"فَصْلٌ"
"لا يُفْتِي إلاَّ مُجْتَهِدٌ". عِنْدَ أَكْثَرِ الأَصْحَابِ، وَمَعْنَاهُ عَنْ١ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَ٢يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ، وَقَالَ أَيْضًا٣: يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقُرْآنِ، وَالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ وَالسُّنَنِ. وَقَالَ أَيْضًا: لا يَجُوزُ الاخْتِيَارُ إلاَّ لِعَالِمٍ بِكِتَابٍ وَسُنَّةٍ٤.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الاخْتِيَارُ٥ تَرْجِيحُ قَوْلٍ، وَقَدْ يُفْتِي
_________________
(١) ١ في ض: عند. ٢ ساقطة من ب ز. ٣ ساقطة من ش ب. ٤ انظر تعريف المفتي، وشروطه، وخاصة اشتراط الاجتهاد وعدمه في "المسودة ص٥٤٤، ٥٤٥، إعلام الموقعين ١/٤٦، ٤٧، وما بعدها، ٤/٢٥٤، ٢٦٢، الأنوار ٢/٣٩٥، روضة الطالبين ١١/١٠٩، المجموع ١/٦٩، البرهان ٢/١٣٣٠، الفقيه والمتفقه ٢/١٥٢، ١٥٦، شرح الورقات ص ٢٣٠، تيسير التحرير ٤/٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/٤٠١، صفة الفتوى ص ٤، ١٣، ٢٥، عرف البشام ص ١٢ وما بعدها، الإحكام لابن حزم ٢/٦٩٠ وما بعدها، العضد على ابن الحاجب ٢/٣٠٥، اللمع ص٧١، الإحكام للآمدي ٤/٢٢٢، نهاية السول ٣/٢٥٦، المعتمد ٢/٩٢٩، الفروق ٢/١٠٧، مختصر البعلي ص ١٦٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٥، أصول مذهب أحمد ص ٦٥٤". ٥ في ز: والاختيار.
[ ٤ / ٥٥٧ ]
بِالتَّقْلِيدِ. انتهى.
وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالتَّرْغِيبِ: يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، لأَجْلِ الضَّرُورَةِ١.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُفْتِيَ، إنْ٢ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى الْمَأْخَذِ، أَهْلًا لِلنَّظَرِ.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ٣ مَنْ عَرَفَ مَذْهَبَهُ، وَقَامَ بِتَفْرِيعِ الْفِقْهِ عَلَى أُصُولِهِ، وَقَدَرَ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كَإِفْتَاءِ الْمُجْتَهِدِ بِنَفْسِهِ. فَالْمُجْتَهِدُ الْمُقَدَّمُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَهُوَ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِتَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، وَيَعْرِفُ مَأْخَذَهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ، بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ لَقَرَّرَهُ كَذَلِكَ، فَهَذَا يُفْتِي بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالْمَأْخَذِ، وَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ٤ الْوُجُوهِ. وَدُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ: أَنْ يَكُونَ فَقِيهَ النَّفْسِ، حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ، قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ، فَهَلْ لَهُ الإِفْتَاءُ٥ بِذَلِكَ؟ أَقْوَالٌ: أَصَحُّهَا يَجُوزُ٦. انتهى.
_________________
(١) ١ انظر: الفروع ٦/٤٢٢. ٢ في ض ز: إذا. ٣ في ب: المجتهدين. ٤ في ب: وهو لأصحاب. ٥ في ب: المفتي. ٦ ذكر ابن حاجب أربعة أقوال، وهي: الأول: يجوز، وهو قول الجماهير، والثاني: لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب أبي الحسين البصري، والثالث: يجوز عند=
[ ٤ / ٥٥٨ ]
وَقَالَ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ١ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ حَفِظَ مَذْهَبَ إمَامٍ أَفْتَى بِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يُفْتِي الْمُتَبَحِّرُ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي عَامِّيٍّ عَرَفَ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا٢: يُفْتِي، أَوْ إنْ كَانَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ الْمَنْعُ٣ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَصَحُّ،
_________________
(١) =عدم المجتهد، وهو قول جماعة، والرابع: يجوز إن كان مطلعًا على المأخذ، أهلًا للنظر، واختاره ابن الحاجب، ولكل قول دليله. انظر: مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٠٨، جمع الجوامع ٢/٣٩٧، وما بعدها، المعتمد ٢/٩٣٢، فواتح الرحموت ٢/٤٠٤، تيسير التحرير ٤/٢٤٩، فتح الغفار ٣/٣٧، الفروق ٢/١٠٧ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٦، نهاية السول ٣/٢٥٦، صفة الفتوى ص ١٨ وما بعدها، ٢٤، إرشاد الفحول ص ٢٦٩، الوسيط ص ٥٩٨. ١ هو أبو بكر بن أحمد بن عبد الله، أبو بكر، المعروف بالقفال المرزوي، والقفال الصغير، الفقيه الشافعي، شيخ طريقة الخرسانيين أو المراوزة، وكان معتمد المذهب في بلاده، وله مؤلفات كثيرة، وتخاريجه جيدة، وإذا أطلق القفال في كتب الفقه فهو المقصود، والقفال الشاشي أو الكبير أكثر ذكرًا في الأصول والتفسير، قال ابن السبكي عن القفال المرزوي: "كان إمامًا كبيرًا، وبحرًا عميقًا، غواصًا على المعاني الدّقيقة"، تفقه به جماعة كثيرة، ومات سنة ٤١٧هـ، ودفن بسجستان. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ٥/٥٣، وفيات الأعيان ٢/٢٥٠، شذرات الذهب ٣/٢٠٧، البداية والنهاية ١٢/٢١، تهذيب الأسماء ٢/٢٨٢، مفتاح السعادة ٢/٣٢٤، طبقات الشافعية للإسنوي ٢/٢٩٨". ٢ في ش: بدليل. ٣ في ب: لمنع.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
وَ١فِيهِ أَوْجُهٌ٢. انتهى٣.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: فَمَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ عَلَى٤ صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ: فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ٥.
وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ الإِمَامَ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَهْلُ مِصْرِهِ٦ أَصْحَابُ رَأْيٍ، وَأَصْحَابُ حَدِيثٍ لا يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ: لِمَنْ يَسْأَلُ؟ قَالَ: أَصْحَابَ الْحَدِيثِ٧.
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُمْ٨.
وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: ظَاهِرُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَاحِبَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. ٢ في ب: أو جهل. ٣ انظر: المسودة ص ٥٤٥، إعلام الموقعين ٤/٢٢٨، ٢٤٩، صفة الفتوى ص ٢٥، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٠٨، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٦، شرح الورقات ص ٢٤٣، تيسير التحرير ٤/٢٤٩، فتح الغفار ٣/٣٧، إرشاد الفحول ص ٢٦٩. ٤ من صفة الفتوى، وفي ش ز: له، وفي ب: معه. ٥ صفة الفتوى ص ٢٤. ٦ في ض: مصر، وفي ب: نصره، وفي ز: مصره. ٧ انظر: إعلام الموقعين ١/٤٩. ٨ في ب: تقليده.
[ ٤ / ٥٦٠ ]
الْحَدِيثِ أَحَقُّ بِالْفُتْيَا، وَحَمَلَهَا عَلَى أَنَّهُمْ١ فُقَهَاءُ، أَوْ٢ أَنَّ السُّؤَالَ يَرْجِعُ إلَى الرِّوَايَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ: "لا يَكُونُ فَقِيهًا حَتَّى يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ٣ حَدِيثٍ" وَحَمَلَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالاحْتِيَاطِ٤، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ "الأُصُولُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْفًا، أَوْ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ"٥.
وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ ابْنَ شَاقِلا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِهِ٦، فَقَالَ: إنْ كُنْت لا أَحْفَظُ فَإِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ٧ أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي: لا يَقْتَضِي هَذَا: أَنَّهُ٨ كَانَ يُقَلِّدُ أَحْمَدَ، لِمَنْعِهِ الْفُتْيَا بِلا عِلْمٍ٩.
_________________
(١) ١ في ب: أنه. ٢ في ض ز: و. ٣ في ض: أربعة آلاف. ٤ انظر: المسودة ص ٥١٣ وما بعدها، صفة الفتوى ص ٢٠، إعلام الموقعين ١/٤٧، ٤/٢٦٢، الرد على من اخلد إلى الأرض ص ١٥١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٨١. ٥ انظر: المسودة ص ٥١٦. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ض: يحفظه. ٨ في ض: أن. ٩ انظر: المسودة ص ٥١٦، إعلام الموقعين ١/٤٧.
[ ٤ / ٥٦١ ]
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُ، إلاَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَخْذِ١ طُرُقِ الْعِلْمِ مِنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ: لا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَسْمَعُ٢ مِنْ٣ مُفْتٍ.
وَرُوِيَ٤ عَنْ ابْنِ بَشَّارٍ٥: مَا أَعِيبُ عَلَى رَجُلٍ حَفِظَ لأَحْمَدَ خَمْسَ مَسَائِلَ اسْتَنَدَ٦ إلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ يُفْتِي بِهَا٧. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي فَضْلِهِ٨.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا٩ صَرِيحٌ فِي١٠ الإِفْتَاءِ بِتَقْلِيدِ أَحْمَدَ.
_________________
(١) ١ في ض ز: أخذه. ٢ في ش ب: سمع. ٣ في ش: عن. ٤ في ز: ورُوي. ٥ هو علي بن محمد بن بشار، أو الحسن، الزاهد العارف، حدث عن أبي بكر المروذي، وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد، وغيرهم وسمع جميع مسائل صالح لأبيه أحمد من صالح، وحدث بها، وسمعها منه جماعة، وكان شيوخ الحنابلة في زمانه يقصدونه ويعظمونه، توفي سنة ٣١٣هـ. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ٢/٥٧، المنهج لأحمد ٢/٧، شذرات الذهب ٢/٢٦٧". وهناك الحسين بن بشار ممن أخذ عن أحمد، "انظر: طبقات الحنابلة ١/١٤٢". ٦ في ش: أن يستند. ٧ انظر: طبقات الحنابلة ٢/٦٣، ١٤٢، المنهج لأحمد ٢/١١، إعلام الموقعين ٤/٢٥٣، الفروع ٦/٤٢٢. ٨ انظر: إعلام الموقعين ٤/٢٥٣، أصول مذهب أحمد ص ٦٥٦. ٩ في ش: هو. ١٠ في ض ز: ب.
[ ٤ / ٥٦٢ ]
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ إلاَّ تَوْلِيَةَ١ قَاضٍ مُجْتَهِدٍ: إنَّمَا عَنَى قَبْلَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَانْحِصَارِ٢ الْحَقِّ فِيهَا٣.
وَقَالَ الآمِدِيُّ: بِجَوَازِ٤ بَعْضِ الإِفْتَاءِ بِالتَّقْلِيدِ٥. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ بَشَّارٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الإِيضَاحِ٦، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي مِنْ أَصْحَابِنَا. كَالْحَنَفِيَّةِ؛ لأَنَّهُ نَاقِلٌ كَالرَّاوِي.
رُدَّ، لَيْسَ إذًا مُفْتِيًا٧، بَلْ مُخْبِرٌ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ، وَزَادَ٨: فَيَحْتَاجُ٩ مُخْبِرٌ١٠ عَنْ مُعَيَّنٍ مُجْتَهِدٍ١١، فَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ لا بِفُتْيَاهُ١٢.
