وَأَصْلُهَا: لِغْوَةٌ، عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٌ. مِنْ لَغَوْت: إذَا تَكَلَّمْت. وَهِيَ تَوْقِيفٌ وَوَحْيٌ، لا اصْطِلاحٌ وَتَوَاطُؤٌ عَلَى الأَشْهَرِ١. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى وَكِيعٌ٢ فِي "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ٣ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ٤. قَالَ "عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ. حَتَّى عَلَّمَهُ الْقَصْعَةَ وَالْقُصَيْعَةَ، وَالْفَسْوَةَ وَالْفُسَيَّةَ"٥ وَلِمَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ٦ فِي "تَفْسِيرِهِ" مِنْ
_________________
(١) ١ انظر تحقيق مسألة اللغة هل هي توقيف أم اصطلاح في "المزهر ١/ ١٦ وما بعدها، المستصفى ١/ ٣١٨ وما بعدها، إرشاد الفحول ص١٢ وما بعدها، المسودة ص٥٦٢، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦٩ وما بعدها، نهاية السول ١/ ٢١١، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٩٤ وما بعدها، الخصائص ١/ ٤٠ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٧٣ وما بعدها، الصاحبي ص٣١ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ١٨٣، التمهيد للأسنوي ص٣١". ٢ هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، الإمام الحافظ الثبت، محدث العراق. قال أحمد: "ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع". أشهر مصنفاته "التفسير" توفي سنة ١٩٧هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٥٧، طبقات الحنابلة ١/ ٣٩١، شذرات الذهب ١/ ٣٤٩". ٣ هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ، حبر الأمة، وترجمان القرآن، وأحد الستة المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ، دعا له النبي ﵊ بقوله "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" توفي بالطائف سنة ٦٨هـ. "انظر ترجمته في الإصابة ٢/ ٢٣٢، الاستيعاب ٢/ ٣٥٠، شذرات الذهب ١/ ٧٥، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٣٢، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٧٤". ٤ الآية ٣١ من البقرة. ٥ تفسير الطبري ١/ ٢١٥. ٦ هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام الجليل والمجتهد المطلق. قال الخطيب البغدادي: "كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم مالم يشاركه فيه أحد من أهل عصره". له كتاب "التفسير" و"التاريخ" و"اختلاف العلماء" و"التبصير في أصول الدين" وغيرها. توفي سنة ٣١٠هـ. "نظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣/ ٣٣٢، طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ١٢٠، شذرات الذهب ٢/ ٢٦٠، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٧٨، المنتظم ٦/ ١٧٠".
[ ١ / ٩٧ ]
طَرِيقِ الضَّحَّاكِ١ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ . قَالَ: "هِيَ هَذِهِ الأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ الآنَ نَحْوُ٢: إنْسَانٌ، دَابَّةٌ، أَرْضٌ، سَهْلٌ، بَحْرٌ، جَبَلٌ، حِمَارٌ. وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ الأَسْمَاءِ٣ وَغَيْرِهَا"٤.
ثُمَّ إنَّ أَلْفَاظَ اللُّغَةِ٥ تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَارِدَةٍ، وَإِلَى مُتَرَادِفَةٍ.
فَالْمُتَوَارِدَةُ: كَمَا تُسَمَّى الْخَمْرُ عُقَارًا. تُسَمَّى٦ صَهْبَاءَ وَقَهْوَةً، وَالسَّبُعَ: لَيْثًا، وَأَسَدًا وَضِرْغَامًا.
وَالْمُتَرَادِفَةُ: هِيَ الَّتِي يُقَامُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظٍ، لَمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ، يَجْمَعُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ، كَمَا يُقَالُ: أَصْلَحَ الْفَاسِدَ. وَلَمَّ الشَّعَثَ، وَرَتَقَ الْفَتْقَ، وَشَعَبَ الصَّدْعَ٧. وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَلِيغُ فِي بَلاغَتِهِ. فَبِحُسْنِ الأَلْفَاظِ وَاخْتِلافِهَا
_________________
(١) ١ هو الضحاك بن مز احم الهلالي، أبو القاسم الخراساني المفسر، روى عنه تفسيره عبيد بن سليمان. توفي سنة ١٠٢هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢١٦، شذرات الذهب ١/ ١٢٤". ٢ ساقطة من ش ز ع. ٣ في ش: الأمم. ٤ تفسير الطبري ١/ ٢١٥. ٥ أي التي بمعنى واحد. "المزهر ١/ ٤٠٦". ٦ في ش: تسميه. ٧ تقسيم الألفاظ التي بمعنى واحد إلى متواردة ومترادفة قاله الكيا الهراسي في تعليقته في الأصول، ونقله عنه السيوطي في المزهر وقال عنه: إنه تقسيم غريب. "انظر المزهر ١/ ٤٠٦".
[ ١ / ٩٨ ]
عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ تُرَصَّعُ الْمَعَانِي فِي الْقُلُوبِ، وَتَلْتَصِقُ بِالصُّدُورِ، وَتَزِيدُ حُسْنَهُ وَحَلاوَتَهُ بِضَرْبِ الأَمْثِلَةِ وَالتَّشْبِيهَاتِ الْمَجَازِيَّةِ١.
ثُمَّ تَنْقَسِمُ الأَلْفَاظُ أَيْضًا إلَى مُشْتَرَكَةٍ، وَإِلَى عَامَّةٍ مُطْلَقَةٍ، - وَتُسَمَّى مُسْتَغْرِقَةً- وَإِلَى مَا هُوَ مُفْرَدٌ بِإِزَاءِ مُفْرَدٍ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ٢.
وَالدَّاعِي إلَى ذِكْرِ اللُّغَةِ هَاهُنَا: لِكَوْنِهَا مِنْ الأُمُورِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْهَا هَذَا الْعِلْمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الاسْتِدْلال مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلُ الإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، وَكَانَا أَفْصَحَ الْكَلامِ الْعَرَبِيِّ: اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ لُغَةِ الْعَرَبِ، لِتَوَقُّفِ الاسْتِدْلالِ مِنْهُمَا عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَنْ سَبَقَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، إنَّمَا كَانَ مَبْعُوثًا لِقَوْمِهِ خَاصَّةً فَهُوَ مَبْعُوثٌ بِلِسَانِهِمْ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ مَبْعُوثٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. فَلِمَ لَمْ يُبْعَثْ بِجَمِيعِ الأَلْسِنَةِ، وَلَمْ يُبْعَثْ إلاَّ بِلِسَانِ بَعْضِهِمْ، وَهُمْ الْعَرَبُ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ بُعِثَ بِلِسَانِ جَمِيعِهِمْ، لَكَانَ كَلامُهُ خَارِجًا عَنْ الْمَعْهُودِ، وَيَبْعُدُ بَلْ يَسْتَحِيلُ - أَنْ تَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مُكَرَّرَةً بِكُلِّ الأَلْسِنَةِ. فَيَتَعَيَّنُ الْبَعْضُ. وَكَانَ لِسَانُ الْعَرَبِ أَحَقَّ، لأَنَّهُ أَوْسَعُ وَأَفْصَحُ، وَلأَنَّهُ لِسَانُ الْمُخَاطَبِينَ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.
_________________
(١) ١ انظر المزهر ١/ ٣٧. ٢ انظر المزهر ١/ ٣٨. ٣ في ش: مثلهم.
[ ١ / ٩٩ ]
وَلَمَّا خَلْقَ اللَّهُ تَعَالَى النَّوْعَ الإِنْسَانِيَّ، وَجَعَلَهُ مُحْتَاجًا لأُمُورٍ لا يَسْتَقِلُّ بِهَا، بَلْ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْمُعَاوَنَةِ: كَانَ لا بُدَّ لِلْمُعَاوِنِ مِنْ الاطِّلاعِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْمُحْتَاجِ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: مِنْ لَفْظٍ، أَوْ إشَارَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مِثَالٍ أَوْ نَحْوِهِ١.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَ "اللُّغَةُ" فِي الدَّلالَةِ عَلَى ذَلِكَ "أَفْيَدُ" أَيْ أَكْثَرُ فَائِدَةً "مِنْ غَيْرِهَا" لأَنَّ اللَّفْظَ يَقَعُ عَلَى الْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ، وَالْحَاضِرِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ "وَأَيْسَرُ لِخِفَّتِهَا" لأَنَّ الْحُرُوفَ كَيْفِيَّاتٌ تَعْرِضُ لِلنَّفَسِ الضَّرُورِيِّ، فَلا يَتَكَلَّفُ لَهَا مَا يَتَكَلَّفُ لِغَيْرِهَا٢.
