فَصْلٌ: "لا تَعَارُضَ ١ بَيْنَ فِعْلَيْه"ِ
أَيْ: فِعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ تَمَاثَلا، كَمَا لَوْ فَعَلَ صَلاةً، ثُمَّ فَعَلَهَا مَرَّةً أُخْرَى فِي وَقْتٍ آخَرَ٢ "وَ" كَذَا "لَوْ اخْتَلَفَا" وَأَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا. كَفِعْلِ صَوْمٍ وَفِعْلِ صَلاةٍ "أَوْ لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا، لَكِنْ لا يَتَنَاقَضُ حُكْمَاهُمَا" لإِمْكَانِ الْجَمْعِ. وَحَيْثُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ امْتَنَعَ التَّعَارُضُ٣.
"وَكَذَا إنْ تَنَاقَضَ" الْحُكْمُ "كَصَوْمِ" رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي "وَقْتٍ" بِعَيْنِهِ "وَفِطْرٍ" هـ فِي "مِثْلِه"ِ فَإِنَّهُمَا لا يَتَعَارَضَانِ أَيْضًا، لإِمْكَانِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَفِي الْوَقْتِ الآخَرِ بِخِلافِهِ٤.
"لَكِنْ إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ" فِعْلِهِ٥ "الأَوَّلِ لَهُ" أَيْ عَلَى وُجُوبِ
_________________
(١) ١ قال الإسنوي: "التعارض بين الأمرين هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه". "نهاية السول ٢/ ٢٥١". وانظر: "البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، تيسير التحرير ٣/ ١٣٦، المصباح المنير ٢/ ٥١٦". ٢ لأن الفعل لا عموم له فلا يشمل جميع الأوقات المستقبلة، ولا يدل على التكرار، وهو قول جمهور الأصوليين. "انظر: نهاية السول ٢/ ٢٥١، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٤، المعتمد ١/ ٣٨٨، إرشاد الفحول ص ٣٨". ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٠، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٤، نهاية السول ٢/ ٢٥١، المعتمد ١/ ٢٨٩، تيسير التحرير ٣/ ١٤٧، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٦. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٠، المنخول ص ٢٢٧. ٥ في ض: فعل.
[ ٢ / ١٩٨ ]
تَكَرُّرِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ ﷺ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ "أَوْ" دَلَّ دَلِيلٌ "لأُمَّتِه"ِ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي١ مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ "فَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ" أَيْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْفِطْرُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصَّوْمِ، دَلَّ أَكْلُهُ٢ عَلَى نَسْخِ دَلِيلِ تَكْرَارِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ، لا نَسْخِ حُكْمِ الصَّوْمِ السَّابِقِ، لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ. وَرَفْعُ حُكْمٍ وُجِدَ مُحَالٌ٣ أَوْ "أَقَرَّ آكِلًا فِي مِثْلِهِ" أَيْ فِي٤ مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ: "فَنَسْخٌ"، لِدَلِيلِ تَعْمِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الأُمَّةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ، أَوْ تَخْصِيصِهِ٥.
وَقَدْ يُطْلَقُ النَّسْخُ وَالتَّخْصِيصُ عَلَى الْمَعْنَى، بِمَعْنَى زَوَالِ التَّعَبُّدِ مَجَازًا٦.
وَقِيلَ فِي فِعْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُخْتَلِفَيْنِ: إنَّهُ إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ. فَالثَّانِي٧ نَاسِخٌ، ٨وَلا تَعَارُضَ٩ وَإِلاَّ تَعَارَضَا، وَعُدِلَ إلَى الْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ٩.
وَحَيْثُ انْتَهَى الْقَوْلُ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ فِعْلاهُ ﷺ، فَلْنَشْرَعْ الآنَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي خِلافَ مَا يَقْتَضِيهِ الآخَرُ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. ٢ في ع: كله. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٠، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٦. ٤ ساقطة من ش ب ز ع. ٥ يقول الآمدي: "فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك الدليل أو تخصيصه". الإحكام للآمدي ١/ ١٩٠. وانظر: التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٦، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٤. ٦ انظر: الإحكام للآمدي. المرجع السابق، التفتازاني على ابن الحاجب، المرجع السابق. ٧ في ش: النافي. وفي ز: فالتالي. ٨ ساقطة من ش ب ز ع. ٩ وقيل يثبت التخيير. "انظر: إرشاد الفحول ص ٣٨".
[ ٢ / ١٩٩ ]
وَتَنْحَصِرُ مَسَائِلُ ذَلِكَ فِي اثْنَتَيْنِ١ وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً. وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ لا يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي، أَوْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَى الأَوَّلِ، وَهُوَ التَّكْرَارُ، دُونَ الثَّانِي وَهُوَ التَّأَسِّي، أَوْ يَدُلَّ عَلَى الثَّانِي وَحْدَهُ، وَهُوَ التَّأَسِّي دُونَ الأَوَّلِ، وَهُوَ التَّكْرَارُ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، كُلٌّ مِنْ الأَرْبَعَةِ يَتَنَوَّعُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا، فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ اثْنَتَيْنِ٢ وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً٣؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، أَوْ خَاصًّا بِنَا، أَوْ عَامًّا لَهُ وَلَنَا.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ ذَلِكَ لا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفِعْلِ، وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ، أَوْ مَجْهُولَ التَّارِيخِ. فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ حَصَلَتْ مِنْ ضَرْبِ ثَلاثَةٍ فِي ثَلاثَةٍ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْهَا لا يَخْلُو٤ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي حَقِّهِ، أَوْ فِي حَقِّنَا. فَهَذِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا مَضْرُوبَةٌ فِي الأَرْبَعَةِ الأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ. فَتَصِيرُ اثْنَتَيْنِ٥ وَسَبْعِينَ مَسْأَلَةً تُؤْخَذُ مِنْ مَنْطُوقِ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ وَمَفْهُومِهِمَا٦.
"وَحَيْثُ" عَلِمْتَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ "لا" تَعَارُضَ "فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، حَيْثُ لا دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ" فِي حَقِّهِ ﷺ "وَلا تَأَسٍّ بِه"ِ. وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الأَوَّلُ "وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ" أَيْ "وَ"الْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَالْحَالُ أَيْضًا
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: اثنين. وهي خطأ. ٢ في جميع النسخ: اثنين. وهي خطأ. ٣ ساقطة من ض ب. ٤ في ض: لا يكون. ٥ في جميع النسخ: اثنين. وهي خطأ. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، نهاية السول ٢/ ٢٤٩، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٢ وما بعدها، جمع الجوامع ٢/ ٩٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٦، تيسير التحرير ٣/ ١٤٨، المعتمد ١/ ٣٨٩ وما بعدها، إرشاد الفحول ص ٣٩.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
أَنَّ الْقَوْلَ "تَأَخَّرَ" عَنْ الْفِعْلِ١.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فِي وَقْتٍ، ثُمَّ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: لا يَجُوزُ لِي مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ٢.
وَوَجْهُ عَدَمِ التَّعَارُضِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ أُمَّتِهِ جَمِيعًا: كَوْنُ الْجَمْعِ٣ مُمْكِنًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَلَمْ يَكُنْ رَافِعًا لِحُكْمٍ فِي الْمَاضِي وَلا فِي الْمُسْتَقْبَلِ٤.
أَمَّا عَدَمُ التَّعَارُضِ فِي حَقِّهِ: فَلأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الزَّمَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ، وَالْفِعْلُ أَيْضًا: لَمْ يَتَنَاوَلْ الزَّمَانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْقَوْلُ. فَلا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِحُكْمِ الآخَرِ.
وَأَمَّا عَدَمُ التَّعَارُضِ فِي حَقِّ الأُمَّةِ: فَظَاهِرٌ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَعَلُّقٌ بِالأُمَّةِ.
"لَكِنْ إنْ تَقَدَّمَ" الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ. كَمَا لَوْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَجِبُ عَلَيَّ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا٥. وَتَلَبَّسَ٦ بِضِدِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ "فَالْفِعْلُ" الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ "نَاسِخٌ" لِحُكْمِ قَوْلِهِ السَّابِقِ لِجَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ عَلَى الصَّحِيحِ٧.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي المرجع السابق، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، المعتمد ١/ ٣٩٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣٥، تيسير التحرير ٣/ ١٤٨، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، نهاية السول ٢/ ٢٥٣، حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، إرشاد الفحول ص ٣٩. ٣ في ض: الجميع. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، المعتمد ١/ ٣٩١. ٥ في ش: الوقت. ٦ في ز ض ب ع: ويتلبس. ٧ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، المعتمد ١/ ٣٩٠، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٣، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣١ تيسير التحرير ٣/ ١٤٨، إرشاد الفحول ص ٣٩.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَذَكَرَ الأَصْفَهَانِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ": أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفِعْلُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لِلْقَوْلِ، إلاَّ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكْرَارِ١ مُقْتَضَى الْقَوْلِ. فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا لِتَكَرُّرِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ٢، وَلا ابْنُ مُفْلِحٍ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَتَابَعْتُهُمَا.
"وَإِنْ جُهِلَ" هَلْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ عَلَى الْقَوْلِ، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ "وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ" دُونَ الْفِعْلِ؛ لأَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى دَلالَةً مِنْ الْفِعْلِ لِوَضْعِهِ لَهَا، وَلِعَدَمِ الاخْتِلافِ فِي كَوْنِهِ دَالًاّ، وَلِدَلالَتِهِ٣ عَلَى الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ بِلا وَاسِطَةٍ، وَلأَنَّ الْقَوْلَ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْقُولِ وَالْمَحْسُوسِ. فَيَكُونُ أَعَمَّ فَائِدَةً٤
"وَلا" تَعَارُضَ فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِه: حَيْثُ لا دَلِيلَ عَلَى تَكْرَارِ٥ وَتَأَسٍّ٦ "إنْ اخْتَصَّ الْقَوْلُ بِنَا مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ، أَوْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ عَلَى الْقَوْلِ، أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُ٧،
_________________
(١) ١ في ش ز: تكرر. ٢ مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٦، وقال التفتازاني: "فالمصنف لم يتعرض له، لأنه يذكر في نظيره من القسم الرابع ما يعلم به حكمه". "حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧". ٣ في ض: والدلالة. ٤ انظر: نهاية السول ٢/ ٢٥٤، المعتمد ١/ ٣٩٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣٤، تيسير التحرير ٣/ ١٤٨. ٥ في ز ش: تكرر. ٦ في ض ب ع: ولا تأس. ٧ ساقطة من ب. وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، نهاية السول ٢/ ٢٥٣، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، إرشاد الفحول ص ٤٠.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
"أَوْ عَمَّ" الْقَوْلُ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ وَلا بِنَا "وَ" الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ "تَقَدَّمَ الْفِعْلُ١".
أَمَّا كَوْنُهُ لا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ ﷺ: فَلِعَدَمِ٢ وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ٣.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّ الأُمَّةِ: فَلأَنَّ الْقَوْلَ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَ وُقُوعِ التَّأَسِّي بِهِ٤، وَبَعْدَ وُقُوعِ التَّأَسِّي يَكُونُ نَاسِخًا لِلتَّكْرَارِ فِي حَقِّهِمْ إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِمْ. قَالَهُ الأَصْفَهَانِيُّ.
"وَلا" تَعَارُضَ "فِي حَقِّنَا إنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ" وَيَكُونُ الْفِعْلُ نَاسِخًا فِي حَقِّهِ لِلْقَوْلِ السَّابِقِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ٥ "وَهُو"َ أَيْ وَ٦حُكْمُ ذَلِكَ "ك" قَوْلٍ "خَاصٍّ بِهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْعَامُّ" أَيْ الْعُمُومُ "ظَاهِرًا فِيهِ" أَيْ فِي الْقَوْلِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ يَتَنَاوَلُهُ٧ الْقَوْلُ ظَاهِرًا "فَالْفِعْلُ" الْمُتَأَخِّرُ "تَخْصِيصٌ" لِعُمُومِ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٨. وَأَمَّا فِي حَقِّ الأُمَّةِ: فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ٩ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَنَسْخٌ، وَإِلاَّ فَتَخْصِيصٌ١٠.
_________________
(١) ١ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٣، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، إرشاد الفحول ص ٤٠. ٢ في ب ز ض ع: لعدم. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩١، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧. ٦ ساقطة من ض. ٧ في ش ب ز: يتناول. ٨ انظر: التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠١. ٩ في ع: وجوب. ١٠ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٣، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠١، المعتمد ١/ ٣٩٠، غاية الوصول ص ٩٣.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
"وَلا" تَعَارُضَ "فِينَا" أَيْ فِي حَقِّنَا "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ الْفِعْلَ، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ "مَعَ دَلِيلٍ دَلَّ١ عَلَيْهِمَا" أَيْ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْفِعْلِ لَنَا٢ "وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ" أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ خَاصٌّ بِهِ. وَفِيهِ أَيْ وَفِي حَقِّهِ ﷺ "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ أَوْ٣ الْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ٤.
