"فَصْلٌ"
"مِنْ١ شُرُوطِهَا" أَيْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ "أَنْ لا تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ وَلا جُزْأَهُ" أَيْ جُزْءَ مَحَلِّ الْحُكْمِ "الْخَاصِّ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٢.
وَجَوَّزَ٣ قَوْمٌ مِنْ الْعِلَلِ الْقَاصِرَةِ: كَوْنَ الْعِلَّةِ مَحَلَّ الْحُكْمِ أَوْ جُزْءَ مَحَلِّهِ٤.
فَمِثَالُ كَوْنِهَا مَحَلَّ الْحُكْمِ: قَوْلُنَا الذَّهَبُ رِبَوِيٌّ، لِكَوْنِهِ ذَهَبًا، وَالْخَمْرُ حَرَامٌ، لأَنَّهُ مُسْكِرٌ مُعْتَصَرٌ مِنْ الْعِنَبِ.
٥وَمِثَالُ كَوْنِهَا جُزْءَ مَحَلِّ٦ الْحُكْمِ الْخَاصِّ بِهِ: كَالتَّعْلِيلِ بِاعْتِصَارِهِ٧ مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ.
وَقَيَّدْنَا الْجُزْءَ بِالْخَاصِّ تَحَرُّزًا مِنْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمَحَلِّ وَغَيْرِهِ.
_________________
(١) ١ في ش: ومن. ٢ انظر "شرح العضد ٢/٢١٧، حاشية البناني ٢/٢٤٢، الآيات البينات ٤/٤٤، الإحكام للآمدي ٣/٢٨٨، إرشاد الفحول ص ٢٠٨". ٣ كذا في ش. وفي ض د ع ز: وجوزه. وفي ب: جوزه. ٤ المحصول ٢/٢/٣٨٦، نهاية السول ٣/١٠٤، الإبهاج ٣/٩٠. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: أو محله. ٧ في ع: بإعصاره.
[ ٤ / ٥١ ]
فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلاَّ فِي الْمُتَعَدِّيَةِ١، كَتَعْلِيلِ إبَاحَةِ الْبَيْعِ بِكَوْنِهِ٢ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ. فَإِنَّ جُزْأَهُ الْمُشْتَرَكَ٣، وَهُوَ "عَقْدُهُ"٤ الَّذِي هُوَ شَامِلٌ لِلْمُعَاوَضَةِ وَغَيْرِهَا لا يُعَلَّلُ بِهِ.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ: بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْمَحَلِّ كَانَتْ قَاصِرَةً. لأَنَّهُ لَوْ٥ تَحَقَّقَ بِخُصُوصِهِ فِي الْفَرْعِ، اتَّحَدَا. وَكَذَا جُزْؤُهُ.
"وَ" أَنْ "لا" تَكُونَ الْعِلَّةُ "قَاصِرَةً مُسْتَنْبَطَةً" عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٦ وَالْحَنَفِيَّةِ٧. وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ٨.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ كَوْنُهَا قَاصِرَةً مُسْتَنْبَطَةً، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ٩ أَصْحَابِهِمَا١٠.
_________________
(١) ١ في ش: التعدية. ٢ في ض: بأنه. ٣ في ع: المشترك بين المحل وغيره، فإن ذلك لا يكون إلا في التعدية. ٤ في ش: عقد. ٥ ساقطة من ش. ٦ روضة الناظر ص ٣٢٠، مختصر الطوفي ص ١٥٢، الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ١٦، مختصر البعلي ص ١٤٤. ٧ تيسير التحرير ٤/٥، فواتح الرحموت ٢/٢٧٦، أصول السرخسي ٢/١٥٨، فتح الغفار ٣/١٥، ٢٨، التلويح على التوضيح ٢/٥٥٨، كشف الأسرار ٣/٣٨٩. ٨ انظر المسودة ص ٤١١. ٩ في ش: أصحابنا. ١٠ انظر "الآيات البينات ٤/٤٣، الإحكام للآمدي ٣/٣١١، مفتاح الوصول ص ١٤٣، شفاء الغليل ص ٥٣٧، نشر البنود ٢/١٣٨، نهاية السول =
[ ٤ / ٥٢ ]
وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ الثَّابِتَةُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ: فَأَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهَا١، وَأَنَّ الْخِلافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ.
"وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ قَاصِرَةبنص أو إجماع مَعْرِفَةُ الْمُنَاسَبَةِ، وَمَنْعُ الإِلْحَاقِ، وَ٢تَقْوِيَةُ النَّصِّ٣".
_________________
(١) = ٣/١١٠، البرهان ٢/١٠٨٠، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٤٧، التبصرة ص ٤٥٢، اللمع ص ٦٠، الإشارات للباجي ص ١١٠، المعتمد ٢/٨٠١ وما بعدها، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٧٣، شرح العضد ٢/٢١٧، المحصول ٢/٢/٤٢٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠٩، مناهج العقول ٣/١١٠، الإبهاج ٣/٩٣، المستصفى ٢/٣٤٥، حاشية البناني ٢/٢٤١". ١ انظر: نهاية السول ٣/١١٠، الإبهاج ٣/٩٣، الإحكام للآمدي ٣/٣١١، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، التلويح على التوضيح ٢/٥٥٨، وقد ذكر العلامة المحلي والشوكاني وغيرهم أن دعوى الاتفاق على جواز التعليل بالعلة القاصرة الثابتة بنص أو إجماع معترضة بحكاية القاضي عبد الوهاب الخلاف فيه. "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤١، إرشاد الفحول ص ٢٠٩، نشر البنود ٢/١٣٨". وعلق التاج السبكي في "الإبهاج" على حكاية القاضي عبد الوهاب هذه فقال: "وأغرب القاضي عبد الوهاب في الملخص، فحكى مذهبًا ثالثًا أنها لا تصح على الإطلاق فيه، سواء كانت منصوصة أم مستنبطة، وقال: هو قول أكثر فقهاء العراق. وهذا يصادم ما نقلناه من وقوع الاتفاق في المنصوصة. ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا". "الإبهاج ٣/٩٤". ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: النفس. انظر تحقيق المسألة في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤١، روضة الناظر ص ٣٢٠ وما بعدها، الآيات البينات ٤/٤٣، الإحكام للآمدي ٣/٣١٤، نشر البنود ٢/١٣٩، نهاية السول ٣/١١١، مناهج العقول ٣/١١١، الإبهاج ٣/٩٤".
[ ٤ / ٥٣ ]
الْحُكْمِ، لا لِمَا ذُكِرَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لا يُنَافِي الإِعْلامَ١ طَلَبُ الانْقِيَادِ لِحُكْمِهِ٢.
وَمِنْهَا٣: إفَادَةُ الْمَنْعِ لإِلْحَاقِ فَرْعٍ بِذَلِكَ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْجَامِعِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ فِي الأَصْلِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْلُومِ وَمَوْضُوعِ الْقِيَاسِ. فَأَيْنَ الْفَائِدَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ٤؟!
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ وَصْفٌ آخَرُ مُتَعَدٍّ لا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ بِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ تِلْكَ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، بِخِلافِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ٥ سِوَى الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ. فَإِنَّهُ لا يَفْتَقِرُ الإِلْحَاقُ بِهَا إلَى دَلِيلٍ عَلَى تَرْجِيحٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّصَّ يَزْدَادُ قُوَّةً بِهَا. فَيَصِيرَانِ كَدَلِيلَيْنِ، يَتَقَوَّى كُلٌّ مِنْهُمَا بِالآخَرِ. قَالَهُ ابْنُ٦ الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا يَكُونُ دَلِيلُ الْحُكْمِ فِيهِ ظَنِّيًّا. أَمَّا الْقَطْعِيُّ: فَلا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيَةٍ. نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي٧.
_________________
(١) ١ في ش: الإعلان. ٢ في ز ض ب: لحكمته. ٣ في ض: وأما. ٤ في ش: المتحددة. ٥ في ش: يكون. ٦ ساقطة من ش ض. ٧ البرهان ٢/١٠٨٥.
[ ٤ / ٥٥ ]
وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ١: أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَزْدَادُ أَجْرًا بِانْقِيَادِهِ لِلْحُكْمِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْعِلَّةِ الْمَقْصُودَةِ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ فِي امْتِثَالِ٢ النَّصِّ، وَأَجْرٌ بِامْتِثَالِ الْمَعْنَى فِيهِ٣.
"وَالنَّقْضُ، وَيُسَمَّى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ" هُوَ "عَدَمُ اطِّرَادِهَا" وَعَدَمُ اطِّرَادِ الْعِلَّةِ "بِأَنْ تُوجَدَ" الْعِلَّةُ "بِلا حُكْمٍ"٤.
مِثَالُهُ: أَنْ يُقَالَ فِي تَعْلِيلِ وُجُوبِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ: صَوْمٌ عَرِيَ أَوَّلُهُ عَنْ النِّيَّةِ فَلا يَصِحُّ، كَالصَّلاةِ، فَتَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ - وَهُوَ الْعُرْيُ فِي أَوَّلِهِ - بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَبْيِيتِ نِيَّةٍ.
_________________
(١) ١ المقصود بالسبكي هنا الإمام تقيّ الدين علي بن عبد الكافي السبكي والد صاحب جمع الجوامع. ٢ في ش: امتثاله. ٣ انظر: جمع الجوامع مع شرحه للمحلي وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٢، الإبهاج ٣/٩٤، الآيات البينات ٤/٤٣. ٤ انظر تعريف النقض في "الإبهاج ٣/٥٩، المستصفى ٢/٣٣٦، فتنح الغفار ٣/٣٨، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣٠٢، نهاية السول ٣/٧٦، الإحكام للآمدي ٤/١١٨، مفتاح الوصول ص ١٤١، شفاء الغليل ص ٤٥٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٩، حاشية البناني ٢/٢٩٤، شرح العضد ٢/٢١٨، المحصول ٢/٢/٣٢٣، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٥٤، الكافية للجويني ص ٦٩، البرهان ٢/٩٧٧، الحدود للباجي ص ٧٦، العدة ١/١٧٧، المنهاج للباجي ص ١٤، التعريفات للجرجاني ص ١٢٨، المنخول ص ٤٠٤، مختصر الطوفي ص ١٦٧، الجدل لابن عقيل ص ٥٦، المعتمد ص/٨٢١، ٨٣٥، ١٠٤١".
[ ٤ / ٥٦ ]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْ الْوَصْفِ١ إمَّا فِي وَصْفٍ ثَبَتَتْ٢ عِلَّتُهُ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ أَوْ بِاسْتِنْبَاطٍ. وَالتَّخَلُّفُ إمَّا لِمَانِعٍ أَوْ فَقْدِ٣ شَرْطٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَهِيَ تِسْعَةٌ، مِنْ ضَرْبِ ثَلاثَةٍ فِي ثَلاثَةٍ.