"وَسَبَبُهَا" أَيْ سَبَبُ وَضْعِهَا "حَاجَةُ النَّاسِ" إلَيْهَا. قَالَ٣ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ٤: "إنَّ الإِنْسَانَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ فِي مُهِمَّاتِهِ وَمُقِيمَاتِ مَعَاشِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَسْتَرْفِدَ الْمُعَاوَنَةَ٥ مِنْ غَيْرِهِ * وَلِهَذَا الْمَعْنَى اتَّخَذَ النَّاسُ الْمُدُنَ لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَعَاوَنُوا"٦. انْتَهَى.
_________________
(١) ١ انظر إرشاد الفحول ص١٤، نهاية السول ١/ ٢٠٨. ٢ انظر المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦١، نهاية السول ١/ ٢٠٥، إرشاد الفحول ص١٤. ٣ من هنا حتى نص الماوردي في الصفحة التالية ساقطة من ز. ٤ هو على بن محمد بن علي، أبو الحسن، عماد الدين الطبري المعروف بالكِيَا الهرّاسي، أحد فحول العلماء فقهًا وأصولًا وجدلًا وحفضًا للحديث. له كتاب في أصول الفقه وله كتاب في الجدل سماه "شفاء المسترشدين" وله كتب غيرها. توفي سنة ٥٠٤هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٢/ ٤٤٨، طبقات الشافعية للسبكي ٧/ ٢٣١، شذرات الذهب ٤/ ٨، المنتظم ٩/ ١٦٧". ٥ في ش ع: المعاون. ٦ انظر المزهر ١/ ٣٦.
[ ١ / ١٠٠ ]
قَالَ: بَعْضُهُمْ ١: "وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَوَزَّعَتْ الصَّنَائِعُ وَانْقَسَمَتْ الْحِرَفُ عَلَى٢ الْخَلْقِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ قَصَرَ وَقْتَهُ عَلَى حِرْفَةٍ يَسْتَقِلُّ٣ بِهَا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ بِجُمْلَةِ مَقَاصِدِهِ. فَحِينَئِذٍ لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ حَاجَتِهِ حَاضِرَةً ٤ عِنْدَهُ أَوْ غَائِبَةً بَعِيدَةً عَنْهُ. فَإِنْ ٤ ٥ كَانَتْ حَاضِرَةً ٥ أَشَارَ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَدُلَّ بِشَيْءٍ٦ عَلَى مَحَلِّ حَاجَتِهِ. فَوَضَعُوا الْكَلامَ دَلالَةً، وَوَجَدُوا٧ اللِّسَانَ أَسْرَعَ الأَعْضَاءِ حَرَكَةً وَقَبُولًا لِلتَّرْدَادِ، وَكَانَ الْكَلامُ إنَّمَا يَدُلُّ بِالصَّوْتِ. وَكَانَ الصَّوْتُ إنْ تُرِكَ سُدًى، امْتَدَّ وَطَالَ، وَإِنْ قُطِعَ تَقَطَّعَ، قَطَّعُوهُ٨ وَجَزَّءُوهُ عَلَى حَرَكَاتِ أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الصَّوْتُ، - وَهِيَ مِنْ أَقْصَى الرِّئَةِ إلَى مُنْتَهَى الْفَمِ-. فَوَجَدُوهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفًا، قَسَّمُوهَا عَلَى الْحَلْقِ وَالصَّدْرِ، وَالشَّفَةِ وَاللِّثَةِ.
ثُمَّ لَمَّا رَأَوْا٩ أَنَّ الْكِفَايَةَ١٠ لا تَقَعُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ رَكَّبُوا مِنْهَا ثُنَائِيًّا وَثُلاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا وَخُمَاسِيًّا وَاسْتَثْقَلُوا١١ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ"١٢.
_________________
(١) * ساقطة من ش. ٢ في ش: إلى. ٣ في ب: يشتغل. ٤ ساقطة من ش. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ض: شيئًا. ٧ في ش: وجعلوا. ٨ في ش: قطعوه. ٩ في ش: رئي. ١٠ في ش: الكناية. ١١ فلم يضعوا كلمة أصلية زائدة على خمس أحرف إلا بطريق الإلحاق والزيادة لحاجة. "المزهر ١/ ٣٧". ١٢ انظر المزهر ١/ ٣٦ وما بعدها.
[ ١ / ١٠١ ]
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: "وَإِنَّمَا كَانَ نَوْعُ الإِنْسَانِ أَكْثَرَ حَاجَةً مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، لأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عَنْ جِنْسِهِ. أَمَّا الإِنْسَانُ: فَمَطْبُوعٌ عَلَى الافْتِقَارِ إلَى جِنْسِهِ فِي الاسْتِعَانَةِ، فَهُوَ صِفَةٌ لازِمَةٌ لِطَبْعِهِ وَخَلْقِهِ، قَائِمَةٌ فِي جَوْهَرِهِ".
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: "سَبَبُ وُجُودِهَا. حَاجَةُ النَّاسِ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ مُرَادَ بَعْضٍ لِلتَّسَاعُدِ١ وَالتَّعَاضُدِ٢ بِمَا لا مُؤْنَةَ فِيهِ لِخِفَّتِهَا، وَكَثْرَةِ فَائِدَتِهَا، وَلا مَحْذُورَ. وَهَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ. فَمِنْ تَمَامِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا: أَنْ جَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ دُونَ غَيْرِهِ"٣.
"وَهِيَ" أَيْ وَحَقِيقَةُ اللُّغَةِ "أَلْفَاظٌ وُضِعَتْ لِمَعَانٍ" يُعَبِّرُ بِهَا كُلُّ قَوْمٍ عَنْ أَغْرَاضِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ الْمُهْمَلُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنًى٤.
"فَمَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ" أَيْ فَالْمَعْنَى الَّذِي يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ إلَى الاطِّلاعِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ دَائِمًا، كَطَلَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَلَمِ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ "وَالظَّاهِرُ: أَوْ كَثُرَتْ" حَاجَتُهُ إلَيْهِ. كَالْمُعَامَلاتِ "لَمْ تَخْلُ مِنْ" وَضْعِ "لَفْظٍ لَهُ".
"وَيَجُوزُ خُلُوُّهَا مِنْ لَفْظٍ لِعَكْسِهِمَا٥" وَهُمَا٦: مَا لا يُحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، أَوْ تَقِلُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ.
_________________
(١) ١ في ز: للمساعد. ٢ في ش: والتضاد. وفي ز: والمعاضد. ٣ انظر العضد على ابن الحاجب ١/ ١١٥، المحلي على جمع الجوالمع ١/ ٢٦١. ٤ انظر إرشاد الفحول ص١٤، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦١. ٥ في ش ب: كعكسهما. وفي ع ض: لعكسها. ٦ في ع: وهي.
[ ١ / ١٠٢ ]
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقَنَّعِهِ": مَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ لَمْ تَخْلُ اللُّغَةُ١ مِنْ لَفْظٍ يُفِيدُهُ، وَمَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ غَالِبًا. فَالظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا عَنْهُ٢، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ" انْتَهَى.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَحَاصِلُهُ٣ أَنَّ مَعَنَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا احْتَاجَهُ النَّاسُ وَاضْطُرُّوا إلَيْهِ. فَلا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَضْعِهِ.
الثَّانِي: عَكْسُهُ؛ مَا لا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ، وَخُلُوُّهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَكْثَرَ.
الثَّالِثُ: مَا كَثُرَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، الظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا، بَلْ هُوَ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ.
الرَّابِعُ: عَكْسُهُ؛ مَا قَلَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ٤، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ.