"وَمَعَ جَهْلٍ" بِالتَّارِيخِ "يُعْمَلُ بِالْقَوْلِ" وَقِيلَ بِالْفِعْلِ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ٥.
"وَلا" تَعَارُضَ "فِي حَقِّهِ ﷺ "مَعَه"ُ أَيْ مَعَ الدَّلِيلِ "عَلَيْهِمَا" أَيْ عَلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي وَالْقَوْلُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ مُخْتَصٌّ "بِنَا" تَقَدَّمَ الْقَوْلُ أَوْ تَأَخَّرَ، لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ٦.
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ض ع. ٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٢، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٠. ٣ في ش: و. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٢، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٩٩، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٤٠. ٥ هذه الصورة مختصرة وفيها إبهام، وقد وضحها الآمدي فقال: "وأما إن جهل التاريخ فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الأمة، لعدم تناول قوله لهم، وأما بالنسبة له فقد اختلف فيه ثم قال: والمختار إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة" "الإحكام للآمدي ١/ ١٩٢". وقال الكمال بن الهمام: "وقيل: يُتَوقف، وهو المختار". "تيسير التحرير ٣/ ١٤٨، ١٤٩". وكذلك قال التفتازاني: "وثالثها وهو المختار التوقف لاحتمال الأمرين، والمصير إلى أحدهما بلا دليل تحكم". "التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧". وهذا هو اختيار ابن السبكي والمحلي. "انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٠". وانظر: نهاية السول ٢/ ٢٥٤، المعتمد ١/ ٣٩٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٣٥، غاية الوصول ص ٩٢، إرشاد الفحول ص ٤٠. ٦ انظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٠، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، غاية الوصول ص ٩٣.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وَأَمَّا "فِينَا" أَيْ فِي حَقِّ الأُمَّةِ ف "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ١ "وَمَعَ جَهْلٍ" بِالتَّارِيخِ "يُعْمَلُ بِالْقَوْلِ" عَلَى الْمُخْتَارِ٢.
"وَلا" تَعَارُضَ "فِينَا" أَيْ فِي حَقِّنَا "مَعَ" دَلالَةِ "دَلِيلٍ عَلَى تَكَرُّرٍ" فِي حَقِّهِ ﷺ "لا" عَلَى "تَأَسٍّ" فِي حَقِّ الأُمَّةِ "إنْ اخْتَصَّ الْقَوْلُ بِهِ" ﷺ "أَوْ عَمَ" هـ الْقَوْلُ وَعَمَّ الأُمَّةَ، لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ٣.
"وَفِيهِ" أَيْ وَفِي حَقِّهِ ﷺ "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا٤.
"فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "عُمِلَ بِالْقَوْلِ" عَلَى الْمُخْتَارِ٥.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٣، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٠، تيسير التحرير ٣/ ١٤٨، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧. ٢ ذكر التفتازاني ﵀ أدلة القائلين بترجيح القول على الفعل، وأدلة المخالفين، ثم بين أدلة الترجيح للقول المختار بالعمل بالقول، ولم يذكر المؤلف الصورة الثالثة من هذا القسم، وهو "إن دل الدليل على التكرار والتأسي، وكان القول عامًا له ولنا، فالمتأخر من القول والفعل ناسخ للآخر في حقه وحقنا، فإن جهل التاريخ ففيه الأقوال الثلاثة، والمختار تقديم القول". "انظر التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨". وقال المحلي: "وإن جهل المتأخر فالأقوال أصحها في حقه الوقف، وفي حقنا تقدم القول". "المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠١". وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٣، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٧، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٠٠، تيسير التحرير ٣/ ١٤٨، غاية الوصول ص ٩٣، إرشاد الفحول ص ٤٠. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٣، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨، إرشاد الفحول ص ٤٠. ٤ انظر: تيسير التحرير ٣/ ١٤٩، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨، غاية الوصول ص ٩٢. ٥ قال التفتازاني: "وعند الجهل فالثلاثة، والمختار الوقف". وقال الشيخ زكريا الأنصاري: "فالوقف على الأصح، وقيل يرجح القول، وعزي للجمهور". "انظر: التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨، غاية الوصول ص ٩٢، الإحكام للآمدي ١/ ١٩٣، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٣، المعتمد ١/ ٣٩٠، تيسير التحرير ٣/ ١٤٩".
[ ٢ / ٢٠٥ ]
"وَإِنْ" دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِ ﷺ دُونَ التَّأَسِّي فِي حَقِّ الأُمَّةِ. وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ "اخْتَصَّ بِنَا فَلا" تَعَارُضَ "مُطْلَقًا" يَعْنِي لا فِي حَقِّهِ ﷺ وَلا فِي حَقِّنَا لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ١.
"وَلا" تَعَارُضَ "مَعَهُ" أَيْ مَعَ الدَّلِيلِ "عَلَى تَأَسٍّ" بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ "فَقَطْ" أَيْ دُونَ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِ "وَالْقَوْلُ خَاصٌّ" أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْقَوْلَ خَاصٌّ "بِه"ِ أَيْ بِالنَّبِيِّ ﷺ "وَتَأَخَّرَ" عَنْ الْفِعْلِ "مُطْلَقًا" يَعْنِي لا فِي حَقِّهِ ﷺ وَلا فِي حَقِّنَا٣.
أَمَّا عَدَمُ التَّعَارُضِ٤ فِي حَقِّهِ: فَلِعَدَمِ وُجُوبِ تَكَرُّرِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ٥ الأُمَّةِ: فَلِعَدَمِ تَوَارُدِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ٦.
"وَإِنْ تَقَدَّمَ" الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى التَّأَسِّي دُونَ التَّكْرَارِ "فَالْفِعْلُ" الْمُتَأَخِّرُ "نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ" ﷺ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ٧.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٣، إرشاد الفحول ص ٤٠. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، تيسير التحرير ٣/ ١٥٠، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨. ٤ في ز ش: المعارض. ٥ ساقطة من ض. ٦ انظر: التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨. ٧ مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٦. وهو ما نص عليه الآمدي وذكره حرفيًّا. "انظر: الإحكام ١/ ١٩٤". وانظر: حاشية التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨، تيسير التحرير ٣/ ١٥٠.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ، فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِلْقَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الإِتْيَانِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ.
"فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَقَدِّمُ مِنْ ١الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ٧ "عُمِلَ بِالْقَوْلِ" عَلَى الْمُخْتَارِ٢.
"وَإِنْ اخْتَصَّ" الْقَوْلُ "بِنَا" وَالْحَالُ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ٣ عَلَى تَأَسٍّ دُونَ التَّكْرَارِ فِي حَقِّهِ ﷺ "فَفِيهِ لا" تَعَارُضَ، تَقَدَّمَ الْقَوْلُ أَوْ تَأَخَّرَ٤.
"وَفِينَا" يَعْنِي وَفِي حَقِّنَا "الْمُتَأَخِّرُ" مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "نَاسِخٌ" لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا٥.
وَإِنْ عَمَّ الْقَوْلُ النَّبِيَّ ﷺ وَالأُمَّةَ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى التَّأَسِّي دُونَ التَّكْرَارِ "فَإِنْ تَأَخَّرَ" الْقَوْلُ عَنْ الْفِعْلِ "فَفِيهِ" أَيْ فَفِي حَقِّهِ ﷺ "لا" تَعَارُضَ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ٦.
"وَفِينَا" أَيْ وَفِي حَقِّ الأُمَّةِ الْقَوْلُ "نَاسِخٌ لِلْفِعْلِ٧".
_________________
(١) ١ في ض: الفعل والقول. ٢ قال التفتازاني: "فإن جهل فالمذاهب الثلاثة، والمختار الوقف، وفيه نظر". "التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨"، وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤، نهاية السول ٢/ ٢٥٤، تيسير التحرير ٣/ ١٥٠. ٣ في ع: دالٌّ. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨. ٥ لم يذكر المصنف حالة إن اختص القول بنا، وجهل التاريخ، فيعمل بالقول على المختار. انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤، ولعل المصنف اكتفى بالحالة السابقة "إن اختص القول به وجهل التاريخ". "وانظر: التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨، غاية الوصول ص ٩٣، الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤". ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨. ٧ انظر: الإحكام للآمدي، المرجع السابق، التفتازاني على ابن الحاجب، المرجع السابق.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
"وَإِنْ تَقَدَّمَ" الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ "فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ" لِتَأَخُّرِهِ١، إنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّأَسِّي مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ، فَالْفِعْلُ تَخْصِيصٌ لِلدَّلِيلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ.
وَإنْ كَانَ ذَلِكَ "بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ" بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ "لا" تَعَارُضَ فِي حَقِّهِ ﷺ وَلا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ "إلاَّ أَنْ يَقْتَضِيَ الْقَوْلُ التَّكْرَارَ" فِي حَقِّهِ "فَالْفِعْلُ" إنْ تَأَخَّرَ "نَاسِخٌ لَهُ" أَيْ لِلْقَوْلِ.
وَهَذَا إنْ عُلِمَ ٢أَنَّ الْفِعْلَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْقَوْلِ٥ "فَإِنْ جُهِلَ" الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ "عُمِلَ بِالْقَوْلِ فِيهِنَّ" أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ٣.
فَائِدَةٌ:
"فِعْلُ الصَّحَابِيِّ" وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ٤ "مَذْهَبٌ لَهُ" أَيْ لِلصَّحَابِيِّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الأَصَحِّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَجْهُ٥ الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ يَقْتَضِي٦ الْوُجُوبَ قِيَاسًا عَلَى فِعْلِهِ ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي المرجع السابق، التفتازاني على ابن الحاجب، المرجع السابق. ٢ في ز: القول متأخر عن الفعل. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٩٤، تيسير التحرير ٣/ ١٥١، التفتازاني على ابن الحاجب ٢/ ٢٨. ٤ وذلك في فصل مستقل عن تعريف الصحابي وعدالة الصحابة ص ٤٦٥. ٥ في ض: والقول. ٦ في ش: بمقتضى.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي "الْجَامِعِ الْكَبِيرِ" فِي قَضَاءِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لِلصَّلاةِ بِفِعْلِ عَمَّارٍ١ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَوْ تُصُوِّرَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ عَلَى عَمَلٍ لا قَوْلَ مِنْهُمْ فِيهِ: كَانَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، خِلافًا لابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ٢.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، حَتَّى أَحَالُوا الْخَطَأَ مِنْهُمْ فِيهِ إذْ٣ لَمْ يَشْتَرِطُوا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ٤، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ هو الصحابي عمار بن ياسر بن عامر العنسي الشامي الدمشقي، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم، كان من السابقين إلى الإسلام مع أمه وأبيه. أسلم مع صهيب في وقت واحد في دار الأرقم، وكان أول من أشهر إسلامه مع أبي بكر وبلال وخباب وصهيب ﵃، وأمه سمية. وكان يعذب مع أمه وأبيه في الله على إسلامهم، ويقول لهم رسول الله ﷺ: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة". هاجر عمار إلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق وجميع المشاهد، وروي له عن رسول الله اثنان وسبعون حديثًا، وهو أول من بنى مسجدًا لله في الإسلام، بنى مسجد قباء، وشهد قتال اليمامة في زمن أبي بكر، وقطعت أذنه، واستعمله عمر على الكوفة، وله مناقب كثيرة، قتل بصفين مع علي ﵁ سنة ٣٧هـ وهو ابن ٩٣ سنة. انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٥١٢، الاستيعاب ٢/ ٤٧٦، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٧، الخلاصة ص ٢٧٩، حلية الأولياء ١/ ١٣٩". ٢ وهذا الإجماع على فعل يدل على إباحته ويدل على جوازه لعصمتهم عن الباطل، وسيأتي الكلام على ذلك مفصلًا في الباب الآتي. "انظر: شرح الورقات ص ١٧٣، ١٧٤، المسودة ص ٣٣٤، أصول السرخسي ١/ ٣٠٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥". ٣ في ز ض ع: إذا. ٤ في ض: العصمة. وانظر: المسودة ص ٣٣٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
"بَابٌ"
"الإِجْمَاعُ لُغَةً: الْعَزْمُ وَالاتِّفَاقُ" قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ ١ أَيْ اعْزِمُوا، وَيَصِحُّ٢ إِطْلاقُهُ عَلَى الْوَاحِدِ، يُقَالُ: أَجْمَعَ فُلانٌ عَلَى كَذَا، أَيْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ فَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي إِطْلاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ٣.
وَأَجْمَعْتُ السيرَ والأمر، وأجمعت عَلَيْهِ، يتعدى بنفسه وبالحرف "عزمتُ عَلَيْهِ٤"، وفي حديث: "من لم يُجْمعِ الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له" ٥، أي من لم يعزم عَلَيْهِ فينويه٦.
