"فصل"
لَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْكَلامِ عَلَى الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلَّةِ١ شَرَعْنَا فِي ذِكْرِ مَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ مُبْطِلاتِهَا، أَوْ٢ مُبْطِلاتِ غَيْرِهَا مِنْ الأَدِلَّةِ، وَيُعَبَّرُ٣ عَنْ ذَلِكَ تَارَةً بِالاعْتِرَاضَاتِ وَتَارَةً بِالْقَوَادِحِ.
وَ"الْقَوَادِحُ تَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، أَوْ الْمُعَارَضَاتِ فِي الْحُكْمِ".
قَالَ أَهْلُ الْجَدَلِ: الاعْتِرَاضَاتُ رَاجِعَةٌ إمَّا إلَى مَنْعٍ فِي مُقَدِّمَةٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ، أَوْ مُعَارَضَةٍ فِي الْحُكْمِ. فَمَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْهَا فَقَدْ تَمَّ الدَّلِيلُ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ، فَيَكُونُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَسْئِلَةِ٤ بَاطِلًا فَلا يُسْمَعُ. وَقَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ٥ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٦: إنَّهَا كُلَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ؛ لأَنَّ الْكَلامَ إذَا كَانَ مُجْمَلًا لا يَحْصُلُ
_________________
(١) ١ في ش ز: العلة. ٢ في ع: و. ٣ في ع: ونعبر. ٤ في ش: الأدلة. ٥ ساقطة من ض. ٦ جمع الجوامع بحاشية البناني ٢/٣٣٠.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
غَرَضُ الْمُسْتَدِلِّ بِتَفْسِيرِهِ. فَالْمُطَالَبَةُ بِتَفْسِيرِهِ تَسْتَلْزِمُ مَنْعَ تَحَقُّقِ الْوَصْفِ، وَمَنْعَ لُزُومِ الْحُكْمِ عَنْهُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى شَيْئًا١ مِنْ الْقَوَادِحِ، وَقَالَ: إنَّ مَوْضِعَ٢ ذِكْرِهَا عِلْمُ الْجَدَلِ٣.
وَالذَّاكِرُونَ لَهَا يَقُولُونَ: إنَّهَا مِنْ مُكَمِّلاتِ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمُكَمِّلُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَعِدَّةُ الْقَوَادِحِ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ٤ وَابْنِ مُفْلِحٍ وَالأَكْثَرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ قَادِحًا، وَقِيلَ: اثْنَا٥ عَشَرَ.
"وَمُقَدَّمُهَا" أَيْ الْقَوَادِحِ "الاسْتِفْسَارُ"٦ أَيْ هُوَ طَلِيعَةٌ لَهَا كَطَلِيعَةِ الْجَيْشِ؛ لأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ٧ عَلَى كُلِّ اعْتِرَاضٍ، وَإِنَّمَا كَانَ
_________________
(١) ١ في ض: شيء. ٢ في ز: مواضع. ٣ غير أن الغزالي تناول القوادح وعقد لها بابًا مستقلًا في كتابه "المنخول" ص ٤٠١ وما بعدها. ٤ منتهى السول والأمل ص١٩٢ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٥٧. ٥ في ض: اثني. ٦ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "إرشاد الفحول ص ٢٢٩، الإحكام للآمدي ٤/٩٢، مختصر الطوفي ص ١٦٦، تيسير التحرير ٤/١١٤، روضة الناظر ص ٣٣٩، مختصر البعلي ص ١٥٢، منتهى السول والأمل ص ١٩٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣١". ٧ في ز: المتقدم
[ ٤ / ٢٣٠ ]
مُقَدَّمًا؛ لأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَدْلُولُ اللَّفْظِ اسْتَحَالَ تَوَجُّهُ الْمَنْعِ أَوْ١ الْمُعَارَضَةِ، وَهُمَا مُرَادُ الاعْتِرَاضَاتِ٢ كُلِّهَا.
وَقِيلَ: فِي كَوْنِهِ٣ مِنْهَا نَظَرٌ؛ لأَنَّ الاعْتِرَاضَاتِ خَدْشُ كَلامِ الْمُسْتَدِلِّ. وَالاسْتِفْسَارُ لَيْسَ فِيهِ خَدْشٌ، بَلْ غَايَتُهُ: أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ لِلْمُرَادِ٤ مِنْ الْكَلامِ، لأَنَّهُ٥ اسْتِفْعَالٌ مِنْ" الْفَسْرِ "٦ وَهُوَ لُغَةً طَلَبُ الْكَشْفِ وَالإِظْهَارِ، وَمِنْهُ التَّفْسِيرُ٧. وَلِهَذَا عَرَّفُوهُ بِقَوْلِهِمْ"وَهُوَ طَلَبُ مَعْنَى لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لإِجْمَالِهِ أَوْ غَرَابَتِهِ" وَإِنَّمَا يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَرِضِ إذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ إجْمَالٌ أَوْ غَرَابَةٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ تَعَنُّتٌ مُفَوِّتٌ لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ، إذْ يَأْتِي فِي كُلِّ لَفْظٍ يُفَسَّرُ بِهِ لَفْظٌ وَيَتَسَلْسَلُ.
"وَعَلَى الْمُعْتَرِضِ بَيَانُ احْتِمَالِهِ" أَيْ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِمَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ، حَتَّى٨ يَكُونَ٩ مُجْمَلًا، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْمُطَلَّقَةُ تَعْتَدُّ
_________________
(١) ١ في ض: و. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ع ز ب: كونها. ٤ في ز: المراد. ٥ في ش: لا أنه. ٦ في ز: السفر. ٧ انظر معاني الفَسْر والتفسير في "مقدمة جامع التفاسير للراغب الأصبهاني ص ٤٧، المفردات في غريب القرآن للراغب ص ٣٨٠، المعتبر للزركشي ص ٣٠٤، الإتقان للسيوطي ٤/١٩٢، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي لأستاذنا الدكتور محمد أديب صالح ص ٥٩". ٨ في ش: حتى لو. ٩ في ش: كان.
[ ٤ / ٢٣١ ]
بِالأَقْرَاءِ، فَلَفْظُ "الأَقْرَاءِ" مُجْمَلٌ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَا مُرَادُك بِالأَقْرَاءِ؟ فَإِذَا قَالَ: الْحَيْضُ أَوْ الأَطْهَارُ١، أَجَابَ بِحَسَبِ ذَلِكَ مِنْ تَسْلِيمٍ أَوْ مَنْعٍ.
"أَوْ" بَيَانُ "جِهَةِ الْغَرَابَةِ بِطَرِيقَةٍ" إمَّا مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ٢، كَقَوْلِهِ: لا يَحِلُّ السِّبْدُ٣، أَيْ الذِّئْبُ. وَكَمَا لَوْ قَالَ فِي الْكَلْبِ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ: خِرَاشٌ لَمْ يُبْلَ، فَلا يُطْلِقُ فَرِيسَتَهُ كَالسِّبْدِ٤.
وَمَعْنَى "لَمْ يُبْلَ": لَمْ يُخْتَبَرْ وَالْفَرِيسَةُ: الصَّيْدُ، مِنْ فَرَسَ الأَسَدُ فَرِيسَةً٥ إذَا دَقَّ عُنُقَهَا، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ قَتِيلٍ فَرِيسًا٦.
وَالسِّبْدُ الذِّئْبُ٧ - وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ٨
_________________
(١) ١ في ش: الطهر. ٢ في ش: المنع. ٣ كذا في ض. وفي ش ع ب ز: السبد. ٤ كذا في جميع النسخ. وهو تصحيف، والصواب: كالسيد. ٥ في ش ع: فريسته. ٦ في ش: فريسة. ٧ ساقطة من ع ض ب. ٨ كذا في جميع النسخ وهو تصحيف. والصواب كما في اللسان والصحاح ومقاييس اللغة وغيرها: السيد. بكسر السين المهملة، وسكون الياء المثناة التحتية، وهو الذئب. وفي لغة هذيل: الأسد. "انظر اللسان ٣/٢٣١، الصحاح ٢/٤٩٢، معجم مقاييس اللغة ٣/١٢٠".
[ ٤ / ٢٣٢ ]
وَالْخِرَاشُ: الْكَلْبُ. وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَقَبْلَ الأَلِفِ رَاءٌ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ.
وَأَمَّا بَيَانُ جِهَةِ الْغَرَابَةِ مِنْ حَيْثُ الاصْطِلاحِ: كَمَا١ يُقَالُ فِي الْقِيَاسَاتِ الْفِقْهِيَّةِ: لَفْظُ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ أَوْ الْهَيُولَى، أَوْ الْمَادَّةُ أَوْ الْمَبْدَأُ٢ أَوْ الْغَايَةُ، نَحْوَ أَنْ يُقَالَ فِي شُهُودِ الْقَتْلِ إذَا رَجَعُوا: لا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لأَنَّ وُجُوبَ٣ الْقِصَاصِ تَجَرُّدٌ٤ مَبْدَؤُهُ٥ عَنْ غَايَةِ مَقْصُودِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لا يَثْبُتَ٦.
وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ اصْطِلاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ. إلاَّ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ حَالِ خَصْمِهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَلا غَرَابَةَ حِينَئِذٍ.
وَ"لا" يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ إذَا بَيَّنَ كَوْنَ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا "بَيَانُ تَسَاوِي الاحْتِمَالاتِ" لِعُسْرِهِ.
"وَلَوْ قَالَ" الْمُعْتَرِضُ "الأَصْلُ عَدَمُ مُرَجِّحٍ: صَحَّ" يَعْنِي أَنَّهُ٧ قَالَ: الأَصْلُ عَدَمُ رُجْحَانِ بَعْضِ٨ الاحْتِمَالاتِ عَنْ
_________________
(١) ١ في ش: فكما في. ٢ في ع: البدا. والمبدأ في اصطلاح الفلاسفة معناه: السبب. "شرح العضد ٢/٢٥٩". ٣ في ش: وجود. ٤ في ز: يجرد. ٥ في ش: مبدؤه. ٦ في ش: تثبت. ٧ في ش: أنه إن. ٨ في ع: بعد.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
بَعْضٍ، كَانَ قَوْلُهُ١ ذَلِكَ صَحِيحًا. وَيَكُونُ ذَلِكَ تَبَرُّعًا مِنْ الْمُعْتَرِضِ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ الاسْتِفْسَارِ، إمَّا "بِمَنْعِ احْتِمَالِهِ٢" أَيْ بِمَنْعِ إجْمَالِهِ "أَوْ" بِ "بَيَانِ ظُهُورِهِ" أَيْ ظُهُورِ اللَّفْظِ "فِي مَقْصُودِهِ" أَيْ فِيمَا قَصَدَهُ الْمُسْتَدِلُّ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي مَقْصُودِي، وَيُبَيِّنَ ذَلِكَ:
"إمَّا بِنَقْلٍ مِنْ اللُّغَةِ" كَمَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: الْوُضُوءُ قُرْبَةٌ، فَتَجِبُ لَهُ النِّيَّةُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْوُضُوءُ يُطْلَقُ عَلَى النَّظَافَةِ، وَعَلَى الأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ. فَمَا الَّذِي تُرِيدُ بِاَلَّذِي تَجِبُ لَهُ النِّيَّةُ؟ فَيَقُولُ: حَقِيقَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ الأَفْعَالُ الْمَخْصُوصَةُ.
"أَوْ عُرْفٍ" يَعْنِي٣ أَوْ يُبَيِّنَ كَوْنَ لَفْظِهِ ظَاهِرًا٤ فِي مَقْصُودِهِ بِالْعُرْفِ، كَإِطْلاقِ الدَّابَّةِ عَلَى ذَوَاتِ الأَرْبَعِ.
"أَوْ" يُبَيِّنَ كَوْنَ اللَّفْظِ ظَاهِرًا فِي مَقْصُودِهِ بِمَا مَعَهُ مِنْ "قَرِينَةٍ" نَحْوَ قَوْلِهِ: قُرْءٌ٥ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَيَحْرُمُ فِيهِ الصَّوْمُ، فَإِنَّ قَرِينَةَ تَحْرِيمِ الصَّلاةِ فِيهِ تَدُلُّ عَلَى٦ أَنَّ٧ الْمُرَادَ بِهِ الْحَيْضُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: إجماله. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ش ز: ظاهر. ٥ في ع: قروء. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ش: بأن.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
اللَّفْظُ غَرِيبًا وَدَلَّتْ قَرِينَةٌ مَعَهُ عَلَى الْمُرَادِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: طَلَّةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلا يَصِحُّ. فَالطَّلَّةُ: الْمَرْأَةُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، لا صِفَةُ الْخَمْرِ.
"أَوْ" بِ١ "تَفْسِيرِهِ" يَعْنِي: أَوْ٢ يَكُونُ جَوَابُ الْمُعْتَرِضِ بِكَوْنِ اللَّفْظِ غَرِيبًا: تَفْسِيرَ الْمُسْتَدِلِّ لِلَفْظِهِ "إنْ تَعَذَّرَ" عَلَيْهِ "إبْطَالُ غَرَابَتِهِ" بِأَنْ يَقُولَ: مُرَادِي الْمَعْنَى الْفُلانِيُّ لَكِنْ لا بُدَّ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَإِنْ بَعُدَ، كَمَا يَقُولُ٣: يُخْرِجُ فِي الْفِطْرَةِ٤ الْبُرَّ٥، وَيُفَسِّرُهُ بِالْقِطْعَةِ مِنْ الأَقِطِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٦ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَتَابَعَهُمَا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ "وَلَوْ قَالَ" أَيْ الْمُسْتَدِلُّ "يَلْزَمُ ظُهُورُهُ ٧" أَيْ٨ ظُهُورُ اللَّفْظِ فِي أَحَدِ٩ الْمَعْنَيَيْنِ "دَفْعًا لِلإِجْمَالِ، وَفِيمَا قَصَدْتُهُ لِعَدَمِ١٠ ظُهُورِهِ فِي
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ع ب. ٣ في ش ع: تقول. ٤ في ز: الفطر. ٥ في ش: الثور. وفي ب: النذر. ٦ منتهى السول والأمل ص ١٩٢، مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٥٨. ٧ في ب: من ظهوره. ٨ في ع: أي من. ٩ في ع ب: أحدهما أي. ١٠ في ش: بعدم.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
الآخَرِ" أَيْ فِي الْمَعْنَى الآخَرِ الَّذِي لَمْ أَقْصِدْهُ "اتِّفَاقًا" أَيْ بِاتِّفَاقٍ مِنِّي وَمِنْك، فَيَكُونُ ظَاهِرًا١ فِي مُرَادِي "كَفَى" ذَلِكَ بِنَاءً٢ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى.
وَلا يُعْتَدُّ بِتَفْسِيرِ الْمُسْتَدِلِّ بِشَيْءٍ لا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَعِبٌ. لَكِنْ٣ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ الَّذِي يَطْلُبُ الْمُعْتَرِضُ تَفْسِيرَهُ ظَاهِرًا فِي مَعْنَاهُ. فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا: فَالْحَزْمُ تَبْكِيتُ الْمُعْتَرِضِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: امْضِ فَتَعَلَّمْ ٤ثُمَّ ارْجِعْ فَتَكَلَّمْ.
الثَّانِي: مِنْ الْقَوَادِحِ "فَسَادُ الاعْتِبَارِ"٥.
وَهُوَ "مُخَالَفَةُ" الْقِيَاسِ "نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا"٦ بِأَنْ يَعْتَرِضَ بِكَوْنِ الْقِيَاسِ فَاسِدًا بِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِنَصٍّ، أَوْ مُخَالِفًا لِلإِجْمَاعِ:
_________________
(١) ١ في ش: مني ومنك. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ع ب: لأن. ٤ ساقطة من ش. ٥ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "إرشاد الفحول ص ٢٣٠، المنهاج للباجي ص ١٧٩، نشر البنود ٢/٢٣٦، شرح العضد ٢/٢٥٩، الإحكام للآمدي ٤/٩٥، مختصر الطوفي ص ١٦٦، روضة الناظر ص ٣٣٩، مختصر البعلي ص ١٥٢، فواتح الرحموت ٢/٣٣٠، الجدل لابن عقيل ص ٦٤، اللمع ص ٦٥، ٦٦، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣٣٨، منتهى السول والأمل ص ١٩٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٤". ٦ في ع: أي بأن.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
- سَوَاءٌ كَانَ النَّصُّ الْقُرْآنَ، كَمَا يُقَالُ فِي تَبْيِيتِ١ الصَّوْمِ: صَوْمٌ مَفْرُوضٌ، فَلا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ كَالْقَضَاءِ، فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الاعْتِبَار٢ِ لِمُخَالَفَةِ٣ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ ٤ فَإِنَّهُ يَدُلُّ٥ عَلَى٦ أَنَّ كُلَّ صَائِمٍ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ.
- أَوْ كَانَ النَّصُّ نَصَّ سُنَّةٍ، كَمَا يُقَالُ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ؛ لأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى غَرَرٍ، فَلا يَصِحُّ كَالسَّلَمِ فِي الْمُخْتَلِطِ. فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَةِ ٧مَا فِي السُّنَّةِ٨ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ"٧.
٩وَأَمَّا مِثَالُ مُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ، فَكَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: "لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ إذَا مَاتَتْ؛ لأَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَالأَجْنَبِيَّةِ". فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ
_________________
(١) ١ في ش: تبييت نية. ٢ في ش: لاعتبار. ٣ في ع: لمخالفته. وفي ش: مخالفة. ٤ الآية ٣٥ من الأحزاب. ٥ في ب: فدل. ٦ ساقطة من ز. ٧ ساقطة من ش. ٨ قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: "هذا لم يرو في الحديث، وإنما هو من كلام بعض الفقهاء". "القياس لابن تيمية ص ٢١، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ٥٢٩". ٩ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
السُّكُوتِيِّ، وَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا١، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَفِي حُكْمِ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ أَوْ٢ الإِجْمَاعِ: أَنْ تَكُونَ إحْدَى مُقَدِّمَاتِهِ هِيَ الْمُخَالِفَةُ لِلنَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ، وَيَدَّعِي دُخُولَهُ٣ فِي إطْلاقِ مُخَالَفَةِ النَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ.
وَفِي٤ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا لا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، كَإِلْحَاقِ الْمُصَرَّاةِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْمَعِيبِ٥ فِي حُكْمِ الرَّدِّ وَعَدَمِهِ، وَوُجُوبِ بَدَلِ لَبَنِهَا الْمَوْجُودِ فِي الضَّرْعِ؛ لأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ النَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، أَوْ كَانَ تَرْكِيبُهُ مُشْعِرًا بِنَقِيضِ الْمَطْلُوبِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ بِذَلِكَ؛ لأَنَّ اعْتِبَارَ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ
_________________
(١) ١ حيث روي عن أسماء بنت عميس قالت "غسّلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ". أخرجه الشافعي في مسنده والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن وعبد الرزاق في مصنفه والدارقطني وغيرهم. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" بعد ما عزاه للبيهقي: "وإسناده حسن". "انظر التلخيص الحبير ٢/١٤٣، المستدرك ٣/١٦٤، سنن البيهقي ٣/٣٩٦، ٣٩٧، مصنف عبد الرزاق ٣/٤١٠، ترتيب مسند الشافعي ١/٢٠٦، إرواء الغليل ٣/١٦٢، سير أعلام النبلاء ٢/١٢٨، سنن الدارقطني ٢/٧٩". ٢ في ع: و. ٣ في ع: على دخوله. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ع ب: العيب.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
و١َالإِجْمَاعِ اعْتِبَارٌ لَهُ مَعَ دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ اعْتِبَارٌ فَاسِدٌ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ٢ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الاجْتِهَادَ عَنْ النَّصِّ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ وَجَوَابُ الْقَدْحِ بِفَسَادِ الاعْتِبَارِ:
إمَّا "بِضَعْفِهِ" بِأَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ النَّصِّ بِالطَّعْنِ فِي سَنَدِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ تَغْسِيلِ عَلِيٍّ لِفَاطِمَةَ. وَإِنْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ اُشْتُهِرَ، وَإِنْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ الإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ، وَإِنْ سَلِمَ٣. فَالْفَرْقُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ فَاطِمَةَ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، فَالْمَوْتُ لا٥ يَقْطَعُ
_________________
(١) ١ في ع: أو. ٢ وذلك عندما أراد النبي ﷺ أن يبعثه إلى اليمن قاضيًا، فسأله: "كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد والطيالسي والدارمي والطبراني والخطيب في الفقيه والمتفقه وابن حزم في الإحكام وابن سعد في الطبقات وابن عدي والعقيلي وغيرهم. "انظر تخريجه في المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر للزركشي وتعليقات الأستاذ حمدي السلفي عليه ص ٦٣-٧١، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ٢/٢٧٣-٢٨٦". ٣ في ش: سلم فلا نسلمه. ٤ لم نعثر على هذا الخبر في مدونات السنة بعد البحث والتنقيب. وإن كان المعنى واردًا في حق السيدة عائشة ﵂ مع النبي ﷺ، حيث روى الترمذي في المناقب عن عمّار بن ياسر أنه قال: "هي زوجته في الدنيا والآخرة" قال الترمذي: يعني عائشة ﵂. ثم قال: هذا حديث حسن. "عارضة الأحوذي ١٣/٢٥٩". ٥ في ش: لم.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، بِخِلافِ غَيْرِهِمَا.
أَوْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّرْخِيصِ فِي السَّلَمِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ اللاَّمَ فِيهِ لِلاسْتِغْرَاقِ. فَلا يَتَنَاوَلُ الْحَيَوَانَ، وَإِنْ صَحَّ السَّلَمُ فِي غَيْرِهِ.
"أَوْ" بِ "مَنْعِ ظُهُورِهِ" أَيْ ظُهُورِ النَّصِّ، بِأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ بِدُونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ؛ لأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَقَيَّدْنَاهَا بِحَدِيثِ " لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ".
"أَوْ" بِـ "تَأْوِيلِهِ" أَيْ تَأْوِيلِ النَّصِّ، بِأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلَى ثَوَابِ الصَّائِمِ، وَإِنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُمْسِكَ بِدُونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ صَائِمٌ، أَوْ يَقُولَ١: إنَّ النَّصَّ الْمُعَارِضَ لِلْقِيَاسِ مُؤَوَّلٌ بِدَلِيلٍ يُرَجِّحُهُ عَلَى الظَّاهِرِ.
"أَوْ" بِـ "الْقَوْلِ بِمُوجَبِهِ" بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجَبِ النَّصِّ، إلاَّ أَنَّ مَدْلُولَهُ لا يُنَافِي قِيَاسِي، كَأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يُثَابُ وَأَنَا أَقُولُ بِمُوجَبِهِ. لَكِنَّهَا٢ لا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ٣ الْقَضَاءُ وَالنِّزَاعُ فِيهِ!
_________________
(١) ١ في ش: نقول. ٢ في ش: و. ٣ في ز: لا يلزم.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
- "أَوْ" بِـ "مُعَارَضَتِهِ" أَيْ مُعَارَضَةِ النَّصِّ "بِمِثْلِهِ" أَيْ بِنَصٍّ مِثْلِهِ. فَيَسْلَمُ الْقِيَاسُ حِينَئِذٍ لاعْتِضَادِهِ١ بِالنَّصِّ٢ الْمُوَافِقِ لَهُ.
الثَّالِثُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "فَسَادُ الْوَضْعِ"٣.
"وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا تَلاهُ" أَيْ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ.
قَالَ الْجَدَلِيُّونَ فِي تَرْتِيبِ الأَسْئِلَةِ: إنَّ٤ فَسَادَ الاعْتِبَارِ مُقَدَّمٌ عَلَى فَسَادِ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ نَظَرٌ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ٥ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَفَسَادُ الْوَضْعِ أَخَصُّ٦ لأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ.
_________________
(١) ١ في ش: باعتضاده. ٢ في ع: بأن النص. ٣ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "المنهاج للباجي ص ١٧٨، إرشاد الفحول ص ٢٣٠، شرح العضد ٢/٢٦٠، الإحكام للآمدي ٤/٩٦، كشف الأسرار ٤/١١٨، الكافية للجويني ص ١٤٨، المغني للخبازي ص ٣١٧، المنخول ص ٤١٥، فتح الغفار ٣/٤٢، مختصر الطوفي ص ١٦٦، أصول السرخسي ٢/٢٣٣، تيسير التحرير ٤/١٤٥، روضة الناظر ص ٣٤٠، التلويح على التوضيح ٢/٦٢٦، البرهان٢/١٠٢٨، مختصر البعلي ص ١٥٣، فواتح الرحموت ٢/٣٤٦، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣٤٢، منتهى السول والأمل ص ١٩٢، نشر البنود ٢/٢٣٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢١". ٤ في ع: فإن. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ع ز: أخص باعتبار.
[ ٤ / ٢٤١ ]
وَمِمَّنْ قَالَ إنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ أَعَمُّ: الْهِنْدِيُّ وَالتَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ١ وَجَمَاعَةٌ.
قَالَ الْعَسْقَلانِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ فَسَادَ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحَ الْوَضْعِ، وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُهُ فَاسِدًا بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، فَكُلُّ٢ فَسَادِ الْوَضْعِ٣ فَسَادُ الاعْتِبَارِ وَلا عَكْسَ.
وَهُوَ "كَوْنُ الْجَامِعِ" بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ "ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: مَسْحٌ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَاسْتِجْمَارٍ.
فَيُعْتَرَضُ" عَلَى الشَّافِعِيِّ "بِكَرَاهَةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الْخُفِّ".
قَالَ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ جَعْلُهُ فِي مَحَلِّهِ عَلَى هَيْئَةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ أَوْ تِلْكَ الْهَيْئَةُ لا تُنَاسِبُهُ كَانَ وَضْعُهُ عَلَى خِلافِ الْحِكْمَةِ فَاسِدًا.
فَإِذَا اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى أَوْ خِلافَهُ: كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْحِكْمَةِ، إذْ مِنْ شَأْنِ الْعِلَّةِ أَنْ تُنَاسِبَ مَعْلُولَهَا لا أَنَّهَا تُخَالِفُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ فَاسِدَ الْوَضْعِ بِهَذَا الاعْتِبَارِ.
_________________
(١) ١ جمع الجوامع بحاشية البناني ٢/٣٤٢. ٢ في ش: فكان. ٣ في ب: وضع.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وَمِنْ أَمْثِلَةِ١ ذِي النَّصِّ: قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ: الْهِرَّةُ سَبُعٌ ذُو نَابٍ، فَيَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا كَالْكَلْبِ. فَيُقَالُ: السَّبُعِيَّةُ٢ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ عِلَّةً لِلطَّهَارَةِ، حَيْثُ دُعِيَ إلَى دَارٍ فِيهَا كَلْبٌ فَامْتَنَعَ. وَدُعِيَ إلَى أُخْرَى٣ فِيهَا سِنَّوْرٌ، فَأَجَابَ. فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "السِّنَّوْرُ سَبُعٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ٤.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذِي الإِجْمَاعِ: قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ: مَا فِي الْمَتْنِ
٥وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْهُ بِبَيَانِ٦ الْمَانِعِ لِتَعَرُّضِ٧ الْمَسْحِ لِتَلَفِ٨ الْخُفِّ.
وَسُؤَالُ فَسَادِ الْوَضْعِ نَقْضٌ خَاصٌّ لإِثْبَاتِهِ نَقِيضَ الْحُكْمِ فَإِنْ٩ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ نَقِيضَ الْحُكْمِ مَعَ أَصْلِهِ، فَقَالَ: لا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ كَالْخُفِّ فَهُوَ الْقَلْبُ. لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْلُهُمَا.
_________________
(١) ١ في ش: ذلك. ٢ في ش: إن السبعية. ٣ في ض: دار. ٤ مسند الإمام أحمد ٢/٣٢٧، سنن البيهقي ١/٢٤٩. ٥ ساقطة من ع. ٦ في ض: بيان. ٧ في ز: لتعرضه. ٨ في ب: بتلف. ٩ في ش: فإذا.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
"وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ "كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ لاعْتِبَارِهِ" أَيْ غَيْرَ صَالِحَةٍ؛ لأَنْ يُعْتَبَرَ بِهَا الدَّلِيلُ "فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ".
وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِنَقِيضِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
فَالأَوَّلُ "كَتَلَقِّي تَخْفِيفٍ مِنْ تَغْلِيظٍ كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: الْقَتْلُ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلا يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ كَبَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ، فَجِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ١ "تُنَاسِبُ التَّغْلِيظَ".
