"فَصْلٌ" "الْمَجَازُ وَاقِعٌ" فِي اللُّغَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَاحْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَقَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَشَابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يُحْصَرُ١.
"وَلَيْسَ" الْمَجَازُ "بِأَغْلَبَ"٢ مِنْ الْحَقِيقَةِ٣، خِلافًا لابْنِ جِنِّي٤ وَمَنْ تَبِعَهُ.
"وَهُوَ" أَيْ الْمَجَازُ "فِي الْحَدِيثِ" أَيْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ "وَ" فِي "الْقُرْآنِ" لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٥ وَ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٦، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ٧، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٨ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٩، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ١٠ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ١١. وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ.
_________________
(١) ١ انظر الإحكام للآمدي ١/ ٤٥، المزهر ١/ ٣٦٤ وما بعدها، المحلي علىجمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٠٨، إرشاد الفحول ص٢٢ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٦٧، فواتح الرحموت ١/ ٢١١، المعتمد ١/ ٢٩، المسودة ص٥٦٤. ٢ في ش: بالقلب. ٣ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣١٠، المزهر ١/ ٣٦١. ٤ الخصائص ٢/ ٤٤٧. ٥ الآية ١١٩ من المائدة. ٦ الآية ١٩٧ من البقرة. ٧ الآية ٢٤ من الإسراء. ٨ الآية ٤ من مريم. ٩ الآية ٤٠ من الشورى. ١٠ الآية ١٥ من البقرة. ١١ انظر البرهان ٢/ ٢٥٥، الطراز ١/ ٨٣ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٤٧ وما بعدها، المحلي على جمع الجومع ١/ ٣٠٨، إرشاد الفحول ص٢٣، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٦٧ وما بعدها، المعتمد ١/ ٣٠ وما بعدها، فواتح الرحموت ١/ ٢١١ وما بعدها، اللمع ص٥، وانظر مجاز القرآن لمعمر بن المثنى والإشارة إلى الإيجاز للعز بن عبد السلام والفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البينان لابن القيم الجوزية والمجازات النبوية للشريف الرضي
[ ١ / ١٩١ ]
قَالَ الْقَاضِي: نَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ ١ وَ"نَعْلَمُ" وَ"مُنْتَقِمُونَ": هَذَا مِنْ مَجَازِ اللُّغَةِ يَقُولُ الرَّجُلُ: إنَّا سَنُجْرِي عَلَيْكَ٢ رِزْقَك٣.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ شَيْءٌ. حَكَاهُ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ٤.
"وَلَيْسَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ "غَيْرُ عَلَمٍ إلاَّ عَرَبِيٌّ" اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ٥، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ،
_________________
(١) ١ الآية ٤٣ من ق. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر المسودة ص١٦٤. ٤ انظر المسودة ص١٦٥، وابن حامد: هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنابلة في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، له مصنفات في العلوم المختلفة، أشهرها "الجامع" في الفقه في نحو أربعمائة مجلد و"شرح الخرقي" و"شرح أصول الدين" و"أصول الفقه" وغيرها، توفي سنة ٤٠٣هـ. "انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ٢/ ١٧١ وما بعدها، المنهج الأحمد ٢/ ٨٢ وما بعدها، المنتظم ٧/ ٢٦٣، شذرات الذهب ٣/ ١٦٦، المطلع على أبواب المقنع ص٤٣٢، المدخل إلى مذهب أحمد لبدران ص٢٠٦". ٥ هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، أبو بكر، المعروف بغلام الخلاّل، الفقيه الأصولي المفسر. قال ابن أبي يعلى: "كان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانية، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة". أشهر كتبه "الشافي" و"المقنع" و"التنبيه" و"زاد المسافر" في الفقه و"تفسير القرآن"، توفي سنة ٣٦٣هـ. "انظر ترجمته في المنهج الأحمد ٢/ ٥٦ وما بعدها، طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩ وما بعدها، المطلع ص٤٣٧، شذرات الذهب ٣/ ٤٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص٢٠٨".
[ ١ / ١٩٢ ]
وَالْمَجْدُ١، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ٢، وَأَبُو عُبَيْدٍة٣، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَاقِلاَّنِيّ، وَابْنُ فَارِسٍ٤، وَغَيْرُهُمْ، لِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ٥.