_________________
(١) ١ في ب: التولية. في ٢ ض ب ز: وانحصر. وانظر المسودة ص ٥٣٩. ٣ في ب: فيه، وانظر المسودة ص ٥٣٨. ٤ في ض ب ز: جوز. ٥ انظر: الإحكام للآمدي ٤/٢٣٦ بالمعنى. ٦ في ش: الافصاح. والايضاح لأبي الفرج المقدسي الشيرازي. ٧ في ش: بفتيا. ٨ ساقطة من ب. ٩ في ب: فيحتاجه. ١٠ في ض ب: يخبر. ١١ ساقطة من ب. ١٢ انظر: الفروع ٦/٤٢٢، ٤٢٨، والمراجع السابقة التي ذكرناها عند بيان الأقوال الأربعة في فتوى غير المجتهد.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
"وَلا يَجُوزُ خُلُوٌّ عَنْهُ" أَيْ: عَنْ١ مُجْتَهِدٍ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَطَوَائِفَ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا٢: ذَكَرَهُ أَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الأُصُولِ فِي مَسَائِلِ الإِجْمَاعِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَقِيلٍ خِلافَهُ، إلاَّ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ وَجَمْعٌ مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ٣.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ ساقطة من ب. ٣ اختلفت أراء العلماء في مألة جواز خلو العصر من مجتهدن فقال الجمهور بجواز ذلك، واختاره الآمدي وابن الحاجب والغزالي والقفال وغيرهم، وقال طائفة بعدم جوازه، وأن الاجتهاد فرض في كل عصر، وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وغيره، وأيده الشوكاني والشهرستاني، وتحمس له السيوطي ﵀، وألف فيه كتابًا، وذكر اتفاق العلماء من جميع المذاهب عليه، ونقل نصوصهم في مختلف العصور، وأجاز ابن دقيق العيد ذلك عند أشراط الساعة فقط، وكان الأجدر أن تذكر هذه المسألة في فصل الاجتهاد. انظر: مجموع الفتاوى ٢٠/٢٠٤، إعلام الموقعين ٢/٢٧٠، ٢٧٥، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٣، المسودة ص٤٧٢، مختصر البعلي ص١٦٧، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/٣٩٨، فتح الغفار ٣/٣٧، فواتح الرحموت ٢/٣٩٩، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٣٠٧، تيسير التحرير ٤/٢٤٠، إرشاد الفحول ص ٢٥٣، أصول مذهب أحمد ص ٦٣٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩١، الرد عل من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، للسيوطي ص ٦٧، ٩٧ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٥، الملل والنحل ١/٢٠٥، الوسيط ص ٥١٣.
[ ٤ / ٥٦٤ ]
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ١ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ" إلَى آخِرِهِ٢ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ٣؛ لأَنَّ أُمَّتَهُ آخِرُ الأُمَمِ. وَعَلَيْهَا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَشْرَاطُهَا، وَضَعُفَ الدِّينُ، فَلا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ أُمَّتِهِ مَنْ
_________________
(١) ١ هو محمد بن يوسف بن علي، شمس الدين الكرماني، أصله من كرمان، ثم اشتهر في بغداد، لأنه تصدى لنشر العلم فيها ثلاثين سنة، وأقام مدة بمكة، ودخل مصر والشام، وكان عالما في الفقه والحديث والتفسير والتوحيد وأصول الفقه والمعاني والعربية، وكان فيه بشاشة وتواضع للفقراء والعلماء، ألف كتبًا كثيرة منها "شرح البخاري" وسماه "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" وشرح "مختصر ابن الحاجب" في الأصول مع مختصرات أخرى، وسمى شرحه: "السبعة السيارة"، وتوفي أثناء رجوعه من الحج عام ٧٨٦هـ، وحمل إلى بغداد، ودفن فيها. انظر ترجمته في "الدرر الكامنة ٥/٧٧، الأعلام ٨/٢٧، الفتح المبين ٢/٢٠٢، مفتاح السعادة ١/٢١٢". ٢ رواه البخاري وغيره، وسبق تخريجه "١/٣٢٤هـ،٢/٢٢١" وانظر: صحيح البخاري مع حاشية السندي ٢/١٢٦، ١٨٥، ٤/١٧٨، ١٩٦، صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢/٣٨، ٤/١٩٤، ١٣/٩٢. ٣ هو علي بن خلف بن عبد الملك، الإمام أبو الحسن، الحافظ، الفقيه، الشهير بابن بطال المالكي، من أهل قرطبة، كان من أهل الفهم والعلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة، وأتقنه، وحدث عنه جماعة من العلماء، وشرح "صحيح البخاري" قال القاضي عياض عنه: "يتنافس فيه، كثير الفائدة"،وله كتاب في الزهد والرقائق، وخرج إلى بلنسية، وتوفي سنة ٤٤٩هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "الديباج المذهب ص ٢٠٣، شجرة النور الزكية ص ١١٥، ترتيب المدرك ٢/٨٢٧، شذرات الذهب ٣/٢٨٣، تذكرة الحفاظ ٣/١١٢٧".
[ ٤ / ٥٦٥ ]
يَقُومُ بِهِ١.
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يَقُولَ أَحَدٌ: اللَّهُ اللَّهُ"٢ وَقَالَ أَيْضًا "لا تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ" ٣.