"أَوْ٢" كَتَلَقِّي "تَوْسِيعٍ مِنْ تَضْيِيقٍ٣، كَ" قَوْلِ٤ الْمُسْتَدِلِّ "الزَّكَاةُ مَالٌ وَاجِبٌ إرْفَاقًا لِدَفْعِ الْحَاجَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَدَفْعُ الْحَاجَةِ" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "يَقْتَضِي الْفَوْرَ".
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ إثْبَاتٍ" أَيْ أَنْ يُتَلَقَّى إثْبَاتٌ "مِنْ نَفْيٍ، كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْمُعَاطَاةُ فِي الْيَسِيرِ بَيْعٌ٥ لَمْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ض: تغليظ. ٤ في ش: مقول. ٥ في ش: في المعاطاة بيع يسير.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
يُوجَدْ فِيهِ سِوَى الرِّضَا، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ كَغَيْرِهِ.
"فَالرِّضَا" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "يُنَاسِبُ الانْعِقَادَ".
وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ وَضْعَ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ صَالِحَةٍ؛ لأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ إثْبَاتُهُ. فَمَتَى خَلا عَنْ١ ذَلِكَ فَسَدَ وَضْعُهُ.
"وَجَوَابُهُمَا" أَيْ جَوَابُ النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ "بِتَقْرِيرِ٢ كَوْنِهِمَا كَذَلِكَ" أَيْ بِتَقْرِيرِ٣ كَوْنِ الدَّلِيلِ صَالِحًا لاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَكُونَ لِلدَّلِيلِ٤ جِهَتَانِ، يَنْظُرُ الْمُسْتَدِلُّ فِيهِ مِنْ إحْدَاهُمَا٥، وَالْمُعْتَرِضُ مِنْ الأُخْرَى، كَالارْتِفَاقِ وَدَفْعِ الْحَاجَةِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ.
وَيُجَابُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ: بِأَنْ غُلِّظَ فِيهِ بِالْقِصَاصِ٦ فَلا يُغَلَّظُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ.
وَيُجَابُ عَنْ الْمُعَاطَاةِ بِأَنَّ عَدَمَ الانْعِقَادِ بِهَا مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ الصِّيغَةِ، لا عَلَى الرِّضَى.
_________________
(١) ١ في ش: من. ٢ في ش: بتقدير. ٣ في ش: بتقدير. ٤ في ع ب: للدليل عليه. ٥ في ع ب: أحدهما. ٦ في ز ض: القصاص.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
الرَّابِعُ: مِنْ الْقَوَادِحِ: "مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ"١.
أَيْ مَنْعُ الْمُعْتَرِضِ حُكْمَ أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ. كَأَنْ يَقُولَ حَنْبَلِيٌّ: الْخَلُّ مَائِعٌ لا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ كَالدُّهْنِ. فَيَقُولَ حَنَفِيٌّ: لا أُسَلِّمُ الْحُكْمَ فِي الأَصْلِ، فَإِنَّ الدُّهْنَ عِنْدِي يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَهَلْ يُسْمَعُ مِنْهُ مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ أَمْ لا؟
فَالْجُمْهُورُ قَالُوا "يُسْمَعُ".
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: لا يُسْمَعُ أَصْلًا٢.
"وَ٣" عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ "لا ي٤َنْقَطِعُ" الْمُسْتَدِلُّ "بِمُجَرَّدِهِ"
_________________
(١) ١ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "الجدل لابن عقيل ص ٤٧، المنهاج للباجي ص ١٦٣، منتهى السول والأمل ص ١٩٣، إرشاد الفحول ص ٢٣٠، كشف الأسرار ٤/١١٢، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٤٣، المغني للخبازي ص ٣١٦، مفتاح الوصول ص ١٥٦، المنخول ص ٤٠١، فتح الغفار ٣/٤١، المسودة ص ٤٠١، مختصر الطوفي ص ١٦٦، تيسير التحرير ٤/١٢٧، روضة الناظر ص ٣٤٠، البرهان ٢/٩٦٨، مختصر البعلي ص ١٥٣، فواتح الرحموت ٢/٣٣٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٦، شرح العضد ٢/٢٦١، الإحكام للآمدي ٤/٩٨". ٢ حكاية المصنف القول عن أبي إسحاق الشيرازي بأنه لا يسمع هذا المنع من المعترض أصلًا فيها نظر، إذ المسطور في كتابي الشيرازي الذين أفاض فيهما الكلام عن القوادح "الملخص في الجدل" ومختصره "المعونة" في مثل هذه الحالة هو السماع. فتأمل! "انظر الملخص في الجدل ق ٥٤/ب وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٧". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: ولا.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
أَيْ بِمُجَرَّدِ مَنْعِ حُكْمِ الأَصْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ؛ لأَنَّهُ مَنْعُ١ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ. "فَيَدُلُّ عَلَيْهِ" يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلٍ يَقِيسُ٢ عَلَيْهِ"كَمَنْعِ الْعِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا" يَعْنِي كَمَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ أَوْ وُجُودِهَا، فَإِنَّهُ٣ لا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ. وَلَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ.
وَقِيلَ: لا يَنْقَطِعُ، إلاَّ إذَا كَانَ الْمَنْعُ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
"فَـ" عَلَى الأَوَّلِ "إنْ دَلَّ" الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ "لَمْ يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ" عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ "فَلَهُ" أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ "الاعْتِرَاضُ" عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ بِطَرِيقِهِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صُورَةِ دَلِيلٍ٤ صِحَّتُهُ.
"وَلَيْسَ" اعْتِرَاضُهُ٥ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ "بِخَارِجٍ عَنْ الْمَقْصُودِ، فَيَتَوَجَّهُ لَهُ" أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ٦ "سَبْعُ مَنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ٧"
_________________
(١) ١ في ز: يمنع. ٢ في ع ز: مقيس. ٣ في ع: فله أن. ٤ في ش: دليله. ٥ في ع: اعتراضهم. ٦ ساقطة من ض ب. ٧ أي كل منها مرتب على تسليم ما قبله. "حاشية البناني ٢/٣٢٧".
[ ٤ / ٢٤٧ ]
ثَلاثَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ، وَثَلاثَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ، وَوَاحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ.
فَيُقَالُ فِي الإِثْبَاتِ بِمَنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ: لا نُسَلِّمُ حُكْمَ الأَصْلِ.
سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِمَّا يُقَاسُ فِيهِ. لِمَ لا يَكُونُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهِ؟
سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ؟.
سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّتُهُ١؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُهُ؟
سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْوَصْفِ فِي الأَصْلِ.
سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّ٢ هَذَا الْوَصْفَ مُتَعَدٍّ؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّهُ قَاصِرٌ؟.
سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي٣ الْفَرْعِ.
وَظَاهِرُ إيرَادِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وُجُوبُهُ، لِمُنَاسَبَةِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ٤ الطَّبِيعِيِّ. فَيُقَدَّمُ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ مِنْ مَنْعِ حُكْمِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مِمَّا لا يُقَاسُ عَلَيْهِ، أَوْ كَوْنِهِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ، ثُمَّ مَا
_________________
(١) ١ في ش ع: علة. ٢ في ش: أن هذا. ٣ في ع: وجود. ٤ في ض: للترتيب.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ، لاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ عِلَّةً، أَوْ مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الأَصْلِ، أَوْ مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ لابْتِنَائِهِ عَلَيْهِمَا١. كَمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ٢ فِي الْفَرْعِ.
وَجَوَابُ هَذِهِ الاعْتِرَاضَاتِ بِدَفْعِ مَا يُرَادُ دَفْعُهُ مِنْهَا بِطَرِيقِهِ الْمَفْهُومَةِ٣.
"وَإِنْ اعْتَرَضَ" الْمُعْتَرِضُ "عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بِ" قَوْلِهِ "إنِّي لا أَعْرِفُ مَذْهَبِي فِيهِ" أَيْ فِي الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ" بَيَّنَهُ "وَإِلاَّ ٤" أَيْ٥ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَيَانُهُ "دَلَّ" أَيْ أَقَامَ الدَّلِيلَ "عَلَى إثْبَاتِهِ" قَالَهُ٦ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ.
"وَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ" أَيْ دُونَ الْمُعْتَرِضِ "كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ فَإِنْ اعْتَرَضَ" بِأَنْ٧ مَنَعَهُ خَصْمُهُ "دَلَّ عَلَيْهِ" الْمُسْتَدِلُّ "وَلَمْ يَنْقَطِعْ" بِذَلِكَ.
_________________
(١) ١ في ش: عليها. ٢ في ش: عليه. ٣ في ع: بطريق. وفي ض: بطريقته. ٤ في ش: دالًا. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: قال. ٧ في ع: أي بأن.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
"وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ" أَيْ يُلْزِمَ الْمُسْتَدِلَّ "مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ" أَيْ الْمُعْتَرِضُ "وَلا أَنْ يَقُولَ" الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ "إنْ سَلَّمْت" مَا أَعْتَقِدُهُ "وَإِلاَّ دَلَّلْت عَلَيْهِ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ: لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَحْتَجَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ، كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ. فَإِنْ مَنَعَهُ خَصْمُهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ١ خِلافًا لأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، إنْ كَانَ الأَصْلُ خَفِيًّا٢.
وَأَطْلَقَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَنْعَ عَنْ قَوْمٍ.
وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ فَقَطْ، وَلا أَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْته وَإِلاَّ دَلَّلْت عَلَيْهِ، خِلافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ: لأَنَّهُ بِالْمُعَارَضَةِ كَالْمُسْتَدِلِّ. وَعَنَى بِهِ إلْكِيَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - وَعَنَى بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ - لا يَنْقَطِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. فَيَكُونُ الاسْتِدْلال فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي الْمُعَارِضِ٣ اهـ.
الْخَامِسُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "التَّقْسِيمُ"٤.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ع: خفي. ٣ في ز: التعارض. ٤ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "المسودة ص ٤٢٦، مختصر الطوفي =
[ ٤ / ٢٥٠ ]
وَهُوَ "احْتِمَالُ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ بَعْضُهَا" أَيْ بَعْضُ الاحْتِمَالاتِ، أَوْ الاحْتِمَالَيْنِ "مَمْنُوعٌ" وَذَلِكَ الْمَمْنُوعُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى.
"وَهُوَ" أَيْ الْقَدَحُ بِذَلِكَ "وَارِدٌ" عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ.
"وَبَيَانُهُ" أَيْ بَيَانُ١ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مَمْنُوعًا "عَلَى الْمُعْتَرِضِ" وَذَلِكَ "كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الصَّحِيحُ فِي الْحَضَرِ وَجَدَ٢ السَّبَبَ٣ بِتَعَذُّرِ الْمَاءِ" عَلَيْهِ٤ "فَجَازَ" لَهُ "أَنْ يَتَيَمَّمَ".
"فَيَقُولَ" الْمُعْتَرِضُ "السَّبَبُ" الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ "تَعَذُّرُهُ٥" أَيْ تَعَذُّرُ الْمَاءِ "مُطْلَقًا، أَوْ" تَعَذُّرُهُ "فِي سَفَرٍ، أَوْ" تَعَذُّرُهُ فِي "مَرَضٍ".
"فَالأَوَّلُ٦" الَّذِي هُوَ تَعَذُّرُهُ مُطْلَقًا "مَمْنُوعٌ، فَهُوَ مَنْعٌ بَعْدَ تَقْسِيمٍ" وَجَوَابُهُ كَالاسْتِفْسَارِ٧.
_________________
(١) = ص ١٦٧، الكافية للجويني ص ٣٩٤، المنهاج للباجي ص ٢١٠، روضة الناظر ص ٣٤١، الإحكام للآمدي ٤/١٠٢، مختصرالبعلي ص ١٥٣، إرشاد الفحول ص ٢٣١، نشر البنود ٢/٢٤١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٣، منتهى السول والأمل ص ١٩٣، شرح العضد ٢/٢٦٢". ١ في ز: وبيان. ٢ في ش: وحدّ. ٣ في ش: السفر. ٤ في ش: علة. ٥ في ع: بتعذره. ٦ في ش: الأول. ٧ ساقطة من ش. وفي ض: وجوابه كاستفسار.
[ ٤ / ٢٥١ ]
قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَقَوْلُنَا " عَلَى السَّوَاءِ "؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَحَدِهِمَا لَوَجَبَ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ.
وَمِثَالُهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ اثْنَيْنِ لَوْ قِيلَ: امْرَأَةٌ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ يَصِحُّ١ مِنْهَا النِّكَاحُ كَالرَّجُلِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إمَّا بِمَعْنَى أَنَّ لَهَا تَجْرِبَةً، أَوْ أَنَّ لَهَا حُسْنَ رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ، أَوْ أَنَّ لَهَا عَقْلًا غَرِيزِيًّا. فَالأَوَّلُ وَالثَّانِي: مَمْنُوعَانِ. وَالثَّالِثُ: مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا يَكْفِي؛ لأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَهَا عَقْلٌ غَرِيزِيٌّ٢، وَلا يَصِحُّ مِنْهَا النِّكَاحُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِ هَذَا السُّؤَالِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ٣، لَكِنْ بَعْدَ مَا يُبَيِّنُ٤ الْمُعْتَرِضُ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ سُؤَالَ الاسْتِفْسَارِ يُغْنِي عَنْهُ، فَلا حَاجَةَ إلَيْهِ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ٥ هَذَا الاعْتِرَاضِ "كَالاسْتِفْسَارِ" أَنْ٦ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ٧: لَفْظِي الَّذِي ذَكَرْته مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي
_________________
(١) ١ في ض: صح. ٢ في ش: غريزة. ٣ في ز: قبل. ٤ في ز: بين. ٥ في ز ب: وجواب. ٦ في ش ض: بأن. ٧ في ز ب: للمستدل.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
يُؤَدِّي لِلدَّلالَةِ١، وَالدَّالُّ٢ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ٣: اللُّغَةُ أَوْ الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ، أَوْ الْعُرْفُ الْعَامُّ، أَوْ كَوْنُهُ مَجَازًا رَاجِحًا بِعُرْفِ الاسْتِعْمَالِ، أَوْ بِكَوْنِ٤ أَحَدِ الاحْتِمَالاتِ ظَاهِرًا٥ بِسَبَبِ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ الْقَرِينَةِ مِنْ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ، إنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ بِحَيْثُ لا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ لُغَةً وَلا عُرْفًا.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَوْ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ احْتِمَالَيْنِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِمَا لَفْظُ الْمُسْتَدِلِّ، كَقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: وُجِدَ سَبَبُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَيَجِبُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ٦: مَتَى مَنَعَ٧ مَانِعُ الالْتِجَاءِ إلَى الْحَرَمِ٨، أَوْ عَدَمُهُ؟، الأَوَّلُ مَمْنُوعٌ.
فَإِنْ أَوْرَدَهُ عَلَى٩ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يُقْبَلْ لِعَدَمِ تَرَدُّدِ لَفْظِ السَّبَبِ بَيْنَ الاحْتِمَالَيْنِ١٠. وَإِنْ أَوْرَدَهُ عَلَى دَعْوَاهُ الْمُلازَمَةَ١١ بَيْنَ
_________________
(١) ١ في ش: الدلالة. ٢ في ع: أو الدال. وفي ش: والدال علي. ٣ في ع: تلك. ٤ في ع: بكونه. وفي ش ب: يكون. ٥ في ش ز: ظاهر. ٦ ساقطة من ش ع ز ض ب. ٧ في ش: مع. ٨ في ض: الحرام. ٩ في ش: على علتي. ١٠ في ز: احتمالين. ١١ في ش: اللازمة.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ فَهُوَ مُطَالَبَةٌ بِنَفْيِ الْمَانِعِ، وَلا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ. فَإِنْ اسْتَدَلَّ الْمُعْتَرِضُ مَعَ١ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ الْمُعَارِضِ فَيُعَارِضُهُ.
السَّادِسُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "مَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي الأَصْلِ"٢.
وَذَلِكَ "كَ" قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ "الْكَلْبُ حَيَوَانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا فَلا يَطْهُرُ" جِلْدُهُ "بِدَبْغٍ كَ" جِلْدِ "خِنْزِيرٍ فَيُمْنَعُ٣" بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِنْزِيرَ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ "بِبَيَانِهِ٤" أَيْ بِبَيَانِ٥ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الأَصْلِ بِأَحَدِ مَسَالِكِهَا٦ "بِدَلِيلٍ" أَيْ بِمَا هُوَ طَرِيقُ ثُبُوتِ٧ مِثْلِهِ "مِنْ عَقْلٍ" إنْ كَانَ عَقْلِيًّا "أَوْ حِسٍّ" إنْ كَانَ حِسِّيًّا "أَوْ شَرْعٍ" إنْ كَانَ شَرْعِيًّا "بِحَسَبِ حَالِ الْوَصْفِ".
_________________
(١) ١ في ع: منع. ٢ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "المنخول ص ٤٠١، فتح الغفار ٣/٤١، المعتمد ٢/٧٧١، مفتاح الوصول للتلمساني ص ١٥٦، المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي ص ١٦٦، البرهان ٢/٩٦٨، روضة الناظر ص ٣٤٠، الإحكام للآمدي ٤/١٠٧، فواتح الرحموت ٢/٣٣٤، مختصر البعلي ص ١٥٣، الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٤٩، إرشاد الفحول ص ٢٣١، منتهى السول والأمل ص ١٩٤، شرح العضد ٢/٢٦٣". ٣ في ع: فيمتنع. ٤ في ع: بيانه. ٥ في ش: ببيان. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ في ش: ثبوت طريق.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
مِثَالٌ يَجْمَعُ١ الثَّلاثَةَ، إذَا قَالَ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوَانٌ، فَلَوْ قَالَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَتْلٌ. قَالَ: بِالْحِسِّ، وَلَوْ قِيلَ٢: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَمْدٌ. قَالَ: مَعْلُومٌ عَقْلًا بِأَمَارَتِهِ، وَلَوْ قِيلَ٣: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عُدْوَانٌ. قَالَ: لأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَهُ.
"وَلَهُ" أَيْ لِلْمُسْتَدِلِّ "تَفْسِيرُ لَفْظِهِ بِمُحْتَمَلٍ" أَيْ بِمَعْنًى مُحْتَمَلٍ.
السَّابِعُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "مَنْعُ كَوْنِهِ" أَيْ كَوْنِ الْوَصْفِ "عِلَّةً" وَالْمُطَالَبَةُ بِتَصْحِيحِ ذَلِكَ٤.
قَالَ الآمِدِيُّ٥ وَمَنْ تَبِعَهُ٦: هُوَ "أَعْظَمُ الأَسْئِلَةِ" لِعُمُومِ وُرُودِهِ وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ.
"وَيُقْبَلُ" لِئَلاَّ يَحْتَجَّ الْمُسْتَدِلُّ بِكُلِّ طَرْدٍ، وَهُوَ لَعِبٌ؛ وَلأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ دَلِيلِ الْقِيَاسِ.
_________________
(١) ١ في ش: جمع. ٢ في ع ب: قال. وفي ش: لم يقل. ٣ في ش: لم يقل. ٤ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "المنخول ص ٤٠١، فتح الغفار ٣/٤١، مفتاح الوصول ص ١٥٧، المنهاج للباجي ص ١٦٨، البرهان ٢/٩٧٠، روضة الناظر ص ٣٤٠، فواتح الرحموت ٢/٣٣٤، إرشاد الفحول ص ٢٣١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٥، منتهى السول والأمل ص ١٩٤، شرح العضد ٢/٢٦٣". ٥ الإحكام في أصول الأحكام ٤/١٠٩. ٦ انظر شرح العضد ٢/٢٦٣، منتهى السول والأمل لابن الحاجب ص ١٩٤.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
خُولِفَ فِي مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ١، أَوْ أَفَادَ الظَّنَّ.
وَلَيْسَ الْقِيَاسُ رَدَّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ بِأَيِّ٢ جَامِعٍ كَانَ، بَلْ بِجَامِعٍ مَظْنُونٍ، وَلَيْسَ عَجْزُ الْمُعَارِضِ عَنْ إبْطَالِهَا دَلِيلَ صِحَّتِهَا لِلُزُومِ صِحَّةِ كُلِّ صُورَةِ دَلِيلٍ لِعَجْزِهِ. فَهَذَا السُّؤَالُ يَعُمُّ كُلَّ مَا يُدَّعَى أَنَّهُ عِلَّةٌ.
وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ: سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ٣، وَحَيْثُ أُطْلِقَتْ الْمُطَالَبَةُ٤ فَلا يُقْصَدُ٥ فِي الْعُرْفِ سِوَى ذَلِكَ، وَمَتَى أُرِيدَ غَيْرُهُ ذُكِرَ مُقَيَّدًا، فَيُقَالُ: الْمُطَالَبَةُ بِكَذَا.
وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لأَدَّى الْحَالُ إلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدٍ مِنْ الأَوْصَافِ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ. فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَأْمَنُ الْمَنْعَ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا شَاءَ مِنْ الأَوْصَافِ٦.
وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ. وَقَدْ وُجِدَ. فَفِيمَ٧ الْمَنْعُ؟
_________________
(١) ١ في ز: أصحابه. ٢ في ش: بأي صحة كل صورة. ٣ انظر المسودة ص ٤٢٩، مختصر الطوفي ص ١٦٧، روضة الناظر ص ٣٤٢، مختصر البعلي ص ١٥٤. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ز: يصدق. ٦ في ش: الأصاف. ٧ في ض: تقسيم.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
وَرَدُّهُ: أَنَّ ذَلِكَ مَظْنُونُ الصِّحَّةِ، وَالْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ مَظْنُونُ الْفَسَادِ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ مَنْعِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً "بِبَيَانِهِ١ بِأَحَدِ مَسَالِكِهَا" أَيْ بِأَنْ٢ يُثْبِتَ الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّةَ٣ الْوَصْفِ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلَّةِ، مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ مُنَاسَبَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَكُلُّ٤ مَسْلَكٍ تَمَسَّكَ بِهَا٥ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا هُوَ شَرْطُهُ، أَيْ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الأَسْئِلَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهِ. وَقَدْ نَبَّهَ - أَيْ٦ ابْنُ الْحَاجِبِ - هَاهُنَا٧ عَلَى اعْتِرَاضَاتِ الأَدِلَّةِ الأُخْرَى بِتَبَعِيَّةِ٨ اعْتِرَاضَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى سَبِيلِ الإِيجَازِ، وَلا بَأْسَ أَنْ٩ نَبْسُطَ فِيهِ الْكَلامَ بَعْضَ الْبَسْطِ١٠؛ لأَنَّ الْبَحْثَ كَمَا يَقَعُ فِي١١
_________________
(١) ١ في ش: باثباته. ٢ في ض: بما. ٣ في ض: علة. ٤ في شرح العضد: فكل. ٥ في ش: به. ٦ ساقطة من ع ز ض ب. ٧ في ض: هنا. ٨ كذا في شرح العضد. وفي ع ز: تبعه. وفي ب: متبعه. وفي ش: نتبعه. ٩ في ش: بأن. ١٠ ساقطة من ع ض. ١١ في ض: فيه.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
الْقِيَاسِ يَقَعُ فِي سَائِرِ الأَدِلَّةِ. وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَافِعَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. فَنَقُولُ:
الأَسْئِلَةُ بِحَسَبِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الإِجْمَاعِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ:
الصِّنْفُ الأَوَّلُ: عَلَى الإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِقِلَّتِهِ. وَمِثَالُهُ: مَا قَالَتْ١ الْحَنَفِيَّةُ فِي وَطْءِ الثَّيِّبِ: الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ الرَّدُّ مَجَّانًا. فَإِنَّ عُمَرَ وَزَيْدًا أَوْجَبَا نِصْفَ عُشْرِ الْقِيمَةِ، وَفِي الْبِكْرِ عُشْرَهَا، وَعَلِيُّ مَنَعَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ فِي دَلالَتِهِ وَفِي نَقْلِهِ، وَلَوْلا أَحَدُهُمَا لَمَا تُصَوِّرَ فِي مَحَلِّ٢ الْخِلافِ.
وَالاعْتِرَاضُ عَلَى٣ وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: مَنْعُ وُجُودِ الإِجْمَاعِ لِصَرِيحِ الْمُخَالَفَةِ، أَوْ مَنْعُ دَلالَةِ السُّكُوتِ عَلَى الْمُوَافَقَةِ.
الثَّانِي: الطَّعْنُ فِي السَّنَدِ، بِأَنْ نَقَلَهُ فُلانٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ إنْ أَمْكَنَهُ.
الثَّالِثُ: الْمُعَارَضَةُ، وَلا تَجُوزُ٤ بِالْقِيَاسِ، مِثْلَ: الْعَيْبُ
_________________
(١) ١ في ز وشرح العضد: قال. ٢ في ش: نقل. ٣ في شرح العضد: عليه من. ٤ كذا في شرح العضد. وفي جميع النسخ: يجوز.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
١يُثْبِتُ الرَّدَّ، وَتَثْبُتُ٢ عِلِّيَّةُ الْعَيْبِ لِلرَّدِّ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلا بِخَبَرٍ٣ وَاحِدٍ٤، إلاَّ إذَا كَانَتْ دَلالَتُهُ٥ قَاطِعَةً٦، وَلَكِنْ٧ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ أَوْ بِمُتَوَاتِرٍ.
الصِّنْفُ الثَّانِي: عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ. كَمَا إذَا اُسْتُدِلَّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ٨﴾ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ.
وَالاعْتِرَاضُ عَلَى وُجُوهٍ٩:
الأَوَّلُ: الاسْتِفْسَارُ. وَقَدْ عَرَّفْتَهُ.
الثَّانِي: مَنْعُ ظُهُورِهِ فِي الدَّلالَةِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ صُوَرٌ١٠ لا تُحْصَى١١، أَوْ١٢ لا نُسَلِّمُ أَنَّ اللاَّمَ لِلْعُمُومِ، فَإِنَّهُ يَجِيءُ
_________________
(١) ١ في شرح العضد: يثبته ويثبته. ٢ في ب ش ع: ويثبت. ٣ في ض: يجبر. ٤ في ش: الواحد. ٥ في ض: ولايته. ٦ في شرح العضد: قطعية. ٧ ساقطة من ز. ٨ الآية ٢٧٥ من البقرة. ٩ في شرح العضد: عليه بوجوه. ١٠ في ش: صورًا. ١١ في د ع: لا تحصر. وفي ض: لا يحصر. ١٢ في د ض: ولا.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
لِلْعُمُومِ١ وَالْخُصُوصِ٢.
الثَّالِثُ: التَّأْوِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِيمَا ذَكَرْت - لَكِنْ يَجِبُ صَرْفُهُ عَنْهُ إلَى مَحْمَلٍ مَرْجُوحٍ، بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ٣ رَاجِحًا. نَحْوَ قَوْلِهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهَذَا أَقْوَى؛ لأَنَّهُ عَامٌّ٤ لَمْ٥ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ، أَوْ التَّخْصِيصُ فِيمَا قَلَّ٦.
الرَّابِعُ: الإِجْمَالُ فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهِ التَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ٧ يُصَيِّرْهُ رَاجِحًا فَإِنَّهُ يُعَارِضُ الظُّهُورَ، فَيَبْقَى مُجْمَلًا.
الْخَامِسُ: الْمُعَارَضَةُ بِآيَةٍ أُخْرَى، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ٨﴾ وَهَذَا [مَا٩] لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ الرِّضَى، فَيَكُونُ بَاطِلًا، أَوْ بِحَدِيثٍ١٠ مُتَوَاتِرٍ كَمَا ذَكَرْنَا.
_________________
(١) ١ في ع: إلى العموم. ٢ في شرح العضد: وللخصوص. ٣ في ش: تصييره. وفي ز: تصوره. وفي د: تصيره. ٤ في ز: تمام. ٥ في ب: لا. ٦ في شرح العضد: فيه أقل. ٧ ساقطة من ش. ٨ الآية ١٨٨ من البقرة. ٩ زيادة من شرح العضد. ١٠ كذا في شرح العضد وش. وفي ع ز ض ب: لحديث.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
السَّادِسُ: مَنْعُ١ الْقَوْلِ بِمُوجِبِهِ، وَهُوَ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى النَّصِّ مَعَ بَقَاءِ الْخِلافِ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: سَلَّمْنَا حِلَّ الْبَيْعِ، وَالْخِلافُ فِي صِحَّتِهِ بَاقٍ. فَإِنَّهُ مَا أُثْبِتُهُ.
