"فَصْلٌ"
"إذَا اتَّحَدَ اللَّفْظُ وَمَعْنَاهُ" الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ "وَاشْتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ" أَيْ مَفْهُومِ لَفْظِهِ "كَثِيرٌ" يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ١ إيجَابًا٢؛ لأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ "وَلَوْ" كَانَ الاشْتِرَاكُ "بِالْقُوَّةِ" دُونَ الْحَقِيقَةِ، بِأَنْ لَمْ يَمْنَعْ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ٣. وَلَمْ تَتَفَاوَتْ أَفْرَادُهُ بِاسْتِغْنَاءٍ وَافْتِقَارٍ، أَوْ شِدَّةٍ وَضَعْفٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ "فَـ" ـهُوَ "كُلِّيٌّ" كَالْحَيَوَانِ الصَّادِقِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ٤.
"وَهُوَ" أَيْ الْكُلِّيُّ قِسْمَانِ:
- قِسْمٌ "ذَاتِيٌّ": وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِيقَةِ ذَاتِ الشَّيْءِ، مِثْلُ الْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الإِنْسَانِ٥.
- "وَ" قِسْمٌ "عَرَضِيٌّ": مَنْسُوبٌ إلَى الْعَرَضِ، مِثْلُ الضَّاحِكِ
_________________
(١) ١ في ش، على. ٢ قال الشريف الجرجاني: أي يمكن حمله عليهم، بأن يشترك في مفهومه كثيرون، لا في نفس الأمر، بل بمجرد ملاحظة العقل لذلك المفهوم. وإنما قُيَّدَ الحمل بالإيجاب، لأن الجزئي يمكن حمله على كثيرين سلبأ. "حاشية الجرجاني على شرح العضد ١/١٢٦". ٣ أي من اشتراكه بين كثيرين وصدقه عليهم. "تحرير القواعد المنطقية ص٤٥". ٤ انظر تفصيل الكلام على على الكلي في "تحرير القواع المنطقية وحاشية الجرجاني عليه ص٤٤ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع١/٢٧٤، الإحكام للآمدي ١/١٦، شرح تنقيح الفصول ص٢٧ وما بعدها، فتح الرحمن ص٥٣ وما بعدها، الأنصاري على إيساغوجي وحاشية عليش عليه ص٣٩ وما بعدها". ٥ فإنه داخل في حقيقة جزئياته، لتركب الإنسان من الحيوان والناطق. "عليش على إيساغوجي ص٤٤".
[ ١ / ١٣٢ ]
بِالنِّسْبَةِ إلَى الإِنْسَانِ، لأَنَّ الضَّحِكَ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإِنْسَانِ١.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا "فَإِنْ تَفَاوَتَ٢" أَيْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُ الْكُلِّيِّ بِقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، كَنُورِ السِّرَاجِ وَالشَّمْسِ٣، أَوْ بِإِمْكَانِ التَّغَيُّرِ٤ وَاسْتِحَالَتِهِ٥، كَالْوُجُودِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ٦، أَوْ الاسْتِغْنَاءِ وَالافْتِقَارِ، كَالْوُجُودِ٧ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ٨، أَوْ بِشِدَّةٍ وَضَعْفٍ، كَبَيَاضِ الثَّلْجِ وَبَيَاضِ الْعَاجِ، أَوْ تَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ، كَالْوُجُودِ لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ "فَمُشَكِّكٌ" لأَنَّهُ يَتَشَكَّكُ٩ النَّاظِرُ فِيهِ: هَلْ هُوَ مُتَوَاطِئٌ١٠ لِوُجُودِ١١ الْكُلِّيِّ١٢ فِي أَفْرَادِهِ، أَوْ مُشْتَرَكٌ لِتَغَايُرِ أَفْرَادِهِ؟ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ "شَكَّكَ"
_________________
(١) ١ انظر تفصيل الكلام على الذاتي والعرضي في "العضد على ابن الحاجب ١/ ٧١، ٨٠، الإحكام للآمدي ١/ ١٧، تحرير القواعد المنطقية ص٤٦-٦٠، شرحا إيساغوجي للأنصاري وعليش ص٤٤ وما بعدها". ٢ في ش ع: تفاوتت. ٣ فإن أفراد النور في الشمس أكثر وفي السراج أقل. "شرح تنقيح الفصول ص٣٠". ٤ في ز: التغيير. ٥ في ع: واستحالة. ٦ فإن الوجود الوجب لا يقبل التغير ولا الفناء ولا العدم ولا الزوال، والوجود الممكن بخلاف ذلك. "شرح نيقيح الفصول ص٣٠". ٧ في ش: كالموجود. ٨ فالجوهر مستغن عن محل يقوم به، والعرض مفتقر إلى محل يقوم به. "شرح تنقيح الفصول ص٣١". ٩ في ش ع ب: يشكك. ١٠ في ش: منوط. ١١ في ش: بوجود. ١٢ ف ع: الكل.
[ ١ / ١٣٣ ]
الْمُضَاعَفُ ١ مِنْ شَكَّ ١ إذَا تَرَدَّدَ٢.
وَقَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَتَمْثِيلُنَا بِالْوُجُودِ لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ لِلْمُشَكِّكِ: ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ، تَبَعًا لِلآمِدِيِّ٣، وَابْنِ الْحَاجِبِ٤، لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِمَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ إجْمَاعًا.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ تَتَفَاوَتْ أَفْرَادُ الْكُلِّيِّ "فَـ" ـهُوَ "مُتَوَاطِئٌ"٥، لأَنَّهُ الَّذِي تَتَسَاوَى٦ أَفْرَادُهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ الَّذِي تَشَارَكَتْ فِيهِ، كَالإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِهِ. فَإِنَّ الْكُلِّيَّ فِيهَا - وَهُوَ الْحَيَوَانِيَّةُ وَالنَّاطِقِيَّةُ- لا يَتَفَاوَتُ فِيهَا بِزِيَادَةٍ وَلا نَقْصٍ. وَسُمِّيَ بِذَلِكَ مِنْ التَّوَاطُؤِ، وَهُوَ التَّوَافُقُ٧.
[وَ] لا يُقَالُ: إنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِلْمُشَكِّكِ؛ لأَنَّ مَا حَصَلَ بِهِ الاخْتِلافُ؛ إنْ دَخَلَ فِي التَّسْمِيَةِ كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا، وَإِلاَّ كَانَ مُتَوَاطِئًا! لأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّسْمِيَةِ، وَلا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا؛ لأَنَّ الْمُشْتَرَكَ مَا لَيْسَ بَيْنَ مَعْنَيَيْهِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ الصَّادِقِ بِالْبَاصِرَةِ وَالذَّهَبِ،
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ انظر تفصيل الكلام على المشكك في "تحرير القواعد المنطقية ص٣٩، شرح تنقيح الفصول ص٣٠، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٧٥، إرشاد الفحول ص١٧، فتح الرحمن ص٥٢". ٣ الإحكام في أصول الأحكام ١/ ١٧. ٤ مختصر ابن الحاجب وشرحه للعضد ١/ ١٢٦. ٥ في ب: المتواطىء. ٦ في ض: تساوي. ٧ وذلك لتوافق أفراده في معناه. انظر تفصيل الكلام على المتواطىء في "المحلي على جمع الجوامع /٢٧٤، تحرير القواعد المنطقية ص٣٩، فتح الرحمن ص٥٢، شرح تنقيح الفصول ص٢٠، حاشية عليش على شرح إيساغوجي ص٤١".
[ ١ / ١٣٤ ]
سُمِّيَ بِذَلِكَ الاسْمِ، وَلا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الْمُتَوَاطِئِ١؛ لأَنَّ الْمُتَوَاطِئَ٢ أَعَمُّ مِمَّا تَسَاوَتْ أَفْرَادُهُ أَوْ تَفَاوَتَتْ: إلاَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ تَفَاوُتٌ: فَهُوَ مُشَكِّكٌ٣.
"وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكْ" فِي مَفْهُومِ اللَّفْظِ كَثِيرٌ٤ "كَمُضْمَرٍ" فِي الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِ٥ لِوَجْهَيْنِ:
الأَوَّلِ: إنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ. فَلَوْ كَانَ مُسَمَّاهُ كُلِّيًّا لَكَانَ نَكِرَةً.
الثَّانِي: أَنَّ مُسَمَّى الْمُضْمَرِ لَوْ كَانَ كُلِّيًّا كَانَ دَالًاّ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ. وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ: "أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى
_________________
(١) ١ في ش: التواطؤ. ٢ في ش: التواطؤ. ٣ قال الشيخ عليش: "قال ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك لأن ما به التفاوت إن دخل في التسمية فمشترك، وإلا فمتواطىء! وأجاب عنه القرفي بأن كُلاَّ من المتواطىء والمشكك موضوع للقدر المشترك، ولكن التفاوت إن كان بأمور من جنس المسمى فمشكك، وإن كان بأمور خارجة عنه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فمتواطىء. وسمى مشككًا لأن الناظر فيه إن نظر لأصل المعنى عرف أنه متواطىء، وإن نظر إلى تفاوته ظن أنه مشترك، فيشكك في كونه متواطئًا أو مشتركًا". "انظر حاشية عليش على شرح إيساغوجي ص٤٢، حاشية البناني على شرح جمع الجوامع ١/ ٢٧٥، حاشية العليمي على فتح الرحمن ص٥٢". ٤ ساقطة من ع. ٥ اختلف المناطقة في كون الضمير جزئيًا أو كليًا على ثلاثة أقوال: "احداها" أنه جزئي كالأعلام. وهو قول أكثر المناطقة. "والثاني" أنه كلّي لصدقه على كثيرين من حيث هو. وهو قول القرافي. "والثالث" أنه كلّي وضعًا وجزئي استعمالًا. وهو قول أبي حيان. "انظر فتح الرحمن وحاشية العليمي عليه ص٥٤، شرح تنقيح الفصول ص٣٤ وما بعدها".
[ ١ / ١٣٥ ]
الأَخَصِّ"، فَيَلْزَمُ أَنْ لا يَدُلَّ الْمُضْمَرُ عَلَى شَخْصٍ خَاصٍّ أَلْبَتَّةَ١. وَلَيْسَ كَذَلِكَ٢.
وَمِثْلُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَهَذَا الإِنْسَانُ "فَجُزْئِيٌّ"٣ لانْدِرَاجِهِ تَحْتَ الْكُلِّيِّ.
"وَيُسَمَّى النَّوْعُ" الْمُنْدَرِجُ تَحْتَ الْجِنْسِ مِثْلُ نَوْعِ الإِنْسَانِ الْمُنْدَرِجِ تَحْتَ جِنْسِ٤ الْحَيَوَانِ "جُزْئِيًّا إضَافِيًّا"٥.
