"يَجُوزُ نَسْخُ١ التِّلاوَةِ" أَيْ تِلاوَةِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ "دُونَ الْحُكْمِ" الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَاتُ الْمَنْسُوخَةُ "وَعَكْسِهِ" أَيْ نَسْخِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلاوَةِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ "وَهُمَا" أَيْ التِّلاوَةُ وَالْحُكْمُ مَعًا٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَمْ تُخَالِفْ٣ الْمُعْتَزِلَةُ فِي نَسْخِهِمَا مَعًا٤، خِلافًا لِمَا حَكَاهُ الآمِدِيُّ٥ عَنْهُمْ. اهـ.
وَأَمَّا نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ: فَمُمْتَنِعٌ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ مُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ انظر تفصيل المسألة في "العدة ٣/٧٨٠، فتح الغفار ٢/١٣، أدب القاضي للماوردي ١/٣٤٩، المسودة ص١٩٨، كشف الأسرار ٣/١٨٨، المعتمد ١/٤١٨، فواتح الرحموت ٢/٧٣، روضة الناظر ص٧٤، الإحكام للآمدي ٣/١٤١، المحصول ج١ ق٣/٤٨٢، إرشاد الفحول ص١٨٩، الإيضاح ص٥٨، أصول السرخسي ٢/٧٨، شرح تنقيح الفصول ص٣٠٩، المستصفى ١/١٢٣، شرح العضد ٢/١٩٤، الإشارات للباجي ص٦٦، التلويح على التوضيح ٢/٣٦". ٣ في ز ض: يخالف. ٤ نقل ابن مفلح مذهب المعتزلة بجواز نسخ الحكم والتلاوة معًا نقل سليم بخلاف نقل المصنف عنهم في السطر السابق عدم تجويز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه، حيث إنهم يجوزونه في الصور الثلاثة، يدل لذلك ما أقره أبو الحسين البصري المعتزلي في المعتمد"١/٤١٨" من جواز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه وجواز نسخ التلاوة والحكم معًا، ولهذا لما حكى الآمدي في الإحكام "٣/١٤١" القول بعدم جواز نسخ التلاوة والحكم معًا عزاه لطائفة شاذة من المعتزلة لا إلى مذهبهم وجمهورهم، وكذلك فعل ابن الحاجب في عزوه ذلك القول المخالف إلى بعض المعتزلة. "شرح العضد ٢/١٩٤". ٥ الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٤١.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى التَّأْبِيدِ١.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٢ أَيْ لا يَأْتِيه مَا يُبْطِلُهُ.
ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ النَّسْخِ فِي بَعْضِهِ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ:
مَا نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ، وَحُكْمُهُ بَاقٍ.
وَمَا نُسِخَ حُكْمُهُ فَقَطْ، وَتِلاوَتُهُ بَاقِيَةٌ.
وَمَا جُمِعَ فِيهِ نَسْخُ التِّلاوَةِ وَالْحُكْمِ.
مِثَالُ الأَوَّلِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ٣ وَالشَّافِعِيُّ٤ وَابْنُ مَاجَهْ٥ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، أَوْ٦ يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ حَدَّيْنِ٧ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَقَدْ٨ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَرَجَمْنَا"٩ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لأَثْبَتُّهَا١٠: "الشَّيْخُ
_________________
(١) ١ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٦، فواتح الرحموت ٢/٧٣، نهاية السول ٢/١٧٠، وقد خالف في هذه المسألة مكي بن أبي طالب في كتابه "الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه" ص٥٩، فقال: "اعلم أنه جائز أن ينسخ الله جميع القرآن، بأن يرفعه من صدور عباده، ويرفع حكمه بغير عوض..الخ". ٢ الآية ٤٢ من فصلت. ٣ الموطأ ٢/٨٢٤. ٤ ترتيب مسند الإمام الشافعي ٢/٨١. ٥ سنن ابن ماجه ٢/٨٥٣. ٦ في الموطأ: أن. وفي مسند الشافعي: وأن. ٧ في رواية الشافعي: حد الرجم. ٨ في الموطأ: فقد. وفي مسند الشافعي: لقد. ٩ زيادة من رواية الموطأ ومسند الشافعي. ١٠ في الموطأ ومسند الشافعي: لكتبتها.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وَالشَّيْخَةُ١ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ٢ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا "وَوَعَيْنَاهَا"٣ وَعَقَلْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ فِي قَوْلِهِ: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ": الْمُحْصَنَانِ حَدُّهُمَا الرَّجْمُ بِالإِجْمَاعِ.
وَقَدْ تَابَعَ عُمَرَ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، كَأَبِي ذَرٍّ، فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ "أَنَّهَا كَانَتْ فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ" وَالْمُرَادُ: بِمَا قَضَيَا مِنْ اللَّذَّةِ.
فَهَذَا الْحُكْمُ فِيهِ بَاقٍ، وَاللَّفْظُ مُرْتَفِعٌ، لِرَجْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا٤ وَالْغَامِدِيَّةِ٥ وَالْيَهُودِيِّينَ٦.
وَمِثَالُ الثَّانِي: -وَهُوَ مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ لَفْظُهُ، عَكْسُ٧ الَّذِي قَبْلَهُ- آيَةُ الْمُنَاجَاةِ وَالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ إلاَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
_________________
(١) ١ قال مالك في الموطأ "٢/٨٢٤": قوله "الشيخ والشيخة" يعني الثيب والثيبة. ٢ صحيح البخاري ٨/٢٠٩، صحيح مسلم ٣/١٣١٧. ٣ زيادة من رواية البخاري ومسلم. ٤ في ض ب: ماعز. وحديث رجم الرسول ﷺ ماعزًا سبق تخريجه في ص٢٢٤. ٥ حديث رجم الغامدية أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد عن بريدة ﵁. "انظر صحيح مسلم ٣/١٣٢٢، سنن أبي داود ٢/٤٦٢، نيل الأوطار ٧/١٢٣". ٦ حديث رجم اليهوديين أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن ابن عمر ﵁. "انظر صحيح البخاري ٨/٢٠٥، صحيح مسلم ٣/١٣٢٦، سنن أبي داود ٢/٤٦٣، سنن ابن ماجه ٢/٨٥٤، نيل الأوطار ٨/١٠٤". ٧ في ش: وهو عكس.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ١.
فَفِي التِّرْمِذِيِّ: عَنْهُ٢ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا تَرَى، دِينَارًا" ٣؟ قَالَ: لا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: "نِصْفُ دِينَارٍ"؟ قَالَ: لا يُطِيقُونَهُ، قَالَ "مَا تَرَى"؟ قَالَ شَعِيرَةٌ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّك لَزَهِيدٌ".
قَالَ عَلِيٌّ: حَتَّى٤ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِتَرْكِ الصَّدَقَةِ٥.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ "شَعِيرَةٌ" أَيْ "وَزْنُ شَعِيرَةٍ"٦ مِنْ ذَهَبٍ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ٧ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ٨ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ "مَا عَمِلَ بِهَا
_________________
(١) ١ انظر الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص٣٦٨، أسباب النزول للواحدي ص٢٣٥، فتح القدير للشوكاني ٥/١٩١، الدر المنثور ٦/١٨٥. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ش: دينار. ٤ في رواية الترمذي: فهي. ٥ ونص الحديث في سنن الترمذي: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ المجادلة/١٢ قال لي النبي ﷺ: "ما ترى؟ دينارًا". قال: لا يطيقونه. قال: "فنصف دينار"؟ قلت: لا يطيقونه. قال: "فكم"؟ قلت: شعيرة. قال: "إنك لزهيد". قال: فنزلت ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية "المجادلة/١٣" قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه. "سنن الترمذي مع شرح عارضة الأحوذي ١٢/١٨٦" وقد ذكر الشوكاني هذا الحديث وقال عنه إنه أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والنحاس وابن مردويه عن علي ﵁. "فتح القدير ٥/١٩١". ٦ زيادة من كلام الترمذي في سننه. ٧ هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، أبو بكر، الحافظ المعروف صاحب المسند الكبير. قال الدارقطني: ثقة يخطيء ويتكل على حفظه، وقال في المغني: صدوق. توفي سنة ٢٩٢ هـ "انظر ترجمته في شذرات الذهب ٢/٢٠٩، طرح التثريب ١/٣٠، تذكرة الحفاظ ٢/٦٥٣". ٨ هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني، أبو بكر، العلامة الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وروى عن أبيه وابن جريج ومعمر وسفيان ومالك والأوزاعي وخلائق، وروى عنه الأئمة أحمد وإسحاق وابن معين وابن المديني وخلائق، قيل لأحمد: أرأيت أحسن حديثًا منه؟ قال: لا. وقال: من سمع منه بعد ما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع، كان يلقن بعدما عمي. ولد سنة ١٢٦هـ، وتوفي سنة٢١١هـ. "انظر ترجمته في طرح التثريب ١/٧٨، شذرات الذهب ٢/٢٧، شرح علل الترمذي لابن لاجب٢/٥٨٥، تاريخ يحيى بن معين ٢/٣٦٣، تذكرة الحفاظ ١/٣٦٤".
[ ٣ / ٥٥٦ ]
أَحَدٌ غَيْرِي حَتَّى نُسِخَتْ" وَأَحْسَبُهُ قَالَ "وَمَا كَانَتْ إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"١.
وَمِثَالٌ آخَرُ لِهَذَا الْقِسْمِ: الاعْتِدَادُ فِي الْوَفَاةِ بِالْحَوْلِ٢، نُسِخَ بِقَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٣ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ٤.