الصِّنْفُ٢ الثَّالِثُ٣: مَا يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ، كَمَا إذَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ٤ "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لا يَنْفَسِخُ.
وَالاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِالْوُجُوهِ٥ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
الأَوَّلُ: الاسْتِفْسَارُ.
الثَّانِي: مَنْعُ الظُّهُورِ إذْ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْخَبَرِ صِيغَةُ٦ عُمُومٍ، أَوْ؛ لأَنَّهُ٧ خِطَابٌ لِخَاصٍّ٨، أَوْ؛ لأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ.
الثَّالِثُ: التَّأْوِيلُ بِأَنَّ٩ الْمُرَادَ: تَزَوَّجْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا بِعَقْدٍ
_________________
(١) ١ ساقطة من د وشرح العضد. ٢ في ش: المصنف. ٣ في ش: الثاني. ٤ في ض: بقولك. وفي ش: بقوله ﷺ. ٥ في شرح العضد: بوجوه. ٦ في ش: صيفة. ٧ في ع: ولأنه. وفي ز: أو أنه. ٨ في ش: خاص. وفي شرح العضد: بخاص. ٩ في شرح العضد: فإن.
[ ٤ / ٢٦١ ]
جَدِيدٍ. فَإِنَّ الطَّارِئَ كَالْمُبْتَدَإِ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ كَالرَّضَاعِ.
الرَّابِعُ: الإِجْمَالُ كَمَا ذَكَرْنَا.
الْخَامِسُ: الْمُعَارَضَةُ بِنَصٍّ آخَرَ.
السَّادِسُ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ.
وَهَاهُنَا١ أَسْئِلَةٌ تَخْتَصُّ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، وَهُوَ الطَّعْنُ فِي السَّنَدِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْخَبَرُ مُرْسَلٌ، أَوْ ضَعِيفٌ٢، أَوْ فِي رَاوِيَتِهِ٣ قَدْحٌ. فَإِنَّ رَاوِيَهُ ضَعِيفٌ لِخَلَلٍ٤ فِي عَدَالَتِهِ أَوْ ضَبْطِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ٥ كَذَّبَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: لَمْ يَرْوِ عَنِّي.
مِثَالُهُ: إذَا قَالَ الأَصْحَابُ "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا٦" قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ رَاوِيَهُ مَالِكٌ. وَقَدْ خَالَفَهُ.
وَإِذَا قُلْنَا "أَيُّمَا امْرَأَةٍ٧ نَكَحَتْ٨ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا،
_________________
(١) ١ في ض: وهنا. ٢ في شرح العضد: موقوف. ٣ كذا في د وشرح العضد. وفي: راويته. وفي ع ز ب: راويه. وفي ض: رواته. ٤ في ش: يجرح. ٥ في ض: أنه. ٦ في ش: يفترقا. ٧ في ش: مرأة. ٨ في ض: أنكحت.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" قَالُوا١: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّهُ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ٢ عَنْ الزُّهْرِيِّ. فَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ؟ فَقَالَ: لا أَعْرِفُهُ.
الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مَا يَرِدُ عَلَى تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ. وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ٣ مِنْ عَدَمِ الإِفْضَاءِ، أَوْ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ عَدَمِ الظُّهُورِ٤ أَوْ عَدَمِ الانْضِبَاطِ٥، وَمَا٦ تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ غَرِيبٌ أَوْ٧ شَبَهٌ٨،
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَضُدُ بِعَيْنِهِ فِي الإِيضَاحِ لأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ.
_________________
(١) ١ في ض: قلنا. ٢ هو سليمان بن موسى الأشدق الأموي، أبو أيوب. قال ابن حبان: من فقهاء أهل الشام ومتورعي الدمشقيين وجلة أتباع التابعين. وقال سعيد: كان أعلم أهل الشام بعد مكحول، وقد وثقه ابن معين ودحيم. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال ابن عدي: هو عندي ثبت صدوق. اختلف في وفاته فقال دحيم وابن حبان سنة ١١٥ هـ، وقال البخاري وابن سعد وآخرون سنة ١١٩هـ. "انظر ترجمته في طرح التثريب ١/٥٩، مشاهير علماء الأمصار ص ١٧٩، تاريخ يحيى بن معين ٢/٢٣٦، تهذيب التهذيب ٤/٢٢٦، خلاصة تذهيب الكمال ١/٤٢٠، ميزان الاعتدال ٢/٢٢٥". ٣ في شرح العضد: ما سيأتي. ٤ ساقطة من ش. ٥ كذا في ع وشرح العضد. وفي ش ز ض ب: الانضباط له. ٦ في شرح العضد: أو بما. ٧ ساقطة من ع ض. وفي ش: شبه ذلك. ٨ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٦٤، ٢٦٥.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
الثَّامِنُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "عَدَمُ التَّأْثِيرِ"١
وَهُوَ دَعْوَى الْمُعْتَرِضِ "بِأَنَّ الْوَصْفَ لا مُنَاسَبَةَ لَهُ"
وَ"لا يَرِدُ" هَذَا "عَلَى قِيَاسِ الدَّلالَةِ" قَالَهُ٢ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ٣ وَابْنُ عَقِيلٍ٤؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ فِي مَسْأَلَةِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَالنِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ.
"وَ" قَالَ أَيْضًا "لا" يَرِدُ عَلَى "قِيَاسٍ نَافٍ لِلْحُكْمِ" لِتَعَدُّدِ سَبَبِ انْتِفَائِهِ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ أَوْ جُزْئِهَا أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ
_________________
(١) ١ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "شرح العضد ٢/٢٦٥، منتهى السول والأمل ص ١٩٤، المعتمد ٢/٧٨٩، المسودة ص ٤٢١، المنخول ص ٤١١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠١، روضة الناظر ص ٣٩٤، الجدل لابن عقيل ص ٥٤، البرهان ٢/١٠٠٧، مختصر الطوفي ص ١٧١، المنهاج للباجي ص ١٩٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٩٨، اللمع ص ٦٤، نشر البنود ٢/٢١٧، المحصول ٢/٢/٣٥٥، إرشاد الفحول ص ٢٢٧، نهاية السول ٣/٨٨، مناهج العقول ٣/٨٦، الإبهاج ٣/٧٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٠٧، الإحكام للآمدي ٤/١١٣، مختصر البعلي ص ١٥٨، فواتح الرحموت ٢/٣٣٨، القياس الشرعي لأبي الحسين البصري ٢/١٠٤٠". ٢ في ش ض: قال. ٣ المسودة ص ٤٢٢. ٤ الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٥٦.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
بِخِلافِ سَبَبِ ثُبُوتِهِ؛ لأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ تَخْلُفْ الْعِلَّةَ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَلأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قِيَاسِ الدَّلالَةِ.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: مِنْ الْقَوَادِحِ فِي الْعِلَّةِ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا١ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلتَّعْلِيلِ، لِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا، أَوْ لاخْتِلالِ٢ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ فِيهِ. فَلا يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّعْلِيلِ.
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْثِيرِ هُنَا اقْتِضَاؤُهُ، إمَّا بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ٣ أَوْ الْمُؤَثِّرِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلافِ. فَإِذَا لَمْ يُفِدْ٤ أَثَرًا فَلا تَأْثِيرَ لَهُ.
"وَأَقْسَامُهُ" أَيْ أَقْسَامُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "أَرْبَعَةٌ":
الأَوَّلُ "عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ "فِي الْوَصْفِ" أَيْ لا تَأْثِيرَ لَهُ أَصْلًا؛ لِكَوْنِ الْوَصْفِ طَرْدِيًّا.
"كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: صَلاةُ الصُّبْحِ "صَلاةٌ لا تُقْصَرُ، فَلا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالْمَغْرِبِ، فَعَدَمُ الْقَصْرِ هُنَا" بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ تَقْدِيمِ٥ الأَذَانِ "طَرْدِيٌّ" فَكَأَنَّهُ قَالَ: لا يُقَدَّمُ أَذَانُ الْفَجْرِ عَلَيْهَا؛
_________________
(١) ١ في ز: حتى هذا. ٢ في ض: لاختلاف. ٣ في جميع النسخ: العرف. وهو تصحيف. ٤ في ش: يفده. ٥ في ض: تأثير.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
لأَنَّهَا لا تُقْصَرُ، وَاطَّرَدَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْعَكِسْ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ إذْ مُقْتَضَى هَذَا الْقِيَاسِ: أَنَّ مَا يُقْصَرُ مِنْ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ عَلَى وَقْتِهِ مِنْ حَيْثُ انْعِكَاسُ الْعِلَّةِ "فَيَرْجِعُ" حَاصِلُهُ "إلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ١" بِصَلاحِيَّةِ٢ كَوْنِهِ عِلَّةً كَمَا سَبَقَ.
"وَ" الْقَسَمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ فِي الأَصْلِ" بِأَنْ يُسْتَغْنَى٣ عَنْهُ بِوَصْفٍ آخَرَ لِثُبُوتِ حُكْمِهِ بِدُونِهِ.
"كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ "مَبِيعٌ٤ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَبَطَلَ٥ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ".
فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْبُطْلانِ.
وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ هُنَا: جِهَةُ الْعَكْسِ؛ لأَنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ؛ بِكَوْنِهِ٦ غَيْرَ مَرْئِيٍّ يَقْتَضِي٧ أَنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَقَدْ
_________________
(١) ١ في ش: المطابقة. ٢ في ش: لصلاحية. وفي ض: بصلحية. ٣ في ع: يستعني. ٤ في ع: بيع. ٥ في ش: فيبطل. ٦ في ش: لكونه. ٧ في ع ب: تقتضي
[ ٤ / ٢٦٦ ]
بَطَلَ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ١ "فَالْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ" وَصْفٌ٢ "مُسْتَقِلٌّ"، يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ عِلَّةً؛ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
"وَيُقْبَلُ" الْقَدْحُ بِعَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الأَصْلِ "فِي وَجْهٍ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: وَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ.
وَلَمْ يَقْبَلْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ، بِنَاءً عَلَى هَذَا٣.
وَقَبِلَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٤ وَغَيْرُهُ.
"وَهُوَ مُعَارَضٌ٥ فِي الأَصْلِ".
"وَ"٦ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ٧" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ٨ "فِي الْحُكْمِ" فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا عُلِّلَ بِهِ قَيْدٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ فِي حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي قَدْ عُلِّلَ لَهُ٩.
_________________
(١) ١ أي ولو كان مرئيًا. فذكر عدم الرؤية ضائع، فإن الحكم يثبت في الأصل بدونه، فعلم أن العلة فيه غير ما يذكره المستدل. "روضة الناظر ص ٣٤٩". ٢ ساقطة من ش. ٣ ساقطة من ض. ٤ روضة الناظر ص ٣٤٩. ٥ في ش: معارضة. ٦ ساقطة من ع ب. ٧ في ع ب: وعدمه. ٨ ساقطة من ع ب ض. ٩ في ش ض: به.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهُمَا: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَهُوَ مَا لا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ".
"كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْمُرْتَدُّ مُشْرِكٌ أَتْلَفَ مَالًا١ فِي دَارِ الْحَرْبِ٢. فَلا ضَمَانَ" عَلَيْهِ "كَحَرْبِيٍّ".
"فَـ ٣" قَوْلُهُ "دَارُ الْحَرْبِ: طَرْدِيٌّ" لا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ "إذْ مَنْ أَوْجَبَهُ" أَيْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ "أَوْ نَفَاهُ: أَطْلَقَ" الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِدَارِ الْحَرْبِ٤. فَيَرْجِعُ إلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْقِسْمُ الأَوَّلُ، وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَمَثَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِنَا فِي تَخْلِيلِ٥ الْخَمْرِ: مَائِعٌ لا يَطْهُرُ بِالْكَثْرَةِ، فَلا يَطْهُرُ بِالصَّنْعَةِ٦ كَالدُّهْنِ وَاللَّبَنِ.
فَقِيلَ٧ لِلْقَاضِي٨ فَقَوْلُك٩ "لا يَطْهُرُ بِالصَّنْعَةِ١٠" لا أَثَرَ
_________________
(١) ١ في ز: مالًا محترمًا. ٢ في ز ب: حرب. ٣ في ع ب: و. ٤ في ش: الحرب. ٥ في ع: تحليل. ٦ في ض ب: بالصفة. ٧ في ع: فقول. ٨ في ع: القاضي. ٩ ساقطة من ض ب ع. وفي ش: قولك. ١٠ في ض ب: بالصفة.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
لَهُ فِي الأَصْلِ. فَقَالَ١: هَذَا حُكْمُ الْعِلَّةِ، وَالتَّأْثِيرُ يُعْتَبَرُ فِي الْعِلَّةِ دُونَ الْحُكْمِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا ضَعِيفٌ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ مَذْهَبَيْنِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ لَهُ فَائِدَةٌ ضَرُورِيَّةٌ".
"كَقَوْلِ مُعْتَبِرِ" أَيْ مُشْتَرِطِ٢ "عَدَدَ الأَحْجَارِ" أَيْ عَدَدَ الْمَسَحَاتِ٣ "فِي الاسْتِجْمَارِ" أَنَّهَا "عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحْجَارِ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَدُ كَالْجِمَارِ" أَيْ كَرَمْيِ الْجِمَارِ٤ فِي الْحَجِّ.
"فَقَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "لَمْ يَتَقَدَّمْهَا٥ مَعْصِيَةٌ لا أَثَرَ لَهُ" فِي الاسْتِدْلالِ "لَكِنَّهُ" أَيْ الْمُسْتَدِلَّ "مُضْطَرٌّ إلَى ذِكْرِهِ لِئَلاَّ يَنْتَقِضَ" عَلَيْهِ الاسْتِدْلال "بِـ" حَدِّ "الرَّجْمِ"؛ لأَنَّهُ أَيْضًا عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحْجَارِ، لَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا عَدَدٌ.
وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ.
_________________
(١) ١ في ع ب: فقيل. ٢ في ش: مستدل. ٣ في ز: المسحات عدد. ٤ في ش: الحجار. ٥ في ش: تتقدمها.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ غَيْرُ ضَرُورَةٍ١".
يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِ مَا لا أَثَرَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ فَائِدَةٌ، لَكِنَّ الْمُعَلِّلَ لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسِ "كَـ" قَوْلِهِ "الْجُمُعَةُ صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ" ٢الإِمَامِ فِي إقَامَتِهَا "كَغَيْرِهَا" مِنْ الصَّلَوَاتِ.
"فَـ" قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "مَفْرُوضَةٌ: حَشْوٌ" وَلِهَذَا يُسَمَّى٣ هَذَا النَّوْعُ بِالْحَشْوِ "إذْ لَوْ حُذِفَتْ" "مَفْرُوضَةٌ" "لَمْ يَنْتَقِضْ" قِيَاسُهُ؛ لأَنَّ النَّفَلَ٤ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَقْرِيبِ الْفَرْعِ مِنْ الأَصْلِ، وَتَقْوِيَةِ الشَّبَهِ٥ بَيْنَهُمَا إذْ الْفَرْضُ بِالْفَرْضِ أَشْبَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فَمَفْرُوضَةٌ، قِيلَ: يَضُرُّ٦ دُخُولُهُ؛ لأَنَّهُ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَقِيلَ: لا. فَإِنَّ فِيهِ٧ تَنْبِيهًا٨ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْفَرْضِ٩ أَوْلَى أَنْ لا يَفْتَقِرَ؛ وَلأَنَّهُ يُزِيدُ تَقْرِيبَهُ١٠ مِنْ الأَصْلِ.
_________________
(١) ١ في ش: ضرورة. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ في ض: سمي. ٤ في ع ز ب: النقل. ٥ في ز: الشبهة. ٦ في ش: بغير. ٧ في ش: فيها. ٨ في ش: تنبيهًا. ٩ في ز: هذا الفرض. ١٠ في ش: تفويته.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
فَالأَوْلَى ذِكْرُهُ. اهـ.
"وَ" الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ "فِي الْفَرْعِ" وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لا يَطَّرِدُ التَّأْثِيرُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَحَالِّ النِّزَاعِ١.
مِثَالُ ذَلِكَ فِي وِلايَةِ الْمَرْأَةِ "كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: امْرَأَةٌ "زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلا يَصِحُّ" تَزْوِيجُهَا "كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ" أَيْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا "بِغَيْرِ كُفْءٍ".
فَالتَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَإِنْ نَاسَبَ الْبُطْلانَ، إلاَّ أَنَّهُ لا اطِّرَادَ لَهُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ الَّتِي هِيَ تَزْوِيجُهَا نَفْسَهَا مُطْلَقًا. فَبَانَ أَنَّ الْوَصْفَ لا أَثَرَ لَهُ فِي الْفَرْعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ٢.
"وَهُوَ" أَيْ٣ وَهَذَا الْقِسْمُ "كَالثَّانِي" أَيْ كَالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ هُنَا٤ مُضَافٌ إلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ٥ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَالتَّاجُ السُّبْكِيُّ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ في ض: المشار إليه. ٣ ساقطة من ع. ٤ ساقطة من ض. ٥ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٦٥، منتهى السول والأمل ص ١٩٥. ٦ جمع الجوامع للتاج السبكي مع حاشية البناني ٢/٣١٠.
[ ٤ / ٢٧١ ]
وَقِيلَ: إنَّهُ كَالْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ الآمِدِيُّ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ رَدَّهُ قَوْمٌ لِمَنْعِهِمْ جَوَازَ الْفَرْضِ فِي الدَّلِيلِ. وَقَبِلَهُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ١.
"وَيَجُوزُ الْفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٢، وَبِهِ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَالْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: لَهُ أَنْ يَخُصَّ الدَّلِيلَ فَيُفِيدُ٣ لِغَرَضِ الْفَرْضِ بِبَعْضِ صُوَرِ الْخِلافِ، إلاَّ أَنْ يَعُمَّ٤ الْفُتْيَا، فَلا٥.
وَقَالَ الْمَجْدُ: يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا٦ عِنْدَ عَامَّةِ الأُصُولِيِّينَ٧.
وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ: وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ٨،
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/١١٤ بتصرف. ٢ انظر إرشاد الفحول ص ٢٣٥، البرهان ٢/١٠٠٨، الوصول لابن برهان ٢/٢٦٦. ٣ في ش ز ض ب: فيقيد. ٤ في ش: تعم. ٥ روضة الناظر ص ٣٤٩ بتصرف. ونص كلام الموفّق فيها: لو كان الوصف المذكور يشير إلى اختصاص الدليل ببعض صور الخلاف، فيكون مفيد الغرض في بعض الصور، فيكون مقبولًا إذا لم تكن الفتيا عامة، وإن عم الفتيا فليس له أن يخصّ الدليل ببعض الصور، لأنه لا يفي بالدليل على ما أفتى به". ٦ في ض: فيها. ٧ المسودة ص ٤٢٥. ٨ في ش: تناه.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وَعَلَيْهِ الاصْطِلاحُ لإِرْفَاقِ١ الْمُسْتَدِلِّ، وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ.
وَاسْتُدِلَّ لِلْجَوَازِ بِأَنَّهُ قَدْ لا يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْكُلِّ، أَوْ يُسَاعِدُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُعَلَّلُ٢ عَلَى دَفْعِ كَلامِ الْخَصْمِ، بِأَنْ يَكُونَ كَلامُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ أَشْكَلَ. فَيَسْتَفِيدُ بِالْفَرْضِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَلا يَفْسُدُ بِذَلِكَ جَوَابُهُ؛ لأَنَّ مَنْ سَأَلَ٣ عَنْ الْكُلِّ فَقَدْ سَأَلَ٤ عَنْ الْبَعْضِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ٥ عَنْ نُفُوذِ عِتْقِ الرَّاهِنِ: أَفْرُضُ الْكَلامَ فِي الْمُعْسِرِ، أَوْ عَنْ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، أَوْ٦ أَفْرُضُهُ٧ فِي مَنْ زُوِّجَتْ٨ بِغَيْرِ كُفْءٍ. فَإِذَا خَصَّ الْمُسْتَدِلُّ تَزْوِيجَهَا٩ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ بِالدَّلِيلِ فَقَدْ فَرَضَ دَلِيلَهُ فِي بَعْضِ صُورَةِ النِّزَاعِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْجَوَازُ بِشَرْطِ بِنَاءِ مَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ
_________________
(١) ١ في ش: لإرقاق. ٢ في ش: لا يعين. ٣ في ض: سئل. ٤ في ض: سئل. ٥ في ش ب: المسئول. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ع: أفرضت. ٨ في ض: تزوجت. ٩ في ض: تزوجها.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَيْ يَنْبَنِي١ غَيْرُ مَا فَرَضَهُ وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ عَلَى مَا٢ فَرَضَهُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ، فَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَامًّا لِجَمِيعِ مَوَاقِعِ النِّزَاعِ؛ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَدَافِعًا٣ لاعْتِرَاضِ الْخَصْمِ.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٤ الْمَنْعُ إنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمَجْعُولُ فِي الْفَرْضِ طَرْدًا، وَإِلاَّ قُبِلَ.
وَعَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الصَّحِيحُ "يَكْفِي قَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي الْبَاقِي" ضَرُورَةً إذْ٥ لا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
وَقِيلَ: لا يَكْفِيهِ ذَلِكَ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى رَدِّ مَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِجَامِعٍ صَحِيحٍ، كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْقِيَاسِ.
_________________
(١) ١ في ش ز: يبني. وفي ض د: أن ينبني. ٢ في ع: على. وفي ض: عليه على غير ما. ٣ في ع: ودفعًا. ٤ منتهى السول والأمل ص ١٩٥، متخصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٦٥. ٥ في ض ش ب: ان.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْفَرْضُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَلا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ، وَإِنْ عَدَلَ١ عَنْ الْفَرْضِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ، فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ بِنَاءِ السُّؤَالِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
"وَإِنْ أَتَى" الْمُسْتَدِلُّ "بِمَا لا أَثَرَ لَهُ فِي الأَصْلِ لِدَفْعِ٢ النَّقْضِ، لَمْ٣ يَجُزْ" عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ.
وَفِي٤ مُقَدِّمَةِ "الْمُجَرِّدِ٥"، وَيُحْتَمَلُ٦ أَنْ لا يَجُوزَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ؛ لأَنَّهُ يُحْتَاجُ٧ إلَيْهِ لِتَعْلِيقِ٨ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ.
وَكَلامُ ابْنِ عَقِيلٍ: يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ ذِكْرَهُ تَأْكِيدًا، أَوْ لِتَأْكِيدِ الْعِلَّةِ، فَيَتَأَكَّدُ الْحُكْمُ، وَلِلْبَيَانِ٩ وَلِتَقْرِيبِهِ مِنْ الأَصْلِ١٠. وَقَالَ: إنْ جَعَلَ الْوَصْفَ مُخَصِّصًا لِحُكْمِ الْعِلَّةِ، كَتَخْلِيلِ١١ الْخَمْرِ "مَائِعٌ لا يَطْهُرُ بِكَثْرَةٍ. فَكَذَا بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ؛ كَخَلٍّ نَجِسٍ، فَلا يَطْهُرُ
_________________
(١) ١ في ش: والعدول. وفي ض: وإن. ٢ في ش: لوقع. ٣ في ش: ولم. ٤ في ش: من. ٥ في ش: المجوز. ٦ في ش: ويحتمل. ٧ في ز ب ش: محتاج. ٨ في ز: فتعلق. ٩ في ض د ز: والبيان. ١٠ انظر المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي ص ٢٠٠. ١١ في ع: كتحليل
[ ٤ / ٢٧٥ ]
الأَصْلُ مُطْلَقًا"١.
التَّاسِعُ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ" لِلْحُكْمِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ "بِمَا يَلْزَمُ" فِيهِ "مِنْ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ" عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمُنَاسَبَةِ٢ "أَوْ مُسَاوِيَةٍ٣" لَهَا٤. وَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الْقَدْحِ "بِالتَّرْجِيحِ" أَيْ بِبَيَانِ تَرْجِيحِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ فِي الْعِلَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي يُعْتَرَضُ بِهَا تَفْصِيلًا أَوْ٥ إجْمَالًا.
_________________
(١) ١ الجدل على طريقة الفقهاء ص ٥٥ بتصرف. ونص كلام ابن عقيل فيه: "الوصف إذا جُعل تخصيصًا لحكم العلة، مثل أن يقول المستدل في تخليل الخمر بأنه مائع لا يطهر بالكثرة، فلا يطهر بصنعة آدمي، كالخل النجس، فيقال: لا تأثير لقولك "بصنعة آدمي" في الأصل، لأنه لا يطهر بصنعة آدمي ولا بصنعة غيره، فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال بعضهم: لا يلزم. لأن التأثير لا يتوجه على الحكم، وإنما يطلب في علة الحكم. ومنهم من يقول: يجوز. لأنه أدرج في الحكم وصفًا، فالتأثير لزم على الوصف المدرج فيه، لأنه من تمام العلة، فيجب على المعلل بيان تأثيره. وهذا الثاني هو مذهبنا". ٢ في ب: بمناسبة. ٣ في ع مساواته. ٤ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "الإحكام للآمدي ٤/١١٥، فواتح الرحموت ٢/٣٤٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣١٨، منتهى السول والأمل ص ١٩٥، شرح العضد ٢/٢٦٧، تيسير التحرير ٤/١٣٦". ٥ في ع ز ض ب: و.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
أَمَّا تَفْصِيلًا: فَبِخُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ هَذَا ضَرُورِيٌّ، وَذَاكَ حَاجِيٌّ، أَوْ بِأَنَّ هَذَا إفْضَاءٌ١ قَطْعِيٌّ أَوْ أَكْثَرِيٌّ، وَذَاكَ ظَنِّيٌّ أَوْ أَقَلِّيٌّ٢، أَوْ أَنَّ هَذَا اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ. وَذَاكَ اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إجْمَالًا: فَبِلُزُومِ٣ التَّعَبُّدِ لَوْلا اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ.
مِثَالُهُ أَنْ يُقَالَ فِي الْفَسْخِ فِي الْمَجْلِسِ: وُجِدَ سَبَبُ الْفَسْخِ فَيُوجَدُ٤ الْفَسْخُ. وَذَاكَ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
فَيُقَالَ: مُعَارَضٌ بِضَرَرِ٥ الآخَرِ. فَيُقَالُ٦: الآخَرُ يَجْلِبُ نَفْعًا وَهَذَا يَدْفَعُ ضَرَرًا، وَدَفْعُ الضَّرَرِ أَهَمُّ عِنْدَ الْعُقَلاءِ، وَلِذَلِكَ يُدْفَعُ كُلُّ ضَرَرٍ. وَلا يُجْلَبُ٧ كُلُّ نَفْعٍ.
مِثَالٌ آخَرُ: إذَا قُلْنَا: التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ. فَيُقَالُ: لَكِنَّهُ٨ يُفَوِّتُ أَضْعَافَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ. مِنْهَا:
_________________
(١) ١ في ش ض: قضاء. وفي ز: فضا. ٢ في ع: أقل. ٣ في ع ب: فيلزم. ٤ في ض: فيتوجه مع. ٥ في ض: بضر. ٦ في ش ز: فيقول. ٧ في ش: يسعى لجلب. ٨ في ش: لكونه.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
إيجَادُ الْوَلَدِ، وَكَفُّ النَّظَرِ، وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَهَذِهِ أَرْجَحُ مِنْ مَصَالِحِ١ الْعِبَادَةِ.
فَيُقَالُ: بَلْ مَصْلَحَةُ الْعِبَادَةِ أَرْجَحُ؛ لأَنَّهَا لِحِفْظِ الدِّينِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ٢ لِحِفْظِ النَّسْلِ.
الْعَاشِرُ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْقَدْحُ فِي إفْضَاءِ الْحُكْمِ" أَيْ فِي صَلاحِيَّةِ٣ إفْضَائِهِ "إلَى الْمَقْصُودِ" وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَة مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ٤.
"كَتَعْلِيلِ" أَيْ كَأَنْ يُعَلِّلَ الْمُسْتَدِلُّ٥ "حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ أَبَدًا" أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ٦ فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ "بِالْحَاجَةِ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ" بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْمُؤَدِّي إلَى الْفُجُورِ "فَإِذَا تَأَبَّدَ٧" التَّحْرِيمُ انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ الْمُفْضِي إلَى مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ وَالنَّظَرِ الْمُفْضِي إلَى الْفُجُورِ.