فَكُلُّ جِنْسٍ وَنَوْعٍ - عَالٍ أَوْ وَسَطٍ أَوْ سَافِلٍ-: كُلِّيٌّ لِمَا تَحْتَهُ، جُزْئِيٌّ لِمَا فَوْقَهُ، لَكِنْ لا بُدَّ فِي الْجُزْئِيِّ مِنْ مُلاحَظَةِ قَيْدِ الشَّخْصِ وَالتَّعْيِينِ فِي التَّصَوُّرِ، وَإِلاَّ لَصَدَقَ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ، إذْ لا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاكٍ٦، وَلَوْ فِي أَخَصِّ صِفَاتِ النَّفْسِ٧.
"وَ" الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ "مُتَعَدِّدُ اللَّفْظِ فَقَطْ" أَيْ دُونَ أَنْ يَتَعَدَّدَ مَعْنَاهُ كَالْبُرِّ وَالْقَمْحِ الْمُسَمَّى بِهِ الْحَبُّ الْمَعْرُوفُ. وَكَاللَّيْثِ وَالأَسَدِ "مُتَرَادِفٌ" لِتَرَادُفِ اللَّفْظَيْنِ بِتَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر شرح تنقيح الفصول ص٣٤. ٣ أي جزئي حقيقي بقرينة مقابلته بالكلي. "شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ١٢٦". ٤ في ش: جزئي. ٥ أي بالإضافة إلى جنسه الذي هو أعم منه. "الجرجاني على شرح العضد ١/ ١٢٦، عليش على شرح إيساغوجي ص٤٢". ٦ في ش: اشترك. ٧ انظر تفصيل الكلام على الجزئي الحقيقي والإضافي في تحرير القواعد المنطقية وحاشية الجرجاني عليه ص٦٩ وما بعدها. ٨ انظر تفصيل الكلام على المترادف في "المزهر ١/ ٤٠٢ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٢٣ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٧٥".
[ ١ / ١٣٦ ]
"وَ" مُتَعَدِّدُ "الْمَعْنَى فَقَطْ" أَيْ دُونَ اللَّفْظِ "مُشْتَرَكٌ" كَالذَّهَبِ وَالْبَاصِرَةِ. فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي لَفْظِ "الْعَيْنِ" لِصِدْقِهِ عَلَيْهِمَا١.
وَلا يُسَمَّى مُشْتَرَكًا إلاَّ "إنْ كَانَ" اللَّفْظُ وُضِعَ "حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ" كَمَا مَثَّلْنَا "وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُضِعَ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ، بَلْ كَانَ مَوْضُوعًا لأَحَدِهِمَا، ثُمَّ نُقِلَ إلَى الثَّانِي لِمُنَاسَبَةٍ "فَـ" ـهُوَ "حَقِيقَةٌ" بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ٢ "وَمَجَازٌ" بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ، كَلَفْظِ "السَّمَاءِ" فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي السَّمَاءِ الْمَعْهُودَةِ، وَمَجَازٌ فِي الْمَطَرِ. قَالَ الشَّاعِرُ٣:
إذَا نَزَلَ٤ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا٥
وَكَالأَسَدِ، فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ حَقِيقَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ مَجَازٌ٦.
"وَهُمَا" أَيْ وَمُتَعَدِّدُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى: أَلْفَاظٌ "مُتَبَايِنَةٌ" لَمَعَانٍ مُتَبَايِنَةٍ،
_________________
(١) ١ انظر تفصيل الكلام على المشترك في "شرح تنقيح الفصول ص٢٩، العضد على ابن لحاجب ١/ ١٢٧ وما بعدها، المزهر ١/ ٣٦٩ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ١٩ وما بعدها". ٢ ساقطة من ع. ٣ هو مُعَوَّد الحكماء، معاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب كما في لسان العرب ١٤/ ٣٩٩ والاقتضاب ص٣٢٠ والمفضليات ص٣٥٩ ومعجم الشعراء ص٣٩١ وغيرها "انظر تحقيق العلامة السيد أحمد صقر لتأويل مشكل القرآن ص١٣٥". ٤ قال ابن البطليوسي في "شرح أدب الكاتب": المراد "إذا نزل المطر بأرض قوم فأخصبت بلادهم وأجدبت بلادنا سرنا إليها فرعينا نباتها، وإن غضب أهلها لم تبالِ بغضبهم لعزّنا ومنعتنا". "الاقتضاب ص٣٢٠". ٥ جاء في بعض الرويات: إذا سقط السماء، وفي بعضها: إذا نزل السحاب. ٦ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢٧٦، إرشاد الفحول ص١٧.
[ ١ / ١٣٧ ]
سَوَاءٌ "تَفَاصَلَتْ" تِلْكَ الْمَعَانِي١، كَمُسَمَّى إنْسَانٍ، وَمُسَمَّى فَرَسٍ "أَوْ تَوَاصَلَتْ" بِأَنْ كَانَ بَعْضُ الْمَعَانِي صِفَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ. كَالسَّيْفِ وَ٢ الصَّارِمِ. فَإِنَّ "السَّيْفَ" اسْمٌ لِلْحَدِيدَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَلَوْ مَعَ كَوْنِهَا كَآلَةٍ، و"وَالصَّارِمُ" اسْمٌ لِلْقَاطِعَ٣، وَالنَّاطِقِ٤ وَالْفَصِيحِ وَالْبَلِيغِ٥.
وَالْمُرَادُ بِتَوَاصُلِهِا٦: أَنَّهُ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُا٧ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَنَحْوُ٨ ذَلِكَ، لَوْ٩ كَانَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ الآخَرِ، كَالإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ.