وَمِثَالُ الثَّالِثِ: -وَهُوَ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ وَحُكْمُهُ مَعًا- مَا٥ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "كَانَ مِمَّا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ٦ "عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ٧" فَنُسِخَتْ٨ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ"٩ فَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ الْقُرْآنِ، لا فِي الاسْتِدْلالِ وَلا فِي غَيْرِهِ١٠.
_________________
(١) ١ فتح القدير للشوكاني ٥/١٩١، الدر المنثور للسيوطي ٦/١٨٥. ٢ ساقطة من ض. والآية المنسوخة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ البقرة /٢٤٠. ٣ الآية ٢٢٤ من البقرة. ٤ انظر أحكام القرآن للجصاص ١/٤١٤، فتح القدير للشوكاني ١/٢٥٩، الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص١٥٣، الدر المنثور ١/٣٠٩. ٥ ساقطة من ض. ٦ زيادة من صحيح مسلم. ٧ ساقطة من ش ز. وفي صحيح مسلم: يحرمن. ٨ في ش ع ب ز: فنسخن. وفي صحيح مسلم: ثم نسخن. ٩ صحيح مسلم ٢/١٠٧٥. ١٠ انظر الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص٤٤، ٤٥، ٦٠.
[ ٣ / ٥٥٧ ]
فَلِذَلِكَ١ كَانَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا جَوَازَ مَسِّ الْمُحْدِثِ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ، سَوَاءٌ نُسِخَ حُكْمُهُ أَوْ لا.
وَوَجْهُ ابْنِ عَقِيلٍ الْمَنْعُ لِبَقَاءِ٢ حُرْمَتِهِ، كَبَيْتِ الْمَقْدِسِ نُسِخَ كَوْنُهُ قِبْلَةً، وَحُرْمَتُهُ بَاقِيَةٌ. وَالْجَوَازُ لِعَدَمِ حُرْمَةِ كَتْبِهِ فِي الْمُصْحَفِ.
وَوَجْهُ٣ الْجَوَازِ فِي الْكُلِّ: أَنَّ التِّلاوَةَ حُكْمٌ، وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ الأَحْكَامِ: حُكْمٌ آخَرُ، فَجَازَ نَسْخُهُمَا، وَنَسْخُ أَحَدِهِمَا كَغَيْرِهِمَا٤.
وَقَالَ الْمَانِعُونَ: التِّلاوَةُ مَعَ حُكْمِهَا مُتَلازِمَانِ، كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ، وَالْحَرَكَةِ مَعَ التَّحْرِيكِيَّةِ٥، وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ٦.
٧رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالَمِيَّةُ وَالْحَرَكَةَ هِيَ التَّحْرِيكِيَّةُ٨ وَمُنِعَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ لا يَنْفَكُّ عَنْ الْمَفْهُومِ.
سَلَّمْنَا الْمُغَايَرَةَ، وَأَنَّ الْمَنْطُوقَ لا يَنْفَكُّ٩، فَالتِّلاوَةُ أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لا دَوَامًا١٠، فَلا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُهُ، وَبِالْعَكْسِ.
_________________
(١) ١ في ش: فكذلك. ٢ في ش: ببقاء. ٣ في ز ض ع: وجه. ٤ انظر شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/١٩٩٤. ٥ في ش ز: التحركية. ٦ انظر شرح العضد ٢/١٩٤. ٧ في ش: وذلك بإن العلم. ٨ في ش: التحركية. ٩ أي ولو سلمنا جدلًا بذلك، فلا يلزم من نسخ أحدهما دون الأخر الانفكاك. "شرح العضد ٢/١٩٤". ١٠ قال العضد: "أي يدل ثبوت التلاوة على ثبوت الحكم، ولا يدل على دوامه، ولذلك فإن الحكم قد يثبت بها مرة واحدة، والتلاوة تتكرر أبدًا، وإذا كان كذلك، فإن نسخ التلاوة وحدها، فهو نسخ لدوامها، وهو غير الدليل. وإذا نسخ الحكم وحده فهو نسخ للدوام، وهو غير مدلول، فلا يلزم إنفكاك الدليل والمدلول، بخلاف العالمية مع العلم والمنطوق مع المفهوم إن ثبتا لتلازمهما ابتداء ودومًا. "شرح العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٤".
[ ٣ / ٥٥٨ ]
قَالُوا: بَقَاءُ التِّلاوَةِ١ يُوهِمُ بَقَاءَ الْحُكْمِ، فَيُؤَدِّي إلَى التَّجْهِيلِ٢، وَإِبْطَالِ فَائِدَةِ الْقُرْآنِ٣.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ٤ ثُمَّ لا جَهْلَ مَعَ الدَّلِيلِ لِلْمُجْتَهِدِ، وَفَرْضُ الْمُقَلِّدِ التَّقْلِيدُ٥، وَالْفَائِدَةُ الإِعْجَازُ وَصِحَّةُ الصَّلاةِ٦ بِهِ٧.
"وَ" يَجُوزُ نَسْخُ "قُرْآنٍ، وَ" نَسْخُ "سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ بِمِثْلِهِمَا٨، وَ" نَسْخُ "سُنَّةٍ بِقُرْآنٍ، وَ" نَسْخُ "آحَادٍ" مِنْ السُّنَّةِ، وَهِيَ الْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُتَوَاتِرِ "بِمِثْلِهِ" أَيْ بِحَدِيثٍ غَيْرِ مُتَوَاتِرٍ "وَ" نَسْخُ آحَادٍ "بِمُتَوَاتِرٍ"٩.
_________________
(١) ١ أي دون الحكم. "شرح العضد ٢/١٩٤". ٢ وهو قبيح، فلا يقع من الله تعالى. "شرح العضد ٢/١٩٤". ٣ قال العضد: لا نحصار فائدة اللفظ في إفادة مدلوله، فإذا لم يقصد به ذلك، فقد بطلت فائدته، والكلام الذي لا فائدة فيه يجب أن ينزه عنه القرآن. "شرح العضد ٢/١٩٤". ٤ أي على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وهي باطلة. ٥ أي لا يسلم قولهم بأنه يؤدي إلى التجهيل، قال العضد: لأنه إنما يكون كذلك لو لم ينصب عليه دليل، وأما إذا نصب فلا، إذا المجتهد يعلم بالدليل، والمقلد يعلم بالرجوع إليه، فينتفي الجهل. "شرح العضد ٢/١٩٤". ٦ في ض: ذلك. ٧ هذا جواب على دعوى القائلين بان نسخ الحجم مع بقاء التلاوة يزيل فائدة القرآن، وذلك لقيام فائدته بكونه معجزًا بفصاحة لفظه، وكونه يتلى للثواب، وتصح به الصلوات. ٨ في ع ض ب: بمثلها. ٩ انظر تحقيق هذه المسائل في روضة الناظر ص٨٤ وما بعدها، فواتح الرحموت٢/٧٦ وما بعدها كشف الأسرار ٣/١٧٥ وما بعدها، الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص٦٧ وما بعدها، الاعتبار للحازمي ٢٤-٢٩، التبصرة ص٢٧٢ن شرح تنقيح الفصول ص٣١١ وما بعدها، العدة. ٣/٨٠٢، المسودة ص٢٠٥، أدب القاضي للماوردي ١/٣٤٦ وما بعدها، فتح الغفار ٢/١٣٣ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٩، الرسالة للشافعي ص١٠٦ وما بعدها، المستصفى ١/١٢٤، شرح العضد ٢/١٩٥ وما بعدها، التلويح على التوضيح ٢/٣٤ وما بعدها، الإحكام لابن جزم ٤/٤٧٧، أصول السرخسي ٢/٦٧ وما بعدها، المحصول ج١ ق٣/٤٩٥ وما بعدها، اللمع ص٣٢ وما بعدها، الآيات البينات ٣/١٣٩، الإحكام للآمدي ٣/١٤٦ وما بعدها، المعتمد ١/٤٢٢ وما بعدها، إرشاد الفحول ص١٩٠، نهاية السول ٢/١٨١ وما بعدها، شرح البدخشي ٢/١٧٩".
[ ٣ / ٥٥٩ ]
أَمَّا مِثَالُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ: فَنَسْخُ١ الاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ فِي الْوَفَاةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ٢ كَمَا سَبَقَ.
وَأَمَّا مِثَالُ نَسْخِ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِمُتَوَاتَرِهَا: فَلا يَكَادُ يُوجَدُ؛ لأَنَّ كُلَّهَا آحَادٌ: وإمَّا٣ فِي٤ أَوَّلِهَا، وَإِمَّا٥ فِي آخِرِهَا، وَإِمَّا مِنْ أَوَّلِ إسْنَادِهَا إلَى آخِرِهِ، مَعَ أَنَّ٦ حُكْمَ نَسْخِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.
٧وَمِثَالُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ مَا كَانَ مِنْ تَحْرِيمِ مُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ أَهْلَهُ لَيْلًا نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى٨: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾
_________________
(١) ١ في ز: نسخ. ٢ في ض: وعشرا. ٣ في ش: أو. ٤ في: من. ٥ في ش: أو في. ٦ ساقطة من ض. ٧ ساقطة من ش. ٨ الآية ١٨٧ من البقرة. وانظر تحقيق المسألة في "أحكام القرآن للجصاص ١/٢٢٦، الإيضاح لناسخ القران ومنسوخه ص١٢٢، الاعتبار للحازمي ص١٣٨، فتح القدير للشوكاني ١/١٨٧".