_________________
(١) ١ هو عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية الحراني الحنبلي، أبو البركات، مجد الدين، الإمام المقرئ المحدث المفسر الفقيه الأصولي النحوي، صاحب "الأحكام الكبرى" و"المحرر" في الفقه و"المنتقي من أحاديث الأحكام" و"المسودة" في أصول الفقه التي زاد فيها ولده عبد الحليم ثم حفيده تقي الدين أحمد، توفي سنة ٦٥٢هـ. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٩٧، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/ ٢٤٩ وما بعدها، شذرات الذهب ٥/ ٢٥٧، فوات الوفيات ١/ ٥٧٠، الفتح المبين ٢/ ٦٨". ٢ الرسالة للشافعي ص٤٠. ٣ كذا في الصاحبي ص٥٩ والمعرّب ص٤ والبرهان ١/ ٢٨٧ ومعترك الأقران ١/ ١٩٥ والإتقان ٢/ ١٠٥ والمزهر ١/ ٢٦٦، وفي الأصول الخطية كلها والمطبوعة: أبو عبيد، وليس بصواب، لأن أبا عبيد لا يذهب إلى المنع، ورأيه المنقول والمشهور عنه غير ذلك، إذ فيه توفيق بين المذهبين وتصويب لكلا القولين، بخلاف أبي عبيدة، فهو الذي نُقل عنه المنع واشتهر. وأبو عبيدة: هو مُعَمَّر بن المثني التيمي البصري، اللغوي النحوي العلامة، قال الزيدي: "كان من أجمع الناس للعلم، وأعلمهم بأيام العرب وأخبارها، وأكثر الناس رواية" أشهر مصنفاته "مجاز القرآن" و"غريب القرآن" و"غريب الحديث" و"نقائض جرير والفرزدق" توفي سنة ٢٠٩هـ قيل غير ذلك. "انظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/ ٢٩٤، إنباه الرواة ٣/ ٢٧٦، وفيات الأعيان ٤/ ٣٢٣، شذرات الذهب ٢/ ٢٤، تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦٠، المزهر ٢/ ٤٠٣، ٤١٣، المعارف ص٥٤٣، طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص١٧٥، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٢٦، معجم الأدباء ١٩/ ١٥٤". ٤ هو أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، الإمام اللغوي المفسر. أشهر مصنفاته "جامع التأويل في تفسير القرآن" و"سيرة النبي صلي عليه وسلم" و"المجل" في اللغة و"مقاييس للغة" و"غريب إعراب القرآن" و"متخير الألفاظ" و"حليلة الفقهاء". توفي سنة ٣٩٥هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في طبقات المفسرين للداودي ١/ ٥٩، إنباه الرواة ١/ ٩٢، بغية الوعاة ١/ ٣٥٢، شذرات الذهب ٣/ ١٣٢، معجم الأدباء ٤/ ٨٠، فيات الإعيان ١/ ١٠٠، ترتيب المدارك ٤/ ٦١٠". ٥ كقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الآية ٢ من يوسف و١١٣ من طه و٢٨ من الزمر و٢ من فصلت و٧ من الشورى و٢ من الزخرف] وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الآية ١٩٥ من الشعراء] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [الآية ٤٤ من فصلت] .
[ ١ / ١٩٣ ]
وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعِكْرِمَةُ١ وَمُجَاهِد٢ٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ٣، وَعَطَاءٌ٤، وَغَيْرُهُمْ: إلَى أَنَّ فِيهِ أَلْفَاظًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ٥.