"وَكُلُّهَا" أَيْ: وَكُلُّ الأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثِيَّةِ الاشْتِقَاقِ وَعَدَمِهِ قِسْمَانِ:
- قِسْمٌ "مُشْتَقٌّ": وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى ذِي صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، كَضَارِبٍ وَعَالِمٍ "وَنَحْوِهِمَا.
- "وَ" قِسْمٌ "غَيْرُهُ" أَيْ غَيْرُ مُشْتَقٌّ: وَهُوَ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذِي صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَالْجِسْمِ وَالإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ.
"وَ" مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَصْفٌ أَوْ غَيْرُ وَصْفٍ قِسْمَانِ أَيْضًا:
_________________
(١) ١ في ش: المعاني أي لم يرتبط أحدهما بالآخر كضرب زيد عمرًا و. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: للقطع. ٤ في ش: والناطق. ٥ ساقطة من ز ع. ٦ في ش ز ع: بتوصيلهما. ٧ في ش ز ع: اجتماعهما. ٨ في ض ب: ونحوه. ٩ في ش: ولو.
[ ١ / ١٣٨ ]
- قِسْمٌ "صِفَةٌ": إنْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِذَاتٍ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَقَالَ الْعَضُدُ: "هُنَا الصِّفَةُ مَا تَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى مُعَيَّنٍ كَضَارِبٍ"١.
- "وَ" قِسْمٌ "غَيْرُهَا" أَيْ غَيْرُ صِفَةٍ٢: إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَالإِنْسَانِ وَزَيْدٍ"٣ وَنَحْوُهُمَا.
"وَيَكُونُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مُتَوَاطِئًا مُشْتَرَكًا" بِاعْتِبَارَيْنِ، كَإِطْلاقِ لَفْظِ "الْخَمْرِ" عَلَى التَّمْرِ وَالْعِنَبِ. فَيَكُونُ لَفْظُ "الْخَمْرِ" بِاعْتِبَارِ نِسْبَةِ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ إلَيْهِ مُتَوَاطِئًا، وَبِاعْتِبَارِ عَدَمِ النِّسْبَةِ مُشْتَرَكًا.
"وَ" يَكُونُ "اللَّفْظَانِ مُتَبَايِنَيْنِ مُتَرَادِفَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ" كَلَفْظَيْ "صَارِمٍ" وَ"مُهَنَّدٍ"، فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ٤ الصِّفَةِ مُتَرَادِفَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ٤ صِدْقِهِمَا عَلَى الْحَدِيدَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالسَّيْفِ. وَكَذَا "نَاطِقٌ" وَ"وَفَصِيحٌ"، فَإِنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الاخْتِلافِ فِي الْمَعْنَى، مُتَرَادِفَانِ لِصِدْقِهِمَا عَلَى مَوْصُوفِهِمَا مِنْ إنْسَانٍ أَوْ لِسَانٍ.
"وَ" اللَّفْظُ "الْمُشْتَرَكُ" فِيهِ "وَاقِعٌ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالأَكْثَرِ مِنْ طَوَائِفِ الْعُلَمَاءِ فِي الأَسْمَاءِ. - كَالْقُرْءِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالْعَيْنِ: فِي الْبَاصِرَةِ وَالْجَارِيَةِ وَالذَّهَبِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ وَعَيْنِ الْمِيزَانِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ- وَفِي الأَفْعَالِ - كَعَسْعَسَ: لأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَعَسَى: لِلتَّرَجِّي وَالإِشْفَاقِ، وَالْمُضَارِعِ لِلْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ. وَوُقُوعِ الْمَاضِي خَبَرًا وَدُعَاءً. كَغَفَرَ اللَّهُ لَنَا- وَفِي الْحُرُوفِ كَالْبَاءِ: لِلتَّبْعِيضِ وَبَيَانِ الْجِنْسِ
_________________
(١) ١ شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ١٢٨. ٢ في ش ز: الصفة. ٣ ساقطة من ش. ٤ ساقطة من ش.
[ ١ / ١٣٩ ]
وَالاسْتِعَانَةِ وَالسَّبَبِيَّةِ وَنَحْوِهَا.
"جَوَازًا" لأَنَّهُ لا يَمْتَنِعُ وَضْعُ لَفْظٍ وَاحِدٍ١ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَشْتَهِرُ الْوَضْعُ.
وَمَنَعَ جَمْعٌ وُقُوعَ الْمُشْتَرَكِ فِي اللُّغَةِ. وَرَدُّوا مَا قَالَ الأَكْثَرُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ٢ إلَى٣ التَّوَاطُؤِ أَوْ٤ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَعَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ كَوْنُ الْمُشْتَرَكِ وَاقِعًا فِي اللُّغَةِ: لا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَفْهُومَيْهِ "تَبَايَنَا" وَهُوَ أَنْ لا يَصْدُقَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ. فَإِنْ لِمَ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا فَهُمَا مُتَضَادَّانِ، كَالْقُرْءِ الْمَوْضُوعِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ. وَإِنْ صَحَّ اجْتِمَاعُهُمَا فَهُمَا مُتَخَالِفَانِ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" عَنْ الإِسْنَوِيِّ٥: إنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ لَهُمَا بِمِثَالٍ٦.