"وَالصَّوْتُ" الْحَاصِلُ عِنْدَ اصْطِكَاكِ الأَجْرَامِ "عَرَضٌ مَسْمُوعٌ" وَسَبَبُهُ انْضِغَاطُ الْهَوَاءِ بَيْنَ الْجِرْمَيْنِ، فَيَتَمَوَّجُ تَمَوُّجًا شَدِيدًا، فَيَخْرُجُ، فَيَقْرَعُ٥ صِمَاخَ الأُذُنِ، فَتُدْرِكُهُ قُوَّةُ السَّمْعِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: منه. ٣ ساقطة من ب. ٤ في ش ز: منه. ٥ في ب: يقرع. وفي ز: ليقرع.
[ ١ / ١٠٣ ]
فَصَوْتُ الْمُتَكَلِّمِ: عَرَضٌ حَاصِلٌ عَنْد١ اصْطِكَاكِ٢ أَجْرَامِ الْفَمِ - وَهِيَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ- وَدَفْعُ٣ النَّفَسِ لِلْهَوَاءِ، مُتَكَيِّفًا٤ بِصُورَةِ كَلامِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى أُذُنِ السَّامِعِ.
وَقَوْلُهُمْ "الصَّوْتُ عَرَضٌ"، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الأَعْرَاضِ، وَقَوْلُهُمْ "مَسْمُوعٌ" أخَرَجَ٥ جَمِيعُهَا، إلاَّ مَا يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ.
"قُلْت: بَلْ" الأَخْلَصُ فِي الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: الصَّوْتُ "صِفَةٌ مَسْمُوعَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ".
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَإِنَّمَا بَدَأْنَا٦ بِالصَّوْتِ؛ لأَنَّهُ الْجِنْسُ الأَعْلَى لِلْكَلامِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلامِ عَلَيْهِ.
"وَاللَّفْظُ" فِي اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، وَفِي الاصْطِلاحِ "صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى بَعْضِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ" لأَنَّ الصَّوْتَ لِخُرُوجِهِ مِنْ الْفَمِ صَارَ كَالْجَوْهَرِ الْمَرْمِيِّ مِنْهُ. فَهُوَ مَلْفُوظٌ. فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِمْ٧: نَسْجُ الْيَمِينِ: أَيْ مَنْسُوجُهُ.
_________________
(١) ١ في ش ز ع: عن. ٢ في ش: انصكاك. ٣ في ع ض: ورفع. ٤ في ش: مكيفًا. وفي ع: متكيف. ٥ في جميع النسخ: خرج. ٦ في ش: بدأ. ٧ في ش: كقوله.
[ ١ / ١٠٤ ]
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاللَّفْظُ الاصْطِلاحِيُّ: نَوْعٌ لِلصَّوْتِ، لأَنَّهُ صَوْتٌ مَخْصُوصٌ. وَلِهَذَا أُخِذَ الصَّوْتُ فِي حَدِّ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي حَدِّ الشَّيْءِ جِنْسُ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
"وَالْقَوْلُ" فِي اللُّغَةِ: مُجَرَّدُ النُّطْقِ، وَفِي الاصْطِلاحِ: "لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى ذِهْنِيٍّ". لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ أَعَمَّ مِنْ الْقَوْلِ لِشُمُولِهِ الْمُهْمَلَ، وَالْمُسْتَعْمَلَ أُخْرِجَ١ الْمُهْمَلُ بِقَوْلِهِ "وُضِعَ لِمَعْنًى".
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ "وُضِعَ لِمَعْنًى" عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ٢.
أَحَدُهَا: مَا فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الذِّهْنِيُّ؛ وَهُوَ مَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ، سَوَاءً طَابَقَ مَا فِي الْخَارِجِ أَوْ لا، لِدَوَرَانِ الأَلْفَاظِ مَعَ الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا٣.
وَهَذَا٤ الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الرَّازِيّ٥ وَأَتْبَاعُهُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ مِنْ أَصْحَابِنَا.
_________________
(١) ١ في ش: خرج. ٢ انظر تفصيل الكلام على هذه الأقوال في "المزهر ١/ ٤٣، نهاية السول ١/ ٢٠٦، إرشاد الفحول ص١٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢٦٦، وما بعدها". ٣ فإنْ من رأى شبحًا من بعيد، وظنه حجرًا، أطلق عليه لفظ الحجر. فإذا دنا منه، وظنه شجرًا، أطلق عليه لفظ الشجر. فإذا دنا منه وظنه فرسًا، أطلق عليه اسم الفرس. فإذا تحقق أنه إنسان، أطلق عليه لفظ الإنسان. فبان بهذا أن إطلاق اللفظ دائر مع المعاني الذهنية دون الخارجية. فَدَلَّ على أن الوضع للمعنى الذهبي لا الخارجي. وأجيب عن هذا بأنه إنما دار مع المعاني الذهنية لاعتقاد أنها في الخارج كذلك. لا لمجرد اختلافها في الذهن. "انظر المزهر ١/ ٤٢، نهاية السول ١/ ٢٠٦، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦٦". ٤ ساقطة من ش. ٥ هو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي الشافعي، المعروف بابن الخطيب. قال الداودي عنه: "المفسر المتكلم، إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكروة" أشهر مؤلفاته "التفسير" و"المحصول" و"المعالم" في أصول الفقه و"المطالب العالية" و"نهاية العقول" في أصول الدين. توفي سنة ٦٠٦هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٨١، وفيات الأعيان ٣/ ٣٨١، شذرات الذهب ٥/ ٢١، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٢١٤".
[ ١ / ١٠٥ ]
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى١ الْخَارِجِيِّ، أَيْ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ. وَبِهِ قَطَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ٢.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْ غَيْرِ مُلاحَظَةِ كَوْنِهِ٣ فِي الذِّهْنِ، أَوْ فِي الْخَارِجِ. وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ٤.
وَمَحَلُّ الْخِلافُ فِي الاسْمِ النَّكِرَةِ٥.
_________________
(١) ١ في ض: لمعنى. ٢ هو ابراهيم بن علي بن يوسف، جمال الدين الفيروز ابادي الشافعي. قال النووي: "الإمام المحقق المتقن المدقق، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات والتصانيف النافعة المستجادات". أشهر مصنفاته "المهذب" و"التنبيه" في الفقه و"النكت" في الخلاف و"اللمع" وشرحه و"التبصرة" في أصول الفقه. توفي سنة ٤٧٦هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٤/ ٢١٥، شذرات الذهب ٣/ ٣٤٩، وفيات الأعيان ١/ ٩، المنتظم ٩/ ٧، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٧٢". ٣ ساقطة من ش. ٤ هو على بن عبد الكافي بن علي، أبو الحسن، تقي الدين السبكي الشافعي. كان فقيهًا أصوليًا مفسرًا محققًا مدققًا نظّارًا جدليًا بارعًا في العلوم، له في الفقه وغيره الاستنباطات الجليلة والدقائق اللطيفة والقواعد المحررة التي لم يسبق إليها. أشهر كتبه "التفسير" و"الابتهاج في شرح المنهاج" في الفقه و"شفاء السقام في زيادة خير الأنام". توفي سنة ٧٥٦هـ. "انظر ترجمته في الدرر الكامنة ٣/ ١٣٤، شذرات الذهب ٦/ ١٨٠، بغية الوعاة ٢/ ١٧٦، البدر الطالع ١/ ٤٦٧، طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٤٢". ٥ لأن المعرفة منه ما وضع للمعنى الخارجي ومنه ما وضع للذهني. "المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦٧".
[ ١ / ١٠٦ ]
"وَالْوَضْعُ" نَوْعَانِ١.
وَضْعٌ "خَاصٌّ: وَهُوَ جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى" الْمَوْضُوعِ لَهُ، أَيْ جَعْلُ اللَّفْظِ مُتَهَيِّئًا لأَنْ يُفِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَقَوْلُنَا "وَلَوْ مَجَازًا" لِيَشْمَلَ٢ الْمَنْقُولَ مِنْ شَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ٣. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
"وَ" نَوْعٌ "عَامٌّ، وَهُوَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. كَالْمَقَادِيرِ" أَيْ كَجَعْلِ الْمَقَادِيرِ دَالَّةً عَلَى مُقَدَّرَاتِهَا مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ٤ وَغَيْرِهَا٥.