[ ٣ / ٥٦٠ ]
وَأَمَّا نَسْخُ الآحَادِ مِنْ السُّنَّةِ بِمِثْلِهَا فَكَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ١، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" ٢.
رَوَاهُ٣ التِّرْمِذِيُّ بِزِيَادَةٍ: "فَإِنَّهَا٤ تُذَكِّرُكُمْ٥ الآخِرَةَ" وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ٦.
وَوَجْهُ الشَّاهِدِ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "كُنْت نَهَيْتُكُمْ" فَصَرَّحَ بِأَنَّ النَّهْيَ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا نَسْخُ الآحَادِ مِنْ السُّنَّةِ بِالْمُتَوَاتِرِ مِنْهَا: فَجَائِزٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ.
"وَ" يَجُوزُ "عَقْلًا لا شَرْعًا" نَسْخُ سُنَّةٍ "مُتَوَاتِرَةٍ بِآحَادٍ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ٧ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالظَّاهِرِيَّةُ٨: يَجُوزُ.
_________________
(١) ١ هو الصحابي الجليل بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي. أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وكان فارسًا شجاعًا، سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو، وتوفي بها سنة ٦٢هـ، وهو آخر من توفي من الصحابة بخراسان، روي له عن رسول الله ﷺ مائة وأربعة وستون حديثًا. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/١٣٣، شذرات الذهب ١/٧٠، اصد الغابة ١/٢٠٩، طرح التثريب ١/٣٦". ٢ صحيح مسلم ٢/٦٧٢، وقد سبق تخريجه في ج٢ ص٥٥٤. ٣ في ش: ورواه. ٤ ساقطة من ع ز ض ب. ٥ لفظ الترمذي: تذكر. ٦ سنن الترمذي مع شرح عارضة الأحوذي ٤/٢٧٤. ٧ مختصر الطوفي ص٧١، وقد تابع الطوفي في ذلك ابن قدامة في الروضة. "انظر الروضة ص٨٦" وقد عللا رأيهما بجواز النسخ متواتر السنة بآحادها عقلًا بأنه لا يمتنع في العقل أن يقول الشارع تعبدتكم بالنسخ بخبر الواحد. أما شرعًا فلا يجوز لإجماع الصحابة على امتناعه. ٨ الإحكام في أصول الأحكام لابن جزم ٤/٤٧٧.
[ ٣ / ٥٦١ ]
وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْبَاجِيُّ، وَلَكِنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ: لا يَجُوزُ بَعْدَهُ إجْمَاعًا١؛ لأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ الآحَادَ بِالنَّاسِخِ إلَى أَطْرَافِ الْبِلادِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ.
"وَ" يَجُوزُ أَيْضًا٢ عَقْلًا لا شَرْعًا نَسْخُ "قُرْآنٍ بِمُتَوَاتِرٍ" مِنْ السُّنَّةِ، قَالَهُ الْقَاضِي٣ وَغَيْرُهُ٤.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ عَقْلًا.
قَالَ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ مِنْهُمْ٥ مَنْ مَنَعَهُ تَبَعًا لِلْقَدَرِيَّةِ فِي الأَصَحِّ. اهـ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ مَنْعُهُ.
وَهَذَا٦ ٧الْخِلافُ فِي الْجَوَازِ عَقْلًا.
وَأَمَّا الْجَوَازُ شَرْعًا: فَالْمَشْهُورُ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ مَنْعُهُ٨، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ٩ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ١٠، وَالظَّاهِرِيَّةُ١١ وَغَيْرُهُمْ.
_________________
(١) ١ الإشارات للباجي ص٧٤، قال الباجي: "والدليل على ذلك ما ظهر من تحول أهل قباء إلى مكة بخبر واحد، فقد كانوا يعلمون استقبال بيت المقدس من دين النبي ﷺ". ٢ ساقطة من ز. ٣ العدة ٣/٨٠١. ٤ انظر المسودة ص٢٠٤، المعتمد للبصري ١/٤٢٤، الإحكام للآمدي ٣/١٥٣، اللمع ص٣٣، أدب القاضي للماوردي ١/٣٤٤. ٥ في ز: منعهم. ٦ في ش: فهذا. ٧ في ش: الجواز في الخلاف. ٨ انظر العدة ٣/٧٨٨، المسودة ص٢٠٢، روضة الناظر ص٨٤. ٩ الرسالة للشافعي ص١٠٦. ١٠ انظر التبصرة ص٢٦٤، أدب القاضي للماوردي ١/٣٤٣. ١١ حكاية المصنف عن الظاهرية أنهم يقولون بعدم جواز نسخ القرآن بمتواتر السنة شرعًا فيها نظر، وذلك لقول ابن حزم في "إحكامه": "وقال طائفة: والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة، قال أبو محمد: وبهذا نقول وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضًا، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن" "الإحكام ٤/٤٧٧".
[ ٣ / ٥٦٢ ]
وَقِيلَ: يَجُوزُ١، وَهُوَ رِوَايَةٌ٢ عَنْ أَحْمَدَ٣، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٤. وَالْمَالِكِيَّةِ٥ وَغَيْرِهِمْ٦ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَحَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ٧.
"وَيُعْتَبَرُ" لِصِحَّةِ النَّسْخِ "تَأَخُّرُ٨ نَاسِخٍ" عَنْ مَنْسُوخٍ، وَإِلاَّ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ اسْمُ نَاسِخٍ.
"وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ" أَيْ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: "الإِجْمَاعُ" عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ٩ لِهَذَا، كَالنَّسْخِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ سَائِرَ
_________________
(١) ١ ساقطة من ب. ٢ في ب: في رواية. ٣ انظر المسودة ص٢٠٢. ٤ انظر كشف الأسرار ٣/١٥٧ وما بعدها، أصول السرخسي ٢/٦٧ وما بعدها، فتح الغفار ٢/١٣٤، التلويح على التوضيح ٢/٣٤ن فواتح الرحموت ٢/٧٨. ٥ انظر الإشارات للباجي ص٧١، شرح تنقيح الفصول ص٣١٣. ٦ انظر "الاعتبار للحازمي ص٢٦وما بعدها، الإيضاح لمكي بن أبي طالب ص٦٨، المسودة ص٢٠٢، التبصرة ص٢٦٥، البرهان ٢/١١٠٧، روضة الناظر ص٨٤، المعتمد ١/٤٢٩، ٢/١٠١٤، اللمع ص٣٣، المحصول ج١ ق٣/٥١٩، الإحكام للآمدي ٣/١٥٣ن المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٨، الآيات البينات ٣/١٣٩، إرشاد الفحول ص١٩١، نهاية السول ٢/١٨١، شرح البدخشي ٢/١٧٩، المستصفى ١/١٢٤". ٧ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/١٩٧. ٨ في ز: تأخير. ٩ في ز: النسخ.
[ ٣ / ٥٦٣ ]
الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ١.
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ٢: أَنَّ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ٣ قَالَ لِحُذَيْفَةَ أَيُّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ، إلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ٤ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآيَةَ٥.
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّ الإِجْمَاعَ مُبَيِّنٌ لِلْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّهُ نَاسِخٌ لا٦ إنَّ الإِجْمَاعَ هُوَ النَّاسِخُ.
_________________
(١) ١ انظر "العدة ٣/، الاعتبار للحازمي ص، إرشاد الفحول ص١٩٧، الآيات البينات ٣/١٦٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٣، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٦، اللمع ص٣٤، أدب القاضي للماوردي ١/٣٦٤، الإحكام للآمدي ٣/١٨١، روضة الناظر ص٨٩، مختصر الطوفي ص٨٣، فتح الغفار ٢/١٣٦، فواتح الرحموت ٢/٩٥، المستصفى ١/١٢٨". ٢ هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد، أبو بكرن الخطيب البغدادي، الحافظ الكبير، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب التصانيف القيمة الكثيرة، من أهم كتبه "تاريخ بغداد" و"الكفاية في علم الرواية" و"موضع أوهام الجمع والتفريق" و"تقييد العلم" توفي سنة ٤٦٣هـ "انظر ترجمته في شذرات الذهب ٣/٣١١، طبقات الشافعية للسبكي ٤/٢٩، طبقات الشافعية للأسنوي ١/٢٠١، الفكر السامي ٢/٣٢٩، النجوم الزاهرة ٥/٨٧، تبيين كذب المفتري ص٢٦٨". ٣ هو زر بن حبيش بن حباشة بن أوس الأسدي الكوفي، التابعي الكبير، المخضرم، قال النووي: "أدرك الجاهلية، وسمع عمر وعثمان وعليًا وابن مسعود وآخرين من كبار الصحابة، وروى عنه جماعات التابعين، منهم الشعبي والنخعي وعدي بن ثابت، واتفقوا على توثيقه وجلالته، توفي سنة٨ هـ، وهو ابن مائة وعشرين سنة". "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/١٩٧، شذرات الذهب ١/٩١، تاريخ يحيى بن معين ٢/١٧٢". ٤ أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده. "سنن النسائي ٤/١١٦، سنن ابن ماجه ١/٥٤١، مسند الإمام أحمد ٥/٣٩٦". ٥ الآية ١٨٧ من البقرة. ٦ في ض ب: لأن.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
"وَ" الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ١ قَوْلُهُ ﷺ نَحْوَ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" ٢.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا: أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى خِلافِ مَا كَانَ مُقَرَّرًا بِدَلِيلٍ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى٣ تَأَخُّرِ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ.
"وَ" الْوَجْهُ الثَّالِثُ: ٤ "فِعْلُهُ" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥ فِي ظَاهِرِ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ٦ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي٧ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ٨.