_________________
(١) ١ في ض: مصلحة. ٢ في ب: وما ذكرته. ٣ في ع: صلاحة. ٤ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "الإحكام للآمدي ٤/١١٦، فواتح الرحموت ٢/٣٤١، إرشاد الفحول ص ٢٣١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣١٨، منتهى السول والأمل ص ١٩٥. شرح العضد ٢/٢٦٧، تيسير التحرير ٤/١٣٦". ٥ في ش: الحكم في. ٦ في ش: التأييد. ٧ في ش: تأيد.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
"فَيَعْتَرِضُ" الْمُعْتَرِضُ "بِأَنَّ سَدَّهُ" أَيْ سَدَّ بَابِ النِّكَاحِ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ "يُفْضِي إلَى الْفُجُورِ" بَلْ هُوَ أَشَدُّ إفْضَاءً؛ لأَنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلَى الْمَمْنُوعِ، كَمَا١ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالْقَلْبُ يَطْلُبُ مَنْ٢ يَجُورُ وَيَعْتَدِي
وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إلَى الْمَمْنُوعِ٣.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الْقَدْحِ "أَنَّ التَّأْبِيدَ يَمْنَعُ عَادَةً" مِنْ ذَلِكَ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّمَعِ "فَيَصِيرُ" ذَلِكَ بِتَمَادِي الأَيَّامِ وَتَطَاوُلِ الأَمْرِ "طَبْعًا" أَيْ كَالطَّبِيعِيِّ٤ بِحَيْثُ لا يَبْقَى الْمَحَلُّ مُشْتَهًى، وَيَصِيرُ بِانْقِطَاعِ الطَّمَعِ فِيهِ "كَرَحِمِ مَحْرَمٍ".
الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "كَوْنُ الْوَصْفِ" الْمُعَلَّلِ بِهِ "خَفِيًّا٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ في ض: أن. ٣ لم أعثر على قائل هذا البيت، وقد ذكره الشربيني في حاشيته على شرح المحلي على جمع الجوامع ٢/٣١٩ نقلًا عن شرح التاج السبكي على مختصر ابن الحاجب الموسوم برفع الحاجب، ولم ينسبه لأحد، ثم أردفه بالبيت التالي لقائله: وبكل شيءٍ تشتهيه طلاوةً مدفوعةً إلا عن المدفوع. ٤ في ع: كالطبيعة. ٥ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "الإحكام للآمدي ٤/١١٧، فواتح الرحموت ٢/٣٤١، إرشاد الفحول ص ٢٣١، منتهى السول والأمل ص ١٩٥، شرح العضد ٢/٢٦٧، تيسير التحرير ٤/١٣٧".
[ ٤ / ٢٧٩ ]
كَتَعْلِيلِهِ" أَيْ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ "صِحَّةَ النِّكَاحِ بِالرِّضَى" وَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَصْدِ١ فِي٢ الأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى إزْهَاقِ النَّفْسِ.
"فَيُعْتَرَضُ" عَلَى الْمُسْتَدِلِّ "بِأَنَّهُ" أَيْ الرِّضَى "خَفِيٌّ" وَالْحُكْمُ٣ الشَّرْعِيُّ خَفِيٌّ لاحْتِيَاجِهِ إلَى التَّعْرِيفِ بِالدَّلِيلِ "وَالْخَفِيُّ لا يُعَرِّفُ الْخَفِيَّ".
"وَجَوَابُهُ" بِأَنْ يُبَيِّنَ٤ ظُهُورَهُ بِصِفَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَهُوَ "ضَبْطُهُ" أَيْ ضَبْطُ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الرِّضَى "بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِيغَةٍ، كَإِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ" ضَبْطِ الْقَصْدِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَادَةً مِنْ "فِعْلٍ" كَاسْتِعْمَالِ الْجَارِحِ أَوْ غَيْرِهِ فِي إزْهَاقِ النَّفْسِ.
الثَّانِي عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "كَوْنُهُ" أَيْ كَوْنُ الْوَصْفِ "غَيْرَ مُنْضَبِطٍ" بِأَنْ كَانَ مُضْطَرِبًا٥.
_________________
(١) ١ ساقطة من ع ض. ٢ في ش: إلى. ٣ في ز: فالحكم. ٤ ساقطة من ش. ٥ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "الإحكام للآمدي ٤/١١٧، فواتح الرحموت ٢/٣٤١، إرشاد الفحول ص ٢٣٢، منتهى السول والأمل ص ١٩٥، شرح العضد ٢/٢٦٨، تيسير التحرير ٤/١٣٧".
[ ٤ / ٢٨٠ ]
"كَتَعْلِيلِهِ" أَيْ تَعْلِيلِ١ الْمُسْتَدِلِّ "بِالْحِكَمِ" جَمْعُ حِكْمَةٍ "وَالْمَقَاصِدِ" جَمْعُ مَقْصِدٍ "كَ" تَعْلِيلِ "رُخَصِ السَّفَرِ" وَهِيَ إبَاحَةُ الْفِطْرِ فِيهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا "بِالْمَشَقَّةِ".
"فَيُعْتَرَضُ" عَلَيْهِ "بِاخْتِلافِهَا" أَيْ اخْتِلافِ٢ الْمَشَقَّةِ "بِالأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ" فَلا يُمْكِنُ تَعْيِينُ الْقَدْرِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ "بِأَنَّهُ" أَيْ الْوَصْفَ "مُنْضَبِطٌ بِنَفْسِهِ" كَمَا تَقُولُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالْمَضَرَّةِ: إنَّ ذَلِكَ مُنْضَبِطٌ عُرْفًا، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ إذَا انْضَبَطَتْ "أَوْ" مُنْضَبِطٌ٣ "بِضَابِطٍ لِلْحِكْمَةِ" بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ٤ الْوَصْفُ الْمُنْضَبِطُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحِكْمَةِ، كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ وَالزَّجْرِ بِالْحَدِّ.
الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "النَّقْضُ٥.
_________________
(١) ١ في ز: كتعليل. ٢ في ض ز: باختلاف. ٣ في ع: منضبطًا. ٤ في ش: من. ٥ انظر كلام الأصوليين على النقض في "الإحكام للآمدي ٤/١١٨، شرح العضد ٢/٢٦٨، الجدل لابن عقيل ص ٥٦، تيسير التحرير ٤/١٣٨، المنخول ص ٤٠٤، القياس الشرعي لأبي الحسين البصري ٢/١٠٤١، المغني للخبازي ص ٣١٨، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٥٢، البرهان ٢/٩٧٧، فتح الغفار ٣/٤٢، التلويح على التوضيح ٢/٥٩٩، أصول السرخسي =
[ ٤ / ٢٨١ ]
كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْحُلِيُّ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ فَلا زَكَاةَ فِيهِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ.
فَيُعْتَرَضُ" عَلَيْهِ "بِالْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ".
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ:
إمَّا "بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ" لأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا١ يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا. فَإِذَا مُنِعَ وُجُودُ الْعِلَّةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ النَّقْضُ. وَإِنَّمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِعَدَمِ عِلَّتِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ عَكْسًا٢، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لانْتِفَائِهَا، كَقَوْلِهِ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُلِيَّ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ. وَيُبَرْهِنُ عَلَى ذَلِكَ.
"أَوْ" يَكُونَ جَوَابُهُ "بِمَنْعِ وُجُودِ الْحُكْمِ فِيهَا" أَيْ فِي صُورَةِ النَّقْضِ. فَيَقُولُ: حُكْمُ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحُلِيِّ، وَيُبَيِّنُ
_________________
(١) = ٢/٢٣٣، اللمع ص ٦٤، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣٠٢، فواتح الرحموت ٢/٣٤١، منتهى السول والأمل ص ١٩٦، المنهاج للباجي ص ١٨٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٩، المحصول ٢/٢/٣٢٣، نهاية السول ٣/٧٨، مناهج العقول ٣/٧٦، الإبهاج ٣/٥٩، إرشاد الفحول ص ٢٢٤، نشر البنود ٢/٢١٠، المحلي علي جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٩٥، مختصر الطوفي ص ١٦٧، روضة الناظر ص ٣٤٢، مختصر البعلي ص ١٥٤". ١ ساقطة من ش. ٢ في ز ش ب ع: علتي.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
"وَ" إذَا مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَ١ "لَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الدَّلالَةُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهَا" أَيْ فِي صُورَةِ النَّقْضِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٢. وَذَلِكَ؛ لأَنَّهَا انْتِقَالٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًاّ، فَهُوَ قَلْبٌ لِقَاعِدَةِ الْمُصْطَلَحِ؛ لِكَوْنِهِ يَبْقَى مُسْتَدِلًاّ وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ: إلاَّ أَنْ يُبَيِّنَ٣ مَذْهَبَ الْمَانِعِ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ؛ لأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقًا لاعْتِرَاضِهِ بِالنَّقْضِ. وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ٤ إنْ تَعَذَّرَ الاعْتِرَاضُ بِغَيْرِهِ.
وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ٥ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ٦ مِنْ النَّقْضِ، تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ.
_________________
(١) ١ في ش: و. ٢ انظر مختصر البعلي ص ١٥٤، مختصر الطوفي ص ١٦٧، روضة الناظر ص ٣٤٢. ٣ في ش ع ب: تبين. ٤ الإحكام في أصول الأحكام ٤/١١٩. ٥ في ض: يمكن. وفي ب: لم يمكن. ٦ في ع: بالقدح به.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
"وَ" قَالَ أَهْلُ الْجَدَلِ١ وَجَمْعٌ مِنْهُمْ الآمِدِيُّ٢ "لَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِهَا" أَيْ وُجُودِ الْعِلَّةِ "بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ" فَنَقَضَ الْمُعْتَرِضُ الْعِلَّةَ، فَمَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ٣ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ "فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك" حِينَئِذٍ؛ لأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ عَلَى زَعْمِك "فَقَدْ انْتَقَلَ" الْمُعْتَرِضُ "مِنْ نَقْضِهَا" أَيْ نَقْضِ الْعِلَّةِ "إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا فَلا يُقْبَلُ".
"وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ دَلِيلٌ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ" وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ٤ بِقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ: أَتَى بِمُسَمَّى٥ الصَّوْمِ. فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ إمْسَاكٌ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: تَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ بِمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِيمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك الَّذِي اسْتَدْلَلْت بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ.
_________________
(١) ١ في ع ب: المجادلة. ٢ الإحكام في أصول الأحكام ٤/١١٩. ٣ في ع: وجوه. ٤ في ش: ذلك. ٥ في ع: يمسي. وفي ض: يتسمى.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
قَالَ١ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ٢؛ لأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي مَعْرِضِ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ، فَتَارَةً يَقْدَحُ فِيهَا، وَتَارَةً يَقْدَحُ فِي دَلِيلِهَا، وَالانْتِقَالُ مِنْ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ إلَى الْقَدْحِ فِي دَلِيلِهَا جَائِزٌ، وَالانْتِقَالُ الَّذِي لا يَكُونُ جَائِزًا: هُوَ الانْتِقَالُ مِنْ الاعْتِرَاضِ إلَى الاسْتِدْلالِ.
"وَلَوْ قَالَ" الْمُعْتَرِضُ "ابْتِدَاءً: يَلْزَمُك انْتِقَاضُ عِلَّتِك، أَوْ" انْتِقَاضُ "دَلِيلِهَا: قُبِلَ" مِنْهُ ذَلِكَ.
لأَنَّ هَذَا٣ دَعْوَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ فَكَأَنَّهُ٤ قَالَ٥: يَلْزَمُك أَحَدُ أَمْرَيْنِ٦: إمَّا انْتِقَاضُ عِلَّتِك، وَإِمَّا انْتِقَاضُ دَلِيلِهَا. وَكَيْفَ٧ كَانَ فَلا تَثْبُتُ الْعِلَّةُ كَانَ٨ مَسْمُوعًا بِاتِّفَاقٍ٩.
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: أَمَّا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً: يَلْزَمُك إمَّا انْتِقَاضُ عِلَّتِك، أَوْ انْتِقَاضُ دَلِيلِ عِلَّتِك؛ لأَنَّك إنْ١٠ اعْتَقَدْت وُجُودَ
_________________
(١) ١ في ع: قاله. ٢ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٦٨، منتهى السول والأمل ص ١٩٦. ٣ في ش: هذه. ٤ في ش: مكانه. وهي ساقطة من ع ز. ٥ ساقطة من ع ز. ٦ في ش: يلزمك انتقاض. ٧ في ش: وكيفما. ٨ في ش: ولا يكون. ٩ في ش: بالاتفاق. ١٠ في ش: إذا.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ١ انْتَقَضَتْ عِلَّتُك٢. وَإِنْ اعْتَقَدْت عَدَمَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ: انْتَقَضَ دَلِيلُك. كَانَ مُتَّجَهًا مَسْمُوعًا.
"وَلَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ" فَعَلَى الأَصَحِّ "لَمْ يُمْكِنْ الْمُعْتَرِضُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ.
وَقِيلَ: يُمْكِنُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يُمْكِنُ٣ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ مِنْ النَّقْضِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ: ثَيِّبٌ فَلا تُجْبَرُ، كَالثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ بِالثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لا نُسَلِّمُ جَوَازَ٤ إجْبَارِ الثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ.
وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: إنْ مَنَعَ الْحُكْمَ انْقَطَعَ النَّاقِضُ، وَإِنْ مَنَعَ الْوَصْفَ فَلا يَنْقَطِعُ٥ فَيَدُلُّ٦ عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا٧
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ في ع: عليتك. ٣ ساقطة من ع. ٤ ساقطة من ش. ٥ ساقطة من ش ز ع ب. ٦ في ع: يدل. ٧ المسودة ص ٤٣١.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ.
وَعَلَّلَهُ فِي التَّمْهِيدِ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلنَّقْضِ لا مِنْ جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، فَجَازَ.
"وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ" فِي دَفْعِ النَّقْضِ أَنْ يَقُولَ "لا أَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِيهَا" ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا١، لِلشَّكِّ فِي كَوْنِهَا مِنْ مَذْهَبِهِ؛ إذْ دَلِيلُهُ صَحِيحٌ. فَلا يَبْطُلُ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ.
"وَإِنْ قَالَ" الْمُسْتَدِلُّ: "أَنَا أَحْمِلُهَا عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَأَقُولُ فِيهَا كَمَسْأَلَةِ الْخِلافِ. مُنِعَ٢"؛ لأَنَّهُ إثْبَاتُ مَذْهَبٍ بِالْقِيَاسِ "إلاَّ إنْ نَقَلَ عَنْ إمَامِهِ" أَيْ إمَامِ الْمُسْتَدِلِّ "أَنَّهُ عَلَّلَ بِهَا٣، فَيُجْرِيهَا" عَلَى حُكْمِ تَعْلِيلِ إمَامِهِ٤.
"وَإِنْ فَسَّرَ الْمُسْتَدِلُّ لَفْظَهُ بِدَافِعٍ" أَيْ بِمَعْنًى دَافِعٍ "لِلنَّقْضِ غَيْرِ ظَاهِرِهِ" أَيْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ "كَـ" تَفْسِيرِ لَفْظٍ "عَامٍّ بِـ" مَعْنًى "خَاصٍّ لَمْ يُقْبَلْ" ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ٥ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ٦؛ لأَنَّهُ يُزِيدُ وَصَفًّا لَمْ
_________________
(١) ١ انظر الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٥٨، المسودة ص ٤٣٥. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ش: عللها به. ٤ انظر المسودة ص ٤٣٦. ٥ الجدل على طريقة الفقهاء ص ٥٨. ٦ ساقطة من ش. انظر المسودة ص ٤٣٦.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
يَكُنْ، وَذِكْرُهُ لِلْعِلَّةِ وَقْتَ حَاجَتِهِ، فَلا يُؤَخَّرُ عَنْهُ، بِخِلافِ تَأْخِيرِ الشَّارِعِ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ خِطَابِهِ١.
وَظَاهِرُ كَلامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يُقْبَلُ.
"وَلَوْ أَجَابَ" الْمُسْتَدِلُّ "بِتَسْوِيَةٍ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ لِدَفْعِهِ" أَيْ لأَجْلِ دَفْعِ٢ النَّقْضِ٣ "قُبِلَ" عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٤ وَالْحَنَفِيَّةِ.
وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ عَقِيلٍ. وَذَكَرَهُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ٥.
وَأَجَازَهُ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ؛ لأَنَّ الطَّرْدَ لَيْسَ شَرْطًا لْعِلَّةِ إذًا.
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ لا يَسْتَوِيَ الأَصْلُ وَالْفَرْعُ، رُدَّ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ.
مِثَالُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ: عُضْوٌ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ، فَمَسَحَ حَائِلَهُ كَالْقَدَمِ، فَيَنْتَقِضُ٦ بِالرَّأْسِ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، فَيُجِيبُهُ٧: يَسْتَوِي فِيهَا الأَصْلُ وَالْفَرْعُ.
_________________
(١) ١ في ش: حاجته. ٢ في ش: دفعه. ٣ ساقطة من ش. ٤ انظر المسودة ص ٤٣١. ٥ في ش: المحققون. ٦ في ض ب: فينقض. ٧ في ع: فيجيب.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وَمِثْلُ ذَلِكَ: بَائِنٌ مُعْتَدَّةٌ فَلَزِمَهَا الإِحْدَادُ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَيَنْتَقِضُ بِالذِّمِّيَّةِ وَالصَّغِيرَةِ، فَيُجِيبُهُ بِالتَّسْوِيَةِ.
"وَلا يُلْزِمُ" الْمُسْتَدِلَّ "بِمَا لا يَقُولُ بِهِ" أَيْ بِشَيْءٍ لا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ "الْمُعْتَرِضُ كَمَفْهُومٍ، وَقِيَاسٍ، وَقَوْلِ" أَيْ مَذْهَبِ "صَحَابِيٍّ"؛ لأَنَّهُ احْتَجَّ وَأَثْبَتَ الْحُكْمَ بِلا دَلِيلٍ، وَلاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَرْكِهِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا لا يَرَاهُ دَلِيلًا. وَالآخَرُ لَمَّا خَالَفَهُ دَلَّ عَلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ "إلاَّ النَّقْضَ وَالْكَسْرَ عَلَى قَوْلِ مَنْ الْتَزَمَهُمَا١"؛ لأَنَّ النَّاقِضَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالنَّقْضِ، وَلا أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِهِ، وَلاتِّفَاقِهِمَا عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ٢ عَلَى أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ بِصُورَةِ الإِلْزَامِ، وَعَلَى أَصْلِ الْمُعْتَرِضِ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا٣ وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ.
وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ مُعَارَضَتَهُ بِعِلَّةٍ مُنْتَقَضَةٍ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَرِضِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ احْتَجَّ بِمَا لا يَرَاهُ، كَحَنَفِيٍّ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. فَقَالَ: أَنْتَ لا تَقُولُ بِهِ، فَأَجَابَ: أَنْتَ تَقُولُ بِهِ، فَيَلْزَمُك. فَهَذَا٤ قَدْ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعِنْدِي لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذَا؛ لأَنَّهُ إذًا إنَّمَا هُوَ مُسْتَدِلٌّ صُورَةً.
_________________
(١) ١ في ع: الزمهما. ٢ ساقطة من ض. ٣ انظر المسودة ص ٤٣٢، ٤٤٠. ٤ في ش: هذا.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
قَالَ: وَمَنْ نَصَرَ الأَوَّلَ قَالَ: عَلَى هَذَا لا يَحْسُنُ بِنَا أَنْ نَحْتَجَّ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ الْمُبَدَّلَيْنِ، لَكِنْ نَحْتَجُّ بِهِ١ عَلَى٢ أَهْلِ الْكِتَابِ لِتَصْدِيقِهِمْ بِهِ٣ اهـ.
"وَإِنْ نَقَضَ أَحَدُهُمَا" أَيْ الْمُسْتَدِلُّ وَالْمُعْتَرِضُ "عِلَّةَ الآخَرِ بِأَصْلِ نَفْسِهِ" لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا٤ وَالشَّافِعِيَّةِ.
"أَوْ زَادَ الْمُسْتَدِلُّ وَصْفًا مَعْهُودًا مَعْرُوفًا فِي الْعِلَّةِ لَمْ يَجُزْ" ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، وِفَاقًا لِبَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
_________________
(١) ١ في ش: بهما. ٢ في ش: عل. ٣ في ش: بهما. ٤ انظر المسودة ص ٤٣٢. ٥ وقال ابن عقيل في "الجدل" ص ٥٩: "إذا انتقضت علة المستدل، فزاد فيها وصفًا فقد انقطعت حجته التي ابتدأ بها، وكان تفريطًا منه وانتقالًا عما احتج به. ومن الناس من قال: إن كان الوصف معهودًا في العلة وأخل به سهوًا، جاز أن يستدركه، وإن كان غير معروف لم يجز. وهذا ذكره بعض أصحاب الشافعي، وليس بصحيح، لأنه لو كان كون الوصف معهودًا عذرًا له في نسيانه والإتيان بعلة منتقضة، لكان كون الدليل معروفًا معهودًا علةً في إقامة عذره والإتيان بما ليس بدليل سهوًا. فلما لم يك ترك الدليل المعهود عذرًا، كذلك الوصف المعهود". وانظر المسودة ص ٤٣١.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
"وَإِنْ نَقَضَ" الْمُعْتَرِضُ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ "بِ" نَاقِضٍ "مَنْسُوخٍ، أَوْ بِ" حُكْمٍ "خَاصٍّ بِهِ" أَيْ بِالنَّبِيِّ "ﷺ أَوْ" نَقَضَهُ "بِرُخْصَةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى خِلافِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، أَوْ" نَقَضَهُ "بِمَوْضِعِ اسْتِحْسَانٍ رُدَّ" نَقْضُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا١ وَالشَّافِعِيَّةِ.
إلاَّ أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ قَالَ فِي نَقْضِ الْعِلَّةِ بِمَوْضِعِ الاسْتِحْسَانِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَمَثَّلَهُ بِمَا إذَا سَوَّى بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ فِيمَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ، فَيَنْتَقِضُ٢ بِأَكْلِ الصَّائِمِ سَهْوًا.
وَفِي الْوَاضِحِ لابْنِ عَقِيلٍ عَنْ٣ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ لا نَقْضَ بِمَوْضِعِ اسْتِحْسَانٍ٤. وَمَثَّلَ٥ بِهَذَا ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: النَّصُّ دَلَّ عَلَى انْتِقَاضِهِ، فَيَكُونُ آكَدَ لِلنَّقْضِ.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ٦: تَنْتَقِضُ الْمُسْتَنْبَطَةُ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَانِعًا، كَالنَّقْضِ بِالْعَرَايَا فِي الرِّبَا، وَإِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لاقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ ذَلِكَ٧، أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ آكَدَ، كَحِلِّ
_________________
(١) ١ انظر الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٦٠، المسودة ص ٤٣٦، ٤٣٧. ٢ في ع ز ب: فينقض. ٣ في ض: من. ٤ انظر الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٦٠. ٥ في ض د: ومثله. ٦ المسودة ص: ٤١٤، ٤٣٧. ٧ في ش ز: لذلك.
[ ٤ / ٢٩١ ]
الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ إذَا نَقَضَ بِهَا عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّجَاسَةِ.
"وَيَجِبُ أَنْ يَحْتَرِزَ الْمُسْتَدِلُّ فِي دَلِيلِهِ عَنْ النَّقْضِ"١ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ، وَالْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٢، وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ٣ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُعْظَمِ الْجَدَلِيِّينَ، لِقُرْبِهِ مِنْ الضَّبْطِ، وَدَفْعِ انْتِشَارِ الْكَلامِ وَسَدِّ بَابِهِ فَكَانَ وَاجِبًا لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْكَلامِ عَنْ التَّبْدِيلِ.
وَقِيلَ: لا يَجِبُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يَجِبُ إلاَّ فِي نَقْضٍ وَطَرْدٍ بِطَرِيقِ الاسْتِثْنَاءِ، وَهِيَ مَا يَرِدُ عَلَى كُلِّ عِلَّةً.
"وَإِنْ احْتَرَزَ عَنْهُ" أَيْ عَنْ النَّقْضِ "بِشَرْطٍ ذَكَرَهُ فِي الْحُكْمِ" نَحْوُ: حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا كَالْمُسْلِمِينَ "صَحَّ" ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ٤؛ لأَنَّ الشَّرْطَ الْمُتَأَخِّرَ مُتَقَدِّمٌ فِي الْمَعْنَى كَتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقِيلَ: لا يَصِحُّ؛ لاعْتِرَافِهِ بِالنَّقْضِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ عَنْ الأَوْصَافِ فِي الْخَطَأ.
_________________
(١) ١ انظر مختصر البعلي ص ١٥٤، المسودة ص ٤٣٠. ٢ روضة الناظر ص ٣٤٢. ٣ مختصر الطوفي ص ١٦٧. ٤ انظر روضة الناظر ص ٣٤٤.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
"وَإِنْ احْتَرَزَ" الْمُسْتَدِلُّ "بِحَذْفِ الْحُكْمِ لَمْ يَصِحَّ" قَالَهُ١ أَبُو الْخَطَّابِ. كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ فِي الإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ: بَائِنٌ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. فَيَنْتَقِضُ٢ بِصَغِيرَةٍ وَذِمِّيَّةٍ. فَيَقُولُ: قَصَدْتُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. فَيُقَالُ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا حُكْمٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ يُقَاسُ عَلَيْهِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْكَسْرُ"٣.
وَهُوَ "كَالنَّقْضِ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الْكَسْرُ: نَقْضُ الْمَعْنَى.
وَالْكَلامُ فِيهِ كَالنَّقْضِ، وَقَدْ سَبَقَ.
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: يُشْبِهُ الْكَسْرُ مِنْ الأَسْئِلَةِ الْفَاسِدَةِ قَوْلَهُمْ: لَوْ كَانَ هَذَا عِلَّةً فِي كَذَا لَكَانَ عِلَّةً فِي كَذَا، نَحْوَ: لَوْ مَنَعَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ صِحَّةَ الْبَيْعِ مَنَعَ النِّكَاحَ.
_________________
(١) ١ في ض: قال. ٢ في ع ز ب: فيقض. ٣ انظر كلام الأصوليين على الكسر في [المنهاج للباجي ص ١٩١، المحصول ٢/٢ /٣٥٣، شرح العضد ٢/٢٦٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٠٣، المنخول ص ٤١٠، المعتمد ٢/٩٢١، المسودة ص ٤٢٩، تيسير التحرير ٤/١٤٦، مختصر الطوفي ص ١٦٨، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣١٢، اللمع ص ٦٤، الجدل لابن عقيل ص ٦٥، مختصر البعلي ص ١٥٥، منتهى السول والأمل ص ١٩٦، نشر البنود ٢/٢١٥، إرشاد الفحول ص ٢٢٦، الإحكام للآمدي ٤/١٢٣، نهاية السول ٣/٩١ن مناهج العقول ٣/٩١، روضة الناظر ص ٣٤٣، الإبهاج ٣/٨١، القياس الشرعي لأبي الحسين البصري ٢/١٠٤٣] .
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ١ أَخَذْت النَّفْيَ مِنْ الإِثْبَاتِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْقَوْلِ فِي الْمَوْطُوءَةِ مَغْلُوبَةٌ مَا فَطَّرَهَا مَعَ الْعَمْدِ؟ لَمْ يُفْطِرْهَا مَغْلُوبَةً كَالْقَيْءِ٢.
وَجَوَابُهُ: يَجُوزُ لِتَضَادِّ حُكْمِهِمَا٣ لِلاخْتِيَارِ وَعَدَمِهِ. وَلِهَذَا٤ لِلشَّارِعِ تَفْرِيقُ الْحُكْمِ بِهِمَا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هَذَا اسْتِدْلالٌ بِالتَّابِعِ عَلَى الْمَتْبُوعِ، فَلَمْ يَجُزْ بِخِلافِ الْعَكْسِ. كَقَوْلِنَا فِي نِكَاحٍ٥ مَوْقُوفٍ: نِكَاحٌ لا تَتَعَلَّقُ٦ بِهِ أَحْكَامُهُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ كَالْمُتْعَةِ. فَيُقَالُ: الأَحْكَامُ تَابِعَةٌ وَالْعَقْدُ مَتْبُوعٌ، فَهَذَا فَاسِدٌ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الأَنْكِحَةِ.