وَفِي كِلا النَّوْعَيْنِ الْوَضْعُ: أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاضِعِ.
"وَالاسْتِعْمَالُ إطْلاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى" أَيْ إرَادَةُ مُسَمَّى اللَّفْظِ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ، أَوْ غَيْرِ مُسَمَّاهُ لِعَلاقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَجَازُ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ٦.
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الوضع وأنواعه وشروطه في "المزهر ١/ ٣٨، ٣٩، ٤٦، شرح تنقيح الفصول ص٢٠ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٢٦٤، التعريفات للجرجاني ص٢٧٣، نهاية السول ١/ ٢٩٦". ٢ في ع ض: يشمل. ٣ أما الشرعي فنحو الصلاة والصيام والحج. وأما العرفي فهو نوعان: عرفي عام: نحو الدابة. وعرفي خاص: نحو الجوهر والعرض عند المتكلمين. وقد سمي العرف خاصًا لاختصاصه ببعض الفرق كالمتكلمين والنحاة وما إلى ذلك. بخلاف العرف العام، فإنه يعم الجميع. والمراد بالوضع في هذه المنقولات غلبة استعمال اللفظ في المعنى المنقول إليه، حتى يصير هو المتبادر إلى الذهن، ولا يحمل على غيره إلا بقرينة. فتصير المنقولات حقائق عرفية وشرعية مع كونها مجازات لغوية. "انظر شرح تنقيح الفصول ص٢٠ وما بعدها". ٤ في ش: ومزروع. ٥ في ش: وغيرهما. ٦ انظر شرح تنقيح الفصول ص٢٠، نهاية السول ١/ ٢٩٦.
[ ١ / ١٠٧ ]
"وَالْحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ" أَوْ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُرَادِهِ. فَالْمُرَادُ: كَاعْتِقَادِ الْحَنْبَلِيِّ وَالْحَنَفِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِلَفْظِ الْقُرْءِ: الْحَيْضَ، وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِهِ: الطُّهْرَ١. وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ السَّامِعِ٢.
فَالْوَضْعُ سَابِقٌ، وَالْحَمْلُ لاحِقٌ، وَالاسْتِعْمَالُ مُتَوَسِّطٌ.
"وَهِيَ" أَيْ اللُّغَةُ نَوْعَانِ٣:
"مُفْرَدٌ، كَزَيْدٍ، وَمُرَكَّبٌ، كَعَبْدِ اللَّهِ" أَمَّا الْمُفْرَدُ، فَلا نِزَاعَ فِي وَضْعِ الْعَرَبِ لَهُ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ اللُّغَةِ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، وَأَنَّ الْمُرَكَّبَ مُرَادِفٌ لِلْمُؤَلَّفِ، لِتَرَادُفِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُفْرَدَ فِي اصْطِلاحِ النُّحَاةِ: هُوَ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ، كَمَا مَثَّلْنَا فِي الْمَتْنِ، وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ: لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى، وَلا جُزْءَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ٤ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ٥. فَشَمِلَ ذَلِكَ٦ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ٧:
الأَوَّلُ: مَا لا جُزْءَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، كَبَاءِ الْجَرِّ.
_________________
(١) ١ وأما المشتمل على المراد فنحو حمل الشافعي اللفظ المشترك على جملة معانيه عند تجرده عن القرئن، لاشتماله على مراد المتكلم احتياطيًا. "شرح تنقيح الفصول ص٢١". ٢ انظر تفصيل الكلام على الحمل في "شرح تنقيح الفصول ص٢٠-٢٢، نهاية السول ١/ ٢٩٦". ٣ في ز: منها. وفي ع: نوعان منها. ٤ ساقطة من ش. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ انظر تفصيل الكلام على هذه الأقسام الأربعة في "تحرير القواعد المنطقية وحاشية الجرجاني عليه ص٣٣ وما بعدها، فتح الرحمن وحاشية العليمي عليه ص٤٩ وما بعدها، شرح الأنصاري على إيساغوجي وحاشية عليش عليه ص٣٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ١٤".
[ ١ / ١٠٨ ]
الثَّانِي: مَا لَهُ جُزْءٌ، وَلَكِنْ لا يَدُلُّ مُطْلَقًا١، كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ.
الثَّالِثُ: مَا لَهُ جُزْءٌ يَدُلُّ، لَكِنْ لا عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى. كَإِنْ مِنْ حُرُوفِ إنْسَانٍ؛ فَإِنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَتْ بِانْفِرَادِهَا٢ تَدُلُّ عَلَى الشَّرْطِ أَوْ النَّفْيِ.
الرَّابِعُ: مَا لَهُ جُزْءٌ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى، لَكِنْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَضْعِ كَقَوْلِنَا: "حَيَوَانٌ نَاطِقٌ" عَلَمًا عَلَى شَخْصٍ.
وَاعْلَمْ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَكَّبَ عِنْدَ النُّحَاةِ: مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ، فَشَمِلَ التَّرْكِيبَ الْمَزْجِيَّ، كَبَعْلَبَكّ، وَسِيبَوَيْهِ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَنَحْوِهَا، وَالْمُضَافَ، وَلَوْ عَلَمًا، كَمَا مَثَّلْنَا فِي الْمَتْنِ.
وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ: مَا دَلَّ ٣ جُزْؤُهُ عَلَى ٣ جُزْءِ مَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ، فَشَمِلَ الإِسْنَادِيَّ، كَقَامَ زَيْدٌ، وَالإِضَافِيَّ: كَغُلامِ زَيْدٍ، وَالتَّقْيِيدِيَّ، كَزَيْدٍ الْعَالِمِ٤.
وَأَمَّا نَحْوُ "يَضْرِبُ" فَمُفْرَدٌ عَلَى مَذْهَبِ النُّحَاةِ، وَمُرَكَّبٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ؛ لأَنَّ الْيَاءَ مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمُضَارَعَةُ٥.
"وَالْمُفْرَدُ" ٦ مِنْ حَيْثُ هُوَ ٦ قِسْمَانِ:
_________________
(١) ١ أي على معنى. ٢ في ش: بايرادها. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ش: العلم. ٥ انظر تفصيل الكلام على المفرد والمركب في الاصطلاحين في "العضد على ابن الحاجب وحواشيه ١/ ١١٧ وما بعدها، تحرير القواعد المنطقية ص٣٣ وما بعدها، فتح الرحمن ص٤٩ وما بعدها، نهاية السول ١/ ٢٢٣ وما بعدها". ٦ ساقطة من ز.
[ ١ / ١٠٩ ]
قِسْمٌ١ "مُهْمَلٌ": كَأَسْمَاءِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ؛ لأَنَّ مَدْلُولاتِهَا هِيَ٢ عَيْنُهَا. فَإِنَّ مَدْلُولَ الأَلِفِ: "أَ" وَمَدْلُولَ الْبَاءِ "بَ". وَهَكَذَا إلَى آخِرِهَا. وَهَذِهِ الْمَدْلُولاتُ لَمْ تُوضَعْ بِإِزَاءِ شَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ٣ وَغَيْرُهُ: أَلا تَرَى أَنَّ الصَّادَ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْحَرْفِ، وَهُوَ مُهْمَلٌ، لا مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّمُهُ الصِّغَارُ فِي الابْتِدَاءِ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ!
