"الْحُرُوفُ" أَيْ هَذَا فَصْلُ بَيَانِ مَعْنَى الْحُرُوفِ.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "قَدْ قَالَ النُّحَاةُ: إنَّ الْحَرْفَ لا يَسْتَقِلُّ بِالْمَعْنَى١. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ. فَتَقَرَّرَ الْمُرَادُ أَوَّلًا، وَالإِشَارَةُ إلَى الإِشْكَالِ ثَانِيًا، وَحَلُّهُ ثَالِثًا.
أَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ "مِنْ" وَ"إلَى" مَشْرُوطٌ فِي وَضْعِهَا دَالَّةٌ٢ عَلَى مَعْنَاهَا الإِفْرَادِيِّ، وَهُوَ الابْتِدَاءُ وَالانْتِهَاءُ. وَذِكْرُ مُتَعَلَّقِهَا مِنْ دَارٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، وَمِنْهُ الابْتِدَاءُ، وَإِلَيْهِ الانْتِهَاءُ. وَالاسْمُ نَحْوُ "الابْتِدَاءِ" وَ"الانْتِهَاءِ"، وَالْفِعْلُ نَحْوُ "ابْتَدَأَ" وَ"انْتَهَى" غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الإِشْكَالُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ: ذُو، وَأُولُو٣، وأُولاتُ٤، وَقَيْدٌ، وَقَيْسٌ٥، وَقَابَ، وَأَيْ، وَبَعْضُ، وَكُلُّ، وَفَوْقَ، وَتَحْتَ، وَأَمَامَ، وَقُدَّامَ، وَخَلْفَ، وَوَرَاءَ مِمَّا لا يُحْصَى كَذَلِكَ، إذْ لَمْ يُجَوِّزْ الْوَاضِعُ اسْتِعْمَالَهَا إلاَّ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا. فَكَانَ يَجِبُ كَوْنُهَا حُرُوفًا. وَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ.
وَأَمَّا الْحَلُّ: فَهُوَ أَنَّهَا - وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ اسْتِعْمَالُهَا إلاَّ كَذَلِكَ، لأَمْرٍ مَا عَرَضَ-. فَغَيْرُ٦ مَشْرُوطٍ فِي وَضْعِهَا [دَالَّةٌ] ٧ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ "ذُو" بِمَعْنَى
_________________
(١) ١ في شرح العضد: بالمفهومية. ٢ في ش: الدلالة. ٣ في ش: والواو. ٤ في ش ض ب: ولات. ٥ في ش ض ب: أو قيس. ٦ في ش: فهو غير. ٧ زيادة من شرح العضد.
[ ١ / ٢٢٦ ]
صَاحِبٍ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الإِفْرَادِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِغَرَضٍ مَا، وَهُوَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ، فِي نَحْوِ: زَيْدٌ ذُو مَالٍ، وَذُو فَرَسٍ، فَوَضْعُهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ. لا أَنَّهُ١ لَوْ ذُكِرَ دُونَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَاهُ نَعَمْ لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ مِنْ وَضْعِهِ! وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ عَدَمِ فَائِدَةِ٢ الْوَضْعِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ "فَوْقَ" وُضِعَ لِمَكَانٍ لَهُ عُلُوٌّ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الانْفِرَادِ٣ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِيُتَوَصَّلَ [بِهِ] ٤ إلَى عُلْوٍ خَاصٍّ، اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَاقِي٥ الأَلْفَاظِ"٦.
"وَإِذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْحَرْفُ مَا٧ وُضِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى عَامٍّ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النِّسْبَةِ كَالابْتِدَاءِ٨ وَالانْتِهَاءِ، لِكُلِّ ابْتِدَاءٍ أَوْ انْتِهَاءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ.
وَالنِّسْبَةُ لا تَتَعَيَّنُ إلاَّ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. فَالابْتِدَاءُ الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يَتَعَيَّنُ٩ بِالْبَصْرَةِ. وَالانْتِهَاءُ الَّذِي لِلْكُوفَةِ يَتَعَيَّنُ١٠ بِالْكُوفَةِ، فَمَا١١ لَمْ يُذْكَرْ
_________________
(١) ١ كذا في شرح العضد، وفي الأصول الخطيّة كلها: لأنه. ٢ في ش: فائدة المعنى. ٣ في شرح العضد: الإفراد. ٤ زيادة من شرح العضد. ٥ في شرح العضد: بواقي. ٦ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ١/ ١٨٦. ٧ ساقطة من شرح العضد. ٨ كذا في شرح العضد. وفي ش: الانتهاء. وفي د ز ع ض ب: للابتداء. ٩ في ش ب ض: متعين. ١٠ في ش ب ض: متعين. ١١ في ش: فلما.
[ ١ / ٢٢٧ ]
مُتَعَلَّقُهُ، لا يَتَحَصَّلُ فَرْدٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي١ هُوَ مَدْلُولُ الْحَرْفِ، لا فِي الْعَقْلِ وَلا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، فَيَتَعَقَّلُ بِتَعَقُّلِهِ٢، بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِلنَّوْعِ بِعَيْنِهِ٣ كَالابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ.
[وَ] ٤ بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِذَاتٍ مَا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ. نَحْوُ "ذُو" وَ"فَوْقَ" وَ"عَلَى"، وَ"عَنْ"، وَ"الْكَافِ" إذَا أُرِيدَ بِهَا٥ عُلُوٌّ وَتَجَاوُزٌ وَشَبَهٌ٦ مُطْلَقًا. فَهُوَ كَالابْتِدَاءِ [وَالانْتِهَاءِ] ٧ ٨". اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْحُرُوفِ هُنَا: "مَا يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ مَعَانِي الأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ"، لا الْحَرْفِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الاسْمِ وَالْفِعْلِ، لأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مَعَهَا أَسْمَاءٌ. كَـ "إِذَا" وَ"إِذْ"، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْحُرُوفِ تَغْلِيبًا بِاعْتِبَارِ الأَكْثَرِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من شرح العضد. ٢ في د: متعلقه. ٣ في شرح العضد: نفسه. ٤ زيادة من شرح العضد. ٥ في شرح العضد: به. ٦ في ش: ونسبة. وفي ع: وتشبيه. ٧ زيادة من شرح العضد. ٨ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ١/ ١٨٩.
[ ١ / ٢٢٨ ]
"الْوَاوُ"
"الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ" تَكُونُ "لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ" أَيْ: الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ. عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ١.
وَهِيَ تَارَةً تَعْطِفُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهِ٢، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ٣ وَعَلَى سَابِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ وَعَلَى٥ لاحِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿٦ كَذَلِكَ يُوحِي ٦ إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك﴾ ٧.
فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ "قَامَ٨ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" احْتَمَلَ ثَلاثَةَ٩ مَعَانٍ:
_________________
(١) ١ انظر تفصيل الكلام على معاني "الواو" في "الجنى الداني ص١٥٨-١٧٤، مغني اللبيب ١/ ٣٩١-٤٠٨، البرهان ٤/ ٤٣٥ وما بعدها، الإتقان ٢/ ٢٥٥ وما بعدها، الصاحبي ص١١٧ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص٩٩ وما بعدها، المفصل ص٣٠٤، معترك الإقران ٣/ ٤٤٦ وما بعدها، القواعد والفوائد الأصولية ص١٣٠-١٣٧، التمهيد للأسنوي ص٥٤ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٦٣ وما بعدها، المعتمد للبصري ١/ ٣٨ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٨٩ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٦٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٢٩، كشف الأسرار ٢/ ١٠٩-١٢٧، رصف المباني ص٤١٠-٤٢٨، الأزهيّة ص٢٤٠-٢٤٩، المسودة ص٣٥٥". ٢ في ش: صاحبه. ٣ الآية ١٥ من العنكبوت. ٤ الآية ٢٦ من الحديد. ٥ في ش: والى. ٦ في ش: ولقد أرسلنا. ٧ الآية ٣ من الشورى. ٨ ساقطة من ش. ٩ في ش: ثلاث.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الْمَعِيَّةَ – ١ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ ١ - وَالتَّرْتِيبَ، وَعَدَمَهُ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: "وَكَوْنُهَا لِلْمَعِيَّةِ رَاجِحٌ، وَلِلتَّرْتِيبِ كَثِيرٌ، وَلِعَكْسِهِ قَلِيلٌ"٢.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُتَعَاطِفَيْهَا تَفَاوُتٌ أَوْ تَرَاخٍ نَحْوَ ﴿إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.
وَالتَّعْبِيرُ بِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، - كَمَا فِي الْمَتْنِ-: هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ٤، فَلَيْسَ بِوَافٍ بِالْمُرَادِ؛ لأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا مَثَلًا: "قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الْقَيْدُ بِالْمَعِيَّةِ، وَلا بِالتَّقْدِيمِ، وَلا بِالتَّأْخِيرِ لِخُرُوجِهَا بِالتَّقْيِيدِ عَنْ الإِطْلاقِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ الْجَمْعِ: فَمَعْنَاهُ: أَيُّ جَمْعٍ كَانَ. فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا.
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: مُطْلَقُ الأَمْرِ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ، فَإِذَا قُلْت "الأَمْرُ الْمُطْلَقُ" فَقَدْ أَدْخَلْت اللاَّمَ عَلَى الأَمْرِ، وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ وَالشُّمُولَ، ثُمَّ وَصَفْته بَعْدَ ذَلِكَ بِالإِطْلاقِ٥، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِقَيْدٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا. وَأَمَّا مُطْلَقُ الأَمْرِ: فَالإِضَافَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، بَلْ لِلتَّمْيِيزِ. فَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقٍ لا عَامٌّ، فَيَصْدُقُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ص١٧٤. ٣ الآية ٧ من القصص. ٤ كالمرادي في الجنى الداني ص١٥٨ والزمخشري في المفصل ص٢٠٤ والآمدي في الإحكام ١/ ٦٣ وابن الحاجب في مختصره ١/ ١٨٩. ٥ في ض: باطلاق.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وَعَلَى هَذَا: فَمُطْلَقُ الْبَيْعِ يَنْقَسِمُ إلَى جَائِزٍ وَغَيْرِهِ. وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لِلْجَائِزِ فَقَطْ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْوُجُوبِ، وَمُطْلَقُ الأَمْرِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ طَهُورٌ، وَمُطْلَقُ الْمَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى طَهُورٍ وَغَيْرِهِ. وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ لِلْحُرِّ، وَمُطْلَقُ الْمِلْكِ يَثْبُتُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
فَإِذَا قِيلَ: الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ أَوْ لا؟ كَانَ الصَّوَابُ إثْبَاتَ مُطْلَقِ الْمِلْكِ لَهُ دُونَ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
وَإِذَا قِيلَ: الْفَاسِقُ مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ؟ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَزُولُ الإِشْكَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْدُوبِ. هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْ لا؟ وَفِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ: الْمُسْلِمِ١ هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَمْ لا؟
"وَتَأْتِي" الْوَاوُ "بِمَعْنَى مَعَ" كَقَوْلِهِمْ: "جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ"، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَفْعُولِ مَعَهُ٢.
"وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "أَوْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٣ وَقَوْلِهِ: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٤.
"وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "رُبَّ" كَقَوْلِهِ٥:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ كـ "سِرْتُ واللَّيْلَ" وتسمى واو المفعول معه، ويكون ما بعدها منصوبًا. "انظر مغني اللبيب ١/ ٣٩٨، الإحكام للآمدي ١/ ٦٣، معترك الأقران ٣/ ٤٤٦". ٣ الآية ٣ من النساء. ٤ الآية الأولى من فاطر. وهي بكاملها ساقطة من ع. ٥ هذا صدر بيت من أرجوزة لعامر بن الحارث المعروف بـ "جرات العود" نسبة إليه البغدادي في خزانة الأدب "٤/ ١٩٧" والعيني في شرح شواهد شروح الألفية "٣/ ١٠٧" وعجزه: إلاّ اليعافيرُ وإلاّ العيسُ
[ ١ / ٢٣١ ]
وَقَوْلِ الآخَرِ:
وَنَارٍ لَوْ نَفَخَتْ بِهَا أَضَاءَتْ وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ
"وَ" تَأْتِي الْوَاوُ "لِقَسَمٍ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ﴾ ١.
"وَ" تَأْتِي "لاسْتِئْنَافٍ" وَهُوَ كَثِيرٌ٢.
"وَ" تَأْتِي لِ "حَالٍ" أَيْ: بِمَعْنَى الْحَالِ. نَحْوُ "جَاءَ زَيْدٌ٣ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ"، "جَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ يَضْحَكُ".
_________________
(١) ١ الآية ١-٤ من الفجر. ٢ وذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا، وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ﴾ [الأنعام ٢] وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ﴾ [مريم ٦٥-٦٦] . "انظر الجنى الداني ص١٦٣، مغني اللبيب ٢/ ٣٩٧، البرهان ٤/ ٤٣٧، الإتقان ٢/ ٢٥٧، معترك الإقران ٣/ ٤٤٧". ٣ ساقطة من ش.
[ ١ / ٢٣٢ ]
"الْفَاءُ"
"الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ"١ تَكُونُ "لِتَرْتِيبٍ" وَهُوَ قِسْمَانِ:
- مَعْنَوِيٌّ كَـ "قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو".
- وَذِكْرِيٌّ: وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ هُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ٢ ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٣ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ٤ ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٥ ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ٦ وَتَقُولُ: "تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ". وَتَقُول: "قَالَ فَأَحْسَنَ"، "وَخَطَبَ فَأَوْجَزَ"، "وَأَعْطَى فَأَجْزَلَ".
"وَ" تَأْتِي الْفَاءُ أَيْضًا لِـ "تَعْقِيبٍ" وَهُوَ كَوْنُ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ٧ مُهْلَةٍ. فَكَأَنَّ الثَّانِيَ أَخَذَ بِعَقِبِ الأَوَّلِ فِي الْجُمْلَةِ "كُلٌّ بِحَسَبِهِ عُرْفًا" يَعْنِي أَنَّ التَّعْقِيبَ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. تَقُولُ: "تَزَوَّجَ فُلانٌ فَوُلِدَ لَهُ"
_________________
(١) ١ انظر تفصيل الكلام على معاني الفاء في "مغني اللبيب ١/ ١٧٣-١٨٢، الجنى الداني ص٦١-٧٨، البرهان ٤/ ٢٩٤-٣٠١، الإتقان ٢/ ٢٠٩ وما بعدها، الصاحبي ص١٠٩ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠١، الإحكام للآمدي ١/ ٦٨، التمهيد للآسنوي ص٥٦، القواعد والفوائد الأصولية ص١٣٧، المفصل ص٣٠٤، المعتمد ١/ ٣٩، كشف الأسرار للبخاري ٢/ ١٢٧ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٤٨، الأزهيّة ص٢٥٠-٢٥٧، رصف المباني ص٣٧٦-٣٨٧". ٢ الآية ٣٦ من البقرة. ٣ الآية ٥٤ من البقرة. ٤ الآية ١٣٦ من الأعراف. ٥ الآية ١٥٣ من النساء. ٦ الآية ٤٥ من هود. ٧ في ز: بلا.
[ ١ / ٢٣٣ ]
إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلاَّ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَإِنْ طَالَتْ. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ١ فِي "مُغْنِي اللَّبِيبِ"٢.
