"بِكَسْرٍ وَفَتْحٍ" أَيْ بِكَسْرِ هَمْزَتِهَا وَفَتْحِهَا١ "تُفِيدُ٢ الْحَصْرَ" "نُطْقًا" أَيْ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ٣ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ الْمُنَى وَالْمُوَفَّقِ٤ وَالْفَخْرِ مِنَّا٥ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْقَاضِي٦ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيِّ وَالأَكْثَرُ فَهْمًا يُعْنَى بِالْمَفْهُومِ٧.
وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٨ وَالآمِدِيِّ٩ وَالطُّوفِيِّ١٠ -مِنْ أَصْحَابِنَا- وَمَنْ وَافَقَهُمْ: لا تُفِيدُ الْحَصْرَ نُطْقًا وَلا فَهْمًا، بَلْ تُؤَكِّدُ الإِثْبَاتَ
_________________
(١) ١ في ش: وفتحتها. ٢ في ع: تقييد. ٣ انظر "الإبهاج في شرح المنهاج ١/٢٢٧ وما بعدها، معترك الأقران ١/١٨٣ وما بعدها، المحصول ج١ ق١/٥٣٥، القواعد والفوائد الأصولية ص١٣٩، الإشارات للباجي ص٩٢، شرح تنقيح الفصول ص٥٧، نشر البنود ١/١٠٢، التمهيد للأسنوي ص٥٧، نهاية السول ١/٣٠٤، تيسير التحرير ١/١٠٢، ١٣٢". ٤ روضة الناظر ص٢٧١. ٥ ساقطة من ش. ٦ العدة ٢/٤٧٩. ٧ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص١٣٩، المسودة ص٣٥٤، المستصفى ٢/٢٠٦، التبصرة ص٢٣٩، اللمع ص٢٦، إرشاد الفحول ص١٨٢، الآيات البينات ٢/٤٢ وما بعدها. ٨ انظر: فواتح الرحموت ١/٤٣٤، تيسير التحرير ١/١٣٢. ٩ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٩٧. ١٠ مختصر الطوفي ص١٢٥.
[ ٣ / ٥١٥ ]
وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّانِ، وَقَالَ: كَمَا١ لا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِهَا الْمَكْفُوفَةِ٢ بِمَا٣ مِثْلَ: لَيْتَمَا، وَلَعَلَّمَا، وَإِذَا فُهِمَ مِنْ "إنَّمَا" حَصْرٌ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ السِّيَاقِ، لا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إمَامَ اللُّغَةِ ٤نَقَلَ عَنْ٥ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهَا تُفِيدُهُ لِجَوَازِ "إنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ" ٦ يَعْنِي٧ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ أَيْ كَمَالُهُ بِهَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ٨ لا بِهَيْئَتِهِ وَمَنْظَرِهِ.
ثُمَّ قَالَ نَعَمْ٩ لَهُمْ طُرُقٌ فِي إفَادَتِهَا الْحَصْرَ أَقْوَاهَا نَقْلُ أَهْلِ١٠ اللُّغَةِ واسْتِقْرَاءَ١١ اسْتِعْمَالاتِ الْعَرَبِ إيَّاهَا فِي ذَلِكَ، وَأَضعَفُهَا١٢ طَرِيقَةً الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ: أَنَّ "إنَّ" لِلإِثْبَاتِ وَ"مَا" لِلنَّفْيِ١٣، وَلا يَجْتَمِعَانِ، فَيُجْعَلُ الإِثْبَاتُ لِلْمَذْكُورِ وَالنَّفْيُ لِلْمَسْكُوتِ١٤
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ع: بم. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ز: إلى، وفي ب: عنه. ٦ انظر: الأمثال لأبي عبيد ص٩٨، لسان العرب ٤/٤٥٨، قال ابن منظور: ومعنى المثل أن المرء يعلو الأمور ويضبطها بجنانه ولسانه. ٧ ساقطة من ش. ٨ في ع ض ب: الوصفين. ٩ ساقطة من د. ١٠ في ش: عن أهل. ١١ في ش: استقرار. ١٢ في ش: وأصبعها. ١٣ في ش: استعمل للنفي. ١٤ المحصول ج١ ق١/٥٣٧.