_________________
(١) ١ الآية ٧١ من يونس. ٢ في ع: فيصح. ٣ انظر: المصباح المنير ١/ ١٧١، القاموس المحيط ٣/ ١٥، إرشاد الفحول ص ٧١. ٤ زيادة من المصباح المنير ١/١٧١. ٥ هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن حفصة ﵂. قال ابن حجر: "سنده صحيح، لكن اختلف في رفعه ووقفه"، وصوب النسائي وقفه. وفي "العلل" للترمذي عن البخاري أن هذا خطأ، والصواب وقفه عن ابن عمر. ورواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة. ورواه ابن ماجه والدارمي بلفظ آخر، وله روايات أخرى أيضًا. "انظر: مسند أحمد ٦/ ٢٨٧، سنن أبي داود ١/ ٥٧١، تحفة الأحوذي ٣/ ٤٢٣، سنن النسائي ٤/ ١٦٦، سنن ابن ماجه ١/ ٥٤٢، سنن الدارمي ٢/ ٧، سنن البيهقي ٤/ ٢١٣، سنن الدارقطني ٢/ ١٧٣، تخريج أحاديث البزدوي ص ١١٨، التلخيص الحبير ٦/ ٣٠٤، فيض القدير ٦/ ٢٢٢". ٦ في ض: وينويه. وانظر: المصباح المنير ١/ ١٧١، القاموس المحيط ٣/ ١٥.
[ ٢ / ٢١٠ ]
"و" الإجماع "اصطلاحا" أي في اصطلاح علماء الشريعة "اتفاق مجتهدي الأمة في عصر على أمر، ولو" كان الأمر "فعلا" اتفاقا، كائنا "بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١".
والمراد باتفاقهم اتحاد اعتقادهم، واحترز بالاتفاق عن الاختلاف.
وبقيد "الاجتهاد" عن٢ غير المجتهد، فلا يكون اتفاق غير المجتهد من أصولي وفروعي ونحوي، ولا من لم يَكْمُلْ فيه شروطُ الاجتهاد إجماعا، ولا تقدح٣ مخالفته في انعقاد الإجماع.
وبقيد "الأمة" المنصرفِ إطلاق لفظها إلى أمة محمد ﷺ عن٤ اتفاق مجتهدي بقية الأمم.
ودخل في قوله: "على أمر" جميع الأمور من الأقوال والأفعال الدينية والدنيوية والاعتقادات والسكوت والتقرير وغير ذلك٥.
وإنما أَبْرَزَ قولَه: "ولو فعلا" مع دخوله في مسمى الأمر للبيان والتأكيد٦.
_________________
(١) ١ هذا القيد لمنع انعقاد الإجماع في حياته ﷺ، كما ذكره كثير من العلماء. انظر: شرح الورقات ص ١٦٥، ١٧٠. ٢ ساقطة من ز ض ع. ٣ في ش ز ب: يقدح. ٤ ساقطة من ز ض ع. ٥ انظر شرح التعريف ومحترزاته وما يدخل فيه وما يخرج منه في "جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/ ١٧٧، نهاية السول ٢/ ٣٣٦، ٣٣٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٢، مناهج العقول ٢/ ٣٣٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٧، الإحكام للآمدي ١/ ١٩٦، شرح الورقات ص ١٦٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، غاية الوصول ص ١٠٧، إرشاد الفحول ص ٧١، أصول مذهب أحمد ص ٣١٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٢٨، الوسيط في أصول الفقه ص ٤٤". ٦ انظر: شرح الورقات ص ١٧٣.
[ ٢ / ٢١١ ]
وقد١ اختلف العلماء فيما إذا اتفق مجتهدو العصر على فعل فعلوه، أو فعله بعضهم، وسكت الباقون مع علمهم، هل يكون إجماعا أم لا؟
والأرجح: أنه ينعقد به الإجماع لعصمة الأمة، فيكون كالقول المجمع عَلَيْهِ، وكفعل الرسول ﷺ، اختاره٢ أبو الخطاب من أصحابنا، وقطع به أبو إسحاق الشيرازي، واختاره الغزالي في "المنخول"٣، وصرح به أبو الحسين البصري في "المعتمد" وتبعه في "المحصول"٤.
قَالَ بعض أصحابنا: هو قولُ الجمهور، حتى أحالوا الخطأ منهم إذا٥لم يُشْتَرطْ انْقِرَاضُ العصر٦.
وقيل: لا ينعقد الإجماع بذلك٧.
ويتفرع على المسألة: إذا فعلوا فعلا قُرْبة، ولكن لا يعلم هل فعلوه واجبا أو مستحبا؟ فمقتضى القياس أنه كفعل الرسول ﷺ؛ لأنا أمرنا
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ز: اختارها. ٣ في ش: المحصول، وهو خطأ. وفي هامش ض: المنتحل. وانظر المنخول ص ٣١٨. ٤ انظر: شرح الورقات ص ١٧٤، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٥، المسودة ص٣٣٤، التمهيد ص ١٣٦، أصول السرخسي ١/ ٣٠٣، المعتمد ٢/ ٤٧٩، ٥٣٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٤، إرشاد الفحول ص ٨٤، المنخول ص ٣١٨، اللمع ص ٤٩. ٥ في ش ز: إذ. ٦ انظر: المسودة ص ٣٣٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٨. ٧ وهو قول فخر الدين الرازي، ونسبه الآمدي والغزالي والجويني والرازي للشافعي، وهو قول داود وابنه والمرتضى وابن الباقلاني. "انظر: التمهيد ص ١٣٦، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٥، المسودة ص ٣٣٤، أصول السرخسي ١/ ٣٠٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٨، إرشاد الفحول ص ٨٤".
[ ٢ / ٢١٢ ]
باتباعهم، كما أمرنا باتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
وللعلماء في تعريف الإجماع حدودٌ غيرُ ذلك يطول الكلام بذكرها٢.وأنكر النظَّامُ٣ وبعضُ الرافضةِ ثبوت الإجماع، وروي عن الإمام أحمد ﵁، وحُمِل على الوَرَع، أو على غير عالم بالخلاف، أو على تعذُّر معرفةِ الكُلِّ٤، أو على العامِّ النُّطْقي، أو على بعده، أو على٥ غير الصحابة
_________________
(١) ١ وفي قول أن إجماعهم يدل على إباحة الفعل. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٢". ٢ انظر في تعريف الإجماع الحدود للباجي ص ٦٣-٦٤، التعريفات للجرجاني ص ٨، التمهيد ص ١٣٦، شرح الورقات ص ١٦٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٣، المعتمد ٢/ ٢٥٧، نهاية السول ٢/ ٣٣٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٦، المستصفى ١/ ١٧٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢١١، الإحكام للآمدي ١/ ١٩٥، جمع الجوامع ٢/ ١٧٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٩، شرح الورقات ص ١٦٤، مختصر الطوفي ص ١٢٨، اللمع ص ٤٨، التمهيد ص ١٣٦، الروضة ص ٦٧، غاية الوصول ص ١٠٧، إرشاد الفحول ص ٧١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٢٨. ٣ هو إبراهيم بن يسار بن هانئ، أبو إسحاق البصري، المعروف بالنظام، المعتزلي المشهور. كان أديبًا متكلمًا، وهو أستاذ الجاحظ، وتنسب إليه أقوال شاذة، ذكرها البغدادي، منها: منع إمكان وقوع الإجماع على أمر عادة، فضلًا عن حجيته، وهو رئيس فرقة من المعتزلة، وكان شديد الحفظ، فحفظ القرآن والتوراة والإنجيل وتفاسيرها والأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا. وطالع كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة. له مؤلفات كثيرة اشتهرت بين الناس بمصر والعراق والشام والبصرة، منها: كتاب "النكت" في عدم حجية الإجماع. توفي سنة ٢٣١هـ. انظر ترجمته في "روضات الجنات ١/ ١٥١، فرق وطبقات المعتزلة ص ٥٩، تكملة الفهرست لابن النديم ص ٢، الفتح المبين ١/ ١٤١، تاريخ بغداد ٦/ ٩٧، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص ٢٦٤". ٤ وذلك أن الإمام أحمد قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب". "انظر: أصول مذهب أحمد ص ٣١٩، مناهج العقول ٢/ ٣٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٧". ٥ ساقطة من ض.
[ ٢ / ٢١٣ ]
لحصرهم وانتشار غيرهم١.
"وهو" أي الإجماع "حجة قاطعة بالشرع" أي بدليل الشرع كونه حجةً قاطعةً٢، وهذا مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين٣.
وقال الآمدي والرازي: هو حجة ظنية لا قطعية٤.
_________________
(١) ١ انظر: المستصفى ١/ ١٨٩، الإحكام للآمدي ١/ ١٩٨، ٢٠٠، ٢٣٠، جمع الجوامع ٢/ ١٧٨، المنخول ص ٣٠٣، نهاية السول ٢/ ٣٣٨، مناهج العقول ٢/ ٣٣٥، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٧، ٢٤٠، ٢٥٢، أصول السرخسي ١/ ٢٩٥، ٣١٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٤٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢١١، ٢٢٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٩، ٣٤، الروضة ص ٦٧، المسودة ص ٣١٥، ٣١٦، أصول مذهب أحمد ص ٣١٣، ٣١٩، فتاوى ابن تيمية ١٩/ ٢٧١، ٢٠/ ١٠، ٢٤٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٢٩، مختصر الطوفي ص ١٢٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٠٩، المعتمد ٢/ ٤٥٨، ٤٧٨، ٤٨٣، اللمع ص ٤٨، إرشاد الفحول ص ٧٢، ٧٣، ٨١، ٨٢. ٢ قال ابن بدران: "ومعنى كونه قاطعًا أنه يقدم على باقي الأدلة، وليس القاطع هنا بمعنى الجازم الذي لا يحتمل النقيض وإلا لما اختلف في تكفير منكر حكمه". "المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠". لكن البزدوي قال: "حكمه في الأصل أن يثبت الحكم المراد به شرعيًا على سبيل اليقين". "كشف الأسرار على أصول البزدوي ٣/ ٣٥١" وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، إرشاد الفحول ص ٧٨. ٣ انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٠، جمع الجوامع ٢/ ١٩٥، مناهج العقول ٢/ ٣٣٩، المستصفى ١/ ٢٠٤، المنخول ص ٣٠٣، نهاية السول ٢/ ٣٥٠، شرح الورقات ص ١٦٨، المسودة ص ٣١٥، فتاوى ابن تيمية ١٩/ ١٧٦، ٢٠٢، ٢٠/ ١٠، أصول السرخسي ١/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣١٨، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٧، المعتمد ٢/ ٤٥٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٩٤، غاية الوصول ص ١٠٩، التمهيد ص ١٣٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٢٩، ١٣٣، اللمع ص ٤٨، الروضة ص ٦٧، أصول مذهب أحمد ص ٣١٨، إرشاد الفحول ص ٧٨، الوسيط ص ٩٢. ٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٠٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٥٢، غاية الوصول ص ١٠٩، مختصر الطوفي ص ١٢٩، إرشاد الفحول ص ٧٩.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وقيل: ظنية في السكوتي ونحوه، دون النطقي١.
واستدل للقول الأول٢ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣ احتج٤ بها الشافعي وغيره٥، لأنه توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، وإنما يجوز لمفسدة متعلقة به، وليست من جهة المشاقة، وإلا كانت كافة، والسبيل الطريق، فلو خص بكفر أو غيره كان اللفظ مبهما، وهو خلاف الأصل، و"المؤمن" حقيقة في الحي المتصف بالإيمان، ثم عمومه إلى يوم القيامة يبطل المراد، وهو الحث على متابعة سبيلهم، والجاهل غير مراد، ثم المخصوص٦ حجة، والسبيل عام، والتأويل بمتابعة الرسول ﷺ أو بمتابعتهم في الإيمان أو الاجتهاد لا٧ ضرورة إليه، فلا يقبل، وليس تبيين الهدى شرطا للوعيد بالاتباع، بل للمشاقة؛ لأن إطلاقها لمن عرف الهدى أولا، ولأن تبيين الأحكام الفروعية ليس شرطا في المشاقة، فإن من تبين له صدقُ الرسول وتركه فقد شاقه، ولو جهلها٨.
_________________
(١) ١ وهناك أقوال أخرى. "انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٥٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، غاية الوصول ص ١٠٩، الروضة ص ٧٨، إرشاد الفحول ص ٧٩". ٢ ساقطة من ض. ٣ الآية ١١٥ من النساء. ٤ في ع: واحتج. ٥ أحكام القرآن للشافعي ١/ ٣٩. ٦ في ش ز: الخصوص. ٧ في ض: ولا. ٨ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٤، المسودة ص ٣١٥، المعتمد ٢/ ٤٦٢، المستصفى ١/ ١٧٥، نهاية السول ٢/ ٣٤٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٠٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٩٥ مناهج العقول ٢/ ٣٣٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٩، أصول السرخسي ١/ ٢٩٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٥٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣١، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٩٧، مختصر الطوفي ص ٢٨، اللمع ص ٤٨، إرشاد الفحول ص ٧٤، غاية الوصول ص ١٠٨.
[ ٢ / ٢١٥ ]
رُدَّ الأولُ بأن الإجماع إن احتاج إلى مُسْتَنَدٍ فقد يكون قياسًا، والثاني مُشْكِلٌ جِدًّا، قاله الآمدي١. واختار٢ أبو الخطاب أن مرادَ الآية فيما لا نعلمُ أنه خطأٌ، وإن ظنناه رددناه إلى ٣الله والرسول٧.
وبقوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤ وخلافُ الإجماع تفرقٌ، والنهي٥ عن التفرق ليس في الاعتصام للتأكيدِ ومخالفةِ الظاهر، وتخصيصُه بها قبل الإجماع لا يمنعُ الاحتجاجَ به، ولا يختص الخطابُ بالموجودين زمنَهُ ﷺ، لأن التكليفَ لكل من وُجِدَ مكلَّفًا٦، كما سَبَق٧.
وبقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٨ فلو اجتمعوا على باطلٍ كانوا قد اجتمعوا على منكَرٍ لم يُنْهَوا عنه، ومعروف لم يُؤْمَرُوا به، وهو خلافُ ما وَصَفَهم اللهُ تعالى به٩، ولأنه جعلهم أمةً وسَطا أي عُدُولا، ورضِي بشهادَتِهم مطلقًا١٠.
_________________
(١) ١ الإحكام للآمدي ١/ ٢١٨. ٢ في ض: واختاره. ٣ في ض: الرسول. وفي ع: الله ورسوله ٤ الآية ١٠٣ من آل عمران، وأول الآية: ﴿وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلاَ تَتَفَرَّقُوا﴾ . ٥ في ز: فالنهي. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢١٧، المستصفى ١/ ١٧٤، المعتمد ٢/ ٤٦٨. ٧ في المجلد الأول، فصل التكليف ص ٤٨٣. ٨ الآية ١١٠ من آل عمران. ٩ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، ٢٥٥، أصول السرخسي ١/ ٢٩٦، نهاية السول ٢/ ٣٤٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢١٤، المستصفى ١/ ١٧٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٤، مختصر الطوفي ص ١٢٨، إرشاد الفحول ص ٧٧، المعتمد ٢/ ٤٦١. ١٠ وذلك في قوله ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ البقرة: ١٤٣. "وانظر: المستصفى ١/ ١٧٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٤، نهاية السول ٢/ ٣٤٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢١١، مناهج العقول ٢/ ٣٤٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، ٢٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٦، أصول السرخسي ١/ ٢٩٧، المعتمد ٢/ ٢٥٩".
[ ٢ / ٢١٧ ]
وعلى ذلك اعتراضاتٌ وأجوبةٌ يطُولُ الكتابُ بذكرها١.
وعن أبي مالك الأشعري٢ ﵁ مرفوعا: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أَنْ لا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لا تَجْتَمِعُوا٣ عَلَى ضَلالَةٍ". رواه أبو داود٤.
وعن ابن عمر مرفوعا: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة أبدا" رواه الترمذي٥.
_________________
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٠٠ وما بعدها، أصول السرخسي ١/ ٢٩٦ وما بعدها، الروضة ص ٦٧ وما بعدها، إرشاد الفحول ص ٧٤ وما بعدها. ٢ هو الصحابي الحارث بن الحارث، أبو مالك الأشعري الشامي، مشهور بكنيته، ومختلف في اسمه. له حديث قدسي طويل تفرد بروايته أبو سلام الأسود، روى له الترمذي والنسائي وأبو داود. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٢٧٥، ٤/ ١٧١، الاستيعاب ٤/ ١٧٥ وما بعدها، الخلاصة ص ٦٧". ٣ في ش ز: يجتمعوا. والأعلى من ب ض، ومن سنن أبي داود. ٤ رواه أبو داود والدارمي. قال المناوي: "قال في المنار: هذا الحديث منقطع، وقال ابن حجر: في إسناده انقطاع، وله طرق لا يخلو واحد منها من مقال. وقال في موضع آخر: سنده حسن، وله شاهد عند أحمد، رجاله ثقات، لكن فيه راوٍ لم يسمَّ". "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٤١٤، مختصر سنن أبي داود ٦/ ١٣٩، سنن الدارمي ١/ ٢٩، فيض القدير ٢/ ١٩٩ وما بعدها". ٥ هذا طرف من حديث رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر. ورواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري. ورواه أحمد عن أبي بصرة الغفاري. قال المباركفوري عن حديث الترمذي: "والحديث قد استدل به على حجية الإجماع، وهو ضعيف، لكن له شواهد، قال الحافظ ابن=
[ ٢ / ٢١٨ ]
وعن أنس مرفوعا: "لا تجتمع ١هذه الأمة ٢ على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأعظم، الحقِّ وأهلِهِ" رواه ابن ماجه٢ وابن أبي عاصم٣.
وعن أبي ذر٤ مرفوعا:
_________________
(١) =حجر في التلخيص: "قوله وأمته معصومة، لا تجتمع على ضلالة" هذا في حديث مشهور له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال ". "انظر: تحفة الأحوذي ٦/ ٣٨٦، سنن أبي داود ٢/ ٤١٤، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٤٥، المقاصد الحسنة ص ٤٦٠، مسند أحمد ٦/ ٣٩٦، المستدرك ١/ ١١٥". وانظر رأي ابن حزم في هذا الحديث في "الإحكام ١/ ٤٩٦". وانظر أيضًا: تخريج أحاديث المنهاج للعراقي ص ٢٩٨، المنشور في العدد الثاني من مجلة البحث العلمي. ١ ساقطة من ز ض ب. ولفظ ابن ماجه: إن أمتي لا تجتمع. وفي ض: لا تجتمعوا. ولفظ الحاكم: لا يجمع الله هذه الأمة. ٢ قال ابن قطلوبغا: "رواه ابن ماجه، وفيه ضعف، لكن له طريقان آخران أحدهما عند الحاكم والآخر عند ابن أبي عاصم، وفي كليهما ضعف. ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر، وأصله للترمذي". وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه": "في إسناده أبو خلف الأعمى، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر". وراه عبد بن حميد وأيو يعلى الموصلي. "انظر: سنن ابن ماجه ٢/ ١٣٠٣، المستدرك ١/ ١١٥، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٤٣، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٣٠٠". ٣ هو أحمد بن عمرو النبيل، أبي عاصم الشيباني الزاهد، أبو بكر الحافظ الكبير، الإمام، قاضي أصبهان. قال السيوطي: "له الرحلة الواسعة، والتصانيف النافعة، ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج سنة ٢٥٥هـ. فأعاد من حفظه خمسين ألف حديث، وكان من حفاظ الحديث والفقه، ظاهري المذهب". وكان صالحًا ورعًا متعبدًا، كبير القدر، صاحب مناقب، وصنف في الرد على داود الظاهري. توفي سنة ٢٨٧هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٤٠، طبقات الحفاظ ص ٢٨٠، شذرات الذهب ٢/ ١٩٧". ٤ هو الصحابي جُندب بن جُنادة بن سفيان، الغفاري الحجازي، أبو ذر. اختلف في اسمه. كان من السابقين إلى الإسلام، ورجع إلى قومه بإذن النبي ﷺ، ثم هاجر إلى المدينة=
[ ٢ / ٢١٩ ]
"عليكم بالجماعة، إنَّ الله تعالى لا ١ يجمع أمتي إلا على هدًى". رواه أحمد٢.
وعن أبي ذر مرفوعًا٣: "من فارق الجماعة شبرا فقد خلع رِبْقَةَ الإسلام من عنقه". رواه أحمد وأبو داود٤.
ولهما عن معاوية٥ مرفوعًا:
_________________
(١) = وصحب رسول الله ﷺ حتى توفي، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، قوالًا بالحق، صادق اللهجة. قال ابن عمر: "والله، ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر". لم يشهد بدرًا، ولكن عمر ألحقه بهم، وكان يوازي ابن مسعود في العمل، وله مناقب كثيرة، توفي بالربذة سنة ٣٢هـ. انظر ترجمته في "الإصابة ٤/ ٦٣، الاستيعاب ٤/ ٦١، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٢٩، الخلاصة ص ٤٤٩، شذرات الذهب ١/ ٣٩، حلية الأولياء ١/ ١٥٦، ٣٥٢". ١ في ش ز: لم. وفي مسند أحمد: لن. ٢ رواه أحمد والترمذي. وجاء معناه في أحاديث كثيرة ستمر في الصفحة التالية. "انظر مسند أحمد ٥/ ١٤٥، تحفة الأحوذي ٦/ ٣٨٤، ٣٨٨". ٣ ساقطة من ش ز. ٤ رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي ذر مرفوعًا. ورواه مسلم عن ابن عباس مرفوعًا بألفاظ أخرى. ورواه النسائي عن عَرْفجة بألفاظ مختلفة. "انظر: مسند أحمد ٥/ ١٨٠، سنن أبي داود ٢/ ٥٤٢، المستدرك ١/ ١١٧، صحيح مسلم ٣/ ١٤٧٨، سنن النسائي ٧/ ٨٤". ٥ هو الصحابي معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أول خلفاء بني أمية، أبو عبد الرحمن، أسلم مع أبيه وأمه وأخيه يزيد في فتح مكة. وقال معاوية: إنه أسلم يوم الحديبية، وكتم إسلامه، وشهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وكان أحد الكتاب لرسول الله ﷺ، ثم استخلفه أبو بكر على الشام، وأقره عمر وعثمان على ذلك، ولم يبايع عليًا، ثم حاربه، وتولى الخلافة بعد مقتل علي ﵁. وكان يوصف بالدهاء والحلم والوقار، ودعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم اجعله هاديًا مهديًّا". توفي سنة ٦٠هـ بدمشق. "انظر ترجمته في الإصابة ٣/ ٤٣٣، الاستيعاب ٣/ ٣٩٥، تهذيب الأسماء ٢/ ١٠٢، الخلاصة ص ٣٨١".
[ ٢ / ٢٢٠ ]
"ألا ١ إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعبن - ٢يعني فرقة١ - ثنتان وسبعون في النار، وواحدةٌ في الجنة وهي الجماعة" ٣.
وعن ابن عمر مرفوعا: "إن الله لا يجمع أمتي - أو قَالَ أمةَ محمدٍ - على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" رواه الترمذي٤.
وعن ثوبان٥ مرفوعا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٦. وفي حديث
_________________
(١) ١ ساقطة من ز ش ب ض. ٢ في ش: فرقة، يعني. وفي ب ز ع: يعني ملة. ٣ هذا جزء من حديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان والدارمي عن معاوية وأبي هريرة مرفوعًا، وأوله: "افترقت اليهود "، أو "إن أهل الكتاب". "انظر: سنن أبي داود ٢/ ٥٠٣، مسند أحمد ٤/ ١٠٢، المستدرك ١/ ١٦، ١٢٨، موارد الظمآن ص ٤٥٤، سنن الدارمي ٢/ ٢٤١". ٤ انظر: تحفة الأحوذي ٦/ ٣٨٦. قال الترمذي: هذا حديث غريب. وانظر المستدرك ١/ ١١٥. ومر في الصفحة السابقة طرفه. ٥ هو ثوبان بن بُجْدُد، ويقال: ابن جُحْدُر، الهاشمي، من أهل السراة، موضع بين مكة واليمن، وقيل من حمير، مولى رسول الله ﷺ، اشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه، ولم يزل معه في الحضر والسفر. فلما توفي رسول الله ﷺ خرج إلى الشام فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، وابتنى بها دارًا، وتوفي بها سنة ٤٥هـ، وقيل ٥٤هـ. روى عنه الجماعة، وله ١٢٧ حديثًا. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٢٠٤، الاستيعاب ١/ ٢٠٩، تهذيب الأسماء ١/ ١٤٠، الخلاصة ص ٥٨، حلية الأولياء ١/ ١٨٠، ٣٥٠". ٦ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم وابن حبان عن ثوبان وجابر بن سمرة وعقبة بن عامر ومعاوية وعمران بن حصين بألفاظ متقاربة. "انظر: صحيح البخاري ١/ ٢٤، ٢/ ٢٨٦، ٤/ ٢٦٣، صحيح مسلم ٣/ ١٥٢٣ وما بعدها، سنن أبي داود ٢/ ٤، تحفة الأحوذي ٦/ ٤٣٣، ٤٨٣، سنن ابن ماجه ١/ ٤، مسند أحمد ٤/ ٩٣، المستدرك ٤/ ٤٤٩، موارد الظمآن ص ٤٥٨، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٤٧، الفتح الكبير ٣/ ٣٢١".
[ ٢ / ٢٢١ ]
جابر: "إلى يوم القيامة" ١، وفي حديث جابر٢ بن سمرة٣: "حتى تقوم الساعة" رواه مسلم٤.
وعن ابن عمر مرفوعا: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم ٥ الجماعة" رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد٦ والترمذي وغيرهم٧.