قُلْنَا: هَذِهِ الأَحَادِيثُ لَفْظُهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْخُصُوصُ. فَمَعْنَاهُ: لا تَقُومُ عَلَى أَحَدٍ يُوَحِّدُ اللَّهَ تَعَالَى إلاَّ بِمَوْضِعِ كَذَا، ٤إذْ لا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الْقَائِمَةُ بِالْحَقِّ الَّتِي تُوَحِّدُ اللَّهَ
_________________
(١) ١ هذا من كلام الكرماني، ولم ينسبه إلى ابن بطال، "انظر: صحيح البخاري بشرح الكرماني ٢/٣٨-٣٩". ٢ هذا الحديث رواه مسلم والترمذي وأحمد عن أنس مرفوعًا. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٧٠، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٦/٤٥١، مسند أحمد ٣/١٠٧، ٢٠١، ٢٥٩. ٣ هذا الحديث رواه أحمد عن ابن مسعود، ورواه ابن ماجه عن أنس، والحاكم عن أبي أمامة، ورواه مسلم موقوفًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ورد عليه عقبة بن عامر بالحديث المرفوع: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين "، قال عبد الله: أجل ثم يبعث الله ريحا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة". انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/٦٧،٦٨، سنن ابن ماجه ٢/١٣٤١، مسند أحمد ١/٣٩٤، المستدرك ٤/٤٤٠، الفقيه والمتفقه ١/٥، الرد على من أخلد إلى الأرض ص ١١١، الفتح الكبير ٣/٣٣٤. ٤ في ش ب تكرار وزيادة مشوشة: "إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق التي توحد الله تعالى إلا بموضع كذا، فإن به طائفة قائمة على الحق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بموضع كذا، إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق التي توحد الله تعالى هي شرار الخلق".
[ ٤ / ٥٦٦ ]
تَعَالَى هِيَ١ شِرَارُ الْخَلْقِ. وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ٢. قِيلَ: وَأَيْنَ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ أَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" ٣ انتهى٤.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَاخْتَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ، وَكَذَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ٥ الإِلْمَامِ٦، بَلْ٧ أَشَارَ٨ إلَى ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ٩، وَكَذَا ابْنُ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ، لَكِنَّ كَلامَهُمْ مُحْتَمِلٌ الْحَمْلَ عَلَى عِمَارَةِ الْوُجُودِ
_________________
(١) ١ في ش ب: هم. ٢ ساقطة من ض ب ز. ٣ حديث أبي أمامة رواه الإمام أحمد مرفوعًا، وروى البخاري قريبًا منه عن معاوية ومعاذ، "انظر: مسند أحمد ٥/٢٦٩، صحيح البخاري بشرح الكرماني ٤/١٩٤". وسبق تخريج الحديث كاملًا "٢/٢٢١". ٤ انتهى كلام الكرماني عن نفسه، ولم ينقل النص السابق عن ابن بطال، وإنما ذكر بعد ذلك كلامًا للنووي، وبعده نقل كلام ابن بطال، وهو: "وفي الحديث فضل العلماء على سائر الناس " "انظر: صحيح البخار بشرح الكرماني ٢/٣٨-٣٩". ٥ ساقطة من ز. ٦ في ض: الإمام. ٧ ساقطة من ز. ٨ في ب: إشارة. ٩ البرهان ٢/١٣٤٦.
[ ٤ / ٥٦٧ ]
بِالْعُلَمَاءِ، لا عَلَى خُصُوصِ الْمُجْتَهِدِينَ. انتهى.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: جَوَازَ ذَلِكَ، إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ١.
وَقِيلَ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ عُدِمَ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَمِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ٢، مَعَ أَنَّهُ٣ الآنَ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ الْحَدِيثَ، وَالْفِقْهَ قَدْ دُوِّنَا، وَكَذَا٤ مَا يَتَعَلَّقُ بِالاجْتِهَادِ مِنْ الآيَاتِ وَالآثَارِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْهِمَمَ قَاصِرَةٌ، وَالرَّغَبَاتِ فَاتِرَةٌ، وَنَارَ الْجِدِّ وَالْحَذَرِ٥ خَامِدَةٌ، ٦وَعَيْنَ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ٧ جَامِدَةٌ، اكْتِفَاءً٨ بِالتَّقْلِيدِ، وَاسْتِغْنَاءً٩ عَنْ١٠
_________________
(١) ١ جمع الجوامع ٢/٣٩٨. ٢ ساقطة من ض. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ض: كذا وكذا. ٥ في ش: والحزر. ٦ ساقطة من صفة الفتوى. ٧ في ش ب: الخشية والخوف. ٨ في ض: اكتفى ٩ في ض: واستغنى. ١٠ في ب: من.
[ ٤ / ٥٦٨ ]
التَّعَبِ الْوَكِيدِ١، وَهَرَبًا مِنْ٢ الأَثْقَالِ، وَأَرَبًا فِي تَمْشِيَةِ الْحَالِ، وَبُلُوغِ الآمَالِ، وَلَوْ بِأَقَلِّ الأَعْمَالِ٣.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فُقِدَ الآنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَمِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ٤، نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ٥ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ لِجَمْعِ٦ الْجَوَامِعِ٧.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَالْمُجْمِعِينَ أَنْ لا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ. نَقَلَهُ الأَرْدَبِيلِيُّ٨
_________________
(١) ١ في ش: الوليد وفي "مختار الصحاح ص ٧٣٤": "التوكيد لغة في التأكيد، وقد وكّد الشيء وأوكدهبمعنى، والواو أفصح". ٢ في ضض: عن. ٣ صفة الفتوى ص ١٧. ٤ المجموع بشرح المهذب ١/٧١، وانظر: المسودة ص ٥٤٧. ٥ في ب: الأسيوطي. ٦ في ز: منظومة جمع. ٧ نقل السيوطي عبارة الفقهاء بأن المجتهد المطلق فقد من قديم في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض ص ١١٢ وما بعدها" وانتقدها وعقب عليها بكلام طويل، وبين الفرق بين المجتهد المستقل الذي استقل بقواعد لنفسه، فإنه فقد من دهر، وبين المجتهد المطلق غير المستقل الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل ثم لم يبتكر قواعد، وهذا متوفر، وهو فرض كفاية على الأمة في كل عصر وزمان. ٨ هو يوسف بن إبراهيم، الأردبيلي، جمال الدين، الشافعي، الفقيه من أهل أردبيل في بلاد أذربيجان، كان كبير القدر، غزير العلم، وله كتاب: "الأنوار لعمل الأبرار" في الفقه الشافعي، جمع فيه ما تعم به البلوى من المسائل المهمة التي لا تذكر في الكتب المعتمدة، وعليه تعليقات، وله شرح مختصر، بقي جمال الدين في أردبيل، ومات فيها سنة ٧٩٩هـ، وقيل غير ذلك. ١ انظر ترجمته في "الدرر الكامنة ٥/٢٥٩، كشف الظنون ١/١٦٧، الأعلام للزركلي ٩/٢٨٢".