"أَوْ" بَيْنَ كَوْنِ مَفْهُومَيْهِ "تَوَاصَلا" بِصِدْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: اشترك. ٣ في ش: في. ٤ في ش: و. ٥ هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي، جمال الدين، أبو محمد، الأسنوي المصري الشافعي، الفقيه الأصولي المفسر النحوي، أشهر كبته "نهاية السول" شرح المنهاج في أصول الفقه و"الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية" و"التمهيد في تخريج الفروع على الأصول" و"طبقات الشافعية". توفي سنة ٧٧٢هـ. "انظر ترجمته في الدرر الكامنة ٢/ ٤٦٣، شذرات الذهب ٦/ ٢٢٣، البدر الطالع ١/ ٣٥٢، بغية الوعاة ٢/ ٩٢". ٦ انظر نهاية السول ١/ ٢٨٧.
[ ١ / ١٤٠ ]
"بِكَوْنِهِ" أَيْ بِكَوْنِ أَحَدِ الْمَفْهُومَيْنِ "جُزْءَ" الْمَفْهُومِ "الآخَرِ" كَلَفْظِ "الْمُمْكِنِ" فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمُمْكِنِ بِالإِمْكَانِ الْعَامِّ وَالْمُمْكِنِ بِالإِمْكَانِ الْخَاصِّ١.
"أَوْ" بِكَوْنِهِ "لازِمَهُ" أَيْ لازِمَ الآخَرِ. كَقَوْلِهِمْ: طَلَعَتْ الشَّمْسُ. وَجَلَسْنَا فِي الشَّمْسِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: "جَلَسْنَا فِي الشَّمْسِ": ضَوْءُ الشَّمْسِ اللاَّزِمُ لَهَا.
"٢ وَكَذَا مُتَرَادِفٌ ٢ وُقُوعًا" يَعْنِي وَكَذَا٣ الْخِلافِ فِي وُقُوعِ الْمُتَرَادِفِ فِي اللُّغَةِ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ فِي الأَسْمَاءِ، وَالأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الأَسْمَاءِ: الأَسَدُ وَالسَّبُعُ وَاللَّيْثُ وَالْغَضَنْفَرُ. فَإِنَّهَا كُلَّهَا لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ الْمَعْرُوفِ، وَفِي الأَفْعَالِ: قَعَدَ وَجَلَسَ، وَكَذَا: مَضَى وَذَهَبَ وَفِي الْحُرُوفِ: إلَى، وَحَتَّى. لانْتِهَاءِ الْغَايَةِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ٤، فِي "رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ": "الأَسْمَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ نَوْعَانِ:
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ١/ ٢٨٧. ٢ في ش: ولذا يترادف. ٣ في ش: وقوع. ٤ هو محمد بن أبي بكر بن أيوب الزراعي الدمشقي، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قيم الجوزية الحنبلي، الفقيه الأصولي المفسر النحوي. قال عنه الشوكاني: "برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الأفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف". من كتبه "مدارج السالكين" و"زاد المعاد" و"إعلام الموقعين" و"الطرق الحكيمة" و"روضة المحبين ونزهة المشتاقين" توفي سنة ٧٥١هـ. "انظر ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤٤٧، البدر الطالع ٢/ ١٤٣، شذرات الذهب ٦/ ١٦٨، الدرر الكامنة ٤/ ٢١، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٩٠، بغية الوعاة ١/ ٦٢".
[ ١ / ١٤١ ]
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ فَقَطْ. فَهَذَا هُوَ الْمُتَرَادِفُ تَرَادُفًا مَحْضًا. كَالْحِنْطَةِ وَالْبُرِّ وَالْقَمْحِ، [وَالاسْمُ وَالْكُنْيَةُ] ١ وَاللَّقَبُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ٢ مَدْحٌ وَلا ذَمٌّ، وَإِنَّمَا أَتَى٣ لِمُجَرَّدِ٤ التَّعْرِيفِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ تدُلَّ عَلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ تَبَايُنِ صِفَاتِهَا. كَأَسْمَاءِ الرَّبِّ، وَأَسْمَاءِ كَلامِهِ وَ[أَسْمَاءِ] ٥ نَبِيِّهِ، وَأَسْمَاءِ الْيَوْمِ الآخِرِ، فَهَذَا النَّوْعُ مُتَرَادِفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الذَّاتِ، مُتَبَايِنٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصِّفَاتِ.
فَالرَّبُّ وَالرَّحْمَنُ وَالْعَزِيزُ وَالْقَدِيرُ وَنَحْوُهَا تَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ صِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَكَذَلِكَ: الْبَشِيرُ وَالنَّذِيرُ، وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ وَنَحْوُهَا، وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَيَوْمُ الْبَعْثِ وَيَوْمُ الْجَمْعِ وَيَوْمُ التَّغَابُنِ وَيَوْمُ الآزِفَةِ وَنَحْوُهَا. وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْفُرْقَانُ وَالْكِتَابُ وَالْهُدَى وَنَحْوُهَا، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ السَّيْفِ. فَإِنَّ تَعَدُّدَهَا بِحَسَبِ "أَوْصَافِهَا، وَأَوْصَافُهَا"٦ مُخْتَلِفَةٌ، كَالْمُهَنَّدِ وَالْعَضْبِ٧ وَالصَّارِمِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ: وَقَدْ أَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ مَا مِنْ اسْمَيْنِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ إلاَّ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي صِفَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ أَوْ إضَافَةٍ. سَوَاءٌ عُلِمَتْ لَنَا أَوْ لَمْ تُعْلَمْ.