"وَ" قِسْمٌ "مُسْتَعْمَلٌ"٤.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: "فَـ" الْمُفْرَدُ الْمُسْتَعْمَلُ "إنْ اسْتَقَلَّ٥ بِمَعْنَاهُ. فَإِنْ٦ دَلَّ بِهَيْئَتِهِ٧ عَلَى زَمَنٍ" مِنْ الأَزْمِنَةِ "الثَّلاثَةِ" وَهِيَ الْمَاضِي وَالْحَالُ وَالاسْتِقْبَالُ٨ "فَـ" ـهُوَ "الْفِعْلُ"٩
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ع: هو. ٣ هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين، ولي الدين، أبو زرعة بن الحافظ زين الدين العراقي الشافعي. كام عالمًا بارعًا بالحديث وعلومه والفقه وأصوله واللغة وفنونها. من كتبه "شرح جمع الجوامع" و"شرح المنهاج" في أصول الفقه و"شرح البهجة" و"مختصر المهذب" و"النكت" في الفقه و"مختصر الكشاف" في التفسير مع تخريج أحاديثه. توفي سنة ٨٢٦هـ. "انظر ترجمته في المنهال الصافي ١/ ٣١٢، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٤٩، شذرات الذهب ٧/ ١٧٣، البدر الطالع ١/ ٧٢". ٤ وهو ما دلّ على معنى، بخلاف المهمل، فإنه لا يدل على معنى. "انظر تفصيل الكلام على المفرد المهمل والمستعمل في همع الهومع ١/ ٣١، الصاحبي ص٨٢، نهاية السول ١/ ٢٤٣، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦٣، فتح الرحمن ص٤٩، اللمع ص٤". ٥ في ز: استعمل. ٦ في ز: ودل. ٧ في ع: بهيئة. ٨ في ع ز ض: والمستقبل. ٩ انظر همع الهوامع ١/ ٦، ١٥ وما بعدها، تسهيل الفوائد ص٣-٦، الصاحبي ص٨٥، الإحكام للآمدي ١/ ٦٠، التعريفات للجرجاني ص١٧٥.
[ ١ / ١١٠ ]
"هُوَ"١ أَيْ الْفِعْلُ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: "مَاضٍ" كَقَامَ وَنَحْوِهِ "وَيَعْرِضُ لَهُ الاسْتِقْبَالُ بِالشَّرْطِ" نَحْوَ: "إنْ قَامَ زَيْدٌ قُمْت". فَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلْمَاضِي، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُ٢.
"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: "مُضَارِعٌ" كَيَقُومُ وَنَحْوِهِ "وَيَعْرِضُ لَهُ الْمُضِيُّ بِلَمْ" نَحْوَ: "لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ". فَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ. وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ الْمُضَارِعُ مَذَاهِبُ خَمْسَةٌ٣:
الْمَشْهُورُ مِنْهَا: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ٤: إلاَّ أَنَّ الْحَالَ يَتَرَجَّحُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ٥.
الثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، مَجَازٌ فِي الاسْتِقْبَالِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الاسْتِقْبَالِ، مَجَازٌ فِي الْحَالِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، وَلا يُسْتَعْمَلُ فِي الاسْتِقْبَالِ أَصْلًا، لا حَقِيقَةً وَلا مَجَازًا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر تفصيل الكلام على هذه المذاهب في "همع الهوامع للسيوطي ١/ ١٧، التمهيد للأسنوي ص٣٣". ٤ هو محمد بن عبد الله بن عبد الله، جمال الدين الطائي الجيّاني الشافعي، الإمام الحجة في اللغة والنحو والصرف والقراءات وعللها وأشعار العرب. من تصانيفه "تسهيل الفوائد" في النحو و"الكافية الشافعية" و"إعراب مشكل البخاري" وغيرها. توفي سنة ٦٧٢هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٦٧، فوات الوفيات ٢/ ٤٥٢، بغية الوعاة ١/ ١٣٠، شذرات الذهب ٥/ ٣٣٩، البلغة ص٢٢٩". ٥ تسهيل الفوائد ص٥.
[ ١ / ١١١ ]
الْخَامِسُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الاسْتِقْبَالِ، وَلا يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَالِ أَصْلًا، لا حَقِيقَةً وَلا مَجَازًا. وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ، فَمَجَازٌ وِفَاقًا.
"وَأَمْرٌ" أَيْ وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الأَفْعَالِ: فِعْلُ١ الأَمْرِ٢ كَقُمْ.
"وَتَجَرُّدُهُ" أَيْ تَجَرُّدُ الْفِعْلِ "عَنْ الزَّمَانِ" أَيْ عَنْ أَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ "لِلإِنْشَاءِ" كَزَوَّجْتُ وَقَبِلْت "عَارِضٌ" بِوَضْعِ الْعُرْفِ.
"وَقَدْ يَلْزَمُهُ" أَيْ يَلْزَمُ الْفِعْلَ التَّجَرُّدُ٣ عَنْ٤ الزَّمَانِ "كَعَسَى" فَإِنَّهُ وُضِعَ أَوَّلًا لِلْمَاضِي، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ قَطُّ، بَلْ فِي الإِنْشَاءِ. قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَكَذَا "حَبَّذَا" فَإِنَّهُ لا مَعْنَى لَهَا فِي الأَزْمِنَةِ.
"وَقَدْ" يَتَجَرَّدُ الْفِعْلُ عَنْ الزَّمَانِ وَ"لا" يَلْزَمُهُ التَّجَرُّدُ٥ "كَنِعْمَ" وَبِئْسَ، فَإِنَّهُمَا تَارَةً يُسْتَعْمَلانِ عَلَى أَصْلِهِمَا، كَـ"نِعْمَ زَيْدٌ أَمْسِ"، "وَبِئْسَ زَيْدٌ أَمْسِ". وَتَارَةً يُسْتَعْمَلانِ لا بِنَظَرٍ إلَى زَمَانٍ، بَلْ لِقَصْدِ٦ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ مُطْلَقًا كَنِعْمَ زَيْدٌ، وَبِئْسَ زَيْدٌ.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الْمُفْرَدُ الْمُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَاهُ٧ بِهَيْئَتِهِ عَلَى أَحَدِ الأَزْمِنَةِ "فَـ" ـهُوَ "الاسْمُ"٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. ٢ في ش: أمر. ٣ في ب: تجرد. ٤ في ع: من. ٥ في ب: تجرد. ٦ في ش: بقصد. وفي ب: لمقصد. ٧ في ش ب: بمعناه و. ٨ انظر في الكلام على الاسم "همع الهوامع ١/ ٧ وما بعدها، الصاحبي ص٨٢، فتح الرحمن ص٥٠، اللمع ص٤، تسهيل الفوئد ص٣، شرح العضد وحاشية الجرجاني عليه ١/١٢٠، التعريفات للجرجاني ص٢٤". وفي ض: اسم.
[ ١ / ١١٢ ]
فَصَبُوحٌ١، وَغَبُوقٌ٢. وَأَمْسُ، وَغَدٌ: وَضَارِبُ أَمْسِ، وَضَارِبُ الْيَوْمِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ: يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الزَّمَانِ، لَكِنْ لَمْ يَدُلَّ وَضْعًا، بَلْ لِعَارِضٍ٣. كَاللَّفْظِ بِالاسْمِ وَمَدْلُولِهِ. فَإِنَّهُ لازِمٌ كَالْمَكَانِ، وَنَحْوُ: صَهٍ، دَلَّ عَلَى "اُسْكُتْ" وَبِوَاسِطَتِهِ عَلَى سُكُوتٍ مُقْتَرِنٍ بِالاسْتِقْبَالِ٤.
وَالْمُضَارِعُ إنْ قِيلَ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ، فَوَضْعُهُ لأَحَدِهِمَا، وَاللُّبْسُ عِنْدَ السَّامِعِ.
"وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ" اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ بِمَعْنَاهُ، كَعَنْ وَلَنْ "فَـ" ـهُوَ "الْحَرْفُ".
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَدُّ "وَهُوَ: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ" لِيَخْرُجَ الاسْمُ وَالْفِعْلُ٥. وَقِيلَ: لا يَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ، لأَنَّ تَرْكَ الْعَلامَةِ لَهُ٦ عَلامَةٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَدَّ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ، وَلا تُعْرَفُ حَقِيقَةٌ بِتَرْكِ تَعْرِيفِهَا.