"وَ" قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِ النَّقْضِ قَادِحًا فِي الْعِلَّةِ، وَفِي بَقَائِهَا حُجَّةً بَعْدَ النَّقْضِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ٤:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّقْضَ "لا يَقْدَحُ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ حُجَّةً فِي٥ غَيْرِ
_________________
(١) ١ في ش: علته. ٢ في ز: تثبت. ٣ في ش: لفقد. ٤ انظر تحقيق المسألة في "الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣٠٣ وما بعدها، نهاية السول ٣/٧٨، تيسير التحرير ٤/٩، ١٧، فواتح الرحموت ٢/٢٧٨، أصول السرخسي ٢/٢٠٨، فتح الغفار ٣/٣٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٩ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٩٤ وما بعدها، شرح العضد ٢/٢١٨، المحصول ٢/٢/٣٢٣، أدب القاضي للماوردي ١/٥٤١ وما بعدها، المسودة ص ٤١٢، البرهان ٢/٨٥٥ وما بعدها، روضة الناظر ص ٣٢٣، التبصرة ص ٤٦٠، ٤٦٦، الإبهاج ٣/٥٩، شفاء الغليل ص ٤٥٨، كشف الأسرار ٣/٣٦٥ وما بعدها، المستصفى ٢/٣٣٦، اللمع ص ٦٤، المنخول ص ٤٠٤، الإحكام للآمدي ٣/٣١٥، ٤/١١٨، مختصر الطوفي ص ١٥٣، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/١٦٧ وما بعدها، الجدل لابن عقيل ص ١٧، ١٨، المعتمد ٢/٨٢٢، مفتاح الوصول ص ١٤١، ١٤٢، إرشاد الفحول ص ٢٠٧، مختصر البعلي ص ١٤٤". ٥ في ع ض ب: لغير.
[ ٤ / ٥٧ ]
مَا خُصَّ" كَالْعَامِّ إذَا خُصَّ بِهِ وَهَذَا١ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ. وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ٢ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ٣ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَشُهْرَتُهُ عَنْ٤ الْحَنَفِيَّةِ أَكْثَرُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ مَا سَمَحُوا بِتَسْمِيَتِهِ نَقْضًا، وَسَمَّوْهُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَقْدَحُ. اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: ابْنُ حَامِدٍ وَقَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا، فَيَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلانِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَقَالَ: تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ بَاطِلٌ. قَالَ: وَمَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِهَا فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالسَّفَهِ وَالْعَبَثِ٥، فَأَيُّ فَائِدَةٍ مِنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلا حُكْمَ؟!
فَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ تَخْصِيصُهَا٦ نَقْضٌ٧ لَهَا، وَنَقْضُهَا يَتَضَمَّنُ إبْطَالَهَا.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ جَوَازِ تَخْصِيصِ
_________________
(١) ١ في ش: وهو. ٢ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣١٥. ٣ انظر: تيسير التحرير ٤/٩، فواتح الرحموت ٢/٢٧٨. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ض: البعث. ٦ في ش: بتخصيصها. وفي ب: فتخصيصها. ٧ في ش: نقضًا.
[ ٤ / ٥٨ ]
الْعُمُومِ، وَيَبْقَى فِي الْبَاقِي حُجَّةً عَلَى الْمُرَجَّحِ: أَنَّ الْعَامَّ يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَإِذَا خُصَّ فَلا مَحْذُورَ فِيهِ. وَأَمَّا الْعِلَّةُ: فَهِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحُكْمِ، فَلا يَتَخَلَّفُ مُقْتَضَاهَا عَنْهَا، فَشُرِطَ فِيهَا الاطِّرَادُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: يَقْدَحُ١ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ إلاَّ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، وَلا يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ.
مِثَالُ الْقَدْحِ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: تَعْلِيلُ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، مَعَ انْتِفَائِهِ فِي قَتْلِ الأَبِ، وَعَدَمِ الْقَدْحِ فِي الْمَنْصُوصَةِ: كَقَوْلِهِ٢ ﷺ "إنَّمَا ذَلِكَ٣ عِرْقٌ ٤" مَعَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ٥ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ عَلَى رَأْيٍ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ فِي الرَّوْضَةِ٦.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: عَكْسُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ الْقَدْحُ فِي
_________________
(١) ١ في ش: يبطل في المطردة ويقدح. ٢ في ش: بقوله. ٣ في ش: ذاك. ٤ الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة ﵂. "صحيح البخاري ١/٧٩، صحيح مسلم ١/٢٦٢، بذل المجهود ٢/٣٤٢، عارضة الأحوذي ١/٢٠٧، سنن النسائي ١/١٤٨، سنن ابن ماجة ١/٢٠٥". ٥ في ش: النقض له. ٦ روضة الناظر ص ٣٢٤ وما بعدها
[ ٤ / ٥٩ ]
الْمَنْصُوصَةِ وَعَدَمُهُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، إلاَّ إذَا كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ.
قَيَّدَهُ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِذَلِكَ حَصَلَ فِي كَلامِ مُخْتَصَرِ١ ابْنِ الْحَاجِبِ التَّكْرَارُ.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ إلاَّ إذَا كَانَ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِقَاطِعٍ: لَمْ يَتَخَلَّفْ الْحُكْمُ وَإِذَا٢ كَانَ خَاصًّا بِمَحَلِّ٣ الْحُكْمِ لَمْ يَثْبُتْ التَّخَلُّفُ، وَهُوَ خِلافُ الْفَرْضِ٤.
وَأَمَّا فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: فَيَجُوزُ فِيمَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ لِمَانِعٍ أَوْ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، وَيَقْدَحُ٥ فِيمَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ دُونَهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ٦ ابْنِ الْحَاجِبِ٧، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً لَمْ يَجُزْ إلاَّ لِمَانِعٍ أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ، لأَنَّهَا لا تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا٨ إلاَّ بِبَيَانِ أَحَدِهِمَا؛ ٩لأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ١٠ مَانِعًا لِعَدَمِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: وإن. ٣ في ش: بمجمل. ٤ في ز د ب: الغرض وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه، إذ المفروض منافاة التخلّف للعلية. "شرح العضد ٢/٢١٩". ٥ في ش: فيقدح. ٦ في ب: مختار. ٧ ساقطة من ب. ٨ في ش: علتها. ٩ في ض: لانتفاء. ١٠ ساقطة من د ض ب.
[ ٤ / ٦٠ ]
الْمُقْتَضِي. وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً بِظَاهِرٍ عَامٍّ: فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ كَعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَيَجِبُ١ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ٢ اهـ.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَحَاصِلُ٣ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ مَانِعٍ أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ، لَكِنْ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ يَجِبُ الْعِلْمُ بِعَيْنِهِ. وَإِلاَّ لَمْ تُظَنَّ الْعِلِّيَّةُ، وَفِي الْمَنْصُوصَةِ: لا يَجِبُ، وَيَكْفِي فِي ظَنِّ الْعِلِّيَّةِ تَقْدِيرُهُ، وَفِي الصُّورَتَيْنِ لا تَبْطُلُ الْعِلِّيَّةُ بِالتَّخَلُّفِ٤ اهـ.
وَالْقَوْلُ السَّادِسُ: الْمَنْعُ٥ فِي الْمَنْصُوصَةِ، أَوْ مَا اُسْتُثْنِيَ٦ مِنْ الْقَوَاعِدِ كَالْمُصَرَّاةِ وَالْعَاقِلَةِ. اخْتَارَهُ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَالْقَوْلُ السَّابِعُ: الْقَدْحُ مُطْلَقًا، إلاَّ أَنْ يَرِدَ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِثْنَاءِ٧. وَيَعْتَرِضُ عَلَى جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ كَالْعَرَايَا٨. حَكَاهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٩ عَنْ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ.
_________________
(١) ١ في مختصر ابن الحاجب: ووجب. ٢ مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢١٨. ٣ في ش: وظاهر. ٤ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢١٨. ٥ في ب: المانع. ٦ في ز: انتشي. ٧ في ض ب: أو. ٨ قال المحلي: وهو بيع الرطب والعنب قبل القطع بتمر أو زبيب، فإنّ جوازه وارد على كل قول في علة حرمة الربا من الطعم والقوت والكيل والمال، فلا يقدح. "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٩٧". ٩ جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٢٩٧".
[ ٤ / ٦١ ]
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدْ حَكَاهُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ قَوْمٍ، وَاقْتَضَى كَلامُهُ مُوَافَقَتَهُمْ١.
وَقَالَ فِي الْحَاصِلِ: إنَّهُ الأَصَحُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّامِنُ: يَقْدَحُ إلاَّ لِمَانِعٍ أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ. وَبِهِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ٢ وَالْهِنْدِيُّ.
وَالْقَوْلُ التَّاسِعُ: إنْ كَانَتْ عِلَّةَ حَظْرٍ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهَا، وَإِلاَّ جَازَ. حَكَاهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالْقَوْلُ الْعَاشِرُ: إنْ كَانَ التَّخَلُّفُ لِمَانِعٍ أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ، أَوْ فِي مَعْرِضِ الاسْتِثْنَاءِ، أَوْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً بِمَا لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ: لَمْ يَقْدَحْ، وَإِلاَّ قَدَحَ.
وَلَيْسَ الْخِلافُ لَفْظِيًّا، خِلافًا لأَبِي الْمَعَالِي٣ وَابْنِ الْحَاجِبِ٤.
وَتَأْتِي أَحْكَامُ النَّقْضِ فِي الْقَوَادِحِ.
"وَالتَّعْلِيلُ لِجَوَازِ٥ الْحُكْمِ لا يَنْتَقِضُ بِأَعْيَانِ الْمَسَائِلِ"٦ كَـ
_________________
(١) ١ انظر المحصول ٢/٢/٣٥٢. ٢ انظر المنهاج للبيضاوي مع شرحه للأسنوي ٣/٧٧، ٧٩، الإبهاج ٣/٥٩. ٣ انظر البرهان ٢/١٠٠٠ وما بعدها. ٤ انظر مختصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢١٩. ٥ في ش: بجواز. ٦ انظر "المسودة ص ٤١٦، ٤٣١، المنهاج في ترتيب الحجاج للباجي ص ١٨٨، الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ٥٩".
[ ٤ / ٦٢ ]
الصَّبِيِّ حُرٌّ ١، فَجَازَ أَنْ تَجِبَ زَكَاةُ مَالِهِ كَبَالِغٍ، فَلا يَنْتَقِضُ٢ بِغَيْرِ الزَّكَوِيِّ ٣.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ: فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ إذَا كَانَ لَهُ مَعْلُوفَةٌ أَوْ عَوَامِلُ، أَوْ مَالُهُ دُونَ نِصَابٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْضٍ؛ لأَنَّ الْمُعَلِّلَ٤ أَثْبَتَ بِالْجَوَازِ حَالَةً وَاحِدَةً، وَانْتِفَاءُ الزَّكَاةِ فِي حَالَةٍ لا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا فِي حَالَةٍ أُخْرَى٥.
"وَ" التَّعْلِيلُ "بِنَوْعِهِ" أَيْ نَوْعِ الْحُكْمِ "لا يَنْتَقِضُ بِعَيْنِ٦ مَسْأَلَةٍ"٧ كَالنَّقْضِ بِلَحْمِ الإِبِلِ نَوْعُ عِبَادَةٍ تَفْسُدُ بِالْحَدَثِ فَتَفْسُدُ بِالأَكْلِ كَالصَّلاةِ.