_________________
(١) ١ زيادة من روضة المحبين. ٢ في ض: به. ٣ في روضة المحبين: أتى به. ٤ في ش: بمجرد. ٥ زيادة من روضة المحبين. ٦ في روضة المحبين: أوصافٍ وإضافات. ٧ في ش: المعضب.
[ ١ / ١٤٢ ]
وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْوَاضِعِ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ قَدْ يَقَعُ التَّرَادُفُ بِاعْتِبَارِ وَاضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، يُسَمَّى أَحَدُهُمَا الْمُسَمَّى بِاسْمٍ، وَيُسَمِّيهِ الْوَاضِعُ الآخَرُ بِاسْمٍ غَيْرِهِ، وَيُشْتَهَرُ الْوَضْعَانِ عَنْ١ الْقَبِيلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَمِنْ هَذَا٢ يَقَعُ الاشْتِرَاكُ أَيْضًا فَالأَصْلُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ التَّبَايُنُ، وَهُوَ أَكْثَرُ اللُّغَةِ"٣ انْتَهَى.
"وَلا تَرَادُفَ فِي حَدٍّ غَيْرِ لَفْظِيٍّ وَمَحْدُودٍ" أَمَّا الْحَدُّ اللَّفْظِيُّ: كَالْحِنْطَةِ وَالْقَمْحِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلامُ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَرَادِفِ. وَأَمَّا غَيْرُ اللَّفْظِيِّ: كَالإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَرَادِفٍ؛ لأَنَّ التَّرَادُفَ مِنْ عَوَارِضِ الْمُفْرَدَاتِ؛ لأَنَّهَا الْمَوْضُوعَةُ. وَالْحَدُّ مُرَكَّبٌ، وَلأَنَّ دَلالَةَ الْحَدِّ وَالْمَحْدُودِ عَلَى الْمَعْنَى غَيْرُ مُتَّحِدَةٍ. فَإِنَّ الْحَدَّ يَدُلُّ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَحْدُودِ بِالْمُطَابَقَةِ، وَالْمَحْدُودُ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِالتَّضَمُّنِ، وَلأَنَّ الْمَحْدُودَ يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَالْوَحْدَةُ٤ الْمُجْتَمِعَةُ، وَالْحَدُّ يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ الْمَادَّةِ، وَالصُّورَةِ مِنْ غَيْرِ وَحْدَةٍ.
"وَلا" تَرَادُفَ أَيْضًا فِي نَحْوِ "شَذَرٌ مَذَرٌ"٥ عَلَى الصَّحِيحِ، وَنَحْوُ شَذَرٍ مَذَرٍ: حَسَنٌ بَسَنٌ، وَعَطْشَانُ نَطْشَانُ، وَشَغَرٌ بَغَرٌ٦، وَشَيْطَانٌ
_________________
(١) ١ في ز: عند. ٢ في روضة المحبين: ههنا. ٣ روضة المحبين ص٦١، ٦٢. ٤ في ع: الواحدة. وفي ض: ولوحدة. ٥ يقال: ذهب ماله شَذَرَ مَذَرَ: أي تفرق في كل وجه. "الإتباع للحلبي ص٨٧". ٦ يقال: تفرق القوم شَغَرَ بَغَرَ: إذا تفرقوا في كل وجه. "الإتباع للحلبي ص١٧".
[ ١ / ١٤٣ ]
لَيْطَانٌ١، وَحَارٌّ يَارٌّ٢، وَجَائِعٌ نَائِعٌ، وَثَقِفٌ لَقِفٌ، وَحَيَّاك اللَّهُ وَبَيَّاكَ، وَأُسْوَانُ أَتْوَانُ٣: أَيْ حَزِينٌ. وَتَافِهٌ نَافِهٌ٤، وَحَلٌّ٥ بَلٌّ، وَحَقِيرٌ نَقِيرٌ، وَعَيْنٌ حَدِرَةٌ بَدِرَةٌ: أَيْ عَظِيمَةٌ، وَغَضٌّ بَضٌّ٦، وَخَرَابٌ يَبَابٌ، وَسَمْجٌ لَمْجٌ٧، وَسَبُعٌ لَبُعٌ، وَشَكِسٌ لَكِسٌ٨، وَيَوْمٌ عَكٌّ أَكٌّ٩: إذَا كَانَ حُارًا١٠، وَعِفْرِيتٌ نِفْرِيتٌ، وَكَثِيرٌ بَثِيرٌ، وَشقيح١١ لَقِيحٌ، وَثِقَةٌ نقَةٌ١٢، وَهُوَ أَشَقٌّ أَمَقٌّ خَنِقٌ: لِلطَّوِيلِ١٣، وَفَعَلْت ذَلِكَ عَلَى رَغْمِهِ وَدَغْمِهِ؛ لأَنَّ الَّذِي ١٤ بَعْدَ الأَوَّلِ تَابِعٌ ١٤ لا يُفِيدُ شَيْئًا غَيْرَ التَّقْوِيَةِ، وَشَرْطُ التَّرَادُفِ أَنْ يُفِيدَ أَحَدَ الْمُتَرَادِفَيْنِ لَوْ انْفَرَدَ، لأَنَّهُ مِثْلُ١٥ مُرَادِفِهِ فِي الرُّتْبَةِ١٦.
