاء على من شاء من غير فائدة ومنفعة أصلًا "نهاية السول ١/ ١٥٢" وانظر: غاية المرام ص٢٢٤، نهاية الاقدام ص٣٩٧، الأربعين ص٢٤٩. ٤ انظر: ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان، لابن حزم ص٤٧، الإحكام، لابن حزم ٢/ ١١١٠، ١١٢٦، ١١٣١، ١١٤٨. ٥ انظر: نهاية السول ١/ ١٥٢، مدارج السالكين ١/ ٩١، مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١١٥، غاية المرام ص٢٢٤، المسودة ص٦٥. ٦ مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١١٩، المسودة ص٦٣، منهاج السنة ١/ ٣٤. ٧ مدارج السالكين ١/ ٩٧، ٢٤٢، إعلام الموقعين ٢/ ٥٢. ٨ في ز ع ب ش: لا تقول.
[ ١ / ٣١٢ ]
الأَصْلَحِ قَوْلانِ١.
وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ، لا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ٢ الأَمْرَيْنِ. قَالَ٣ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ٤ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ قَوْلانِ، وَالأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ٥.
وَالْحِكْمَةِ: هَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الرَّبِّ تَعَالَى، لا تَقُومُ بِهِ، أَوْ قَائِمَةٌ [بِهِ] ٦، مَعَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُنْفَصِلِ أَيْضًا؟ لَهُمْ فِيهِ قَوْلانِ. وَهَلْ تَتَسَلْسَلُ٧ الْحِكَمُ، أَوْ لا تَتَسَلْسَلُ٨؟ أَوْ تَتَسَلْسَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي؟ فِيهِ أَقْوَالٌ٩.
احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ١٠، وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١١، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاَّ
_________________
(١) ١ قال الجويني: القول في الصلاح والأصلح: اختلف مذاهب البغداديين والبصريين من المعتزلة في عقود هذا الباب، واضطربت آراؤهم "الإرشاد ص٢٧٨" وانظر عرض الفكرة ومناقشتها في "غاية المرام ص٢٢٤، ٢٢٨، نهاية الاقدام ص٤٠٤ وما بعدها". ٢ في ع: طائفة منهم. ٣ في ش: فقال. ٤ ساقطة من ش. ٥ منهاج السنة ٢/ ٢٣٩ مطبعة المدني، وانظر: اللمع ص٥٥، الموافقات ٢/ ٣ط صبيح، شرح تنقيح الفصول ص٤٠٦، منهاج السنة ١/ ٣٥ "هذه طبعة بولاق، وكذلك في جميع ما سيأتي إلا إذا قيدناها بطبعة المدني التي فيها إضافات وزيادات عند التحقيق". ٦ من منهاج السنة. ٧ في ش ض: يتسلسل. ٨ في ش ض: يتسلسل. ٩ منهاج السنة ٢/ ٢٣٩ مطبعة المدني. ١٠ الآية ٣٢ من المائدة. ١١ الآية ٧ من الحشر.
[ ١ / ٣١٣ ]
لِنَعْلَمَ﴾ ١، وَنَظَائِرِهَا.
وَلأَنَّهُ ﷾ حَكِيمٌ، شَرَعَ الأَحْكَامَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢، وَالإِجْمَاعُ٣ وَاقِعٌ عَلَى اشْتِمَالِ الأَفْعَالِ عَلَى الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ، إمَّا وُجُوبًا كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ٤، وَإِمَّا٥ جَوَازًا كَقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ٦، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِحِكْمَتِهِ٧.
وَاحْتَجَّ النَّافُونَ بِوُجُوهٍ:
_________________
(١) ١ الآية ١٤٣ من البقرة. ٢ الآية ١٠٧ من الأنبياء. ٣ الاجماع المقصود هنا إجماع أهل السنة والمعتزلة القائلين بإثبات الحكمة والعلة، وليس الإجماع الشرعي، لأنه سبق ذكر الاختلاف في هذا الموضوع في الصفحة السابقة. ٤ انظر بحث رعاية الأصلح عند المعتزلة ومناقشته في "غاية المرام ص٢٢٨، الإرشاد ص٢٨٧، نهاية الاقدام ص٤٠٤ وما بعدها". ٥ في ش: أو. ٦ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١٢١، ١٢٢، غاية المرام ص٢٢٤، ٢٣١، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٩٦. ٧ قال البيضاوي: إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة ، لكن نص في القياس على أن: الاستقراء دال على أن الله ﷾ شرح أحكامه لمصالح العباد تفضلًا وإحسانًا، وهذا يقتضي أن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، وإن كان على سبيل التفضيل "نهاية السول ١/ ١٥٠" وقال ابن القيم: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجب عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكنة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتمَّ دلالة وأصدقها، "إعلام الموقعين ٣/ ١٤" وقال ابن تيمية: إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها "الفتاوى ٢٠/ ٤٨" وانظر: شرح تنقيح الفصول ص٩١، الموافقات ٢/ ٣، المعتمد ٢/ ٨٨٧، مدارج السالكين ١/ ٩٨، ٢٤٢، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ص٧٣، المسودة ص٦٤، منهاج السنة ١/ ٣٥، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٩٦.