وَنَقَلَ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ. الإِجْمَاعَ: أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، لَكِنْ قَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ تُسْتَعْمَلُ فِي انْتِفَائِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٣ ٤ مَعَ أَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِهْلاكِ٥.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "أَرَدْنَا إهْلاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا" ٤. وَمِثْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ﴾ ٦.
"وَتَأْتِي" الْفَاءُ أَيْضًا "سَبَبِيَّةٌ" وَهُوَ كَثِيرٌ ٧ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ ٧، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ٨ ﴿فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ٩، وَكَذَا فِي عَطْفِ الصِّفَاتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن يوسف بن هشام، جمال الدين، ابو محمد، علاّمة النحو وإمام العربية، قال ابن خلدون: "مازلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه قد ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه". أشهر كتبه "مغني اللبيب" و"شذور الذهب" و"قطر الندى" و"التذكرة" توفي سنة ٧٦١ هـ "انظر ترجمته في البدر الطالع ١/٤٠٠، الدرر الكامنة ٢/ ٤١٥، بغية الوعاة ٢/ ٦٨، شذرات الذهب ٦/ ١٩١". ٢ مغني اللبيب ١/ ١٧٤. ٣ الآية ٤ من الأعراف. ٤ ساقطة من ز. ٥معاني القرآن للفراء ١/ ٣٧١. ٦ الآية ٩٨ من النحل. ٧ ساقطة من ش. ٨ الآيه ١٥ من القصص. ٩ الآية ٣٧ من البقرة. ١٠ الآيات ٥٢- ٥٤ من الواقعة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "رَابِطَةً" لِلْجَوَابِ. وَذَلِكَ فِي سِتِّ مَسَائِلَ:
الأُولَى١: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْك بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ وَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي فِعْلُهَا جَامِدٌ نَحْوُ: ﴿إنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ ٤ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٥ ﴿وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ ٦ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ٧.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا إنْشَاءً نَحْوُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٨ ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ٩ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ ١٠ فِيهِ أَمْرَانِ: الاسْمِيَّةُ، وَالإِنْشَاءُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مَاضِيًا لَفْظًا وَمَعْنًى. إمَّا حَقِيقَةً نَحْوَ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ١١، ﴿إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ الآية ١٧ من الأنعام. ٣ الآية ١١٨ من المائدة. ٤ الآيتان ٣٩-٤٠ من الكهف. ٥ الآية ٢٧١ من البقرة. ٦ الآية ٣٨ من النساء. ٧ الآية ٢٨ من آل عمران. ٨ الآية ٣١ من آل عمران. ٩ الآية ١٥٠ من الآنعام. ١٠ الآية ٣٠ من الملك. ١١ الآية ٧٧ من يوسف.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ ١، وَإِمَّا مَجَازًا نَحْوَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ٢، نَزَلَ هَذَا الْفِعْلُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ مَا قَدْ وَقَعَ.
الْخَامِسَةُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَرْفِ اسْتِقْبَالٍ نَحْوُ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دَيْنِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ ٣ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ٤.
السَّادِسَةُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَرْفٍ لَهُ الصَّدْرُ، كَقَوْلِهِ:
فَإِنْ أَهْلَكْ فَذِي لَهَبٍ لَظَاهُ عَلَيَّ يَكَادُ يَلْتَهِبُ الْتِهَابَا٥
لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ "رُبَّ" مُقَدَّرَةٌ وَأَنَّ لَهَا الصَّدْرَ.
وَأَمَّا إتْيَانُهَا زَائِدَةً فَاخْتَلَفُوا فِيهِ٦: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ٧ أَنَّهَا لا تَكُونُ زَائِدَةً. وَأَجَازَهُ الأَخْفَشُ٨ فِي الْخَبَرِ مُطْلَقًا. وَحُكِيَ: "أَخُوك فَوَجَدَ".
_________________
(١) ١ الآية ٢٦ من يوسف. ٢ الآية ٩٠ من النمل. ٣ الآية ٥٤ من المائدة. ٤ الآية ١١٥ من آل عمران. ٥ البيت لربيعة بن مقروم الضبّيِ، نسبه له البغدادي في خزانة الأدب "٤/ ٢٠١" وشرح شواهد مغني اللبيب "٤/ ٣٥" بلفظ: فإن أهلك فذي حَنَقِ لظاه عليّ تكاد تلتهب التهابًا وفي مغني اللبيب "١/ ١٧٦": "فذي لهب". وهذا البيت للشاعر في قصيدة يسلي بها عن نفسه بعد قضاء مأربه وإدراك ثأره، يقول فيه: إنْ متُّ فرب رجل ذي غيظ وغضب، تكاد نار عداوته تتوقد توقدًا لما لقى مني وما فعلت به ٦ ساقطة من ز ض ب ع. ٧ في ش: تبعه إلى. ٨ هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي النحوي، أبو الحسن الأخفش الأوسط، أخذ النحو عن سيبويه، وصحب الخليل، وكان معلمًا لولد الكسائي. وقد سمي بالأخفش أحد عشر نحويًا ذكرهم السيوطي في "المزهر" ثم قال: "حيث أطلق في كتب النحو الأخفش، فهو الأوسط"، أشهر كتبه "تفسير معاني القرآن" و"المقاييس في النحو" و"الاشتقاق" وغيرها توفي سنة ٢١٠هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٨٥، المزهر ٢/ ٤٠٥، ٤٥٣، ٤٥٦، بغية الوعاة ١/ ٥٩٠، إنباه الرواة ٢/ ٣٦، طبقات النحويين للزبيدي ص٧٢، وفيات الإعيان ٢/ ١٢٢، شذرات الذهب ٢/ ٣٦، معجم الإدباء ١١/ ٢٢٤".
[ ١ / ٢٣٦ ]
"ثُمَّ"
"ثُمَّ" حَرْفُ عَطْفٍ١ تَكُونُ "لِتَشْرِيكٍ" فِي الأَصَحِّ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ "وَ" تَكُونُ أَيْضًا لِـ "تَرْتِيبٍ بِمُهْلَةٍ" أَيْ بِتَرَاخٍ عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ مَعْنَوِيٌّ وَفِي الْجُمَلِ٢ "ذِكْرِيٌّ"٣ نَحْوُ:
إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ٤
فَهُوَ تَرْتِيبٌ فِي الإِخْبَارِ لا فِي الْمَوْجُودِ٥.
_________________
(١) ١انظر معاني "ثُمَّ" في "الجنى الداني ص٤٢٦-٤٣٢، رصف المباني ص١٧٣ وما بعدها، الإتفاق ٢/ ١٨٩، مغني اللبيب ١/ ١٢٤-١٢٧، البرهان ٤/ ٢٦٦-٢٧٠، الإحكام للآمدي ١/ ٦٩، شرح تنقيح الفصول ص١٠١، الصاحبي ص١٤٨، القواعد والفوائد الأصولية ص١٣٨ وما بعدها، التمهيد للأسنوي ص٥٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٤٤ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٣٤ وما بعدها، كشف الإسرار ٢/ ١٣١ وما بعدها، معترك الأقران ٢/ ٥٢، الإشارة إلى الإيجاز ص٣٥، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص٤٠ وما بعدها، المفصل ص٣٠٤، المسودة ص٣٥٦". ٢ في ض: الجملة. ٣ في ش: ذاتي. ٤ البيت لأبي نواس الحسن بن هانىء، نسبه له البغدادي في خزانة الأدب "٤/ ٤١٢" شرح أبيات مغني اللبيب "٣/ ٤٠"، وهو مروي في ديوانه "ص٤٩٣" في قصيدة يمدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر، ولفظه في الخزانة وشرح أبيات المغني والديوان: قُلْ لمن سادَ ثُمَّ سادَ أبوهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ قبلَ ذلكَ جَدُّه ٥ في ش: الموجود.
[ ١ / ٢٣٧ ]
"حتّى"
"حَتَّى، الْعَاطِفَةُ لِلْغَايَةِ"١ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢، فَلا يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا إلاَّ غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا - مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ٣- نَحْوُ: "مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الأَنْبِيَاءُ" وَ"قَدِمَ الْحُجَّاجُ٤ حَتَّى الْمُشَاةُ".
"وَلا تَرْتِيبَ فِيهَا" فَهِيَ كَالْوَاوِ، فَإِنَّك تَقُولُ: "حَفِظْت الْقُرْآنَ حَتَّى سُورَةَ الْبَقَرَةِ"، وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا حَفِظْت أَوْ مُتَوَسِّطًا وَقِيلَ: هِيَ كَالْفَاءِ. وَقِيلَ: كَـ "ثُمَّ".
"وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُزْءًا مِنْ مَتْبُوعِهِ" نَحْوَ "قَدِمَ الْحُجَّاجُ٥ حَتَّى الْمُشَاةُ٦" "أَوْ كَجُزْئِهِ" نَحْوَ "أَعْجَبَتْنِي٧ الْجَارِيَةُ حَتَّى حَدِيثُهَا". فَإِنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ بَعْضًا مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ كَالْبَعْضِ، لأَنَّهُ مَعْنًى، مِنْ مَعَانِيهَا.
_________________
(١) ١ انظر في الكلام على "حتى" "الجنى الداني ص٥٤٢-٥٥٨، الاتقان ٢/ ١٩٢، مغني اللبيب ١/ ١٣١-١٣٩، الأزهيّة ص٢٢٣ وما بعدها، رصف المباني ص١٨٠-١٨٥، شرح تنقيح الفصول ص١٠٢، الإحكام للآمدي ١/ ٦٩، البرهان ٤/ ٢٧٢ وما بعدها، معترك الأقران ٢/ ٧٨ وما بعدها، القواعد والفوائد الإصولية ص١٤٣، الصاحبي ص١٥٠ وما بعدها، تسهيل الفوائد ص١٤٦-١٧٥، كشف الأسرار ٢/ ١٦٠ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٠ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٤٥ وما بعدها، المفصل ص٣٠٤". ٢ الآية ٥ من القدر. ٣ قال المرادي: والزيادة تشمل القوة والتعظيم، والنقص يشمل الضعف والتحقير. "الجنى الداني ص٥٤٨" وعلى ذلك فلا بدّ أن يكون الثاني عظيمًا إن كان الأول حقيرًا، أو حقيرًا إن كان الأول عظيمًا، أو قويًا إن كان الأول ضعيفًا، أو ضعيفًا إن كان قويًا، لأن معناها الغاية، "انظر رصف المباني ص١٨١، الأزهيّة ص٢٢٣، تسهيل الفوائد ص١٧٥، المفصل ص٣٠٤". ٤ في ش ز ض ب: الحاج. ٥ في ش: الناس. وفي ض: الحاج. ٦ في ش: الحجاج. ٧ في ش: حجبتني.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِحَتَّى مُبَايِنًا لِمَتْبُوعِهِ فِي الْجِنْسِ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى فَتُقَدَّرُ بَعْضِيَّتُهُ١ كَقَوْلِهِ:
أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ وَالزَّادَ، حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا٢
لأَنَّ الْمَعْنَى: أَلْقَى مَا يَثْقُلُهُ٣ حَتَّى نَعْلَهُ.
"وَتَأْتِي" حَتَّى "لِتَعْلِيلٍ" كَقَوْلِهِ: "كَلَّمْته حَتَّى يَأْمُرَ لِي بِشَيْءٍ"، وَعَلامَتُهَا: أَنْ يَصْلُحَ مَوْضِعَهَا "كَيْ"، وَمِنْهُ: "أَسْلِمْ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ".
"وَقَلَّ" أَنْ تَأْتِيَ "لاسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ" كَقَوْلِهِ:
لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنْ الْفُضُولِ سَمَاحَةً حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ٤
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي "الْمُغْنِي": "حَتَّى تَأْتِي لأَحَدِ ثَلاثَةِ مَعَانٍ: "انْتِهَاءُ الْغَايَةِ"، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَ"التَّعْلِيلُ"، وَ"بِمَعْنَى "إلاَّ" فِي الاسْتِثْنَاءِ"، وَهُوَ أَقَلُّهَا.
_________________
(١) ١ في ب ع ض: بعضيه. ٢ هذا البيت لأبي مروان النحوي، نسبه إليه سيبويه في الكتاب "١/ ٥٠" والبغدادي في خزانة الأدب "١/ ٤٤٦"، وحكى البغدادي في شرح أبيات المغني "٣/ ٩٨" نسبته إليه عن الأخفش، ونَسَبَهُ البعض إلى الملتمس، ونسبه ياقوت في معجم الأدباء "١٩/ ١٤٦" إلى مروان النحوي لا أبي مروان. وفي هذا البيت وصف الشاعر راكبًا جهدت راحلته، فخاف إن تنقطع به، أو كان خائفًا من عدوٍ يطلبه، فخفف رحله بإلقاء ما كان معه من كتاب وزاد ونعل. ٣ في ش: ما يستثقله. ٤ البيت للمُقَنَّع الكِنْدي، نسبه إليه أبو تمام في الحماسة "شرح الحماسة للمرزوقي ص١٧٣٤" والسيوطي في شرح شواهد المغني "١/ ٣٧٢" والبغدادي في شرح أبيات مغني اللبيب "٣/ ١٠٢". والمعنى: إن إعطاءك من زيادات مالك لا يعدّ سماحة، إلاّ أن تعطي في حالة قِلّة المال.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وَتُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ بِمَنْزِلِهِ "إلَى" فِي الْمَعْنَى [وَالْعَمَلِ] ١.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، إلاَّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ. وَذَكَرَهَا.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ ابْتِدَاءٍ، أَيْ حَرْفًا تُبْتَدَأُ بَعْدَهُ الْجُمَلُ، أَيْ تُسْتَأْنَفُ"٢.
_________________
(١) ١ زيادة من مغني اللبيب. ٢ مغني اللبيب ١/ ١٣١ وما بعدها.
[ ١ / ٢٤٠ ]
"مِنْ"
"مِنْ" الْجَارَّةُ١ "لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ" فِي الْمَكَانِ اتِّفَاقًا. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢، وَفِي الزَّمَانِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ٣، وَابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ٤ ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ ٥ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦ وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ٧، وَأَبُو حَيَّانَ لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ.
فَتَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ حَقِيقَةً. وَتَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَانِي مَجَازًا، هَذَا
_________________
(١) ١ انظر تفصيل الكلام على مِنْ في "الجنى الداني ص٣٠٨-٣٢١، أوضح المسالك ٣/ ٢١ وما بعدها، رصف المباني ص٣٢٢-٣٢٦، الأزهيّة ص٢٩٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٦١، الإشارة إلى الإيجاز ص٣٥، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص٤٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٦٢، البرهان ٤/ ٤١٥-٤٢٦، مغني اللبيب ١/ ٣٥٣-٣٦٣، الاتقان ٢/ ٢٤٧ وما بعدها، التمهيد ص٥٨، الصاحبي ص١٧٢، القواعد والفوائد الأصولية ص١٥٠ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٤، المفصل ص٢٨٣". ٢ الآية الأولى من سورة الإسراء. ٣ هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، أبو العباس المبرِّد، إمام النحو واللغة. أشهر مصنفاته "الكامل" و"الروضة" و"المقتضب" و"معاني القرآن" و"إعراب القرآن" و"الاشتقاق". توفي سنة ٢٥٨هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في طبقات النحويين واللغويين ص١٠١، وفيات الإعيان ٣/ ٤٤١، نور القبس ص٣٢٤، معجم الأدباء ١٩/ ١١١، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٢٦٧، شذرات الذهب ٢/ ١٩٠، إنباه الرواة ٣/ ٢٤١، بغية الوغاة ١/ ٢٦٩، المنتظم ٦/ ٩". ٤ الآية ١٠٨ من التوبة. ٥ الآية ٧٩ من الإسراء. ٦ الآية ٤ من الروم. ٧ انظر تسهيل الفوائد ص١٤٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي التَّبْعِيضِ١، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي التَّبَيُّنِ٢، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.