_________________
(١) ١ انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٥٢٤. ٢ ساقطة من ب ض، ومكتوبة على هامش ع. ٣ هو الصحابي جابر بن سمرة بن جنادة، أبو عبد الله، السوائي، هو وأبوه صحابيان، وهو صحابي مشهور. روي له عن رسول الله ﷺ مائة وستة وأربعون حديثًا. نزل الكوفة، وابتنى بها دارًا. وروى عنه جماعات من التابعين. قال جابر: لقد صليت مع رسول الله ﷺ أكثر من ألفي صلاة. رواه مسلم. توفي سنة ٦٦هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٢١٢، الاستيعاب ١/ ٢٢٤، تهذيب الأسماء ١/ ١٤٢، الخلاصة ص ٥٩". ٤ انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٥٢٤، تخريج أحاديث البزدوي ص ٣٥، ٢٤٦. ٥ في ب: فيلزم. ٦ هو عبدُ بن حُميد بن نصر الكِسِّيّ، أبو محمد الحافظ. قيل اسمه: عبد الحميد. روى عنه مسلم والترمذي وخلق. صنف "المسند"، و"التفسير". وعلق له البخاري في دلائل النبوة في صحيحه فسماه عبد الحميد. وكان من الأئمة الثقات. توفي سنة ٢٤٩هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٣٤، الخلاصة ص ٢٤٨، طبقات الحفاظ ص ٢٣٤، طبقات المفسرين ١/ ٣٦٨، شذرات الذهب ١/ ١٢٠". ٧ هذا الحديث رواه الشافعي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي عن ابن عمر وأبي الدرداء وعمر مرفوعًا بألفاظ مختلفة. "انظر: الرسالة للشافعي ص ٤٧٤، تحفة الأحوذي ٦/ ٣٨٤، سنن النسائي ٢/ ٨٣، المستدرك ١/ ١١٤، شرح السنة ٣/ ٣٤٧، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٤٣". وقد ورد الأمر في لزوم الجماعة في أحاديث كثيرة، منها ما رواه الحاكم والبزار وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "نضر الله امرأ سمع=
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وعن ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيِّئًا فهو عند الله سيئٌ رواه أبو داود الطيالسي١.
قَالَ الآمدي وغيره: "السنةُ أقربُ الطرقِ إلى كون الإجماع حجة قاطعة٢".
واستُدِلَّ أيضًا لكونه حجةً قاطعةً بأن٣ العادةَ تُحِيل إجماعَ مجتهدي
_________________
(١) = مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يَغُلُّ عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم محيط من ورائهم". وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير مرفوعًا: "الجماعة رحمة، والفرقة عذاب". "انظر: المستدرك ١/ ٧٧، ٧٨، ١١٣، ٢٤٦، الرسالة للشافعي ص ٤٧٣، ٤٧٥، تحفة الأحوذي ٦/ ٣٨٣ وما بعدها، الترغيب والترهيب ١/ ٥٤ الطبعة الثالثة، موارد الظمآن ص ٤٧، سنن الدارمي ٢/ ٢٤١، ٣٢٤". وقال الحاكم بعد حديث حذيفة مرفوعًا، وفيه: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قال: لم أجد للشيخين حديثًا يدل على أن الإجماع حجة غير هذا". "المستدرك ١/ ١١٣". ١ الحديث رواه أحمد في كتاب السنة والبزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وأبو داود الطيالسي، والحاكم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود، وأوله: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا ﷺ، فبعثه لرسالته الحديث. "انظر: مسند أبي داود الطيالسي ص ٣٣ ط الهند، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٤٦، المقاصد الحسنة ص ٣٦٧، كشف الخفا ٢/ ١٨٨". وفي ب: والطيالسي. وهو خطأ. ٢ الإحكام للآمدي ١/ ٢١٩. وذكر أكثر العلماء أن هذه الأحاديث وغيرها تفيد التواتر المعنوي في عصمة الأمة، وأن الأمة تلقت هذه الأحاديث بالقبول. "انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، ٢٥٨ وما بعدها، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٨، أصول السرخسي ١/ ٣٩٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٢، مناهج العقول ٢/ ٣٤٩، الرسالة للشافعي ص ٤٠٣، ٤٧٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٠، نهاية السول ٢/ ٣٥٠، المعتمد ٢/ ٤٧١، إرشاد الفحول ص ٧٨، المستصفى ١/ ١٧٥-١٧٦". ٣ في ب ز ض ع: أن.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
العصر على قطعٍْ بحكمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ اطِّلاعٍ عَلَى دليلٍ قاطعٍ في ذلك الحُكْمِ، فوجب ١في ذلك الحُكْمِ٤ تقديرُ٢ نصٍّ قاطعٍ فيه، ولأن الإجماعَ مقدَّمٌ على الدليل القاطع، فكان قاطعا، وإلا تعارض الإجماعان، لتقديم القاطع على غيره إجماعًا٣.
"وَيَثْبُتُ" الإِجْمَاعُ. وَهُوَ كَوْنُ هَذَا الْحُكْمِ مَجْمَعًا عَلَيْهِ "بِخَبَرالْوَاحِدِ" لأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ شَرْعِيَّةٌ طَرِيقُهَا طَرِيقُ بَقِيَّةِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الَّتِي يَكْفِي فِي ثُبُوتِهَا الظَّنُّ٤.
"وَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ" أَيْ فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ "وِفَاقُ الْعَامَّةِ" لِلْمُجْتَهِدِينَ،
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ في ب ز ش: تقرير. ٣ انظر مزيدًا من الأدلة لحجية الإجماع في "كشف الأسرار ٣/ ٢٦٠ وما بعدها، أصول السرخسي ١/ ٢٩٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، المعتمد ٢/ ٤٧٦ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٠، ٣٢، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/ ١٩٦، المنخول ص ٣٠٦، المستصفى ١/ ١٧٦، ١٧٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٣، المسودة ص ٣١٦، الروضة ص ٦٨". ٤ قال الشوكاني: "وأما الآحاد فغير معمول به في نقل الإجماع". ثم بين بعد ذلك أنه قول الجمهور خلافًا لجماعة، منهم الرازي "إرشاد الفحول ص ٧٣، ٧٩، ٨٩". وقال القرافي: "إنه حجة خلافًا لأكثر الناس". "شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٢". وقال ابن عبد الشكور: "الإجماع الآحادي يجب العمل به خلافًا للغزالي وبعض الحنفية". "فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٢". "انظر: جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، مناهج العقول ٢/ ٣٨٥، المستصفى ١/ ١٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨١، المعتمد ٢/ ٥٣١، ٥٣٤ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٦١، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٥، أصول السرخسي ١/ ٣٠٢، الروضة ص ٧٨، المسودة ص ٣٤٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٣، مختصر الطوفي ص ١٣٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٤، غاية الوصول ص ١٠٩".
[ ٢ / ٢٢٤ ]
سَوَاءٌ كَانَتْ مَسَائِلُهُ مَشْهُورَةً أَوْ خَفِيَّةً١.
وَاعْتَبَرَهُ قَوْمٌ مُطْلَقًا٢، وَقَوْمٌ فِي الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ٣.
"وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي انْعِقَادِهِ وِفَاقُ "مَنْ عَرَفَ الْحَدِيثَ" مِنْ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ "أَوْ" عَرَفَ "اللُّغَةَ، أَوْ" عِلْمَ "الْكَلامِ وَنَحْوَهُ" كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالتَّصْرِيفِ "أَوْ" مَنْ عَرَفَ "الْفِقْهَ" فَقَطْ فِي مَسْأَلَةٍ ٤فِي أُصُولِهِ٥ "أَوْ" مَنْ عَرَفَ "أُصُولَهُ٥" فَقَطْ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفِقْهِ؛ لأَنَّ هَؤُلاءِ مِنْ جُمْلَةِ
_________________
(١) ١ العوام هم من عدا العلماء، وعلل الإمام الرازي وغيره ذلك بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، فلا عبرة لقولهم، وهو قول الجمهور. "انظر: جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، شرح الورقات ص ١٦٦، اللمع ص ٥١، نهاية السول ٢/ ٣٣٦، المنخول ص ٣١٠، ٣٧٨، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، المستصفى ١/ ١٨٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، المسودة ص ٣٣١، الروضة ص ٣٩، مختصر الطوفي ص ١٢٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، ٢٣٩، غاية الوصول ص ١٠٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٨٧، الوسيط في أصول الفقه ص ٥٢، أصول السرخسي ١/ ٣١١". ٢ حكى هذا القول ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين، واختاره الآمدي والغزالي، ونقله الجويني وابن الحاجب وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي بكر الباقلاني. "انظر: المستصفى ١/ ١٨١، ١٨٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٦، جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، المعتمد ٢/ ٤٨٢، نهاية السول ٢/ ٣٧٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣، غاية الوصول ص ١٠٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، الروضة ص ٦٩، المسودة ص ٣٣١، إرشاد الفحول ص ٨٧". ٣ ذكر ابن السبكي والمحلي أن الآمدي يقول بهذا القول، لأنه فصل بين المشهور وغيره، لكن الآمدي لم يذكر إلا قولين، واختار القول الثاني. انظر أصحاب هذا القول وأدلتهم في "المستصفى ١/ ١٨١، ١٨٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٩، جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، إرشاد الفحول ص ٨٨، غاية الوصول ص ١٠٧، المعتمد ٢/ ٤٨١، غاية الوصول ص ١٠٧، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٦". ٤ في ز: في أصول. وفي ش: الأصول. ٥ في د: في أصوله.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الْمُقَلِّدِينَ، فَلا تُعْتَبَرُ مُخَالَفَتُهُمْ. وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ١.
وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ وِفَاقِ كُلٍّ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الأَهْلِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْفِئَتَيْنِ لِتَلازُمِ الْعِلْمَيْنِ٢.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ قَوْلُ الأُصُولِيِّ فِي الْفِقْهِ دُونَ الْفُرُوعِيِّ فِي الأُصُولِ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الاجْتِهَادِ دُونَ عَكْسِهِ، اخْتَارَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ الْحَقُّ٣، وَقِيلَ عَكْسُهُ٤. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا لا يُعْتَبَرُ أَيْضًا لانْعِقَادِ الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ شُرُوطِ الاجْتِهَادِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ فَاتَهُ بَعْضُ شُرُوطِهِ" لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. وَمَعْنَاهُ لابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ٥.
_________________
(١) ١ انظر بقية الآراء مع بيان أصحابها وأدلتها في "الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٨، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، المستصفى ١/ ١٨٢، ١٨٣، شرح الورقات ص ١٦٦، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، المنخول ص ٣١١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، ٣٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٠، أصول السرخسي ١/ ٣١٢، المسودة ص ٣٣١، غاية الوصول ص ١٠٧، اللمع ص ٥١، مختصر الطوفي ص ١٣٠، الروضة ص ٦٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٨٨". ٢ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، ٣٤٢، نهاية السول ٢/ ٣٧٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٨، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، الروضة ص ٧٠. ٣ وهو قول عبد الوهاب المالكي أيضًا، واختاره ابن السبكي والمحلي. "انظر: المسودة ص ٣٣١، نهاية السول ٢/ ٣٧٨، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، غاية الوصول ص ١٠٧". ٤ انظر: المستصفى ١/ ١٨٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣، المنخول ص ٣١١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، ٣٤٢، نهاية السول ٢/ ٣٧٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٨، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٠، مختصر الطوفي ص ١٣٠. ٥ انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قَالَ الْمَجْدُ: "مَنْ أَحْكَمَ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلاَّ خُصْلَةٌ أَوْ خُصْلَتَانِ، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى أَنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِخِلافِهِ، خِلافًا لِلْبَاقِلاَّنِيِّ١".
"وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مُجْتَهِدٍ "كَافِرٍ" مُطْلَقًا. أَمَّا الْكَافِرُ الأَصْلِيُّ وَالْمُرْتَدُّ فَبِلا خِلافٍ٢.
وَأَمَّا الْمُكَفَّرُ بِارْتِكَابِ "بِدْعَةٍ" فَلا يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ "عِنْدَ مُكَفِّرِهِ" بِارْتِكَابِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ. وَأَمَّا مَنْ لا يُكَفِّرُهُ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ الْمَحْكُومِ بِفِسْقِهِمْ٣.
قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لا يُعْتَبَرُ فِي الإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ٤.
_________________
(١) ١ المسودة ص ٣٣١. ٢ انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، شرح الورقات ص ١٦٧، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٥، اللمع ص ٥١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، المعتمد ٢/ ٤٨٠، الروضة ص ٧٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٧، مختصر الطوفي ص ١٣٠، غاية الوصول ص ١٠٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠. ٣ وللعلماء أقوال وتفصيلات في ذلك. "انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٨٠ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، المستصفى ١/ ١٨٣، شرح الورقات ص ١٦٨، كشف الأسرار ١/ ١٨٣، أصول السرخسي ١/ ٣١١، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، ٢٣٩، المنخول ص ٣١٠، الروضة ص ٧٠، اللمع ص ٥١، مختصر الطوفي ص ١٣٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٨٠". ٤ قال الشوكاني –بعد عبارة الأستاذ أبي منصور-: "وهكذا رواه أشهب عن مالك. وراه العباس بن الوليد عن الأوزاعي. ورواه أبو سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن، وحكاه أبو ثور عن أئمة الحديث". "إرشاد الفحول ص ٨٠". "وانظر: أصول السرخسي ١/ ٣١١، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٩، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٨، جمع الجوامع ٢/ ١٧٧".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
"وَلا" يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الإِجْمَاعِ وِفَاقُ مُجْتَهِدٍ "فَاسِقٍ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الاعْتِقَادِ أَوْ الأَفْعَالِ. فَالاعْتِقَادُ كَالرَّفْضِ وَالاعْتِزَالِ وَنَحْوِهِمَا. وَالأَفْعَالُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالأَكْثَرُ١.قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَنَا٢.
قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: هُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ؛ لأَنَّهُ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلا يُقَلَّدُ فِي فَتْوَى، كَالْكَافِرِ وَالصَّغِيرِ٣.
وَقِيلَ: إنْ ذَكَرَ مُسْتَنَدًا صَالِحًا اُعْتُدَّ بِقَوْلِهِ وَإِلاَّ فَلا. فَإِذَا بَيَّنَ مَأْخَذَهُ وَكَانَ صَالِحًا لِلأَخْذِ بِهِ اعْتَبَرْنَاهُ٤.
_________________
(١) ١ وخالف في ذلك أبو الخطاب من الحنابلة، والجويني والشيرازي والإسفراييني والآمدي والغزالي من الشافعية، وقالوا باعتبار قول الفاسق في الإجماع. وقارن ما ذكره الدكتور عبد الله التركي، فإنه نسب إلى الجمهور عدم اشتراط العدالة في الإجماع. "انظر: المستصفى ١/ ١٨٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٩، المسودة ص ٣٣١، البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٧٧، المنخول ص ٣١٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٨، أصول السرخسي ١/ ٣١١، ٣١٢، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٨٠، غاية الوصول ص ١٠٧، مختصر الطوفي ص ١٣٠، اللمع ص ٥٠، الروضة ص ٧٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، أصول مذهب أحمد ص ٣١٠". ٢ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٧. ٣ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣. ٤ وهو قول بعض الشافعية. وهناك قول رابع بأن قوله يعتبر في حق نفسه، لا في حق غيره، فإن خالف فلا يكون الإجماع حجة عليه. "انظر: المسودة ص ٣٣١، المستصفى ١/ ١٨٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٣، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/ ١٧٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٩، غاية الوصول ص ١٠٧".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلا بَأْسَ بِهَذَا الْقَوْلِ١.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَاسِقِ بِلا تَأْوِيلٍ.
أَمَّا الْفَاسِقُ بِتَأْوِيلٍ فَمُعْتَبَرٌ٢ فِي الإِجْمَاعِ كَالْعَدْلِ٣. اهـ.
"وَلا يَنْعَقِدُ" الإِجْمَاعُ "مَعَ مُخَالَفَةِ" مُجْتَهِدٍ "وَاحِدٍ" يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَكْثَرِ٤، لأَنَّهُ٥ لا يُسَمَّى إجْمَاعًا مَعَ الْمُخَالَفَةِ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَنْهَضْ إلاَّ فِي كُلِّ الأُمَّةِ؛ لأَنَّ "الْمُؤْمِنَ" لَفْظٌ عَامٌّ، وَالأُمَّةُ مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ؛ وَلأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ إصَابَةَ الأَقَلِّ وَخَطَأَ الأَكْثَرِ، كَمَا كَشَفَ الْوَحْيُ عَنْ إصَابَةِ عُمَرَ فِي أَسْرَى بَدْرٍ٦، وَكَمَا انْكَشَفَ الْحَالُ عَنْ
_________________
(١) ١ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٩. ٢ في ش: فيعتبر. ٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٢٩. ٤ وهو قول أكثر المالكية وأكثر الحنفية وأكثر الشافعية. "انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٥، أصول السرخسي ١/ ٣١٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، المستصفى ١/ ١٨٦، ٢٠٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٣٥، شرح الورقات ص ١٦٧، نهاية السول ٢/ ٣٧٨، جمع الجوامع ٢/ ١٧٨، المنخول ص ٣١٢، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، المعتمد ٢/ ٤٨٦، ٤٩١، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٤٤، غاية الوصول ص ١٠٧، مختصر الطوفي ص ١٣١، اللمع ص ٥٠، الروضة ص ٧١، المسودة ص ٣٢٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٨٨، الوسيط ص ٧١". ٥ في ز ش: أنّه. ٦ وذلك أن عمر ﵁ رأى عدم أخذ الأسرى في بدر، وعدم أخذ الفدية منهم، وعدم إطلاق سراحهم، وأن رأيه فيهم القتل، وأيده على ذلك بعض الصحابة، بينما ذهب أبو بكر وأكثر الصحابة إلى قبول الفداء من الأسرى، ومال إلى ذلك رسول الله ﷺ، فنزل القرآن الكريم مؤيدًاَ رأي عمر ومن معه، ومعاتبًا نبيه ﷺ في أخذه برأي الأكثرية في قبول الفداء، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيْدُوْنَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيْدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيْمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ﴾ . الأنفال/ ٦٧- ٦٨. وأخرج قصة أسرى بدر الإمام مسلم وأبو داود عن ابن عباس، والترمذي عن ابن مسعود، وأحمد عن أنس وابن مسعود، وأصحاب التفاسير وكتب السيرة. "انظر: صحيح مسلم ٣/ ١٣٨٥، سنن أبي داود ٢/ ٥٦، تحفة الأحوذي ٥/ ١٨٥، مسند أحمد ١/ ٣٨٣، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٥، تفسير القرطبي ١٠/ ٤٢".
[ ٢ / ٢٢٩ ]
إصَابَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرِ الرِّدَّةِ١.
وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ حَتَّى مَعَ مُخَالَفَةِ اثْنَيْنِ. اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ الْحَنَفِيُّ٢ وَابْنُ حَمْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي "الْمُقْنِعِ"، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ٣. وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ فِي "الْمُحِيطِ"٤.
وَقِيلَ: إنَّ هَذَا فِي غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ. أَمَّا فِيهَا فَلا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحَدٍ٥.
_________________
(١) ١ انظر المراجع السابقة في الصفحة السابقة في هامش ٤. ٢ في ض: والحنفي. وهو خطأ. ٣ وهو رأي أبي الحسين الخياط. "انظر: المعتمد ٢/ ٤٨٦، نهاية السول ٢/ ٣٧٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٣٥". ٤ قال ابن قدامة: "وقد أومأ إليه أحمد". "الروضة ص ٧١". وقال الطوفي: "وهو رواية عن أحمد". "مختصر الطوفي ص ١٣١". وقد أيد هذا القول السرخسي وابن بدران. "انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، المسودة ص ٣٢٩، أصول السرخسي ١/ ٣١٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٣٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٤٤ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٧٩، المعتمد ٢/ ٤٨٦، ٤٩١، مناهج العقول ٢/ ٣٧٨، المستصفى ١/ ١٨٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٣٥، المنخول ص ٣١١، جمع الجوامع ٢/ ١٧٨، غاية الوصول ص ١٠٧، اللمع ص ٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٨٩، الوسيط في أصول الفقه ص ٧٢". ٥ هذا التفصيل ذكره البزدوي في "أصوله" وذكر القرافي أن هذا قول ابن الأحشاد. "انظر: كشف الأسرار على أصول البزدوي ٣/ ٢٤٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، المسودة ص ٣٣٠، جمع الجوامع ٢/ ١٧٨".
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وَقِيلَ: هُوَ مَعَ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةٌ، لا إجْمَاعٌ. اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ١.
"وَتُعْتَبَرُ مُخَالَفَةُ مَنْ صَارَ أَهْلًا قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ" أَيْ: عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ؛ لأَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ مُعْتَبَرٌ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ٢.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَالصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، فَمَنْ اشْتَرَطَ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَبْلَ الاخْتِلافِ - وَهُوَ الأَصَحُّ، كَمَا يَأْتِي الْجَزْمُ بِذَلِكَ فِي الْمَتْنِ٣ - قَالَ: هَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ إنْ خَالَفَ. وَمَنْ قَالَ: لا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ قَالَ: الإِجْمَاعُ انْعَقَدَ، وَلا اعْتِبَارَ بِمُخَالَفَةِ مَنْ صَارَ مِنْ أَهْلِ الإِجْمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ٤.
وَعَلَى اعْتِبَارِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ "وَلَوْ" كَانَ الَّذِي صَارَ أَهْلًا "تَابِعِيًّا مَعَ" إجْمَاعِ "الصَّحَابَةِ" قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ التَّابِعِيُّ أَهْلًا لِلاجْتِهَادِ، ثُمَّ صَارَ أَهْلًا قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ الْمُجْمِعِينَ وَخَالَفَهُمْ٥؛ لأَنَّهُ لا إجْمَاعَ لِلصَّحَابَةِ مَعَ
_________________
(١) ١ اختار ابن بدران هذا الرأي، وهناك أقوال أخرى في المسألة. "انظر: مختصر ابن الحاجب ١/ ٣٤، جمع الجوامع ٢/ ١٧٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٧، نهاية السول ٢/ ٣٧٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٣٥، مناهج العقول ٢/ ٣٧٧، المستصفى ١/ ١٨٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٥، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، اللمع ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٨٩". ٢ انظر: المسودة ص ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢١، شرح الورقات ص ١٧٣. ٣ سيذكر المصنف أقوال العلماء في اشتراط انقراض العصر لصحة الإجماع صفحة ٢٤٦. ٤ انظر: المسودة ص ٣٣٣. ٥ أي ومن لم يشترط انقراض العصر، فلا يعتبر قول من صار مجتهدًا بعد اتفاق المجتهدين، ولو كان تابعيًّا مع الصحابة. "انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٤١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٠، ٢٥٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢١، جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، مختصر الطوفي ص ١٣٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٢، ٣٥، إرشاد الفحول ص ٨١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، المسودة ص ٣٢٣".
[ ٢ / ٢٣١ ]
مُخَالَفَةِ تَابِعِيٍّ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقِ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ، أَكْثَرُ١ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ٢. لأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مِنْ الأُمَّةِ. فَلا يَنْهَضُ الدَّلِيلُ بِدُونِهِ، وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ سَوَّغُوا اجْتِهَادَ التَّابِعِينَ وَفَتْوَاهُمْ مَعَهُمْ فِي الْوَقَائِعِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَانِهِمْ، فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ٣ يُفْتِي فِي الْمَدِينَةِ وَفِيهَا خَلْقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَشُرَيْحٌ بِالْكُوفَةِ وَفِيهَا٤٥أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ٥ عَلِيُّ٦بْنُ أَبِي طَالِبٍ٧ ﵁، وَحَكَمَ عَلَيْهِ فِي خُصُومَةٍ عَرَضَتْ لَهُ عِنْدَهُ، عَلَى
_________________
(١) ١ في ش: وأكثر. ٢ انظر: المستصفى ١/ ١٨٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، المسودة ص ٣٢١، ٣٣٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٤١، المعتمد ٢/ ٤٩١، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢١، جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، مختصر الطوفي ص ١٣٢، اللمع ص ٥٠، الروضة ص ٧٠، إرشاد الفحول ص ٨١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠. وفي ض ع: والمالكية والشافعية. ٣ هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، أبو محمد القرشي المدني، سيد التابعين، الإمام الجليل، فقيه الفقهاء. قال الإمام أحمد: "سيد التابعين سعيد بن المسيب". وقال يحيى بن سعيد: "كان أحفظ الناس لأحكام عمر وأقضيته". جمع الحديث والتفسير والفقه والورع والعبادة والزهد. توفي سنة ٩٣هـ، وقيل ٩٤هـ. انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ ١/ ٥٤، طبقات الفقهاء ص ٥٧، مشاهير علماء الأمصار ص ٦٣، وفيات الأعيان ٢/ ١١٧، شذرات الذهب ١/ ١٠٢، الخلاصة ص ١٤٣، طبقات الحفاظ ص ١٧، حلية الأولياء ٢/ ١٦١". ٤ في ب ض ع: وبها. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ع.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
خِلافِ رَأْيِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ١، كَانُوا يُفْتُونَ بِآرَائِهِمْ زَمَنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرِ أَنَّهُمْ٢ أَجْمَعُوا أَوْ لا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُمْ فِي الإِجْمَاعِ مَعَهُمْ لَسَأَلُوا قَبْلَ إقْدَامِهِمْ عَلَى الْفَتْوَى: هَلْ أَجْمَعُوا أَمْ لا؟ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا، فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ مَعَهُمْ مُطْلَقًا٣.
وَسُئِلَ أَنَسٌ ﵁ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: "سَلُوا مَوْلانَا الْحَسَنَ. فَإِنَّهُ غَابَ وَحَضَرْنَا، وَحَفِظَ وَنَسِينَا"٤. فَقَدْ سَوَّغُوا اجْتِهَادَهُمْ، وَلَوْلا صِحَّتُهُ وَاعْتِبَارُهُ لَمَا سَوَّغُوهُ٥، وَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُهُمْ فِي الاجْتِهَادِ فَلْيُعْتَبَرْ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا يَجُوزُ مَعَ تَسْوِيغِ الاجْتِهَادِ تَرْكُ الاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِمْ وِفَاقًا. وَالأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ تَتَنَاوَلُهُمْ. وَاخْتِصَاصُ الصَّحَابَةِ بِالأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ٦ لا يَمْنَعُ٧ مِنْ الاعْتِدَادِ بِذَلِكَ.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ التَّابِعِينَ يَكُونُ إجْمَاعًا. وَاخْتَارَهُ الْخَلاَّلُ وَالْحَلْوَانِيُّ وَالْقَاضِي أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ٨، فَيَكُونُ لَهُ اخْتِيَارَانِ٩.