[ ١ / ٣١٤ ]
أَحَدُهَا: مَا١ قَالَ الرَّازِيّ: إنَّ الْعِلَّةَ إنْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ مِنْ قِدَمِهَا قِدَمُ الْفِعْلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً افْتَقَرَتْ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ٢. وَهُوَ مُرَادُ الْمَشَايِخِ٣ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ شَيْءٍ صُنْعُهُ، وَلا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ٤.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: "لَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الْفِعْلِ": غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِهَا قِدَمُ الْمَعْلُولِ. كَالإِرَادَةِ قَدِيمَةٌ وَمُتَعَلِّقُهَا حَادِثٌ. وَلَوْ كَانَتْ حَادِثَةً لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ قِيلَ: كُلُّ حَادِثٍ مُفْتَقِرٌ إلَى عِلَّةٍ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ. بَلْ قَالُوا: يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الأَوَّلِ مُرَادًا لِغَيْرِهِ كَوْنُ الثَّانِي كَذَلِكَ٥، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي [مُحْدَثًا] ٦ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلُ كَذَلِكَ فَلا يَتَسَلْسَلُ٧.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهِ النُّفَاة: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا٨ لأَجْلِ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ٩، أَوْ دَفْعِ١٠ مَفْسَدَةٍ. فَإِنْ كَانَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ أَوْلَى لَهُ مِنْ عَدَمِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: منهاج السنة ١/ ٣٥. ٣ في كتاب الأربعين: مشايخ الأصول. ٤ الأربعين ص٢٥٠، وانظر: الإحكام، ابن حزم ٢/ ١١٤٨، مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١١٦، الشامل في أصول الدين ص٦٧٨. ٥ ساقطة من ش. ٦ في جميع النسخ محبوبًا، وهو خطأ. ٧ قال ابن تيمية: والجواب عن التسلسل أن يقال هذا تسلسل في الحوادث المستقبلة، لا في الحوادث الماضية، فإنه إذا فعل فعلًا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل، فإذا كانت تلك الحكمة يطلب منها حكمة أخرى بعدها كان تسلسلًا في المستقبل والتسلسل في المستقبل جائز عند الجماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل "منهاج السنة ١/ ٣٥". ٨ ساقطة من ش ز. ٩ في ش ز: مسألة. ١٠ في الأربعين: لدفع، والنص منقول حرفيًا من الأربعين ص٢٤٩.
[ ١ / ٣١٥ ]
تَحْصِيلِهَا كَانَ ذَلِكَ الْفَاعِلُ قَدْ اسْتَفَادَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ تَحْصِيلَ تِلْكَ١ الأَوْلَوِيَّةِ. وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ نَاقِصًا بِذَاتِهِ، مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ ﷾ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْصِيلُهَا وَعَدَمُهُ سَوَاءً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَمَعَ الاسْتِوَاءِ لا يَحْصُلُ الرُّجْحَانُ. فَامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ٢.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ، وَبِالنَّقْصِ بِالأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ. كَإِيجَادِ الْعِلْمِ٣.
فَإِنْ قَالُوا بِخُلُوِّهِ عَنْ النَّقْصِ٤.
قِيلَ: كَذَا فِي التَّعْلِيلِ، نَمْنَعُ كَوْنَهُ نَاقِصًا فِي ذَاتِهِ، وَمُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ فِي ذَاتِهِ أَوْ ٥ صِفَاتِ ذَاتِهِ ٥، بَلْ اللاَّزِمُ حُصُولُ كَمَالاتٍ نَاشِئَةٍ مِنْ، جِهَةِ الْفِعْلِ، وَلا امْتِنَاعَ فِيهِ٦. فَإِنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا إلَى الْمُمْكِنَاتِ مِنْ جُمْلَةِ٧ صِفَاتِ الْكَمَالِ٨. وَكَذَا الْكَمَالُ فِي كَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا عَلَى مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ أَوْجُهِ النَّفَّاة: أَنَّهُ٩ لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ. فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِدُونِ ذَلِكَ الْفِعْلِ. كَانَ تَوَسُّطُهُ عَبَثًا. وَإِلاَّ لَزِمَ الْعَجْزُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ كذا في الأربعين ص٢٤٩-٢٥٠، وانظر: غاية المرام ص٢٢٦، مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١١٥، منهاج السنة ١/ ٣٥. ٣ كذا في د ض، وفي ش ز ع ب: العلم. ٤ في ز ب ض: نقص، وفي ع: نقض. ٥ في ب ض: صفاته. ٦ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١٦٢. ٧ في ش ز: جهات. ٨ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١٦٢. ٩ ساقطة من ش.
[ ١ / ٣١٦ ]
وَلأَنَّ ذَلِكَ الْغَرَضَ مَشْرُوطٌ بِتِلْكَ الْوَسِيلَةِ، - لَكِنَّهُ١ بَاطِلٌ٢-، لأَنَّ أَكْثَرَ الأَغْرَاضِ إنَّمَا تَحْصُلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْوَسَائِلِ، فَيُمْتَنَعُ اشْتِرَاطُهُ.
وَأُجِيبَ٣ بِأَنَّ إطْلاقَ الْغَرَضِ لا يَجُوزُ، لِمَا يُوهِمُهُ٤ عُرْفًا، وَلْيُعْدَلْ عَنْهُ إلَى لَفْظِ الْعِلَّةِ.
فَيُقَالُ: لا نُسَلِّمُ لُزُومَ٥ الْعَبَثِ، لأَنَّ الْعَبَثَ الْخَالِيَ٦ عَنْ الْفَائِدَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ بِدُونِ تَوَسُّطِ السَّبَبِ٧ لا يَقْتَضِي عَبَثَ الْفِعْلِ وَإِلاَّ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الشَّرْعِيَّاتُ عَبَثًا؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إيصَالِ مَا حَصَلَتْ٨ لأَجْلِهِ مِنْ إيصَالِ الثَّوَابِ بِدُونِ تَوَسُّطِهَا.
وَقَوْلُهُمْ: "إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى٩ تَحْصِيلِهِ١٠ لَزِمَ الْعَجْزُ"، مَمْنُوعٌ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَا [شُرِعَ] ١١ لأَجْلِهِ بِدُونِ الْفِعْلِ، وَبِأَنَّ١٢ إمْكَانَ تَحْصِيلِهِ بِدُونِ الْعَجْزِ دَوْرٌ.
"وَعَلَيْهِ": أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْعِلَّةِ "مُجَرَّدُ مَشِيئَتِهِ" تَعَالَى "مُرَجِّحٌ"
_________________
(١) ١ في ش ز: لكونه. ٢ انظر الأربعين ص٢٥٠ وفي ز ش د: باطلًا. ٣ في ع ز ب ض: أجيب. ٤ في ع ب ض: توهمه. ٥ ساقطة من ش. ٦ أي: هو الخالي. ٧ في ش: النسب. ٨ لعلها: ما شرعت. ٩ في ب: عن. ١٠ في ش: تسليمه. ١١ إضافة يقتضيها السياق. ١٢ في ع ض: ولأن.