_________________
(١) ١ في ز: النسخ. ٢ سبق تخريجه في ج٢ ص٥٥٤. وانظر كلام العلماء على هذه المسألة في "العدة ٣/٨٢٩ وما بعدها، الاعتبار للحازمي ص١٠، إرشاد الفحول ص١٩٧، الآيات البينات ٣/١٦٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٣، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٦، الإحكام لابن حزم ٤/٤٥٩، اللمع ص٣٤، أدب القاضي للماوردي ١/٣٦٤، الإحكام للآمدي ٣/١٨١، روضة الناظر ص٨٨، مختصر الطوفي ص٨٣، فتح الغفار ٢/١٣٦، فواتح الرحموت ٢/٩٥، المستصفى ١/١٢٨، المعتمد ١/٤٥١". ٣ في ش: مع. ٤ في ش ب: الثاني. ٥ انظر إرشاد الفحول ص١٩٢، ١٩٧، الإحكام لابن حزم ٤/٤٨٣. قال ابن حزم: "إن كل ما فعله ﵇ من أمور الديانة أو قاله منها فهو وحي من عند الله ﷿ بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ والله تعالى يفعل ما يشاء، فمرة ينزل أوامره بوحي يتلى، ومرة بوحي بنقل ولا يتلى، ومرة بوحي يعمل به ولا يتلى ولا ينقل، ومرة يأتيه جبريل بالوحي، لا معقب لحكمه، وجائز نسخ كل ذلك بالقرآن، وكل ذلك سواء ولا فرق. ٦ انظر المسودة ص٢٢٨، العدة ٣/٨٣٨. ٧ العدة ٣/٨٣٨. ٨ انظر اللمع ص٣٣. قال الشيرازي: والدليل على جوازه أن الفعل كالقول في البيان، فكما يجوز بالقول جاز بالفعل.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
وَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ نَسْخَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ بِأَكْلِهِ ﷺ مِنْ الشَّاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ١ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ٢ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ.
وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقَوْلَ بِفِعْلِهِ ﷺ، وَحُكِيَ عَنْ التَّمِيمِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ٣، لأَنَّ دَلالَتَهُ دُونَهُ٤.
"وَ" الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مِنْ طُرُقِ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ "قَوْلُ الرَّاوِي" لِلنَّاسِخِ "كَانَ كَذَا وَنُسِخَ، أَوْ رُخِّصَ فِي كَذَا ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ وَنَحْوِهِمَا"٥ كَقَوْلِ جَابِرٍ ﵁ كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ٦ وَكَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ٧ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ كَثِيرٌ.
_________________
(١) ١ سبق تخريج الحديث في المجلد الثاني صفحة ٥٦٦، ٥٦٧. ٢ في ض ب: ما قدم. ٣ المسودة ص٢٢٩. ٤ أي أن دلالة الفعل دون دلالة صريح القول، والشيء إنما ينسخ بمثله أو بأقوى منه، فأما بدونه فلا. "المسودة ص٢٢٩". ٥ انظر المسودة ص٢٣١، العدة ٣/٨٣٢، الاعتبار للحازمي ص١٠، الإحكام لابن حزم ٤/٤٥٩، اللمع ص٣٤، روضة الناظر ص٨٩، مختصر الطوفي ٨٣، فتح الغفار ٢/١٣٦، فواتح الرحموت ٢/٩٥، إرشاد الفحول ص١٩٧، وقد خالف في حجية هذا الوجه فريق من العلماء كالغزالي والرازي والآمدي، واستدلوا على ذلك بأن قول الراوي هذا ربما كان اجتهادًا، فلا يكون حجة على الغير. "المستصفى ١/١٢٨، الإحكام للآمدي ٣/١٨، المحصول ج١ ق٣/٥٦٦". غير أن صاحب فواتح الرحموت رد عليهم حجتهم فقال: "إن تعيين العدل الموثوق بعدالته، بل مقطوعها لناسخ لا يكون إلا عن علم بالتاريخ والتعارض، فإن المراد عنده معلوم بمشاهدة القرائن، فحكمه بالنسخ عن بصيرة، ولا مجال للاجتهاد فيه". "فواتح الرحموت ٢/٩٥". ٦ رواه الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص٥٠. ٧ أخرجه مسلم والترمذي والبيهقي ومالك في الموطأ، ولفظ مسلم "رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا" يعني للجنازة. ولفظ البيهقي: "قام رسول الله ﷺ مع الجنائز حتى توضع وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود". "انظر صحيح مسلم ٢/٦٦٢،الموطأ=
[ ٣ / ٥٦٦ ]
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ الرَّاوِي يُنْسَخُ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهَا، مَعَ أَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ، وَالآحَادُ١ لا يُنْسَخُ بِهِ الْمُتَوَاتِرُ؟
قِيلَ: هَذَا حِكَايَةٌ لِلنَّسْخِ٢، لا نَسْخٌ، وَالْحِكَايَةُ بِالآحَادِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَسَائِرِ أَخْبَارِ الآحَادِ.
وَأَيْضًا: فَاسْتِفَادَةُ النَّسْخِ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ، وَالضِّمْنِيُّ٣: يُغْتَفَرُ٤ فِيهِ مَا لا يُغْتَفَرُ٥ فِيمَا إذَا كَانَ أَصْلًا، كَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الشَّجَرِ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَنَحْوِهِ.
"لا" قَوْلُ الرَّاوِي "ذِي الآيَةِ" مَنْسُوخَةٌ "أَوْ ذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، حَتَّى يُبَيِّنَ النَّاسِخَ" لِلآيَةِ أَوْ للْخَبَرِ٦.
_________________
(١) =١/٢٢٢، عارضة الأحوذي ٤/٢٦٤، سنن البيهقي ٤/٢٧". والحديث يدل على نسخ ما روى البخاري ومسلم والبيهقي والحاكم وغيرهم عنه ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع" وفي رواية أخرى "إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه". "صحيح البخاري ٢/١٠٧، عارضة الأحوذي ٤/٢٦٤، سنن البيهقي ٤/٢٥، المستدرك ١/٣٥٦، الاعتبار للحازمي ص١٢١ وما بعدها، صحيح مسلم ٢/٦٦٠". ١ ساقطة من ض. ٢ في ش: نسخ. ٣ في ش: والتضمن. ٤ في ش ز ض: يعتبر. ٥ في ش ز ض: يعتبر. ٦ في ش: الخبر. وانظر تفصيل العلماء في هذه المسألة "المسودة٢٣٠، العدة ٣/٨٣٥، نهاية السول ٢/١٩٣، شرح تنقيح الفصول ص٣٢١، اللمع ص٣٤، المعتمد ١/٤٥١".
[ ٣ / ٥٦٧ ]
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَإِنْ قَالَ صَحَابِيٌّ: هَذِهِ١ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يُخْبِرَ بِمَاذَا نُسِخَتْ.
قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ٢.
قَالُوا: لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلا يُقْبَلُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يُقْبَلُ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِعِلْمِهِ٣، فَلا احْتِمَالَ؛ لأَنَّهُ٤ لا يَقُولُهُ غَالِبًا إلاَّ عَنْ نَقْلٍ.
وَ٥ قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: و٦ إنْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ يُخَالِفُهَا عُمِلَ بِالظَّاهِرِ٧.
وَ"لا" نَسْخَ "بِقَبَلِيَّةٍ فِي الْمُصْحَفِ"؛ لأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالنُّزُولِ لا بِالتَّرْتِيبِ فِي الْوَضْعِ؛ لأَنَّ النُّزُولَ بِحَسَبِ الْحُكْمِ وَالتَّرْتِيبُ لِلتِّلاوَةِ٨.
_________________
(١) ١ في ع: بهذه. ٢ العدة ٣/٨٣٥، ٨٣٦. ٣ في ش: بعلمه. ٤ ساقطة من ب. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ش ز. ٧ المسودة ص٢٣٠ بتصرف، ونص كلام المجد فيها: "وعندي أنه إن كان هناك نص آخر يخالفها، فإنه يقبل قوله في ذلك، لأن الظاهر أن ذلك النص هو الناسخ، ويكون حاصل قول الصحابي الإعلام بالتقدم والتأخر، وقوله يقبل في ذلك". حكى الشيخ تقي الدين بن تيمية في "المسودة" عن الباجي ثلاثة أقوال في المسألة "أحدها" انه لا يقبل مجال حتى يبين الناسخ ليعلم أنه ناسخ، لأن هذا كفتياه، وهو قوا ابن الباقلاني والسمناني واختاره الباجي "والثاني" أنه إن ذكر الناسخ لم يقع به نسخ، وإن لم يذكره وقع. "الثالث" يقع به النسخ بكل حال. "المسودة ص٢٣٠". ٨ انظر فواتح الرحموت ٢/٩٦، الإحكام للآمدي ٣/١٨١، المستصفى ١/١٢٨، أدب القاضي للماوردي ١/٣٦٣، الإحكام لابن حزم ٤/٤٦٥، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٤، الآيات البينات ٣/١٦٧.
[ ٣ / ٥٦٨ ]
"وَلا" نَسْخَ أَيْضًا١ "بِصِغَرِ صَحَابِيٍّ، أَوْ تَأَخُّرِ إسْلامِهِ" يَعْنِي إذَا رَوَى الْحَدِيثَ أَحَدٌ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ٢ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ تَأَخُّرَ رَاوِي أَحَدِ الدَّلِيلِينَ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا٣ رَوَاهُ نَاسِخٌ وَلِجَوَازِ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ تَحَمَّلَ الْحَدِيثَ قَبْلَ إسْلامِهِ٤.