[ ٣ / ٥١٦ ]
وَرُدَّ بِمَنْعِ كُلٍّ مِنْ الأَمْرَيْنِ؛ لأَنَّ "إنَّ" لِتَوْكِيدِ النِّسْبَةِ، نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا نَحْوَ إنَّ زَيْدًا قَامَ، وَإِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ، وَ"مَا" كَافَّةٌ لا نَافِيَةٌ عَلَى الْمُرَجَّحِ١، وَبِتَقْدِيرِ التَّسَلُّمِ: فَلا يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُ الْمَعْنَى فِي حَالَةِ الإِفْرَادِ أَوْ٢ حَالَةِ التَّرْكِيبِ.
قَالَ السَّكَّاكِيُّ: لَيْسَ الْحَصْرُ فِي "إنَّمَا" لِكَوْنِ "مَا" لِلنَّفْيِ، كَمَا يَفْهَمُهُ٣ مَنْ لا وُقُوفَ لَهُ عَلَى النَّحْوِ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ لَكَانَ لَهَا الصَّدْرُ٤.
ثُمَّ حَكَى عَنْ الرَّبَعِيِّ٥: "أَنَّ"٦ إنَّ لِتَأْكِيدِ٧ إثْبَاتِ الْمُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ، وَ"مَا" مُؤَكِّدَةٌ فَنَاسَبَ مَعْنَى الْحَصْرِ٨.
دلِيلُ الْقَائِلِ بِالْحَصْرِ: تَبَادُرُ الْفَهْمِ بِلا دَلِيلٍ.
وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى إبَاحَةِ رِبَا الْفَضْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ٩ وَشَاعَ فِي الصَّحَابَةِ
_________________
(١) ١ في ز: الأرجح. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: يفهمها، وفي مفتاح العلوم: يظنه. ٤ في ش: يفهمها، وفي مفتاح العلوم: يظنه. ٥ هو علي بن عيسى بن الفرج بن صالح الربعي، أبو الحسن، أحد أئمة النحويين وحذاقهم، صاحب التصانيف الحسان كـ"شرح الإيضاح" و"البديع" و"شرح البلغة" و"شرح مختصر الجرمي" توفي سنة ٤٢٠ هـ "انظر ترجمته في بغية الوعاة ٢/١٨١، معجم الأدباء ١٤/٧٨، إنباه الرواة ٢/٢٩٧ن مفتاح العلوم ص١٢٦". ٦ زيادة يقتضيها السياق. ٧ في سائر النسخ: للتأكيد. ٨ مفتاح العلوم ص١٢٦. ٩ هذا لفظ مسلم. "انظر صحيح مسلم ٣/١٢١٨"، أما البخاري فلم يخرجه بهذا اللفظ، وإنما أخرجه بلفظ "لا ربا إلا في النسيئة" "صحيح البخاري ٣/٩٨".
[ ٣ / ٥١٧ ]
وَلَمْ١ يُنْكَرْ، وَعَدَلَ إلَى دَلِيلٍ.
لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُسَامَةَ بِلَفْظِ: "لَيْسَ الرِّبَا إلاَّ فِي النَّسِيئَةِ" كَمَا فِي مُسْلِمٍ٢. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُسْتَنَدُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ قَدْ رَوَوْا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا وَافَقُوهُ كَانَ كَالإِجْمَاعِ.
"وَقَدْ" "تَرِدُ" إنَّمَا "لِتَحْقِيقِ مَنْصُوصٍ، لا لِنَفْيِ غَيْرِهِ" نَحْوُ "إنَّمَا الْكَرِيمُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ".
"وَ" لَفْظُ "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" يُفِيدُ الْحَصْرَ نُطْقًا٣؛ لأَنَّهُ مُضَافٌ إلَى ضَمِيرٍ٤ عَائِدٍ إلَى الصَّلاةِ، وَفِيهَا السَّلامُ٥.
وَبِهِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى تَعْيِينِ لَفْظَيْ٦ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ بِقَوْلِهِ ﷺ:
"تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ٧" وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ لِمَنْعِهِمْ الْمَفَاهِيمَ
_________________
(١) ١ في ض: فلم. ٢ الحديث بهذا اللفظ غير موجود في صحيح مسلم، وقد روى مسلم نحوه عن أسامة بن زيد مرفوعًا "لا ربا فيما كان يدًا بيد". "صحيح مسلم ٣/١٢١٨" وروى البخاري والنسائي عن أسامة مرفوعًا "لا ربا إلا في النسيئة" "صحيح البخاري ٣/٩٨، سنن النسائي ٢٤٧". ٣ انظر: نشر البنود ١/١٠٢ن البرهان ١/٤٧٨، روضة الناظر ص٢٧٢، المسودة ص٣٦٣، شرح تنقيح الفصول ص٥٧ وما بعدها، المستصفى ٢/٢٠٧. ٤ في ش: مميز. ٥ في ش: اللام. ٦ في ع: لفظتي. ٧ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وإسحاق وابن شيبة والبزار عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا، وأخرجه الحاكم وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. "انظر: بذل المجهود ١/١٥٣، عارضة الأحوذي ١/١٥، سنن ابن ماجه ١/١٠١، المستدرك ١/١٣٢، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١/١٢٦، شرح السنة للبغوي ٣/١٧ن مسند الإمام أحمد ١/١٢٣، ١٢٩".
[ ٣ / ٥١٨ ]
وَرُدَّ بِأَنَّ التَّعْيِينَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْحَصْرِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ مُنْحَصِرٌ فِي التَّكْبِيرِ كَانْحِصَارِ زَيْدٍ فِي صَدَاقَتِك، إذَا قُلْت: صَدِيقِي زَيْدٌ١.
أَمَّا إذَا كَانَ الْخَبَرُ نَكِرَةً، نَحْوَ زَيْدٌ قَائِمٌ، فَالأَصَحُّ أَنَّهَا لا تُفِيدُ الْحَصْرَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" ٢ فَإِنَّهُ لا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَيْضًا جُنَّةً٣.
"وَ"لَفْظُ "صَدِيقِي" زَيْدٌ "أَوْ الْعَالِمُ زَيْدٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ" كَقَوْلِك: الْقَائِمُ زَيْدٌ "وَلا قَرِينَةَ عَهْدٍ يفِيدُ٤ الْحَصْرَ نُطْقًا" مِنْ صِيَغِ الْحَصْرِ الْمُعْتَبَرِ، مَفْهُومُهُ حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ٥.
وَلَهُ َصِيغَتَانِ٦:
إحْدَاهُمَا: نَحْوُ صَدِيقِي زَيْدٌ قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ "صَدِيقِي" عَامٌّ، فَإِذَا أُخْبِرَ٧ عَنْهُ بِخَاصٍّ -وَهُوَ زَيْدٌ- كَانَ حَصْرًا لِذَلِكَ الْعَامِّ، وَهُوَ الأَصْدِقَاءُ كُلُّهُمْ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ زَيْدٌ، إذْ لَوْ بَقِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخَبَرِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ أَعَمَّ مِنْ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ لا يَجُوزُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: لا لُغَةً وَلا عَقْلًا، فَلا تَقُولُ: الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ٨، وَلا الزَّوْجُ
_________________
(١) ١ انظر: البرهان ١/٤٨٠، شرح تنقيح الفصول ص٥٨. ٢ أخرجه البخاري ومسل والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده. "انظر: صحيح البخاري ٣/٣١، صحيح مسلم ٢/٨٠٦، الموطأ ١/٣١٠، سنن النسائي ٤/١٣٥، سنن ابن ماجه ١/٥٢٥، عارضة الأحوذي ٣/٢٩٤، مسند الإمام أحمد ١/١٩٦، ٣/٣٤١، ٣٩٦، ٣٩٩". ٣ شرح تنقيح الفصول ص٥٩. ٤ في ش ض: تفيد. ٥ انظر شرح تنقيح الفصول ص٥٨، البرهان ١/٤٨٠. ٦ في ش: صورتان وصيغتان. ٧ في ش: حصر. ٨ في ع ب: الإنسان حيوان.