[ ١ / ٣١٧ ]
لإِيجَادِ فِعْلِ١ مَا شَاءَهُ. ٢ فَإِذَا شَاءَ ٢ ﷾ شَيْئًا مِنْ الأَشْيَاءِ تَرَجَّحَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الإِشَاءَةِ٣.
وَيَقُولُونَ: عِلَلُ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ مَحْضَةٌ٤.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بِالْمُنَاسَبَةِ، ثَبَتَ الْحُكْمُ عِنْدَهَا لا بِهَا٥.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْمُنَى٦ وَالشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالْغَزَالِيُّ٧: بِقَوْلِ الشَّارِعِ: جُعِلَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مُوجِبًا لِحُسْنِ الْفِعْلِ وَقُبْحِهِ، لا٨ أَنَّهُ كَانَ حَسَنًا وَقَبِيحًا قَبْلَهُ، كَمَا يَقُولُ الْمُثْبِتُونَ.
"وَهِيَ" أَيْ ٩ مَشِيئَةُ اللَّهِ ٩ ﷾ "وَإِرَادَتُهُ لَيْسَتَا بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ،
_________________
(١) ١ في ش: الفعل. ٢ ساقطة من ب. وفي ش ز: فإن شاء. ٣ انظر فواتح الرحموت ١/ ٣٤. ٤ هذا القول لنفاة التعليل الذين ينكرون تعليل الأحكام، ثم يقولون بالقياس القائم على العلة، فعرفوا العلة بما سبق أعلاه، للتوفيق بين مذهبهم ينفي التعليل، وبين إقرارهم بالقياس وعلته، وأن الله تعالى شرع أحكامه لتحقيق مصالح عباده. "انظر: ضوابط المصلحة ص٩٠، كشف الأسرار ٣/ ٣٦٧". ٥ سيأتي تفصيل الكلام عن العلة وأنواعها في آخر الكتاب في فصل القياس. ٦ هو نَصْر بن فتيان بن مَطَر، أبو الفتح، النهرواني ثم البغدادي، الفقيه الزاهدُ، المعروف بابن المنّى، أحد الأعلام، وفقيه العراق، وشيخ الحنابلة على الإطلاق، ولد سنة ٥٠١هـ. وصرف همته طول عمره للفقه أصولًا وفروعًا، ودرس وأفتى نحو سبعين سنة. قال الموفق: "شيخنا أبو الفتح كان رجلًا صالحًا حسن النية والتعليم، وكانت له بركة في التعليم، وكان روعًا زاهدًا متعبدًا على منهاج السلف". توفي سنة ٥٨٣هـ. انظر ترجمته مطولة في "ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٥٨، شذرات الذهب ٤/ ٢٧٦". ٧ المستصفى ٢/ ٢٣٠. ٨ في ش: إلا. ٩ في ز ع ب ض: ومشيئته.
[ ١ / ٣١٨ ]
وَرِضَاهُ وَسَخَطِهِ وَبُغْضِهِ١، فَيُحِبُّ وَيَرْضَى مَا أَمَرَ بِهِ فَقَطْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى٢" فَيَكُونُ مَا يَشَاءُ٣ لِمَشِيئَتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ٤ لا يُحِبُّهُ٥، وَهَذَا مَذْهَبُ ٦ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْ الْفُقَهَاءِ ٦ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالصُّوفِيَّةِ وَالنُّظَّارِ وَابْنِ كُلاَّبٍ٧.
وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالأَشْعَرِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا - كَابْنِ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ"- إلَى أَنَّ الْكُلَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ٨.
ثُمَّ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَ لا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَلا يَشَاؤُهُ، وَإِنَّهُ٩ يَكُونُ بِلا مَشِيئَتِهِ١٠.
وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّةُ: بَلْ هُوَ يَشَاءُ ذَلِكَ. فَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ١١.
_________________
(١) ١ هذه المسألة للرد على نفاة التعليل والحكمة الذين يقولون بمَحْض المشيئة، وأن الإحكام هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي، دون اشتراط العلة والحكمة. "انظر: مدارج السالكين ١/ ٢٤٢". ٢ سساقطة من ز ع ب ض. ٣ في ع: شاء. ٤ ساقطة من ع ب ض. ٥ قال تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر / ٧] . ٦ في ش: الفقهاء من السلف. ٧ انظر: أصول السرخسي ١/ ٨٢، المسودة ص٦٣، الفضل في الملل والنحل ٣/ ١٤٢، نهاية الاقدام ص٢٥٦، الأربعين ص٢٤٤، منهاج السنة ٢/ ٣٤. ٨ انظر: فتح الباري ١٣/ ٣٤٥، فتاوي ابن تيمية ١٣/ ٣٧. ٩ في ش: والكفر. ١٠ قالت المعتزلة: إن الإرادة توافق الأمر، وكل ما أمر الله به فقد أراده، وكل ما نهى عنه فقد كرهه "الأربعين ص٢٤٤" وانظر: نهاية الاقدام ص٢٥٤، ٢٥٨. ١١ يقول ابن القيم: إن الحكمة ترجع عندهم إلى مطابقة العلم الأزلي لمعلومه، والإرادة الأزلية لمرادها، والقدرة لمقدورها، فإذا الأفعال بالنسبة إلى المشيئة والارادة مستوية، ثم ينقل عنهم: أن إرادة الرب هي عين محبته ورضاه. فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه "مدارج السالكين ١/ ٢٢٨". وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١٢٧، جواب أهل العلم والإيمان ص١٠٠، الأربعين ص٢٤٤.
[ ١ / ٣١٩ ]
وَأَبُو الْحَسَنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَافَقُوا هَؤُلاءِ١.
وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا سَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَأَكَابِرُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ، وَكَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ النُّظَّارِ كَالْكُلاَّبِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَيَرْضَى بِهِ، كَمَا يَأْمُرُ بِهِ. وَلا يَرْضَى بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلا يُحِبُّهُ، كَمَا لا يَأْمُرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَشَاؤُهُ٢.