"وَلا" نَسْخَ "بِمُوَافَقَةِ أَصْلٍ"٥ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا وَرَدَ نَصَّانِ فِي حُكْمٍ مُتَضَادَّانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ أَحَدَ النَّصَّيْنِ مُوَافِقٌ لِلْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَالآخَرَ مُخَالِفٌ، لَمْ يَكُنْ الْمُوَافِقُ لِلأَصْلِ مَنْسُوخًا بِمَا خَالَفَهُ٦.
وَقِيلَ: بَلَى؛ لأَنَّ الانْتِقَالَ مِنْ الْبَرَاءَةِ لاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ يَقِينٌ، وَالْعَوْدَ إلَى الإِبَاحَةِ ثَانِيًا شَكٌّ فَقُدِّمَ الَّذِي لَمْ يُوَافِق الأَصْلَ٧.
"وَلا" نَسْخَ "بِعَقْلٍ وَقِيَاسٍ٨"؛ لأَنَّ النَّسْخَ لا يَكُونُ إلاَّ بِتَأَخُّرِ النَّاسِخِ عَنْ زَمَنِ الْمَنْسُوخِ، وَلا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ وَلا لِلْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّمَا
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ش: اسلامهم. ٣ في ب: انه. ٤ انظر إرشاد الفحول ص١٩٧، الآيات البينات ٣/١٦٧، اللمع ص٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٤، فواتح الرحموت ٢/٩٦، الإحكام للآمدي ٣/١٨١، المستصفى ١/١٢٩، شرح العضد ٢/١٩٦. ٥ انظر الإحكام للآمدي ٣/١٨٢، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٦، المستصفى ١/١٢٩، فواتح الرحموت ٢/٩٦، الآيات البينات ٣/١٦٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٣. ٦ في ز: يحالفه. ٧ انظر إرشاد الفحول ص١٩٧، حاشية البناني ٢/٩٤. ٨ في ض: أو قياس.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ١.
"وَلا يُنْسَخُ إجْمَاعٌ"؛ لأَنَّهُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي٢ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى أَنَّهُ يَرُدُّ مَا يَنْسَخُهُ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ نَاسِخٌ٣.
"وَلا يُنْسَخُ" حُكْمٌ٤ "بِهِ" أَيْ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ إذَا وُجِدَ إجْمَاعٌ عَلَى خِلافِ نَصٍّ فَيَكُونُ قَدْ تَضَمَّنَ نَاسِخًا لا أَنَّهُ هُوَ النَّاسِخُ. وَلأَنَّ الإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ مِنْ مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ٥ شَرْعِيٍّ، لا مُعَارِضَ لَهُ٦ وَلا مُزِيلَ٧ عَنْ دَلالَتِهِ فَتَعَيَّنَ إذَا وَجَدْنَاهُ خَالَفَ شَيْئًا، أَنَّ٨ ذَلِكَ إمَّا غَيْرُ صَحِيحٍ، إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ، أَوْ نُسِخَ بِنَاسِخٍ٩؛ لأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حَقٌّ.
فَالإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ، لا رَافِعٌ لِلْحُكْمِ، كَمَا قَرَّرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى١٠ وَالصَّيْرَفِيُّ وَالأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَغَيْرُهُمْ١١.
_________________
(١) ١ انظر المستصفى ١/١٢٨، روضة الناظر ص٨٨، المسودة ص٢٣٠، اللمع ص٣٣، المعتمد ١/٤٥٠، مختصر الطوفي ص٨٣. ٢ في ش: إلا في. ٣ انظر "العدة ٣/٨٢٦، المسودة ص٢٢٤، شرح تنقيح الفصول ص٣١٤، المحصول ج١ ق٣/٥٣١، المعتمد ١/٤٣٢، مختصر الطوفي ص٨٢، شرح البدخشي ٢/١٨٥، نهاية السول ٢/١٨٦، إرشاد الفحول ص١٩٢، شرح العضد ٢/١٩٨، روضة الناظر ص٨٧، الإحكام للآمدي ٣/١٦٠، فواتح الرحموت ٢/٨١، الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ٢/٨٦". ٤ في ب: حكمه. ٥ في ش: دليل صحيح. ٦ ساقطة من ض. ٧ في ش: مزيل له. ٨ في ش: يكون. ٩ في ش: بناسخ أخر. ١٠ العدة ٣/٨٢٦. ١١ انظر "المسودة ص٢٢٤، شرح تنقيح الفصول ص٣١٤، المحصول ج١ ق٣/٥٣٢، المعتمد ١/٤٣٣، اللمع ص٣٣، مختصر الطوفي ص٨٢، نهاية السول ٢/١٨٦، شرح البدخشي ٢/١٨٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٧٦، الآيات البينات ٣/١٣٤، إرشاد الفحول ص١٩٣، الإحكام لابن حزم ٤/٤٨٨، العضد على ابن الحاجب ٢/١٩٩، روضة الناظر ص٨٧، الإحكام للآمدي ٣/١٦١، المستصفى ١/١٢٦، فواتح الرحموت ٢/٨٢، كشف الأسرار ٣/١٧٥، الفقيه والمتفقه ١/١٢٣، التلويح على التوضيح ٢/٣٤، فتح الغفار ٢/١٣٣، أصول السرخسي ٢/٦٦".
[ ٣ / ٥٧٠ ]
"وَكَذَا الْقِيَاسُ" أَيْ وَكَالإِجْمَاعِ الْقِيَاسُ فِي كَوْنِهِ لا يُنْسَخُ وَلا يَنْسَخُ به١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا الْقِيَاسُ فَلا يُنْسَخُ. ذَكَرَهُ٢ الْقَاضِي٣ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٤ عَنْ أَصْحَابِنَا لِبَقَائِهِ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: مَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَعَبْدُ الْجَبَّارِ فِي قَوْلٍ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ أَصْلٍ فَالْقِيَاسُ بَاقٍ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَفْعُ حُكْمِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ٥ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ٦ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ، دُونَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ البصري٧ وَابْنِ بُرْهَانٍ وَابْنِ الْخَطِيبِ٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. انظر تحقيق المسألة في "العدة ٣/٨٢٧، المسودة ص٢١٦، ٢١٧، ٢٢٥، الإحكام للآمدي ٣/١٦٣، الفقيه والمتفقه ١/٨٦، المعتمد١/٤٣٤، المحصول ج١ ق٣/٥٣٦، نهاية السول ٢/١٨٧، شرح البدخشي ٢/١٨٦، فواتح الرحموت ٢/٨٤، شرح العضد ٢/١٩٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨١، الآيات البينات ٣/١٥٠، فتح الغفار ٢/١٣٣". ٢ في ش: وذكره. ٣ العدة ٣/٨٢٧. ٤ في ب ز ع ض: الآمدي منا، انظر الإحكام له ٢/١٦٣. ٥ مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/١٩٩. ٦ ساقطة من ب. ٧ ساقطة من ش. انظر المعتمد للبصري ١/٤٣٤. ٨ المحصول ج١ ق٣/٥٣٦.
[ ٣ / ٥٧١ ]
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَا ثَبَتَ قِيَاسًا. فَإِمَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَصِّهِ عَلَى الْعِلَّةِ، أَوْ تَنْبِيهِهِ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَصِّهِ أَيْضًا.
مِثَالُهُ: أَنْ يَنُصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ، وَيَنُصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الْكَيْلُ، ثُمَّ يَنُصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي الأَرُزِّ، وَيَمْنَعَ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبُرِّ فَيَكُونَ ذَلِكَ نَسْخًا.
وَإِمَّا قِيَاسٌ مُسْتَفَادٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊: فَلا يَصِحُّ نَسْخُهُ؛ لأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ١ بَعْدَ وَفَاتِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. اهـ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْقِيَاسِ لا يُنْسَخُ بِهِ: فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا٢ وَالْجُمْهُورُ٣ قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ، وَاخْتَارَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ.
قَالَ: لأَنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فَلا يَنْسَخُ النَّصَّ؛ وَلأَنَّهُ دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ٤، وَالنَّسْخُ إنَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ مُحْتَمَلٍ.
وَأَيْضًا فَشَرْطُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ: أَنْ لا يُخَالِفَ الأُصُولَ، فَإِنْ خَالَفَ فَسَدَ.
قَالَ: بَلْ وَلا يَنْسَخُ قِيَاسًا آخَرَ؛ لأَنَّ التَّعَارُضَ إنْ كَانَ بَيْنَ أَصْلَيْ الْقِيَاسَيْنِ فَهُوَ نسخ٥ نَصٌّ بِنَصٍّ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ، لا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ.
_________________
(١) ١ في ع: يجدد. ٢ انظر العدة ٣/٨٢٧، المسودة ص٢٢٥. ٣ انظر "الفقيه والمتفقه للخطيب ١/١٢٣ن إرشاد الفحول ص١٩٣، اللمع ص٣٣، كشف الأسرار ٣/١٧٤، التلويح على التوضيح ٢/٣٤، الإحكام لابن حزم ٤/٤٨٨، التبصرة ص٢٧٤، المستصفى ١/١٢٦، فواتح الرحموت ٢/٨٤، شرح العضد ٢/١٩٩، فتح الغفار ٢/١٣٣، أصول السرخسي ٢/٦٦، اللمع ص٣٣". ٤ في ع ض ب: يحتمل. ٥ ساقطة من ش.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يُنْسَخْ بِمَظْنُونٍ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَالْعَمَلُ بِهِ مُقَيَّدٌ بِرُجْحَانِهِ عَلَى مُعَارِضِهِ، وَتَبَيَّنَ بِالْقِيَاسِ زَوَالُ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ فَلا ثُبُوتَ لَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنْ كَانَتْ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً جَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَإِلاَّ فَلا.
قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ١.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَالَهُ الآمِدِيُّ٢: إنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً جَازَ، وَإِلاَّ فإنْ٣ كَانَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا، كَقِيَاسِ الأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ٤ فهو مقدم، لَكِنْ لا مِنْ بَابِ النَّسْخِ، أَوْ كَانَ ظَنِّيًّا فَإِنَّ كانت٥ عِلَّتَهُ مُسْتَنْبَطَةٌ فَلا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ٦ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا أَضْرَبْنَا عَنْهَا٧ خَشْيَةَ الإِطَالَةِ.
"وَإِنْ نُسِخَ حُكْمُ أَصْلٍ تَبِعَهُ حُكْمُ فَرْعِهِ" يَعْنِي إذَا وَرَدَ النَّسْخُ عَلَى أَصْلٍ مَقِيسٍ عَلَيْهِ ارْتَفَعَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ بِالتَّبَعِيَّةِ عِنْدَنَا٨
_________________
(١) ١ يبدو أن عزو المصنف هذا القول للباجي فيه نظر، وذلك لنص الباجي على خلافه في كتابه "الإشارات في أصول الفقه" حيث قال: "فأما القياس فلا يصح النسخ به جملة" "الإشارات ص٧٥". ٢ في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" ٣/١٦٤ مفصلًا مبسوطًا. ٣ في ش: بأن. ٤ ساقطة من ش. ٥ ساقط من ش. ٦ انظر "روضة الناظر ص٨٧، أصول السرخسي ٢/٨٤، كشف الأسرار ٣/١٧٤، إرشاد الفحول ص١٩٣، اللمع ص٣٣، المعتمد ١/٤٣٤، المحصول ج١ ق٣/٥٣٧، شرح تنقيح الفصول ص٣١٦، نهاية السول ٢/١٨٦، الآيات البينات ٣/١٤٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٠". ٧ ساقطة من ض. ٨ المسودة ص٢١٣، ٢٢٠، العدة ٣/٨٢٠.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ١.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي٢ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ٣.
قَالَ الْقَاضِي٤ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَقْلًا: لا يَمْتَنِعُ عِنْدَنَا بَقَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ مَعَ نَسْخِ حُكْمِ الأَصْلِ وَمِثْلُهُ أَصْحَابُنَا -وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْمُخَالِفِ أَيْضًا- بِبَقَاءِ حُكْمِ النَّبِيذِ الْمَطْبُوخِ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ نَسْخِ النِّيءِ٥، وَصَوْمِ رَمَضَانَ بِنِيَّة٦ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ نَسْخِ عَاشُورَاءَ
_________________
(١) ١ الإحكام للآمدي ٣/١٦٧، التبصرة ص٢٧٥، نهاية السول ٢/١٩٣، شرح العضد ٢/٢٠٠، البرهان ٢/١٣١٣. ٢ عزو المصنف المخالفة للقاضي أبي يعلى غير سديد، وذلك لقوله في العدة "٣/٨٢٠": "إذا نص على حكم في عين من الأعيان بمعنى، وقيس عليه كل موضع وجد فيه ذلك المعنى، ثم نسخ الله تعالى حكم تلك العين صار حكم الفروع منسوخًا". ٣ عزو المصنف المخالفة إلى الحنفية فيه نظر، وذلك لأن مذهبهم غير مخالف لما عليه الجمهور من كون الفرع يتبع حكم الأصل إذا نسخ، يدل على ذلك قول صاحب مسلم الثبوت "٢/٨٦": "مسألة: إذا نسخ حكم الأصل لا يبقى حكم الفرع، وهذا ليس نسخًا. وقيل: يبقى. ونسب إلى الحنفية" وقد بين شارحه في "فواتح الرحموت" الأمر وزاده وضوحًا حيث قال: "أن هذه النسبة لم تثبت، وكيف لا، وقد صرحوا أن النص المنسوخ لا يصح عليه القياس". ٤ لم أعثر على هذا القول الذي عزاه المصنف للقاضي في كتابه "العدة" وان مما يجدر ذكره أن رأي القاضي فيهما على خلاف ذلك، وهو موافق للجمهور، وقد نسب في "العدة" هذا الرأي وأدلته لأصحاب أبي حنيفة، ثم رده وأجاب عن أدلته. "أنظر العدة ٣/٨٢١". ثم إن من العجيب في هذا النص حكاية القاضي عن ابن عقيل عزوه هذا القول للمخالف، مع أن أبا يعلى متقدم في حياته على ابن عقيل بنصف قرن من الزمان، فقد توفي القاضي أبو يعلى سنة ٤٥٨ هـ، بينما توفي ابن عقيل سنة ٥١٣هـ فكيف ينقل المتقدم عن المتأخر!!. ٥ حيث ثبت بالنص جواز الوضوء بالنيء، لأنه ثمرة طيبة وماء طهور، فوجب جوازه بالمطبوخ، لأن هذا المعنى موجود فيه، وقد نسخ الحكم النيء، وبقي حكم المطبوخ "انظر العدة ٢/٨٢١". ٦ في ش ز: بينته.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
عِنْدَهُمْ١.
وَقَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَعِنْدِي إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا لَمْ يَتْبَعْهُ الْفَرْعُ٢، إلاَّ أَنْ يُعَلَّلَ فِي٣ نَسْخِهِ بِعِلَّةٍ فَيَثْبُتَ النَّسْخُ حَيْثُ وُجِدَتْ٤. اهـ.
وَقِيلَ: إنْ نَصَّ عَلَى الْعِلَّةِ: لَمْ يَتْبَعْهُ الْفَرْعُ٥، إلاَّ أَنْ يُعَلَّلَ فِي نَسْخِهِ بِعِلَّةٍ، فَيَتْبَعَهَا النَّسْخُ.
وَوَجْهُ الأَوَّلِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ-: خُرُوجُ الْعِلَّةِ عَنْ اعْتِبَارِهَا فَلا فَرْعَ، وَإِلاَّ وُجِدَ الْمَعْلُولُ بِلا عِلَّةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَارَةٌ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهَا دَوَامًا، رُدَّ بِأَنَّهَا بَاعِثَةٌ.
قَالُوا: الْفَرْعُ تَابِعٌ لِلدَّلالَةِ، لا لِلْحُكْمِ، رُدَّ زَوَالُ٦ الْحُكْمِ بِزَوَالِ حكمتِهِ٧.
وَفِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا: لا يُسَمَّى نَصًّا٨ لِزَوَالِ٩ حُكْمٍ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ وَمَعْنَاهُ فِي الْعُدَّةِ١٠
_________________
(١) ١ حيث روى عن النبي ﷺ أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء أن من لم يأكل فليصم، فأجاز صوم يوم عاشوراء بالنية من النهار، وكانت العلة فيه أنه صوم مستحق في زمانه بعينه، وهذا المعنى موجود في صوم رمضان وغيره، ثم نسخ صوم عاشوراء، وبقي حكمه في غيره. "انظر العدة ٣/٨٢٢". ٢ في المسودة: تتبعه الفروع. ٣ ساقطة من المسودة. ٤ المسودة ص٢٢٠. ٥ في ض: الرفع. ٦ في ز: زال. ٧ في ش: علته. ٨ كذا في سائر النسخ الخطيئة، ولعل الصواب: نسخًا. ٩ في ض: كزوال. ١٠ العدة ٣/٨٢٣.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: إذَا وَرَدَ النَّسْخُ عَلَى الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ ارْتَفَعَ الْقِيَاسُ مَعَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ. وَالْمُخَالِفُ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ.
"وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِالْفَحْوَى" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالْمُعْظَمِ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الْفَحْوَى يُنْسَخُ وَيُنْسَخُ بِهِ ذكره٢ الآمِدِيُّ: اتِّفَاقًا٣.
وَفِي التَّمْهِيدِ: الْمَنْعُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَهُ فِي الْعُدَّةِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ فِيمَا حَكَاهُ الإسْفَرايِينِيّ٤: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
لَنَا: أَنَّهُ كَالنَّصِّ، وَإِنْ قِيلَ: قِيَاسٌ فقَطْعِيٌّ٥. اهـ.
"وَ" يَجُوزُ أَيْضًا "نَسْخُ أَصْلِ الْفَحْوَى" كالتَّأْفِيفُ٦، كَمَا لَوْ قَالَ: رَفَعْت تَحْرِيمَ التَّأْفِيفِ مَثَلًا أي دون باقي٧ أَنْوَاعِ الأَذَى وَهُوَ الْفَحْوَى؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ٨ إبَاحَةِ الْخَفِيفِ إبَاحَةُ الثَّقِيلِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْفَخْرِ إسْمَاعِيلِ الْبَغْدَادِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ٩
_________________
(١) ١ انظر "المسودة ص٢٢٢، مختصر الطوفي ص٨٢، روضة الناظر ص٨٨، العدة ٣/٨٢٨، المعتمد ١/٤٣٦، اللمع ص٣٣، إرشاد الفحول ص١٩٤، المحصول ج١ ق٣/٥٤٠، نهاية السول ٢/١٨٩، شرح البدخشي ٢/١٨٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٢، الآيات البينات ٣/١٥١، شرح تنقيح الفصول ص٣١٥، فواتح الرحموت ٢/٨٨". ٢ في ش: قال. وفي ع: وذكره. ٣ الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٦٥. ٤ العدة ٣/٨٢٨. ٥ في ش: قطعي. ٦ في ش ز: وهو التأفيف. ٧ في ش: في. ٨ ساقطة من ب. ٩ انظر فواتح الرحموت ٢/٨٧.