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فَنَقُولُ: فَيَنْتَقِضُ٨ بِالطَّوَافِ، فَإِنَّهُ نَوْعٌ يَفْسُدُ بِالْحَدَثِ، وَلا يَفْسُدُ بِالأَكْلِ، فَقَالُوا: عَلَّلْنَا نَوْعَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي تَفْسُدُ بِالْحَدَثِ، فَلا يَنْتَقِضُ٩ بِأَعْيَانِ الْمَسَائِلِ؛ لأَنَّ الطَّوَافَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ض ب: تنتقض. ٣ في ش: الذكرى. ٤ في ش: المعلل إذا كان له معلوفة أو عوامل. وهي ساقطة من ض. ٥ في ز: الأخرى. ٦ في ش: بغير. ٧ انظر المنهاج في ترتيب الحجاج ص ١٨٩. ٨ في ش: ينتقض. ٩ في ز: تنتقض.
[ ٤ / ٦٣ ]
بَعْضُ نَوْعِهَا، فَإِذَا١ لَمْ يُوجَدْ الْحُكْمُ فِيهِ وُجِدَ فِي بَقِيَّةِ الْفَرْعِ.
"وَالْكَسْرُ" وَهُوَ "وُجُودُ الْحِكْمَةِ بِلا حُكْمٍ"٢ كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ فِي عَاصٍ بِسَفَرِهِ: سَافَرَ، فَيَتَرَخَّصُ كَغَيْرِ الْعَاصِي، ثُمَّ يُبَيِّنُ مُنَاسَبَةَ السَّفَرِ بِالْمَشَقَّةِ، فَيُعْتَرَضُ بِمَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ حَضَرًا لا يَتَرَخَّصُ إجْمَاعًا. "وَالنَّقْضُ الْمَكْسُورُ نَقْضُ بَعْضِ الأَوْصَافِ".
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: قَالَ أَكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ وَالْجَدَلِيِّينَ: إنَّهُ إسْقَاطُ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ، وَإِخْرَاجُهُ مِنْ الاعْتِبَارِ بِبَيَانِ أَنَّهُ لا أَثَرَ لَهُ٣.
وَلَهُ صُورَتَانِ٤:
إحْدَاهُمَا: أَنْ يُبَدِّلَ ذَلِكَ الْوَصْفَ الْخَاصَّ الَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّهُ
_________________
(١) ١ في ز: فإن. ٢ انظر تعريف الكسر في "شرح العضد ٢/٢١١، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣١٢، المحصول ٢/٢/٣٥٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٠٣ وما بعدها، الحدود للباجي ص ٧٧، المنهاج في ترتيب الحجاج ص ١٤، اللمع ص ٦٤، مختصر الطوفي ص ١٦٨، المعتمد ٢/٨٢١، ١٠٤٣، الإحكام للآمدي ٣/٣٣١، فواتح الرحموت ٢/٢٨١". ٣ انظر تعريف النقض المكسور في "الإحكام للآمدي ٣/٣٣٦، فواتح الرحموت ٢/٢٨٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٣٠٤، ٣٠٥، اللمع ص ٦٤، شرح العضد ٢/٢٢٣". ٤ انظر الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣١٦ وما بعدها، اللمع ص ٦٤.
[ ٤ / ٦٤ ]
لُغَوِيٌّ١ بِوَصْفٍ أَعَمَّ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُضُهُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي إثْبَاتِ صَلاةِ الْخَوْفِ: صَلاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا، كَصَلاةِ الأَمْنِ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: خُصُوصُ٢ كَوْنِهَا صَلاةً مُلْغًى، لا أَثَرَ لَهُ؛ لأَنَّ الْحَجَّ وَالصَّوْمَ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الْوَصْفُ الْعَامُّ، وَهُوَ كَوْنُهَا عِبَادَةً. فَيَنْقُضُهُ٣ عَلَيْهِ بِصَوْمِ الْحَائِضِ، فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَلا يَجِبُ أَدَاؤُهَا، بَلْ يَحْرُمُ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لا يُبَدِّلَ خُصُوصَ الصَّلاةِ، فَلا يَبْقَى عِلَّةٌ لِلْمُسْتَدِلِّ إلاَّ قَوْلَهُ: يَجِبُ قَضَاؤُهَا، فَيُقَالُ عَلَيْهِ: وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ يُؤَدَّى. دَلِيلُهُ: الْحَائِضُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ دُونَ أَدَائِهِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْمُلَخَّصِ٤: وَهُوَ سُؤَالٌ مَلِيحٌ، وَالاشْتِغَالُ بِهِ يَنْتَهِي إلَى بَيَانِ الْفِقْهِ وَتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ النَّقْضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَالإِلْزَامَ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ اهـ.
_________________
(١) ١ في ش: لغو. ٢ في ش: وخصوص. ٣ في ض: فينقضها. ٤ هو كتاب "الملخص في الجدل".
[ ٤ / ٦٥ ]
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنْ١ يَقُولَ شَافِعِيٌّ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي: بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ٢. فَلا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك عَبْدًا٣.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ يَنْكَسِرُ بِمَا إذَا نَكَحَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا. فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ كَوْنِهَا مَجْهُولَةَ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ.
فَهَذَا كَسْرٌ، لأَنَّهُ نَقْضٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، إذْ النِّكَاحُ فِي الْجَهَالَةِ كَالْبَيْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَهْلَ بِالْعَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْفَسَادَ، فَوَصْفُ كَوْنِهِ٤ مَبِيعًا مُلْغًى، بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّهْنَ وَنَحْوَهُ كَذَلِكَ، وَيَبْقَى عَدَمُ الرُّؤْيَةِ، فَيَنْتَقِضُ بِنِكَاحِ مَنْ لَمْ٥ يَرَهَا٦.
وَإِنْ نَزَّلْتَهُ٧ عَلَى الصُّورَةِ الأُولَى - وَهِيَ الإِبْدَالُ بِالأَعَمِّ - فَتَقُولُ٨: عَقَدَ عَلَى٩ مَنْ لَمْ يَرَهُ الْعَاقِدُ، فَيَنْتَقِضُ بِالنِّكَاحِ١٠.
_________________
(١) ١ في ض: بأن. ٢ أي حال العقد. "شرح العضد ٢/٢٢٣". ٣ أي من غير تعيين. "شرح العضد ٢/٢٢٣". ٤ في ض: بكونه. ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: يراها. ٧ في ش: تركته. ٨ في ب ش: فنقول. وفي ز: فيقول. ٩ في ش: علم. ١٠ انظر: الجدل على طريقة الفقهاء ص ٦٥، الإحكام للآمدي ٣/٣٣٦.
[ ٤ / ٦٦ ]
"وَ" الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ: أَنَّ الْكَسْرَ وَالنَّقْضَ الْمَكْسُورَ "لا يُبْطِلانِهَا١" أَيْ الْعِلَّةَ٢.
وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ أَنَّ٣ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ الأَوْصَافِ، وَلَمْ يَنْقُضَاهَا٤.
فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ بِأَنَّهُ٥ لا أَثَرَ لَهُ لِكَوْنِهِ٦ مَبِيعًا، فَإِنْ أَصَرَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفَيْنِ بَطَلَ مَا عَلَّلَ بِهِ، لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ لا٧ بِالنَّقْضِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصْفِ الْمَنْقُوضِ بَطَلَ بِالنَّقْضِ؛ لأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى كُلِّ الْعِلَّةِ. وَإِنْ أَتَى بِوَصْفٍ لا أَثَرَ لَهُ فِي الأَصْلِ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عَنْ النَّقْضِ لَمْ يَجُزْ.
"وَالْعَكْسُ٨، وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ شَرْطٌ" فِي
_________________
(١) ١ في ش: لا يبطلاها. ٢ انظر تحقيق المسألة في "الإحكام للآمدي ٣/٣٣١، ٣٣٦، فواتح الرحموت ٢/٢٨١، ٢٨٢، اللمع ص ٦٤، المسودة ص ٤٢٩، أدب القاضي للماوردي ١/٥٤١، المحصول ٢/٢/٣٥٣، شرح العضد ٢/٢٢١، ٢٢٣، حاشية البناني ٢/٣٠٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٣١٣". ٣ في ش: بأن. ٤ في ش ز: ينقضها. ٥ في ش: أنه. ٦ في ز: ككونه. ٧ في ش: إلا. ٨ انظر تعريف العكس في "المعتمد ٢/١٠٤٤، الإحكام للآمدي ٣/٣٣٨، مفتاح الوصول ص ١٤٢، تيسير التحرير ٤/٢٢، المستصفى ٢/٣٣٦، فواتح الرحموت ٢/٢٨٢، فتح الغفار ٣/٤٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني =
[ ٤ / ٦٧ ]
صِحَّةِ الْعِلَّةِ "إنْ كَانَ التَّعْلِيلُ لِجِنْسِ الْحُكْمِ،" وَ"لا" يَكُونُ شَرْطًا "إنْ كَانَ" التَّعْلِيلُ"لِنَوْعِهِ" أَيْ نَوْعِ الْحُكْمِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: اشْتِرَاطُهُ٢ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، فَمَنْ مَنَعَ٣ اشْتِرَاطَهُ٤ كَعَدَمِ٥ الْحُكْمِ لِعَدَمِ دَلِيلِهِ.
وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْحُكْمِ: عَدَمُ الظَّنِّ أَوْ الْعِلْمِ٦ بِهِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ، وَلا دَلِيلَ، وَإِلاَّ فَالصَّنْعَةُ٧ دَلِيلُ وُجُودِ الصَّانِعِ، وَلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ.
وَمَنْ جَوَّزَهُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ؛ لِجَوَازِ دَلِيلٍ آخَرَ.
_________________
(١) = عليه ٢/٣٠٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠١، شرح العضد ٢/٢٢٣، المحصول ٢/٢/٣٥٥، الكافية للجويني ص ٦٦، الحدود للباجي ص ٧٥، العدة ١/١٧٧، المنهاج للباجي ص ١٤، التعريفات للجرجاني ص ٨٢". ١ انظر تحقيق المسألة في "كشف الأسرار ٣/٣٠٧، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠١، شرح العضد ٢/٢٢٣، أدب القاضي للماوردي ١/٥٤٤، وما بعدها، المسودة ص ٤٢٤، البرهان ٢/٨٤٢، اللمع ص ٦٤، الجدل لابن عقيل ص ١٧، المعتمد ٢/٧٩٠، الإحكام للآمدي ٣/٣٣٨، مفتاح الوصول ص ١٤٣، شفاء الغليل ص ٥٣٥، تيسير التحرير ٤/٢٢، المستصفى ٢/٣٤٤". ٢ في ش: اشتراط. ٣ في ش: منع. ٤ في ش ض: اشتراطه. ٥ في ش ع: العدم. ٦ ساقطة من ش، وفي ع: الظن. ٧ في ع: فالصفة.
[ ٤ / ٦٨ ]
هَذَا إنْ كَانَ التَّعْلِيلُ لِنَوْعِ الْحُكْمِ، نَحْوَ: الرِّدَّةُ١ عِلَّةٌ لإِبَاحَةِ الدَّمِ. فَأَمَّا٢ جِنْسُهُ: فَالْعَكْسُ شَرْطٌ، نَحْوَ: الرِّدَّةُ٣ عِلَّةٌ لِجِنْسِ إبَاحَةِ الدَّمِ، فَلا يَصِحُّ لِفَوَاتِ الْعَكْسِ.
وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: أَنَّ الْخِلافَ فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مَعًا، وَ٤عَلَى الْبَدَلِ اهـ.
قَالَ الْعَضُدُ: شَرَطَ قَوْمٌ فِي عِلَّةِ حُكْمِ الأَصْلِ الانْعِكَاسَ، وَهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا عُدِمَ الْوَصْفُ عُدِمَ الْحُكْمُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ آخَرُونَ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ [الْوَاحِدِ] ٥ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ؛ لأَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَنْتَفِيَ الْوَصْفُ وَلا يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِوُجُودِ [الْوَصْفِ] ٦ الآخَرِ وَقِيَامِهِ مَقَامَهُ٧.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَجُزْ فَثُبُوتُ الْحُكْمِ دُونَ الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عِلَّةً لَهُ وَأَمَارَةً عَلَيْهِ، وَإِلاَّ لانْتَفَى الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهِ؛ لِوُجُوبِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِهِ. وَنَعْنِي بِذَلِكَ: انْتِفَاءَ الْعِلْمِ أَوْ
_________________
(١) ١ في ع: الرد. ٢ في ش: وأما. ٣ في ع: الرد. ٤ ساقطة من ز. ٥ زيادة من شرح العضد. ٦ زيادة من شرح العضد. ٧ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٦٩ ]
الظَّنِّ١، لا انْتِفَاءَ٢ نَفْسِ الْحُكْمِ٣، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ دَلِيلِ الشَّيْءِ انْتِفَاؤُهُ، وَإِلاَّ لَزِمَ مِنْ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ عَلَى الصَّانِعِ ٤انْتِفَاءُ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَإِنَّهُ بَاطِلٌ.
نَعَمْ! يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِالصَّانِعِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الصَّانِعَ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ الْعَالَمَ، أَوْ لَوْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ الدَّلالَةَ، لَمَا لَزِمَ انْتِفَاؤُهُ قَطْعًا.
هَذَا بِنَاءً عَلَى رَأْيِنَا، يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ وَبَعْضُهُمْ مُخْطِئٌ. وَأَمَّا عِنْدَ الْمُصَوِّبَةِ: فَلا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْعُذْرِ؛ لأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ عِنْدَهُمْ: الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ، فَإِذَا انْتَفَيَا٥ انْتَفَى الْحُكْمُ٦ اهـ.
"وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمٍ" وَاحِدٍ٧ "بِعِلَلٍ" مُتَعَدِّدَةٍ "كُلُّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ" بِحَسَبِ تَعَدُّدِ صُوَرِهِ٨ بِالنَّوْعِ إذَا كَانَ لَهُ صُوَرٌ
_________________
(١) ١ في ع ض ب: أو الظن به، وفي ز: والظن. ٢ في ز ض: لانتفاء ٣ في د ض: الحكم بانتفائه. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ش: انتفى. ٦ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٢٣. ٧ في ش: واحد بالنوع إذا كان له صور. ٨ ساقطة من ش. وفي ض: بالنوع إذا كان له صور. وفي ع: بالنوع إذا كان له صورة.
[ ٤ / ٧٠ ]
اتِّفَاقًا١، كَتَعْلِيلِ قَتْلِ زَيْدٍ بِرِدَّتِهِ، وَقَتْلِ عَمْرٍو بِالْقِصَاصِ، وَقَتْلِ بَكْرٍ بِالزِّنَا، وَقَتْلِ خَالِدٍ بِتَرْكِ الصَّلاةِ٢. "وَ" يَجُوزُ تَعْلِيلُ "صُورَةٍ" وَاحِدَةٍ "بِعِلَّتَيْنِ، وَبِعِلَلٍ٣ مُسْتَقِلَّةٍ" عَلَى الصَّحِيحِ، كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ وَطْءِ هِنْدٍ - مَثَلًا - بِحَيْضِهَا وَإِحْرَامِهَا وَوَاجِبِ صَوْمِهَا، وَكَتَعْلِيلِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ فَرْجٍ، وَزَوَالِ عَقْلٍ وَمَسِّ فَرْجٍ. فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَدِّدِينَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ٤ مُسْتَقِلًاّ٥.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ٦، وَلا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الْمُعَرِّفِ؛ لأَنَّ٧ مِنْ شَأْنِ كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُعْرَفَ، لا الَّذِي
_________________
(١) ١ انظر "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٥، شرح العضد ٢/٢٢٤، روضة الناظر ص ٣٣٣، الآيات البينات ٤/٤٦، شفاء الغليل ص ٥١٤، إرشاد الفحول ص ٢٠٩، نشر البنود ٢/١٤٥، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٩". ٢ انظر "المسودة ص ٤١٦، البرهان ٢/٨٢٠، اللمع ص ٥٩، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٩، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/١٦٧ وما بعدها، المعتمد ٢/٧٩٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٤٠، شفاء الغليل ص ٥١٤، نشر البنود ٢/١٤٦، مختصر البعلي ص ١٤٤، المستصفى ٢/٣٤٢، فواتح الرحموت ٢/٢٨٢". ٣ في ش: وعلة. ٤ في ش: الحكم به. ٥ انظر "التمهيد للأسنوي ص ٤٦٧، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، المسودة ص ٤١٦، اللمع ص ٥٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٤٠، نشر البنود ٢/١٤٦". ٦ في ع: العرف. ٧ في ز: ولأنَّ.
[ ٤ / ٧١ ]
وُجِدَ بِهِ التَّعْرِيفُ، حَتَّى تَكُونَ الْوَاحِدَةُ إذَا عُرِفَتْ فَلا تُعْرَفُ١ الأُخْرَى؛ لأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ٢ أَحْمَدَ فِي خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ وَغَيْرِهِ. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ٣، وَمَا ذَكَرُوا مِنْ الْوُقُوعِ يَعُودُ إلَى الْقِسْمِ الأَوَّلِ فَقَطْ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَلَّلَ بِهَا وَاحِدٌ بِالنَّوْعِ. وَأَمَّا الشَّخْصُ فَمُتَعَذِّرٌ٤.
فَالْقَتْلُ بِأَسْبَابِ أَشْخَاصِ الْقَتْلِ مُتَعَدِّدَةٌ٥ وَالنَّوْعُ وَاحِدٌ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ. فَأَمَّا٦ الْقَتْلُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَمُحَالٌ تَعَدُّدُهُ، إذْ هُوَ إزْهَاقُ الرُّوحِ، وَكَذَلِكَ أَسْبَابُ الْحَدَثِ: إنَّمَا هِيَ أَحْدَاثٌ٧ فِي مَحَلٍّ، لا حَدَثٌ وَاحِدٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ دُونَ
_________________
(١) ١ في ع: تعرف في. ٢ في ش ز: كلام. ٣ انظر "شرح المعضد ٢/٢٢٤، التمهيد للِأسنوي ص ٤٦٧، الإحكام للآمدي ٣/٣٤١، إرشاد الفحول ص ٢٠٩". ٤ في ع: فمتعدد. ٥ في ش: متعدد. ٦ في ض: وأما. ٧ في ش: أحداث بسبب.
[ ٤ / ٧٢ ]
الْمُسْتَنْبَطَةِ١؛ لأَنَّ الْمَنْصُوصَةَ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَعَدُّدِهَا، فَكَانَتْ أَمَارَاتٌ. وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطَةُ: فَمَا فَائِدَةُ اسْتِخْرَاجِهَا عِلَّةً؟ إلاَّ أَنَّهُ لا عِلَّةَ غَيْرُهَا تُتَخَيَّلُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَمَارَاتٍ فَاسْتُنْبِطَتْ مُتَعَدِّدَةً فَلا فَرْقَ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إنَّ ذَلِكَ [جَائِزٌ] فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ٢.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: إنَّ الْمُتَعَدِّدَ جَائِزٌ عَقْلًا وَ٣مُمْتَنِعٌ شَرْعًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرْعِ، لا عَلَى٤ مَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى مَنْعِهِ٥.
وَالْقَوْلُ السَّادِسُ: جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ مُتَعَاقِبَتَيْنِ، بِأَنْ يُعَلَّلَ
_________________
(١) ١ انظر "المحصول ٢/٢/٣٥٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠٤، شرح العضد ٢/٢٢٤، التمهيد للأسنوي ص ٤٦٧، فواتح الرحموت ٢/٢٨٢، الآيات البينات ٤/٤٧، الإحكام للآمدي ٣/٣٤١، إرشاد الفحول ص ٢٠٩، مختصر البعلي ص ١٤٤". ٢ انظر شرح العضد ٢/٢٢٤، فواتح الرحموت ٢/٢٨٢، الآيات البينات ٤/٤٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٥، إرشاد الفحول ص ٢٠٩، مختصر البعلي ص ١٤٤". ٣ ساقطة من ش. ٤ في ش ب ز: على معنى. ٥ انظر "البرهان ٢/٨٢٠، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٥، الآيات البينات ٤/٤٧، فواتح الرحموت ٢/٢٨٢".
[ ٤ / ٧٣ ]
بِإِحْدَاهُمَا فِي وَقْتٍ وَالأُخْرَى١ فِي وَقْتٍ آخَرَ. وَلا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ٢. وَاسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - بِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْخَارِجِ دَلِيلُ جَوَازِهِ، وَقَدْ وَقَعَ. فَلِلْحَدَثِ عِلَلٌ٣ مُسْتَقِلَّةٌ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ، وَكَذَا لِلْقَتْلِ لِلْقَتْلِ وَغَيْرِهِ٤.
وَاعْتَرَضَ الآمِدِيُّ٥ بِأَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا مُتَعَدِّدٌ شَخْصًا مُتَّحِدٌ نَوْعًا. وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بِإِسْلامِهِ. وَيَبْقَى الْقِصَاصُ، وَيَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالْقِصَاصِ قَبْلَ إسْلامِهِ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ، وَيَبْقَى الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ، وَإِبَاحَةُ الْقَتْلِ٦ بِجِهَةِ الْقِصَاصِ حَقٌّ لِلآدَمِيِّ، وَبِجِهَةِ الرِّدَّةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى. وَلا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَيُقَدَّمُ الآدَمِيُّ فِي الاسْتِيفَاءِ٧. وَقَالَهُ قَبْلَهُ أَبُو الْمَعَالِي٨.
_________________
(١) ١ في ض: والآخر، وفي ش: وبالأخرى. ٢ انظر: المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٥، الآيات البينات ٤/٤٧. ٣ في ع: علة. ٤ في ش: علل وغيره، وفي د: وغيره علل. ٥ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٤٣. ٦ في ض: الدم، وفي ش: القتل بالقصاص قبل إسلامه بعفو الولي، ويبقى القتل بالردة، وإباحة القتل بالقصاص قبل. ٧ وذلك لأن حقه مبني على الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، من حيث إنّ الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري جل وعلا. "إحكام الأحكام للآمدي ٣/٣٤٣". ٨ البرهان ٢/٨٢٩.
[ ٤ / ٧٤ ]
وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَعَلَيْهِ نَصَّ الأَئِمَّةُ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ هَذَا، مِثْلُ: خِنْزِيرٌ مَيِّتٌ حَرَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ١، فَأَثْبَتَ تَحْرِيمَيْنِ.