"وَلَهَا" أَيْ وَلِمَنْ "مَعَانٍ" غَيْرِ ذَلِكَ:
- مِنْهَا: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ﴾ ٣ أَيْ لأَجْلِ الصَّوَاعِقِ.
- وَمِنْهَا: الْبَدَلُ، [نَحْوُ]: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ﴾ ٤ ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٥ أَيْ بَدَلَكُمْ.
- وَمِنْهَا: انْتِهَاءُ الْغَايَةِ، - مِثْلَ "إلَى"- فَتَكُونُ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ مِنْ الْفَاعِلِ٦، وَلانْتِهَاءِ٧ غَايَةِ الْفِعْلِ مِنْ الْمَفْعُولِ، نَحْوُ "رَأَيْت الْهِلالَ مِنْ دَارِي مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ" ٨ أَيْ مِنْ مَكَانِي إلَى خَلَلِ السَّحَابِ ٨. فَابْتِدَاءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ مِنْ٩ الدَّارِ، وَانْتِهَاؤُهَا١٠ فِي خَلَلِ السَّحَابِ.
_________________
(١) ١ نحو "كل من هذا الطعام، والبس من هذه الثياب، وخذ من هذه الدراهم.. الخ" "رصف المباني ص٣٢٣". ٢ نحو "قبضت رطلًا من القمح، وكرًّا من شعير، ونَنًَّا من سمن، وخاتمًا من حديد، ومشيت ميلًا من الأرض.. الخ". "رصف المباني ص٣٢٣". ٣ الآية ١٩ من البقرة. ٤ الآية ٣٨ من التوبة. ٥ الآية ٦٠ من الزخرف. ٦ في ش: الفعل. ٧ في ع ض: والانتهاء. ٨ ساقطة من ش. ٩ في ش: في. ١٠ في ش: وانتهاؤها وقع.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ: أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: هِيَ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لَكِنْ فِي حَقِّ١ الْمَفْعُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا فِي هَذَا الْمِثَالِ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ، بِتَقْدِيرِ: "رَأَيْت الْهِلالَ مِنْ دَارِي ظَاهِرًا مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ".
- وَمِنْهَا تَنْصِيصُ الْعُمُومِ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى نَكِرَةٍ لا تَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ، نَحْوُ "مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ" فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ دُخُولِهَا مُحْتَمِلًا لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَلِنَفْيِ الْوَحْدَةِ٢. وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ، يَقُولَ٣: بَلْ رَجُلانِ. [وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ "مِنْ"] ٤.
- وَمِنْهَا: الْفَصْلُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ﴾ ٥ وَتُعْرَفُ بِدُخُولِهَا عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ.
- وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "الْبَاءِ". نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ٦. قَالَ يُونُسُ٧: أَيْ بِطَرْفٍ.
- وَمِنْهَا مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "فِي" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ
_________________
(١) ١ في ش: ابتداء. ٢ أي نفي واحد من هذا الجنس، دون ما فوق الواحد. "الجنى الداني ص٣١٧". ٣ في ض: يقال. ٤ زيادة من مغني اللبيب ١/ ٣٥٨. ٥ الآية ٢٢٠ من البقرة. ٦ الآية ٤٥ من الشورى. ٧ هو يونس بن حبيب الضبي النحوي البصري، أبو عبد الرحمن، الإمام البارع في النحو والأدب، أشهر مصنفاته كتاب "معاني القرآن" و"اللغات" و"الأمثال" وغيرها. توفي سنة ١٨٢ هـ "انظر ترجمته في إنباه الرواة ٤/٦٨، بغية الوعاة ٢/ ٣٦٥، شذرات الذهب ١/ ٣٠١، طبقات النحويين واللغويين ص٥١، وفيات الإعيان ٦/ ٢٤٢، المعارف ص٥٤١، المزهر ٢/ ٣٩٩، ٤٢٣، ٤٦١، معجم الأدباء ٢٠/ ٦٤".
[ ١ / ٢٤٣ ]
الأَرْضِ﴾ ١. أَيْ فِي الأَرْضِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ ٢ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: " ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ "٣.
- "وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عِنْدَ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:"٤ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٥ وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ ﷺ] "وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ" ٦.
- وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عَلَى"، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ٧ أَيْ عَلَى الْقَوْمِ.
- وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عَنْ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الآية ٤٠ من فاطر. ٢ الآية ٩٢ من النساء. ٣ ساقطة من ش. ٤ ساقطة من ش. ٥ الآية ١٠ من آل عمران. ٦ الحديث أخرجه البخاري "١/ ٢١٤" ومسلم "١/ ٤١٥" وأبو داود "٢/ ١١٠" والترمذي "تحفة الأحوذي ٢/ ١٩٤" والنسائي "٣/ ٧٠" عن المغيرة مرفوعًا، وأخرجه مالك في الموطأ "٢/ ٩٠٠" وأحمد في مسنده "٤/ ٩٧" عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا. ونصه: أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة قال: "الا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ". والجَدّ –بفتح الجيم-: هو الغنى. وقيل: هو الخظ. ومعنى "ولا ينفع ذا الجد منك الجَدّ" أي لا ينفع صاحب الحظ في الدنيا من نزول العذاب حظُه وإنما ينفعه العمل الصالح. وقال أبو عبيد: معناه لا ينفع ذا الغنى منه غناه، إنما تنفعه طاعته. ٧ الآية ٧٧ من الأنبياء. ٨ الآية ٢٢ من الزمر.
[ ١ / ٢٤٤ ]
"إلَى"
"إلَى١: لانْتِهَائِهَا" أَيْ انْتِهَاءِ الْغَايَةِ ٢ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ٢.
"وَ" تَأْتِي "بِمَعْنَى "مَعَ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ ٣ أَيْ مَعَ اللَّهِ٤، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٥ أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ٦. وَقَوْلُ الْعَرَبِ "الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ"٧ أَيْ مَعَ الذَّوْدِ.
_________________
(١) ١ انظر معاني "إلى" في "مغني اللبيب ١/٧٨ وما بعدها، الجنى الداني ص٣٨٥-٣٩٠، الًازهيًة ص٢٨٢ وما بعدها، رصف المباني ص٨٠-٨٣، القواعد والفوائد الأصولية ص١٤٤-١٤٩، المعتمد ١/ ٤٠، الإحكام للآمدي ١/ ٦٢، البرهان ٤/ ٢٣٢-٢٣٤، أوضح المسالك ٣/٤٧. الصاحبي ص١٣٢، فواتح الرحموت١/٢٤٤ وما بعدها، الإتقان ٢/ ١٦١ وما بعدها، التمهيد للأسنوي ص٥٩ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠٢ وما بعدها، كشف الأسرار ٢/ ١٧٧ وما بعدها، المفصل ص٢٨٣، المسودة ص٣٥٦ وما بعدها". ٢ ساقطة من ش. ٣ الآية ٥٢ من آل عمران. ٤ روى ذلك الطبري في تفسيره عن السدي وابن جريج واعتمده وقال: "وأنما حَسُنَ أن يقال "إلى الله" بمعنى "مع الله" لأن من شأن العرب إذا ضمّوا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضمّ أحدهما مع الآخر إذا ضُمَّ إليه، جعلوا مكان "مع" "إلى" أحيانًا". "انظر تفسير الطبري ٣/ ٢٨٤، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٥٧١". ٥ الآية ٢ من النساء. ٦ انظر الأزهيّة ص٢٨٢، رصف المباني ص٨٣، تأويل مشكل القرآن ص٥٧١، الصاحبي ص١٣٢، المفصل ص٢٨٣. ٧ المثل ورد في معاني القرآن للفراء "١/٢١٨" وتأويل مشكل القرآن "ص٥٧١" ولسان العرب "٣/ ١٦٧" وتفسير الطبري "٣/ ٢٨٤" والجنى الداني "ص٣٨٦" ومغني اللبيب "١/ ٧٨" وغيرها. وهو يضرب في اجتماع القيليل إلى القليل حتى يؤدي إلى الكثير، والذود: هو القطيع من الإبل، من الثلاثة إلى العشرة.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ١ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: "إلَى" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ بِمَعْنَى "فِي"، أَيْ: مَنْ أَعْوَانِي فِي ذَاتِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ٢.
"وَابْتِدَاؤُهَا" أَيْ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ "دَاخِلٌ" فِي الْمُغَيَّا٣ "لا انْتِهَاؤُهَا" وَهُوَ مَا بَعْدَ "إلَى" فَلَوْ قَالَ: "لَهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ". لَزِمَهُ٤ تِسْعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لِدُخُولِ الأَوَّلِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْعَاشِرِ.
وَقِيلَ: لا يَدْخُلانِ فَيَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ، "كَالْمَرَافِقِ"٥ دَخَلَتْ، وَإِلاَّ فَلا تَدْخُلُ كَـ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ هو الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، إمام أهل البصرة المجمع على جلالته في كل فن، وهو من سادات التابعين وفضلائهم، جمع العلم والزهد والورع والعبادة، أشهر كتبه "تفسير القرآن". توفي سنة ١١٠هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٤٧، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٤، شذرات الذهب ١/ ١٣٦، المعارف ص٤٤٠، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٦١، صفة الصفوة ٣/ ٢٣٣". ٢ نقل المصنف عن الحسن وأبي عبيدة فيه دمج للقولين معًا، لأن قول أبي عبيدة في قوله سبحانه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي من أعواني في ذات الله. ذكره في كتابه "مجاز القرآن" "١/ ٩٤" وحكاه عنه أبو حيان في "البحر المحيط" "٢/ ٤٧١". أما الحسن فقد نقل إبو حيان عنه أنه قال في الآية: أي من أنصاري في السبيل إلى الله. "البحر المحيط ٢/ ٤٧١". ٣ في ش: المعنى. ٤ ساقطة من ض. ٥ أي في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦] . ٦ الآية ١٨٧ من البقرة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
"عَلَى"
"عَلَى"١ أَشْهَرُ مَعَانِيهَا أَنْ تَكُونَ "لاسْتِعْلاءٍ" سَوَاءٌ كَانَ ذَاتِيًّا٢. نَحْوُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٣ أَوْ مَعْنَوِيًّا نَحْوُ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ ٤.
"وَ" تَكُونُ أَيْضًا "هِيَ لِلإِيجَابِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ" - فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ -: "وَ"عَلَى" ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ"٥.
"وَلَهَا مَعَانٍ" غَيْرُ ذَلِكَ.
- أَحَدُهَا: التَّفْوِيضُ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي "النَّهْرِ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٦: "إذَا عَقَدْت قَلْبَك عَلَى أَمْرٍ بَعْدَ الاسْتِشَارَةِ، فَاجْعَلْ تَفْوِيضَك فِيهِ إلَى اللَّهِ"٧.
- الثَّانِي: الْمُصَاحَبَةُ٨: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ انظر معاني "على" في "الجنى الداني ص٤٧٠-٤٨٠، مغني اللبيب ١/ ١٥٢-١٥٧، الأزهيّة ص٢٨٥-٢٨٨، رصف المباني ص٣٧١ وما بعدها، الصاحبي ص١٥٦، الإشارة إلى الإيجاز ص٣٤، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص٣٩، تأويل مشاكل القرآن ص٥٧٣، ٥٨٧، معترك الإقران ٢/ ٢٠١ وما بعدها، البرهان ٤/ ٢٨٤ وما بعدها، أوضح المسالك ٣/ ٤٠ وما بعدها، الإتقان ٢/ ٢٠١ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٦٣، كشف الأسرار ٢/ ١٧٣ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٤٧، المفصل ص٢٨٧". ٢ أي حسيًّا. ٣ الآية ٤٤ من هود. ٤ الآية ٤٥ من المائدة. ٥ الفروع ٢/ ٥٥٤. ٦ الآية ١٥٩ من آل عمران. ٧ تفسير النهر ٣/ ٩٩. ٨ إي كـ "مَعْ". "انظر مغني اللبيب ١/ ١٥٣، معترك الأقران ٢/ ٦٧٠". ٩ الآية ١٧٧ من البقرة.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الثَّالِثُ: الْمُجَاوَزَةُ١ نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا٢
أَيْ: إذَا رَضِيَتْ عَنِّي.
الرَّابِعُ: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ٣ أَيْ: لِهِدَايَتِكُمْ.
الْخَامِسُ: الظَّرْفِيَّةُ٤، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٥ ٦ أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ ٦.
السَّادِسُ: الاسْتِدْرَاكُ، كَقَوْلِك٧: "فُلانٌ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِسُوءِ صُنْعِهِ، عَلَى أَنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" أَيْ لَكِنْ لا يَيْأَسُ.
السَّابِعُ: الزِّيَادَةُ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ٨".
_________________
(١) ١ أي كـ "عَنْ". "مغني اللبيب ١/ ١٥٣، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٤٧". وفي ع: للمجاوزة. ٢ البيب للقُحَيْف العقيلي، نسبه له الجواليقي في شرح أدب الكاتب "شرح أبيات المغني للبغدادي ٣/ ٢٣٢" والسيوطي في شرح شواهد المغني "١/ ٤١٦" والبغدادي في خزانة الأدب "٤/ ٢٤٩" والهروي في الأزهيّة "ص٢٨٧" وغيرهم. ٣ الآية ١٨٥ من البقرة. ٤ أي كـ "في". "معترك الأقران ٢/ ٦٧٠". ٥ الآية ١٠٢ من البقرة. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ش ض: كقوله. ٨ رواه عديّ بن حاتم وأبو هريرة وعبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ، ولفظه: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه". إخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وأحمد في مسنده وغيرهم. "انظر صحيح البخاري ٨/ ١٥٩، صحيح مسلم ٣/ ١٢٧٢، سنن ابن ماجة ١/ ٦٨١، مسند أحمد ٤/ ٢٥٦، سنن الدارمي ٢/ ١٨٦، نيل الأوطار ٨/ ٢٦٧ وما بعدها، كشف الخفا ٢/ ٢٤٧".
[ ١ / ٢٤٨ ]
أَيْ١ يَمِينًا.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَفِي "عَلَى" أَرْبَعَةُ مَذَاهِبُ٢.
أَحَدُهَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ -: أَنَّهَا حَرْفٌ، إلاَّ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ جَرٍّ. فَتَكُونُ اسْمًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظَمَؤُهَا٣
الثَّانِي - وَبِهِ قَالَ الأَخْفَشُ -: أَنها٤ تَكُونَ اسْمًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورُهَا وَفَاعِلُ مُتَعَلَّقِهَا ضَمِيرَيْنِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك﴾ ٥.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا اسْمٌ دَائِمًا عِنْدَ ابْنِ طَاهِرٍ٦ وَابْنِ خَرُوفٍ٧ وَابْنِ
_________________
(١) ١ في ض: أي من حلف. ٢ انظر شرح أبيات المغني للبغدادي ٣/ ٢٦٦ وما بعدها. ٣ هذا صدر بيت لمزاحم العقيلي يصف فيه القطا، نسبه له ابن منظور في اللسان "١١/ ٣٨٣" وابن السيد البطليوسي في الاقتضاب "ص٤٢٨" والعيني في شرح شواهد شروح الألفية "٣/ ٣٠١" والبغدادي في شرح أبيات المغني "٣/ ٢٦٧" وجزانة الأدب "٤/ ٢٥٥"، وحكى نسبته إليه السيوطي في شرح شواهد المغني "١/ ٤٢٦"، وعجزه: تَصِلُّ وَعَنْ قَيْضٍ بِبيْدَاءَ مَجْهَلِ ٤ في ش: أن. ٥ الآية ٣٧ من الآحزاب. ٦ هو محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي، أبو بكر، المعروف بالخِدَبّ. والخِدَبّ: هو الرجل الطويل. وقد كان من حذاق النحويين وأئمتهم، وعليه تتلمذ ابن خروف. توفي في حدود ٥٨٠هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/ ٢٨، إنباه الرواة ٤/ ١٨٨". ٧ هو علي بن محمد بن علي، نظام الدين، أبو الحسن بن خَرُوف الأندلسي النحوي، كان إمامًا في العربية، ماهرًا في الأصول، أشهر مصنفاته "شرح كتاب سيبويه" و"شرح الجمل" وفي سنة ٦٠٩هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/ ٢٠٣، إنباه الرواة ٤/ ١٨٦،وفيات الأعيان ٣/ ٢٢".
[ ١ / ٢٤٩ ]
الطَّرَاوَةِ١ وَالشَّلُوبِينَ٢ وَالآمِدِيِّ وَحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ٣.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا حَرْفٌ دَائِمًا. وَبِهِ قَالَ السِّيرَافِيُّ٤: وَتُقَدَّرُ٥ بِحَرْفِ جَرٍّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَجْرُورٌ مَحْذُوفٌ.
_________________
(١) ١ هو سليمان بن محمد بن عبد الله السبائي المالقي، أبو الحسين بن الطَّرَاوة، النحوي الماهر، والأديب البارع، والشاعر المجيد. قال السيوطي: "له آراء في النحو تفرد بها وخالف فيها جمهور النحاة" توفي سنة ٥٢٨هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/ ٦٠٢، إنباه الرواة ٤/ ١٠٧". ٢ هو عمر بن محمد بن عبم الأندلسي، أبو علي الأزدي الإشبيلي النحوي، إمام العربية في عصره. والشلوبين تعني بلغة الأندلس: الأبيض الأشقر. من كتبه "تعليق على كتاب سيبويه" و"شرحان على الجزولية" و"التوطئة" في النحو. توفي سنة ٦٤٥هـ. "انظر ترجمته في إنباه الرواة ٢/٣٣٢، بغية الوعاة ٢/ ٢٢٤، شذرات الذهب ٥/ ٢٣٢، وفيات الأعيان ٣/ ١٢٣". ٣ انظر الكتاب لسيبويه ٢/ ٣١٠. ٤ هو الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو سعيد السيرافي القاضي، النحوي الفقيه العلامة، أشهر مصنفاته "شرح كتاب سيبويه" و"أخبار النحويين البصريين" و"الوقف والابتداء" و"شرح مقصورة ابن دريد". توفي سنة ٦٣٨هـ. "انظر ترجمته في معجم الأدباء ٨/ ١٤٥-٢٣٣، المنتظم ٧/ ٩٥، بغية الوعاة ١/ ٥٠٧، وفيات الأعيان ١/ ٣٦٠، طبقات النحويين واللغويين ص١١٩، إنباه الرواة ١/ ٣١٣، شذرات الذهب ٣/ ٦٥". ٥ ساقطة من ش.
[ ١ / ٢٥٠ ]
"فِي"
"فِي"١ تَكُونُ "لِظَرْفٍ" زَمَانًا وَمَكَانًا مِثَالُهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ٢، فَالأُولَى: لِلْمَكَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلزَّمَانِ.
وَقَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ وَمَظْرُوفُهُ جِسْمَيْنِ، كَقَوْلِك "زَيْدٌ فِي الدَّارِ". وَقَدْ يَكُونَانِ مَعْنَيَيْنِ، كَقَوْلِك: "الْبَرَكَةُ فِي الْقَنَاعَةِ". وَقَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ جِسْمًا، وَالْمَظْرُوفُ مَعْنًى كَقَوْلِك: "الإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ"، وَعَكْسُهُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ ٣.
"وَهِيَ بِمَعْنَاهُ" أَيْ وَهِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ "عَلَى قَوْلٍ" أَبِي٤ الْبَقَاءِ٥. وَأَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ٦ "فِي" قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلأَصْلُبَنكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ انظر معاني "في" في "نهاية السول ١/ ٣٧٦ وما بعدها، الجنى الداني ص٢٥٠-٢٥٣، رصف المباني ص٣٨٨-٣٩١، الأزهيّة ص٢٧٧-٢٨٢، مغني اللبيب ١/ ١٨٢ وما بعدها، أوضح المسالك ٣/ ٣٨ وما بعدها، البرهان ٤/ ٣٠٢ وما بعدها، تأويل مشكل القرآن ص٥٦٧، الإشارة إلى الإيجاز ص٣١ وما بعدها، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص٣٧ وما بعدها، الصاحبي ص١٥٧، شرح تنقيح الفصول ص١٠٣، الإحكام للآمدي ١/ ٦٢، التمهيد ص٦٠، القواعد والفوائد الأصولية ص١٤٩ وما بعدها، الإتقان ٢/ ٢١١ وما بعدها، كشف الأسرار ٢/ ١٨١ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٤٨ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٧ وما بعدها، المفصّل ص٢٨٤، معترك الأقران ٣/ ١٧٠ وما بعدها". ٢ الآية ١-٤ من الروم. ٣ الآية ١٩ من البروج. ٤ في ش: لأبي. ٥ إملاء ما مَنْ به الرحمن ٢/ ١٢٤. ٦ في ش: النحويين. ٧ الآية ٧١ من طه.
[ ١ / ٢٥١ ]
وَجَعَلَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ١ وَالْبَيْضَاوِيُّ: لِلظَّرْفِ مَجَازًا٢. كَأَنَّ الْجِذْعَ صَارَ ظَرْفًا لِلْمَصْلُوبِ. لَمَّا تَمَكَّنَ عَلَيْهِ تَمَكَّنَ٣ الْمَظْرُوفُ مِنْ الظَّرْفِ٤.
وَقَالَ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ: هِيَ بِمَعْنَى "عَلَى"، كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَابْنِ مَالِكٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ٥ أَيْ عَلَيْهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٦ أَيْ: عَلَيْهَا. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٧ أَيْ عَلَى السَّمَاءِ.
"وَ" تَأْتِي "فِي" "لاسْتِعْلاءٍ" وَتَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ٨.
"وَتَعْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ٩ أَيْ لأَجْلِهِ.
_________________
(١) ١ هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم، علاّمة التفسير والحديث والنحو واللغة والبيان، صاحب المصنفات الحسان في الفنون المختلفة. أشهر كتبه "الكشاف" في التفسير و"الفائق" في غريب الحديث و"أساس البلاغة" في اللغة و"المفصّل" في النحو و"المستقصى" في الأمثال و"المنهاج" في الأصول و"معجم الحدود" وغيرها. توفي سنة ٥٣٨هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٤/ ٢٥٤ وما بعدها، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣١٤ وما بعدها، بغية الوعاة ٢/ ٢٧٩، إنباه الرواة ٣/ ٢٦٥، المنتظم ١٠/ ١١٢، شذرات الذهب ٤/ ١١٨، معجم الأدباء ١٩/ ١٢٦ وما بعدها". ٢ في ش: مجاز. ٣ ساقطة من ش. ٤ انظر المفصّل للزمخشري ص٢٨٤ ومنهاج الوصول للبيضاوي مع شرحه نهاية السول ١/ ٣٧٥. ٥ الآية ٣٨ من الطور. ٦ الآية ١١ من الأنعام. ٧ الآية ١٦ من الملك. ٨ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه ٧١] وما إلى ذلك. "انظر مغني اللبيب ١/ ١٨٣". ٩ الآية ٣٢ من يوسف.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَمِنْهُ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وَأَنْكَرَهُ الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ٢.
"وَ" تَأْتِي "فِي" أَيْضًا "سَبَبِيَّةً" كَقَوْلِهِ [ﷺ]: "فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ٣ مِائَةٌ" ٤ وَ"دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ" ٥ أَيْ بِسَبَبِ هِرَّةٍ٦.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "مُصَاحَبَةٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ٧ ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ ٨ أَيْ مَعَهُمْ مُصَاحِبِينَ.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَوْكِيدٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ ٩ إذْ الرُّكُوبُ يُسْتَعْمَلُ بِدُونِ "فِي" فَهِيَ مَزِيدَةٌ تَوْكِيدًا.
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من النور. ٢ انظر النهاج للبيضاوي وشرحه للأسنوي ١/ ٣٧٥، ٣٧٧. ٣ في ش: المؤمنة نحر. ٤ الحديث قطعه من كتاب النبي ﷺ الذي بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن، وبيّن فيه الفرائض والسنن والديات، ولفظه "وأنَّ في النفس الديَةَ مائة من الإبل". وقد أخرجه مالك في الموطأ وأبو داود في المراسيل والنسائي وابن حبان وعبد الرزاق والحاكم والبيهقي والدارقطني وأحمد وابن خزيمة وابن الجارود. قال الحاكم: إسناده صحيح، وهو من قواعد الإسلام. وقال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح. "انظر نصب الراية ٢/ ٣٣٩-٣٤٢، سنن البيهقي ٨/ ٧٣، موطأ مالك ٢/ ٨٤٩، نيل الأوطار ٧/ ٦٥، سبيل السلام ٣/ ٢٤٥". ٥ الحديث أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة وأحمد في مسنده عن أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجه الدارمي والبخاري أيضًا عن ابن عمر مرفوعًا. "انظر صحيح البخاري ٤/ ١٥٧، صحيح مسلم ٤/ ٢١١٠، سنن ابن ماجة ٢/ ١٤٢١، مسند أحمد ٢/ ٢٦٩، سنن الدارمي ٢/ ٣٣١، كشف الخفا ١/ ٤٠٣". ٦ في ش: مصاحبة. ٧ الآية ٧٩ من القصص. ٨ الآية ٢٨ من الأعراف. ٩ الآية ٤١ من هود.
[ ١ / ٢٥٣ ]
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَعْوِيضٍ" وَهِيَ الزَّائِدَةُ عِوَضًا عَنْ أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ. كَقَوْلِهِ: "رَغِبْتُ فِيمَنْ رَغِبْتُ"، أَيْ فِيهِ.
"وَ" تَأْتِي "فِي" "بِمَعْنَى الْبَاءِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ١ أَيْ يُلْزِمُكُمْ٢ بِهِ.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى "إلَى" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ ٣ أَيْ إلَيْهَا غَيْظًا.
"وَ" بِمَعْنَى "مِنْ" الْجَارَّةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ٤:
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ ثَلاثِينَ شَهْرًا٥ فِي ثَلاثَةِ أَحْوَالِ٦
أَيْ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ.
_________________
(١) ١ الآية ١١ من الشورى. ٢ كذا في الأصول الخطية كلها، وليس بصواب. والصواب قول ابن هشام في "المغني" والمرادي في "الجنى الداني" والحلي في "شرح جمع الجوامع" حيث قالوا: إن معناها "يكثّركم به"، حيث أن سياق الآية ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ﴾ . "انظر المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٤٩، مغني اللبيب ١/ ١٨٣، الجنى الداني ص٢٥١". ٣ الآية ٩ من إبراهيم. ٤ هو أمرؤ القيس بن حُجْر بن عمرو الكِنْدي، الشاعر الجاهلي المشهور، الملقب بذي القروح. قال ابن خالوية: لأن قيصر أرسل إليه حلة مسمومة، فلما لبسها أسرع السُمّ إليه، فتثقب لحمه، فسمي ذا القروح، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال فيه: "هو قائد الشعراء إلى النار". "انظر ترجمته في الشعر والشعراء ١/ ٥٢-٨٦، تهذيب الأساء واللغات ١/ ١٢٥، المزهر ٢/ ٤٤٣". ٥ في ش: حولًا. ٦ البيت لامرئ القيس مروي في ديوانه ص٢٧، ونسبه له البغدادي في "شرح شواهد المغني" "٤/ ٧٩" والمرادي في "الجنى الداني" ص٢٥٢. ومعناه: كيف ينعم من كان أقرب عهده بالرفاهية والنعيم ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال! قاله الأصمعي وابن السكيت.
[ ١ / ٢٥٤ ]
"اللاَّمُ"
"وَ" تَأْتِي "اللاَّمُ" الْجَارَّةُ١ "لِلْمِلْكِ حَقِيقَةً، لا يُعْدَلُ عَنْهُ" أَيْ عَنْ الْمِلْكِ إلاَّ بِدَلِيلٍ. قَالَهُ أَبُو٢ الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي "التَّمْهِيدِ".
"وَلَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ٣":
أَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ٤. نَحْوُ "زُرْتُك لِشَرَفِكَ"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٥، وَقَوْلِهِ: "أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَى زَيْدٍ"، فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ، رَضِيَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَرْضَ، لأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لا تَعْلِيقٌ.
الثَّانِي: الاسْتِحْقَاقُ٦، نَحْوُ: "النَّارُ لِلْكَافِرِينَ".
الثَّالِثُ: الاخْتِصَاصُ٧، نَحْوُ "الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ".
وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الاسْتِحْقَاقِ وَالاخْتِصَاصِ، بِأَنَّ الاسْتِحْقَاقَ٨ أَخَصُّ. فَإِنَّ
_________________
(١) ١ انظر معاني اللام في "الجنى الداني ص٩٥-١٣٩، معترك الأقران ٢/ ٢٣٩-٢٤٣، الأزهيّة ص٢٩٨ وما بعدها، تسهيل الفوائد ص١٤٥، اللامات لابن فارس ص١٥-٢٦، رصف المباني ص٢١٨-٢٥٦، تأويل مشكل القرآن ص٥٦٩-٥٧٢، مغني اللبيب ١/ ٢٢٨-٢٦١، المفصّل ص٢٨٦-٣٢٦ وما بعدها، الإتقان ٢/ ٢٢٤-٢٢٧، البرهان ٤/٣٣٩-٣٥٠، أوضح المسالك ٣/ ٢٩-٣٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٥٠ وما بعدها، الصاحبي ص١١٢-١١٦، شرح تنقيح الفصول ص١٠٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/٦٢". ٢ في ش: ابن. ٣ ساقطة من ش. ٤ وهي التي يصلح موضعها "من أجل". "البرهان ٤/ ٣٤٠". ٥ الآية ١٠٥ من النساء. ٦ قال ابن هاشم: "وهي الواقعة بين معنى وذات". "مغني اللبيب ١/ ٢٢٨". ٧ ومعناه أنها تدلّ على أن بين الأول والثاني نسبة باعتبار ما دَلَّ عليه متعَلَّقُهُ. "البرهان ٤/ ٣٣٩". ٨ كذا في شرح تنقيح الفصول. وفي الأصول الخطية كلها: الاختصاص.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ضَابِطَهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَمَا شَهِدَتْ لِلْفَرَسِ بِالسَّرْجِ، وَبِالْبَابِ١ لِلدَّارِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَادَةً، نَحْوُ: "هَذَا ابْنٌ لِزَيْدٍ". فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ٢.