وَلِهَذَا كَانَ حَمَلَةُ الشَّرْعِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا. كَقَضَاءِ دَيْنٍ تَضَيَّقَ وَقْتُهُ ٣ أَوْ عِبَادَةٍ تَضَيَّقَ وَقْتُهَا"٣. وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ٤ لَمْ يَحْنَثْ. وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ يَنْدُبُ إلَى ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ، أَوْ يَأْمُرُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي "تَفْسِيرِهِ"، عِنْدَ قَوْله ﷾: ﴿سَيَقُولُ٥ الَّذِينَ
_________________
(١) ١ قالو: المحبة هي الإرادة نفسها، وكذلك الرضا والاصطفاء، وهو سبحانه يريد الكفر ويرضاه "جواب أهل العلم والإيمان ص١٠١". ٢ انظر: مدارج السالكين ١/ ٢٤٣، مجموعة الرسائل والمسائل ٥/ ١٢٧، أصول السرخي ١/ ٨٢، منهاج السنة ١/ ٣٥، نهاية الاقدام ص٢٥٨، وفي ز ع ب ض: شاءه. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: يفعل. ٥ في ش: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة / ١٤٢]، ﴿سَيَقُولُ.
[ ١ / ٣٢٠ ]
أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا، وَلا آبَاؤُنَا، وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ١: "وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْزِلٍ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. فَإِنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، غَيْرُ آمِرٍ بِجَمِيعِ ٢ مَا يُرِيدُ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ"٢ يَتَّبِعَ أَمْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَشِيئَةٍ. فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ لا تَكُونُ عُذْرًا لأَحَدٍ"٣.
وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ، عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كَافِرٌ، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ٤: "وَجُمْلَةُ٥ الْقَوْلِ فِيهِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْكَافِرَ، وَكُفْرُهُ فِعْلٌ لَهُ وَكَسْبٌ٦، وَخَلَقَ الْمُؤْمِنَ، وَإِيمَانُهُ فِعْلٌ لَهُ وَكَسْبٌ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ. وَكَسْبُهُ وَاخْتِيَارُهُ بِتَقْدِيرِ٧ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ"٨. انْتَهَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ ﷾ فِي كِتَابِهِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِمَا خَلَقَ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٩.
وَنَوْعٌ بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ لِمَا أَمَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْهُ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ ١٠، وقَوْله تَعَالَى:
_________________
(١) ١ الآية ١٨٤ من الأنعام. ٢ في ش: ما يريده على أن. ٣ معالم التنزيل ٢/ ١٩٧، وانظر: نهاية الاقدام ص٢٥٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص١٧٣. ٤ الآية ٢ من سورة التغابن. ٥ كذا في تفسير البغوي، وفي ش ز: ومن جملة، وفي ع ب ض: من جملة. ٦ في ش ز: كسب. ٧ في ش: تقرير. ٨ تفسير البغوي: ٧/ ١٠٣. ٩ الآية ١٢٥من الأنعام. ١٠ الآية ١٨٥ من البقرة.
[ ١ / ٣٢١ ]
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ١ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢، فِي آيٍ كَثِيرَةٍ.
وَبِهَذَا يُفْصَلُ النِّزَاعُ فِي مَسْأَلَةِ الأَمْرِ: هَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلإِرَادَةِ أَمْ٣ لا؟.
فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَشِيئَةِ. فَيَكُونُ قَدْ شَاءَ الْمَأْمُورَ بِهِ٤، وَ[لَوْ] لَمْ يَكُنْ٥.
وَالْجَهْمِيَّةُ قَالُوا: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِشَيْءٍ مِنْ الإِرَادَةِ. وَلا مَحَبَّتُهُ٦ لَهُ وَلا رِضَاهُ بِهِ إلاَّ إذَا وَقَعَ. فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ٧.
"فَائِدَةٌ":
"الأَعْيَانُ"٨ الْمُنْتَفَعُ بِهَا٩، "وَالْعُقُودُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ" وُرُودِ "الشَّرْعِ"
_________________
(١) ١ في ش ض: عليكم في الدين. ٢ الآية ٦ من المائدة. ٣ في ش: أو. ٤ ساقطة من ش. ٥ قالت المعتزلة: كل آمر بالشيء فهو مريد له، والرب تعالى آمر عباده بالطاعة فهو مريد لها. "نهاية الاقدام ص٢٥٤". ٦ في ش ز: ولا محبة. ٧ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الإرادة نوعان إرادة الخلق وإرادة الأمر، فإرادة الأمر أن يريد من المأمور فعل ما أمر به، وإرادة الخلق أن يريد هو خلق ما يحدثه من أفعال العباد وغيرها، والأمر مستلزم اللإرادة الأولى دون الثانية، والله تعالى أمر الكافر بما أراده منه بهذا الاعتبار، وهو ما يحبه ويرضاه، ونهاه عن المعصية التي لم يردها منه، أي لم يحبها ولم يرضها بهذا الاعتبار، فإنه لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وإرادة الخلق هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد، فهذه الإرادة لا تتعلق إلا بالموجود، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن "منهاج السنة ٢/ ٣٤"، وانظر مبحث الإرادة في "الإربعين ص١٤٥ وما بعدها، نهاية الأقدام ص٢٣٨ وما بعدها، الأسماء والصفات ص١٦٠ وما بعدها". ٨ في ش ع ب ض: الأعيان والمعاملات. ٩ في ش ب ع: بهما.
[ ١ / ٣٢٢ ]
بِحُكْمِهَا١، "إنْ" فُرِضَ أَنَّهُ "خَلا وَقْتٌ عَنْهُ" أَيْ عَنْ الشَّرْعِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ وَقْتٌ مِنْ شَرْعٍ. قَالَهُ٢ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ٣. أَمَرَهُمَا وَنَهَاهُمَا عَقِبَ خَلْقِهِمَا. فَكَذَلِكَ كُلُّ زَمَانٍ٤.