"وَ" أَمَّا "الْمُرَكَّبُ" ٧ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْضًا ٧ فَقِسْمَانِ:
_________________
(١) ١ الصَبُوح: هو الشرب بالغداة. "فتح الرحمن ص٥٠". ٢ الغَبُوق: هو الشرب بالعشي. "فتح الرحمن ص٥٠". ٣ والعبرة بالدلالة بأصل الوضع. "همع الهوامع ١/ ٨". ٤ لكنّ هذه الدلالة على المعنى المقترنة بزمان معين ليست دلالة وضعية أولية "فتح الرحمن ص٥٠". ٥ انظر في الكلام على الحرف "اللمع ص٤، فتح الرحمن ص٥٠، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٨٥ وما بعدها، تسهيل الفوائد ص٣، التعريقات للجرجاني ص٩٠، الصاحبي ص٨٦، الإحكام للآمدي ١/ ٦١، همع الهوامع ١/ ٦". ٦ ساقطة من ش. ٧ ساقطة من ز.
[ ١ / ١١٣ ]
قِسْمٌ "مُهْمَلٌ": وَهُوَ١ "مَوْجُودٌ" فِي اخْتِيَارِ الْبَيْضَاوِيِّ٢ وَالتَّاجِ السُّبْكِيّ٣. وَمَثَّلاهُ بِالْهَذَيَانِ. فَإِنَّهُ لَفْظٌ مَدْلُولُهُ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُهْمَلٌ٤.
وَقَالَ الرَّازِيّ: وَالأَشْبَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، لأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّرْكِيبِ٥ الإِفَادَةُ٦. وَهَذَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ، لا عَلَى
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ هو عبد الله بن عمر بن محمد، أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي الشافعي. قال الداودي: "كان إمامًا علامة، عارفًا بالفقه والتفسير والأصلين والعربية والمنطق نظّارًا صالحًا" أشهر مصنفاته "مختصر الكشاف" في الفسير، و"المنهاج" وشرحه في أصول الفقه و"الإيضاح" في أصول الدين و"شرح الكافية" لابن الحاجب. توفي سنة ٦٨٥هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٤٢، بغية الوعاة ٢/ ٥٠، شذرات الذهب ٥/ ٣٩٢، طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ١٥٧". ٣ هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، أبو نصر، تاج الدين السبكي الشافعي، الفقيه الأصولي اللغوي، صاحب التصانيف النافعة كـ"شرح منهاج البيصاوي" و"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب" و"جمع الجوامع" وشرحه في أصول الفقه و"الأشباه والنظائر" و"طبقات الفقهاء" الكبرى والوسطى والصغرى. توفي سنة ٧٧١هـ. "انظر ترجمته في الدرر الكامنة ٣/ ٣٩، البدر الطالع ١/ ٤١٠، شذرات الذهب ٦/ ٢٢١". ٤ سواء كان هذا المدلول مركبًا من لفظتين مهملتين أو من لفظة مهملة ولفظة مستعملة، وهو غير دال على المعنى المركب. "حاشية العليمي على فتح الرحمن ص٤٩" وانظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ١٠٢، نهاية السول ١/ ٢٤٣، مناهج العقول ١/ ٢٤١. ٥ في ض: التراكيب. ٦ فإذا انتفت الإفادة فلا تركيب. وكلام الفخر الرازي حَقّ إن عُني بالمركب "ما يكون جزؤه دالًا على جزء المعنى الذي وضع له" إذ لا يتصور بهذا الاعتبار وجود مركب مهمل لا يدل على معنى. أما إذا عُني به "ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه، وما يكون مؤلفًا من لفظين كيف كان التأليف، ولو لم يكن لشيء من أجزائه دلالة" فلا يكون نفي الرازي لوجوده صحيحًا. ولا يخفى أن المصنف في ص١٠٩ عَرَّف المركب بالمعنى الأول، فكان ينبغي عليه أن يختار قول الرازي، لأنه القول المنسجم مع ما اعتمده في تعريف المركب. "انظر العليمي على فتح الرحمن ص٤٩، حاشية البناني ٢/ ١٠٢، نهاية السول ١/ ٢٤٣".
[ ١ / ١١٤ ]
أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اسْمٌ١.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ "لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ قَطْعًا"٢.
"وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: "مُسْتَعْمَلٌ وَضَعَتْهُ" الْعَرَبُ، خِلافًا لِلرَّازِيِّ، وَابْنِ مَالِكٍ وَجَمْعٍ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ وَضْعِهِ: أَنَّ لَهُ قَوَانِينَ فِي الْعَرَبِيَّةِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا، وَمَتَى غُيِّرَتْ حُكِمَ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، كَتَقْدِيمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا فِي غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَكَتَقْدِيمِ الصِّلَةِ أَوْ مَعْمُولِهَا عَلَى الْمَوْصُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَنْحَصِرُ فَحَجَرُوا٣ فِي التَّرْكِيبِ. كَمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ٤.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَزَاهُ غَيْرُهُ إلَى الْجُمْهُورِ٥.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ الْمُرَكَّبَ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ يَعْرِفُ لَفْظَيْنِ لا يَفْتَقِرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا مَعَ إسْنَادٍ إلَى مُعَرَّفٍ لِمَعْنَى الإِسْنَادِ، بَلْ يُدْرِكُهُ ضَرُورَةً٦، [وَ] لأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَكَّبُ مَوْضُوعًا لافْتَقَرَ كُلُّ مُرَكَّبٍ إلَى سَمَاعٍ مِنْ الْعَرَبِ كَالْمُفْرَدَاتِ٧.
_________________
(١) ١ انظر نهاية السول ١/ ٢٤٣. ٢ انظر المحلي علي جمع الجوامع ٢/١٠٢. ٣ ساقطه من ش. ٤فقالوا: من قال "إنَّ قائم زيدًا" فليس من كلامنا، ومن قال "إنَّ زيدًا قائم" فهو من كلامنا، ومن قال "في الدار رجل" فهو من كلامنا، ومن قال "رجل في الدار" فليس من كلامنا إلى مالا نهاية له من تراكيب الكلام. وذلك يدل على تعرضها بالوضع للمركبات. "المزهر ١/ ٤٥". ٥ انظر المزهر ١/ ٤٠-٤٥. ٦ فإن من عرف مسمى "زيد" وعرف مسمى "قائم" وسمع "زيد قائم" بإعرابه المخصوص فهم بالضرورة معنى هذا الكلام، وهو نسبة القيام إلى زيد. "المزهر ١/ ٤٤". ٧ انظر المزهر ١/ ٤٠-٤٤.
[ ١ / ١١٥ ]
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ١: وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أُرِيدَ أَنْوَاعُ الْمُرَكَّبَاتِ فَالْحَقُّ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ أَوْ جُزْئِيَّاتُ النَّوْعِ فَالْحَقُّ الْمَنْعُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى ذَلِكَ٢.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ٣ الْخِلافِ مَا سَيَأْتِي أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ يَكُونُ فِي التَّرْكِيبِ؟ وَأَنَّ الْعَلاقَةَ هَلْ تُشْتَرَطُ فِي آحَادِهِ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
"وَهُوَ" أَيْ الْمُرَكَّبُ الَّذِي وَضَعَتْهُ ٣ الْعَرَبُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: "غَيْرُ جُمْلَةٍ: كَمُثَنَّى" لأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ مُفْرَدِهِ وَمِنْ عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ "وَجَمْعٍ٤" لِتَرَكُّبِهِ٥ مِنْ الْمُفْرَدِ وَعَلامَةِ الْجَمْعِ٦.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الدايم بن موسى النعيمي، شمس الدين البرماوي الشافعي. قال الشوكاني: "كان إمامًا في الفقه وأصوله والعرية وغير ذلك". من كتبه "شرح البخاري" و"شرح العمدة" و"ألفية" وشرحها في أصول الفقه. توفي سنة ٨٣١هـ. "انظر ترجمته في البدر الطالع ٢/ ١٨١، شذرات الذهب ٧/ ١٩٧". ٢ قال الزركشي: "والحق أن العرب إنما وضعت أنواع المركبات، أما جزئيات الأنواع فلا. فوضعت باب الفاعل، لإسناد كل فعلٍ إلى مَنْ صدر منه، أما الفاعل المخصوص فلا. وكذلك باب "إنّ وأخواتها"، أما اسمها المخصوص فلا. وكذلك سائر أنواع التراكيب، وأحالت المعنى على اختيار المتكلم، فإن أراد القائل بوضع المركبات هذا المعنى فصحيح، وإلا فممنوع". "المزهر ١/ ٤٥". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ز ض: وكجمع. ٥ في ش ز ب ض: لتركيبه. ٦ انظر العضد على ابن الحاجب ١/ ١٢٦.