الرَّابِعُ: لامُ الْعَاقِبَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا فَاللاَّمُ الصَّيْرُورَةِ، وَبِلامِ الْمَآلِ نَحْوُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٣.
الْخَامِسُ: التَّمْلِيكُ. نَحْوُ: "وَهَبْت لِزَيْدٍ دِينَارًا". وَمِنْهُ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ٤.
السَّادِسُ: شِبْهُ الْمِلْكِ. نَحْوُ: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ٥.
السَّابِعُ: تَوْكِيدُ النَّفْيِ، أَيُّ نَفْيٍ كَانَ، نَحْوُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ٦، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا فَاللاَّمُ الْجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بَعْدَ نَفْيٍ؛ لأَنَّ الْجَحْدَ هُوَ نَفْيُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ٧.
الثَّامِنُ: لِمُطْلَقِ التَّوْكِيدِ. وَهِيَ الدَّاخِلَةُ لِتَقْوِيَةِ عَامِلٍ ضَعِيفٍ بِالتَّأْخِيرِ. نَحْوُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ٨ الأَصْلُ: تَعْبُرُونَ الرُّؤْيَا، أَوْ لِكَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْعَمَلِ نَحْوُ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٩ وَهَذَانِ مَقِيسَانِ.
_________________
(١) ١ كذا في شرح تنقيح الفصول. وفي الأصول الخطية كلها: الباب. ٢ شرح تنقيح الفصول ص١٠٤. ٣ الآية ٨ من القصص. ٤ الآية ٦٠ من التوبة. ٥ الآية ٧٢ من النحل. ٦ الآية ٣٣ من الأنفال. ٧ قال الزركشي: "وضابطها أنها لو سقطت تمَّ الكلام بدونها، وإنما ذكرتْ توكيدًا لنفي الكون". "البرهان ٤/ ٣٤٤" ٨ الآية ٤٣ من يوسف. ٩ الآية ١٦ من البروج.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وَرُبَّمَا أَكَّدَ بِهَا١ بِدُخُولِهَا عَلَى الْمَفْعُولِ "نَحْوُ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ " ٢. وَلَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ زِيَادَةَ اللاَّمِ، وَتَابَعَهُ الْفَارِسِيُّ٣.
التَّاسِعُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "إلَى" نَحْوُ: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ٤ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٥.
الْعَاشِرُ: التَّعْدِيَةُ، نَحْوُ "مَا أَضْرِبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو". وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ مَالِكٍ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا﴾ ٦. وَقِيلَ: إنَّهَا تُشْبِهُ الْمِلْكَ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَلَى" نَحْوُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ ٧، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَرْمَلَةَ٨ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ: " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ" ٩ أَنَّ الْمُرَادَ: عَلَيْهِمْ.
_________________
(١) ١ في ض: بهما. ٢ الآية ٧٢ من النمل، وهي ساقطة من ش. ٣ هو الحسن بن احمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي النحوي، إمام عصره في علوم العربية. أشهر مصنفاته "الإيضاح" في النحو و"التذكرة" و"المقصور والممدود" و"الحجة في القراءات" توفي سنة ٣٧٧هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان ١/ ٣٦١ وما بعدها، معجم الادباء ٧/ ٢٣٢ وما بعدها، إنباه الرواة ١/ ٢٧٣ وما بعدها، شذرات الذهب ٣/ ٨٨، المنتظم ٧/ ١٣٨، بغية الوعاة ١/ ٤٩٦". ٤ الآية ٥٧ من الأعراف. ٥ الآية ٥ من الزلزلة. ٦ الآية ٥ من مريم. ٧ الآية ١٠٧ من الإسراء. ٨ هو حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي المصري، أبو عبد الله، وقيل أبو حفص، صاحب الإمام الشافعي وأحد رواة كتبه، كان إمامًا حافظًا للحديث والفقه، صنف المبسوط والمختصر، وروى عنه مسلم في صحيحه وابن ماجة وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وغيرهم. توفي سنة ٢٤٣هـ. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٥٥، شذرات الذهب ٢/ ١٠٣، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٣، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ١٢٧ وما بعدها". ٩ الحديث ورد في قصة بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها فتعتقها، إذا اشترط أهلها أن يكون =
[ ١ / ٢٥٧ ]
الثَّانِي عَشَرَ: بِمَعْنَى "فِي" نَحْوُ قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
الثَّالِثَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عِنْدَ" أَيْ الْوَقْتِيَّةِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ" ٢. وَمِنْهُ قَوْلُهُ٣: "كَتَبْتُهُ لِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ كَذَا" أَيْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ٤: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٥، ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْت لِحَيَاتِي﴾ ٦.
الرَّابِعَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "مِنْ" نَحْوُ "سَمِعْت لَهُ صُرَاخًا" أَيْ مِنْهُ.
_________________
(١) = الولاء لهم، فرفضت عائشة شراءها على هذا الشرط، فقال ﵊ لعائشة: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن إعتق" ففعلت عائشة ذلك، ثم قام النبي ﷺ فخطب في الناس فقال: "أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". أخرجه البخاري والترمذي والبيهقي والشافعي في الأم عن عائشة، واللفظ للبيهقي والشافعي. "انظر صحيح البخاري ٣/ ٢٥٠، تحفة الأحوذي ٤/ ٤٦٨، سنن البيهقي ١٠/ ٢٩٥، الأم ٤/ ١٢٦، أقضية النبي ﷺ للقرطبي ص١٠٢". ١ الآية ٤٧ من الأنبياء. ٢ رواه أبو هريرة وابن عمر وابن عباس والبراء بن عازب مرفوعًا، وأخرجه البخاري مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وأحمد في مسنده. "انظر صحيح البخاري ٣/ ٣٥، صحيح مسلم ٢/ ٧٥٩، تحفة الأحوذي ٣/ ٣٦٩، سنن النسائي ٤/ ١٣٢، سنن ابن ماجة ١/ ٥٣٠، كشف الخفا ٢/ ٣٣، نصب الراية ٢/ ٤٣٧". ٣ في ش: قولك. ٤ انظر الكشاف ١/ ٦٨٦، ٤/ ٦٠٠. ٥ الآية ٧٨ من الإسراء. ٦ الآية ٢٤ من الفجر.
[ ١ / ٢٥٨ ]
الْخَامِسَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَنْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ ١ أَيْ قَالُوا عَنْهُمْ ذَلِكَ.
وَضَابِطُهَا: أَنْ تَجُرَّ اسْمَ مَنْ غَابَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا عَنْ قَوْلِ قَائِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمَا بَعْدَ الْقَوْلِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دَلالَةَ حَرْفٍ عَلَى مَعْنَى حَرْفٍ: هُوَ طَرِيقُ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ: فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَلَى تَضْمِينِ٢ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ ذَلِكَ الْحَرْفُ ٣ مَا يَصْلُحُ مَعَهُ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَرْفِ ٣ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَرَوْنَ التَّجَوُّزَ فِي الْفِعْلِ أَسْهَلَ مِنْ التَّجَوُّزِ فِي الْحَرْفِ.
_________________
(١) ١ الآية ١١ من الأحقاف. ٢ في ش: تضمن. ٣ ساقطة من ش.
[ ١ / ٢٥٩ ]
"بَلْ"
"بَلْ"١ تَأْتِي "لِعَطْفٍ وَإِضْرَابٍ، إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ فِي إثْبَاتٍ" نَحْوُ: "جَاءَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو"، وَ"أَكْرِمْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا" "فَتُعْطَى حُكْمَ مَا قَبْلَهَا" وَهِيَ مَجِيءُ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الأَوَّلِ، وَإِكْرَامُ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي "لِمَا بَعْدَهَا" أَيْ٢ بَعْدَ "بَلْ" فِي الْمِثَالَيْنِ، وَهُوَ عَمْرٌو.
"وَ" إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ "فِي نَفْيٍ" نَحْوُ "مَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو"، وَ"لا تَضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا" "فَـ" إنَّهَا "تُقَرِّرُ" حُكْمَ "مَا قَبْلَهَا" وَهُوَ نَفْيُ قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الأَوَّلِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي "وَ" تُقَرِّرُ "ضِدَّهُ" أَيْ ضِدَّ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا "لِمَا بَعْدَهَا".
هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ [وَابْنُ] عَبْدِ الْوَارِثِ٣، وَتِلْمِيذُهُ٤
_________________
(١) ١ انظر معاني "بل" في "البرهان ٤/ ٢٥٨-٢٦٠، معترك الأقران ١/ ٦٣٧ وما بعدها، مغني اللبيب ١/ ١١٩ وما بعدها، الإتقان ٢/ ١٨٥ وما بعدها، الجنى الداني ص٢٣٥ وما بعدها، رصف المباني ص١٥٣-١٥٧، الأزهيّة ص٢٢٨-٢٣١، تأويل مشكل القرآن ص٥٣٦، المفصل ص٣٠٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٣٦ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠٩ وما بعدها، الصاحبي ص١٤٥ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٤٣ وما بعدها، كشف الأسرار ٢/١٣٥ وما بعدها". ٢ في ش: أي لما. ٣ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الوارث، أبو الحسين الفارسي النحوي، ابن اخت أبي علي الفارسي وتلميذه، وإمام النحو من بعده، أشهر تصانيفه "كتاب الهجاء" و"كتاب الشعر". توفي سنة ٤٢١هـ. "انظر ترجمته في إنباه الرواة ٣/ ١١٦، بغية الوعاة ١/ ٩٤، معجم الادباء ١٨/ ١٨٦". ٤ في ش: وتلميذ.
[ ١ / ٢٦٠ ]
الْجُرْجَانِيُّ١ - مَعَ ذَلِكَ- أَنْ تَكُونَ نَاقِلَةً الْحُكْمَ٢ الأَوَّلِ لِمَا بَعْدَهَا، كَمَا فِي الإِثْبَاتِ وَمَا فِي حُكْمِهِ. فَيُحْتَمَلُ عِنْدَهُمْ فِي نَحْوِ: "مَا قَامَ عَمْرٌو، بَلْ زَيْدٌ"، وَفِي: "لا تَضْرِبْ زَيْدًا، بَلْ عَمْرًا" أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ "لا تَضْرِبْ عَمْرًا" أَيْضًا.
"وَ" لا تَكُونُ "بَلْ" عَاطِفَةً إنْ وَقَعَتْ "قَبْلَ جُمْلَةٍ" وَإِنَّمَا تَكُونُ "لابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ" وَهُوَ ضَرْبَانِ:
- ضَرْبٌ "لإِبْطَالِ" الْحُكْمِ السَّابِقِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٣. وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٤.
- وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ انْتِقَالٍ" أَيْ إضْرَابٌ لانْتِقَالٍ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ مِنْ غَيْرِ إبْطَالِ الأَوَّلِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ ٥ وقَوْله٦ تَعَالَى: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا
_________________
(١) ١ هو عبد القاهر بن عبد الرحمن، أبو بكر الجرجاني الشافعي النحوي، الإمام المشهور، أخذ عن أبي الحسين بن عبد الوارث ابن اخت أبي علي الفارسي ولم يأخذ عن غيره، وكان من كبار أئمة العربية والبيان، أشهر كتبه "إعجاز القرآن" و"المقتصد في شرح الإيضاح" و"الجمل" وغيرها. توفي سنة ٤٧١هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/ ١٠٦، إنباه الرواة ٢/١٨٨، شذرات الذهب ٣/ ٣٤٠، طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٤٩، الوافي بالوفيات ١/ ٦١٢، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٢٠". ٢ في ش: حكم. ٣ الآية ٧٠ من المؤمنون. ٤ الآية ٢٦ من الأنبياء. ٥ الآيتان ٦٢، ٦٣ من المؤمنون. ٦ في ش: وقال.
[ ١ / ٢٦١ ]
عَمُونَ﴾ ١. فَفِي هَذِهِ الأَمْثِلَةِ لَمْ تُبْطِلْ شَيْئًا مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا فِيهِ انْتِقَالٌ ٢ مِنْ خَبَرٍ عَنْهُمْ ٢ إلَى خَبَرٍ آخَرَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الإِضْرَابَ الانْتِقَالِيَّ قَطْعٌ لِلْخَبَرِ لا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ مَالِكٍ: أَنَّ هَذِهِ عَاطِفَةٌ أَيْضًا، لَكِنْ جُمْلَةٌ عَلَى جُمْلَةٍ٣ وَصَرَّحَ بِهِ وَلَدُهُ٤ فِي "شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ".
_________________
(١) ١ الآية ٦٦ من النمل. ٢ في ش: عنهم من خبر. ٣ انظر تسهيل الفوائد ص١٧٧. ٤ وولد ابن مالك هذا: هو محمد بن محمد بن عبد الله، بدر الدين بن مالك. قال الصفدي: "كان إمامًا فهمًا ذكيًا حادّ الخاطر إمامًا في النحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والمنطق، جيد المشاركة في الفقه والأصول". أشهر مصنفاته "شرح ألفية والده" و"شرح كافيته" وشرح الحاجبية. توفي سنة ٦٨٦هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/ ٢٢٥، شذرات الذهب ٥/ ٣٩٨، طبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٩٨". وكلمة "ولده" ساقطة من ش.
[ ١ / ٢٦٢ ]
"أَوْ"
"أَوْ"١ حَرْفُ عَطْفٍ، وَتَأْتِي "لِشَكٍّ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ٢ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "إمَّا" الَّتِي لِلشَّكِّ: أَنَّ الْكَلامَ مَعَ "إمَّا" لا يَكُونُ إلاَّ مَبْنِيًّا عَلَى الشَّكِّ، بِخِلافِ "أَوْ" فَقَدْ يَبْنِي الْمُتَكَلِّمُ كَلامَهُ عَلَى الْيَقِينِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الشَّكُّ.
"وَ" تَأْتِي لِـ "إبْهَامٍ" وَيُعَبَّرُ عَنْهُ٣ أَيْضًا بِالتَّشْكِيكِ، نَحْوُ "قَامَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو". إذَا عَلِمْت الْقَائِمَ مِنْهُمَا. وَلَكِنْ قَصَدْت الإِيهَامَ عَلَى الْمُخَاطَبِ. فَهَذَا تَشْكِيكٌ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِبْهَامٌ مِنْ جِهَةِ السَّامِعِ.
"وَ" تَأْتِي "أَوْ"٤ أَيْضًا٥ لِـ "إبَاحَةٍ" نَحْوُ "جَالِسْ الْحَسَنَ، أَوْ ابْنَ سِيرِينَ".
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَخْيِيرٍ" نَحْوُ٦ "خُذْ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا". وَمِنْهُ "تَزَوَّجْ هِنْدًا أَوْ أُخْتَهَا". وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ
_________________
(١) ١ انظر معاني "أو" في "معترك الأقران ١/ ٦١٢-٦١٥، الجنى الداني ص٢٢٧-٢٣٢، رصف المباني ص١٣١-١٣٤، كشف الأسرار ٢/ ١٤٣ وما بعدها، تأويل مشكل القرآن ص٥٤٣ وما بعدها، الأزهيّة ص١١٥-١٣٠، مغني اللبيب ١/ ٦٤-٧١، الإتقان ٢/ ١٧٥-١٧٨، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٣٦ وما بعدها، البرهان ٤/ ٢٠٩-٢١٤، الصاحبي ص١٢٧ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٣٨ وما بعدها، المفصل ص٢٠٤ وما بعدها". ٢ الآية ١١٣ من المؤمنون. ٣ في ز: عنها. ٤ ساقطة من ش ع. ٥ ساقطة من ع. ٦ ساقطة من ز.