[ ٣ / ٥١٩ ]
عَشَرَةٌ، بَلْ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ أَخَصَّ أَوْ مُسَاوِيًا١.
وَالصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَالِمُ زَيْدٌ وَنَحْوُهُ، كَالْقَائِمِ زَيْدٌ، إذَا جُعِلَتْ اللاَّمُ لِلْحَقِيقَةِ أَوْ لِلاسْتِغْرَاقِ لا لِلْعَهْدِ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَالصِّيَغِ الَّتِي قَبْلَهُمَا٢.
"وَيَحْصُلُ حَصْرٌ" أَيْضًا "بِنَفْيٍ"٣ سَوَاءٌ كَانَ النَّفْيُ بِمَا أَوْ بِغَيْرِهَا٤، كَلا، وَلَمْ، وَإِنْ، وَلَيْسَ "وَنَحْوُهُ" أَيْ نَحْوُ النَّفْيِ، كَالاسْتِفْهَامِ "وَاسْتِثْنَاءٌ تَامٌّ وَمُفَرَّغٌ٥، وَفَصْلُ مُبْتَدَأٍ مِنْ خَبَرٍ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ"٦.
فَمِثَالُ النَّفْيِ: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ٧ يُبَيَّتُ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ٨ ".
وَمِثَالُ نَحْوِ النَّفْيِ، وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ٩﴾ ١٠.
وَمِثَالُ الاسْتِثْنَاءِ: لا إلَه إلاَّ اللَّهُ، وَمَا لِي سِوَى١١ اللَّهِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ٢/٢٠٧، فواتح الرحموت ١/٤٣٤، شرح العضد ٢/١٨٣، إرشاد الفحول ص١٨٢، الإحكام للآمدي ١/٩٨، نهاية السول ١/٣٠٥، تيسير التحرير ١/١٠٢، ١٣٤. ٢ في ش: قبلهما. ٣ انظر: معترك الأقران ١/١٨٢ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص٥٧، نشر البنود ١/١٠٢، الإحكام للآمدي ٣/٩٩، إرشاد الفحول ص١٨٢. ٤ في ع: غيرها. ٥ معترك الأقران ١/١٨٢ وما بعدها. ٦ معترك الأقران ١/١٨٦. ٧ في ش: لا. ٨ سبق تخريجه في ج١ ص٢١٠. ٩ في ش: الظالمون. ١٠ الآية ٣٥ من الأحقاف. ١١ في ش: إله سوى.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
رَضِيت بِك اللَّهُمَّ رَبًّا فَلَنْ أُرَى أَدِينُ إلَهًا غَيْرَك اللَّهَ وَاحِدًا
وَمِثَالُ فَصْلِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْخَبَرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ ١ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْقَ إلاَّ لِلإِعْلامِ بِأَنَّهُمْ الْغَالِبُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ٢.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ٣ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ٤ ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥ وَلأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوضَعْ إلاَّ لِلإِفَادَةِ، وَلا فَائِدَةَ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى:٦ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ﴾ ٧ سِوَى الْحَصْرِ.
"وَيُفِيدُ الاخْتِصَاصَ" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ٨ مُقَدَّمٌ لِيُفِيدَ "وَهُوَ الْحَصْرُ" جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ٩ "تَقْدِيمُ" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُفِيدُ "الْمَعْمُولِ"١٠ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١١ أَيْ نَخُصُّك بِالْعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَهَذَا١٢ مَعْنَى الْحَصْرِ.