[ ٣ / ٥٧٦ ]
وَغَيْرِهِمْ١.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٢، وَتَبِعَهُ الطُّوفِيُّ٣: بِالْمَنْعِ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٤ قَوْلُ الأَكْثَرِ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الأَصْلَ فَإِذا٥ رُفِعَ الأَصْلُ فَكَيْفَ يَبْقَى الْفَرْعُ٦!!
"وَعَكْسُهُ" يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى -وَهُوَ الضَّرْبُ مَثَلًا- دُونَ أَصْلِهِ وَهُوَ التَّأْفِيفُ، كَمَا لَوْ قَالَ: رَفَعْت تَحْرِيمَ كُلِّ إيذَاءٍ٧ غَيْرَ التَّأْفِيفِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٨، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ٩. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ؛ لأَنَّ الْفَحْوَى وَأَصْلَهُ مَدْلُولانِ مُتَغَايِرَانِ فَجَازَ نَسْخُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ.
وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْدُ١٠ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَابْنُ الْحَاجِبِ١١ وَغَيْرُهُمْ١٢.
_________________
(١) ١ انظر المسودة ص٢٢١، شرح العضد ٢/٢٠٠، الآيات البينات ٣/١٥١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٢. ٢ روضة الناظر ص٨٨. ٣ مختصر الطوفي ص٨٢. ٤ الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٦٥. ٥ في ش: فإن. ٦ انظر المحصول ج١ ق٣/٥٣٩، المعتمد ١/٤٣٧، نهاية السول ٢/١٨٨، شرح البدخشي ٢/١٨٨، شرح تنقيح الفصول ص٣١٥. ٧ في ع: اذاء. ٨ في ش: أكثر أصحابنا. ٩ انظر الإحكام للآمدي ٣/١٦٦، إرشاد الفحول ص١٩٤، الآيات البينات ٣/١٥١، فواتح الرحموت ٢/٨٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٢. ١٠ المسودة ص٢٢٢. ١١ شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢/٢٠٠. ١٢ انظر المعتمد ١/٤٣٧، نهاية السول ٢/١٨٨، المحصول ج١ ق٣/٥٣٩، شرح تنقيح الفصول ص٣١٥، شرح البدخشي ٢/١٨٨.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وَقِيلَ: إنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ١ الآخَرِ٢.
قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَالأَكْثَرُ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الآخَرِ.
ثُمَّ قَالَ الْمَحَلِّيُّ شَارِحُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِلْزَامَ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا الآخر٣ يُنَافِي مَا صَحَّحَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الآخَرِ، فَإِنَّ الامْتِنَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الاسْتِلْزَامِ، وَالْجَوَازَ مَبْنِيٌّ٤ عَلَى عَدَمِهِ.
وَقَدْ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْجَوَازِ مَعَ مُقَابِلِهِ، وَالْبَيْضَاوِيُّ عَلَى الاسْتِلْزَامِ وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ -يَعْنِي صَاحِبَ جَمْعِ الْجَوَامِعِ- بَيْنَهُمَا٥.
"وَ" يَجُوزُ أَيْضًا نَسْخُ "حُكْمِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إنْ ثَبَتَ"٦، وَإِلاَّ فَلا. يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَذْكُورِ، مَعَ نَسْخِ الأَصْلِ وَدُونَهُ.
قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٧.
وَقَدْ٨ قَالَت٩ الصَّحَابَةُ ﵃ إنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: "الْمَاءُ ١٠ مِنْ
_________________
(١) ١ غير موجودة في جمع الجوامع ولا في ع ض. ٢ جمع الجوامع مع شرحه للمحلي ٢/٨٢. ٣ ساقطة من ش. وفي شرح المحلي: للآخر. ٤ في ز: والامتناع. ٥ شرح المحلي على جمع الجوامع ٢/٨٣. ٦ أي استقر حكمه وتقرر، وأما إذا لم يستقر حكمه، وذد وجدنا منطوقًا بخلافه قدم المنطوق عليه، وعلمنا أنه غير مراد. "المسودة ص٢٢٢". ٧ انظر إرشاد الفحول ص١٩٤، الإحكام للآمدي ٣/١٧٢، المسودة ص٢٢٢، فواتح الرحموت ٢/٨٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٣، الآيات البينات ٣/١٥٢. ٨ ساقطة من ض ب. ٩ في ش: قال. ١٠ في ش: إنما الماء.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
الْمَاءِ" ١: مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: "إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" ٢ مَعَ أَنَّ الأَصْلَ بَاقٍ. وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالإِنْزَالِ.
"وَيَبْطُلُ" حُكْمُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ "بِنَسْخِ أَصْلِهِ" عَلَى الصَّحِيحِ٣، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٤، كَذَلِكَ الطُّوفِيُّ٥؛ لأَنَّ فَرْعَهُ وَعَدَمَهُ كَالْخِطَابَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ فُورَكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لا يَبْطُلُ بِنَسْخِ أَصْلِهِ، وَهُوَ وَجْهٌ لأَصْحَابِنَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَأَمَّا نَسْخُ الأَصْلِ بِدُونِ مَفْهُومِهِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ حُكْمًا: فَذَكَرَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ، قَالَ: وَأَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضِدِّ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا بَطَلَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْقَيْدِ بَطَلَ مَا يَنْبَنِي٦ عَلَيْهِ. اهـ.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه مسلم والترمذي والبيهقي وأبو داود، ولفظ مسلم: "عن أبي سعيد الخدري قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عتبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره. فقال رسول الله ﷺ: "أعجلنا الرجل". فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم بمن، وماذا عليه؟ فقال رسول الله ﷺ "إنما الماء من الماء" "انظر صحيح مسلم ١/٢٦٩، عارضة الأحوذي ١/١٦٨، سنن البيهقي ١/١٦٧، بذل المجهود ٢/١٧٩، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١/٤٨، ٥٠، الاعتبار للحازمي ص٣٠-٣٦". ٢ أخرجه البخاري ومسلم. وقد سبق تخريجه في هامش ص٢٢١. ٣ انظر فواتح الرحموت ٢/٨٩، الآيات البينات ٣/١٥٢، إرشاد الفحول ص١٩٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٣. ٤ روضة الناظر ص٨٨. ٥ مختصر الطوفي ص٨٢. ٦ في ص ب: ما يبنى.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
وَعَلَى هَذَا: فَنَسْخُ الأَصْلِ نَسْخٌ لِلْمَفْهُومِ مِنْهُ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَى الْمَسْكُوتِ بِضِدِّ١ حُكْمِ٢ الْمَذْكُورِ.
"وَلا يُنْسَخُ بِهِ" أَيْ بِمَفْهُومِ٣ الْمُخَالَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ٤ قَطَعَ بِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٥ وَصَرَّحَ بِهِ السَّمْعَانِيُّ، لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ.
وَقِيلَ: بَلَى؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْطُوقِ٦.
"وَلا حُكْمَ لِلنَّاسِخِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ٧ اتِّفَاقًا" قَبْلَ أَنْ يُبَلِّغَهُ جِبْرِيلُ إلَى٨ النَّبِيِّ ﷺ "فَإِذَا بَلَّغَهُ" لِلنَّبِيِّ ﷺ "لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ٩" عِنْدَ أَصْحَابِنَا١٠ وَالأَكْثَرُ١١ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀؛ لأَنَّهُ
_________________
(١) ١ في ع ز ب: لضد. ٢ في ش: الحكم. ٣ في ز: مفهوم. ٤ انظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٨٤، الآيات البينات ٣/١٥٣. ٥ جمع الجوامع مع شرحه للمحلي ٢/٨٤. ٦ وهو قول أبي إسحاق الشيرازي "انظر اللمع للشيرازي ص٣٣، المحلي على جمع الجوامع ١/٨٤". ٧ في ع ز: الصلاة والسلام. ٨ ساقطة من ز. ٩ فإن كان الناسخ موجبًا لعبادة، فلا يجب على من لم يبلغه قضاء. ١٠ انظر المسودة ص٢٢٣، العدة ٣/٨٢٣، روضة الناظر ص٨٣، مختصر الطوفي ص٧٩، القواعد والفوائد الأصولية ص١٥٦. ١١ انظر "التمهيد للأسنوي ص١٣٣ البرهان ٢/١٣١٢، المستصفى ١/١٢٠، الإحكام للآمدي ٣/١٦٨، اللمع ص٣٥، نهاية السول ٢/١٩٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٠، الآيات البينات ٣/١٥٩، شرح العضد ٢/٢٠١، فواتح الرحموت ٢/٨٩".
[ ٣ / ٥٨٠ ]
أَخَذَ بِقِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ وَالْقِبْلَةِ١.
وَقِيلَ: يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ٢، كَالنَّائِمِ وَقْتَ الصَّلاةِ.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَزِمَ وُجُوبُ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّهُ لَوْ نُسِخَ وَاجِبٌ بِمُحَرَّمٍ أَثِمَ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ اتفاقًا٣ وَأَيْضًا يَأْثَمُ بِعَمَلِهِ٤ بِالثَّانِي اتِّفَاقًا.