وَتَنَاقَضُوا فَأَبْطَلُوا ظِهَارَ الذِّمِّيِّ وَيَمِينَهُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُهُ الْمُخْتَصَّةُ٧؛ لِبُطْلانِ تَكْفِيرِهِ، وَهُوَ فَرْعُ يَمِينِهِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْمُعَارَضَةُ فِي الأَصْلِ" ٨.
_________________
(١) ١ في ض ب: قوله. ٢ في ش: كالناسي. ٣ في ض: لحكمها. ٤ في ش: وهذا. ٥ في ب: النكاح. ٦ في ش: لا تتعلق. ٧ ساقطة من ش ز. ٨ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "شرح العضد ٢/٢٧٠، روضة الناظر ص ٣٤٥، المسودة ص ٤٤١، مفتاح الوصول ص ١٥٧، منتهى السول والأمل ص ١٩٦، مختصر الطوفي ١٦٩، الجدل لابن عقيل ص ٧٣، فواتح الرحموت ٢/٣٤٧، مختصر البعلي ص ١٥٧، إرشاد الفحول ٢٣٢، الإحكام للآمدي ٤/١٢٣".
[ ٤ / ٢٩٤ ]
وَهُوَ١ أَنْ يُبْدِيَ الْمُعْتَرِضُ مَعْنًى آخَرَ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ غَيْرَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ.
وَهُوَ٢ إمَّا أَنْ يَكُونَ٣ "بِمَعْنًى آخَرَ مُسْتَقِلٍّ" بِالتَّعْلِيلِ. كَمَا لَوْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبُرِّ بِالطُّعْمِ، فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِتَعْلِيلِ تَحْرِيمِهِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْجِنْسِ أَوْ الْقُوتِ.
"أَوْ" تَكُونُ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى آخَرَ "غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ" بِالتَّعْلِيلِ. وَلَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ وَصَالِحٌ لَهُ كَمَا لَوْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِتَعْلِيلِ وُجُوبِهِ بِالْجَارِحِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ.
"وَالثَّانِي" وَهُوَ كَوْنُ الْمُعَارَضَةِ بِمَعْنًى غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّعْلِيلِ "مَقْبُولٌ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ التَّحَكُّمُ؛ لأَنَّ وَصْفَ٤ الْمُسْتَدِلِّ٥ لَيْسَ بِأَوْلَى بِكَوْنِهِ جُزْءًا أَوْ مُسْتَقِلًاّ.
_________________
(١) ١ في ش: وهي. وفي ز: و. ٢ في ش: وهي. ٣ في ش: تكون. ٤ في ش: الوصف. ٥ ساقطة من ض. وفي ش: المستدل به.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
فَإِنْ رَجَحَ اسْتِقْلالُهُ بِتَوْسِعَةِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ. فَلِلْمُعْتَرِضِ مَنْعُ دَلالَةِ الاسْتِقْلالِ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَهُ مُعَارَضَتُهُ بِأَنَّ الأَصْلَ انْتِفَاءُ الأَحْكَامِ١، وَبِاعْتِبَارِهِمَا مَعًا فَهُوَ أَوْلَى.
قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلالُهُمَا بِالْعِلِّيَّةِ فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ٢.
رُدَّ بِالْمَنْعِ لِجَوَازِ اعْتِبَارِهِمَا مَعًا٣، كَمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا.
"وَلا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ نَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ عَنْ٤ الْفَرْعِ".
هَذَا بَحْثٌ يَتَفَرَّعُ٥ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ أَنَّ٦ الْوَصْفَ الَّذِي أَبْدَيْته مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ أَوْ لا؟
فَاَلَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَتَبِعَهُ فِي التَّحْرِيرِ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ؛ لأَنَّ غَرَضَهُ عَدَمُ اسْتِقْلالِ مَا ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إبْدَائِهِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ؛ لأَنَّهُ قَصَدَ الْفَرْقَ، وَلا يَتِمُّ إلاَّ بِهِ.
_________________
(١) ١ في ض: الحكم. ٢ في ع: بالمستقلة. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ش: على. ٥ في ض: يتعرض. ٦ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
قَالَ الْعَضُدُ: وَقِيلَ: إنْ تَعَرَّضَ لِعَدَمِهِ فِي الْفَرْعِ صَرِيحًا لَزِمَهُ بَيَانُهُ وَإِلاَّ فَلا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
أَمَّا إنَّهُ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ [بِهِ] ١ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ: فَلأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا لا يَتِمُّ الدَّلِيلُ مَعَهُ، وَهَذَا غَرَضُهُ، لا بَيَانُ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، حَتَّى لَوْ ثَبَتَ٢ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ إلْزَامًا لَهُ، وَرُبَّمَا سَلَّمَهُ.
وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِهِ [لَزِمَهُ] ٣: فَلأَنَّهُ الْتَزَمَ أَمْرًا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، فَيَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ٤، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَهُ٥ ٦
"وَلا يَحْتَاجُ وَصْفُهَا" أَيْ الْمُعَارَضَةَ "إلَى أَصْلٍ".
هَذَا بَحْثٌ آخَرُ يَتَفَرَّعُ٧ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ يَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ وَصْفِهِ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي٨ ذَلِكَ الأَصْلِ، حَتَّى يُقْبَلَ مِنْهُ، بِأَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ دُونَ الْقُوتِ - كَمَا فِي الْمِلْحِ - أَمْ٩ لا؟.
_________________
(١) ١ زيادة من شرح العضد. ٢ في ش: ثبتت. ٣ زيادة من شرح العضد. ٤ في ش: التزامه. ٥ في ز: بالتزامه. ٦ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٧٢. ٧ في ض: يتعرض. ٨ في ض: من. ٩ في ش: أو.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ حَاصِلَ١ هَذَا الاعْتِرَاضِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
إمَّا نَفْيُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَيَكْفِيهِ أَنَّهُ٢ لا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهَا بِالاسْتِقْلالِ٣، وَلا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى٤ أَنْ يُثْبِتَ عِلِّيَّةَ مَا أَبْدَاهُ بِالاسْتِقْلالِ. فَإِنَّ كَوْنَهُ جُزْءَ الْعِلَّةِ يُحَصِّلُ مَقْصُودَهُ فَقَدْ لا يَكُونُ عِلَّةً فَلا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلٍ أَصْلًا.
وَإِمَّا صَدُّ٥ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لِجَوَازِ أَنَّ تَأْثِيرَ هَذَا و٦َالاحْتِمَالِ كَافٍ، فَهُوَ لا يَدَّعِي عِلِّيَّتَهُ٧، حَتَّى يَحْتَاجَ شَهَادَةَ أَصْلٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَصْلَ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُهُ؛ لأَنَّهُ كَمَا يَشْهَدُ لِوَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِالاعْتِبَارِ؛ كَذَلِكَ يَشْهَدُ لِوَصْفِ الْمُعْتَرِضِ بِالاعْتِبَارِ٨؛ لأَنَّ الْوَصْفَيْنِ مَوْجُودَانِ٩ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ، بِأَنْ
_________________
(١) ١ في ش: ظاهر. ٢ في ش: أنه. ٣ في ز: باستقلال. وفي ض: بالاستدلال ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش: رد ٦ ساقطة من ش. ٧ في ب ش ع: علية. ٨ في ش: بالأمثال. ٩ في ع: مرجوان.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ أَوْ الْكَيْلُ أَوْ كِلاهُمَا. كَمَا فِي الْبُرِّ بِعَيْنِهِ، فَإِذًا مُطَالَبَتُهُ بِأَصْلٍ مُطَالَبَةٌ١ لَهُ٢ بِمَا قَدْ تَحَقَّقَ حُصُولُهُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ.
"وَجَوَابُهَا٣" أَيْ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ٤ لَهُ وُجُوهٌ:
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ "بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ" مِثْلَ أَنْ يُعَارِضَ الْقُوتَ بِالْكَيْلِ. فَيَقُولَ٥: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَكِيلٌ؛ لأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَادَةِ زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَكَانَ حِينَئِذٍ مَوْزُونًا.
" وَالثَّانِي " مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ الْمُطَالَبَةُ" أَيْ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعَارِضَ "بِتَأْثِيرِهِ" أَيْ يَكُونُ٦ وَصْفُ الْمُعَارِضِ٧ مُؤَثِّرًا.
وَمَحَلُّهُ٨ "إنْ أَثْبَتَ" الْمُسْتَدِلُّ الْوَصْفَ "بِمُنَاسَبَةٍ أَوْ بِشَبَهٍ٩" حَتَّى يَحْتَاجَ الْمُعَارِضُ فِي مُعَارَضَتِهِ إلَى بَيَانِ ١٠مُنَاسَبَةٍ أَوْ شَبَهٍ "لا" إنْ أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ١١ الْوَصْفَ "بِسَبْرٍ" فَإِنَّ الْوَصْفَ يَدْخُلُ فِي السَّبْرِ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمُنَاسَبَةِ بِمُجَرَّدِ
_________________
(١) ١ في ش ز: مطالبته. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش: الأول. ٤ في ش: المعارض. ٥ في ض: فتقول. وفي ب: فنقول. ٦ في ش ع: يكون. ٧ في ش: المستدل. ٨ في ش: بمحله. ٩ في ض: شبه. ١٠ ساقطة من ش. ١١ ساقطة من ز.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
الاحْتِمَالِ.
وَالثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ بِخَفَائِهِ" أَيْ خَفَاءِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ.
وَالرَّابِعُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ لَيْسَ مُنْضَبِطًا" أَيْ كَوْنُ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ لَيْسَ مُنْضَبِطًا.
وَالْخَامِسُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مَنْعِ ظُهُورِهِ" بِأَنْ١ يَمْنَعَ٢ الْمُسْتَدِلُّ ظُهُورَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ.
وَالسَّادِسُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ انْضِبَاطِهِ" بِأَنْ يَمْنَعَ٣ الْمُسْتَدِلُّ انْضِبَاطَ٤ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ. فَإِنَّ وَصْفَ٥ الْمُعَارِضِ إذَا كَانَ خَفِيًّا أَوْ ظَاهِرًا غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، أَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ ظُهُورَهُ٦ أَوْ مَنَعَ انْضِبَاطَهُ لا٧ يُثْبِتُ٨ عِلِّيَّةَ وَصْفِ الْمُعَارِضِ لِوُجُوبِ ظُهُورِ الْوَصْفِ وَانْضِبَاطِهِ.
_________________
(١) ١ في ز: أي بأن. ٢ في ش: منع. ٣ في ش: منع. ٤ في ش: انضباطه. ٥ في ع: المعارضة. ٦ في ش: لظهوره. وفي ض د: ظهور معارض في الفرع. ٧ في ع ب: ولا. ٨ في ض: تثبت.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وَالسَّابِعُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ بَيَانُ" أَيْ أَنْ١ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ "أَنَّهُ٢" أَيْ أَنَّ وَصْفَ الْمُعَارِضِ "غَيْرُ مَانِعٍ" عَنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ.
كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: يُقْتَلُ٣ الْقَاتِلُ الْمُكْرَهُ: قِيَاسًا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ.
فَيَعْتَرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالاخْتِيَارِ، أَيْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الأَصْلِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ بِالاخْتِيَارِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ.
فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ بِأَنَّ وَصْفَ الْمُعَارِضِ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ؛ لأَنَّ الاخْتِيَارَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ الْمُنَاسِبِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَ٤٥عَدَمِ الإِكْرَاهِ طَرْدٌ لا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ٦، فَالإِكْرَاهُ مُنَاسِبٌ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ وَهُوَ عَدَمُ الاقْتِصَاصِ، لَكِنَّ عَدَمَ الإِكْرَاهِ طَرْدِيٌّ لا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَاعِثِ فِي شَيْءٍ.
وَالثَّامِنُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مُلْغًى، أَوْ أَنَّ مَا عَدَاهُ مُسْتَقِلٌّ"
_________________
(١) ١ ساقطة من ش ز. ٢ في ش ز ع: أنه عدم معارض في الفرع. ٣ في ش: بقتل. ٤ ساقطة من ش. وفي ض ب: وهو. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ض: للعلة.
[ ٤ / ٣٠١ ]
بِالْعِلِّيَّةِ١ "فِي صُورَةٍ مَا٢ بِظَاهِرِ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ" يَعْنِي أَنْ يُبَيِّنَ٣ الْمُسْتَدِلُّ كَوْنَ الْوَصْفِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ الْمُعَارِضُ مُلْغًى. فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْمُسْتَدِلُّ: فَقَدْ تَبَيَّنَ اسْتِقْلالُ الْبَاقِي بِالْعِلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ مَا بِظَاهِرِ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ.
مِثَالُهُ: إذَا عَارَضَ فِي الرِّبَا الطُّعْمَ بِالْكَيْلِ. فَيُجِيبُ بِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الطُّعْمِ فِي صُورَةٍ مَا، وَهُوَ قَوْلُهُ "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ".
وَمِثَالٌ آخَرُ: أَنْ يَقُولَ فِي يَهُودِيٍّ صَارَ نَصْرَانِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ: بَدَّلَ دِينَهُ. فَيُقْتَلُ٤ كَالْمُرْتَدِّ، فَيُعَارِضُ٥ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ. فَيُجِيبُ بِأَنَّ التَّبْدِيلَ مُعْتَبَرٌ فِي صُورَةٍ مَا، كَقَوْلِهِ "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
وَهَذَا إذَا٦ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْمِيمِ، فَلَوْ عَمَّمَ وَقَالَ: فَثَبَتَ٧ رِبَوِيَّةُ كُلِّ مَطْعُومٍ أَوْ اعْتِبَارُ كُلِّ تَبْدِيلٍ٨؛ لِلْحَدِيثِ. لَمْ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش ز: بين. ٤ في ب: فاقتلوه. ٥ في ش ز: فيعارضه. ٦ في ض ب: إن. ٧ في ض ب: ثبت. وفي ش: تثبت. ٨ ساقطة من ع.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
يُسْمَعْ؛ لأَنَّ ذَلِكَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ١ بِالنَّصِّ دُونَ الْقِيَاسِ، وَلا تَعْمِيمَ٢ لِلْقِيَاسِ٣ بِالإِلْغَاءِ، وَالْمَقْصُودُ ذَلِكَ، وَلأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْعُمُومُ لَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا. وَلا يَضُرُّ كَوْنُهُ عَامًّا إذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُمُومِ وَلَمْ يَسْتَدِلُّ بِهِ.
"وَيَكْفِي فِي اسْتِقْلالِهِ" أَيْ اسْتِقْلالِ الْوَصْفِ "إثْبَاتُ" الْمُسْتَدِلِّ "الْحُكْمَ فِي صُورَةٍ دُونَهُ" أَيْ: دُونَ الْوَصْفِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ٤ عَدَمُ غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عَجَزُ٥ الْمُعَارِضِ عَنْهُ. ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٦.
وَقِيلَ: لا؛ لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ٧.
٨وَالْقَادِحُ السَّادِسَ عَشَرَ: هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ٨ "وَلَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ" وَصْفًا "آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ" الْوَصْفِ "الْمُلْغَى" أَيْ الَّذِي
_________________
(١) ١ في ض: الحكم. ٢ في جميع النسخ: ولا تتميم. وهو تصحيف. ٣ في ع: بالقياس. ٤ في ش: الوصف. ٥ في ش: عدم. ٦ روضة الناظر ص ٣٤٧. ٧ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٧٣، منتهى السول والأمل ص ١٩٧. ٨ ساقطة من ش ز ب.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
أَلْغَاهُ١ الْمُسْتَدِلّ٢ُ "بِثُبُوتِ٣ الْحُكْمِ دُونَهُ" أَيْ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُلْغَى "فَسَدَ الإِلْغَاءُ. وَيُسَمَّى" هَذَا "تَعَدُّدُ٤ الْوَضْعِ، لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا" أَيْ أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ وَأَصْلِ الْمُعْتَرِضِ٥.
"وَجَوَابُ فَسَادِ الإِلْغَاءِ: الإِلْغَاءُ٦، إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا".
قَالَ الْعَضُدُ: وَرُبَّمَا يُظَنُّ٧ أَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَ وَصْفِ الْمُعَارِضِ كَافٍ فِي إلْغَائِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافٍ، لِجَوَازِ وُجُودِ عِلَّةٍ أُخْرَى ٨لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ٩ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، وَعَدَمِ وُجُوبِ الْعَكْسِ.
وَلأَجْلِ ذَلِكَ لَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ١٠ فِي صُورَةٍ عَدَمَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ١١ وَصْفًا آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ مَا أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَهُ١٢،
_________________
(١) ١ في ش: يجوز إلغاء. وفي ع: أنهاه. ٢ في ش: المستدل له. ٣ في ش: لثبوت. ٤ في ش: العدد. ٥ انظر شرح العضد ٢/٢٧٣، الإحكام للآمدي ٤/١٢٨. ٦ في ض ب: بالإلغاء. ٧ في ش: ظن. ٨ ساقطة من ع. ٩ في ش: جواز و. ١٠ ساقطة من شرح العضد. ١١ في ش: المعارض. ١٢ في شرح العضد: يخلفه لئلا يكون الباقي مستقلًا.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
فَسَدَ الإِلْغَاءُ؛ لابْتِنَائِهِ عَلَى اسْتِقْلالِ الْبَاقِي فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. وَقَدْ بَطَلَ١.
وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا٢، وَالتَّعْلِيلُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْبَاقِي عَلَى وَضْعٍ، أَيْ مَعَ قَيْدٍ، وَفِي الآخَرِ٣ عَلَى وَضْعٍ آخَرَ، أَيْ٤ مَعَ قَيْدٍ آخَرَ.
مِثَالُهُ: أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ لِلْحَرْبِيِّ أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ، فَيُقْبَلُ كَالْحُرِّ؛ لأَنَّ٥ الإِسْلامَ وَالْعَقْلَ مَظِنَّتَانِ لإِظْهَارِ مَصْلَحَةِ الإِيمَانِ أَيْ بَذْلِ٦ الأَمَانِ٧ وَجَعْلِهِ آمِنًا.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هُوَ مُعَارَضٌ بِكَوْنِهِ حُرًّا، أَيْ الْعِلَّةُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَاقِلًا حُرًّا. فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ فَرَاغِ قَلْبِهِ لِلنَّظَرِ لِعَدَمِ٨ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ إظْهَارُ مَصَالِحِ الإِيمَانِ مَعَهُ أَكْمَلَ.
فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: الْحُرِّيَّةُ مُلْغَاةٌ لاسْتِقْلالِ الإِسْلامِ وَالْعَقْلِ بِهِ٩ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهِ فِي أَنْ يُقَاتِلَ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ في شرح العضد: أصلهما. ٣ في ع ض: الأخرى. ٤ ساقطة من ض. ٥ في شرح العضد: لأنهما أعني. ٦ في ش: بدل. ٧ في ب: الايمان. ٨ في ع: بعدم. ٩ ساقطة من شرح العضد.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ خَلَفٌ١ عَنْ الْحُرِّيَّةِ٢. فَإِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ فِيمَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ مَصَالِحِ٣ الْقِتَالِ، أَوْ لِعِلْمِ٤ السَّيِّدِ صَلاحَهُ٥ لإِظْهَارِ مَصَالِحِ الإِيمَانِ.
وَجَوَابُ٦ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ: أَنْ يُلْغِيَ٧ الْمُسْتَدِلُّ ذَلِكَ الْخَلَفَ٨ بِإِبْدَاءِ صُورَةٍ لا يُوجَدُ فِيهَا الْخَلَفُ. فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ خَلَفًا آخَرَ٩ فَجَوَابُهُ إلْغَاؤُهُ. وَعَلَى هَذَا، إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا. فَتَكُونُ١٠ الدَّبْرَةُ١١ عَلَيْهِ. فَإِنْ ظَهَرَ١٢ صُورَةٌ لا خَلَفَ فِيهَا١٣ تَمَّ الإِلْغَاءُ، وَبَطَلَ الاعْتِرَاضُ، وَإِلاَّ ظَهَرَ عَجْزُ١٤ الْمُسْتَدِلِّ١٥.
_________________
(١) ١ في ش: خلف له. ٢ في شرح العضد: من. ٣ في ش: مسائل. ٤ في ز: ليعلم. ٥ في شرح العضد: بصلاحيته. ٦ في ز: وجوابه. ٧ في ش ض ب: يكفي. ٨ في شرح العضد: الخلف أيضًا. ٩ ساقطة من ز. ١٠ في شرح العضد: فيكون. ١١ في ش: الدائرة. وهو غلط. ومعنى تكون الدَّبْرة عليه: أي الهزيمة. "انظر الصحاح ٢/٦٥٣، المعجم الوسيط ١/٢٦٩". ١٢ في ش: ظهر له. ١٣ في ز ض ب: فيه. ١٤ كذا في شرح العضد. وفي جميع النسخ: المعترض. ١٥ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٧٣، ٢٧٤.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
"وَلا يُفِيدُ الإِلْغَاءَ لِضَعْفِ الْمَظِنَّةِ" الْمُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى "بَعْدَ تَسْلِيمِهَا".
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ١ الْمُسْتَدِلُّ: الرِّدَّةُ عِلَّةُ الْقَتْلِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ مَعَ الرُّجُولِيَّةِ؛ لأَنَّهُ مَظِنَّةُ الإِقْدَامِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، إذْ يُعْتَادُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ: بِأَنَّ الرُّجُولِيَّةَ وَكَوْنَهَا٢ مَظِنَّةَ الإِقْدَامِ لا تُعْتَبَرُ٣، وَإِلاَّ لَمْ يُقْتَلْ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ؛ لأَنَّ احْتِمَالَ الإِقْدَامِ فِيهِ ضَعِيفٌ، بَلْ أَضْعَفُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي النِّسَاءِ.
٤ وَهَذَا لا ٥ يُقْبَلُ مِنْهُ، حَيْثُ سَلَّمَ أَنَّ الرُّجُولِيَّةَ مَظِنَّةٌ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ٦. وَذَلِكَ كَتَرَفُّهِ الْمَلِكِ فِي السَّفَرِ لا يَمْنَعُ رُخَصَ السَّفَرِ فِي حَقِّهِ لِعِلَّةِ الْمَشَقَّةِ، إذْ الْمُعْتَبَرُ الْمَظِنَّةُ٧ وَقَدْ وُجِدَتْ، لا مِقْدَارُ
_________________
(١) ١ في ض ب: كقول. ٢ في ز: وإن كانت. ٣ في ز ب: لا يعتبر. ٤ ساقطة من ز. ٥ في ب: لم. ٦ في شرح العضد: لقلّة. ٧ وهي السفر. قال العلامة ابن القيم: فإن السفر في نفسه قطعة من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفهِ الناس، فإنه في مشقة وجهد بحسبه. "إعلام الموقعين ٢/١٣٠" وقال الشاطبي: فالملك المترفه قد يقال إن المشقة تلحقه، لكنا لا نحكم عليه بذلك لخفائها. "الموافقات ٢/٥٤".
[ ٤ / ٣٠٧ ]
الْحِكْمَةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا١.
"وَلا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ"
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ خِلافًا لِلآمِدِيِّ٢؛ لِقُوَّةِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ٣، كَالْقَتْلِ عَلَى الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ.
"أَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِأَحَدِهِمَا" أَيْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ "قُدِّمَ الرَّاجِحُ وَلا يَكْفِي كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا" لاحْتِمَالِ تَرْجِيحِ٤ الْقَاصِرِ.
قَالَ الْعَضُدُ: هَذَانِ وَجْهَانِ تُوُهِّمَا جَوَابًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلا يَكْفِيَانِ.
الأَوَّلُ: رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ٥ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ: مَا عَيَّنْته٦ مِنْ الْوَصْفِ رَاجِحٌ٧ عَلَى مَا عَارَضْت بِهِ، ثُمَّ يُظْهِرُ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ. وَهَذَا الْقَدْرُ غَيْرُ كَافٍ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا
_________________
(١) ١ قاله العضد في شرحه لمختصر ابن الحاجب ٢/٢٧٤. ٢ انظر الإحكام في أصول الأحكام ٤/١٢٨. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ش ز: ترجح. ٥ في ز: العين. ٦ في ز ب: عنيته. ٧ في ض: راجحًا.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
يَدُلُّ عَلَى١ أَنَّ اسْتِقْلالَ وَصْفِهِ٢ أَوْلَى مِنْ اسْتِقْلالِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ؛ إذْ لا يُعَلَّلُ بِالْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ، لَكِنَّ احْتِمَالَ الْجُزْئِيَّةِ بَاقٍ، وَلا بُعْدَ٣ فِي تَرْجِيحِ٤ بَعْضِ الأَجْزَاءِ عَلَى بَعْضٍ فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ.
الثَّانِي: كَوْنُ مَا عَيَّنَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُتَعَدِّيًا وَالآخَرُ قَاصِرًا غَيْرُ كَافٍ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ، إذْ٥ مَرْجِعُهُ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ، فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ.
هَذَا وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ٦ فَإِنَّهُ إنْ رُجِّحَتْ الْمُتَعَدِّيَةُ٧ بِأَنَّ اعْتِبَارَهُ يُوجِبُ الاتِّسَاعَ فِي الأَحْكَامِ، وَبِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخِلافِ الْقَاصِرَةِ رُجِّحَتْ الْقَاصِرَةُ بِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ٨ لِلأَصْلِ. إذْ الأَصْلُ عَدَمُ الأَحْكَامِ، وَبِأَنَّ اعْتِبَارَهَا إعْمَالٌ٩ لِلدَّلِيلَيْنِ مَعًا١٠-
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ في ز: وصف. ٣ في ش: ولا يعد. ٤ في شرح العضد: ترجح. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ض: التعدية. ٨ في ب: موقفه. وفي ض: موقوفة ٩ في ز ب: اعلام. ١٠ ساقطة من ز.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
دَلِيلِ الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ وَدَلِيلِ الْقَاصِرَةِ، بِخِلافِ إلْغَائِهَا١.
"وَيَجُوزُ تَعَدُّدُ أُصُولِ الْمُسْتَدِلِّ٢" عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى بِالتَّعَدُّدِ، وَكَمَا أَنَّ أَصْلَ الظَّنِّ مَقْصُودٌ، فَقُوَّتُهُ أَيْضًا مَقْصُودَةٌ.
"وَ" عَلَى هَذَا يَجُوزُ "اقْتِصَارٌ عَلَى" أَصْلٍ "وَاحِدٍ فِي مُعَارَضَةٍ، وَ" فِي "جَوَابٍ" مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَقِيَّةِ الأُصُولِ فِيهِ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ فِيهِمَا.
_________________
(١) ١ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٧٤. ٢ في ش: مستدل.
[ ٤ / ٣١٠ ]
"فَوَائِدُ": تَدُلُّ عَلَى مَعَانِي أَلْفَاظٍ مُتَدَاوَلَةٍ١ بَيْنَ الْجَدَلِيِّينَ.
نَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي كِتَابِهِ الإِيضَاحِ٢.
الأُولَى "الْفَرْضُ" وَهُوَ "أَنْ يُسْأَلَ عَامًّا، فَيُجِيبَ خَاصًّا أَوْ يُفْتِيَ عَامًّا وَيَدُلَّ خَاصًّا٣".
وَقَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٤: الْفَرْضُ: وَ٥هُوَ تَخْصِيصُ بَعْضِ صُوَرِ النِّزَاعِ بِالْحِجَاجِ٦، وَإِقَامَةُ٧ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
_________________
(١) ١ في ض ب: الألفاظ المتداولة. ٢ في ض: وقال وعلى هذا لو قال. وفي ب: في كتابه الإيضاح وقال: وعلى هذا لو قال. ٣ انظر المسودة ص ٤٢٥، إرشاد الفحول ص ٢٣٥، الوصول لابن برهان ٢/٢٦٦. ٤ جمع الجوامع بحاشية البناني ٢/٣١٠. ٥ ساقطة من ش. ٦ قال البناني: أي بأن يكون النزاع في كلي تندرج فيه جزئيات، فيفرض النزاع في جزئي خاص من تلك الجزئيات، ويقع الحجاج فيه من الجانبين. "حاشية البناني ٢/٣١٠". ٧ في ش: أي وإقامة.
[ ٤ / ٣١١ ]
"وَ" الثَّانِيَةُ "التَّقْدِيرُ" وَهُوَ "إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ، وَعَكْسُهُ" وَهُوَ إعْطَاءُ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ١.