_________________
(١) ١ الآية ١٧٣ من الصافات. ٢ في ش: قومهم. ٣ في ز ض ب: المشركين. ٤ الآية ٤٣ من غافر. ٥ الآية ٥ من الشورى. ٦ ساقطة من ع ز ب. ٧ الآية ٧٦ من الزخرف. ٨ في ش: مضاف. ٩ في ش: وفاعله و. ١٠ انظر: معترك الأقران ١/١٨٩ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص٥٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ١/٢٥٦، الآيات البينات ٢/٤٢. ١١ الآية ٥ من الفاتحة. ١٢ في ش: وهو.
[ ٣ / ٥٢١ ]
وَسَوَاءٌ فِي الْمَعْمُولِ الْمَفْعُولُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وَالْحَالُ وَالظَّرْفُ وَالْخَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُبْتَدَأِ، نَحْوُ تَمِيمِيٌّ أَنَا وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ١ الْمَثَلِ السَّائِرِ٢.
وَأَنْكَرَهُ صَاحِبُ٣ الْفَلَكِ الدَّائِرِ، وَقَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ٤.
وَإِنْكَارُهُ عَجِيبٌ، فَكَلامُ الْبَيَانِيِّينَ طَافِحٌ بِهِ، وَبِهِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا٥ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ٦ عَلَى تَعْيِينِ لَفْظَيْ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ، بِقَوْلِهِ ﷺ: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" وَهُوَ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ قَالَهُ الْبَيَانِيُّونَ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَبُو حَيَّانَ، فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ: إنَّ تَوَهُّمَ النَّاسِ لِذَلِكَ وَهَمٌ، وَتَمَسُّكَهُمْ بِنَحْوِ ﴿بَلْ ٧ اللَّهَ
_________________
(١) ١ هو ضياء الدين، نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الشيباني الجزري، أبو الفتح، الكاتب البليغ. قال ابن العماد: "انتهت إليه كتابة الإنشاء والترسل". اشتغل بالفنون المختلفة، ولكن غلبت عليه العلوم الأدبية، وصنف فيها تصانيف مشهورة منها "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" و"الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور" و"والرسائل البديعة" توفي سنة ٦٣٧ هـ، "انظر ترجمته في طبقات الشافعية للأسنوي ١/١٣٣، شذرات الذهب ٥/١٨٧، بغية الوعاة ٢/٣١٥، وفيات الأعيان ٥/٢٥". ٢ المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ٢/٣٨ وما بعدها. ٣ هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد المدائني المعتزلي، عز الدين، أبو حامد، أحد غلاة الشيعة، كان أديبًا متضلعًا في فنون الأدب متقنًا لعلوم اللسان، شاعرًا مجيدًا، متكلمًا جدليًا نظارًا، من كتبه "شرح نهج البلاغة" و"الفلك الدائر على المثل السائر" و"الحواشي على المفصل". توفي سنة ٦٥٥هـ وقيل غير ذلك. "انظر ترجمته في البداية والنهاية ١٣/١٩٩، فوات الوفيات ٢/٢٥٩، ذيل مرآة الزمان ١/٦٢، روضات الجنات للخوانساري ٥/٢٠". ٤ الفلك الدائر على المثل السائر ص٢٥٠. ٥ المغني لابن قدامة ١/٥٠٥، الشرح الكبير على المقنع ١/٥٠٥، كشاف القناع ١/٣٨٥. ٦ المهذب للشيرازي ١/٧٧، شرح السنة للبغوي ٣/١٨، المجموع للنووي ٣/٢٨٩. ٧ في ش: بل هم.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
فَاعْبُدْ﴾ ١ ضَعِيفٌ لِوُرُودِ ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ﴾ ٢ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْمُؤَخَّرَ يُفِيدُ عَدَمَ الْحَصْرِ، لكَوْنِهِ٣ يَقْتَضِيهِ.