وَحِلُّ الدَّمِ مُتَعَدِّدٌ لَكِنْ ضَاقَ الْمَحَلُّ، وَلِهَذَا يَزُولُ وَاحِدٌ، وَيَبْقَى الآخَرُ. وَلَوْ اتَّحَدَ الْحِلُّ بَقِيَ بَعْضُ حِلٍّ، فَلا يُبِيحُ٢.
وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: وَتَتَدَاخَلُ هَذِهِ الأَحْكَامُ، هُوَ دَلِيلُ تَعَدُّدِهَا، وَإِلاَّ فَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لا يُعْقَلُ فِيهِ تَدَاخُلٌ.
قَالَ: وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مَسْأَلَةِ الأَحْدَاثِ: إذَا نَوَى أَحَدَهَا٣ ارْتَفَعَ وَحْدَهُ، يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَالأَشْهَرُ لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ: يَرْتَفِعُ الْجَمِيعُ. وَقَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الشَّيْءَ لا يَتَعَدَّدُ فِي نَفْسِهِ بِتَعَدُّدِ إضَافَاتِهِ، وَإِلاَّ غَايَرَ حَدَثُ الْبَوْلِ حَدَثَ الْغَائِطِ، وَتَعَدُّدُهُ بِاخْتِلافِ الأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ، فَدَعْوَى خَاصِّيَّتِهِ٤ لا يُفِيدُهُ٥. وَأَيْضًا فَالْعِلَّةُ دَلِيلٌ، فَجَازَ تَعَدُّدُهَا كَبَقِيَّةِ الأَدِلَّةِ.
"وَ" عَلَى الْجَوَازِ فَ "كُلُّ وَاحِدَةٍ" مِنْ الْعِلَلِ "عِلَّةٌ" كَامِلَةٌ "لا جُزْءُ عِلَّةٍ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٦.
_________________
(١) ١ في ض د: جهتين. ٢ في ع ض: يبح. ٣ في ش: أحدهما. ٤ في ض: خاصة، وفي ب: خاصته. ٥ في ش: لا تفيد، وفي ز: لا بقيده، وفي ض: لا يفيد. ٦ انظر: شرح العضد ٢/٢٢٧، فواتح الرحموت ٢/٢٨٦، مختصر البعلي ص ١٤٤.
[ ٤ / ٧٥ ]
وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: جُزْءُ عِلَّةٍ١.
وَقِيلَ: الْعِلَّةُ إحْدَاهَا لا بِعَيْنِهَا٢.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّهُ ثَبَتَ اسْتِقْلالُ كُلٍّ مِنْهَا٣ مُنْفَرِدَةً. وَأَيْضًا لَوْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً لامْتَنَعَ اجْتِمَاعُ الأَدِلَّةِ؛ لأَنَّ الْعِلَلَ أَدِلَّةٌ.
"وَ" يَجُوزُ تَعْلِيلُ "حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ" وَاحِدَةٍ، بِمَعْنَى الأَمَارَةِ اتِّفَاقًا٤؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ إنْ فُسِّرَتْ بِالْمُعَرَّفِ٥، فَجَوَازُهُ٦ ظَاهِرٌ٧؛ إذْ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا وَلا شَرْعًا نَصْبُ أَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
بَلْ قَالَ الآمِدِيُّ٨: لا نَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلافًا، كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: جَعَلْت طُلُوعَ الْهِلالِ أَمَارَةً عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ، أَوْ طُلُوعَ فَجْرِ رَمَضَانَ أَمَارَةً لِوُجُوبِ الإِمْسَاكِ وَصَلاةِ
_________________
(١) ١ انظر مختصر البعلي ص ١٤٤. ٢ انظر مختصر البعلي ص ١٤٤. ٣ في ع ض ب: منهما. ٤ انظر "مناهج العقول ٣/١١٥، الإبهاج ٣/٩٩، نهاية السول ٣/١١٧، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٩، حاشية البناني ٢/٢٤٦، شرح العضد ٢/٢٢٨، الآيات البينات ٤/٤٨، الإحكام للآمدي ٣/٣٤٤، نشر البنود ٢/١٤٧، مختصر البعلي ص ١٤٥". ٥ في ش ع: بالعرف. ٦ في ش: فجوازه على حكمين. ٧ في ش ز: ظاهرًا. ٨ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٤٤ بتصرف.
[ ٤ / ٧٦ ]
الصُّبْحِ. وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ١ فِي الإِثْبَاتِ أَوْ فِي النَّفْيِ.
وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "إثْبَانًا وَنَفْيًا"٢
فَمِنْ الإِثْبَاتِ: السَّرِقَةُ؛ فَإِنَّهَا عِلَّةٌ فِي الْقَطْعِ لِمُنَاسَبَةِ زَجْرِ السَّارِقِ، حَتَّى لا يَعُودَ، وَفِي٣ غَرَامَةِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ لِصَاحِبِهِ لِمُنَاسَبَتِهِ٤ لِجَبْرِهِ٥.
وَمِنْ الْعِلَّةِ فِي النَّفْيِ: الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِمَنْعِ الصَّلاةِ وَالطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْمَنْعِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ.
وَلا يُعَدُّ فِي مُنَاسَبَةٍ٦ وَصْفٌ وَاحِدٌ لِعَدَدٍ مِنْ الأَحْكَامِ.
وَذَهَبَ جَمْعٌ يَسِيرٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ لأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَصْفُ اسْتَوْفَاهُ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ٧.
_________________
(١) ١ في ش: ذلك الإمساك وصلاة الصبح، وسواء كان ذلك. ٢ انظر: المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٦، الآيات البينات ٤/٤٨، نشر البنود ٢/١٤٧. ٣ ساقطة من ش. ٤ في د: مناسبته، وفي ب: لمناسبة، وفي ش: مناسبة. ٥ في ب: تجبره. ٦ في ز ض ب: مناسبته. ٧ انظر نشر البنود ٢/١٤٨.
[ ٤ / ٧٧ ]
وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ الْمَقْصُودُ عَلَيْهِمَا، فَلا يَحْصُلُ جَمِيعُهَا إلاَّ بِهِمَا١، أَوْ٢ يَحْصُلُ لِلْحُكْمِ٣ الثَّانِي حِكْمَةٌ أُخْرَى فَتَتَعَدَّدُ٤ الْحِكْمَةُ، وَالْوَصْفُ ضَابِطٌ لأَحَدِهِمَا٥.
وَيَدْخُلُ فِي إطْلاقِهِمْ جَوَازُ تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ تَضَادٌّ، وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَالْجِسْمِ يَكُونُ عِلَّةً لِلسُّكُونِ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ فِي الْحَيِّزِ، وَعِلَّةً لِلْحَرَكَةِ بِشَرْطِ الانْتِقَالِ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ الشَّرْطَانِ؛ لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ اقْتِضَاءُ٦ الْعِلَّةِ لَهُمَا بِدُونِ٧ ذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ مُحَالٌّ.
وَإِنَّمَا شُرِطَ التَّضَادُّ فِي الشَّرْطَيْنِ؛ لأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَالْبَقَاءِ فِي الْحَيِّزِ مَعَ الانْتِقَالِ مَثَلًا، فَعِنْدَ حُصُولِ ذَيْنِك الشَّرْطَيْنِ إنْ حَصَلَ الْحُكْمَانِ - أَعْنِي السُّكُونَ وَالْحَرَكَةَ - لَزِمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَإِنْ حَصَلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخَرِ: لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا
_________________
(١) ١ في ع: بها. ٢ في د ض: و. ٣ في ع: الحكم. ٤ في ع ز: فتعدد. ٥ انظر تحقيق المسألة في: المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٦، الآيات البينات ٤/٤٧. ٦ في ض: انتفاء. ٧ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٧٨ ]
مُرَجِّحٍ، وَإِنْ حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَرَجَتْ الْعِلَّةُ عَنْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً، فَتَعَيَّنَ التَّضَادُّ فِي الشَّرْطَيْنِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُفَصَّلٌ، وَهُوَ الْجَوَازُ إنْ لَمْ يَتَضَادَّا، كَالْحَيْضِ لِتَحْرِيمِ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ، وَالْمَنْعُ إنْ تَضَادَّا، كَأَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لِبَعْضِ الْعُقُودِ مُصَحِّحًا لِبَعْضِهَا، كَالتَّأْبِيدِ يُصَحِّحُ الْبَيْعَ وَيُبْطِلُ الإِجَارَةَ ١.
"وَ" مِنْ شُرُوطِ٢ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تَتَأَخَّرَ عِلَّةُ الأَصْلِ عَنْ حُكْمِهِ" يَعْنِي أَنَّهُ٣ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يَكُونَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ٤.
كَمَا لَوْ قِيلَ فِيمَنْ أَصَابَهُ عَرَقُ الْكَلْبِ: أَصَابَهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ نَجِسٍ، فَكَانَ نَجِسًا كَلُعَابِهِ، فَيَمْنَعُ السَّائِلُ كَوْنَ عَرَقِ الْكَلْبِ نَجِسًا.
_________________
(١) ١ انظر "الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٦٩، حاشية البناني ٢/٢٤٧، الآيات البينات ٤/٤٨، نشر البنود ٢/١٤٨". ٢ في ع ض: شرط. ٣ ساقطة من ع ب. ٤ انظر "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٧، شرح العضد ٢/٢٢٨، الآيات البينات ٤/٤٨، الإحكام للآمدي ٣/٣٤٩، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، مختصر البعلي ص ١٤٥، تيسير التحرير ٤/٣٠، فواتح الرحموت ٢/٢٨٩".
[ ٤ / ٧٩ ]
فَيَقُولُ١ الْمُسْتَدِلُّ: لأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ شَرْعًا، أَيْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ. فَكَانَ نَجِسًا كَبَوْلِهِ.
فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذِهِ الْعِلَّةُ ثُبُوتُهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ حُكْمِ الأَصْلِ؛ فَتَكُونُ فَاسِدَةً؛ لأَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ - وَهُوَ نَجَاسَتُهُ - يَجِبُ أَنْ تَكُونَ سَابِقَةً عَلَى اسْتِقْذَارِهِ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِقْذَارِهِ إنَّمَا هُوَ مُرَتَّبٌ٢ عَلَى ثُبُوتِ نَجَاسَتِهِ. وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ فَاسِدَةً لِتَأَخُّرِهَا عَنْ حُكْمِ الأَصْلِ فَمَا٣ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ ٤مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ، عَلَى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْبَاعِثِ. وَقَدْ فَرَضْنَا تَأَخُّرَهَا عَنْ الْحُكْمِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لأَنَّ الْفَرْضَ٥: أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عُرِفَ قَبْلَ ثُبُوتِ عِلَّتِهِ٦ لَكِنْ إنَّمَا يَتَأَتَّى هَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ مَعْنَى الْمُعَرِّفِ: الَّذِي يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ بِهِ٧. أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّعْرِيفُ: فَلا لِذَلِكَ٨.
"وَ" مِنْ شُرُوطِ٩ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تَرْجِعَ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي اُسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ "بِإِبْطَالٍ" حَتَّى لَوْ اُسْتُنْبِطَتْ مِنْ
_________________
(١) ١ في ش: ويقول. ٢ في ش: مترتب. ٣ في ش: فيما. ٤ في ش ز: بغير. ٥ في د ع ض: الغرض. ٦ في ش: الحكمة. ٧ ساقطة من ش، وفي ز: به التعريف. ٨ في د: كذلك. ٩ في ش ع ض: شرط.