وَنُقِلَ٦ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ٧ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَذْهَبٌ فِيهِ
_________________
(١) ١ هو عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أبو عبد الله، أحد فقهاء مكة من التابعين الأعلام، أصله بربري من أهل المغرب، توفي سنة ١٠٤هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/٣٤٠، شذرات الذهب ١/ ١٣٠، المعارف ص٤٥٥، وفيات الإعيان ٢/ ٤٢٧، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٨٠، معجم الأدباء ١٣/ ١٨١". ٢ هو مجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم، أبو الحجاج، الإمام التابعي الشهير، قال النووي: "اتفق العلماء على إمامته وجلالته وتوثيقه، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث، توفي سنة ١٠٣هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٨٣، شذرات الذهب ١/ ١٢٥، المعارف ص٤٤٤". ٣ هو سعيد بن جبير بن هشام الكوفي الأسدي مولاهم، أبو عبد الله، من كبار أئمة التابعين ومتقدميهم في التفسير والحديث والفقه والعبادة والورع، قتله الحجاج ظلمًا سنة ٩٥هـ. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢١٦، شذرات الذهب ١/ ١٠٨، المعارف ص٤٤٥". ٤ هو عطاء بن أبي رباح أسلم بن صفوان المكي، أبو محمد، من أئمة التابعين وأجلة الفقهاء وكبار الزهاد. توفي سنة ١١٥هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في شذرات الذهب ١/ ١٤٨، وفيات الأعيان ٢/ ٤٢٢، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٣٣، المعارف ص٤٤٤". ٥ انظر اختلاف العلماء في اشتمال القرآن على ألفاظ غير عربية في "الإحكام للآمدي ١/ ٥٠ وما بعدها، المسودة ص١٧٤، فواتح الرحموت ١/ ٢١٢، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٧٠، إرشاد الفحول ص٣٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/ ٣٢٦، المزهر ١/ ٢٦٦ وما بعدها، معترك الأقران ١/ ١٩٥ وما بعدها، الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٠٥ وما بعدها، مقدمة تفسير الطبري ١/ ٨ وما بعدها، البرهان ١/ ٢٨٧ وما بعدها، الصاحبي لابن فارس ص٥٧ وما بعدها، المعرّب للجواليقي ص٤ وما بعدها". ٦ نقله الزركشي في البرهان ١/ ٢٩٠، والسيوطي في معترك الأقران ١/ ١٩٨ والاتقان ٢/ ١٠٨ والمزهر ١/ ٢٦٩، وابن فارس في الصاحبي ص٦١، والجواليقي في المعرّب ص٥. ٧ هو القاسم بن سَلّام البغدادي، الإمام البارع في اللغة والنحو والتفسير والقراءات والحديث والفقه، أشهر كتبه "الآموال" و"غريب القرآن" و"غريب الحديث" و"معاني القرآن" و"أدب القاضي" توفي سنة ٢٢٤هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٥٧، بغية الوعاة ٢/ ٢٥٣، طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ١٥٣، المنهج الأحمد ١/ ٨٠، طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٣٢، معجم الأدباء ١٦/ ٢٥٤، طبقات الحنابلة ١/ ٢٥٩، وفيات الإعيان ٣/ ٢٢٥، إنباه الرواة ٣/ ١٢".
[ ١ / ١٩٤ ]
تَصْدِيقُ١ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ [الأَحْرُفَ] ٢ أُصُولُهَا أَعْجَمِيَّةٌ - كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ-، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْعَرَبِ. فَعُرِّبَتْ٣ بِأَلْسِنَتِهَا، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إلَى أَلْفَاظِهَا فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ - وَقَدْ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِكَلامِ الْعَرَبِ- فَمَنْ قَالَ٤: إنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فَهُوَ صَادِقٌ، [وَمَنْ قَالَ أَعْجَمِيَّةٌ فَصَادِقٌ] ٥.
"وَمَجَازٌ رَاجِحٌ" أَيْ وَالْعَمَلُ بِمَجَازٍ رَاجِحٍ "أَوْلَى" بِالْحُكْمِ "مِنْ ٦ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ٦ " وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ تُهْجَرْ٧. وَتَنْقَسِمُ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ٨:
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَرْجُوحًا لا يُفْهَمُ إلاَّ بِقَرِينَةٍ٩. - كَالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ - فَيُقَدَّمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْحَقِيقَةُ لِرُجْحَانِهَا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ زيادة من الإتقان والمزهر ومعترك الأقران والبرهان والصاحبي من كلام أبي عبيد. ٣ في الإتقان ومعترك الإقران والبرهان: فَعَرَّبتها، وفي الصاحبي والمزهر: فأعربتها. ٤ في ع: قالها. ٥ زيادة من الإتقان والمزهر ومعترك الأقران والبرهان والصاحبي م كلام أبي عبيد. ٦ في ش: حقيقته بالمرجوحية. ٧ انظر القواعد والفوائد الإصولية ص١٢٢. فواتح الرحموت ١/ ٢٢٠ وما بعدها، كشف الأسرار على أصول البزدوي ١/ ٧٧ وما بعدها. ٨ انظر تفصيل الكلام على هذا الأقسام الأربعة في "القواعد والفوائد الإصولية ص١٢٣ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص١١٩ وما بعدها". ٩ في ع: بقرينته.