[ ١ / ٢٦٣ ]
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ١ وَحَدِيثِ الْجُبْرَانِ: "فِي الْمَاشِيَةِ شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا"٢.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: امْتِنَاعُ الْجَمْعِ فِي التَّخْيِيرِ، وَجَوَازُهُ فِي الإِبَاحَةِ.
"وَ" تَأْتِي "أَوْ"٣ أَيْضًا لِـ "مُطْلَقِ جَمْعٍ"٤ كَالْوَاوِ نَحْوُ٥ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ٦ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَقْسِيمٍ" نَحْوُ "الْكَلِمَةُ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ حَرْفٌ". وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ مَالِكٍ بِالتَّفْرِيقِ٧. وَقَالَ: "إنَّهُ أَوْلَى مِنْ لَفْظِ التَّقْسِيمِ".
"وَ" تَأْتِي "أَوْ" أَيْضًا "بِمَعْنَى إلَى" نَحْوُ "لأَلْزَمَنَّك أَوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي".
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى "إلاَّ" نَحْوُ "لأَقْتُلَنَّ الْكَافِرَ أَوْ يُسْلِمَ"، أَيْ إلاَّ
_________________
(١) ١ الآية ٨٩ من المائدة. ٢ هذا جزء من حديث طويل رواه أنس عن أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا في بيان زكاة المواشي. وقد أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وأحمد والحاكم والبيهقي والشافعي، وصححه ابن حبان والدارقطني وغيرهما. قال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة، عمل به الصديق بحضرة العلماء، ولم يخالفه أحد. "انظر نيل الأوطار ٤/ ١٤٠، سنن أبي داود ١/ ٣٥٩، صحيح البخاري بحاشية السندي ١/ ٢٥١، مستدرك الحاكم ١/ ٣٦٠، سنن البيهقي ٤/ ١٠٠، سنن النسائي ٥/ ١٣". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش ع: الجمع. ٥ في ش: في. ٦ الآية ١٤٧ من الصافات. ٧ انظر تسهيل الفوائد ص١٧٦.
[ ١ / ٢٦٤ ]
أَنْ١ يُسْلِمَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ٢:
وَكُنْت إذَا غَمَزْت قَنَاةَ قَوْمٍ كَسَرْت كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا
أَيْ إلاَّ أَنْ تَسْتَقِيمَ.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "أَوْ" بِمَعْنَى "إضْرَابٍ كَـ بَلْ" وَمَثَّلُوهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ٣ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ٤ يَجْعَلْهَا فِي الآيَةِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ البيت لأبي أمامة زياد الأعجم، نسبه إليه سيبويه "١/٤٢٨" والأصبهاني في الأغاني "١٣/ ٩٠" والهروي في الأزهية "ص١٢٨" والسيرافي في شرح أبيات سيبويه "٢/١٦٢" والعيني في شرح شواهد شروح الألفية "٤/٣٨٥" والسيوطي في شرح شواهد المغني "١/٢٠٥" وحكى نسبته إليه البغدادي في شرح أبيات المغني "٢/٧٠". ومعنى البيت: أنه إذا هجا قومًا أبادهم بالهجاء وأهلكهم، إلا أن يتركوا سبّه وهجاءه. ٣ الآية ١٤٧ من الصافات. ٤ ساقطة من ش.
[ ١ / ٢٦٥ ]
"لَكِنْ"
"لَكِنْ"١ تَكُونُ "لِعَطْفٍ وَاسْتِدْرَاكٍ" وَمَعْنَى الاسْتِدْرَاكِ: أَنْ تَنْسُبَ لِمَا بَعْدَهَا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ مَا قَبْلَهَا، وَلِذَلِكَ٢ لا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا كَلامٌ مُنَاقِضٌ لِمَا بَعْدَهَا.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَإِنَّمَا تَكُونُ حَرْفَ عَطْفٍ وَاسْتِدْرَاكٍ بِشَرْطَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ لا تَقْتَرِنَ بِالْوَاوِ - عِنْدَ أَكْثَرِ النُّحَاةِ- وَالتَّالِي لَهَا٣ مُفْرَدٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: "إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ فِي نَفْيٍ أَوْ نَهْيٍ" نَحْوُ "مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو" وَ"لا يَقُمْ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو".
"وَ" تَكُونُ لَكِنْ "قَبْلَ جُمْلَةٍ لابْتِدَاءٍ" لا حَرْفِ عَطْفٍ، وَتَقَعُ هُنَا بَعْدَ إيجَابٍ وَنَفْيٍ وَنَهْيٍ وَأَمْرٍ لا٤ اسْتِفْهَامٍ.
_________________
(١) ١ انظر معاني "لكن" في "مغني اللبيب ١/ ٣٢٣ وما بعدها، الجنى الداني ص٥٨٦-٥٩٢، رصف المباني ص٢٧٤-٢٧٨، كشف الأسرار ٢/ ١٣٩ وما بعدها، الإتقان ٢/ ٢٣٢، معترك الأقران ٢/ ٢٤٨، المفصل ص٣٠٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٣٧ وما بعدها، الصاحبي ص١٧٠، البرهان ٤/٣٨٩ وما بعدها". ٢ في ش: وكذلك. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: و.
[ ١ / ٢٦٦ ]
"الْبَاءُ"
"الْبَاءُ"١ تَكُونُ "لإِلْصَاقٍ حَقِيقَةً" نَحْوُ "أَمْسَكْت ٢ الْحَبْلِ بِيَدِي ٢" "وَمَجَازًا" نَحْوُ "مَرَرْت بِزَيْدٍ" فَإِنَّ الْمُرُورَ لَمْ يُلْصَقْ بِهِ، وَإِنَّمَا أُلْصِقَ بِمَكَانٍ يَقْرُبُ مِنْ زَيْدٍ.
وَمَعْنَى الإِلْصَاقِ: أَنْ يُضَافَ الْفِعْلُ إلَى الاسْمِ، فَيُلْصَقُ بِهِ بَعْدَ مَا كَانَ لا يُضَافُ إلَيْهِ لَوْلا دُخُولُهَا، نَحْوُ "خُضْت الْمَاءَ بِرِجْلِي"، وَ"مَسَحْت بِرَأْسِي".
وَالْبَاءُ لا تَنْفَكُّ عَنْ الإِلْصَاقِ، إلاَّ أَنَّهَا قَدْ تَتَجَرَّدُ٣ لَهُ، وَقَدْ يَدْخُلُهَا مَعَ ذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ لَهَا سِيبَوَيْهِ٤ مَعْنًى غَيْرَهُ.
"وَلَهَا مَعَانٍ" أُخَرُ:
أَحَدُهَا: التَّعْدِيَةُ، وَتُسَمَّى بَاءَ النَّقْلِ وَهِيَ الْقَائِمَةُ مَقَامَ الْهَمْزَةِ فِي تَصْيِيرِ الْفَاعِلِ مَفْعُولًا نَحْوُ٥ قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ انظر معاني الباء في "الجنى الداني ص٣٦- ٥٦، الأزهيّة ص٢٩٤-٢٩٧، رصف المباني ص١٤٢-١٥٢، مغني اللبيب ١/ ١٠٦-١١٨، تأويل مشكل القرآن ص٥٦٨، ٥٧٥، ٥٧٨، البرهان ٤/ ٢٥٢-٢٥٧، معترك الأقران ١/ ٦٣٤-٦٣٧، أوضح المسالك ٣/ ٣٥-٣٨، الصاحبي ص١٠٥-١٠٧، الإشارة إلى الإيجاز ص٣٦ وما بعدها، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن ص٤١ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠٤ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٦٢، القواعد والفوائد الأصولية ص١٤٠، ١٤٣، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٢، الاتقان ٢/ ١٨٢-١٨٥، المفصل ص٢٨٥، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٤٢ وما بعدها، كشف الأسرار ٢/ ١٦٧ وما بعدها، المسودة ص٣٥٦". ٢ في ش: بالحبل. ٣ في ش: تجرد. ٤ انظر الكتاب لسيبويه ٢/ ٣٠٤. ٥ في ش: في.
[ ١ / ٢٦٧ ]
بِنُورِهِمْ﴾ ١ وَأَصْلُهُ: ٢ ذهَبَ نُورَهُمْ ٢.
الثَّانِي: الاسْتِعَانَةُ: وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى آلَةِ الْفِعْلِ وَنَحْوِهَا، نَحْوُ: "كَتَبْت بِالْقَلَمِ"، وَ"قَطَعْت بِالسِّكِّينِ"، وَمِنْهُ ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ٣.
الثَّالِثُ: السَّبَبِيَّةُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلًاّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ ٤ وَأَدْرَجَ فِي "التَّسْهِيلِ" بَاءَ الاسْتِعَانَةِ فِي بَاءِ السَّبَبِيَّةِ٥.
الرَّابِعُ: التَّعْلِيلِيَّةُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ٦.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ مُوجِبَةٌ لِمَعْلُولِهَا، بِخِلافِ السَّبَبِ لِمُسَبَّبِهِ، فَهُوَ كَالأَمَارَةِ٧.
الْخَامِسُ: الْمُصَاحَبَةُ، "وَهِيَ الَّتِي"٨ يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا٩ "مَعَ" أَوْ يُغْنِي عَنْهَا وَعَنْ مَصْحُوبِهَا الْحَالُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ ١٠ أَيْ مَعَ الْحَقِّ، أَوْ مُحِقًّا١١.
السَّادِسُ: الظَّرْفِيَّةُ ١٢ بِمَعْنَى "فِي" لِلزَّمَانِ ١٢، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:
_________________
(١) ١ الآية ١٧ من البقرة. ٢ في ش: أذهب الله نورهم. ٣ الآية ٤٥ من البقرة. ٤ الآية ٤٠ من العنكبوت. ٥ انظر تسهيل الفوائد لابن مالك ص١٤٥. ٦ الآية ١٦٠ من النساء. ٧ في ش: كالإشارة. ٨ في ع ض ز ب: وهو الذي. ٩ في ض: موضوعها. ١٠ الآية ١٧٠ من النساء. ١١ في ش: حقًا. ١٢ في ش: معنى في الزمان.
[ ١ / ٢٦٨ ]
﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ ١ وَلِلْمَكَانِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ٢، وَرُبَّمَا كَانَتْ الظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةً، نَحْوُ "بِكَلامِك بَهْجَةٌ".
السَّابِعُ: الْبَدَلِيَّةُ بِأَنْ يَجِيءَ مَوْضِعُهَا "بَدَلَ"، نَحْوُ قَوْلِهِ [ﷺ] فِي الْحَدِيث: "مَا يَسُرُّنِي بِهَا حُمْرُ النَّعَمِ" ٣ أَيْ بَدَلَهَا.
الثَّامِنُ: الْمُقَابَلَةُ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الأَثْمَانِ وَالأَعْوَاضِ٤. نَحْوُ "اشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِأَلْفٍ"، وَدُخُولُهَا غَالِبًا عَلَى الثَّمَنِ. وَرُبَّمَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُثَمَّنِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ٥ وَلَمْ يَقُلْ: وَلا تَشْتَرُوا آيَاتِي بِثَمَنٍ قَلِيلٍ.
التَّاسِعُ: الْمُجَاوَزَةُ بِمَعْنَى "عَنْ" وَتَكْثُرُ بَعْدَ السُّؤَالِ نَحْوُ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٦ وَتَقِلُّ بَعْدَ غَيْرِهِ نَحْوُ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ ٧ وَهُوَ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وَتَأَوَّلَهُ الشَّلَوْبِينَ عَلَى أَنَّهَا بَاءُ السَّبَبِيَّةِ.
_________________
(١) ١ الآيتان ١٣٧، ١٣٨ من الصافات. ٢ الآية ١٢٣ من آل عمران. ٣ الحديث رواة محمد بن إسحاق عن محمد بن زيد بن المهاجر عن طلحة بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال عن حلف الفضول: "لقد شهد في دار عبد الله بن جُدعان حِلْفًَا ما أحبُّ أنْ لي به حُمُرَ النُعَم، ولو أدعى به في الإسلام الأجبت". كما روي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين. والمراد بقوله "ما أحبُّ أن لي به حمر النعم" أنني لا أحب نقضه وإن دُفع لي حمر النعم في مقابلة ذلك، وهذ الحلف كان في الجاهلية وتعاقدت فيه قبائل من قريش وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه على مَنْ ظلمه حتى ترد إليه مظلمته. "انظر سيرة ابن هشام ١/ ١٤٥، البداية والنهاية ٢/ ٢٩٣، شفاء الغرام ٢/ ٩٩ وما بعدها، الاكتفاء للكلاعي ١/ ٨٩". ٤ في ع: الأعراض. ٥ الآية ٤١ من البقرة. ٦ الآية ٥٩ من الفرقان. ٧ الآية ٢٥ من الفرقان.
[ ١ / ٢٦٩ ]
الْعَاشِرُ: الاسْتِعْلاءُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ ١ أَيْ عَلَى دِينَارٍ. وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي٢ فِي "الْبُرْهَانِ" عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْقَسَمُ، وَهُوَ أَصْلُ حُرُوفِهِ، نَحْوُ "بِاَللَّهِ لأَفْعَلَنَّ".
الثَّانِي٣ عَشَرَ: الْغَايَةُ. نَحْوُ ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ ٤ أَيْ إلَيَّ.
الثَّالِثَ ٣ عَشَرَ: التَّوْكِيدُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ إمَّا مَعَ الْفَاعِلِ٥، نَحْوُ "أَحْسِنْ بِزَيْدٍ"٦، عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ فَاعِلٌ، أَوْ مَعَ٧ الْمَفْعُولِ، نَحْوُ٨: ﴿وَهُزِّي إلَيْك بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ٩، أَوْ مَعَ الْمُبْتَدَأِ. نَحْوُ "بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ"، أَوْ الْخَبَرُ نَحْوُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ الآية ٧٥ من آل عمران. ٢ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، أبو المعالي، الملقب بضياء الدين، المعروف بإمام الحرمين. قال ابن خلكان: "إعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم، أشهر مصنفاته "نهاية المطلب" في الفقه و"البرهان" في أصول الفقه و"الإرشاد" و"الشامل" في أصول الدين و"غياث الأمم" في الأحكام السلطانية. توفي سنة ٤٧٨هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٢/ ٣٤١ وما بعدها، طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٦٥ وما بعدها، المنتظم ٩/ ١٨، شذرات الذهب ٣/ ٣٥٨". ٣ ساقطة من ش. ٤ الآية ١٠٠ من يوسف. ٥ في الأصول الخطية كلها: الفعل. ليس بصواب. ٦ قال ابن هاشم: إن الأصل "أحسن زيدّ" بمعنى صار ذا حُسْنٍ، ثم غْيّرت صيعة الخبر إلى الطلب، وزيدت الباء إصلاحًا للفظ، "مغني اللبيب ١/ ١١٢". ٧ في الأصول الخطية كلها: معنى. وليس بصواب. ٨ في ش: ونحو. ٩ الآية ٢٥ من مريم. ١٠ الآية ٣٦ من الزمر.