[ ٤ / ٥٦٩ ]
فِي الأَنْوَارِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لَمَّا نَقَلَ كَلامَهُمَا: وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀.
قَالَ٢ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ٣ وَالْبُلْقِينِيُّ٤.
"وَمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ حُكْمٍ فَإِخْبَارٌ٥ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ، لا فُتْيَا" قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ. وَتَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ٦.
"وَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ" أَيْ: بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ "إنْ كَانَ عَدْلًا" لأَنَّهُ نَاقِلٌ. كَالرَّاوِي.
_________________
(١) = الدين في أردبيل، ومات فيها سنة ٧٩٩هـ، وقيل غير ذلك. ١ انظر ترجمته في "الدرر الكامنة ٥/٢٥٩، كشف الظنون ١/١٦٧، الأعلام للزركلي ٩/٢٨٢". الأنوار ٢/٣٩٥. ٢ في ش: قاله. ٣ في ض ع ب: وابن السبكي. ٤ انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض ص ١١٧ وما بعدها، إرشاد الفحول ص ٢٥٣-٢٥٤. ٥ في ض فأخبر. ٦ صفحة ٤١٥-٤١٦، وانظر: المراجع المشار إليها هناك، إعلام الموقعين ٤/٢٥٣، ٢٧٣.
[ ٤ / ٥٧٠ ]
"وَلِعَامِّيٍّ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ: الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ١، وَقَالَهُ٢ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ٣.
وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ اعْتَقَدَهُ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا، لا٤ إنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا٥؛ لأَنَّهُ٦ لَيْسَ مِنْ الْقَوَاعِدِ: أَنْ يُعْدَلَ٧ عَنْ الرَّاجِحِ إلَى الْمَرْجُوحِ٨.
_________________
(١) ١ الروضة ص ٣٨٥. ٢ في ض: وقال. ٣ قال بجواز تقليد المفضول أكثر العلماء، ورجحه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن بدران قال: "الأظهر وجوب متابعة الأفضل". انظر: نزهة الخاطر ٢/٤٥٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤، مختصر البعلي ص ١٦٧، مختصر الطوفي ص ١٨٥، المسودة ص ٤٦٢، ٤٦٤، إعلام الموقعين ٤/٣٣٠، صفة الفتوى ص ٥٦، المستصفى ٢/٣٩٠، المنخول ص ٤٧٩، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٢، التمهيد ص ١٦٣، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩، جمع الجوامع ٢/٣٩٥، غاية الوصول ص ١٥١، تيسير التحرير ٤/٢٥١، فتح الغفار ٣/٣٧، البرهان ٢/١٣٤٢، فواتح الرحموت ٢/٤٠٤، القواعد للعز بن عبد السلام ٢/١٥٩، الرد على من أخلد إلى الأرض ص١٥٤، ١٥٦، إرشاد الفحول ص ٢٧١. ٤ في ب: لأن. ٥ في ض: مفضول. ٦ في ض: ولأنه. ٧ في ب: تعدل. ٨ نقل ابن الحاجب عن أحمد وابن سريج وجوب تقديم الأرجح، واختار ابن السبكي جواز تقليد المفضول إن اعتقده فاضلًا. انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩، جمع الجوامع ٢/٣٩٥، الروضة ص ٣٨٥، إرشاد الفحول ص ٢٧٢.
[ ٤ / ٥٧١ ]
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ وَالسَّمْعَانِيُّ: يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ. فَيُقَدَّمُ الأَرْجَحُ.
وَمَعْنَاهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَالْمُوَفَّقِ فِي الْمُقْنِعِ١. وَلأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ٢.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كَانَ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، مَعَ الاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ٣، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَائِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِفْتَاءِ٤ الْفَاضِلِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٥ وَأَيْضًا: فَالْعَامِّيُّ٦ لا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ. وَلَوْ كُلِّفَ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْلِيفًا بِضَرْبٍ مِنْ الاجْتِهَادِ.
لَكِنْ زَيَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ، وَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ، وَإِلَى٧ غَيْرِهِ لِكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَتَقْدِيمِ
_________________
(١) ١ انظر: المقنع ٤/٢٤٥. ٢ أيد ابن القيم قول ابن عقيل في الاجتهاد وتقديم الأرجح. انظر: إعلام الموقعين ٤/٣٣٠، صفة الفتوى ص٦٩، ٨٢، المسودة ص ٤٦٢، ٤٦٣، ٤٦٤، ٤٧١، المعتمد ٢/٩٣٩، فواتح الرحموت ٢/٤٠٤، تيسير التحرير ٤/٢٥١ وما بعدها. ٣ ساقطة من ب. ٤ ساقطة من ب. ٥ الآية ٧ من الأنبياء ٦ في ض: العامي. ٧ في ع ب ز: و.
[ ٤ / ٥٧٢ ]
الْعُلَمَاءِ لَهُ١.