[ ١ / ١١٦ ]
"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: "جُمْلَةٌ، وَتَنْقَسِمُ" الْجُمْلَةُ "إلَى مَا" أَيْ إلَى لَفْظٍ "وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ. وَهُوَ" أَيْ وَاللَّفْظُ الَّذِي وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ هُوَ "الْكَلامُ" لا غَيْرُهُ.
"وَلا يَتَأَلَّفُ" الْكَلامُ "إلاَّ مِنْ اسْمَيْنِ" نَحْوُ "زَيْدٌ قَائِمٌ" "أَوْ" مِنْ "اسْمٍ وَفِعْلٍ" نَحْوُ "قَامَ زَيْدٌ"؛ لأَنَّ الْكَلامَ يَتَضَمَّنُ الإِسْنَادَ، وَهُوَ يَقْتَضِي مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إلَيْهِ.
وَلَمَّا كَانَ الاسْمُ يَصِحُّ١ أَنْ يُسْنَدَ ٢ وَأَنْ يُسْنَدَ ٢ إلَيْهِ، ٣ صَحَّ تَأْلِيفُ الْكَلامِ ٣ مِنْ جِنْسِ الاسْمِ فَقَطْ. وَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ يَصْلُحُ أَنْ يُسْنَدَ، وَلا يَصْلُحُ أَنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ: صَحَّ تَأْلِيفُ الْكَلامِ مِنْهُ٤، إذَا كَانَ مَعَ اسْمٍ لا بِدُونِهِ٥، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْنَدُ وَالْمُسْنَدُ إلَيْهِ "مِنْ" مُتَكَلِّمٍ "وَاحِدٍ" قَالَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ٦.
وَقَالَ جَمْعٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُتَكَلِّمَيْنِ فَأَكْثَرَ، بِأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى٧ أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا الْفِعْلَ وَالآخَرُ الْفَاعِلَ، أَوْ أَحَدُهُمَا الْمُبْتَدَأَ، وَالآخَرُ الْخَبَرَ٨.
_________________
(١) ١ في ش: يصلح. ٢ ساقطة من ش، وفي ع ز: ويسند. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ض: معه. ٥ انظر العضد على ابن الحاجب ١/ ١٢٥، المستصفى ١/ ٣٣٤، الإحكام للآمدي ١/٧٢، همع الهوامع ١/٣٣. ٦ ساقطة من ض. ٧ ساقطة من ز. ٨ حكى السيوطي في إشتراط اتحاد الناطق في الكلام قولين "أحدهما" أنه يشترط كون المسند والمسند إليه من متكلم واحد. فلو اصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلًا والأخر فاعلًا أو مبتدأ والآخر خبرًا، لم يسمّ ذلك كلامًا؛ لأن الكلام عمل واحد، فلا يكون عامله إلا واحدًا. "والثاني" أنه لايشترط. وصححه ابن مالك وأبو حيان. قياسًا على الكاتب؛ فإنه لا يعتبر اتحاد في كون الخط خطأ. وقال ابن أم قاسم المرادي: صدور الكلام من ناطقين لا يتصور، لأن كل واحد من المتكلمين إنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالًا على نطق الآخر بالأخرى فكأنها مقدرة في كلامه. "همع الهوامع ١/ ٣٠ وما بعدها، وانظر التمهيد للأسنوي ص ٣٥".
[ ١ / ١١٧ ]
وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلامَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ إسْنَادٍ، وَهُوَ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ وَاحِدٍ. فَإِنْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْنَادٌ بِالإِرَادَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ مُرَكَّبٍ، وَلَكِنْ حُذِفَ بَعْضُهُ لِدَلالَةِ الآخَرِ عَلَيْهِ. فَلَمْ يُوجَدْ كَلامٌ مِنْ مُتَكَلِّمَيْنِ، بَلْ كَلامَانِ مِنْ اثْنَيْنِ. انْتَهَى.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ التَّحْقِيقُ١، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فَرْعًا مُتَرَتِّبًا عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: امْرَأَةُ فُلانٍ طَالِقٌ. فَقَالَ الزَّوْجُ: ثَلاثًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ تُشْبِهُ مَا لَوْ قَالَ: لِي٢ عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: صِحَاحٌ. وَفِيهَا وَجْهَانِ. قَالَ: وَهَذَا٣ أَصْلٌ فِي الْكَلامِ مِنْ اثْنَيْنِ، إنْ أَتَى الثَّانِي بِالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا: هَلْ يَكُونُ مُتَمِّمًا لِلأَوَّلِ، أَمْ لا؟ انْتَهَى.
"وَحَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَكَاتِبٌ، فِي "زَيْدٌ كَاتِبٌ"، لَمْ يُفِدْ نِسْبَةً" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ لِلْجُمْلَةِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ضَرُورَةَ صِدْقِهِ عَلَى الْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ، وَعَلَى نَحْوِ "كَاتِبٌ" فِي قَوْلِه٤: "زَيْدٌ كَاتِبٌ".
وَالْمُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ: الْمُرَكَّبُ مِنْ اسْمَيْنِ، أَوْ مِنْ اسْمٍ وَفِعْلٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ الثَّانِي قَيْدًا فِي الأَوَّلِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُمَا لَفْظٌ مُفْرَدٌ، مِثْلُ "حَيَوَانٌ
_________________
(١) ١ انظر القواعد والفوائد الأصولية ص١٥٥. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ع: فهذا. ٤ في ش: نحو قولك.
[ ١ / ١١٨ ]
نَاطِقٌ"، وَ"اَلَّذِي يَكْتُبُ". فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الأَوَّلِ: "الإِنْسَانُ"، وَمَقَامَ الثَّانِي: "الْكَاتِبُ".
وَإِنَّمَا قُلْنَا١: الْحَدُّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّ الأَوَّلَ لَفْظٌ وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ٢، وَالثَّانِي: وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْمُقَدَّرِ أَنْ يُقَالَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِإِفَادَةِ النِّسْبَةِ: إفَادَةُ نِسْبَةٍ٣ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، وَهُمَا لَمْ يُوضَعَا لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ كَذَلِكَ٤. انْتَهَى.
وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ٥، وَإِلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ٦، وَانْتَهَى٧ الْكَلامُ عَلَى الأَوَّلِ. شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى الثَّانِي، * فَقَالَ:
_________________
(١) ١ في ض: قلت. ٢ في ش: مقيديه. ٣ في ش: نسبته. ٤ وأجاب العضد على توهم صدق الحد عليهما بأنه غير وارد؛ لأن كل واحد من هذين المثالين لم يوضع لإفادة النسبة، بل وضع لذاتٍ باعتبار نسبة، وهذه النسبة إنما تفهم منهما بالغرض. وقال الشريف الجرجاني: ولا شك أن اللفظ إنما وضع لإفادة ما يفهم منه بالذات لا ما يفهم منه بالعرض. "انظر الضد على ابن الحاجب وحاشية الجرجاني عليه ١/ ١٢٥ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٧٣". ٥ في ع: نسبته. ٦ في ع: نسبته. ٧ في ز: وأنهى.
[ ١ / ١١٩ ]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ١: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ٢" فَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ كَلِمَةً.
وَهُوَ مَجَازٌ، مُهْمَلٌ فِي عُرْفِ النُّحَاةِ، فَقِيلَ: هُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ بَعْضِهِ، وَقِيلَ: لَمَّا ارْتَبَطَتْ أَجْزَاءُ الْكَلامِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، حَصَلَ لَهُ٣ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، فَشَابَهَ بِهِ٤ الْكَلِمَةَ٥. فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ كَلِمَةً.