[ ١ / ٢٧٠ ]
الرَّابِعَ١ عَشَرَ: التَّبْعِيضُ. قَالَ بِهِ الْكُوفِيُّونَ وَالأَصْمَعِيُّ وَالْفَارِسِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ٢ نَحْوُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ٣ أَيْ مِنْهَا.
وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ٤ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ جِنِّي٥ وَغَيْرُهُ٦.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ٧: "إنَّهَا هُنَا تُفِيدُ فَائِدَةً غَيْرَ التَّبْعِيضِ، وَهُوَ الدَّلالَةُ عَلَى مَمْسُوحٍ٨ بِهِ. قَالَ: وَالأَصْلُ فِيهِ: "امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ". فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ. وَالأَصْلُ: رُءُوسَكُمْ بِالْمَاءِ"٩.
_________________
(١) ١ في ش: الثالث. ٢ انظر تسهيل الفوائد ص١٤٥. ٣ الآية ٦ من الإنسان. ٤ الآية ٦ من المائدة. ٥ فقال: "فأما ما يحكيه أصحاب الشافعي ﵀ عنه من أن الباء للتبعيض، فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثَبَتٌ". "سر صناعة الإعراب ١/ ١٣٩". ٦ كابن دريد وابن عرفة وابن برهان وغيرهم. "انظر القواعد والفوئد الأصولية ص١٤٠ وما بعدها". ٧ هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الا شبيلي، المعروف بأبي بكر بن العربي القاضي، كان إماماُ من أئمة المالكية، أقرب إلى الاجتهاد منه إلى التقليد، محدثًا فقيهًا أصوليًا مفسرًا. أديبًا متكلمًا، أشهر كتبه "أحكام القرآن" و"الإنصاف في مسائل الخلاف" و"المحصول في علم الأصول" و"عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي" وغيرها، توفي سنة ٥٤٣هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣/ ٤٢٣، الديباج المذهب ٢/ ٢٥٢، شذرات الذهب ٤/ ١٤١، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٦٢، الفتح المبين ٢/٢٨". ٨ في ش: الممسوح. ٩ ونص كلام ابن العربي كما جاء في كتابه "أحكام القرآن": "ظن ً بعض الشافعية وحشوية النحوية أن الباء للتبعيض، ولم يبق ذو لسان رطب إلًا وقد أفاض في ذلك، حتى صار الكلام فيها إخلالًا با لمتكلم ولايجوز لمن شدا طرفًا من العربية أن يعتقد في الباء ذلك إلى أن يقول: وذلك أن قوله "وامسحوا" يقتضي ممسوحا به، والممسوح الأول هو المكان، والممسوح الثاني هو الآلة التي بين الماسح والممسوح كاليد، والمحصّل للمقصود من المسح وهو المنديل، وهذه ظاهرة لا خفاء به. فإذا ثبت هذا، فلو قال "امسحوا رءوسكم" لأجرًا المسح باليد إمرار من غير شيء على الرأس، لا ماء ولا سواه، فجاء بالباء ليفيد ممسوحًا به وهو الماء، فكأنه قال "فاسمحوا برءوسكم الماء" من باب المقلوب، والعرب تستعمله الح". "أحكام القرآن ٢/ ٥٦٩".
[ ١ / ٢٧١ ]
"إذَا"
"إذَا"١ تَأْتِي "لِمُفَاجَأَةٍ حَرْفًا" وَهِيَ الَّتِي يَقَعُ بَعْدَهَا الْمُبْتَدَأُ، فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ. فَإِنَّ الْوَاقِعَ بَعْدَهَا الْفِعْلُ. وَقَدْ اجْتَمَعَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ٢.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُفَاجَأَةِ: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ٣، وَلا تَحْتَاجُ "إذًا" الْمُفَاجَأَةُ إلَى جَوَابٍ. وَمَعْنَاهَا الْحَالُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: "وَمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ: حُضُورُ الشَّيْءِ مَعَك فِي وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِك الْفِعْلِيَّةِ، وَتَصْوِيرُهُ فِي قَوْلِك٤: "خَرَجْت فَإِذَا الأَسَدُ" [فَمَعْنَاهُ] ٥، حُضُورُ الأَسَدِ مَعَك فِي زَمَنِ وَصْفِك بِالْخُرُوجِ، أَوْ فِي مَكَان خُرُوجَك٦، وَحُضُورُهُ٧ مَعَك٨ فِي مَكَانِ خُرُوجِك أَلْصَقُ بِك مِنْ
_________________
(١) ١ انظر معاني "إذا" في "مغني اللبيب ١/ ٩٢-١٠٥، رصف المباني ص٦١ وما بعدها، الأزهيّة ص٢١١ وما بعدها، الجنى الداني ص٣٦٧-٣٨٠، البرهان ٤/ ١٩٠-٢٠٦، كشف الأسرار ٢/ ١٩٣ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٤١، الإتقان ٢/ ١٤٧-١٥٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٨ وما بعدها، معترك الأقران ١/ ٥٨٠-٥٨٥". ٢ الآية ٢٥ من الروم. ٣ الآية ٢٠ من طه. ٤ في ش: قوله. ٥ زيادة من نص كلام ابن الحاجب الذي نقله عنه السيوطي في الاتقان ٢/ ١٤٨ ومعترك الأقران ١/ ٥٨٠، بيد أنَّها في المعترك "معناه". ٦ في ش: يخرج خروجك. ٧ كذا في نص ابن الحاجب كما نقله عنه السيوطي في الاتقان ٢/ ١٤٨ ومعترك الأقران ١/ ٥٨٠، وفي ش ز: أو. وفي د ع ب ض: إذ. ٨ في ش: معه.
[ ١ / ٢٧٢ ]
حُضُورِهِ فِي زَمَنِ خُرُوجِك١؛ لأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ يَحْصُك٢ دُونَ مَنْ أَشْبَهَك. وَذَلِكَ الزَّمَانُ لا يَخُصُّكَ٣ دُونَ مَنْ أَشْبَهَك. وَكُلَّمَا كَانَ أَلْصَقَ كَانَتْ الْمُفَاجَأَةُ فِيهِ أَقْوَى".
"وَ" تَأْتِي "إذَا" "ظَرْفًا لِـ" زَمَنٍ "مُسْتَقْبَلٍ لا مَاضٍ وَحَالٍ، مُتَضَمِّنَةً مَعْنَى الشَّرْطِ غَالِبًا" وَلِذَلِكَ تُجَابُ هِيَ بِمَا تُجَابُ بِهِ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ نَحْوُ "إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقُمْ إلَيْهِ"، فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا، إلاَّ أَنَّهَا ضُمِّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الشَّرْطِ: فَلَمْ يُجْزَمْ بِهَا الْمُضَارِعُ، وَلا تَكُونُ إلاَّ فِي الْمُحَقَّقِ. وَمِنْهُ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ ٤ لأَنَّ مَسَّ الضُّرِّ فِي الْبَحْرِ مُحَقَّقٌ.
وَلَمَّا لَمْ يُقَيَّدْ بِالْبَحْرِ أَتَى٥ بِـ "إِنْ" الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ نَحْوُ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ٦.
وَتَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ٧ الْمَعْنَى.
وَمَا قُلْنَاهُ فِي الْمَتْنِ مِنْ كَوْنِ "إذَا" لا تَجِيءُ لِمَاضٍ وَلا لِحَالٍ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَتَأَوَّلُوا مَا أَوْهَمَ خِلافَ ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ في ش: خروجه. ٢ في ش: يحصل. ٣ في ش: لا يحصل. ٤ الآية ٦٧ من الإسراء. ٥ في ش: أي. ٦ الآية ٥١ من فصلت. وقد جاء في الأصول الخطية كلها "وإن مسه الشر فذو دعاء عريض" وهو خطأ في الآية. فذكرنا الصواب، الآية لا تصلح شاهدًا لكلامه، وإنما الذي يشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ الآية ٤٩ من فصلت. ٧ في ش: الاسمية الفعليه.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وَمِمَّا ١ أَوْهَمَ مَجِيئَهَا لِلْمَاضِي: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ ٢ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ ٣ وَمِمَّا ١ أَوْهَمَ مَجِيئَهَا لِلْحَالِ٤ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى﴾ ٥، ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ٦.
وَقَالُوا: إنَّهَا لَمَّا جُرِّدَتْ هُنَا عَنْ الشَّرْطِ جُرِّدَتْ عَنْ الظَّرْفِ. فَتَكُونُ هُنَا لِمُجَرَّدِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا مُخْتَصَّةً بِأَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ الآية ٩٢ من التوبة. ٣ الآية ١١ من الجمعة. ٤ في ز: لحال. ٥ الآية الأولى من الليل. ٦ الآية الأولى من النجم.
[ ١ / ٢٧٤ ]
"إذْ"
"إذْ"١ بِإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ "اسْمٌ" لإِضَافَتِهَا فِي نَحْوِ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا﴾ ٢ وَلِتَنْوِينِهَا٣ فِي نَحْوِ "يَوْمَئِذٍ"٤ "لِـ" زَمَنٍ "مَاضٍ" فَقَطْ.
"وَفِي قَوْلٍ" لِزَمَنٍ "مُسْتَقْبَلٍ" مِثْلُ "إذَا" وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ٥ وَطَائِفَةٌ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ ٦.
وَأَجَابَ الأَكْثَرُ عَنْ الآيَةِ وَنَحْوِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. مِثْلُ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ٧.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ: فَتَأْتِي "ظَرْفًا" لِزَمَنٍ مَاضٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٨.
"وَ" تَأْتِي "مَفْعُولًا بِهِ" نَحْوُ: ﴿وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ انظر معاني "إذ" في "معترك الأقران ١/ ٥٧٦-٥٨٠، الإتقان ٢/ ١٤٤-١٤٧، الجنى الداني ص١٨٥-١٩٢، البرهان ٤/ ٢٠٧ وما بعدها، رصف المباني ص٥٩ وما بعدها، مغني اللبيب ١/ ٨٤-٩٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٣٩ وما بعدها، الصاحبي ص١٤٠". ٢ الآية ٨ من آل عمران. ٣ في ش ض: وتنوينها. ٤ في ش: حينئذ. ٥ انظر تسهيل الفوائد ص٩٣. ٦ الآيتان ٧٠، ٧١ من غافر. ٧ الآية الأولى من النحل. ٨ الآية ٤٠ من التوبة. ٩ الآية ٨٦ من الأعراف.
[ ١ / ٢٧٥ ]
"وَ" تَأْتِي "بَدَلًا مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْمَفْعُولِ. نَحْوُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إذْ انْتَبَذَتْ﴾ ١ فَإِذْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَرْيَمَ.
"وَ" تَأْتِي "لِتَعْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ ٢. وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ ٣.
"وَ" تَأْتِي لِ "مُفَاجَأَةٍ" وَهِيَ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ "بَيْنَا"٤ وَ"بَيْنَمَا"، نَحْوُ قَوْلِك: "بَيْنَا أَنَا٥ كَذَا إذْ جَاءَ زَيْدٌ" وَ:
فَبَيْنَمَا٦ الْعُسْرُ إذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ٧
نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ٨.
وَتَكُونُ "حَرْفًا" فِي مَجِيئِهَا لِلتَّعْلِيلِ وَالْمُفَاجَأَةِ.
_________________
(١) ١ الآية ١٦ من مريم. ٢ الآية ٣٩ من الزخرف. ٣ الآية ١١ من الأحقاف. ٤ كذا في الجنى الداني ومغني اللبيب والمحلي على جمع الجوامع. وفي الأصول الخطية كلها: بين. ٥ ساقطة من ش. ٦ كذا في الكتاب لسيبويه ومغني اللبيب والشذور وغيرها، وفي الأصول الخطية كلها: بنما. ٧ هذا عجز البيت، وصدره: استقدر الله خيرًا وارضين به وقد اختلف٥ في قائله، فنسبه أبو حاتم السجستاني في كتابه "المعمرين" على حريث بن جبلة العذري وحكى ابن الأنباري أنه لعثير بن لبيد العذري، ونسبه البعض إلى عثمان بن لبيد، ونسبه غيرهم إلى جبلة بن الحويرث العذري. وقيل غير ذلك في وقد استشهد به سيبويه في الكتاب وابن هشام في شذور الذهب ومغني اللبيب ولم ينسباه. "انظر شرح شواهد المغني للبغدادي ٢/ ١٦٨ وما بعدها، تحقيق العلامة عبد العزيز الميمني في هذا البيت في هامش سمط اللآلي ٢/ ٨٠٠". ٨ الكتاب لسيبويه ٢/ ١٥٨".
[ ١ / ٢٧٦ ]
"لَوْ"
"لَوْ"١ حَرْفُ امْتِنَاعٍ لامْتِنَاعٍ" فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، أَيْ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الثَّانِي لامْتِنَاعِ الأَوَّلِ، فَقَوْلُك: "لَوْ جِئْتَنِي لأَكْرَمْتُك". دَالٌّ عَلَى انْتِفَاءِ الإِكْرَامِ، لانْتِفَاءِ الْمَجِيءِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَوَابَهَا قَدْ لا يَكُونُ مُمْتَنِعًا بِمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ٢ فِي "الْحِلْيَةِ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ٣: "إنَّهُ شَدِيدُ ٤ الْحُبِّ لِلَّهِ ٤ لَوْ كَانَ لا يَخَافُ اللَّهَ مَا عَصَاهُ" ٥.
_________________
(١) ١ انظر معاني "لو" في "رضف المباني ص٢٨٩-٢٩٢، معترك الأقران ٢/ ٢٥٣-٢٥٧، الإتقان ٢/ ٢٣٦-٢٣٩، مغني اللبيب ١/ ٢٨٣-٣٠١، الجنى الداني ص٢٧٢-٢٩٠، البرهان ٤/ ٣٦٣-٣٧٥، الطراز ٢/ ٢١١-٢١٥، الصاحبي ص١٦٣، المفصل ص٣٢٠ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠٧ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٥٢-٣٦٠". ٢ هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الشافعي الحافظ، أحد الأفذاذ الذين جمعوا بن الرواية والدراية. قال ابن النجار: "هو تاج المحدثين وأحد أعلام الدين". أشهر مصنفاته "حلية الأولياء" و"تاريخ أصبهان" و"دلائل النبوة" و"معرفة الصحابة" و"المستخرج على صحيح البخاري" توفي سنة ٤٣٠هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٤/ ١٨ وما بعدها، وفيات الأعيان ١/ ٧٥، المنتظم ٨/ ١٠٠، شذرات الذهب ٣/ ٢٤٥". ٣ هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله، أصله من فارس، وهو من فضلاء الصحابة والمهاجرين. قال النووي: "والأحاديث الصحيحة في فضله كثيرة". وقد أعتقته مولاته بثينة امرأة أبي حذيفة الأنصاري، فتولاه أبو حذيفة وتبناه، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد مع النبي ﷺ، وقتل شهيدًا يوم اليمامة وهو يحمل لواء المسلمين وذلك في سنة ١٢هـ. "انظر ترجمته في الإصابة ٢/ ٦، الاستيعات ٢/ ٧٠، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٠٦، حلية الأولياء ١/ ١٧٦". ٤ في ش: المحبة. ٥ حلية الأولياء ١/ ١٧٧، وقد قال العجلوني أن سنده في رواية أبى نعيم ضعيف، وأنه رواه الديلمي أيضًا. "كشف الخفا ٢/ ٣٢٣".