"وَيَلْزَمُهُ" أَيْ٢: وَيَلْزَمُ الْعَامِّيَّ "إنْ بَانَ لَهُ الأَرْجَحُ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ "تَقْلِيدُهُ" فِي الأَصَحِّ. زَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: فِي الأَظْهَرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ نَظَرٌ٣، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سُؤَالِ آحَادِ الصَّحَابَةِ مَعَ وُجُودِ أَفَاضِلِهِمْ٤.
"وَيُقَدَّمُ الأَعْلَمُ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ "عَلَى الأَوْرَعِ" فِي الأَصَحِّ؛ لأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِالأَعْلَمِ؛ وَلأَنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسَائِلِ الاجْتِهَادِ بِالْوَرَعِ٥.
"وَيُخَيَّرُ" الْعَامِّيُّ "فِي" تَقْلِيدِ أَحَدِ "مُسْتَوَيَيْنِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩. ٢ ساقطة من ش ب. ٣ في ش: نظرًا. ٤ انظر: المجموع ١/٩٠، روضة الطالبين ١١/١٠٤، المستصفى ٢/٣٩٠، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٧، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩، صفة الفتوى ص ٥٦، المسودة ص ٤٦٤، ٥٣٧ وما بعدها، نزهة الخاطر ٢/٤٥٤، إعلام الموقعين ٤/٣٣١، اللمع ص ٢٢، المحصول ٢/٣/١١٣. ٥ انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٤، ١١٢، المسودة ص ٤٦٣، ٥٣٨، صفة الفتوى ص ٨٢، المنخول ص ٤٨٣، التمهيد ص ١٦٣، جمع الجوامع ٢/٣٩٦، المحصول ٢/٣/١١٣، البرهان ٢/١٣٤٤، المعتمد ٢/٩٤٧.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ١.
قَالَ٢ فِي الرِّعَايَةِ: وَلا يَكْفِيهِ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِنْ سُكُونِ النَّفْسِ وَالطُّمَأْنِينَةِ بِهِ.
وَقِيلَ لأَحْمَدَ: مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَك؟ قَالَ: عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ٣، فَإِنَّهُ صَالِحٌ، مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لِلْحَقِّ٤.
"وَلا يَلْزَمُهُ" أَيْ: لا يَلْزَمُ٥ الْعَامِّيَّ "التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ" فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ٦.
_________________
(١) ١ وهذا ما نص عليه الغزالي والآمدي وابن الحاجب والمجد وغيرهم. انظر: المسودة ص ٤٦٦، صفة الفتوى ص ٦٩، المحصول ٢/٣/١١٣، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٧، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩، مختصر البعلي ص ١٦٩، البرهان ٢/١٣٤٤، المعتمد ٢/٩٤٠، المستصفى ٢/٣٩٠، أصول مذهب أحمد ص ٦٦٣. ٢ في ش ب ز: وقال. ٣ هو عبد الوهاب بن عبد الحكم، ويقال: ابن الحكم بن نافع، أبو الحسن البغدادي، الوراق، النسائي الأصل، صحب الإمام أحمد، وأثنى عليه، وسمع منه، ومن أناس كثيرين، وكان صالحًا ورعًا زاهدًا عاقلًا، عاش في بغداد، وقال عنه الإمام أحمد: قلّ من يرى مثله، وكان ثقة في الحديث، روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي، تفي سنة ٢٥١هـ وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "طبقات الحنابلة ١/٢٠٩، المنهج لأحمد ١/١٢٣، الخلاصة ٢/١٨٦". ٤ انظر: المنهج لأحمد ١/١٢٥، طبقات الحنابلة ١/٢١١. ٥ ساقطة من ب ش. ٦ وهذا ما رجحه ابن القيم وقال: "وهو الصواب المقطوع به " ورجحه النووي وابن برهان وغيرهما، وقال ابن السبكي وزكريا الأنصاري والكيا الهراسي: =
[ ٤ / ٥٧٤ ]
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الأَخْذِ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ١ " طَاعَةُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ: وَ٢هُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ، وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِهِ٣، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ خَالَفَهُ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ٤، أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ، أَوْ تَقْوَى، فَقَدْ٥ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلا نِزَاعٍ. وَقَالَ أَيْضًا: بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ.
وَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ٦: مَا ظَنَّهُ أَقْوَى،
_________________
(١) = والأصح أنه يجب التزام مذهب معين. انظر: المجموع ١/٩٠-٩١، روضة الطالبين ١١/١١٧، مختصر البعلي ص ١٦٨، المسودة ص ٤٦٥، إعلام الموقعين ٤/٣٣١، صفة الفتوى ص ٧١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٢، جمع الجوامع ٢/٤٠٠، الوسيط ص ٥٧٨، غاية الوصول ص ١٥٢، تيسير التحرير ٤/٢٥٣، إرشاد الفحول ص ٢٥٢. ١ في ش: وعن أئمة. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر: المسودة ص ٥١٢. ٤ في ش: دين. ٥ في ش: فهو. ٦ هو أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو الحسين القدوري الحنفي صاحب المختصر المشهور في الفقه، انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق، وكان حسن العبارة، وروى الحديث، وكان صدوقا، صنف "المختصر" المعروف باسمه، وهو من أشهر المختصرات عند الحنفية، وعليه شروح كثيرة، كما صنف "التجريد" في الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة، و"التقريب" في الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه، وكان يناظر أبا حامد الإسفراييني الشافعي، وروى عنه الخطيب البغدادي الحديث، وكان مديمًا لقراءة القرآن، مات ببغداد سنة ٤٢٨هـ. انظر ترجمته "الفوائد البهية ص ٣٠، تج التراجم ص٧، وفيات الأعيان ١/٦٠، البداية والنهاية ١٢/٢٤، الأعلام ١/٢٠٦، مفتاح السعادة ٢/٢٨٠"
[ ٤ / ٥٧٥ ]
فَعَلَيْهِ١ تَقْلِيدُهُ فِيهِ، وَلَهُ الإِفْتَاءُ بِهِ حَاكِيًا مَذْهَبَ مَنْ قَلَّدَهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ: أَنْ يُقِيمَ أَوْثَانًا فِي الْمَعْنَى تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِثْلَ: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، فَيَقُولَ٢: هَذَا لَيْسَ٣ مَذْهَبُنَا، تَقْلِيدًا لِمُعَظَّمٍ عِنْدَهُ، قَدْ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَقِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ، فَلا يَحْكُمُ، وَلا يُفْتِي إلاَّ بِقَوْلِهِ٤.