قَالَ الْجَزَرِيُّ٥: لَمْ تَخْلُ الأُمَمُ ٦ مِنْ حُجَّةٍ ٦، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ٧، وَالسُّدَى: الَّذِي لا يُؤْمَرُ وَلا
_________________
(١) ١ هذا هو الفراغ الثاني الذي يبحثه العلماء فرعًا عن الحسن والقبيح على سبيل التنزل مع المعتزلة، قال الإسنوي: لما أبطل الأصحاب قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، لزوم من إبطالها إبطال وجوب شكر المتعم عقلًا، وإبطال حكم الأفعال الاختيارية قبل البعثة. "نهاية السول ١/ ١٥٠" وانظر: شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢١٦. ٢ في ز ع ض: قال. ٣ الآية ٣٥ من البقرة، وفي ش سقطت "رعدا"، وفي ش: حيثما، وفي ع ب ض: وكلا من حيث شئتما. ٤ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٠٩-١١٠، المسودة ص٤٨٦ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٤٩، تيسير التحرير ٢/ ١٧٢، حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٦٣. ٥ هو أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن الجزري، الزهري، البغدادي، من قدماء الحنابلة، وكان له قدم في المناظرة، ومعرفة في الأصول والفروع، ومن اختياراته: أنه لا مجاز في القرآن، ويجوزُ تخصيصُ الكتاب والسنة بالقياس، وأن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر، وأن المني نجس، قال عنه ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة": "صحب الجماعة من أشياخنا وتخصص بصحبة أبي علي النجاد، وكانت له حلقة في جامع القصر"، توفي سنة ٣٨٠هـ. "انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٧، تاريخ بغداد ٥/ ١٨٤، اللباب في تهذيب الأنساب ١/ ٣٥٤، الأنساب للسمعاني ٥/ ٨٧". وفي ش: الخوري، وفي ز د ض: الخزري. ٦ ساقطة من ش. وانظر: الروضة ص٢٢، القواعد والفوائد الأصولية ص١١٠، المسودة ص٤٧٤. ٧ الآية ٣٦ من القيامة.
[ ١ / ٣٢٣ ]
يُنْهَى١، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ٢، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ٤ فِيمَا خَرَّجَهُ٥ فِي مَجْلِسِهِ٦: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ٧ زَمَانِ فَتْرَةٍ٨ مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ".
فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ زَمَانٍ فِيهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ٩.
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٧/ ١٧٤، تفسير الخازن ٧/ ١٨٨، تفسير البغوي ٧/ ١٨٨. ٢ الآية ٣٦ من النحل. ٣ الآية ٢٤ من فاطر. ٤ هو عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الرحمن، كان إمامًا بالحديث وعلله، ومن أروى الناس عن أبيه، ورتب مسند والده، وكان ثقة فهمًا ثبتًا صالحًا صادق اللهجة، كثير الحياء، مات سنة ٢٩٠هـ ببغداد. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/ ١٨٠، شذرات الذهب ٢/ ٢٠٣، المنهد الأحمد ١/ ٢٠٦، طبقات الحفاظ ص٢٨٨، الخلاصة ص١٩٠، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٦٥، تاريخ بغداد ٩/ ٣٧٥، طبقات الفقهاء، الشيرازي ص١٦٩". ٥ أي عن أبيه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. ٦ هكذا في ش ز د ع ب ض، ولعل الصواب في محنته، كما نقله البعلي في "القواعد والفوائد الأصولية" "ص١١٠"، وانظر النص الكامل في كتاب "المدخل إلى مذهب أحمد" "ص٩" وأوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم "، وجاء في كتاب الإمام أحمد "الرد على الجهمية والزنادقة" "ص٢٠٥" مايلي: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم"، وانظر: المسودة ص٤٨٦. ٧ ساقطة من ز ع. ٨ ساقطة من ز ع ب. ٩ ويتأكد هذا في الرسالة الخاتمة، لأن العلماء ورثة الأنبياء، ولقوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، وفي رواية: "قائمة على الحق " رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن ثوبان، ورواه البخاري ومسلم وأحمد عن معاوية"، "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٤، صحيح مسلم ٣/ ١٥٢٣، سنن ابن ماجة ١/ ٤، سنن أبي داود ٣/ ٨، مسند أحمد ٤/ ٩٣، كشف الخفا ٢/ ٦٤".
[ ١ / ٣٢٤ ]
"أَوْ بَعْدَهُ" أَيْ بَعْدَ وُرُودِ١ الشَّرْعِ٢ "وَخَلا عَنْ حُكْمِهَا".
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ قَدَّرْنَا خُلُوَّ شَرْعٍ عَنْ حُكْمٍ، مَا حُكْمُهَا؟
"أَوْ لا": أَيْ أَوْ لَمْ يَخْلُ الشَّرْعُ عَنْ حُكْمِهَا "وَجُهِلَ" قَالَ الْقَاضِي: وَيُتَصَوَّرُ فَائِدَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ نَشَأَ بِبَرِّيَّةٍ وَلَمْ يَعْرِفْ شَرْعًا. وَعِنْدَهُ فَوَاكِهُ وَأَطْعِمَةٌ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ.
"مُبَاحَةٌ"٣ خَبَرٌ٤ لِقَوْلِهِ: "الأَعْيَانُ".
وَبِالإِبَاحَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي مُقَدِّمَةِ "الْمُجَرَّدِ"٥، وَأَبُو٦ الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو٧ الْخَطَّابِ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَابْنُ سُرَيْجٍ. وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ٨ وَغَيْرُهُمْ؛ لأَنَّ خَلْقَهَا - لا
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ع ب ض. ٢ يفرق كثير من العلماء بين حالة قبل ورود الشرع وحالة بعد ورود الشرع، ولم يعرف الحكم، ولكل حالة عندهم حكم منفصل عن الآخر. بينما سوّى المصنف بين الحالتين وهو قول البعض. ٣ انظر: الروضة ص٢٢، نهاية السول ١/ ١٥٤، مناهج العقول ١/ ١٥٨، تيسير التحرير ١/ ١٧٢، التمهيد ص٢٤، مختصر الطوفي ص٢٩، المسودة ص٤٧٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، الإحكام لابن حزم ٢/ ٨٧١، وانظر مناقشة القول بالإباحة قبل الشرع في "الإحكام، الآمدي ١/ ٩٣، نهاية السول ١/ ١٦٢، المستصفى ١/ ٦٣، مختصر الطوفي ص٣٠". ٤ في ش: خير. ٥ المجرد في الفقه الحنبلي، للقاضي أبي يعلى. "انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٥". ٦ في ش: وأبي. ٧ في ش: وأبي. ٨ هو أحمد بن بشير بن عامر، العامري، القاضي، أحد أئمة الشافعية، شرح "مختصر المزني" وصنف في الأصول، وله كتاب "الجامع" أحاط فيه بالأصول والفروع، وكان معتمد الشافعية في المشكلات والعقد، قال النووي: "ويعرف بالقاضي أبي حامد" مات سنة ٣٦٢هـ. ألف في الأصول: "الإشراف على الأصول"، وفي الفقه "الجامع الكبير". "انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ١٢، شذرات الذهب ٣/ ٤٠، وفيات الأعيان ١/ ٥٢، تهذيب الأسماء ٢/ ١١٢، المجموع للنووي ١/ ١٤٥، طبقات الفقهاء الشافعية، للعبادي ص٧٦، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١١٤، الفتح المبين ١/ ١٩٩". وفي ش ز: أبو حامد والمروزي.
[ ١ / ٣٢٥ ]
لِحِكْمَةٍ١- عَبَثٌ، وَلا حِكْمَةَ إلاَّ انْتِفَاعُنَا بِهَا، إذْ هُوَ خَالٍ عَنْ الْمَفْسَدَةِ٢. كَالشَّاهِدِ٣. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٤.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، حَيْثُ سُئِلَ عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ؟ قَالَ: لا بَأْسَ، لَمْ نَسْمَعْ فِي قَطْعِهِ شَيْئًا٥.
وَفِي "الرَّوْضَةِ" مَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ عُرِفَ بِالسَّمْعِ إبَاحَتُهَا قَبْلَهُ٦.
وَقَالَهُ٧ بَعْضُهُمْ: كَمَا فِي الآيَاتِ وَالأَخْبَارِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ دَلَّتْ عَلَى الإِبَاحَةِ لِقَوْلِهِ٨ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٩، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ ١٠،
_________________
(١) ١ في ش ز: بحكمة. ٢ انظر: نهاية السول ١/ ١٦٠ وما بعدها، تسير التحرير ٢/ ١٥٠، جمع الجوامع ١/ ٦٨، مختصر الطوفي ص٢٩، المسودة ص٤٧٤، القواعد والفوائد الأصولية ص١٠٧، وفي ب ض: مفسدة. ٣ الشاهد أي المشاهد المرئي الذي تراه العين أو تدركه الحواس، والغائب هو المُغُيَّب أو هو الغيب الذي لا تدركه العين أو الحواس في الدنيا، ويستعمل العلماء قياس الغائب وصفاته، وهو الله ﷾، على الشاهد وهو الإنسان وصفاته وأحواله. ٤ الآية ٢٩ من البقرة. ٥ أنظر القواعد والفوائد الأصولية ص١٠٧، المسودة ص٤٨٤-٤٧٨. ٦ الروضة ص٢٢، وانظر: شرح تنقيح الفصول ص٩٢. ٧ في ش: قال. ٨ في ع ب: كقوله. ٩ الآية ٢٩ من البقرة. وفي ش: الآية ٩ من الحج، وهو خطأ. ١٠ الآية ٣٢ من الأعراف، و﴿الطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ غير موجودة في ز ع ب ض.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَقَوْلُهُ١ ﷺ: "مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ٢ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ لأَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" ٣، وَقَوْلُهُ ﷺ: "مَا سَكَتَ عَنْهُ: ٤ فَهُوَ عَفْوٌ ٤ "٥.
وَعِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي "الْعُدَّةِ"٦، وَالْحَلْوَانِيِّ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ٧، وَالأَبْهَرِيِّ٨ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: مُحَرَّمَةٌ. لأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَحَرُمَ كَالشَّاهِدِ٩.
_________________
(١) ١ في ش: وقال. ٢ في ش: سئل. ٣ رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد عن سعد مرفوعًا بلفظ "أعظم" أو "إن أعظم". "انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ٤/ ٢٥٨، صحيح مسلم ٤/ ١٨٣١، سنن أبي داود ٤/ ٢٨٢، الفتح الكبير ١/ ٢٩٢، مسند أحمد ١/ ١٧٩". ٤ في ز ع ب ض: فهو كاعفاء عنه. ٥ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وهو أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن السمن والجبن والفراء، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه" وفي رواية "وما سكت عنه فهو عفو". "انظر: سنن أبي داود ٣/ ٤٨٥، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٥/ ٣٩٦، سنن ابن ماجة ٢/ ١١١٧". ٦ في ش: "العمدة". ٧ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، "انظر: نهاية السول ١/ ١٥٥، جمع الجوامع ١/ ٦٨، المسودة ص٤٧٤". ٨ هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح بن عمر، التميمي الأبهري، أبو بكر، انتهت إليه رئاسة المالكية في بغداد في عصره، وكان من أئمة القراء، وكان ورعًا زاهدًا ثقة يتصدر مجالس العلم، ومن مؤلفاته: "كتاب في الأصول" و"إجماع أهل المدينة" و"الرد على المزني" و"إثبات حكم القافة" و"فضل المدينة على مكة" توفي سنة ٣٧٥هـ ببغداد، "انظر: الديباج المذهب ٢/ ٢٠٦، شذرات الذهب ٣/ ٨٥، الفتح المبين ١/ ٢٠٨، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٧٣، شجرة النور ص٩١". ٩ الشاهد أي العبد المخلوق، والغائب هو الله ﷾، فكما لا يجوز التصرف في ملك الإنسان الذي يعبر عنه بالشاهد بغير إذنه، لا يجوز التصرف والانتفاع فيما يخلقه الله تعالى بغير إذنه، انظر تفصيل الكلام مع الأدلة في "الروضة ص٢٢، نهاية السول ١/ ١٦٤، مناهج العقول ١/ ١٦٠، شرح العضد وحواشيه ١/ ٢١٨، جمع الجوامع ١/ ٦٨، شرح تنقيح الفصول ص٨٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤، المستصفى ١/ ٦٥، المسودة ص ٤٧٤".