_________________
(١) ١ في ض: وغيره. ٢ في ش ز: منهم. ٣ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٣٥، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، المستصفى ١/ ١٨٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٠، الروضة ص ٧١. ٤ انظر: الروضة ص ٧١، اللمع ص ٥٠، مختصر الطوفي ص ١٣٢، إرشاد الفحول ص ٨١. ٥ في ب ض ع: سوغوا. ٦ في ش ز: الشرعية. ٧ في ع: تمنع. ٨ وهو كتاب "العدة". "انظر: المسودة ص ٣٣٣". ٩ وهو مرويّ عن إسماعيل بن علية، وعن نفاة القياس، وحكاه الباجي عن ابن خواز=
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ. فَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ. فَالتَّابِعُونَ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ. وَلِذَلِكَ قُدِّمَ تَفْسِيرُهُمْ. وَأَنْكَرَتْ١ عَائِشَةُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ٢ لَمَّا خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا٣. وَزَجَرَتْهُ بِقَوْلِهَا " أَرَاك كَالْفَرُّوجِ يَصِيحُ بَيْنَ الدِّيَكَةِ "٤. وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا لَمَا أَنْكَرَتْهُ٥.
_________________
(١) = منداد. واختاره ابن برهان في الوجيز، وحكاه الموفق عن القاضي الباقلاني وبعض الشافعية. وفي المسألة أقوال أخرى. "انظر: المستصفى ١/ ١٨٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٥، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، المسودة ص ٣٢١، ٣٣٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢١ وما بعدها، المعتمد ٢/ ٤٩١، الروضة ص ٧٠، مختصر الطوفي ص ٥٠، ١٣٢، إرشاد الفحول ص ٨١". ١ في ش: وأكرته. ٢ هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، أحد الأعلام، ليس له اسم، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمع كنيته واحد. قال ابن سعد: "كان ثقة فقيهًا كثير الحديث". ونقل أبو عبد الله الحاكم أنه أحد الفقهاء السبعة عن أكثر أهل الأخبار، وكان كثيرًا ما يخالف ابن عباس، فحرم بذلك علمًا كثيرًا. مات سنة ٩٤هـ، وقيل ١٠٤هـ. "انظر: طبقات الفقهاء ص ٦١، شذرات الذهب ١/ ١٠٥، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٣، طبقات الحفاظ ص ٢٣، تهذيب التهذيب ١٢/ ١١٥، الخلاصة ص ٤٥١". ٣ في ع: عنها زوجها. ٤ روى الإمام مالك أن السيدة عائشة قالت ذلك لأبي سلمة في الغسل من التقاء الختانين. قال أبو سلمة: سألت عائشة زوج النبي ﷺ: ما يوجب الغُسْل؟ فقالت: هل تدري، ما مِثْلُك يا أبا سلمة؟ مثلُ الفروج يسمع الديكة تصرخ، فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. "الموطأ ١/ ٤٦". وذكر الإمام مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأل أم سلمة زوج النبي ﷺ عن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا، بعد أن سمع قول ابن عباس وأبي هريرة ﵃. "انظر: الموطأ ٢/ ٥٨٩". ٥ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٤١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٥، المستصفى ١/ ١٨٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، المعتمد ٢/ ٤٩١، الروضة ص ٧١، مختصر الطوفي ص ١٣٢.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ كَوْنَهُمْ أَعْلَمُ لا يَنْفِي اعْتِبَارَ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ، وَكَوْنُهُمْ مَعَهُمْ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ تَهَجُّمٌ مَمْنُوعٌ. وَالصُّحْبَةُ لا تُوجِبُ الاخْتِصَاصَ، وَإِنْكَارُ عَائِشَةَ إمَّا لأَنَّهَا١ لَمْ تَرَهُ مُجْتَهِدًا، أَوْ لِتَرْكِهِ٢ التَّأَدُّبَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ حَالَ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهَا "يَصِيحُ" يُشْعِرُ بِهِ٣. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَوْنُهُ لا إجْمَاعَ لِلصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ تَابِعِيٍّ كَذَلِكَ لا إجْمَاعَ لِلتَّابِعِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ٤ بِقَوْلِهِ: "أَوْ تَابِعِهِ" أَيْ تَابِعَ التَّابِعِيَّ "مَعَ التَّابِعِينَ" لأَنَّهُ٥ إذَا لَمْ٦يَنْعَقِدْ إجْمَاعُ٣ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ تَابِعِيٍّ، فَلأَنْ لا يَنْعَقِدَ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى٧.
لَكِنْ "لا" يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا عِنْدَ انْعِقَادِهِ "مُوَافَقَتُهُ" عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إذَا صَارَ أَهْلًا قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ٨.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "وَالضَّابِطُ أَنَّ اللاَّحِقَ إمَّا أَنْ يَتَأَهَّلَ قَبْلَ
_________________
(١) ١ في ز ض ب ع: أنه. ٢ في ض ع: لترك. ٣ انظر: المستصفى ١/ ١٨٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، مختصر الطوفي ص ١٣٢، الروضة ص ٧١. ٤ في ش: أشار. ٥ في ض: مع أنه. ٦ في ش ز: يعتمد اجماع. وفي د: ينعقد بإجماع. ٧ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ٣٠٠، المسودة ص ٣٣٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠. ٨ انظر: المسودة ص ٣٢٠، ٣٢٣، ٣٣٣.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الانْقِرَاضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَى الأَوَّلِ: فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ أَوْ يُخَالِفَ أَوْ يَسْكُتَ. قُلْت: سِرُّ١ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدْرِكَ لا يُعْتَبَرُ٢ وِفَاقُهُ٣، بَلْ يُعْتَبَرُ عَدَمُ خِلافِهِ إذَا قُلْنَا بِهِ٤" اهـ.
"وَلَيْسَ إجْمَاعُ الأُمَمِ الْخَالِيَةِ" حُجَّةً عِنْدَ الْمَجْدِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٥.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ٦ الشِّيرَازِيُّ: "هَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ٧". وَصَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ٨.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّهُ كَانَ حُجَّةً قَبْلَ النَّسْخِ٩.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَ سَنَدُهُمْ قَطْعِيًّا فَحُجَّةٌ، أَوْ ظَنِّيًّا فَالْوَقْفُ١٠.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ قَطَعَ أَهْلُ الإِجْمَاعِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِقَوْلِهِمْ: فَهُوَ
_________________
(١) ١ في ش: من. ٢ في ش ز: تعتبر. ٣ في ش: وفاته. ٤ المسودة ص ٣٢٣، ٣٢٠. ٥ المسودة ص ٣٢١. ٦ في ش ز: الحسن. وهو خطأ. ٧ اللمع ص ٥٠. ٨ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٤، جمع الجوامع ٢/ ١٨٤، شرح الورقات ص ١٦٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٣، غاية الوصول ص ١٠٧. ٩ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٣، المنخول ص ٣٠٩، اللمع ص ٥٠. ١٠ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٣.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
حُجَّةٌ، لاسْتِنَادِهِ إلَى قَاطِعٍ فِي الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ. وَإِلاَّ لَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَظْنُونًا. وَالْوَجْهُ الْوَقْفُ١.
"وَ" كَذَا "لا" يَكُونُ إجْمَاعُ "أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً" مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ، لا كُلُّهَا؛ لأَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ الْخَطَإِ إنَّمَا تُنْسَبُ٢ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَلا مَدْخَلَ لِلْمَكَانِ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا أَثَرَ لِفَضِيلَتِهِ فِي عِصْمَةِ٣ أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ٤. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقَوْلَ
_________________
(١) ١ إن أبا المعالي صاحب هذا القول هو نفسه إمام الحرمين الجويني الذي ذكر المصنف لقبه قبل سطر واحد، وذكر رأيه في المسألة، والرأيان متفقان، مع الاختلاف في الألفاظ، وتكرار المعنى. "انظر: شرح الورقات ص ١٦٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٣، المسودة ص ٣٢٠". ٢ في ض: ينسب. ٣ في ض: عصمته. ٤ انظر: الرسالة للشافعي ص ٥٣٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، المسودة ص ٣٣١، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٥٢ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٤، المعتمد ٢/ ٤٩٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٤، مناهج العقول ٢/ ٣٥١، المستصفى ١/ ١٨٧، المنخول ص ٣١٥، فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ٤٩٤، أصول مذهب أحمد ص ٣٤٩، ٣٥٤، غاية الوصول ص ١٠٧، اللمع ص ٥٠، الروضة ص ٧٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، إرشاد الفحول ص ٨٢، عمل أهل المدينة ص ٨٨ وما بعدها. ٥ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٣٥٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، المستصفى ١/ ١٨٧، المسودة ص ٣٣١، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، المنخول ص ٣١٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٥٢، المعتمد ٢/ ٤٩٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٣، مناهج العقول ٢/ ٣٥١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٥، غاية الوصول ص ١٠٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، الروضة ص ٧٢، إرشاد الفحول ص ٨٢.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الْبَاطِلَ خَبَثٌ، وَالْخَبَثُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمَدِينَةِ بِقَوْلِ الصَّادِقِ١. وَإِذَا٢ انْتَفَى الْبَاطِلُ بَقِيَ الْحَقُّ. فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِظَاهِرِهِ. وَكَذَلِكَ٣ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهِ٤ عَنْ مَالِكٍ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ٥. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ٦.
_________________
(١) ١ روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا " ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث ". وروى مسلم ومالك عن جابر مرفوعًا: "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها". وروى مسلم عن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: "إنها طَيْبةٌ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة". وروى البخاري ومسلم ومالك وأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " وهي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد". "انظر: صحيح البخاري ١/ ٣٢١، صحيح مسلم ٢/ ١٠٠٥ وما بعدها، مسند أحمد ٢/ ٤٣٩، الموطأ ٢/ ٨٨٦، المنتفى ٧/ ١٨٩، ١٩٠". وقد ورد في فضل المدينة أحاديث كثيرة في كتب الصحاح، لكن قال الإمام البيضاوي وابن الحاجب والمراغي وغيرهم الاستدلال بالأحاديث على حجية إجماع أهل المدينة ضعيف. "انظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٤، نهاية السول ٢/ ٣٥٤، مناهج العقول ٢/ ٣٥١، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٣، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٣٦". ٢ في ز ش: فإذا. ٣ في زش: ولذلك. ٤ ساقطة من ز ض ب ع. ٥ وحمل الباجي والقرافي كلام الإمام مالك في حجية إجماع أهل المدينة على ما كان طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة وفصل القاضي عبد الوهاب والقرطبي بين حالات وحالات، وأنكر بعض المالكية أن يكون ذلك مذهبًا لمالك. "انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٣، المنخول ص ٣١٤، أصول مذهب أحمد ص ٣٥٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٤، المسودة ص ٣٣٢، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٥٢ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٤، المعتمد ٢/ ٤٩٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٤، اللمع ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٨٢". ٦ انظر: المسودة ص ٣٣٢.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
"وَلا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ" وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃ أَجْمَعِينَ١ يَكُونُ إجْمَاعًا، وَلا حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ. وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ٢ الأَئِمَّةِ٣؛ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الأُمَّةِ الَّذِينَ جُعِلَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِمْ٤.