"وَ" يُرَادُ بِهِ، أَيْ بِالْكَلامِ "الْكَلِمَةُ" عَكْسُ مَا قَبْلَهُ، فَيُقَالُ: تَكَلَّمَ بِكَلامٍ، وَمُرَادُهُمْ "بِكَلِمَةٍ"٦ قَالَ سِيبَوَيْهِ٧ فِي قَوْلِهِمْ: "مَنْ أَنْتَ زَيْدٌ"، مَعْنَاهُ: مَنْ أَنْتَ، كَلامُك زَيْدٌ.
_________________
(١) ١ هو الصحابي الجليل لبيد بن ربيعة العامري، أبو عقيل، من فحول الشعراء المجودين، كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان فارسًا شجاعًا سخيًا، وَفَدَ على الرسول ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه، وروي أنه لم يقل شعرًا بعد إسلامه. توفي سنة ٤١هـ. "انظر ترجمته في الإصابة ٣/ ٣٢٦، الاستيعاب ٣/ ٣٢٤، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٧٠" و"كلمة لبيد" في النص ساقطة من ش. ٢ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بهذا اللفظ، ورواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة بلفظ "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد" وعجز البيت: وكل نعيم لا محالة زائل. "انظر كشف الخفا ١/ ١٣١، الإصابة ٣/ ٣٢٧". ٣ في ش: لك. ٤ ساقط من ش. ٥ في ش: لكلمة. ٦ انظر همع الهوامع ١/ ٢٩، الإحكام للآمدي ١/ ٧٢. ٧ هو عمرو بن عثمان بن قنبر، إمام البصريين، أبو بشر. قال الأزهري: "كان سيبويه علاّمة حسنَ التصنيف، جالسَ الخليل وأخذ عنه" صنف "الكتاب" في النحو، وهو من أجلّ ما ألف في هذا الشأن. توفي سنة ١٨٠هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/ ٢٢٩، شذرات الذهب ١/ ٢٥٢، إنباه الرواة ٢/ ٣٤٦، طبقات النحويين واللغويين ص٦٦، البلغة ص١٧٣".
[ ١ / ١٢١ ]
"وَ" يُرَادُ بِالْكَلامِ أَيْضًا "الْكَلِمُ الَّذِي لَمْ يُفِدْ"١، وَمِنْهُ حَدِيثُ "الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ"٢: "أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ٣".فَيَشْمَلُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ، وَالْكَلِمَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ.
وَالْحَالِفُ أَنْ لا يَتَكَلَّمَ، يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ اللَّفْظِ.
"وَتَنَاوُلُ الْكَلامِ وَالْقَوْلِ عِنْدَ الإِطْلاقِ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، كَالإِنْسَانِ" أَيْ كَتَنَاوُلِ لَفْظِ الإِنْسَانِ "لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ". قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عِنْدَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، وَالأَكْثَرِ٤.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ: مُسَمَّى الْكَلامِ هُوَ اللَّفْظُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَلَيْسَ جُزْأَهُ، بَلْ مَدْلُولَهُ، وَقَالَهُ النُّحَاةُ: لِتَعَلُّقِ صِنَاعَتِهِمْ بِاللَّفْظِ فَقَطْ٥.
_________________
(١) ١ انظر همع الهوامع ١/ ٣١. ٢ في ش: البراز. وهو تصحيف قبيح. والمذكور هو الصحابي الجليل البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري، أبو عمارة، من كرام الصحابة وخيارهم، أتى النبي ﷺ يوم بدر، فرده عنها لصغر سنّه، فلم يشهدها، ثم شهد أحدًا وغيرها من المشاهد مع النبي ﷺ، وقد روى عن النبي ﵊ كثيرًا من الأحاديث. توفي سنة ٧٢هـ. "انظر ترجمته في الإصابة ١/ ١٤٢، الاستيعاب ١/ ١٣٩". ٣ هذ الحديث لم يُعرف من رواية البراء، بل من رواية زيد بن أرقم. وقد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترميذي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] "فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" وليس في رواية البخاري "ونهينا عن الكلام". وقد أشار المجد بن تيمية في "منتقى الأخبار" إلى أنه أخرجه النسائي أيضًا عن زيد بن أرقم. قال الشوكاني: "وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند الشيخين، وعن عمار عند الطبراني، وعن أبي أمامة عند الطبراني أيضًا، وعن أبي سعيد عند البزار، وعن معاوية بن الحكم وابن مسعود". "انظر صحيح البخاري ٢/ ٧٩، ٦/ ٣٨، صحيح مسلم ١/ ٣٨٣، تحفة الأحوذي ٨/ ٣٣٠، سنن أبي داود ١/ ٣٤٤، نيل الأوطار ٢/ ٣٥٤". ٤ فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٣٥. ٥ انظر فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٦٧.
[ ١ / ١٢٢ ]
وَعَكَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كِلابٍ١ وَأَتْبَاعُهُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: مُسَمَّى الْكَلامِ الْمَعْنَى فَقَطْ٢.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ كِلابٍ: الْكَلامُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَيُسَمَّى اللَّفْظُ كَلامًا٣ حَقِيقَةً، وَيُسَمَّى الْمَعْنَى كَلامًا حَقِيقَةً٤.
وَرُوِيَ عَنْ الأَشْعَرِيِّ٥ وَبَعْضِ الْكِلابِيَّةِ: أَنَّ الْكَلامَ حَقِيقَةٌ فِي لَفْظِ الآدَمِيِّينَ، لأَنَّ حُرُوفَ الآدَمِيِّينَ تَقُومُ بِهِمْ، مَجَازٌ٦ فِي كَلامِ اللَّهِ ﷾، لأَنَّ الْكَلامَ الْعَرَبِيَّ عِنْدَهُمْ لا يَقُومُ بِهِ تَعَالَى٧.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، ٨ فَإِنْ كَانَ ٨ كَلامُهُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ. وَالنَّظْمُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي يَدُلُّ
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن سعيد بن محمد بن كُلاّب، القطان البصري، أحد أئمة المتكلمين. توفي بعد سنة ٢٤٠هـ بقليل. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ١/ ٢٩٩، لسان الميزان ٣/ ٢٩٠". ٢ انظر فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٦٧. ٣ في ع: الكلام. ٤ انظر الإحكام للآمدي ١/ ٧١، القواد والفوائد الأصولية ص١٥٤، التمهيد للأسنوي ص٣٠. ٥ هو علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن الأشعري البصري، المتكلم النظّار الشهير. من كتبه "اللمع" و"مقالات الإسلاميين" و"الأسماء والصفات" و"الرد على المجسمة" و"الفصول في الرد على الملحدين" وغيرها. توفي سنة ٣٢٤هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٣٤٧-٤٤٤، وفيات الأعيان ٢/ ٤٤٦، المنتظم ٦/ ٣٣٢، شذرات الذهب ٢/ ٣٠٣، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٩٠، الذيباج المذهب ٢/ ٩٤". ٦ في ع: مجازًا. ٧ انظر فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٥٢٦. وفي ش: تعالى بل كلام غيره ومن العلوم. ٨ في ش: لا أن.
[ ١ / ١٢٣ ]
عَلَى الْمَعْنَى لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ مَخْلُوقًا، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ، فَيَكُونُ كَلامًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ، لأَنَّ الْكَلامَ إذَا خُلِقَ فِي مَحَلٍّ كَانَ كَلامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَيَكُونُ الْكَلامُ الْعَرَبِيُّ لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ كَلامُ غَيْرِهِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الإِسْلامِ: أَنَّ الْكَلامَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، لا كَلامُ غَيْرِهِ١. انْتَهَى.
_________________
(١) ١ انظر فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٧٤، ٢٩٧، ٤٠٧. ويقول اين تيمية في هذا المقالم: "ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] فأخبر أن ما يسمعه المستجير هو كلام الله. والمستجير يسمعه بصوت القارىء، فالصوت صوت القارىء، والكلام كلام الباري الخ" "الرد على المنطقيين ص٥٤٢" ويقول العز بن عبد السلام: "ومذهبنا أن كلام الله سبحانه قديم أزلي قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق، ولا يتصور في شيء من صفاته أن تفارق ذاته، إذ لو فارقته لصار ناقصًا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد الكاتبين، والا ألفاظ اللافظين". "طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٢٣٣، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٢٠".
[ ١ / ١٢٤ ]