"فَصْلٌ"
"لا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِحُكْمِ الأَصْلِ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الْعِلَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، إذْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّهُ غَايَةُ الاجْتِهَادِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ الْعَمَلُ١.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْقَطْعُ "بِوُجُودِهَا" أَيْ وُجُودِ الْعِلَّةِ "فِي الْفَرْعِ" عَلَى الصَّحِيحِ٢؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ ظَنِّيًّا، فَلا يَضُرُّ كَوْنُ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا ظَنِّيًّا.
_________________
(١) ١ انظر "شرح العضد ٢/٢٣٢، تيسير التحرير ٣/٢٩٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥٣، الآيات البينات ٤/٦١، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٥، مناهج العقول ٣/١١٥". ٢ انظر "الإبهاج ٣/١٠٦، المستصفى ٢/٣٣٠، فواتح الرحموت ٢/٢٦٠، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥٣، الآيات البينات ٤/٦٢، مناهج العقول ٣/١٢٣، نهاية السول ٣/١٢٤، شرح العضد ٢/٢٣٢، روضة الناظر ص ٣١٩، مختصر الطوفي ص ١٥٢، المحصول ٢/٢/٤٩٧، تيسير التحرير ٣/٣٠٢".
[ ٤ / ٩٩ ]
وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ.
"وَلا" يُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْضًا "انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً" عَلَى الصَّحِيحِ١.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَاشْتَرَطَهُ بَعْضُهُمْ.
"وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ "النَّصُّ عَلَيْهَا أَوْ الإِجْمَاعُ عَلَى تَعْلِيلِهِ" أَيْ تَعْلِيلِ حُكْمِ الأَصْلِ.
الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أَنْ يَرِدَ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى عَيْنِ٢ تِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلا الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ٣.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ٤، فَاشْتَرَطَ أَحَدَهُمَا. عَلَى
_________________
(١) ١ انظر "المستصفى ٢/٣٤٩، فواتح الرحموت ٢/٢٩٠، تيسير التحرير ٤/٩، شرح العضد ٢/٢٣٢، حاشية البناني ٢/٢٥٣، الآيات البينات ٤/٦٢، مناهج العقول ٣/١١٥". ٢ في د ض: معنى. ٣ انظر "المسودة ص ٤٠١، الجدل لابن عقيل ص ١٦، إرشاد الفحول ص ٢٠٦، نشر البنود ٢/١١٦، المحصول ٢/٢/٤٩٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٣، ٢٢٢، الآيات البينات ٤/١١، ١٩، نهاية السول ٣/١٢٣، مناهج العقول ٣/١٢٢، الإبهاج ٣/١٠٥، فواتح الرحموت ٢/٢٥٦". ٤ هو بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي، أبو عبد الرحمن، مولى زيد بن الخطاب، =
[ ٤ / ١٠٠ ]
ظَاهِرِ كَلامِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ١.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ بِشْرٍ: اشْتِرَاطُ الأَمْرَيْنِ مَعًا٢.
"وَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ وُجُودَ مَانِعٍ" كَالأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ "أَوْ عَدَمَ شَرْطٍ" كَعَدَمِ الرَّجْمِ بِعَدَمِ٣ الإِحْصَانِ "لَزِمَ وُجُودُ الْمُقْتَضِي" مِثْلُ بَيْعِ مَنْ أَهْلُهُ فِي مَحَلِّهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ٤.
قَالَ الآمِدِيُّ: لأَنَّ٥ الْحُكْمَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْخَلْقِ، فَمَا٦
_________________
(١) = مبتدع ضال، تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم اشتغل بعلم الكلام، وأصبح داعية للقول بخلق القرآن، وهو من رؤوس المرجئة أيضًا، وإليه تنسب طائفة المريسية منهم. توفي سنة ٢١٨ هـ وقيل ٢١٩ هـ. "انظر ترجمته في الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٠٤، تاريخ بغداد للخطيب ٧/٥٦، الفوائد البهية للكنوي ص ٥٤، شذرات الذهب ٢/٤٤، حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/٢١٣، الفتح المبين ١/١٣٦". ١ ليس في ظاهر كلام صاحب جمع الجوامع ما يفيد أن بِشرًا اشترط أحدهما. وعبارة السبكي فيه: "ولا يشترط دالّ على جواز القياس عليه بنوعه أو شخصه ولا اتفاق على وجود العلة فيه خلافًا لزاعميهما". "انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢١٣، الآيات البينات ٤/١٩". ٢ عزو المصنف إلى الرازي –في حكاية قول بشر- غير سديد، حيث إن الرازي نقل عن بشر اشتراط أحدهما لا كليهما، وعبارته في المحصول ٢/٢/٤٩٤: "زعم بشر المريسي أن شرط الأصل انعقاد الإجماع على كون حكمه معللًا أو ثبوت النص على عين تلك العلة. وعندنا أن هذا الشرط غير معتبر". فتأمل!! ٣ في ش ع: بعد. ٤ انظر: نشر البنود ٢/١٣٥. ٥ في ش: وخالف في ذلك الرازي وأتباعه لأن. ٦ في ش: وأن ما.
[ ٤ / ١٠١ ]
لا فَائِدَةَ فِيهِ لَمْ يُشْرَعْ، فَانْتَفَى لِنَفْيِ فَائِدَتِهِ١.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الرَّازِيّ٢ وَأَتْبَاعُهُ٣
"وَيَصِحُّ كَوْنُ الْعِلَّةِ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ" نَحْوَ: يَصِحُّ رَهْنُ٤ مُشَاعٍ٥، كَرَهْنِهِ مِنْ شَرِيكِهِ.
وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ.
حَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ عَنْ الأَوَّلِ: إنَّهُ أَصَحُّ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّحَهُ أَيْضًا.
"وَحُكْمُ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لا بِهَا" أَيْ لا٦ بِالْعِلَّةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ٧.
_________________
(١) ١ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٥٠. ٢ المحصول ٢/٢/٤٣٨ وما بعدها. ٣ والحنفية أيضًا. "انظر: شرح العضد ٢/٢٣٢، شرح تنقيح الفصول ص ٤١١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٦١، الآيات البينات ٤/٧٥، مناهج العقول ٣/١١٤، نهاية السول ٣/١١٦، تيسير التحرير ٤/٣٧، فواتح الرحموت ٢/٢٩٢". ٤ في ض: رهنًا. ٥ في ض: مشاعًا. ٦ ساقطة من ش. ٧ انظر تحقيق المسألة في "شرح العضد ٢/٢٣٢، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٧، تيسير التحرير ٣/٢٩٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٣١، الآيات البينات ٤/٣٣، نشر البنود ٢/١٣٠، التلويح على التوضيح ٢/٥٥هـ، كشف الأسرار ٣/٣١٦".
[ ٤ / ١٠٢ ]
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ١ تَعَبُّدًا. فَلَوْ ثَبَتَ بِالْعِلَّةِ لَمْ يَثْبُتْ مَعَ عَدَمِهَا؛ وَلأَنَّهَا مَظْنُونَةٌ٢، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ، وَمُرَادُهُمْ٣: أَنَّهُ مُعَرِّفٌ لَهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: بِالْعِلَّةِ. وَمُرَادُهُمْ الْبَاعِثَةُ عَلَيْه.
فَالْخِلافُ لَفْظِيٌّ٤ اهـ.
_________________
(١) ١ في ز: ثبت. ٢ في ش: معلولة مظنونة. ٣ ساقطة من ش ز. ٤ انظر توضيح حل النزاع في القضية في شرح العضد ٢/٢٣٢.
[ ٤ / ١٠٣ ]