وَهُوَ مُقَارِنُ الْفَرْضِ٢، فَإِنَّهُ يُقَالُ٣: يُقَدَّرُ الْفَرْضُ فِي كَذَا٤، وَالْفَرْضُ مُقَدَّرٌ فِي كَذَا
مِثَالُ إعْطَاءِ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ: الْمَاءُ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ بِاسْتِعْمَالِهِ، فَيَتَيَمَّمُ٥ وَيَتْرُكُهُ مَعَ وُجُودِهِ حِسًّا.
وَمِثَالُ٦ إعْطَاءِ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ: الْمَقْتُولُ تُورَثُ٧ عَنْهُ الدِّيَةُ وَإِنَّمَا٨ تَجِبُ بِمَوْتِهِ وَلا تُورَثُ عَنْهُ، إلاَّ إذَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ. فَيُقَدَّرُ دُخُولُهَا قَبْلَ مَوْتِهِ.
"وَ" الثَّالِثَةُ "مَحَلُّ النِّزَاعِ" وَهُوَ "الْحُكْمُ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا".
_________________
(١) ١ انظر البيان المفصل والبحث المطول عن حقيقة التقدير وأمثلته وتطبيقاته الفقهية في "الأمنية في إدراك النية للقرافي ص ٥٥-٦٣، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/٩٥-١٠٠". ٢ في ش: للفرض. ٣ ساقطة من ز. ٤ في ز: هذا. ٥ في ش: فيتيم. ٦ في ش: ومثاله مع. ٧ في ز: يورث. ٨ في ش: وإلا.
[ ٤ / ٣١٢ ]
وَهُوَ أَيْضًا كَالْمُقَارِنِ لِلْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ.
فَمَحَلُّ النِّزَاعِ: هُوَ الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.
"وَ" الرَّابِعَةُ "الإِلْغَاءُ" وَهُوَ "إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ".
السَّابِعَ١ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "التَّرْكِيبُ"٢.
أَيْ سُؤَالُ التَّرْكِيبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُرُودِهِ عَلَى الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ مِنْ اخْتِلافِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ "كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْبَالِغَةُ أُنْثَى، فَلا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ٣، فَالْخَصْمُ يَعْتَقِدُ لِصِغَرِهَا".
وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَاسِدٌ.
قِيلَ: لِرَدِّ الْكَلامِ إلَى سِنِّ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ٤ بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ.
_________________
(١) ١ في ش ز ب: السادس. ٢ انظر كلام الأصوليين على التركيب في "البرهان ٢/١٠٩٩، مختصر الطوفي ص ١٧١، روضة الناظر ص ٣٤٩، مختصر البعلي ص ١٥٩، الإحكام للآمدي ٤/١٣٥، إرشاد الفحول ص ٢٣٣، شرح العضد ٢/٢٧٤". ٣ في ز: خمسة عشر. ٤ في ض: وليست.
[ ٤ / ٣١٣ ]
وَقِيلَ: لأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ أَوْ الْعِلَّةِ.
ثُمَّ هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لاشْتِمَالِهِ عَلَى مَنْعِ حُكْمٍ عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ نَصُّهُ بِخِلافِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ "صَحِيحٌ" وَهُوَ الأَصَحُّ؛ لأَنَّ حَاصِلَهُ مُنَازَعَةٌ فِي الأَصْلِ١، فَيُبْطِلُ الْمُسْتَدِلُّ مَا يَدَّعِي الْمُعْتَرِضُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِهِ، لِيَسْلَمَ مَا يَدَّعِيهِ جَامِعًا فِي الأَصْلِ٢.
الثَّامِنَ٣ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "التَّعْدِيَةُ"٤.
وَهِيَ "مُعَارَضَةُ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِوَصْفٍ آخَرَ مُتَعَدٍّ".
"كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "فِي بِكْرٍ بَالِغٍ" هِيَ "بِكْرٌ فَأُجْبِرَتْ كَبِكْرٍ صَغِيرَةٍ".
"فَيَعْتَرِضُ" الْمُعْتَرِضُ "بِتَعَدِّي الصِّغَرِ إلَى ثَيِّبٍ صَغِيرَةٍ، وَيَرْجِعُ" ذَلِكَ "إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ".
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: عَنْ٥ التَّرْكِيبِ وَالتَّعْدِيَةِ: هَذَانِ اعْتِرَاضَانِ يَعُدُّهُمَا الْجَدَلِيُّونَ فِي عِدَادِ٦ الاعْتِرَاضَاتِ وَهُمَا
_________________
(١) ١ في ض ب: الأصل أو العلة، ثم هو غير صحيح لاشتماله على منع حكم. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش ب ز: السابع. ٤ انظر كلام الأصوليين على التعدية في "منتهى السول والأمل ص ١٩٨، إرشاد الفحول ص ٢٣٣، البرهان ٢/١١٠٦، الإحكام للآمدي ٤/١٣٦". ٥ في ش: عند. ٦ في ض: عدد.
[ ٤ / ٣١٤ ]
رَاجِعَانِ إلَى بَعْضٍ مِنْ سَائِرِ الاعْتِرَاضَاتِ. وَنَوْعٌ١ مِنْهُ خُصَّ بِاسْمٍ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا٢ سُؤَالًا بِرَأْسِهِ.
فَالأَوَّلُ: سُؤَالُ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ مَا عَرَفْته حَيْثُ قُلْنَا٣: شَرْطُ حُكْمِ الأَصْلِ أَنْ لا يَكُونَ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ. وَأَنَّهُ٤ قِسْمَانِ: مُرَكَّبُ الأَصْلِ، وَمُرَكَّبُ الْوَصْفِ وَأَنَّ٥ مَرْجِعِ أَحَدِهِمَا: مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ، أَوْ مَنْعُ الْعِلِّيَّةِ٦. وَمَرْجِعُ الآخَرِ: مَنْعُ الْحُكْمِ، أَوْ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ. فَلَيْسَ٧ بِالْحَقِيقَةِ سُؤَالًا٨ بِرَأْسِهِ، وَقَدْ عَرَفْتَ الأَمْثِلَةَ فَلا مَعْنَى لِلإِعَادَةِ.
وَالثَّانِي٩: سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ، وَذَكَرُوا فِي مِثَالِهِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ: بِكْرٌ فَتُجْبَرُ كَالصَّغِيرَةِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا مُعَارَضٌ بِالصِّغَرِ.
_________________
(١) ١ قال السعد التفتازاني: قوله: "ونوع" "عطف على راجعان، أي كل منهما نوع من سائر الاعتراضات خُصَّ باسم خاص". "حاشية السعد على شرح العضد ٢/٢٧٥". ٢ كذا في شرح العضد. وفي جميع النسخ: منها. ٣ في ش: قلت. ٤ في د ض: فانه. ٥ في ز ض: فان. ٦ كذا في شرح العضد. وفي جميع النسخ: العلة. ٧ في ش: فليسا. ٨ في ش: سواء. ٩ ساقطة من ز ض ب.
[ ٤ / ٣١٥ ]
وَمَا ذَكَرْته، وَإِنْ تَعَدَّى بِهِ الْحُكْمُ إلَى الْبِكْرِ الْبَالِغِ، فَقَدْ تَعَدَّى بِهِ الْحُكْمُ إلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا التَّمْثِيلُ يَجْعَلُ هَذَا١ السُّؤَالَ رَاجِعًا إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ بِوَصْفٍ آخَرَ، وَهُوَ الْبَكَارَةُ بِالصِّغَرِ، مَعَ زِيَادَةِ تَعَرُّضٍ لِلتَّسَاوِي٢ فِي التَّعْدِيَةِ. [دَفْعًا لِتَرْجِيحِ الْمُعَيَّنِ بِالتَّعْدِيَةِ] ٣ فَلا يَكُونُ سُؤَالًا [آخَرَ] ٤ ٥".
وَلا أَثَرَ لِزِيَادَةِ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ"٦ قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ خِلافًا لِلدَّارِكِيِّ٧.
التَّاسِعَ٨ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "مَنْعُ وُجُودِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ
_________________
(١) ١ ساقطة من شرح العضد. ٢ كذا في شرح العضد، وفي ز: المساوي. وفي ش ض ب: التساو. ٣ زيادة من شرح العضد يقتضيها السياق. ٤ زيادة من شرح العضد يقتضيها السياق. ٥ شرح العضد ٢/٢٧٥. ٦ في ض: التعدية في التسوية. ٧ هو عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الدَّارَكي الشافعي، أبو القاسم، الإمام الفقيه: قال ابن قاضي شهبة: "درّس بنيسابور مدة، ثم سكن بغداد، وكانت له حلقة للفتوى، وانتهت إليه رياسة المذهب ببغداد، توفي سنة ٣٧٥هـ. والدَّاركي: نسبة إلى دارَك –بفتح الراء- من قرى أصبهان. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٦٣، تاريخ بغداد ١٠/٤٦٣، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/١١٨، شذرات الذهب ٣/٨٥، النجوم الزاهرة ٤/١٤٨، طبقات الشافعية للأسنوي ١/٥٠٨، طبقات الشافعية لابن السبكي ٣/٣٣٠، الكامل لابن الأثير ٧/١٢٨، الفكر السامي ٢/١٣٢". ٨ في ش ب ز: الثامن.
[ ٤ / ٣١٦ ]
فِي الْفَرْعِ"١.
كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ فِي "أَمَانِ عَبْدٍ" هُوَ "أَمَانٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ كَالْمَأْذُونِ" أَيْ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ.
"فَيَمْنَعُ" الْمُعْتَرِضُ "الأَهْلِيَّةَ" بِأَنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلأَمَانِ.
"فَيُجِيبُهُ" الْمُسْتَدِلُّ "بِوُجُودِ مَا عَنَاهُ بِالأَهْلِيَّةِ فِي الْفَرْعِ" ثُمَّ بِبَيَانِ٢ وُجُودِهِ بِحِسٍّ أَوْ عَقْلٍ أَوْ شَرْعٍ "كَجَوَابِ مَنْعِهِ فِي الأَصْلِ" فَيَقُولُ: أُرِيدُ بِالأَهْلِيَّةِ كَوْنَهُ مَظِنَّةً لِرِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الأَمَانِ، وَهُوَ بِإِسْلامِهِ وَبُلُوغِهِ كَذَلِكَ عَقْلًا.
"وَيُمْنَعُ الْمُعْتَرِضُ مِنْ تَقْرِيرِ٣ نَفْيِ الْوَصْفِ عَنْ الْفَرْعِ"؛ لأَنَّ تَفْسِيرَهَا وَظِيفَةُ٤ مَنْ تَلَفَّظَ بِهَا؛ لأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمُرَادِهِ وَإِثْبَاتِهَا وَظِيفَةُ٥ مَنْ ادَّعَاهَا. فَيَتَوَلَّى تَعْيِينَ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ٦ ذَلِكَ؛ لِئَلاَّ
_________________
(١) ١ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "روضة الناظر ص ٣٤٠، مختصر البعلي ص ١٥٣، مختصر الطوفي ص ١٦٦، إرشاد الفحول ص ٢٣٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٧، شرح العضد ٢/٢٧٥، منتهى السول والأمل ص ١٩٨، الإحكام للآمدي ٤/١٣٦، المنهاج للباجي ص ١٦٦، مفتاح الوصول للتلمساني ص ١٥٨، فواتح الرحموت ٢/٣٥٠، نشر البنود ٢/٢٤٠". ٢ في ض: بيان. ٣ في ش: تقدير. ٤ في ش: وخليفة. ٥ في ش: وخليفة. ٦ في ش: على.
[ ٤ / ٣١٧ ]
يَنْتَشِرَ الْجَدَلُ.
الْعِشْرُونَ١ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ"٢.
بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْوَصْفِ، وَإِنْ٣ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ، فَيَتَوَقَّفُ دَلِيلُك وَهُوَ الْمَعْنَى بِالْمُعَارَضَةِ إذَا أَطُلِقَتْ.
وَلا بُدَّ مِنْ بِنَائِهِ٤ عَلَى٥ أَصْلٍ [بِـ] ٦ جَامِعِ بِأَنْ يُثْبِتَ الْمُعْتَرِضُ عِلِّيَّتِهِ٧ "بِأَحَدِ طُرُقِ الْعِلَّةِ" فَيَصِيرُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًاّ، وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا فَتَنْقَلِبُ الْوَظِيفَتَانِ.
_________________
(١) ١ في ب ز ش: التاسع عشر. ٢ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "مفتاح الوصول ص ١٥٩، روضة الناظر ص ٣٤٨، مختصر الطوفي ص ١٧٠، المنهاج للباجي ص ٢٠١، المسودة ص ٤٤١، المغني للخبازي ص ٣٢٤، الكافية للجويني ص ٤١٨، تيسير التحرير ٤/١٥٨، فواتح الرحموت ٢/٣٥١، إرشاد الفحول ص ٢٣٣، شرح العضد ٢/٢٧٥، منتهى السول والأمل ص ١٩٨، الإحكام للآمدي ٤/١٣٧". ٣ في ز: فإن. ٤ في ز ب ض: بيانه. ٥ في ش: على أنه. ٦ زيادة يقتضيها السياق. انظر شرح العضد ٢/٢٧٥. ٧ في ش: عليه.
[ ٤ / ٣١٨ ]
وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ هَذَا الْقَادِحِ وَالصَّحِيحُ "يُقْبَلُ" وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا١ وَالأَكْثَرِ٢؛ لِئَلاَّ تَخْتَلَّ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ وَهُوَ ثُبُوتُ٣ الْحُكْمِ؛ لأَنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ٤ الدَّلِيلِ مَا لَمْ يُعْلَمْ عَدَمُ الْمُعَارِضِ.
وَقِيلَ: لا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَلْبِ التَّنَاظُرِ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ الْقَدْحِ بِالْمُعَارَضَةِ "بِمَا يَعْتَرِضُ بِهِ الْمُعْتَرِضُ ابْتِدَاءً" وَالْجَوَابُ هُوَ٥ الْجَوَابُ.
"وَيُقْبَلُ تَرْجِيحُ" أَحَدِهِمَا "بِوَجْهٍ مَا" أَيْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَجَمْعٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الآمِدِيُّ٦ وَابْنُ الْحَاجِبِ٧؛ لأَنَّهُ إذَا تَرَجَّحَ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ التَّرْجِيحُ؛ لأَنَّ تَسَاوِيَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ بِهِمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ لَمْ تَحْصُلْ الْمُعَارَضَةُ لامْتِنَاعِ الْعِلْمِ
_________________
(١) ١ انظر روضة الناظر ص ٣٤٩، المسودة ص ٤٤٠، شرح العضد ٢/٢٧٥. ٢ انظر البرهان ٢/١٠٥٠، فواتح الرحموت ٢/٣٥١. ٣ في ش: لثبوت. ٤ في ش: بوجود. ٥ ساقطة من ش. ٦ الإحكام في أصول الأحكام ٤/١٣٨. ٧ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٧٦، منتهى السول والأمل ص ١٩٩.
[ ٤ / ٣١٩ ]
بِذَلِكَ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ١.
"وَلا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ الإِيمَاءُ إلَيْهِ" أَيْ إلَى التَّرْجِيحِ "فِي" مَتْنِ "دَلِيلِهِ" بِأَنْ يَقُولَ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ: أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ مُوَافِقًا٢ لِلْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ.
وَقِيلَ: بَلَى.
وَالصَّحِيحُ: لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّ التَّرْجِيحَ عَلَى مَا يُعَارِضُهُ خَارِجٌ عَنْ الدَّلِيلِ. وَتَوَقُّفُ الْعَمَلِ عَلَى التَّرْجِيحِ لَيْسَ جُزْءًا لِلدَّلِيلِ، بَلْ شَرْطٌ لَهُ لا مُطْلَقًا، بَلْ إذَا حَصَلَ الْمُعَارِضُ وَاحْتِيجَ إلَى دَفْعِهِ.
وَالْحَادِي٣ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْفَرْقُ"٤.
وَهُوَ إبْدَاءُ الْمُعْتَرِضِ مَعْنًى يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ حَتَّى لا يَلْحَقُ بِهِ فِي حُكْمِهِ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ض: موافق. ٣ ساقطة من ش ز ب. ٤ انظر كلام الأصوليين على الفرق في "شرح تنقيح الأصول ص ٤٠٣، المحصول ٢/٢/٣٦٧، المنهاج للباجي ص ٢٠١، المسودة ص ٤٤١، البرهان ٢/١٠٦٠، الكافية للجويني ص ٢٩٨، الوصول لابن برهان ٢/٣٢٧، المنخول ص ٤١٧، نشر البنود ٢/٢٢٩، إرشاد الفحول ص ٢٢٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣١٩، نهاية السول ٣/١٠٠، مناهج العقول ٣/١٠٠، الإبهاج ٣/٨٦، شرح العضد ٢/٢٧٦، منتهى السول والأمل ص ١٩٩، الإحكام للآمدي ٤/١٣٨".
[ ٤ / ٣٢٠ ]
وَهُوَ "رَاجِعٌ إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي أَصْلٍ أَوْ١ فَرْعٍ" فَيُقْبَلُ.
وَقِيلَ: يَرْجِعُ إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعًا فَلا يُقْبَلُ.
"وَيَحْتَاجُ الْقَادِحُ فِي الْجَمْعِ إلَى دَلالَةٍ وَأَصْلٍ كَالْجَمْعِ".
وَهُوَ نَوْعَانِ:
الأَوَّلُ: أَنْ يَجْعَلَ الْمُعْتَرِضُ تَعَيُّنَ٢ صُورَةِ الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا هُوَ الْعِلَّةَ فِي الْحُكْمِ. كَقَوْلِ حَنْبَلِيٍّ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ طَهَارَةٌ٣ عَنْ حَدَثٍ. فَوَجَبَ لَهَا النِّيَّةُ كَالتَّيَمُّمِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ بِالْفَرْقِ: الْعِلَّةُ فِي٤ الأَصْلِ كَوْنُ الطَّهَارَةِ بِتُرَابٍ لا مُطْلَقُ الطَّهَارَةِ. فَذَكَرَ لَهُ خُصُوصِيَّةً لا تَعْدُوهُ٥.
وَكَقَوْلِ حَنَفِيٍّ فِي التَّبْيِيتِ: صَوْمٌ عُيِّنَ، فَيَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ كَالنَّفْلِ. فَيُقَالُ: صَوْمُ نَفْلٍ فَيَنْبَنِي٦ عَلَى السُّهُولَةِ، فَجَازَ بِنِيَّةٍ٧ مُتَأَخِّرَةٍ، بِخِلافِ الْفَرْضِ.
_________________
(١) ١ في ض: و. ٢ في ش ض: تعيين. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: بـ. ٥ ساقطة من ز. وفي ش: لا بقدره. ٦ في ض: ينبني. وفي ب: فيبنى. ٧ في ض: نيته.
[ ٤ / ٣٢١ ]
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا النَّوْعُ رَاجِعٌ إلَى مُعَارَضَةٍ١ فِي٢ الأَصْلِ، أَيْ٣ مُعَارَضَةِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ فِيهِ لِعِلَّةٍ٤ أُخْرَى، وَلِهَذَا٥ بَنَاهُ الْبَيْضَاوِيُّ٦ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٧ عَلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا٨.
وَوَجْهُ الْبِنَاءِ: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ عَارَضَ عِلَّةَ الْمُسْتَدِلِّ بِعِلَّةٍ أُخْرَى. فَمَنْ مَنَعَ٩ التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ١٠ رَآهُ اعْتِرَاضًا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَدُّدُ الْمُعَلَّلِ١١.
وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُ، وَمَنْ لَمْ يَمْنَعْ لَمْ يَرَهُ سُؤَالًا قَادِحًا لِجَوَازِ كَوْنِ الْحُكْمِ لَهُ عِلَّتَانِ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِ الْبِنَاءِ.
_________________
(١) ١ في ز: معارضته. ٢ ساقطة من ب. ٣ في ز ض: أو. ٤ في ش: بعلة. ٥ في ز: وبهذا. ٦ المنهاج للبيضاوي مع شرحه نهاية السول ٣/١٠٠. ٧ انظر شرح تنقيح الفصول ص ٤٠٣، المحصول ٢/٢/٣٦٧، المسودة ص ٤٤٢، نشر البنود ٢/٢٢٩. ٨ ساقطة من ش. ٩ في ض: فمنع من. ١٠ ساقطة من ض. ١١ في ش: العلل. وفي ض: المعترض.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ تَعَيُّنَ الْفَرْعِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ فِيهِ. كَقَوْلِهِمْ: يُقَادُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ، بِجَامِعِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ١.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: تَعَيُّنُ الْفَرْعِ - وَهُوَ الإِسْلامُ - مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ.
وَلَعَلَّهُ أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ٢.
لَكِنْ بَنَاهُ الْبَيْضَاوِيُّ ٣ وَغَيْرُهُ عَلَى الْخِلافِ فِي النَّقْضِ إذَا كَانَ لِمَانِعٍ٤: هَلْ يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ٥ أَوْ لا؟
فَإِنْ قُلْنَا: لا يَقْدَحُ، فَهَذَا كَذَلِكَ؛ لأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ لَمَّا وُجِدَ فِي الْفَرْعِ، وَتَخَلَّفَ فِيهِ الْحُكْمُ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ. فَهَذَا نَقْضٌ لِمَانِعٍ، فَيَقْدَحُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْقَدْحِ بِالنَّقْضِ لِمَانِعٍ، وَإِلاَّ فَلا٦.
فَيَكُونُ مُخْتَارُ الْبَيْضَاوِيِّ قَدْحَ النَّوْعِ الأَوَّلِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ، وَعَدَمَ قَدْحِ النَّوْعِ الثَّانِي مُطْلَقًا؛ لاخْتِيَارِ جَوَازِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ض: أيضًا على جواز التعليل. ٣ المنهاج للبيضاوي مع شرحه نهاية السول ٣/١٠٠. ٤ في ش: المانع. ٥ في ش ض: العلة. ٦ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ، وَأَنَّ١ النَّقْضَ لِمَانِعٍ غَيْرُ قَادِحٍ.
وَمَتَى قِيلَ: إنَّ الْقَادِحَ فِي الْجَمْعِ لا يَحْتَاجُ إلَى دَلالَةٍ و٢َأَصْلٍ كَالْجَمْعِ، كَانَتْ دَعْوَاهُ بِلا دَلِيلٍ.
"وَإِنْ أَحَبَّ" الْمُعْتَرِضُ "إسْقَاطَهُ" أَيْ إسْقَاطَ ذَلِكَ "عَنْهُ٣ طَالَبَ الْمُسْتَدِلَّ بِصِحَّةِ الْجَمْعِ".
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: صَبِيٌّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلا يُزَكِّي، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَيَنْتَقِضُ٤ بِعُشْرِ٥ زَرْعِهِ وَالْفِطْرَةِ، فَسُؤَالٌ صَحِيحٌ. بِخِلافِ التَّفْرِقَةِ بِالْفِسْقِ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي٦ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "اخْتِلافُ الضَّابِطِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ٧".
_________________
(١) ١ في ش: وعدم قدح النوع وأن. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ز: منه. ٤ في ب: فينقض. ٥ في ش: بتعشير. ٦ في ب ش ز: الحادي. ٧ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "إرشاد الفحول ص ٢٣١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٩، شرح العضد ٢/٢٧٦، منتهى السول والأمل ص ١٩٩، الإحكام للآمدي ٤/١٣٩".
[ ٤ / ٣٢٤ ]
بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: فِي قِيَاسِكَ اخْتِلافُ١ الضَّابِطِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
"كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ" إلَى الْقَتْلِ عَمْدًا "فَقِيدُوا" أَيْ فَلَزِمَهُمْ الْقَوَدُ "كَمُكْرَهٍ" عَلَى الْقَتْلِ.
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ "ضَابِطُ الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ، وَ" ضَابِطُ "الأَصْلِ الإِكْرَاهُ. فَلَمْ يَتَحَقَّقْ تَسَاوٍ" بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
وَحَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ وُجُودِ الأَصْلِ فِي الْفَرْعِ.
وَفِي شَرْحِ٢ الْمُقْتَرَحِ٣ لأَبِي الْعِزِّ٤: حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ فِي قَبُولِهِ.
_________________
(١) ١ في ز: اختلاف في. ٢ في ش: الشرح. ٣ في ض: المقترض. ٤ في ش: المعز. وهو تصحيف. وأبو العز: هو تقي الدين مظفر بن عبد الله بن علي المصري الشافعي. قال السيوطي: "كان إمامًا كبيرًا، له التصانيف في الفقه والأصول والخلاف، ديّنًا ورعًا، كثير الإفادة". وقد شرح كتاب "المقترح في المصطلح" للبروي شرحًا نفيسًا، عُرف واشتهر به حتى صار يلقب بالتقي المقترح. ومن كتبه "الأسرار العقلية في الكلمات النبوية" و"شرح الإرشاد في أصول الدين للجويني". توفي سنة ٦١٢ هـ. وقد جاء في كشف الظنون وهدية العارفين أن كنيته أبو الفتح، والصواب أنها "أبو العز" كما قال المصنف وكما ذكر العلامة أبو علي عمر السكوني المتوفي سنة ٧١٧ هـ في كتابه "عيون المناظرات" ص ٢٨٧ وغيره "انظر حسن المحاضرة للسيوطي ١/٤٠٩، طبقات الشافعية للأسنوي ٢/٤٤٤، طبقات الشافعية لابن السبكي ٨/٣٧٢، كشف الظنون ٢/١٧٩٣، هدية العارفين ٢/٤٦٣، الوافي بالوفيات للصفدي ١/٢٧٩، معجم المؤلفين ١٢/٢٩٩".
[ ٤ / ٣٢٥ ]
قَالَ: وَمَدَارُ الْكَلامِ فِيهِ يَنْبَنِي عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ الْقَطْعُ١ بِالْجَامِعِ أَوْ ظَنُّ وُجُودِ الْجَامِعِ كَافٍ.
وَيَنْبَنِي ٢عَلَى ذَلِكَ٢ الْقِيَاسُ فِي الأَسْبَابِ. فَمَنْ اعْتَبَرَ الْقَطْعَ مَنَعَ الْقِيَاسَ فِيهَا، إذْ٣ لا يُتَصَوَّرُ عَادَةً الْقَطْعُ٤ بِتَسَاوِي الْمَصْلَحَتَيْنِ. فَلا يَتَحَقَّقُ جَامِعٌ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بِاعْتِبَارٍ يُثْبِتُ حُكْمَ السَّبَبِيَّةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَمَنْ اكْتَفَى٥ بِالظَّنِّ صَحَّحَ٦ ذَلِكَ إذْ٧ يَجُوزُ تَسَاوِي الْمَصْلَحَتَيْنِ فَيَتَحَقَّقُ الْجَامِعُ، وَلا يَمْنَعُ٨ الْقِيَاسَ.
"وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ الاعْتِرَاضِ بِاخْتِلافِ الضَّابِطِ "بَيَانُ أَنَّ الْجَامِعَ" بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ "التَّسَبُّبُ٩ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا" أَيْ بَيْنَ الأَصْلِ، وَهُوَ الإِكْرَاهُ وَالْفَرْعِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ "وَهُوَ" أَيْ التَّسَبُّبُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا "مَضْبُوطٌ عُرْفًا".
_________________
(١) ١ في ش: من القطع. ٢ في ض ب: ذلك على. ٣ في ش ب ز: أو. ٤ في ش: القدح. ٥ في ش: النفى. ٦ في ض: يصحح. ٧ في ش: أن. ٨ في ش: ولا يمتنع. ٩ في ش: والتسبب.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
"أَوْ" يُجِيبُ "بِأَنَّ إفْضَاءَهُ" أَيْ إفْضَاءَ الْمَقْصُودِ "فِي الْفَرْعِ مِثْلُهُ" فِي الأَصْلِ "أَوْ أَرْجَحُ" كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ الْفَرْعِ الْمُغْرِي١ لِلْحَيَوَانِ بِجَامِعِ التَّسَبُّبِ فَإِنَّ٢ انْبِعَاثَ الْوَلِيِّ عَلَى الْقَتْلِ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ التَّشَفِّي أَكْثَرُ مِنْ انْبِعَاثِ الْحَيَوَانِ بِالإِغْرَاءِ لِنُفْرَتِهِ مِنْ الإِنْسَانِ، وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِجَوَازِ الْقَتْلِ وَعَدَمِهِ. فَاخْتِلافُ أَصْلِ التَّسَبُّبِ لا يَضُرُّ، فَإِنَّهُ اخْتِلافُ أَصْلٍ وَفَرْعٍ.