_________________
(١) ١ يقال: هو شَيْطَانٌ لَيْطَانٌ: وهو الذي يلزق بالشر، من قولك: ما يليطُ بي هذا، أي ما يلزَق. "الإتباع للحلبي ص٧٥". ٢ في ش: حان بان، وفي ز: جان بان، وفي ع ض ب: جاز باز. ٣ في ش ز ع ض: أفوان. ٤ يقال للشيء تافهٌ نافهٌ: إذا كان قليلًا حقيرًا. "الاتباع للحلبي ص٩٣". ٥ في ز ع ض: وكل. ٦ كذا في الإتباع للحلبي ص٢٢، وفي ش: حض مض، وفي ز ع ض ب: خض مض. ٧في ش ز د ع: سمح لمح. ٨يقال: إنه لشَكِسٌ لَكِسٌ: إذا كان ضيق الخلق. "الإتباع للحلبي ص٧٨" وفي ز ع ب ض: شكش لكش. ٩في ش ز ع ب ض: لك. ١٠ في ش: حلوًا. ١١ في ش ز ع ب ض: فسيح. ١٢ في ز: بقة، وفي ش: لقة، وفي ض: تفه نفه. وفي ع: نقة لقة. ١٣ في ش: الطويل. ١٤ في ز: بعده. ١٥ ساقطة من ش. ١٦ انظر تفصل الكلام على الإتباع والفرق بينه وبين الترادف في "المزهر ١/٤١٤-٤٢٥، نهاية السول ١/ ٢٧١" وانظركتاب الاتباع لأبي الطيب الحلبي والاتباع والمزاوجة لابن فارس.
[ ١ / ١٤٤ ]
"وَلا" تَرَادُفَ أَيْضًا فِي "تَأْكِيدٍ" لأَنَّ اللَّفْظَ الْمُؤَكَّدَ بِهِ تَابِعٌ لِلْمُؤَكَّدِ، فَلا يُرَادِفُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْلالِهِ. "وَأَفَادَ التَّابِعُ التَّقْوِيَةَ" لأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ عَبَثًا١.
"وَهُوَ" أَيْ التَّابِعُ "عَلَى زِنَةِ مَتْبُوعِهِ" حَتَّى لَوْ وُجِدَ مَا لَيْسَ عَلَى زِنَتِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ "وَ" اللَّفْظُ "الْمُؤَكِّدُ" لِمَتْبُوعِهِ "يُقَوِّي" مَتْبُوعَهُ، لأَنَّ التَّأْكِيدَ هُوَ التَّقْوِيَةُ بِاللَّفْظِ "وَ" يَزِيدُ عَلَى التَّقْوِيَةِ بِكَوْنِهِ "يَنْفِي احْتِمَالَ الْمَجَازِ"٢.
وَأَنْكَرَتْ الْمَلاحِدَةُ كَوْنَ الْقُرْآنِ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ وُقُوعِ التَّوْكِيدِ فِيهِ، لِزَعْمِهِمْ الْقُصُورَ عَنْ تَأْدِيَةِ٣ مَا فِي النَّفْسِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَجَهِلُوا٤ كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ خَاطَبَ عِبَادَهُ عَلَى نَهْجِ لُغَةِ الْعَرَبِ.
"وَيَقُومُ كُلُّ مُتَرَادِفٍ" مِنْ مُتَرَادِفَيْنِ٥ "مَقَامَ الآخَرِ فِي التَّرْكِيبِ" لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّرْكِيبِ إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. فَإِذَا صَحَّ الْمَعْنَى مَعَ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مَعَ الآخَرِ؛ لاتِّحَادِ مَعْنَاهُمَا٦. وَلا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا تُعُبِّدَ٧ بِلَفْظِهِ، كَالتَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ؛ لأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِعَارِضٍ شَرْعِيٍّ٨. وَالْبَحْثُ هُنَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ.
_________________
(١) ١ انظر المزهر ١/ ٤٠٢ وما بعدها. ٢ انظر نهاية السول ١/ ٢٧١، المزهر ١/ ٤١٦. ٣ في ش: تأكيده. ٤ في ش: وحعلوا. ٥ في ش: المترادفين. ٦ في ش: معناهما من حيث اللغة. ٧ في ش: تعدد. ٨ في ع ب: شرع.
[ ١ / ١٤٥ ]
"فَائِدَةٌ"
الْفَائِدَةُ فِي الأَصْلِ: الزِّيَادَةُ تَحْصُلُ لِلإِنْسَانِ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِك "فَادَتْ لَهُ فَائِدَةٌ" مِنْ بَابِ بَاعَ، وَأَفَدْته إفَادَةً أَعْطَيْتُهُ، وَأَفَدْت١ مِنْهُ مَالًا أَخَذْتُهُ. وَفَائِدَةُ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ مِنْ هَذَا.
"الْعَلَمُ" مِنْ أَقْسَامِ الْجُزْئِيِّ لا الْكُلِّيِّ، وَهُوَ "اسْمٌ يُعَيِّنُ مُسَمَّاهُ".
فَقَوْلُنَا "اسْمُ" جِنْسٍ مُخْرِجٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ الأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ. وَقَوْلُنَا "يُعَيِّنُ مُسَمَّاهُ" فَصْلٌ مُخْرِجٌ لِلنَّكِرَاتِ. وَقَوْلُنَا "مُطْلَقًا" مُخْرِجٌ لِمَا سِوَى الْعَلَمِ مِنْ الْمَعَارِفِ. فَإِنَّهُ لا يُعَيِّنُهُ إلاَّ بِقَرِينَةٍ: إمَّا لَفْظِيَّةٍ، مِثْلُ "أَلْ" أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ، كَالْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ، "فِي أَنْتَ"٢ وَهُوَ. وَهَذَا الْحَدُّ لابْنِ مَالِكٍ٣.