[ ١ / ١٩٥ ]
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ اسْتِعْمَالُهُ، حَتَّى يُسَاوِيَ الْحَقِيقَةَ. فَتُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ أَيْضًا ١ عَدَمِ رُجْحَانِ الْمَجَازِ١.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا، وَالْحَقِيقَةُ مُمَاتَةً، لا تُرَادُ فِي الْعُرْفِ فَيُقَدَّمُ الْمَجَازُ؛ لأَنَّهُ إمَّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالصَّلاةِ، أَوْ عُرْفِيَّةٌ كَالدَّابَّةِ. فَلا خِلافَ فِي تَقْدِيمِهِ٢ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
مِثَالُهُ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ. فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ خَشَبِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ هُوَ الْحَقِيقَةُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا، وَالْحَقِيقَةُ تَتَعَاهَدُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ. فَهَذِهِ مَحَلُّ٣ الْخِلافِ عِنْدَ الأَكْثَرِ. كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مِنْ هَذَا النَّهْرِ. فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْكَرْعِ مِنْهُ بِفِيهِ، وَلَوْ اغْتَرَفَ بِكُوزٍ وَشَرِبَ فَهُوَ مَجَازٌ؛ لأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ الْكُوزِ، لا مِنْ النَّهْرِ، لَكِنَّهُ مَجَازٌ رَاجِحٌ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ. فَيَكُونُ٤ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُرَادُ؛ لأَنَّ كَثِيرًا٥ مِنْ الرِّعَاءِ٦ وَغَيْرِهِمْ يَكْرَعُ ٥ بِفِيهِ.
"وَلَوْ لَمْ يَنْتَظِمْ كَلامٌ" أَيْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الْكَلامُ "إلاَّ بِارْتِكَابِ مَجَازِ زِيَادَةٍ أَوْ" بِارْتِكَابِ مَجَازِ "نَقْصٍ، فَنَقْصٌ" أَيْ فَارْتِكَابُ مَجَازِ نَقْصٍ "أَوْلَى" لأَنَّ الْحَذْفَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ الزِّيَادَةِ. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٧.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: تقديمها. ٣ في ض ب: على. ٤ في ض: فهو. ٥ في ش: ما يكون الكرع ٦ الرغاء: جمع راعي، وهو الذي يرعى الماشية فيحوطها ويحفظها. "لسان العرب ١٤/ ٣٢٥" وفي ض ب: الرعاة. ٧ انظر التمهيد للأسنوي ص٥٣ والقواعد والفوائد الأصوليه ص١٢٤ وما بعدها.
[ ١ / ١٩٦ ]
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ١ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ. وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: "إنْ حِضْتُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ"، إذْ لا شَكَّ فِي اسْتِحَالَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي حَيْضَةٍ، وَتَصْحِيحُ الْكَلامِ هُنَا إمَّا بِدَعْوَى زِيَادَةِ لَفْظِ٢ "حَيْضَةٍ" فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى "إنْ٣ حِضْتُمَا"، وَإِمَّا بِدَعْوَى الإِضْمَارِ. وَتَقْدِيرُهُ: "إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً".
وَفِي الْمَسْأَلَةِ لأَصْحَابِنَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: سُلُوكُ الزِّيَادَةِ، وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: "إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ"، فَإِذَا طَعَنَتَا٤ فِي الْحَيْضِ طَلَقَتَا. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: سُلُوكُ النَّقْصِ، - وَهُوَ الإِضْمَارُ-، فَلا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ: "إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ". نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٥ ٦ أَيْ اجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا٧ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ٦ وَهُوَ قَوْلُ الْمُوَفَّقِ، وَالْمَجْدِ وَالشَّارِحِ وَابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَاعِدَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُطَلَّقَانِ بِحَيْضَةٍ مِنْ إحْدَاهُمَا، لأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا وَجَبَ إضَافَتُهُ إلَى إحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ
_________________
(١) ١ في ش: هذا. ٢ ف ش: لفظة. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: أخذتا. ٥ الآية ٤ من النور. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ز ض: منهم.
[ ١ / ١٩٧ ]
وَالْمَرْجَانُ﴾ ١ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: لا يُطَلَّقَانِ بِحَالٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لا يَقَعُ الطَّلاقُ الْمُعَلَّقُ "عَلَى الْمُحَالِ"٢.
_________________
(١) ١ الآية ٢٢ من الرحمن. ٢ في ش: في الحال.
[ ١ / ١٩٨ ]