[ ١ / ٣٢٧ ]
ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ: يَخْرُجُ مِنْ مَحَلِّ١ الْخِلافِ عَلَى٢ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ - وَحَكَى إجْمَاعًا - مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ٣، كَتَنَفُّسٍ وَسَدِّ رَمَقٍ وَنَحْوِهِ٤.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ سَاقِطٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ٥.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يُوَافِقْ الْمُعْتَزِلَةَ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَقَالَ بِالإِبَاحَةِ أَوْ٦ الْحَظْرِ: فَقَدْ نَاقَضَ٧. فَاحْتَاجَ مَنْ قَالَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَى اسْتِنَادٍ إلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَا اسْتَنَدَتْ٨ إلَيْهِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ب: في. ٣ ساقطة من ش. ٤ أي ونحو ذلك من الأفعال الأضطرارية التي تدعو الحاجة إليها، ويترتب على تركها الهلاك أو الأذى الشديد، "انظر: نهاية السول ١/ ١٥٥، حاشية التفتازاني على شرح العضد ١/ ٢١٨، التمهيد ص٢٤، حاشية البناني ١/ ٦٥، فواتح الرحموت ١/ ٥٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٠٩، المسودة ص٤٧٤، ٤٧٦، ٤٧٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص٦٤". ٥ اقتصر المصنف على ذكر قولين في أفعال العباد قبل ورود الشرع، وهناك قول ثالث، وهو أنه لا حكم لها، إذ معنى الحكم الخطاب، ولا خطاب قبل ورود الشرع، وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة والأشاعرة وابن حزم الظاهري وأكثر أهل الحق، كما سماهم الآمدي، وقول رابع بالوقف، وهو قول أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الصيرفي وأبي الحسن الجزري من الحنابلة، وقال الرازي والبيضاوي بعدم العلم، أما بعد ورود الشرع فهي على الإباحة، "انظر: الإحكام، الآمدي ١/ ٩١، ٩٤، الروضة ص٢٢، نهاية السول ١/ ١٥٤، ١٥٥، ٣/ ١٥٣، شرح البدخشي ١/ ١٥٤، شرح العضد ١/ ٢١٨، تيسير التحرير ٢/ ١٥٠، ١٦٨، التمهيد ص٢٤، جمع الجوامع ١/ ٦٣، ٦٤، المستصفى ١/ ٦٥، فوتح الرحموت ١/ ٤٩، مختصر الطوفي ص٢٩، الإحكام، ابن حزم ١/ ٤٧، المسودة ص٤٧٤-٤٧٥". ٦ في ش: و. ٧ أي ناقض نفسه، وفي ش: نافق. ٨ في ش: استند.
[ ١ / ٣٢٨ ]
الْمُعْتَزِلَةُ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "بِإِلْهَامٍ"١.
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ: عَرَفْنَا الْحَظْرَ وَالإِبَاحَةَ بِالإِلْهَامِ، كَمَا أُلْهِمَ أَبُو بَكْرٍ٢ وَعُمَرُ٣ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَشْيَاءَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمُوَافَقَتِهِمَا٤.
"وَهُوَ مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَطْمَئِنُّ٥" الْقَلْبُ "بِهِ" أَيْ بِذَلِكَ الْعِلْمِ
_________________
(١) ١ لعل المصنف يشير إلى كلام الشيخ تقي الدين بن تيمية، وهو: اختلف جواب القاضي وغيره من أصحابنا في مسألة الأعيان، مع قولهم بأن العقل لا يحظر ولا يقبح، وفقال القاضي وأبو الخطاب والحلوني: إنما علمنا أن العقل لا يحظر ولا يبيح بالشرع، وخلافنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع: إن العقل يحظر ويبيح إلى أن ورد الشرع فيمنع ذلك، إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع ذلك، قال الحلواني: وأجاب بعض الناس عن ذلك بأنا علمنا ذلك عن طريق شرعي، وهو الإلهام من قبل الله لعباده "المسودة ص٤٧٧". وانظر: شرح تنقيح الفصول ص٩٢. ٢ هو الصحابي عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب القرشي التميمي، أبو بكر الصديق، ابن أبي قحافة، ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، صحب النبي ﷺ قبل البعثة، وسبق إلى الإسلام، واستمر معه طوال إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة وفي الغار والمشاهد كلها، استخلفه رسول الله ﷺ في إمامة الصلاة، ورضيه المسلمون خليفة بعد وفاته ﷺ، حارب المرتدين، ومكن الإسلام في الجزيرة العربية، وهو من المبشرين بالجنة، مناقبه كثيرة ﵁، توفي سنة ١٣هـ. "انظر: الإصابة ٢/ ٣٤١، الاستيعاب ٤/ ١٧، صفة الصفوة ١/ ٢٣٥، تاريخ الخلفاء ص٢٧، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٨١، العقد الثمين ٥/ ٢٠٦". ٣ هو الفاروق، عمر بن الخطاب بن نفيل، العدوي، أبو حفص، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد فقهاء الصحابة، وأحد المبشرين بالجنة، أول من سمي بأمير المؤمنين، وأول من دون الدواوين، وأول من اتخذ التاريخ، أسلم سنة ست من البعثة، وأعز الله به الإسلام، وهاجر جهارًا، روى ٥٣٩ حديثًا، وكان شديدًا في الحق، ولد قبل البعثة بثلاثين سنة، تولى الخلافة بعد أبي بكر، وفتح الله في أيامه عدة أمصار، واستشهد في آخر سنة ٢٣هـ، مناقبه كثيرة "انظر: الإصابة ٢/ ٥١٨، الاستيعات ٢/ ٤٥٨، صفة الصفوة ١/ ٦٨، العقد الثمين ٦/ ٢٩١، تاريخ الخلفاء ص١٠٨، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣". ٤ انظر: المسودة ص ٤٧٧، فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٧٣. ٥ في ز د ع: ويطمئن.