وَقِيلَ: بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذَا الأَشْهَرُ، فَلا يُقَلِّدُ غَيْرَ أَهْلِهِ٥، وَقَالَ فِي مُصَنَّفِهِ آدَابِ الْمُفْتِي: يَجْتَهِدُ فِي أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ فَيَتَّبِعُهُ٦ وَقَطَعَ إلْكِيَا مِنْ
_________________
(١) ١ في ش: عليه. ٢ في ش: فيقول مثلًا. ٣ في ش: هذ، وفي ب: ليس هذا. ٤ الإحكام لابن حزم ٢/٧٩٣، ٨٤٤، ٨٦١. ٥ يرى كثير من العلماء أن المقلد لا يجوز له أن يحكم بخلاف رأي إمامه، ولو كان معتقدًا ترجيح ذلك. انظر: شرح منتهى الإرادات ٤/٢٦٢، الإحكام للآمدي ٢٠٣. ٦ صفة الفتوى ص ٧٢، ٨٢، وانظر: إعلام الموقعين ٤/٣٣١، جمع الجوامع ٢/٤٠٠، البرهان ٢/١٣٥٣، شرح منتهى الإرادات ٤/٢٦٢، إرشاد الفحول ص ٢٧٢.
[ ٤ / ٥٧٦ ]
الشَّافِعِيَّةِ بِلُزُومِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا كَلامُ الأَصْحَابِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ.
"وَلا" يَلْزَمُهُ١ أَيْضًا "أَنْ لا يَنْتَقِلَ مِنْ٢ مَذْهَبٍ عُمِلَ بِهِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ "فَيَتَخَيَّرُ فِي الصُّورَتَيْنِ" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَلامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَغَيْرِهِ٣.
"وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ "تَتَبُّعُ الرُّخَصِ" وَهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا وَجَدَ رُخْصَةً فِي مَذْهَبٍ عَمِلَ بِهَا، وَلا يَعْمَلُ بِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ.
"وَيَفْسُقُ بِهِ" أَيْ: بِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ. لأَنَّهُ لا يَقُولُ بِإِبَاحَةِ جَمِيعِ الرُّخَصِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّ٤ الْقَائِلَ٥ بِالرُّخْصَةِ فِي
_________________
(١) ١ روضة الطالبين ١/١١١، ١١٧، وانظر: المجموع ١/٩١، المسودة ص ٤٦٥، ٤٧٢، القواعد للعز بن عبد السلام ٢/١٥٩. ٢ في ض ع ز: عن. ٣ ذكر ابن الحاجب وغيره ثلاثة أقوال في حكم الانتقال من مذهب إلى مذهب آخر، بالمنع والجواز والتفضيل. انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٨، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣٢، التمهيد ص ١٦٢، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/٢٠٩، جمع الجوامع ٢/٤٠٠، الإحكام للآمدي ٤/٢٣٨، تيسير التحرير ٤/٢٥٣، فتح الغفار ٣/٣٧، فواتح الرحموت ٢/٤٠٦، القواعد للعز بن عبد السلام ٢/١٥٨، إرشاد الفحول ص ٢٧٢. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ش: فالقائل.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
هَذَا الْمَذْهَبِ لا يَقُولُ بِالرُّخْصَةِ١ الأُخْرَى الَّتِي٢ فِي غَيْرِهِ٣.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ إجْمَاعًا٤.
وَمِمَّا يُحْكَى: أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَتَبَّعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. وَجَمَعَهَا فِي كِتَابٍ، وَذَهَبَ بِهِ٥ إلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، فَعَرَضَهُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الأَعْيَانِ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ " يَا٦ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ زَنْدَقَةٌ فِي الدِّينِ، وَلا يَقُولُ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"٧.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ، فِي فِسْقِ مَنْ٨ أَخَذَ بِالرُّخَصِ رِوَايَتَيْنِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُتَأَوِّلٍ أَوْ مُقَلِّدٍ.
_________________
(١) ١ في ض: الرخص. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٨، مختصر البعلي ص ١٦٨، المسودة ص ٢١٨وما بعدها، إعلام الموقعين ٤/٢٨٣، المستصفى ٢/٣٩١، جمع الجوامع ٢/٤٠٠، تيسير التحرير ٤/٢٥٤، فواتح الرحموت ٢/٤٠٦، الموافقات ٤/٩٣، ٩٦، إرشاد الفحول ص ٢٧٢، الوسيط ص ٥٨٣. ٤ انظر: فواتح الرحموت ٢/٤٠٦. ٥ ساقطة من ب. ٦ ساقطة من ض. ٧ هذه الحكاية ذكرها البيهقي عن القاضي إسماعيل، قال دخلت على المعتضد فرفع إليّ كتابًا " وتتمته: "وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق الكتاب" "انظر: إرشاد الفحول ص ٢٧٢". ٨ ساقطة من ض.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَرُوِيَ عَدَمُ فِسْقِهِ عَنْ ابْنِ١ أَبِي هُرَيْرَةَ٢.
"وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ مُجْتَهِدٌ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ، وَ" فِيمَا "عَلَيْهِ" حَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إجْمَاعًا، وَهُوَ وَاضِحٌ٣.