وَلا يُفِيدُ قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ فِي جَوَابِهِ التَّفَاوُتَ فِي الضَّابِطِ مُلْغًى لِحِفْظِ النَّفْسِ، كَمَا أُلْغِيَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ قَطْعِ الأُنْمُلَةِ وَقَطْعِ٣ الرَّقَبَةِ فِي قَوَدِ النَّفْسِ؛ لأَنَّ إلْغَاءَ٤ التَّفَاوُتِ٥ فِي صُورَةٍ لا يُوجِبُ٦ عُمُومَهُ، كَإِلْغَاءِ الشَّرَفِ وَغَيْرِهِ دُونَ الإِسْلامِ وَالْحُرِّيَّةِ.
"وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ صُوَرِ الْقَدْحِ بِاخْتِلافِ الضَّابِطِ: قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى اللاَّئِطِ "أَوْلَجَ فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا٧ فَحُدَّ كَزَانٍ".
_________________
(١) ١ في ض ش: المعزى. ٢ في ش: بجامع. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ب ز: الإلغاء. ٥ في ض: المتفاوت. وفي ب: للتفاوت. ٦ في ض ب ز: لا توجب. ٧ في ش: مشرعا.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ "حِكْمَةُ الْفَرْعِ: الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وَ" حِكْمَةُ "الأَصْلِ: دَفْعُ مَحْذُورِ اشْتِبَاهِ الأَنْسَابِ. وَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ".
"وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الأَصْلِ، وَجَوَابُهُ بِحَذْفِهِ عَنْ الاعْتِبَارِ".
الثَّالِثُ١ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الأَصْلِ" بَعْدَ تَسْلِيمِ عِلَّةِ الأَصْلِ فِي الْفَرْعِ٢.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقِيسَ الْمُسْتَدِلُّ النِّكَاحَ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ الْبَيْعَ عَلَى النِّكَاحِ فِي عَدَمِ٣ الصِّحَّةِ بِجَامِعٍ٤ فِي صُورَةٍ٥، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ، فَإِنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي الْبَيْعِ حُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ، وَفِي النِّكَاحِ حُرْمَةُ الْمُبَاشَرَةِ.
"وَجَوَابُهُ بِبَيَانِ اتِّحَادِ الْحُكْمِ عَيْنًا، كَصِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ، وَالاخْتِلافُ عَائِدٌ إلَى الْمَحَلِّ" يَعْنِي أَنَّ الْبُطْلانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَهُوَ
_________________
(١) ١ في ب ز ش: الثاني ٢ انظر كلام الأصوليين على هذا القادح في "إرشاد الفحول ص ٢٣١، شرح العضد ٢/٢٧٨، منتهى السول والأمل ص ١٩٩، الإحكام للآمدي ٤/١٤٢". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ز: لجامع. ٥في ش: الصورة.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
عَدَمُ تَرَتُّبِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا١ اخْتَلَفَ الْمَحَلُّ بِكَوْنِهِ بَيْعًا وَنِكَاحًا. وَاخْتِلافُ الْمَحَلِّ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ مَا حَلَّ فِيهِ.
"وَاخْتِلافُهُ" أَيْ اخْتِلافُ٢ الْمَحَلِّ "شَرْطٌ فِيهِ" يَعْنِي أَنَّ اخْتِلافَ الْمَحَلِّ شَرْطٌ فِي الْقِيَاسِ ضَرُورَةً. فَكَيْفَ يُجْعَلُ شَرْطُهُ مَانِعًا مِنْهُ؟!.
"أَوْ" يُجِيبُهُ بِبَيَانِ٣ اتِّحَادِ الْحُكْمِ "جِنْسًا، كَقَطْعِ الأَيْدِي بِالْيَدِ، كَ" قَتْلِ "الأَنْفُسِ بِالنَّفْسِ" يَعْنِي أَنَّ قَطْعَ الأَيْدِي بِالْيَدِ مُقَاسٌ٤ عَلَى قَتْلِ الأَنْفُسِ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ.
"وَتُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ التَّعْدِيَةِ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَتُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ التَّعْدِيَةِ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ٥ وَغَيْرِهَا. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ضَمِّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ فِي الزَّكَاةِ: كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ.
فَالضَّمُّ فِي الأَصْلِ بِالأَجْزَاءِ، وَفِي الْفَرْعِ بِالْقِيمَةِ عِنْدَهُمْ٦.
_________________
(١) ١ في ش: وإن. ٢ ساقطة من ض ب. ٣ في ز: بيان. ٤ في ز: يقاس. ٥ انظر روضة الناظر ص ٣٢٧. ٦ انظر الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٤٨.
[ ٤ / ٣٢٩ ]
ثُمَّ لَمَّا نَصَرَ١ الْقَاضِي جَوَازَ قَلْبِ التَّسْوِيَةِ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ التَّسْوِيَةُ فَقَطْ، كَقِيَاسِ٢ الْحَنَفِيَّةِ طَلاقَ الْمُكْرَهِ عَلَى الْمُخْتَارِ.
فَيُقَالُ: فَيَجِبُ اسْتِوَاءُ حُكْمِ إيقَاعِهِ وَإِقْرَارِهِ، كَالْمُخْتَارِ.
قَالَ٣ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْحَنَفِيَّةِ الْمَذْكُورُ، وَمَنْ مَنَعَ هَذَا الْقَلْبَ لِتَضَادِّ حُكْمِ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَمْ يُجِزْهُ لاخْتِلافِهِمَا.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَصَارَ لَهُ قَوْلانِ:
"وَإِنْ اخْتَلَفَ" الْحُكْمُ "جِنْسًا وَنَوْعًا كَ" قِيَاسِ "وُجُوبٍ عَلَى تَحْرِيمٍ، وَ" كَقِيَاسِ٤ "نَفْيٍ عَلَى إثْبَاتٍ" أَيْ٥ بِالْعَكْسِ. "فَ" قِيَاسٌ "بَاطِلٌ" وَذَلِكَ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا شُرِعَ لإِفْضَائِهِ إلَى مَقْصُودِ الْعَبْدِ، وَاخْتِلافُهُ مُوجِبٌ لِلْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا فِي الإِفْضَاءِ إلَى الْحِكْمَةِ.
فَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةٍ فِي إفْضَاءِ حُكْمِ الأَصْلِ إلَيْهَا: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ شَرْعِهِ شَرْعُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ؛ لأَنَّ زِيَادَةَ٦ الإِفْضَاءِ٧ مَقْصُودَةٌ، وَيَمْتَنِعُ كَوْنُ حُكْمِ الْفَرْعِ أَفْضَى إلَى الْمَقْصُودِ، وَإِلاَّ كَانَ تَنْصِيصُ
_________________
(١) ١ في ز: فسر. ٢ في ش: لقياس. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش: قياس. ٥ في ش: أي. ٦ في ش: الزيادة. ٧ في ش: للإفضاء.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
الشَّارِعِ عَلَيْهِ أَوْلَى.
الرَّابِعُ١ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْقَلْبُ"٢.
وَهُوَ "تَعْلِيقُ نَقِيضِ الْحُكْمِ أَوْ لازِمِهِ" أَيْ لازِمِ نَقِيضِ الْحُكْمِ "عَلَى الْعِلَّةِ" الَّتِي يُبْدِيهَا الْمُسْتَدِلُّ لِيُثْبِتَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْحُكْمَ "إلْحَاقًا بِالأَصْلِ" الْمَقِيسِ عَلَيْهِ.
وَيُسَمَّى هَذَا الضَّرْبُ: قَلْبَ الْعِلَّةِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: يُسَمَّى قَلْبَ الدَّلِيلِ. وَسَيَأْتِي.
فَقَلْبُ الْعِلَّةِ: بِأَنْ٣ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ٤ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ الدَّلِيلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لا لَهُ.
_________________
(١) ١ في ب زش: الثالث. ٢ انظر كلام الأصوليين على القلب في "المغني للخبازي ص ٣٢٢، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٤٦، الكافية للجويني ص ٢١٧ وما بعدها، المعتمد ٢/٨١٩، تيسير التحرير ٤/١٦٠، المنخول ص ٤١٤، أصول السرخسي ٢/٢٣٨، التبصرة ص ٤٧٥، اللمع ص ٦٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣٢٩، المسودة ص ٤٤٥، المنهاج للباجي ص ١٧٤، مختصر الطوفي ص ١٦٩، الجدل لابن عقيل ص ٦٢، روضة الناظر ص ٣٤٤، فتح الغفار ٣/٤٥، المحصول ٢/٢/٣٥٧، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠١، مختصر البعلي ص ١٥٦، نشر البنود ٢/٢٢٠، الإحكام للآمدي ٤/١٤٣، إرشاد الفحول ص ٢٢٧، فواتح الرحموت ٢/٣٥١، الإبهاج ٣/٨٢، نهاية السول ٣/٩٥، مناهج العقول ٣/٩٢، منتهى السول والأمل ص ٢٠٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣١١، شرح العضد ٢/٢٧٨، القياس الشرعي لأبي الحسين البصري ٢/١٠٤٠". ٣ في ز: أن. ٤ في ش: العلة ما ذكره.
[ ٤ / ٣٣١ ]
"فَهُوَ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا١، وَحُكِيَ عَنْ الأَكْثَرِ.
وَقِيلَ: إفْسَادٌ.
وَقِيلَ: تَسْلِيمٌ لِلصِّحَّةِ.
"ثُمَّ" هُوَ أَنْوَاعٌ:
نَوْعٌ "مِنْهُ قَلْبٌ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ" أَيْ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ "مَعَ إبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، كَ" قَوْلِهِ فِي "بَيْعِ فُضُولِيٍّ: عَقْدٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِلا وِلايَةٍ٢، فَلا يَصِحُّ كَالشِّرَاءِ" لَهُ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ، فَيَصِحُّ كَالشِّرَاءِ لِلْغَيْرِ. فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لِمَنْ اشْتَرَى لَهُ.
وَنَوْعٌ مِنْهُ يَكُونُ قَلْبًا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ مَعَ إبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِإِبْطَالِهِ. وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ غَيْرِهِ، كَ" قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الصَّوْمِ فِي الاعْتِكَافِ "الاعْتِكَافُ لَبْثٌ مَحْضٌ" فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ. "فَلا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ" وَغَرَضُهُ التَّعَرُّضُ لاشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ لأَنَّهُ لا أَصْلَ لَهُ٣ يَقِيسُهُ عَلَيْهِ.
_________________
(١) ١ انظر المسودة ص ٤٤١، مختصر الطوفي ص ١٦٩، الجدل لابن عقيل ص ٦٢، روضة الناظر ص ٣٤٥، مختصر البعلي ص ١٥٧. ٢ ساقطة من ش. ٣ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
"فَيُقَالُ" أَيْ١ فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ٢ أَوْ الشَّافِعِيُّ مُعْتَرِضًا: لَبْثٌ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ "فَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ الصَّوْمُ، كَالْوُقُوفِ" بِعَرَفَةَ.
وَنَوْعٌ مِنْهُ أَيْضًا، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَقَلْبٌ لإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ فَقَطْ" أَيْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، سَوَاءٌ كَانَ الإِبْطَالُ "صَرِيحًا كَ" قَوْلِهِ "الرَّأْسُ مَمْسُوحٌ٣، فَلا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ كَالْخُفِّ".
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ "فَلا يَتَقَدَّرُ" مَسْحُ الرَّأْسِ "بِالرُّبْعِ كَالْخُفِّ" فَفِي هَذَا الاعْتِرَاضِ نَفَى مَذْهَبَ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، وَلَمْ يَثْبُتْ مَذْهَبُهُ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الاسْتِيعَابُ. كَمَا هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا٤.
"أَوْ" كَانَ الإِبْطَالُ "لُزُومًا، كَ" قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي "بَيْعِ غَائِبٍ" مَجْهُولٍ "عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الْمُعَوَّضِ٥ كَالنِّكَاحِ".
_________________
(١) ١ في ز: أو. ٢ في ش: الحنفي. ٣ في ش: ممسوحًا. ٤ انظر الإفصاح لابن هبيرة ١/٧٢، القوانين الفقهية لابن جزئ ص ٣٥، بداية المجتهد ١/١١، المغني لابن قدامة ١/١٢٥، الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/٨. ٥ في ش: العوض.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا ذَكَرْت "فَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ" فَثُبُوتُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ لازِمٌ لِصِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ عِنْدَهُمْ.
وَحَيْثُ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ "فَإِذَا انْتَفَى اللاَّزِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
وَ" مِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ "قَلْبُ الْمُسَاوَاةِ" خِلافًا لِلْبَاقِلاَّنِيِّ وَالسَّمْعَانِيِّ "كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْخَلُّ مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ" أَيْ١ لِلْخَبَثِ "كَالْمَاءِ".
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ لَهُ الْمُعْتَرِضُ: حَيْثُ كَانَ كَالْمَاءِ فَـ "يَسْتَوِي فِيهِ الْحَدَثُ وَالْخَبَثُ كَالْمَاءِ".
وَمِنْ ذَلِكَ قِيَاسُ الْحَنَفِيَّةِ طَلاقَ٢ الْمُكْرَهِ عَلَى طَلاقِ الْمُخْتَارِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: فَيَجِبُ اسْتِوَاءُ حُكْمِ إيقَاعِهِ وَإِقْرَارِهِ. كَالْمُخْتَارِ٣.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ في ش: الطلاق. ٣ مع أن الإقرار منه غير معتبر اتفاقًا، وقد أثبت القالب الملازمة بينهما. قال صاحب فواتح الرحموت بعد ذكر الأمثلة المفترضة من الحنفية في بيع الغائب وطلاق المكره والصوم في الاعتكاف ٢/٣٥٣: "واعلم أنه قال صاحب الكشف –أي عبد العزيز البخاري- هذه الأمثلة أوردها الشافعية فرْضًا لتمثيل الأقسام، لا أنها واقعية صدرت لإثبات المذهب. كيف لا، والأوصاف المذكورة فيها طردية غير مقبولة عندهم لقولهم بالتأثير، فافهم".
[ ٤ / ٣٣٤ ]
- "وَمِنْهُ" أَيْ وَ١مِنْ الْقَلْبِ نَوْعٌ آخَرُ، وَهُوَ "جَعْلُ مَعْلُولٍ عِلَّةً وَعَكْسُهُ ٢" وَهُوَ جَعْلُ عِلَّةٍ مَعْلُولًا.
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: الْقَلْبُ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ:
الأَوَّلُ٣: الْحُكْمُ بِحُكْمٍ مَقْصُودٍ غَيْرِ٤ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ.
وَالثَّانِي: قَلْبُ التَّسْوِيَةِ.
وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الْمَعْلُولَ عِلَّةً، وَالْعِلَّةَ مَعْلُولًا.
"وَلا يُفْسِدُهَا" يَعْنِي أَنَّ٥ جَعْلَ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا لا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لا يَمْنَعُ الاحْتِجَاجَ بِهَا٦، وَذَلِكَ "كَ" قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي ظِهَارِ الذِّمِّيِّ "مَنْ صَحَّ طَلاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ" كَالْمُسْلِمِ "وَعَكْسُهُ" أَيْ، وَمَنْ صَحَّ ظِهَارُهُ صَحَّ طَلاقُهُ "فَالسَّابِقُ" مِنْهُمَا "عِلَّةٌ لِلتَّالِي٧".
فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ٨: أَجَعَلَ الْمَعْلُولَ عِلَّةً، وَالْعِلَّةَ مَعْلُولًا. وَأَقُولُ: الْمُسْلِمُ إنَّمَا صَحَّ طَلاقُهُ؛ لأَنَّهُ صَحَّ ظِهَارُهُ. وَمَتَى كَانَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ في ش: وعكسه. ٣ ساقطة من ز ب. ٤ في ز: وغير. ٥ ساقطة من ش. ٦ انظر البرهان ٢/١٠٩٥، المسودة ص ٤٤٦، المنهاج للباجي ص ١٧٧، الجدل لابن عقيل ص ٦٣. ٧ في ز: للثاني. ٨ في ز: الحنفي المعترض.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
الظِّهَارُ عِلَّةً لِلطَّلاقِ لَمْ يَثْبُتْ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ بِثُبُوتِ طَلاقِهِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ١ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إنَّ جَعْلَ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَعَكْسَهُ: مُفْسِدٌ لِلْعِلَّةِ.
وَاسْتُدِلَّ لِعَدَمِ الإِفْسَادِ: بِأَنَّ٢ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ عَلَى الأَحْكَامِ بِجَعْلِ جَاعِلٍ وَنَصْبِ نَاصِبٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﵊، وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الشَّرْعِ: مَنْ صَحَّ طَلاقُهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَصِحُّ ظِهَارُهُ وَمَنْ صَحَّ ظِهَارُهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَصِحُّ طَلاقُهُ٣، فَأَيُّهُمَا ثَبَتَ عَنْهُ صِحَّةُ٤ أَحَدِهِمَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الآخَرِ مِنْهُ.
وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ جَعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا عِلَّةً لِلآخَرِ: يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الآخَرِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِعِلَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
"وَزِيدَ" أَيْ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي صُورَةِ الْقَلْبِ "قَلْبُ الدَّعْوَى، مَعَ إضْمَارِ الدَّلِيلِ فِيهَا" أَيْ فِي الدَّعْوَى "كَكُلِّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ".
_________________
(١) ١ انظر أصول الشاشي في عمدة الحواشي ص٣٤٩، فتح الغفار ٣/٤٥، فواتح الرحموت ٢/٣٥١. ٢ في ز: أن. وفي ب: وأن. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ز ب: منه.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
"فَيُقَالُ: كُلُّ مَا لَيْسَ فِي جِهَةٍ لَيْسَ مَرْئِيًّا، وَكَوْنُهُ لا فِي جِهَةٍ دَلِيلُ مَنْعِهَا".
"أَوْ مَعَ عَدَمِهِ" أَيْ عَدَمِ إضْمَارِ الدَّلِيلِ "كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ فَيَقْلِبُهُ".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا قَلْبُ الدَّعْوَى مَعَ إضْمَارِ الدَّلِيلِ فِيهَا، فَمِثْلُ " كُلُّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ ". فَيُقَالُ: كُلُّ مَا لَيْسَ فِي جِهَةٍ لَيْسَ مَرْئِيًّا فَدَلِيلُ الرُّؤْيَةِ الْوُجُودُ، وَكَوْنُهُ لا فِي جِهَةٍ دَلِيلُ مَنْعِهَا وَمَعَ عَدَمِ إضْمَارِهِ، مِثْلُ: شُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ فَيَقْلِبُهُ. فَيُقَالُ: شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِذَاتِهِ اهـ.
"وَ" زِيدَ أَيْضًا "قَلْبُ الاسْتِبْعَادِ كَالإِلْحَاقِ" أَيْ إلْحَاقِ الْوَلَدِ فِي النَّسَبِ.
وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ: لَوْ ادَّعَى اللَّقِيطَ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ بِلا بَيِّنَةٍ، وَلَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ١. وَقُلْنَا: إنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إلَى مَنْ شَاءَ مِمَّنْ ادَّعَاهُ.
فَيُعْتَرَضُ بِأَنْ يُقَالَ "تَحْكِيمُ الْوَلَدِ فِيهِ" أَيْ فِي النَّسَبِ "تَحَكُّمٌ٢ بِلا دَلِيلٍ".
_________________
(١) ١ في ز: يوجد. ٢ في ش: تحكيم.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
"فَيُقَالُ" جَوَابًا لِذَلِكَ "تَحْكِيمُ الْقَائِفِ" أَيْضًا "تَحَكُّمٌ١ بِلا دَلِيلٍ".
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مِنْ الْقَلْبِ هُوَ "قَلْبُ الدَّلِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ٢ لا لَهُ" وَقَلَّ أَنْ يَتَّفِقَ لِهَذَا مِثَالٌ فِي الأَقْيِسَةِ.
وَأَمَّا مِثَالُهُ مِنْ الْمَنْصُوصِ٣ فَـ "كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ لِتَوْرِيثِ ذَوِي الأَرْحَامِ فِي تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ ﷺ "الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ" ٤ فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَيْك لا لَك. فَإِنَّهُ "يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَرِثُ بِطَرِيقٍ أَبْلَغَ؛ لأَنَّهُ نَفْيٌ عَامٌّ، كَ" مَا يُقَالُ "الْجُوعُ زَادُ مَنْ لا زَادَ لَهُ" وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لا حِيلَةَ لَهُ، وَلَيْسَ الْجُوعُ زَادًا، وَلا الصَّبْرُ حِيلَةً.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ: وَقَوْلُهُ "وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ٥" -
_________________
(١) ١ في ش: تحكيم. ٢ في ز: على. ٣ في: المنصوص. ٤ الحديث أخرجه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب والترمذي وابن ماجة عن عمر بن الخطاب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد صححه الحاكم وابن حبان. "انظر بذل المجهود ١٣/١٧٣، عارضة الأحوذي ٨/٢٥٥، سنن ابن ماجة ٢/٩١٤، كشف الخفا ١/٤٤٧". ٥ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
يَنْفِي إرْثَهُ١. فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ كُلِّ وَارِثٍ سِوَى الْخَالِ: بَطَلَ بِإِرْثِ٢ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ كُلِّ وَارِثٍ عَصَبَةً: فَلا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِ الْخَالِ بِالذِّكْرِ، دُونَ بَقِيَّةِ ذَوِي الأَرْحَامِ وَيُشْبِهُ فَسَادَ الْوَضْعِ اهـ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَيْسَ بِمِثَالٍ جَيِّدٍ.
الْخَامِسُ٣ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ٤" أَيْ بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ وَاقْتَضَاهُ.
وَهُوَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبِالْكَسْرِ: نَفْسُ الدَّلِيلِ؛ لأَنَّهُ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ز. ٢ في ض: بالارث. ٣ في ب ش ز: الرابع. ٤ انظر كلام الأصوليين على القول بالموجب في "شرح العضد ٢/٢٧٩، منتهى السول والأمل ص ٢٠٠، البرهان ٢/٩٧٣، الكافية للجويني ص ١٦١ وما بعدها، المنهاج للباجي ١٧٣، الجدل لابن عقيل ص ٦٠ وما بعدها، روضة الناظر ص ٣٥٠، مختصر الطوفي ص ١٧٢، مختصر البعلي ص ١٥٩، الإحكام للآمدي ٤/١٥١، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٤٦، الإبهاج ٣/٨٥، المغني للخبازي ص ٣٥١، المعتمد ٢/٨٢١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠٢، تيسير التحرير ٤/١٢٤، فتح الغفار ٣/٤١، المنخول ص ٤٠٢، التلويح على التوضيح ٢/٦٢٢، كشف الأسرار ٤/١٠٣، فواتح الرحموت ٢/٣٥٦، إرشاد الفحول ص ٢٢٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣١٦، نهاية السول ٣/٩٨، مناهج العقول ٣/٩٧، نشر البنود ٢/٢٢٥، المحصول ٢/٢/٣٦٥".
[ ٤ / ٣٣٩ ]
وَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ هُوَ "تَسْلِيمُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ" فِي الْحُكْمِ.
وَشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ١ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ جَوَابًا لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ٣ أَوْ غَيْرِهِ ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ٤ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةً - وَهِيَ الْعِزَّةُ - وَأَثْبَتَ بِهَا حُكْمًا - وَهُوَ الإِخْرَاجُ مِنْ الْمَدِينَةِ - رُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ٥ ثَابِتَةٌ، لَكِنْ لا٦ لِمَنْ أَرَادَ ثُبُوتَهَا٧ لَهُ، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِغَيْرِهِ، بَاقِيَةٌ عَلَى اقْتِضَائِهَا لِلْحُكْمِ، وَهُوَ الإِخْرَاجُ. فَالْعِزَّةُ مَوْجُودَةٌ، لَكِنْ لا لَهُ، بَلْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
_________________
(١) ١ في ش: في. ٢ الآية ٨ من المنافقون. انظر روايات أسباب نزولها في جامع البيان للطبري ٢٨/٧٢ وما بعدها. ٣ هو عبد الله بن أُبيّ بن مالك بن الحارث الخزرجي، وسلول أمه، كان رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة، أظهر إسلامه بعد وقعة بدر تقيّة، وكان كلما حلّت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، نزل في ذمّه آيات كثيرة، توفي سنة تسع من الهجرة، وصلى عليه النبي ﷺ، وكفّنه في قميصه قبل النهي عن الصلاة على المنافقين. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/٣٦٠، طرح التثريب١/٦٣، المحبر لابن حبيب ص ٢٣٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٣ ق ٢ ص ٦٠". ٤ الآية ٨ من المنافقون. ٥ ساقطة من ض. ٦ ساقطة من ش ض ب. ٧ في ش ض: غير ثبوتها.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا١: شِعْرًا٢:
وَإِخْوَانٍ حَسِبْتُهُمْ دُرُوعًا فَكَانُوهَا وَلَكِنْ لِلأَعَادِي
وَخِلْتُهُمْ سِهَامًا صَائِبَاتٍ فَكَانُوهَا وَلَكِنْ فِي فُؤَادِي
وَقَالُوا قَدْ صَفَتْ مِنَّا قُلُوبٌ لَقَدْ صَدَقُوا وَلَكِنْ مِنْ وِدَادِي
وَقَوْلُ الآخَرِ٣:
قُلْت ثَقَّلْتُ إذْ٤ أَتَيْتُ مِرَارًا قَالَ ثَقَّلْتَ كَاهِلِي بِالأَيَادِي
وَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ نَوْعٌ مِنْ بَدِيعِ الْكَلامِ٥
"وَأَنْوَاعُ ثَلاثَةٌ":
الأَوَّلُ: "أَنْ يَسْتَنْتِجَ مُسْتَدِلٌّ" مِنْ الدَّلِيلِ "مَا يَتَوَهَّمُهُ مَحَلَّ
_________________
(١) ١ الأبيات لعلي بن فضّال بن علي المُجاشعي القيرواني، إمام اللغة والنحو والتفسير والسير، المتوفى سنة ٤٧٩ هـ، نسبها له ياقوت في معجم الأدباء ١٤/٩٤ والحافظ ابن حجر في لسان الميزان ٤/٢٤٩، والسيوطي في بغية الوعاة ٢/١٨٣، وطبقات المفسرين ص ٢٥، وهي من شواهد القزويني في الإيضاح ص ٥٣٤. وتتمة الأبيات: وقالوا قدْ سعَينا كل سعيٍ لقد صدَقوا، ولكن في فسَادِي. انظر معاهد التنصيص ٣/١٨٦. ٢ ساقطة من ش. وفي ب: قول الشاع. ٣ ذكر العباسي في معاهد التنصيص ٣/١٨٠ أن هذا البيت منسوب لابن الحجاح، غير أنه لم يره في ديوانه ثم حكى أن ابن الجوزي صاحب مرآة الزمان نسبة لمحمد بن إبراهيم الأسدي. وهو من شواهد القزويني في الإيضاح ص ٥٣٣. ٤ في ز ض: إذا. ٥ انظر معاهد التنصيص ٣/١٨١، الإيضاح للقزويني ص ٥٣٢-٥٣٥.
[ ٤ / ٣٤١ ]
النِّزَاعِ أَوْ لازِمَهُ" أَيْ لازِمَ مَحَلِّ النِّزَاعِ "كَ١" قَوْلِهِ "الْقَتْلُ بِمُثَقَّلٍ قَتْلٌ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلا يُنَافِي الْقَوَدَ كَمُحَدَّدٍ" وَكَالْقَتْلِ بِالإِحْرَاقِ.
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ "عَدَمُ الْمُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلا لازِمَهُ" أَيْ لازِمَ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَأَنَا أَقُولُ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَلا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَيَّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ إبْطَالَ مَا يَتَوَهَّمُهُ" يَعْنِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَ إبْطَالَ مَا يَتَوَهَّمُهُ "مَأْخَذَ الْخَصْمِ، كَ" قَوْلِهِ أَيْضًا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ "التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لا يَمْنَعُ الْقَوَدَ، كَ" التَّفَاوُتِ فِي "مُتَوَسَّلٍ٢ إلَيْهِ٣".