[ ١ / ٣٢٩ ]
حَتَّى "يَدْعُوَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ١" أَيْ بِالْعِلْمِ الَّذِي اطْمَأَنَّ بِهِ.
"وَهُوَ" أَيْ الإِلْهَامُ "فِي قَوْلٍ: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ".
حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الإِلْهَامِ: - هَلْ هُوَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ؟ - عَلَى قَوْلَيْنِ٢.
وَحُكِيَ فِي "جَمْعِ٣ الْجَوَامِعِ": "أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَالَ بِهِ"٤.
وَقَالَ٥ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ نَقْلًا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ٦: وَحَدَّهُ ٧ أَبُو زَيْدٍ ٧: "بِأَنَّهُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوك إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلالٍ وَلا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ"٨.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
_________________
(١) ١ انظر تعريف الإلهام في حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٣٥٦، التعريفات ص٣٥. ٢ انظر تفصيل هذا البحث في "مدارج السالكين ١/ ٤٤-٥٠، المسودة ص٤٨٧، فتاوي ابن تيمية ١٠/ ٧٦٦، ٤٧٧، ٤٧٨، ١١/ ٦٥-٦٦، ١٣/ ٦٨-٧٠". ٣ ساقطة من ش. ٤ جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ٣٥٦. قال الشريف الجرجاني: وهو ليس بحجةٍ عند العلماء إلا عند الصوفية "التعريفات ص٣٥". ٥ في ز ع: وقاله. ٦ هو القاضي عبد الله أو عبيد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد الدبّوسي، من أكابر فقهاء الحنفية، ويضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، من مؤلفاته "تأسيس النظر" و"تقويم الأدلة" في أصول الفقه، و"تحديد أدلة الشرع" وكتاب "الأسرار" في الأصول والفروع، توفي ببخارى سنة ٤٣٠هـ. "انظر: شذرات الذهب ٣/ ٢٤٥، الفتح المبين ١/ ٢٣٦، وفيات الأعيان ٢/ ٢٥١، تاج التراجم ص٣٦، الفوائد البهية ص١٠٩". ٧ ساقطة من ش. ٨ في ع ب: حجته.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وَتَقْوَاهَا﴾ ١، أَيْ عَرَّفَهَا بِالإِيقَاعِ فِي الْقَلْبِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٢ وَبِقَوْلِهِ ﷺ: "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك" ٣، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ قَلْبِهِ بِلا حُجَّةٍ أَوْلَى مِنْ الْفَتْوَى٤.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ٥ خَيَالٌ لا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلاَّ عِنْدَ فَقْدِ الْحُجَجِ كُلِّهَا، وَلا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الإِيقَاعَ فِي الْقَلْبِ بِلا دَلِيلٍ، بَلْ الْهِدَايَةُ إلَى الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ٦ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
_________________
(١) ١ الآيتان ٧-٨ من الشمس. ٢ الآية ١٢٥ من الأنعام. ٣ رواه الإمام أحمد بروايات كثيرة، والترمذي والدارمي والطبراني وأبو نعيم وأبو يعلى، عن وابصة، بألفاظ مختلفة، قال الهيثمي: رجاله ثقات، وأوله: "البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم " "انظر: تخريج أحاديث أصول البزدوي ص١٦٠، كشف الخفا ١/١٢٤، فيض القدير ٣/ ٢١٨، مسند أحمد ٤/ ١٨٢، ٢٢٨، جامع العلوم والحكم ص٢٣٦ وما بعدها، سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٧/ ٦٤، سنن الدارمي ٢/ ٢٤٦". ٤ قال المناوي: وذلك لأن على قلب المؤمن نورًا يتقيد، فإذا ورد عليه الحق التقى هو ونور القلب فامتزجا وائتلفا، فاطمأن القلب وهش، وإذا ورد عليه الباطل نفر نور القلب ولم يمازجه، فاضطرب القلب. "فيض القدير ٣/ ٢١٨" وانظر: فتاوي ابن تيمية ١٠/ ٤٧٩، ١٣/ ٦٨. ٥ في ز: هو. ٦ هو الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، أبو الحسن القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ: وأول الناس إسلامًا، ولد قبل البعثة بعشر سنوات، وربي في حجر رسول الله، شهد جميع المشاهد إلا تبوك، استخلفه الرسول صلى الله عيله وسلم وقال له: "وأما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة"، وكان اللواء بيده في معظم الغزوات، اشتهر بالفروسية والشجاعة والقضاء، وكان عالمًا بالقرآن والفرائض والأحكام واللغة والشعر، تزوج فاطمة الزهراء. وكان من أهل الشورى، وبايع عثمان ﵄، فلما قتل عثمان بايعه الناس سنة ٣٥هـ، واستشهد في رمضان سنة ٤٠هـ. مناقبه كثيرة. "انظر: الإصابة ٢/ ٥٠٧، الاستعاب ٣/ ٢٦، صفة الصفوة ١/ ٣٠٨، أسد الغابة ٤/ ٩١، تاريخ الخلفاء ص ١٦٦، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٤٤".
[ ١ / ٣٣١ ]
"إلاَّ أَنْ١ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ"٢.
_________________
(١) ١ في ب: من. ٢ سئل الإمام علي ﵁: هل خصّكم رسولُ الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرًا النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقل، وهو الديات، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر". رواه البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وأحمد والدارمي عن أبي جحيفة، "انظر: نيل الأوطار ٧/ ١٠، صحيح البخاري بحاشية السندي ٤/ ١٩٤، سنن النسائي ٨/ ٢١، تحفة الأحوذي ٤/ ٦٨٨، سنن أبي داود ٤/ ٢٥٢، مسند أحمد ١/ ٧٩، سنن الدارمي٢/ ١٩٠". وانظر: مدارج السالكين ١/ ٤١.
[ ١ / ٣٣٢ ]