"وَإِنْ عَمِلَ عَامِّيٌّ" فِي حَادِثَةٍ "بِمَا٤ أَفْتَاهُ مُجْتَهِدٌ لَزِمَهُ" الْبَقَاءُ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا إجْمَاعًا. نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ٥ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا٦.
"وَإِلاَّ" أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَفْتَاهُ الْمُجْتَهِدُ "فَلا" يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر: روضة الطالبين ١١/١٠٨، جمع الجوامع ٢/٤٠٠، إرشاد الفحول ص ٢٧٢. ٣ انظر الفروع ٦/٤٢٣، إعلام الموقعين ٤/٢٢٨، ٣٣٤، مختصر البعلي ص ١٦٨. ٤ في ض: فيما. ٥ مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩. ٦ نقل الآمدي وابن الحاجب الإجماع على عدم جواز رجوع المقلد فيما عمل به من الفتوى، وقال الزركشي بوجود الخلاف في المسألة، وقال الشيخ زكريا الأنصاري: "يجوز له الرجوع فيها". انظر: الإحكام للآمدي ٤/٢٣٨، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩، جمع الجوامع ٢/٣٩٩، غاية الوصول شرح لب الأصول ص ١٥٢، تيسير التحرير ٤/٢٥٣، فتح الغفار ٣/٣٧، التمهيد ص ١٦١، ١٦٢، إرشاد الفحول ص ٢٧٢، فواتح الرحموت ٢/٤٠٥.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
"إلاَّ بِالْتِزَامِهِ" ذَلِكَ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: هَذَا الأَشْهَرُ.
وَقِيلَ: مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ حَقٌّ، فَعَلَى هَذَا لا بُدَّ مِنْ شَيْئَيْنِ: الْتِزَامُهُ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ حَقٌّ، اخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ بِظَنِّهِ٢ أَنَّهُ حَقٌّ فَقَطْ٣.
"وَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ "مُجْتَهِدَانِ" بِأَنْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِحُكْمٍ، وَالآخَرُ بِغَيْرِهِ "تَخَيَّرَ٤" فِي الأَخْذِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمَجْدُ٥، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ٦ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ٧، فَإِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الطَّلاقِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلَ حَنِثَ، فَقَالَ السَّائِلُ: إنْ أَفْتَانِي
_________________
(١) ١ انظر روضة الطالبين ١١/١١٧، المجموع ١/٩٣، مختصر البعلي ص ١٦٨، المسودة ص ٥٢٤، إعلام الموقعين ٤/٢٨٣، ٣٣٤، صفة الفتوى ص ٨١، مختصر ابن الحاجب ٢/٣٠٩، جمع الجوامع ٢/٣٩٩ وما بعدها. ٢ في ز: لظنه. ٣ انظر: روضة الطالبين ١١/١١٨، المسودة ص ٥٢٤، صفة الفتوى ص ٨١. ٤ في ب: يخير. ٥ المسودة ص ٥١٩. ٦ في ض ب ع: وذكره. ٧ انظر: صفة الفتوى ص ٨١، المجموع ١/٩٢، المسودة ص ٤٦٣، ٤٦٧، ٥١٩، ٥٣٨ وما بعدها، المستصفى ٢/٣٩١، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٢، المحصول ٢/٣/١١٢، اللمع ص ٧٢، الروضة ص ٣٨٥، مختصر البعلي ص ١٦٧، أصول مذهب أحمد ص ٧٠٠، إرشاد الفحول ص ٢٧١.
[ ٤ / ٥٨٠ ]
إنْسَانٌ أَنْ١ لا أَحْنَثَ. قَالَ: تَعْرِفُ٢ حَلْقَةَ الْمَدَنِيِّينَ٣؟ قُلْت: فَإِنْ أَفْتَوْنِي حَلَّ. قَالَ: نَعَمْ٤.
وَقِيلَ. يَأْخُذُ بِقَوْلِ الأَفْضَلِ٥ عِلْمًا وَدِينًا. فَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ٦، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُوَفَّقِ فِي الرَّوْضَةِ٧.
وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالأَغْلَظِ وَالأَثْقَلِ مِنْ قَوْلَيْهِمَا.
وَقِيلَ: بِالأَخَفِّ.
وَقِيلَ: بِالأَرْجَحِ دَلِيلًا.
وَقِيلَ: يَسْأَلُ ثَالِثًا٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش، وفي ض: في أن. ٢ في ع: أتعرف. ٣ في "المسودة ص ٤٦٣" حلقة المدنيين –حلقة بالرصافة-. ٤ انظر: المسودة ص ٤٦٣،صفة الفتوى ص ٨٢، الروضة ٣٨٦. ٥ في ش: الأفضل منهم. ٦ في ب: يخير. ٧ الروضة ص ٣٨٥. وهذا اختيار الغزالي "المستصفى ٢/٣٩١، المنخول ص ٤٨٣" وصححه النووي في "روضة الطالبين ١١/١٠٥" وانظر: صفة الفتوى ص ٨٠. ٨ في المسألة سبعة أقوال، فانظر هذه الأقوال مع تعليلها في "صفة الفتوى ص ٨٠-٨١، روضة الطالبين ١١/١٠٥، المجموع ١/٩٢، تيسير التحرير ٤/٢٥٥، اللمع ص ٧٢، الروضة ص ٣٨٦، المسودة ص ٤٦٣، إعلام الموقعين ٤/٣٣٣، المستصفى ٢/٣٩١، المنخول ص ٤٨٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٢، المحصول ٢/٢/٥٤١، ٢/٣/١١٢، البرهان ٢/١٣٤٤، المعتمد ٢/٩٣٩، إرشاد الفحول ص ٢٧١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤، أصول مذهب أحمد ص ٧٠٠، مختصر الطوفي ص ١٨٦.
[ ٤ / ٥٨١ ]