وَأُجِيبَ: لا يَسْتَلْزِمُ حَصْرًا وَلا ٤عَدَمَهُ وَلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إفَادَةِ٥ الْحَصْرِ إفَادَةُ نَفْيِهِ لا سِيَّمَا وَ"مُخْلِصًا" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ ٦ مُغْنٍ عَنْ إفَادَةِ الْحَصْرِ٧.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي أَوَّلِ٨ تَفْسِيرِهِ٩ فِي رَدِّ دَعْوَى الاخْتِصَاصِ: إنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ١٠، فَهُوَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَمَا فِي ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَضَرَبَ عَمْرًا زَيْدٌ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا لا يَدُلُّ عَلَى الاخْتِصَاصِ، فَكَذَلِكَ مِثَالُنَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَشْبِيهَ سِيبَوَيْهِ إنَّمَا هُوَ١١ فِي أَصْلِ الإِسْنَادِ، وَأَنَّ التَّقْدِيمَ يُشْعِرُ بِالاهْتِمَامِ وَالاعْتِنَاءِ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الاخْتِصَاصِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَلَكِ الدَّائِرِ١٢: الْحَقُّ أَنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَى الاخْتِصَاصِ إلاَّ
_________________
(١) ١ الآية ٦٦ من الزمر. ٢ الآية ٢ من الزمر. ٣ في ش: بكونه. ٤ في ش: عدم إفادة الحصر إفادة حصره. ٥ ساقطة من ض. ٦ الآية ٢ من الزمر. ٧ معترك الأقران ١/١٩٠. ٨ ساقطة من ش. ٩ البحر المحيط لأبي حيان ١/١٦. ١٠ في ض: والغاية. ١١ في ز: هو على، وفي ش: هو في. ١٢ الفلك الدائر على المثل السائر ص٢٥٧ وما بعدها.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
بِالْقَرَائِنِ، وَالأَكْثَرُ فِي الْقُرْآنِ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الاخْتِصَاصِ نَحْوَ: ﴿إنَّ لَك أَنْ لا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ ١ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ، فَإِنَّ حَوَّاءَ كَذَلِكَ.
وَكَوْنُ الاخْتِصَاصِ هُوَ الْحَصْرَ -كَمَا فِي الْمَتْنِ- هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَخَالَفَ السُّبْكِيُّ٢، فَقَالَ: لَيْسَ مَعْنَى الاخْتِصَاصِ الْحَصْرَ، خِلافًا لِمَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ لأَنَّ الْفُضَلاءَ -كَالزَّمَخْشَرِيِّ٣- لَمْ يُعَبِّرُوا فِي نَحْوِ ذَلِكَ إلاَّ بِالاخْتِصَاصِ. اهـ.
"وَأَقْوَاهَا" أَيْ أَقْوَى الْمَفَاهِيمِ "اسْتِثْنَاءٌ، فَ٤" يَلِيهِ "حَصْرٌ بِنَفْيٍ، فَ٥" يَلِيهِ "مَا قِيلَ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ، فَ٦" يَلِيهِ "حَصْرُ مُبْتَدَأٍ" فِي خَبَرٍ "فَ٧" يَلِيهِ "شَرْطٌ، فَصِفَةٌ مُنَاسِبَةٌ، فَ" صِفَةٌ هِيَ "عِلَّةٌ، فَغَيْرُهَا" أَيْ فَصِفَةٌ غَيْرُ عِلَّةٍ "فَعَدَدٌ، فَتَقْدِيمُ مَعْمُولٍ" وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ الآية ١١٨ من طه. ٢ المراد به الوالد "تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي السبكي" في كتابه "الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص". "انظر جمع الجوامع وحاشية الآيات البينات للعبادي عليه ٢/٤٢، معترك الأقران للسيوطي ١/١٩١، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ١٠/٣٠٤". ٣ في الكشاف "٤/١١٢" حيث قال في قوله تعالى في أول سورة التغابن ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾: قدم الظرفان ليدل بتقديمها على معنى اختصاص الملك والحمد بالله ﷿". ٤ في ش ع ض ب: و. ٥ في ش ب: و. ٦ في ش ض: و. ٧ في ش: و.
[ ٣ / ٥٢٤ ]