وَهُوَ قِسْمَانِ:
- قِسْمٌ شَخْصِيٌّ: وَهُوَ الْمَوْضُوعُ لِلْحَقِيقَةِ بِقَيْدِ الشَّخْصِ الْخَارِجِيِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ خَارِجِيًّا فَعَلَمُ شَخْصٍ" كَجَعْفَرٍ: عَلَمُ رَجُلٍ، وَخِرْنَقَ: عَلَمَ امْرَأَةٍ.
- وَأُشِيرَ٤ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ "وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ خَارِجِيًّا، بِأَنْ لَمْ يُوضَعْ عَلَى شَخْصٍ مَوْجُودٍ٥ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ
_________________
(١) ١ في ع: وأخذت. ٢ في ش: كأنت. ٣ عَرَّف ابن مالك في "التسهيل" الاسم العلم بقوله: "هو المخصوص مطلقًا، غلبة أو تعليقًا بمسمى غير مقدر الشياع أو الشائع الجاري مجراه". "تسهيل الفوائد ص٣٠" ولعل المصنف نقل تعريفه عن بعض كتبه الأخرى. ٤ في ش: وأشار. ٥ في ش: موضوع.
[ ١ / ١٤٦ ]
لِلْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الشَّخْصِ١ الذِّهْنِيِّ "فَـ" عَلَمُ "جِنْسٍ" كَأُسَامَةَ، فَإِنَّهُ عَلَمٌ عَلَى الأَسَدِ بِقَيْدِ تَشَخُّصِ مَاهِيَّتِه فِي ذِهْنِ الْوَاضِعِ. وَكَذَا ثُعَالَةُ عَلَى الثَّعْلَبِ، فَإِنَّ كُلًاّ مِنْهُمَا لَمْ يُوضَعْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِهِ٢ بِعَيْنِهِ. "فَتَشْمَلُ الْمَاهِيَّةُ كُلَّ"٣ أَفْرَادِ الْجِنْسِ، وَلا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا لا يُؤْلَفُ مِنْ الْوُحُوشِ، بَلْ يَكُونُ أَيْضًا لِبَعْضِ الْمَأْلُوفَاتِ. كَأَبِي الْمَضَاءِ لِجِنْسِ الْفَرَسِ٤.
"وَ" الاسْمُ "الْمَوْضُوعُ لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ" أَيْ لا بِقَيْدِ تَشَخُّصِهَا٥ فِي الذِّهْنِ، وَلا عَدَمِ تَشَخُّصِهَا٦. - كَأَسَدٍ- فَهُوَ "اسْمُ جِنْسٍ"٧.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَعَلَمُ الْجِنْسِ يُسَاوِي عَلَمَ الشَّخْصِ فِي أَحْكَامِهِ اللَّفْظِيَّةِ: مِنْ كَوْنِهِ لا يُضَافُ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وَلا يُنْعَتُ بِنَكِرَةٍ، وَلا يَقْبُحُ مَجِيئُهُ مُبْتَدَأً، وَلا انْتِصَابُ النَّكِرَةِ بَعْدَهُ عَلَى الْحَالِ، وَلا يُصْرَفُ مِنْهُ مَا فِيهِ سَبَبٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَلَمِيَّةِ.
وَيُفَارِقُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِعُمُومِهِ، إذْ هُوَ خَاصٌّ شَائِعٌ فِي حَالَةٍ٨ وَاحِدَةٍ. فَخُصُوصُهُ بِاعْتِبَارِ تَعْيِينِهِ الْحَقِيقَةَ فِي الذِّهْنِ، وَشِيَاعُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْ أَشْخَاصِ نَوْعِهِ قِسْطًا مِنْ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ فِي الْخَارِجِ٩.
_________________
(١) ١ في ش: التشخص. ٢ في ع: جنس. ٣ في ز: فتشمل الماهية على. ٤ انظر شرح تنقيح الفصول ص٣٢ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢٧٨. ٥ في ض: شخصا. ٦ في ض: شخصا. ٧ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢٧٨. ٨ في ش: جهة. ٩ انظر شرح تنقيح الفصول ص٣٣.
[ ١ / ١٤٧ ]
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ أَسَدٌ: مَوْضُوعٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ لا١ بِعَيْنِهِ، فَالتَّعَدُّدُ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَإِنْ عَلَمَ الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ أُسَامَةُ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الذِّهْنِ. فَإِذَا أَطْلَقْت أَسَدًا عَلَى وَاحِدٍ أَطْلَقْتَهُ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ، وَإِذَا أَطْلَقْت أُسَامَةَ عَلَى الْوَاحِدِ٢ فَإِنَّمَا أَرَدْت الْحَقِيقَةَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّعَدُّدُ فِي الْخَارِجِ. فَالتَّعَدُّدُ٣ فِيهِ ضِمْنًا لا قَصْدًا بِالْوَضْعِ.
وَيَتَسَاوَيَانِ فِي صِدْقِهِمَا عَلَى صُورَةِ الأَسَدِ، إلاَّ أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ وُضِعَ لَهَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا بِاسْتِحْضَارِهَا فِي الذِّهْنِ، وَاسْمَ الْجِنْسِ وُضِعَ لَهَا مِنْ حَيْثُ عُمُومُهَا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: واحد. ٣ في ش ز: فالمتعدد.
[ ١ / ١٤٨ ]