[ ٤ / ٨٠ ]
نَصٍّ، وَكَانَتْ تُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، وَذَلِكَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ مَنْشَؤُهَا١، فَإِبْطَالُهَا لَهُ إبْطَالٌ لَهَا؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ، وَالْفَرْعُ لا يُبْطِلُ أَصْلَهُ؛ إذْ لَوْ أَبْطَلَ٢ أَصْلَهُ لأَبْطَلَ نَفْسَهُ٣.
كَتَعْلِيلِ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ: بِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّهُ مُجَوِّزٌ لإِخْرَاجِ قِيمَةِ الشَّاةِ، فَيَتَخَيَّرُ٤ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا.
وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ تَجْوِيزِكُمْ الاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، اسْتِنْبَاطًا مِنْ أَمْرِهِ ﵊ فِي الاسْتِنْجَاءِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ٥؟ فَإِنَّكُمْ أَبْطَلْتُمْ هَذَا التَّوْسِيعَ٦ بِغَيْرِ٧ الأَحْجَارِ الْمَأْمُورِ بِهَا!!
لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا٨ فَهِمْنَا إبْطَالَ تَعْيِينِهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) ١ في ش ز: منشأها. ٢ في ض: بطل. ٣ انظر "شرح العضد ٢/٢٢٨، الآيات البينات ٤/٥١، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٤، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، مختصر البعلي ص ١٤٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٧، نهاية السول ٣/١١٧، تيسير التحرير ٤/٣١، فواتح الرحموت ٢/٢٨٩، أصول السرخسي ٢/١٦٥". ٤ في ش: فيتخير بين هذا وبين تجويزكم الاستنجاء، وفي ض: فيخير. ٥ سبق تخريجه في ج ٣ ص ٤٦٥. ٦ في ش: التوسع. ٧ في ش زب: بعين. ٨ في ش: إنْ.
[ ٤ / ٨١ ]
وَسَلَّمَ، بَعْدَ مَا أَمَرَهُ بِالاسْتِنْجَاءِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ "وَلا يَسْتَنْجِي١ بِرَجِيعٍ وَلا عَظْمٍ٢" فَدَلَّ عَلَى٣ أَنَّهُ أَرَادَ أَوَّلًا٤: الأَحْجَارَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْ الرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ فَائِدَةٌ.
"وَفِي قَوْلٍ: وَلا بِتَخْصِيصٍ" يَعْنِي أَنَّهُ هَلْ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ: أَنْ لا تَعُودَ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي اُسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ بِتَخْصِيصٍ، أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا؟
لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ٥.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: حَدِيثُ ٦النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ٧ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ - وَهُوَ٨
_________________
(١) ١ في ش: تستنج. ٢ أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن سلمان الفارسي مرفوعًا. "صحيح مسلم ١/٢٢٣، سنن النسائي ١/٣٥، عارضة الأحوذي ١/٣٢، بذل المجهود ١/٢٠". ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ش. ٥ انظر تحقيق المسألة في "الإحكام للآمدي ٣/٣٥٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٨، الآيات البينات ٤/٥١". ٦ ساقطة من ش. ٧ أخرجه مالك في الموطأ ٢/٦٥٥، والبيهقي في سننه ٥/٢٩٦، والحاكم في المستدرك ٢/٣٥، والدارقطني ٣/٧١، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وأخرجه البيهقي في سننه أيضًا ٥/٢٩٦ من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا ثم قال: هذا إسناد صحيح. ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب عدّه موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب والقاسم ابن أبي بزة وقول أبي بكر الصديق. ٨ في ش: وهي.
[ ٤ / ٨٢ ]
مَعْنَى الرِّبَا - تَقْتَضِي١ تَخْصِيصَهُ بِالْمَأْكُولِ٢؛ لأَنَّهُ بَيْعُ رِبَوِيٍّ بِأَصْلِهِ. فَمَا لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي النَّهْيِ، فَقَدْ عَادَتْ الْعِلَّةُ عَلَى٣ أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ.
فَلِذَلِكَ جَرَى لِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، مَأْخَذُهُمَا ذَلِكَ٤.
وَلأَصْحَابِنَا أَيْضًا٥ فِي ذَلِكَ قَوْلانِ٦، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا: صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مُطْلَقًا٧. وَأَمَّا عَوْدُ الْعِلَّةِ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بِالتَّعْمِيمِ: فَإِنَّهُ جَائِزٌ٨ بِغَيْرِ خِلافٍ، كَمَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ "لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" ٩ أَنَّ الْعِلَّةَ: تَشْوِيشُ الْفِكْرِ، فَيَتَعَدَّى إلَى كُلِّ
_________________
(١) ١ في ع ض ب: يقتضي. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ش: من. ٤ انظر: المهذب ١/٢٨٤، التنبيه ص ٦٥، تكملة المجموع ١١/٢١٣ وما بعدها، فتح العزيز ٨/١٨٨. ٥ ساقطة من ع. ٦ أي في بيع اللحم بالحيوان غير مأكول اللحم. "انظر المبدع ٤/١٣٥". ٧ أقول: تصحيح المصنف صحة بيع اللحم بالحيوان مطلقًا غير موافق لمذهب الحنابلة، إذا الصحيح المعتمد عند الحنابلة صحة بيع اللحم بالحيوان إذا كان الحيوان غير مأكول اللحم أو كان مأكول اللحم لكن من غير جنس اللحم. أما بيع اللحم بالحيوان مأكول اللحم من جنسه فلا خلاف في مذهبهم في عدم صحته. "انظر كشاف القناع ٣/٢٤٣، شرح منتهى الإرادات ٢/١٩٥، المبدع ٤/١٣٥، المغني ٤/٣٧، المحرر ١/٣٢٠". ٨ في ش: بخلاف. ٩ سبق تخريجه في ج ٣ ص ٤٦٦.
[ ٤ / ٨٣ ]
مُشَوِّشٍ مِنْ شِدَّةِ فَرَحٍ وَنَحْوِهِ.
"وَ" مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا يَكُونَ لِلْمُسْتَنْبَطَةِ١ مُعَارِضٌ فِي الأَصْلِ"٢.
يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعِلَّةِ إذَا كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَنْ لا تَكُونَ مُعَارَضَةً بِمُعَارِضٍ مُنَافٍ مَوْجُودٍ فِي الأَصْلِ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ، وَلَيْسَ٣ مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ؛ لأَنَّهُ٤ مَتَى كَانَ فِي الأَصْلِ وَصْفَانِ مُتَنَافِيَانِ٥ يَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَقِيضَ الآخَرِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا عِلَّةً٦ إلاَّ بِمُرَجِّحٍ٧.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ٨ فِي٩ صَوْمِ الْفَرْضِ " صَوْمُ مُعَيَّنٍ " فَيَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ كَالنَّفْلِ.
_________________
(١) ١ في ع: للمستنبط. ٢ انظر "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٤٩، شرح العضد ٢/٢٢٨، أدب القاضي للماوردي ١/٥٤١، الآيات البينات ٤، ٥٢، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٤، إرشاد الفحول ص ٢٠٧، تيسير التحرير ٤/٣١، فواتح الرحموت ٢/٢٩٠". ٣ في ز: فليس. ٤ في ض: كأنه. ٥ في ض: متناقضان. ٦ ساقطة من ع. ٧ في ش: بلا مرجح. ٨ في ش: الحنفي لبعضها فيصح نكاحها و. ٩ ساقطة من د.
[ ٤ / ٨٤ ]
فَيُقَالُ لَهُ: صَوْمُ فَرْضٍ، فَيُحْتَاطُ فِيهِ وَلا يُبْنَى عَلَى السُّهُولَةِ.
"وَ" مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تُخَالِفَ نَصًّا وَلا إجْمَاعًا"؛ لأَنَّ النَّصَّ وَالإِجْمَاعَ لا يُقَاوِمُهُمَا الْقِيَاسُ، بَلْ يَكُونُ إذَا خَالَفَهُمَا بَاطِلًا١.
مِثَالُ مُخَالَفَةِ النَّصِّ: أَنْ يَقُولَ حَنَفِيٌّ: امْرَأَةٌ مَالِكَةٌ لِبُضْعِهَا، فَيَصِحُّ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، كَبَيْعِهَا سِلْعَتَهَا.
فَيُقَالُ لَهُ: هَذِهِ عِلَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا٢ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" ٣.
وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ: أَنْ يَقُولَ مُسَافِرٌ فَلا تَجِبُ٤ عَلَيْهِ الصَّلاةُ فِي السَّفَرِ، قِيَاسًا عَلَى صَوْمِهِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي السَّفَرِ، بِجَامِعِ الْمَشَقَّةِ.
_________________
(١) ١ انظر "شرح العضد ٢/٢٢٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٤، إرشاد الفحول ص ٢٠٧، مختصر البعلي ص ١٤٥، تيسير التحرير ٤/٣٢، المستصفى ٢/٣٤٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥٠، فواتح الرحموت ٢/٢٨٩، أدب القاضي للماوردي ١/٥٤١، الآيات البينات ٤/٥٥". ٢ ساقطة من ش. ٣ سبق تخريجه في ج ٢ ص ٥٤١. ٤ في ش: يجب.
[ ٤ / ٨٥ ]
فَيُقَالُ: هَذِهِ الْعِلَّةُ مُخَالِفَةٌ لِلإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَشَقَّةِ فِي الصَّلاةِ، وَوُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَى الْمُسَافِرِ مَعَ وُجُودِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ١.
وَمِثَالٌ آخَرُ لَوْ قِيلَ: إنَّ الْمِلْكَ لا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَةِ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ، بَلْ يَصُومُ، وَهُوَ يَصْلُحُ مِثَالًا لَهُمَا. قَالَهُ الْعَضُدُ٢.
"وَ" مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا "أَنْ لا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ" أَيْ حُكْمًا فِي الأَصْلِ غَيْرَ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ٣؛ لأَنَّهَا٤ إنَّمَا تُعْلَمُ مِمَّا أُثْبِتَ فِيهِ.
مِثَالُهُ "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ٥ سَوَاءً بِسَوَاءٍ" فَتُعَلَّلُ الْحُرْمَةُ٦ بِأَنَّهُ٧ رِبًا فِيمَا يُوزَنُ كَالنَّقْدَيْنِ، فَيَلْزَمُ التَّقَابُضُ، مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.
وَقَالَ الآمِدِيُّ٨: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ
_________________
(١) ١ في ض ب: المشقة للسفر. ٢ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٢٩. ٣ انظر "إرشاد الفحول ص ٢٠٨، مختصر البعلي ١٤٥، تيسير التحرير ٤/٣٣، شرح العضد ٢/٢٢٩، فواتح الرحموت ٢/٢٨٩". ٤ في ز: فإنها. ٥ ساقطة من ش ض. ٦ في ش: العلة. ٧ في ش: بأنها. ٨ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٥٥.
[ ٤ / ٨٦ ]
مُنَافِيَةً لِلنَّصِّ؛ لأَنَّهَا إذَا لَمْ تُنَافِ١ لَمْ٢ يَضُرَّ وُجُودُهَا.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هُوَ الْمُخْتَارُ٣.