[ ١ / ٢٧٧ ]
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ لانْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبَيْنِ: الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ. فَلَوْ انْتَفَى الْخَوْفُ لَمْ تُوجَدْ الْمَعْصِيَةُ لِوُجُودِ الآخَرِ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ.
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: "إنَّهَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ"١، يَعْنِي أَنَّهَا تَقْتَضِي فِعْلًا مَاضِيًا كَانَ يُتَوَقَّعُ ثُبُوتُهُ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ. وَالْمُتَوَقَّعُ غَيْرُ وَاقِعٍ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلًا امْتَنَعَ لامْتِنَاعِ مَا كَانَ ثَبَتَ لِثُبُوتِهِ.
وَقِيلَ: إنَّهَا لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، أَيْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي كَمَا تَدُلُّ "إنْ" عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ شَرْطٍ وَلا جَوَابٍ.
وَقِيلَ: إنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي الْمَاضِي امْتِنَاعَ مَا يَلِيهِ، وَاسْتِلْزَامَهُ لِتَالِيهِ، أَيْ تَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:
- أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ، وَهُوَ شَرْطُهُ.
- وَالأَمْرُ الثَّانِي: كَوْنُ مَا يَلِيهِ مُسْتَلْزِمًا لِتَالِيهِ، وَهُوَ جَوَابُهُ، وَلا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَوَابِ فِي نَفْسِ الأَمْرِ وَلا ثُبُوتِهِ. فَإِذَا قُلْت: "لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ٢ عَمْرٌو". فَقِيَامُ زَيْدٍ مَحْكُومٌ٣ بِانْتِفَائِهِ فِي مَا مَضَى٤، وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ قِيَامِ عَمْرٍو، وَهَلْ لِعَمْرٍو قِيَامٌ أَوْ لا٥؟ لَيْسَ فِي الْكَلامِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
وَصَحَّحَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ السُّبْكِيُّ وَوَلَدُهُ التَّاجُ٦. وَهِيَ فِي بَعْضِ نُسَخِ "التَّسْهِيلِ".
_________________
(١) ١ انظر الكتاب لسيبويه ٢/ ٣٠٧. ٢ في ش: لكان. ٣ في ش: المحكوم. ٤ في ش: ماض. ٥ ساقطة من ع. ٦ انظر جمع الجوامع للتاج السبكي وشرحه للمحلي ١/ ٣٥٤ وما بعدها.
[ ١ / ٢٧٨ ]
قَالَ الْمُرَادِيُّ١ فِي "شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ": "قَالَ فِي "شَرْحِ الْكَافِيَةِ"٢: الْعِبَارَةُ الْجَيِّدَةُ٣ فِي "لَوْ" أَنْ يُقَالَ: "حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ تَالٍ٤: يَلْزَمُ لِثُبُوتِهِ ثُبُوتُ تَالِيهِ".
فَقِيَامُ٥ زَيْدٍ مِنْ قَوْلِك: "لَوْ قَامَ زَيْدٌ لَقَامَ عَمْرٌو"، مَحْكُومٌ بِانْتِفَائِهِ٦ فِيمَا مَضَى. وَكَوْنُهُ مُسْتَلْزِمًا ثُبُوتَهُ لِثُبُوتِ٧ قِيَامَ عَمْرٍو. وَهَلْ لِعَمْرٍو قِيَامٌ آخَرُ غَيْرُ اللاَّزِمِ عَنْ قِيَامِ٨ زَيْدٍ، أَوْ لَيْسَ لَهُ؟ لا تَعَرُّضَ٩ لِذَلِكَ، بَلْ الأَكْثَرُ كَوْنُ١٠ الأَوَّلِ. وَالثَّانِي غَيْرُ وَاقِعَيْنِ"١١.
"وَ" تَأْتِي "لَوْ" "شَرْطًا لِـ" فِعْلٍ "مَاضٍ، فَيُصْرَفُ١٢ الْمُضَارِعُ إلَيْهِ" أَيْ إلَى الْمُضِيِّ١٣، عَكْسُ "إنْ" الشَّرْطِيَّةِ. فَإِنَّهَا تَصْرِفُ الْمَاضِيَ إلَى الاسْتِقْبَالِ.
_________________
(١) ١ هو الحسن بن قاسم بن عبد الله المرادي المالكي، بدر الدين، المعروف بابن أم قاسم، النحوي اللغوي، المفسر المقرىء، الفقيه الأصولي. أشهر مصنفاته "تفسير القرآن" و"إعراب القرآن" و"شرح التسهيل" و"شرح المفصل" و"شرح الألفية" و"الجنى الداني في حروف المعاني" توفي سنة ٧٤٩هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/ ٥١٧، طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٣٩، الدرر الكامنة ٢/ ١١٦، شذرات الذهب ٦/ ١٦٠". ٢ في ع: الكافي. ٣ في ش: المجيدة. ٤ في ش ز: قال. ٥ في ش: فقام. ٦ في ش: بامتناعه. ٧ ساقطة من ش. ٨ في ش: قياس. ٩ في شرح المرادي: لا يتعرض. ١٠ ساقطة من ش. ١١ شرح المرادي على الألفية ٤/ ٢٧٢. ١٢ في ش ز: فينصرف. ١٣ في ش: المعنى.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وَأَنْكَرَ قَوْمٌ كَوْنَهَا حَرْفَ شَرْطٍ؛ ١ لأَنَّ الشَّرْطَ فِي الاسْتِقْبَالِ. وَ"لَوْ" لِلتَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالشَّرْطِ الرَّبْطُ الْمَعْنَوِيُّ الْحُكْمِيُّ فَهُوَ شَرْطٌ ١، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَعْمَلُ فِي الْجُزْأَيْنِ فَلا.
"وَ" تَأْتِي شَرْطًا "لِمُسْتَقْبَلٍ قَلِيلًا، فَيُصْرَفُ الْمَاضِي إلَيْهِ" أَيْ إلَى الاسْتِقْبَالِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٢ قَالَ جَمَاعَةٌ.
وَخَطَّأَهُمْ ابْنُ الْحَاجِّ٣ بِأَنَّك لا تَقُولُ: "لَوْ يَقُومُ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ" كَمَا تَقُولُ: "إنْ لا٤ يَقُمْ زَيْدٌ فَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ".
وَكَذَا٥ قَالَ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ: عِنْدِي أَنَّهَا لا تَكُونُ لِغَيْرِ الشَّرْطِ فِي الْمَاضِي وَلا حُجَّةَ فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى الْمُضِيِّ٦.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "لَوْ"٧ "لِتَمَنٍّ" نَحْوُ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ٨ أَيْ "فَلَيْتَ لَنَا كَرَّةً". وَلِهَذَا نُصِبَ "فَنَكُونَ".
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ الآية ١٧ من يوسف. ٣ هو أحمد بن محمد بن أحمد الأزدي، أبو العباس الإشبيلي، المعروف بابن الحاج، فرأ على الشلوبين وأمثاله. وكان بارعًا في النحو والأدب مشاركًا في الفقه والأصول. قال في البدر السافر: "برع في لسان العرب حتى لم يبق فيه من يفوقه أو يدانيه". أشهر كتبه "شرح كتاب سيبويه" و"مختصر خصائص ابن جني" و"مختصر المستصفى" توفي سنة ٦٤٧هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/ ٣٥٩، درّة الحجال ١/ ٤٣، الدرر الكامنة ١/ ٢٦٢". ٤ كذا في ش ب ض. وفي ز: "إن" ساقطة. وفي ع: أن لا يقوم. ٥ في ب ض: ولذا. ٦ في ش: المعنى. ٧ ساقطة من ع. ٨ الآية ١٠٢ من الشعراء.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَهَلْ هِيَ امْتِنَاعِيَّةٌ أُشْرِبَتْ مَعْنَى التَّمَنِّي، أَوْ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، أَوْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ أَغْنَتْ عَنْ التَّمَنِّي؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ.
"وَ" تَأْتِي "لَوْ"١ أَيْضًا لِـ "عَرْضٍ" نَحْوُ: "لَوْ تَنْزِلُ عِنْدَنَا٢، فَتُصِيبُ خَيْرًا".
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِ "تَحْضِيضٍ" نَحْوُ "لَوْ فَعَلْت كَذَا"، أَيْ: افْعَلْ كَذَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْعَرْضَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَرِفْقٍ، وَالتَّحْضِيضُ: طَلَبٌ بِحَثٍّ.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِ "تَقْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ: "رُدُّوا السَّائِلَ، وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" ٣ وَ"الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" ٤ وَ"اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" ٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: علينا. ٣ أخرجه النسائي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري في تاريخه عن ابن بُجيد الأنصاري عن جدته مرفوعًا. والظِلْفُ: هو للبقر والغنم كالحافر للفرس. ومعنى مُحرَق: أي مشوي. "انظر الموطأ ٢/ ٩٢٣، سنن النسائي ٥/ ١٨، مسند أحمد ٤/ ٧٠، الفتح الكبير ٢/ ١٣٤". ٤ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن سهل ابن سعد الساعدي مرفوعًا. "انظر صحيح البخاري ٧/ ٨، صحيح مسلم ٢/ ١٠٤١، سنن أبي داود ٢/ ٣١٨، تحفة الأحوذي ٤/ ٢٥٤، سنن النسائي ٦/ ١٢٣، سنن ابن ماجة ١/ ٦٠٨، مسند أحمد ٥/ ٣٣٦، أقضية النبي ﷺ ص٥٨". ٥ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن عدي بن حاتم مرفوعًا. وأخرجه الحاكم عن ابن عباس والبزار عن أبي بكر الصديق ورفعاه. "انظر صحيح البخاري ٨/ ١٤، صحيح مسلم ٢/ ٧٠٣، سنن ابن ماجة ١/ ٦٦، تحفة الأحوذي ٧/ ٩٨، مسند أحمد ٤/ ٢٥٨، كشف الحفا ١/ ٤٢".
[ ١ / ٢٨١ ]
أَثْبَتَهُ ابْنُ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيُّ١ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ٢ فِي "الْقَوَاطِعِ" قَالَ الزَّرْكَشِيُّ٣، - شَارِحُ "جَمْعِ الْجَوَامِعِ" -: وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِمَّا بَعْدَهَا. لا مِنْ الصِّيغَةِ.
"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "لَوْ" لِمَعْنًى "مَصْدَرِيٍّ" أَثْبَتَهُ الْفَرَّاءُ وَالْفَارِسِيُّ وَالتَّبْرِيزِيُّ٤ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ. وَعَلامَتُهَا٥: أَنْ يَصْلُحَ فِي مَوْضِعِهَا
_________________
(١) ١ هو محمد بن يحيى بن هاشم الخضراوي، أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي الأندلسي، ويعرف بابن البرذعي، كان أمامًا في العربية والقراءات، عاكفًا على التعليم والتعلم، أشهر كتبه "فصل المقال في أبنية الأفعال" و"الإفصاح بفوائد الإيضاح" و"نقض الممتع لابن عصفورة" توفي سنة ٦٤٦هـ. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ١/ ٢٦٧". ٢ هو منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي الشافعي، الشهير بابن السَّمعاني، أبو المظفر، ابن الإمام أبي منصور، الفقيه الأصولي الثبت. قال ابن السبكي عنه: "الإمام الجليل، العَلَم الزاهد الورع، أحد أئمة الدنيا"، ثم قال: "وصنف في أصول الفقه "القواطع" وهو يغني عن كل ما صنف في ذلك الفن ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا اجمع". وله مصنفات أخرى أشهرها "البرهان" في الخلاف و"الأوساط" و"المختصر". توفي سنة ٤٨٩هـ. "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ٣٣٥-٣٤٦، النجوم الزاهرة ٥/ ١٦٠، شذرات الذهب ٣/ ٣٩٣". ٣ هو محمد بن بهادر بن عبد الله، بدر الدين، أبو عبد الله الزركشي الشافعي، الفقيه الأصولي المحدث، أشهر كتبه "شرح جمع الجوامع" و"البحر" في أصول الفقه و"تخريج أحاديث الرافعي". توفي سنة ٧٩٤هـ. "انظر ترجمته في الدرر الكامنة ٤/ ١٧، الفتح المبين ٢/ ٢٠٩، شذرات الذهب ٦/ ٣٣٥". ٤ هو يحيى بن علي بن محمد الشيباني، أبو زكريا التبريزي، أحد أئمة اللغة والنحو والأدب، وصاحب التصانيف القيمة النافعة كـ "شرح الحماسة" و"شرح المفضليات" و"شرح ديوان المتنبي" و"شرح سقط الزند" و"شرح اللمع لابن جني" و"إعراب القرآن" و"تفسير القرآن" وغيرها. توفي سنة ٥٠٢هـ. "انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٥/ ٢٣٨ وما بعدها، شذرات الذهب ٤/ ٥، المنتظم ٩/ ١٦١، معجم الأدباء ٢٠/ ٢٥ وما بعدها، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٧٢، بغية الوعاة ٢/ ٣٣٨، إنباه الرواة ٤/ ٢٢ وما بعدها". ٥ في ع: وعلاقتها.
[ ١ / ٢٨٢ ]
"أَنْ"، وَأَكْثَرُ وُقُوعِهَا بَعْدَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَمَنٍّ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ١.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الأَكْثَرُ. وَقَالُوا: الآيَةُ وَنَحْوُهَا عَلَى٢ حَذْفِ مَفْعُولِ "يَوَدُّ". وَجَوَابُ "لَوْ" أَيْ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ طُولَ الْعُمُرِ٣، لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لَسُرَّ بِذَلِكَ.
_________________
(١) ١ الآية ٩٦ من البقرة. ٢ أي تُحمل. ٣ في ع: التعمير.
[ ١ / ٢٨٣ ]
"لَوْلا"
"لَوْلا"١ حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ امْتِنَاعَ جَوَابِهِ لِوُجُودِ شَرْطٍ" نَحْوُ: "لَوْلا زَيْدٌ لأَكْرَمْتُك"، أَيْ لَوْلا زَيْدٌ مَوْجُودٌ. فَامْتِنَاعُ الإِكْرَامِ لِوُجُودِ زَيْدٍ.
"وَ" تَقْتَضِي "فِي" جُمْلَةٍ "مُضَارِعَةٍ" أَيْ مُصَدَّرَةٍ بِفِعْلٍ مُضَارِعٍ "تَحْضِيضًا" نَحْوُ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ ٢. فَهُوَ لِلتَّحْضِيضِ، وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ.
"وَ" وَتَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ "مَاضِيَةٍ" أَيْ مُصَدَّرَةٍ بِفِعْلٍ مَاضٍ "تَوْبِيخًا" نَحْوُ: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ٣.
"وَ" تَقْتَضِي أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَةِ "عَرْضًا" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر معاني "لولا" في "معترك الأقران ٢/ ٢٥٧ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٥١ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١٠٩، الصاحبي ص١٦٣ وما بعدها، البرهان ٤/ ٣٧٦-٣٧٩، مغني اللبيب ١/ ٣٠٢-٣٠٦، الإتقان ٢/ ٢٣٩ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٩، المفضل ص٣١٥ وما بعدها، تأويل مشكل القرآن ص٥٤٠، الجنى الداني ص٥٩٧-٦٠٨، الأزهيّة ص١٧٥-١٨١، رصف المباني ص٢٩٢-٢٩٧". ٢ الآية ٤٦ من النمل. ٣ الآية ١٣ من النور. ٤ الآية ١٠ من المنافقون.
[ ١ / ٢٨٤ ]