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْخَصْمُ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ "لا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ مَانِعٍ٤" وَهُوَ كَوْنُ التَّفَاوُتِ فِي الْوَسِيلَةِ غَيْرَ مَانِعٍ "عَدَمُ كُلِّ مَانِعٍ" فَيَجُوزُ أَنْ لا يَجِبَ الْقَوَدُ لِمَانِعٍ آخَرَ "وَ" لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا "وُجُودُ٥ الشَّرْطِ" لِلْقَوَدِ "وَ" لا وُجُودُ "الْمُقْتَضِي" لَهُ.
"وَيُصَدَّقُ مُعْتَرِضٌ إنْ قَالَ: لَيْسَ ذَا" أَيْ مَا تَذْهَبُ إلَيْهِ
_________________
(١) ١ في ز: لـ. ٢ في ز: توسل. وفي ش: المتوسل. ٣ كأنواع الجراحات القاتلة، فإنه لا يمنعه وفاقًا. "مناهج العقول ٣/٩٨". ٤ في ز: المانع. ٥ في ش: جود.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
"مَأْخَذِي" أَيْ مَأْخَذَ إمَامِي عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ إمَامِهِ.
ثُمَّ لَوْ لَزِمَهُ إبْدَاءُ الْمَأْخَذِ: فَإِنْ مُكِّنَ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إبْطَالِهِ صَارَ١ مُعْتَرِضًا، وَإِلاَّ فَلا فَائِدَةَ.
وَقِيلَ: لا يُصَدَّقُ مُعْتَرِضٌ فِي قَوْلِهِ " لَيْسَ ذَا مَأْخَذِي " إلاَّ بِبَيَانِ مَأْخَذٍ آخَرَ.
وَقِيلَ: يُمَكَّنُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إبْطَالِهِ، فَإِنْ أَبْطَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِلاَّ انْقَطَعَ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَكْثَرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ٢ هَذَا الْقِسْمِ٣، أَيْ٤ الَّذِي يُسْتَنْتَجُ فِيهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ٥، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْمَآخِذِ، وَقِلَّةِ الْعَارِفِينَ بِهَذَا٦، وَ٧الْمُطَّلِعِينَ عَلَى أَسْرَارِهَا، بِخِلافِ مَحَالِّ الْخِلافِ، فَإِنَّ
_________________
(١) ١ في ض: كان. ٢ في ش: بموجب. ٣ منتهى السول والأمل ص ٢٠١، مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٧٩. ٤ ساقطة من ب. ٥ في ز: ذلك. ٦ كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب بها. ٧ في ش ب: أو.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
ذَلِكَ مَشْهُورٌ فَكَمْ مَنْ يَعْرِفُ مَحَلَّ الْخِلافِ، وَلَكِنْ لا يَعْرِفُ الْمَأْخَذَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ١ أَنْ يَسْكُتَ" الْمُسْتَدِلُّ "فِي دَلِيلِهِ عَنْ صُغْرَى قِيَاسِهِ. وَلَيْسَتْ" صُغْرَى قِيَاسِهِ "مَشْهُورَةً، كَ" قَوْلِ الْحَنْبَلِيِّ أَوْ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ "كُلُّ قُرْبَةٍ شَرْطُهَا النِّيَّةُ، وَيَسْكُتُ" عَنْ أَنْ يَقُولَ "وَالْوُضُوءُ قُرْبَةٌ".
"فَيُقَالُ" أَيْ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا مُسَلَّمٌ "أَقُولُ بِمُوجَبِهِ٢، وَلا يُنْتِجُ" ذَلِكَ مَا أَرَادَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ كَوْنِ الْوُضُوءِ٣ قُرْبَةً.
"وَلَوْ٤ ذَكَرَهَا" أَيْ ذَكَرَ الْمُسْتَدِلُّ صُغْرَى قِيَاسِهِ٥ "لَمْ يُرِدْ" الْمُعْتَرِضُ "إلاَّ مَنْعَهَا" بِأَنْ يَقُولَ: لا أُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ٦ قُرْبَةٌ٧.
وَيُشْتَرَطُ فِي صُغْرَى الْقِيَاسِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ
_________________
(١) ١ في ض ش: و. ٢ أي أن القربة يشترط فيها النية، ولا يلزم اشتراطها في الوضوء، لأن المقدمة الواحدة لا تنتج. "نشر البنود ٢/٢٢٨". ٣ في ض: الوصف. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش: قياسه "ولم أذكرها" بأن يقول: لا أسلم. أي ذكر المستدل صغرى قياسه. ٦ في ض: الوصف. ٧ بل هو للنظافة ولا قربة فيه. وهذا الإيراد خارج عن القول بالموجَب، لأن القول بالموجَب تسليم للدليل، وهذا منع له. "حاشية البناني ٢/٣١٨".
[ ٤ / ٣٤٤ ]
مَشْهُورَةٍ١، أَمَّا لَوْ كَانَتْ مَشْهُورَةً٢: فَإِنَّهَا تَكُونُ كَالْمَذْكُورَةِ، فَيُمْنَعُ٣ وَلا يَأْتِي٤ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ٥.
"وَجَوَابُ" النَّوْعِ "الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَوْ لازِمُهُ" أَيْ لازِمُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. كَمَا لَوْ قَالَ حَنْبَلِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ: لا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ٦ قِيَاسًا عَلَى الْحَرْبِيِّ.
فَيُقَالُ: بِالْمُوجَبِ؛ لأَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ بِهِ، وَقَوْلُكُمْ " لا يَجُوزُ " نَفْيٌ لِلإِبَاحَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ، وَنَفْيُهَا لَيْسَ نَفْيًا لِلْوُجُوبِ وَلا مُسْتَلْزِمًا لَهُ.
فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ٧: الْمَعْنِيُّ بِ٨ " لا يَجُوزُ " تَحْرِيمُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ نَفْيُ الْوُجُوبِ لاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ.
"وَجَوَابُ" النَّوْعِ "الثَّانِي: بِأَنْ يُبَيِّنَ"فِي الْمُسْتَنْتَجِ"أَنَّهُ
_________________
(١) ١ في ز: مشهودة. وهو تصحيف. ٢ قال في نشر البنود ٢/٢٢٨: "والمشهورة: ما كانت ضرورية أو متفقًا عليها بين الخصمين". ٣ أي فيكون له حينئذ منع الصغرى فقط، ولا يتأتى فيها القول بالموجَب. ٤ في ش ز: ولا يؤتى. ٥ في ش: الموجب. ٦ في ش: بالذمي كالحربي. ٧ في ش: الحنفي. ٨ ساقطة من ز.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
الْمَأْخَذُ لِشُهْرَتِهِ" بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
"وَجَوَابُ" النَّوْعِ "الثَّالِثِ: بِجَوَازِ الْحَذْفِ" لإِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمَحْذُوفِ، وَالْمَحْذُوفُ مُرَادٌ وَمَعْلُومٌ فَلا يَضُرُّ حَذْفُهُ، وَالدَّلِيلُ هُوَ الْمَجْمُوعُ لا الْمَذْكُورُ وَحْدَهُ. وَكُتُبُ الْفِقْهِ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ.
"وَيُجَابُ فِي الْكُلِّ" أَيْ فِي الأَنْوَاعِ الثَّلاثَةِ "بِقَرِينَةٍ أَوْ عَهْدٍ وَنَحْوِهِ".
[ ٤ / ٣٤٦ ]
"فَائِدَةٌ"
كَوْنُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ قَادِحًا فِي الْعِلَّةِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الآمِدِيُّ١ وَالْهِنْدِيُّ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ تَسْلِيمُ مُوجَبِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ الدَّلِيلِ، وَأَنَّهُ لا يَرْفَعُ الْخِلافَ عَلِمْنَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحُكْمِ.
وَنَازَعَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا٢ يُخْرِجُ لَفْظَ٣ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عَنْ٤ إجْرَائِهِ عَلَى قَضِيَّتِهِ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ٥ تَسْلِيمٌ لَهُ، وَهَذَا مَا اقْتَضَاهُ كَلامُ الْجَدَلِيِّينَ، وَإِلَيْهِمْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ لا يَتَّجِهُ عَدُّهُ مِنْ مُبْطِلاتِ الْعِلَّةِ٦. اهـ.
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام ٤/١٥١. ٢ في الإبهاج: هذا التقرير. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ز: عند. ٥ في الإبهاج: بموجب الدليل. ٦ الإبهاج شرح المنهاج ٣/٨٥.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
وَنُقِلَ عَنْ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّ١ فِي الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ انْقِطَاعًا لأَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ؛ لأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إنْ أَثْبَتَ مَا ادَّعَاهُ انْقَطَعَ الْمُعْتَرِضُ، وَمَا قَالُوهُ صَحِيحٌ فِي الْقِسْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ٢، وَهُوَ بَعِيدٌ فِي الْقِسْمِ٣ الثَّالِثِ؛ لاخْتِلافِ الْمُرَادَيْنِ؛ لأَنَّ مُرَادَ الْمُسْتَدِلِّ أَنَّ الصُّغْرَى - وَإِنْ كَانَتْ مَحْذُوفَةً لَفْظًا - فَإِنَّهَا مَذْكُورَةٌ تَقْدِيرًا وَالْمَجْمُوعُ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ٤.
وَمُرَادُ الْمُعْتَرِضِ: أَنَّ الْمَذْكُورَ لَمَّا كَانَتْ الْكُبْرَى وَحْدَهَا، وَهِيَ لا تُفِيدُ الْمَطْلُوبَ تَوَجَّهَ الاعْتِرَاضُ.
"وَ" مِثَالُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ "فِي الإِثْبَاتِ كَ " الْخَيْلُ حَيَوَانٌ يُسَابَقُ عَلَيْهِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ كَإِبِلٍ ". فَيُقَالُ بِمُوجَبِهِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ" أَيْ بِمُوجَبِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ. وَالنِّزَاعُ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ وَدَلِيلُكُمْ إنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْجُمْلَةِ٥، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ زَكَاةَ الْعَيْنِ فَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا٦ بِالْمُوجَبِ.
_________________
(١) ١ في ز: بأن. ٢ في ض: الأوليين. ٣ ساقطة من ض ب. ٤ انظر "تيسير التحرير ٤/١٢٦، شرح العضد ٢/٢٧٨، منتهى السول والأمل ص ٢٠١، فواتح الرحموت ٢/٣٥٧، مناهج العقول ٣/٩٩". ٥ أي إن السائل يقول: أقول بموجب هذه العلة. فإن الزكاة واجبة عندي في الخيل إذا كانت للتحارة. فإيجاب الزكاة من حيث الجملة أقول به، إنما النزاع في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل، فيسلِّم ما اقتضته العلة دون أن يضره ذلك في صورة النزاع. "شرح تنقيح الفصول ص ٤٠٢". ٦ في ض: قول.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
"فَيُجَابُ فَاللاَّمُ الْعَهْدِ١"؛ لأَنَّ الْعَهْدَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِنْسِ وَالْعُمُومِ "وَالسُّؤَالُ عَنْ زَكَاةِ السَّوْمِ" فَالْعِلَّةُ لَيْسَتْ مُنَاسِبَةً لِزَكَاةِ التِّجَارَةِ إنَّمَا الْمُنَاسِبُ الْمُقْتَضِي هُوَ النَّمَاءُ الْحَاصِلُ٢.
"وَيَصِحُّ" هَذَا الْمِثَالُ "فِي قَوْلٍ" جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ٣ وَغَيْرِهَا. "وَلا يَصِحُّ فِي آخَرَ"، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ لِوُجُودِ٤ اسْتِقْلالِ الْعِلَّةِ بِلَفْظِهَا.
"خَاتِمَةٌ": فِي تَعَدُّدِ الاعْتِرَاضَاتِ وَتَرْتِيبِهَا وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ
"تَرِدُ الأَسْئِلَةُ٥ عَلَى قِيَاسِ الدَّلالَةِ إلاَّ مَا تَعَلَّقَ بِمُنَاسَبَةِ الْجَامِعِ"؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِيهِ "وَكَذَا قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ".
"وَلا يَرِدُ عَلَيْهِ" أَيْضًا٦ "مَا تَعَلَّقَ بِنَفْسِ الْجَامِعِ" لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِيهِ. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَتَبِعَهُ فِي التَّحْرِير.
_________________
(١) ١ أي طريق المستدل في الدفع أن يقول: النزاع في زكاة العين، وقد عرفنا الزكاة بالألف واللام في سياق الكلام، فينصرف الكلام إلى موضع الخلاف ومحل الفتيا. "روضة الناظر ص ٣٥١". ٢ انظر الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٦١. ٣ روضة الناظر ص ٣٥١. ٤ في ش ز: لوجوب. ٥ في ش: وكذا قياس. ٦ ساقطة من ض ب.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
"وَمُنِعَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عِنْدَ الأَكْثَرِ "تَعَدُّدُ اعْتِرَاضَاتٍ" عَلَى الْمُسْتَدِلِّ "مُرَتَّبَةٍ"؛ لأَنَّ فِي تَعَدُّدِهَا١ تَسْلِيمًا لِلْمُقَدَّمِ؛ لأَنَّ الْمُعْتَرِضَ إذَا طَالَبَهُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ بَعْدَ أَنْ مَنَعَ وُجُودَ الْوَصْفِ فَقَدْ نَزَلَ عَنْ الْمَنْعِ وَسَلَّمَ وُجُودَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْمُقَدَّمُ؛ لأَنَّهُ لَوْ أَصَرَّ عَلَى مَنْعِ وُجُودِ٢ الْوَصْفِ لَمَّا طَالَبَهُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ؛ لأَنَّ تَأْثِيرَ مَا لا وُجُودَ لَهُ مُحَالٌ، فَلا يَسْتَحِقُّ الْمُعْتَرِضُ غَيْرَ جَوَابِ٣ الأَخِيرِ، فَيَتَعَيَّنُ الأَخِيرُ لِلْوُرُودِ٤ فَقَطْ.
وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ٥: لَوْ أَوْرَدَ النَّقْضَ٦ ثُمَّ مَنَعَ وُجُودَ الْعِلَّةِ: لَمْ يُقْبَلْ، لِتَسْلِيمِهِ لِلْمُتَقَدِّمِ.
وَعِنْدَ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَالْفَخْرِ إسْمَاعِيلَ وَالآمِدِيِّ٧ وَابْنِ الْحَاجِبِ٨ وَمَنْ وَافَقَهُمْ٩: لا يُمْنَعُ التَّعَدُّدُ فِي
_________________
(١) ١ في ش: ترتبها. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ض: وجوب. ٤ في ز: المورود. ٥ ساقطة من ض د. ٦ في ض: النص. وفي ب: بالنقض. ٧ الإحكام في أصول الأحكام ٤/١٥٩. ٨ منتهى السول والأمل ص ٢٠٢، مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٨٠. ٩ انظر فواتح الرحموت ٢/٣٥٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٩.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
الْمُرَتَّبَةِ؛ لأَنَّ تَسْلِيمَ الْمُتَقَدِّمِ تَسْلِيمٌ تَقْدِيرِيٌّ، إذْ مَعْنَاهُ: لَوْ سُلِّمَ وُجُودُ الْوَصْفِ فَلا نُسَلِّمُ تَأْثِيرَهُ. وَالتَّسْلِيمُ التَّقْدِيرِيُّ: لا يُنَافِي الْمَنْعَ، بِخِلافِ التَّسْلِيمِ تَحْقِيقًا.
قَالَ الْهِنْدِيُّ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْمُصَنَّفَاتِ١.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَتَرَتَّبُ الأَسْئِلَةُ، فَيُقَدَّمُ الاسْتِفْسَارُ ثُمَّ فَسَادُ الاعْتِبَارِ، ثُمَّ الْوَضْعُ، ثُمَّ مَا تَعَلَّقَ بِالأَصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةُ، ثُمَّ الْفَرْعُ. وَيُقَدَّمُ النَّقْضُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ٢.
وَأَوْجَبَ ابْنُ الْمَنِيّ تَرْتِيبَ الأَسْئِلَةِ، فَاخْتَارَ فَسَادَ الْوَضْعِ، ثُمَّ الاعْتِبَارَ، ثُمَّ الاسْتِفْسَارَ، ثُمَّ الْمَنْعَ، ثُمَّ الْمُطَالَبَةَ، وَهُوَ مَنْعُ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ، ثُمَّ الْفَرْقَ، ثُمَّ النَّقْضَ، ثُمَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ، ثُمَّ الْقَلْبَ، ثُمَّ رَدَّ التَّقْسِيمَ إلَى الاسْتِفْسَارِ، أَوْ الْفَرْقِ٣.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ الاسْتِفْسَارَ، لأَنَّ مَنْ لا يَعْرِفُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لا يَعْرِفُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ. ثُمَّ فَسَادُ الاعْتِبَارِ؛ لأَنَّهُ نَظَرٌ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَهُوَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِهِ. ثُمَّ فَسَادُ
_________________
(١) ١ ساقطة من د ض. ٢ انظر إرشاد الفحول ص ٢٣٤، نشر البنود ٢/٢٤٣. ٣ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٣٥١ ]
الْوَضْعِ١؛ لأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ، وَالنَّظَرُ فِي الأَعَمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الأَخَصِّ. ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الأَصْلِ، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلَّةِ، وَيُقَدَّمُ٢ النَّقْضُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ؛ لأَنَّ النَّقْضَ يُورَدُ لإِبْطَالِ الْعِلَّةِ، وَالْمُعَارَضَةُ تُورَدُ لاسْتِقْلالِهَا، وَالْعِلَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اسْتِقْلالِهَا٣.
"وَ" لا يُمْنَعُ تَعَدُّدُ اعْتِرَاضَاتٍ "غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ، وَلَوْ" كَانَتْ "مِنْ أَجْنَاسٍ"٤.
قَالَ الطُّوفِيُّ: وَتَرْتِيبُ الأَسْئِلَةِ -وَهُوَ جَعْلُ كُلِّ سُؤَالٍ فِي رُتْبَتِهِ عَلَى وَجْهٍ لا يُفْضِي بِالتَّعَرُّضِ إلَى الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ- أَوْلَى اتِّفَاقًا؛ لأَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ قَبِيحٌ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ: أَنْ يَكُونَ التَّحَرُّزُ٥ مِنْهُ٦ أَوْلَى. فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ نَفْيًا لِلْقُبْحِ الْمَذْكُورِ، وَنَفْيُ الْقُبْحِ وَاجِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ، نَظَرًا إلَى أَنَّ كُلَّ سُؤَالٍ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَجَوَابُهُ مُرْتَبِطٌ بِهِ. فَلا فَرْقَ إذَا٧ بَيَّنَ تَقَدُّمَهُ
_________________
(١) ١ في ض: الوضع لأنه نظر في فساد الوضع. ٢ في ش: ويقوم. ٣ في ز: متقدمة. ٤ انظر فواتح الرحموت ٢/٣٥٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٢٩. ٥ في ش: التجوز. ٦ في ش: عنه. ٧ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
وَتَأَخُّرَهُ. اهـ.
"وَ" حَيْثُ جَازَ التَّعَدُّدُ فَإِنَّهُ "يَكْفِي جَوَابُ آخِرِهَا".
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْمُنَى وَجُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ: إنَّهُ لا يُطَالِبُهُ بِطَرْدِ دَلِيلٍ١ إلاَّ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ دَلالَتِهِ فَلا يَنْقُضُهُ مَنْ سَلَّمَهُ٢ فَلا يُقْبَلُ الْمَنْعُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. اهـ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ أَسْئِلَةِ الْجَدَلِ وَأَسْئِلَةِ الاسْتِرْشَادِ، لا الْغَلَبَةِ وَالاسْتِزْلالِ٣، وَالْوَاجِبُ رَدُّ الْجَمِيعِ إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ٤ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ؛ وَإِلاَّ فَلَهُمْ مِنْ الْحِيَلِ وَالاصْطِلاحِ الْفَاسِدِ أَوْضَاعٌ، كَمَا لِلْفُقَهَاءِ وَالْحُكَّامِ فِي الْجَدَلِ الْحُكْمِيِّ أَوْضَاعٌ.
وَضَابِطُ الْمَنْعِ فِي الدَّلِيلِ عِنْدَ أَهْلِ الْجَدَلِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ قَبْلَ التَّمَامِ أَوْ بَعْدَهُ.
و٥َالأَوَّلُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ الْمُسْتَنَدِ٦، أَوْ مَعَ الْمُسْتَنَدِ٧، وَهُوَ الْمُنَاقَضَةُ٨، فَهِيَ مَنْعُ مُقَدِّمَةٍ مِنْ الدَّلِيلِ،
_________________
(١) ١ في ض ب: لا يطالبه أي غصب منصب التعليل بطرد ذلك. ٢ في ش ض ب: حتى يسلمه. ٣ في ش: الاستذلال. ٤ في ز: على. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: السند. ٧ في ش: السند. ٨ انظر معنى المناقضة اصطلاحًا في "الكليات للكفوي ٤/٢٦٤، التعريفات للجرجاني ص ١٢١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٥، حاشية الصبان على شرح آداب البحث ص ١٣".
[ ٤ / ٣٥٣ ]
سَوَاءٌ ذُكِرَ مَعَهَا مُسْتَنَدٌ١، أَوْ لا.
قَالَ الْجَدَلِيُّونَ: وَمُسْتَنَدُ الْمَنْعِ هُوَ مَا يَكُونُ الْمَنْعُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ٢، نَحْوَ: لا نُسَلِّمُ كَذَا، أَوْ لِمَ٣ لا يَكُونُ كَذَا، أَوْ لا نُسَلِّمُ لُزُومَ كَذَا؟ و٤َإِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ كَذَا
ثُمَّ إنْ احْتَجَّ لانْتِفَاءِ الْمُقَدِّمَةِ، فَيُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْغَصْبَ٥، أَيْ غَصْبَ مَنْصِبِ التَّعْلِيلِ٦، وَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ عِنْدَ النُّظَّارِ، لاسْتِلْزَامِهِ الْخَبْطَ فِي الْبَحْثِ.
نَعَمْ يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَرِضِ بَعْدَ إقَامَةِ الْمُسْتَدِلِّ الدَّلِيلَ، عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْعُ بَعْدَ تَمَامِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ مَنْعِ الدَّلِيلِ بِنَاءً عَلَى تَخَلُّفِ حُكْمِهِ٧، فَيُسَمَّى النَّقْضَ الإِجْمَالِيَّ٨؛
_________________
(١) ١ في ش: سند. ٢ ساقطة من ض. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ز: أو. ٥ انظر معنى الغصب في الجدل في "الكليات ٤/٢٦٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٥". ٦ ساقطة من ض. ٧ أي في صورة ما، بأن يقال: ما ذكر من الدليل غير صحيح لتخلف حكمه في كذا. "الكليات ٤/٢٦٤". ٨ انظر معنى النقض الإجمالي في "الكليات ٤/٢٦٤، التعريفات ص ١١٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٥".
[ ٤ / ٣٥٤ ]
لأَنَّ النَّقْضَ التَّفْصِيلِيَّ١: هُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الدَّلِيلِ لِلْقَدْحِ فِي مُقَدِّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ، بِخِلافِ الإِجْمَالِيِّ، فَإِنَّهُ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الدَّلِيلِ بِالْقَدْحِ٢ فِي مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ لا عَلَى التَّعْيِينِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ وَالاسْتِدْلالِ بِمَا يُنَافِي ثُبُوتَ الْمَدْلُولِ فَهُوَ الْمُعَارَضَةُ٣ فَهِيَ تَسْلِيمٌ لِلدَّلِيلِ فَلا يُسْمَعُ مِنْهُ بَعْدَهَا مَنْعٌ، فَضْلًا عَنْ سُؤَالِ الاسْتِفْسَارِ٤.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ٥: مَا ذَكَرْت مِنْ الدَّلِيلِ - وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَا تَدَّعِيهِ - فَعِنْدِي مَا يَنْفِيهِ، أَوْ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ. وَيُبَيِّنُهُ بِطَرِيقِهِ. فَهُوَ يَنْقَلِبُ مُسْتَدِلًاّ.
فَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْهُ بَعْضُهُمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ انْقِلابِ دَسْتِ الْمُنَاظَرَةِ٦،
_________________
(١) ١ انظر معنى النقض التفصيلي في "الكليات ٤/٢٦٤، التعريفات ص ١١٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٦". ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر معنى المعارضة اصطلاحًا في "الكليات للكفوي ٤/٢٦٥، التعريفات للجرجاني ص ١١٥، الكافية للجويني ص ٦٩، الحدود للباجي ص ٧٩، الجدل لابن عقيل ص ٧٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٣٦، حاشية الصبان على شرح آداب المحدث ص ١٣". ٤ في ش: السؤال للاستفسار. ٥ أي للمستدل في صورة المعارضة. ٦ في ش: المعارضة.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
إذْ يَصِيرُ الْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا؛ وَالْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًاّ، لَكِنَّ١ الصَّحِيحَ الْقَبُولُ: لأَنَّ ذَلِكَ بِنَاءٌ بِالْعَرْضِ٢، هَدْمٌ بِالذَّاتِ، فَالْمُسْتَدِلُّ مُدَّعٍ بِالذَّاتِ، مُعْتَرِضٌ بِالْعَرْضِ٣، وَالْمُعْتَرِضُ بِالْعَكْسِ، فَصَارَا كَالْمُتَخَالَفِينَ.
مِثَالُهُ: الْمَسْحُ رُكْنٌ فِي٤ الْوُضُوءِ، فَيُسَنُّ٥ تَثْلِيثُهُ كَالْوَجْهِ.
فَيُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ مَسْحٌ، فَلا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
نَعَمْ عَلَى الْمُعَلِّلِ دَفْعُ الاعْتِرَاضِ عَنْهُ بِدَلِيلٍ، وَلا يَكْفِيهِ الْمَنْعُ الْمُجَرَّدُ، فَإِنْ ذَكَرَ دَلِيلَهُ وَمَنَعَ ثَانِيًا، فَكَمَا سَبَقَ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ الأَمْرُ: إمَّا إلَى الإِفْحَامِ، أَوْ الإِلْزَامِ.
فَالإِفْحَامُ عِنْدَهُمْ: انْقِطَاعُ الْمُسْتَدِلِّ بِالْمَنْعِ أَوْ بِالْمُعَارَضَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي بِمَاذَا يَحْصُلُ الانْقِطَاعُ.
وَالإِلْزَامُ٦: انْتِهَاءُ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إلَى مُقَدِّمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ أَوْ يَقِينِيَّةٍ مَشْهُورَةٍ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ الاعْتِرَافُ٧ بِهَا، وَلا يُمْكِنُهُ الْجَحْدُ،
_________________
(١) ١ في ش: لكن الدليل. ٢ في ب ض ز: بالفرض. ٣ في ض ب ز: بالفرض. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش: فليس. ٦ انظر معنى الإلزام اصطلاحًا في الكافية للجويني ص ٧٠. ٧ في ش: الاعتراض.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
فَيَنْقَطِعُ بِذَلِكَ١.
فَإِذًا الإِلْزَامُ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ لِلْمُعْتَرِضِ، وَالإِفْحَامُ مِنْ الْمُعْتَرِضِ لِلْمُسْتَدِلِّ.
_________________
(١) ١ فمثال ما ينتهي إلى ضروري أن يقول المستدل: العالم حادث، وكل حادث له صانع. فيقول المعترض: لا أسلم الصغرى. فيدفع المستدل ذلك المنع بالدليل على حدوث العالم. فيقول: العالم متغير، وكل متغير حادث. فيقول المعترض: لا أسلم الصغرى. فيقول له المستدل: ثبت بالضرورة تغير العالم، وذلك لأن العالم قسمان: أعراض وأجرام. أما الأعراض فتغيرها مشاهد، كالتغير بالسكون والحركة وغيرهما، فلزم كونها حادثة. وأما الأجرام، فإنها ملازمة لها، وملازم الحادث حادث، فثبت حدوث العالم. ومثال ما ينتهي إلى المشهورة، وهي قضية يحكم العقل بها بواسطة اعتراف جميع الناس لمصلحة عامة أو غير ذلك، كأن يقال: هذا ضعيف، والضعيف ينبغي الإعطاء إليه. فيقول له المعترض: لا أسلم الكبرى. فيقول له المستدل: مراعاة الضعيف تحصل بالإعطاء إليه، والإعطاء إليه محمود عند جميع الناس، فمراعاة الضعيف محمودة عند جميع الناس، فينبغي حينئذ الإعطاء إليه. "حاشية البناني ٢/٣٣٧".
[ ٤ / ٣٥٧ ]