٤"وَ" مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا "أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا ٥" وَذَلِكَ؛ لأَنَّ دَلِيلَهَا لَوْ كَانَ غَيْرَ شَرْعِيٍّ لَلَزِمَ أَنْ لا يَكُونَ الْقِيَاسُ شَرْعِيًّا.
"وَ" مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا "أَنْ لا يَعُمُّ دَلِيلُهَا حُكْمَ الْفَرْعِ" يَعْنِي أَنْ٦ لا يَكُونَ دَلِيلُ الْعِلَّةِ٧ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ "بِعُمُومِهِ" كَقِيَاسِ التُّفَّاحِ عَلَى الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ، فَيُقَالُ: الْعِلَّةُ دَلِيلُهَا حَدِيثُ "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ٨ "أَوْ بِخُصُوصِهِ٩" كَقَوْلِهِ ﷺ "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ
_________________
(١) ١ في ع: تتلف. ٢ في ع ض ب: لا. ٣ وكذا اختاره التاج السبكي في جمع الجوامع. "جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٢٥١، الآيات البينات ٤/٥٥". ٤ ساقطة من ع. ٥ انظر "شرح العضد ٢/٢١٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٥٥، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، مختصر البعلي ص ١٤٥". ٦ في ض: انه. ٧ في ش: العلة حكمًا. ٨ صحيح مسلم ٣/١٢١٤. ٩ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥٢، شرح العضد ٢/٢٢٩، الآيات البينات ٤/٦٠، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، نهاية السول ٣/١١٧، تيسير التحرير ٤/٣٣، فواتح الرحموت ٢/٢٩٠".
[ ٤ / ٨٧ ]
فَلْيَتَوَضَّأْ" ١ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا، لَكِنْ يُذْكَرُ لِلتَّمْثِيلِ.
فَلَوْ قِيلَ فِي الْقَيْءِ: خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَيَنْقُضُ كَالْخَارِجِ مِنْهُمَا. ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمَا يُنْقَضُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَصِحَّ؛ لأَنَّهُ تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ، بَلْ فِي الثَّانِي - مَعَ كَوْنِهِ تَطْوِيلًا - رُجُوعٌ عَنْ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يَثْبُتُ٢ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، لا بِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ.
قَالَ الْعَضُدُ: لَنَا٣ أَنَّهُ يُمْكِنُ٤ إثْبَاتُ الْفَرْعِ بِالنَّصِّ، كَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الأَصْلِ بِهِ. فَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى إثْبَاتِ الأَصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بَيَانِ وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ بَيَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهَا: تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ. وَأَيْضًا ٥فَإِنَّهُ رُجُوعٌ مِنْ الْقِيَاسِ إلَى
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي والدارقطني وابن ماجة عن عائشة ﵂ مرفوعًا، كما أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن جريج عن أبيه مرسلًا، وفي إسناده في الروايتين إسماعيل بن عياش. قال الحافظ بن حجر: وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها. وقال أيضًا: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عند الدارقطني وإسناده أضعف من الأول، وأخرجه أيضًا ابن عباس نحوه، وفي إسناده سليمان بن أرقم. "انظر سنن البيهقي ١/١٤٢ وما بعدها، سنن الدارقطني ١/١٥٣ وما بعدها، سنن ابن ماجة ١/٣٨٦، الدراية في تخريح أحاديث الهداية ١/٣٠ وما بعدها". ٢ في ز: ثبت. ٣ ساقطة من د ض. ٤ في ش: ممكن. ٥ في ش: أن تكون فائدة.
[ ٤ / ٨٨ ]
النَّصِّ١.
"وَأَنْ تَتَعَيَّنَ" يَعْنِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا: أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً لا مُبْهَمَةً٢، بِمَعْنَى شَائِعَةٍ، خِلافًا لِمَنْ اكْتَفَى بِذَلِكَ، مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ " اعْرِفْ الأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ، وَقِسْ الأُمُورَ٣ بِرَأْيِك "٤ فَيَكْفِي عِنْدَهُمْ كَوْنُ الشَّيْءِ مُشْبَهًا لِلشَّيْءِ شَبَهًا مَا.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: لَكِنْ أَطْبَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى فَسَادِهِ؛ لأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ وَالْمُجْتَهِدَ سَوَاءٌ فِي إثْبَاتِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْحَوَادِثِ، إذْ مَا مِنْ عَامِّيٍّ إلاَّ وَعِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَصْلٌ مِنْ الأُصُولِ عَامٌّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ.
_________________
(١) ١ شرح المعضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٣٠. ٢ انظر "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥١، التبصرة للشيرازي ص ٤٥٨، اللمع ص ٥٩، تيسير التحرير ٤/٥٣، فواتح الرحموت ٢/٣٠١، الآيات البينات ٤/٥٧، إرشاد الفحول ص ٢٠٨، نشر البنود ٢/١٥٠، إعلام الموقعين ١/١٤٨، المسودة ص ٣٨٩، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٥٢، الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ١٥". ٣ ساقطة من ض. ٤ هذا جزء من كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري في أصول القضاء، وقد أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهم. قال العلامة ابن القيم: "هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه". "انظر إعلام الموقعين ١/٨٦، الفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٠٠، سنن الدارقطني ٤/٢٠٦ وما بعدها، إرواء الغليل ٨/٢٤١" وقد حاول ابن حزم الطعن في صحته وسعى في إبطاله سندًا ومتنًا في كتابه الإحكام في أصول الأحكام ٧/١٠٠٣ وما بعدها، فتأمل!
[ ٤ / ٨٩ ]
وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ لا بُدَّ فِي الإِلْحَاقِ مِنْ الاشْتِرَاكِ بِوَصْفٍ خَاصٍّ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّفُونَ فِي الْحَوَادِثِ١ لا يُلْحِقُونَهَا بِأَيِّ وَصْفٍ كَانَ بَعْدَ عَجْزِهِمْ عَنْ إلْحَاقِهَا بِمَا يُشَارِكُهَا فِي وَصْفٍ خَاصٍّ.
أَمَّا التَّعْلِيلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَحْصُورِ: فَلا يَمْتَنِعُ كَمَا لَوْ مَسَّ الرَّجُلُ مِنْ الْخُنْثَى فَرْجَ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْخُنْثَى فَرْجَ النِّسَاءِ بِشَهْوَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَاسِّينَ؛ لأَنَّهُ إمَّا مَسُّ فَرْجٍ أَوْ مَسٌّ لِشَهْوَةٍ.
"وَ" مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَيْضًا "أَنْ لا تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا٢" غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، أَيْ مَفْرُوضًا لا حَقِيقَةَ لَهُ٣، كَتَعْلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ٤
_________________
(١) ١ في ز: الحادث. ٢ المراد بالتقدير في هذا المقام: إعطاء المعدوم حكم الموجود. "قواعد الأحكام ٢/١١٢" وللتقدير معانٍ أخرى عند الفقهاء والأصوليين، منها: إعطاء الموجود حكم المعدوم. ومنها: إعطاء المتأخر حكم المتقدم. ومنها: إعطاء الآثار والصفات حكم الأعيان والموجودات. "انظر هذه الإطلاقات وأمثلتها بصورة مفصلة في قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/١١٢-١١٧". ٣ انظر تحقيق المسألة في "المستصفى ٢/٣٣٦، نشر البنود ٢/١٥١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥١، شرح تنقيح الفصول ص ٤١٠، الآيات البينات ٤/٥٩، إرشاد الفحول ص ٢٠٨". ٤ في ش: الصرف.
[ ٤ / ٩٠ ]
بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِالْمِلْكِ١.
قَالَ الرَّازِيّ٢: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّرَةِ، خِلافًا ٣ لِلْفُقَهَاءِ الْبَصْرِيِّينَ.
قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ الْمَحْصُولِ: أَنْكَرَ الإِمَامُ وَجَمْعٌ تَصْوِيرَ التَّقْدِيرِ فِي الشَّرْعِ، فَضْلًا عَنْ التَّعْلِيلِ بِهِ٤.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ٥: قُلْت: الْفُرُوعُ الْفِقْهِيَّةُ كَثِيرَةٌ بِالتَّعْلِيلِ٦ بِالأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ، لا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلافٌ، وَكَأَنَّهَا٧ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ التَّحْقِيقِيَّاتِ. أَلا تَرَى أَنَّ الْحَدَثَ عِنْدَهُمْ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ مُقَدَّرٌ قِيَامُهُ٨ ٩بِالأَعْضَاءِ يَرْفَعُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، وَلا يَرْفَعُهُ التَّيَمُّمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ٩!!
_________________
(١) ١ باعتبار أن الملك عند الفقهاء هو معنى شرعي مقدر في المحل، أثره إطلاق التصرفات. "انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٥٢، نشر البنود ٢/١٥١". ٢ المحصول ٢/٢/٤٣١. ٣ كذا في سائر الأصول الخطية. وفي المحصول: لبعض الفقهاء المعاصرين. ٤ شرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٤١٠، ٤١١. غير أن الإمام القرافي بعد أن حكى رأي الإمام الرازي في إنكار المقدرات وعدم صحة التعليل بها ناقشه وردّه، ثم قال: "فإنكار الإمام منكر، والحق التعليل بالمقدرات". ٥ ساقطة من ض. ٦ في ش: التعليل. ٧ في ع: فكأنها. ٨ في ش ض: قياسه. ٩ ساقطة من ع.
[ ٤ / ٩١ ]
١"وَقَدْ تَكُونُ" الْعِلَّةُ "حُكْمًا شَرْعِيًّا" عِنْدَ الأَكْثَرِ٢.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ٣ أَصْحَابِنَا، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَمَارَةٌ.
وَالْعِلَّةُ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهَا فِي الأَصْلِ الْمُتَعَدِّيَةُ إلَى الْفَرْعِ.
وَأَيْضًا قَدْ يَدُورُ حُكْمٌ مَعَ حُكْمٍ، وَالدَّوَرَانُ عِلَّةٌ كَمَا يَأْتِي. وَمَنَعَهُ آخَرُونَ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقَوْلِنَا: مَنْ صَحَّ طَلاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الأُصُولِيِّينَ.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ، وَ٤يُعْزَى إلَى بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْمُنَى.