وَعَنْ الإِمَامِ٥ أَحْمَدَ ﵁: رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ قَوْلَهُمْ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ٦. اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا٧ مِنْ أَصْحَابِنَا.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض ع. ٢ في ب: عن. ٣ في ض: الأمة. ٤ انظر: المستصفى ١/ ١٨٧، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، المسودة ص ٣٤٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، مناهج العقول ٢/ ٣٥٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، أصول أحمد ص ٣٣٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، مختصر الطوفي ص ٥٠، الروضة ص ٧٢، اللمع ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٨٣. ٥ ساقطة من ض ع. ٦ وعنه رواية ثالثة أنه حجة لا إجماع، وذكر بعض الحنابلة عن أحمد قولًا رابعًا أن قول أبي بكر وعمر إجماع، وهو ما رجحه ابن بدران. "انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، المسودة ص ٣٤٠، الروضة ص ٧٣، إرشاد الفحول ص ٨٣، مختصر الطوفي ص ١٣٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٣، نهاية السول ٢/ ٣٥٧، مناهج العقول ٢/ ٣٥٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، أصول مذهب أحمد ص ٣٣٩، ٣٤١". ٧ هو الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي الإمام، أبو علي، المقرئ المحدث الفقيه الواعظ، صاحب التصانيف في الفقه والفرائض وأصول الدين وفي علوم مختلفة، وكان أديبًا، شديدًا على أهل الأهواء، وكان عالمًا بالعربية في الأدب والشعر والرسائل. له مصنفات كثيرة، منها: "شرح الخرقي"، و"الكامل" في الفقه، و"الكافي المحدد في شرح المجرد"، و"آداب العالم والمتعلم"، و"مناقب الإمام أحمد"، و"فضائل الشافعي"، و"شرح الإيضاح" في النحو الفارسي، و"مختصر غريب الحديث" لأبي عبيد. توفي سنة ٤٧١هـ. انظر: ترجمته في "طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٣، الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٣٢، طبقات القراء ١/ ٢٠٦، بغية الوعاة ١/ ٤٩٥، المنهج الأحمد ٢/ ١٣٨، شذرات الذهب ٣/ ٣٣٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٦".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وَأَبُو خَازِمٍ١ - بِالْمُعْجَمَتَيْنِ - وَكَانَ قَاضِيًا حَنَفِيًّا. وَحَكَمَ بِذَلِكَ زَمَنَ الْمُعْتَضِدِ٢ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الأَرْحَامِ. فَأَنْفَذَ حُكْمَهُ. وَكَتَبَ بِهِ إلَى الآفَاقِ٣. وَلَمْ يَعْتَبِرْ خِلافَ زَيْدٍ٤ فِي ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ هو عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو خازم. أصله من البصرة، وتفقه عليه أبو جعفر الطحاوي، ولي قضاء الشام والكوفة والكرخ من بغداد، وكان جليل القدر. وله شعر جيد. وكان ورعًا عالمًا بمذهب أبي حنيفة وبالفرائض والحساب والذرع والقسمة والجبر والمقابلة والوصايا والمناسخات. وكان من قضاة العدل. له مصنفات، منها: "المحاضر والسجلات"، و"أدب القاضي"، و"كتاب القاضي"، و"كتاب الفرائض". توفي سنة ٢٩٢هـ. وأبو خازم بالخاء المعجمة، وقيل بالحاء المهملة. انظر ترجمته في "الجواهر المضيئة ١/ ٢٩٦، الفوائد البهية ص ٨٦، طبقات الفقهاء ص ١٤١، شذرات الذهب ٢/ ٢١٠، تاج التراجم ص ٣٣، البداية والنهاية ١١/ ٩٩، الفهرست ص ٢٩٢، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٥٩". ٢ هو الخليفة العباسي أحمد بن طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أبو العباس، المعتضد بالله، كان ملكًا شجاعًا، مهيبًا، وافر العقل، شديد الوطأة، وذا سياسة عظيمة، موصوفًا بالرجولة، لقي الحروب، وعرف فضله، وهابه الناس، وسكنت الفتنة في أيامه، ونشر العدل ورفع العلم، وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملكَ بني العباس. توفي سنة ٢٨٩هـ. انظر ترجمته في "فوات الوفيات ١/ ٨٣، شذرات الذهب ٢/ ١٩٩، تاريخ الخلفاء ص ٣٦٨". ٣ قال السيوطي: "وفي سنة ٢٨٣هـ كتب المعتضد بالله كتبًا بتوريث ذوي الأرحام". تاريخ الخلفاء ص ٣٦٨. "وانظر: المسودة ص ٣٤٠، أصول السرخسي ١/ ٣١٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣١". ٤ هو الصحابي زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد الأنصاري النجاري المدني الفرضي، كاتب الوحي والمصحف. أسلم قبل مقدم النبي ﷺ للمدينة، واستصغره النبي ﷺ يوم بدر، وشهد أحدًا وقيل لا، وشهد الخندق وما بعدها مع رسول الله ﷺ وأعطاه الرسول يوم تبوك راية بني النجار. وقال: القرآن مقدم، وزيد أكثر أخذًا للقرآن، كتب الوحي لرسول الله ﷺ، وكتب له المراسلات إلى الناس، ثم كتب لأبي بكر وعمر في خلافتهما، وهو أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف، وكان عمر وعثمان يستخلفانه إذا حجَّا، وكان أعلم الصحابة بالفرائض. توفي بالمدينة سنة ٥٤هـ، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة جدًا. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٥٦١، الاستيعاب ١/ ٥٥١، تهذيب الأسماء ١/ ٢٠٠، الخلاصة ص ١٢٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلَفَاءَ الأَرْبَعَةَ يُوَرِّثُونَهُمْ١.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ٢ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ٣، وَغَيْرَهُمَا فِي غَيْرِ٤ ذَلِكَ. وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ بِإِجْمَاعِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ٥.
"وَلا" قَوْلِ "أَهْلِ الْبَيْتِ، وَ" أَهْلُ الْبَيْتِ "هُمْ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ٦" بِنْتُ
_________________
(١) ١ ومحل الاستشهاد أن الإمام أحمد البردعي أبا سعيد ردّ على أبي خازم بأن زيدًا خالف فيه، وأن الحكم القضائي استند إلى قول أحد المجتهدين فلا ينقض، فأجاب أبو خازم: لا أعدّ زيدًا خلافًا على الخلفاء الأربعة، فاعتبر اتفاقهم إجماعًا. "انظر: المسودة ص ٣٤٠، أصول السرخسي ١/ ٣١٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، مناهج العقول ٢/ ٣٥٦، نهاية السول ٢/ ٣٥٧، المستصفى ١/ ١٨٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، إرشاد الفحول ص ٨٣، مختصر الطوفي ص ١٣٥". ٢ ساقطة من ض. ٣ ساقطة من ب ض ع. ٤ ساقطة من ض ع. ٥ انظر: المستصفى ١/ ١٨٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٥، أصول السخسي ١/ ٣٢٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٦، ٢٤٩، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، الروضة ص ٧٢، أصول مذهب أحمد ص ٣٤٢. ٦ هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ، وأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وهي أصغر بنات الرسول ﵊. تزوجها علي ﵁ بعد موقعة أحد، وقيل غير ذلك. ولدت لعلي الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. وقال لها رسول الله ﷺ: "لقد زوجتك سيدًا في الدنيا والآخرة". وكان رسول الله ﷺ إذا جاء من غزوة بدأ بالمسجد، فصلى فيه ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه، وإذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها. وهي سيدة نساء المؤمنين، ومناقبها كثيرة. توفيت سنة ١١ هـ بعد وفاة رسول الله ﷺ بستة أشهر. انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٣٧٧، الاستيعاب ٤/ ٣٧٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٥٣، الخلاصة ص ٤٩٤، حلية الأولياء ٢/ ٣٩".
[ ٢ / ٢٤١ ]
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "وَنَجْلاهُمَا" هُمَا حَسَنٌ١ وَحُسَيْنٌ٢ "رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ" لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٣ أَدَارَ النَّبِيُّ ﷺ الْكِسَاءَ. وَقَالَ: "هَؤُلاءِ أَهْلُ
_________________
(١) ١ هو الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ. روى عن النبي ﷺ أحاديث. وكان شبيهًا بالنبي ﷺ، سَمَّاه النبي ﷺ وعقّ عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة، ولم يكن الحسن والحسين يسمى بهما في الجاهلية، وكان حليمًا ورعًا كريمًا. ولي الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية. وله مناقب كثيرة. توفي بالمدينة سنة ٤٩هـ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٣٢٨، الاستيعاب ١/ ٣٦٩، تهذيب الأسماء ١/ ١٥٨". ٢ هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكان يشبه رسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، حجَّ ماشيًا ٢٥ مرة، وكان فاضلًا، كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير كلها، مناقبه كثيرة. قتل ﵁ يوم عائشة بكربلاء سنة ٦١هـ. انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٣٣١، الاستيعاب ١/ ٣٧٨، تهذيب الأسماء ١/ ١٦٢، الخلاصة ص ٨٣". ٣ الآية ٣٣ من الأحزاب. وقال جماهير المفسرين إن المراد من الآيات أزواج النبي ﷺ بدليل أولها وآخرها، وأول الآية ٣٢: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، وأول الآية. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ . وأول الآية ٣٤: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِيْ بُيُوْتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ . "انظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٤، تفسير الطبري ٢٢/ ٦، تفسير الخازن ٥/ ٢١٣، تفسير البغوي ٥/ ٢١٣، تفسير القرطبي ١٤/ ١٨٢، تفسير القاسمي ١٣/ ٤٨٥٤". وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٧.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
بَيْتِي وَخَاصَّتِي. اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا" ١.
"بِإِجْمَاعٍ، وَلا حُجَّةَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٢ وَغَيْرِهِمْ، لِلأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ٣.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي "الْمُعْتَمَدِ" وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالشِّيعَةُ: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْبَيْتِ إجْمَاعٌ٤.
وَالْمُرَادُ بِالشِّيعَةِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى حُبِّ عَلِيٍّ ﵁، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِ. وَقَدْ كَانَ فِي الأَصْلِ لَقَبًا لِلَّذِينَ أَلِفُوهُ فِي حَيَاتِهِ. كَسَلْمَانَ٥، وَأَبِي ذَرٍّ،
_________________
(١) ١ الحديث رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة. ورواه الإمام أحمد والحاكم وصححه وابن جرير الطبري عن أم سلمة. ورواه مسلم عن عائشة ﵂. "انظر: تحفة الأحوذي ٩/ ٦٦، مسند أحمد ٦/ ٢٩٢، تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٤، تفسير الطبري ٢٢/ ٦، المستدرك ٢/ ٤١٦، ٣/ ١٤٦، صحيح مسلم ٤/ ١٨٨٣، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٢٩٨". ٢ ساقطة من ض. ٣ انظر: نهاية السول ٢/ ٣٥٥، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٤، المسودة ص ٣٢٩، ٣٣٣، أصول السرخسي ١/ ٣١٥، مناهج العقول ٢/ ٣٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٥، مختصر الطوفي ص ١٣٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، إرشاد الفحول ص ٨٣. ٤ وهو قول الزيدية والإمامية. "انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٤، المسودة ص ٣٣٣، نهاية السول ٢/ ٣٥٥، مناهج العقول ٢/ ٣٥٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، مختصر الطوفي ص ١٣٦، إرشاد الفحول ص ٨٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢". ٥ هو الصحابي سلمان الفارسي، أبو عبد الله، سلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ. سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، له قصة مشهورة في إسلامه. وأول مشاهده الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعدها. آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي الدرداء، وكان من فضلاء الصحابة وزهادهم وعلمائهم. وهو الذي أشار بحفر الخندق حين جاء الأحزاب. ثم سكن العراق روي له ستون حديثًا. توفي بالمدائن سنة ٣٦هـ، وقيل غير ذلك. وقيل: إنه عاش ٢٥٠ سنة فأكثر. له ثلاث بنات. وفي الحديث: "إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان". انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٦٢، الاستيعاب ٢/ ٥٦، تهذيب الأسماء ١/ ٢٢٧، الخلاصة ص ١٤٧، حلية الأولياء ١/ ١٨٥، ٣٦٨".
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَالْمِقْدَادِ١، وَعَمَّارٍ. وَغَيْرِهِمْ ﵃، ثُمَّ صَارَ لَقَبًا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَرَى تَفْضِيلَهُ عَلَى كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَيَرَى أُمُورًا أُخْرَى لا يَرْضَاهَا عَلِيٌّ ﵁، وَلا أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَلا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً. وَهَؤُلاءِ هُمْ الْمُرَادُ بِإِطْلاقِ الأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ "الشِّيعَةُ٢".
"وَمَا عَقَدَهُ أَحَدُ٣" الْخُلَفَاءِ "الأَرْبَعَةِ مِنْ صُلْحٍ" كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ "وَ" مِنْ "خَرَاجٍ" كَعَقْدِ خَرَاجِ السَّوَادِ "وَ" مِنْ "جِزْيَةٍ" وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ لا يَجُوزُ نَقْضُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ٤.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الأَصْحَابِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَ٥يَجُوزُ ذَلِكَ٦ إذَا رَأَى
_________________
(١) ١ هو الصحابي المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، واشتهر بالمقداد بن الأسود، لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث الأزهري، فتبناه فنسب إليه. ولقبه أبو الأسود، وقيل أبو عمرو أو أبو معبد، قديم الإسلام والصحبة، وهو ممن أظهر إسلامه بمكة مبكرًا، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد. وكان الفارس الوحيد في بدر. روي له اثنان وأربعون حديثًا. وشهد فتح مصر. مناقبه كثيرة. توفي سنة ٣٣هـ، ودفن بالمدينة. انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٤٥٣، الاستيعاب ٣/ ٤٧٢، تهذيب الأسماء ٢/ ١١١، حلية الأولياء ١/ ١٧٢". ٢ ساقطة من ب. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨ وما بعدها. ٣ ساقطة من ب. ٤ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، المسودة ص ٣٤١. ٥ ساقطة من ع. ٦ ساقطة من ز ش ب ع.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
ذَلِكَ الإِمَامُ. فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمُ رَأْيِهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ؛ لأَنَّ الْمَصَالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَزْمِنَةِ١.
قُلْتُ: وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ٢. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ انظر: المسودة ص ٣٤١. ٢ قال البهوتي: "وما حماه النبي ﷺ ليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه". "الروض المربع ٢/ ٢٣٣".
[ ٢ / ٢٤٥ ]