_________________
(١) ١ ساقطة من ع. ٢ انظر "حاشية البناني ٢/٢٣٤، شرح تنقيح الأصول ص ٤٠٨، شرح العضد ٢/٢٣٠، المسودة ص ٤١١، ٤٦٦، روضة الناظر ص ٣١٩، اللمع ص ٥٩، المعتمد ٢/٨٠٥، الآيات البينات ٤/٣٨، الإحكام للآمدي ٣/٣٠١، إرشاد الفحول ص ٢٠٩، مختصر البعلي ص ١٤٥، نهاية السول ٣/١٠٩، شرح البدخشي ٣/١٠٨، الإبهاج ٣/٩٢، تيسير التحرير ٤/٣٤، المستصفى ٢/٣٣٥، فواتح الرحموت ٢/٢٩٠، فتح الغفار ٣/٢٠، كشف الأسرار ٣/٣٤٧، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٧٧". ٣ في ز: من. وفي ض: عند. ٤ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٩٢ ]
وَقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهُ عِلَّةً، بِمَعْنَى الأَمَارَةِ، لا فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ تَكُونُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، لا بِمَعْنَى الأَمَارَةِ. اهـ
"وَتَكُونُ١ صِفَةُ الاتِّفَاقِ" فِي مَسْأَلَةٍ "وَ" صِفَةُ "الاخْتِلافِ" فِي أُخْرَى "عِلَّةً" لِلْحُكْمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ٢، كَالإِجْمَاعِ حَادِثٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ، وَالاخْتِلافُ يَتَضَمَّنُ خِفَّةَ حُكْمِهِ، وَعَكْسُهُ الاتِّفَاقُ، كَقَوْلِنَا فِي٣ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ: مُتَوَلِّدٌ مِنْ٤ أَصْلَيْنِ يُزَكَّى أَحَدُهُمَا إجْمَاعًا، فَوَجَبَ فِيهِ، كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ. وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْكَلْبِ: مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّ لَحْمِهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِي وُلُوغِهِ عَدَدٌ كَالسَّبُعِ.
وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِحُدُوثِهَا بَعْدَ الأَحْكَامِ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ ضِمْنَ مَسْأَلَةِ النَّبِيذِ
لَنَا "وَيَتَعَدَّدُ الْوَصْفُ وَيَقَعُ" يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّدِ ٥عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ٦، وَيُسَمَّى الْوَصْفَ الْمُرَكَّبَ؛ لأَنَّ
_________________
(١) ١ في ع ض ب: وقد يكون حكمًا شرعيًا وتكون. ٢ انظر المسودة ص ٤٠٩، ٤١٠. ٣ ساقطة من ع. ٤ في ش: بين. ٥ في ع: للتعدد. ٦ انظر "حاشية البناني ٣/٢٣٤، فواتح الرحموت ٢/٢٩١، كشف الأسرار ٣/٣٤٨، شرح تنقيح الفصول ص ٤٠٩، شرح العضد ٢/٢٣٠، المحصول ٢/٢/٤١٣، روضة الناظر ص ٣١٩، اللمع ص ٦٠، المعتمد ٢/٧٨٩، الآيات البينات ٤/٣٨، الإحكام للآمدي ٣/٣٠٦، نشر البنود ٢/١٣٤، =
[ ٤ / ٩٣ ]
الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُفْرَدَةِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ١ الْمُرَكَّبَةِ، فَهُمَا سَوَاءٌ. وَذَلِكَ كَمَا نَقُولُ٢ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ: قَتْلٌ مَحْضٌ عُدْوَانٌ.
وَقِيلَ: لا؛ لأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُرَكَّبِ يُؤَدِّي إلَى مُحَالٍ. فَإِنَّهُ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ تَنْتَفِي عِلِّيَّتُهُ، فَبِانْتِفَاءِ٣ آخَرَ يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ الْجُزْءِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ٤.
رُدَّ لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عِلَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمُ شَرْطٍ، فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ شَرْطٌ لِلْعِلِّيَّةِ٥. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ عِلَّةٌ، فَحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ إلَى انْتِفَاءِ ٦جُزْءٍ آخَرَ، كَمَا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ٧.
"وَمَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَعَلَهُ" الشَّارِعُ "أَوْ أَقَرَّهُ" أَيْ أَقَرَّ الشَّارِعُ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ "لا يُعَلَّلُ بِمُخْتَصَّةٍ" أَيْ
_________________
(١) = مختصر البعلي ص ١٤٥، نهاية السول ٣/١١٢، مناهج العقول ٣/١١٢، الإبهاج ٣/٩٦، تيسير التحرير ٤/٣٤، المستصفى ٢/٣٣٦". ١ ساقطة من ش. وفي ض: المنفردة يستدل به على العلة. ٢ في ش: تقول. ٣ في ع: فانتفاء. ٤ في ع ض: العلة. ٥ في ع: للعلة. ٦ في ش: أجزاء أخر. ٧ انظر: المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٣٥، الآيات البينات ٤/٣٩.
[ ٤ / ٩٤ ]
بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ "بِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا" بِزَوَالِهَا١.
"وَقَدْ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَيَبْقَى الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ"٢
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - وَعَنَى بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ - مَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَعَلَهُ، أَوْ أَقَرَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا؟ جَوَّزَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ.
ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ، وَذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي حُكْمِهِ بِتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ الثَّمَرِ٣ الْمُعَلَّقِ، وَالضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ٤، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ وَهُوَ شُبْهَتُهُمْ أَنَّ٥ حُكْمَ الْمُؤَلَّفَةِ انْقَطَعَ.
وَمَنَعَهُ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ.
_________________
(١) ١ انظر الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل ص ١٨. ٢ الرَّمَل: هو الإسراع في المشي وهزّ المنكب. وقد شرع رَمَل الطواف في عمرة القضاء ليرى المشركون قوة المسلمين حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب. وقيل: الرمَل إسراع المشي مع تقارب الخطى، وهو الخبب. "مجمع بحار الأنوار ٢/٣٨٠ وما بعدها". ٣ ساقطة من ض. ٤ في ش: المكتوبة. ٥ في ش: في أن.
[ ٤ / ٩٥ ]
ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ - يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ أَيْضًا - قَدْ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَيَبْقَى الْحُكْمُ، كَالرَّمَلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النُّطْقُ حُكْمٌ مُطْلَقٌ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا١ فَقَدْ٢ ثَبَتَتْ٣ الْعِلَّةُ مُطْلَقًا.
وَهَذَانِ جَوَابَانِ لا حَاجَةَ إلَيْهِمَا.
وَاحْتُجَّ بِأَنَّ هَذَا رَأْيٌ مُجَرَّدٌ، وَبِتَمَسُّكِ الصَّحَابَةِ بِـ"نَهْيِهِ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ " فِي الْعَامِ الْقَابِلِ٤.
وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ صَحَّ٥ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَقَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ٦، وَقَوْلِ جَابِرٍ "كُنَّا لا نَأْكُلُ، فَرَخَّصَ
_________________
(١) ١ في ش: خاص. ٢ ساقطة من د. ٣ في ع: تثبت، وفي ش: أثبتت. ٤ حيث روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال قال النبي ﷺ: "من ضحّى منكم فلا يُصبِحَنَّ بعد ثالثة وفي بيته منه شي"، فلما كان العام المقبل، قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: "كلوا وأطعموا وادّخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تُعينوا فيها". "رواه البخاري ٦/٢٣٩، صحيح مسلم ٣/١٥٦٣". ٥ أي صحّ عنهم جواز ادّخارها. ٦ هو الصحابي الجليل قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الظَّفَري الأنصاري الأوسي، أبو عبد الله، من فضلاء الصحابة، شهد مع النبي ﷺ العقبة وأحُدًا وبدرًا والخندق وسائر المشاهد، وقلعت عينه يوم أحد، فردّها رسول الله ﷺ، وكانت أحسن عينيه. توفي بالمدينة سنة ٢٣ هـ وهو ابن خمس وستين سنة. "انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد =
[ ٤ / ٩٦ ]
لَنَا"١.
"وَتَعْلِيلُهُ" أَيْ الْحُكْمِ "بِعِلَّةٍ زَالَتْ. وَإِذَا عَادَتْ" الْعِلَّةُ عَادَ الْحُكْمُ "فِيهِ نَظَرٌ"
"وَعَكْسُهُ" أَيْ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ تَعْلِيلُ حُكْمٍ نَاسِخٍ بِمُخْتَصَّةٍ أَيْ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الزَّمَنِ، بِحَيْثُ إذَا زَالَتْ ٢تِلْكَ الْعِلَّةُ "زَالَ" الْحُكْمُ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَالْحُكْمُ هُنَا أَقْسَامٌ:
أَعْلاهَا: أَنْ يَكُونَ٣ بِخِطَابٍ مُطْلَقٍ٤.
الثَّانِي: أَنْ يَثْبُتُ فِي أَعْيَانٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلًا أَوْ إقْرَارًا.
_________________
(١) = ٢/٣/٢٥، الاستيعاب ٣/١٢٧٤، أسد الغابة ٤/١٩٥، الإصابة ٣/٢٢٥، الكامل لابن الأثير ٣/٤٠، تهذيب الأسماء واللغات ٢/٥٨، مشاهير علماء الأمصار ص ٢٧، سير أعلام النبلاء ٢/٣٣١، شذرات الذهب ١/٣٤". وحديث قتادة بن النعمان في جواز أكل الأضاحي وادخارها أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/٢٣٢ وقال عنه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ١ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده، ولفظ الشيخين "كنا لا نأكل من لحوم بُدننا فوق ثلاث منى، فرخص لنا النبي ﷺ فقال: "كلوا وتزوَّدوا". "صحيح البخاري ٢/١٧٨، صحيح مسلم ٣/١٥٦٢، سنن النسائي ٧/٢٠٦، الموطأ ٢/٤٨٤، مسند أحمد ٣/٣١٧" وأخرج نحوه ابن ماجة عن نُبَيْشة مرفوعًا "سنن ابن ماجة ٢/١٠٥٥". ٢ ساقطة من ش ز. ٣ في ع ض ب: تكون. ٤ في ع ب: مطلقًا.
[ ٤ / ٩٧ ]
فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ١ مُطْلَقًا، فَهَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ قَدْ زَالَتْ؟ لَكِنْ إذَا عَادَتْ يَعُودُ. فَهَذَا أَخَفُّ٢ مِنْ الأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قُلْت: نَظِيرُهُ٣ قَوْلُ مَنْ قَالَ٤ بِانْقِطَاعِ نَصِيبِ الْمُؤَلَّفَةِ عِنْدَ عَدَمِ الاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. فَإِنْ وُجِدَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّأْلِيفِ عَادَ جَوَازُ الدَّفْعِ لِعَوْدِ الْعِلَّةِ. اهـ.
أَمَّا تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ زَالَتْ، لَكِنْ إذَا عَادَتْ فَفِيهِ نَظَرٌ!
وَعَكْسُهُ: تَعْلِيلُ النَّاسِخِ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الزَّمَنِ، بِحَيْثُ إذَا زَالَتْ زَالَ، وَيَقَعُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ كَثِيرًا.
"وَوُقُوعُهُ" أَيْ وُقُوعُ هَذَا التَّعْلِيلِ "فِي خِطَابٍ عَامٍّ فِيهِ نَظَرٌ"!
وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ النَّسْخَ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ، كَالْخَمْرِ حُرِّمَتْ أَوَّلًا وَأَلِفُوا٥ شُرْبَهَا، فَنُهِيَ عَنْ تَخْلِيلِهَا٦ تَغْلِيظًا، وَزَالَتْ بِاعْتِيَادِ التَّرْكِ، فَزَالَ الْحُكْمُ، ثُمَّ أَبْطَلَهُ بِأَنَّهُ٧ نَسْخٌ بِالاحْتِمَالِ كَمَنْعِهِ فِي حَدٍّ وَفِسْقٍ وَنَجَاسَتِهَا.
_________________
(١) ١ في ش: الفعل. ٢ في د ض: أحق. ٣ في ش: نظره. ٤ في ش ز: يقول. ٥ في ش ض: وألغوا. ٦ في ش: تحليلها. ٧ في ش: بأن.
[ ٤ / ٩٨ ]