"وَلَيْسَتْ زِيَادَةُ جُزْءٍ مُشْتَرَطٍ، أَوْ شَرْطٍ٥ أَوْ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ ٦مُسْتَقِلَّةٍ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ: نَسْخًا" فإذَا٧ زِيدَ فِي الْمَاهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ جُزْءٌ مُشْتَرَطٌ، أَوْ شَرْطٌ، أَوْ زِيَادَةٌ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا عَلَى الرَّاجِحِ٨، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٩، مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُبَّائِيَّةُ.
_________________
(١) ١ وذلك أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت المقدس، ثم استداروا في الصلاة، ولو كان النسخ ثبت في حقهم لأمروا بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء دل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم. "العدة٣/٨٢٤". ٢ التبصرة ص٢٨٢. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ع ز ض ب: بعلمه. ٥ ساقطة من ض ب. ٦ ساقطة من ش. ٧ في ز ش ع: إذا. ٨ في ع ز ض ب: المرجح. ٩ انظر "شرح العضد ٢/٢٠١، إرشاد الفحول ص١٩٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩١، الآيات البينات ٣/١٦٢، روضة الناظر ص٧٩، مختصر الطوفي ص٧٧، العدة ٣/٨١٤، المسودة ص٢٠٧، الإحكام للآمدي ٣/١٧٠، التبصرة ص٢٧٦، البرهان ٢/١٣٠٩، المستصفى ١/١١٧، المحصول ج١ ق٣/٥٤٢، شرح تنقيح الفصول ص٣١٧، اللمع ص٣٥، المعتمد ١/٤٣٧، نهاية السول ٢/١٩٠، شرح البدخشي ٢/١٩٠".
[ ٣ / ٥٨١ ]
وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ. وتواصلوا١ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المنُّصُوصِ٢ نَسْخٌ٣ لِمَسَائِلَ٤ كَثِيرَةٍ، كَرَدِّ أَحَادِيثِ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاةِ٥، وَأَحَادِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ٦، وَاشْتِرَاطِ الإِيمَانِ فِي الرَّقَبَةِ٧، وَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ٨ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
_________________
(١) ١ في ش: واستدلوا. ٢ في ش: النصوص. ٣ انظر كشف الأسرار ٣/١٩١، التلويح على التوضيح ٢/٣٦، أصول السرخسي ٢/٨٢، فتح الغفار ٢/١٣٥، فواتح الرحموت ٢/٩٣. ٤ في ض ب: بمسائل. ٥ كحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت مرفوعًا "انظر صحيح البخاري ١/١٩٢، صحيح مسلم ١/٢٩٥، جامع الأصول ٦/٢٢٣، عارضة الأحوذي ٢/٤٦، سنن النسائي ٢/١٠٦" وحجتهم في ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ المزمل٢٠، يقتضي افتراض مطلق القراءة لما تيسر، أي قدر كان من أي سورة كانت فجعل الفاتحة ركنًا نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد، فلا يجوز. ٦ وهي أن النبي ﷺ: "قضى بشاهد ويمين" أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني ومالك في الموطأ وغيرهم. "انظر صحيح مسلم ٣/١٣٣٧، سنن ابن ماجه ٢/٧٩٣، عارضة الأحوذي ٦/٨٩، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/١٧٥، جامع الأصول ١٠/٥٥٥، الموطأ ٢/٧٢١" وحجتهم أن الحكم بشاهد ويمين بالخبر فيه زيادة على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ "البقرة ٢٨٢" وهو نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد. ٧ في كفارة الظهار بالقياس على كفارة القتل، فإن فيه زيادة على قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ "المجادلة ٣" الذي يدل على إجزاء عتق مطلق الرقبة في الظهار، فلا يصح، لأنه نسخ للمتواتر بما لا يجوز نسخه. ٨ لقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد "وقد سبق تخريج في ج١ ص٤٩١" قالوا: إن إيجاب النية في الوضوء بالخبر زيادة على فرائض الوضوء المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ "المائدة ٦" وهو نسخ، فلا يجوز، لأن الآحاد لا يقوى على نسخ المتواتر، فإن قيل: حديث الأعمال بالنيات مشهور، فتصح الزيادة به على الكتاب، أجابوا: إن الحديث لا يدل على اشتراط النية أصلًا في الوضوء وغيره من الوسائل. "انظر فواتح الرحموت ٢/٩٣".
[ ٣ / ٥٨٢ ]
وَخَالَفُوا أُصُولَهُمْ فِي اشْتِرَاطِهِمْ فِي ذَوِي الْقُرْبَى الْحَاجَةَ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَمُخَالَفَةٌ لِلْمَعْنَى١ الْمَقْصُودِ فِيهِ٢، وَفِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مُسْتَنِدِينَ لأَخْبَارٍ٣ ضَعِيفَةٍ٤، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَالَ الرَّازِيّ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ: إنَّهَا إنْ أَفَادَتْ خِلافَ مَا أُسْتنِدَ٥ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ كَانَتْ نَسْخًا، كَإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ خِلافَ مَفْهُومِ٦ "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ"، وَإِلاَّ فَلا٧.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ٨ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا خَشْيَةَ الإِطَالَةِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ زِيَادَةِ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ: فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، كَزِيَادَةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، أو٩ َوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ، أَوْ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ. فَلَيْسَتْ نَسْخًا إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْجِنْسِ، كَزِيَادَةِ صَلاةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْخمسِ١٠: فَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ أَيْضًا عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ١١ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.
_________________
(١) ١ في ب: في المغني. ٢ ساقطة من ض ب. ٣ في ش: إلى أخبار. ٤ سبق تخريج حديث القهقهة في الصلاة وكونها تنقض الوضوء في ج٢ ص٤٦٣. ٥ في ش: ما أسند. وفي ب: ما ستند. ٦ في ش: مفهومه. ٧ المحصول ج١ ق٣/٥٤٢، وهذا الرأي حكاه أثناء عرضه الخلاف في المسألة على أنه وجه للمفصلين فيها، ولم ينسب إلى قائله، ولم يشر إلى رجحانه عنده. ٨في ض ب: هذا. ٩ في ش: و. ١٠ في ش: الجنس. ١١ انظر شرح البدخشي ٢/١٨٩، شرح العضد ٢/٢٠١، الإحكام للآمدي ٣/١٧٠، المحصول ج١ ق٣/٥٤١، شرح تنقيح الفصول ص٣١٧، إرشاد الفحول ص١٩٥، كشف الأسرار ٣/١٩١، نهاية السول ٢/١٨٩.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَكُونُ نَسْخًا بِزِيَادَةِ صَلاةٍ سَادِسَةٍ لِتَغَيُّرِ الْوَسَطِ مِنْ الْخَمْسِ١.
"ونسخُ جزءٍ أو شرطٍ عبادةٍ٢ له" أي فالنسخُ لذلك الجزءِ أو الشرطِ "فَقَط" دون أصل تلك العبادة على الصحيح عند أصحابنا٣ وأكثر الشافعية٤. نقله عنهم ابن مفلح وابن السمعاني وهو مذهب الكرخي وأبي الحسين البصري٥.
وعن بعض المتكلمين والغزالي٦ وحُكِي عن الحنفية٧ أنه
_________________
(١) ١ وقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ "البقرة ٢٣٨" وبهذه الزيادة تخرج الوسطى عن كونها وسطى، فيبطل وجوب المحافظة عليها الثابت في الآية، وهو حكم شرعي، فيكون نسخًا. قال الشوكاني: وهو قول باطل لا دليل عليه ولا شبهة دليل، فإن الوسطى ليس المراد بها المتوسطة في العدد بل المراد بها الفاضلة، ولو سلمنا أن المراد بها المتوسطة في العدد لم تكن تلك الزيادة مخرجة لها عن كونها مما يحافظ عليها، فقد علم توسطها عند نزول الآية، وصارت مستحقة لذلك الوصف، وإن خرجت عن كونها وسطى. "إرشاد الفحول ص١٩٥". ٢ كما لو أسقطت ركعتان من أربع، أو الركوع والسجود من الصلاة، أو أسقط شرط الطهارة لصحة الصلاة. قال أبو الحسين البصري في المعتمد "١/٤٤٧": "شرط العبادة ما تقف صحتها عليه، وهو ضربان: "أحدهما" جزء منها "والآخر" ليس بجزء منها، فالجزء منها: هو واحد مما هو مفهوم من العبادة، كالركوع والسجود، وما ليس بجزء منها: فهو ما لم يكن واحدًا مما هو المفهوم من العبادة، كالوضوء مع الصلاة". ٣ انظر المسودة ص٢١٢، العدة ٣/٨٣٧، روضة الناضر ص٨١. ٤ انظر المسودة ص٢١٢، العدة ٣/٨٣٧، الإحكام للآمدي ٣/١٧٨، المحصول ج١ ق٣/٥٥٦، شرح تنقيح الفصول ص٢٢٠، اللمع ص٣٤، نهاية السول ٢/١٩٣ن المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٩٣، الآيات البينات ٣/١٦٦، شرح العضد ٢/٢٠٣، إرشاد الفحول ص١٩٦، الإشارات ص٦٢". ٥ المعتمد ١/٤٤٧. ٦ المستصفى ١/١١٦. ٧ انظر فواتح الرحموت ٢/٩٤، كشف الأسرار ٣/١٧٩.
[ ٣ / ٥٨٤ ]
نسخٌ١ لأصلِ٢ العبادة.
وقال المجْد في المسودة: محلُّ الخِلافِ في شرطٍ متصلٍ كالتَّوَجُّهِ، ومنفصلٍ كوضوءٍ ليس نسخًا لها إجماعا٣.
ووافق الهنديُّ المجدَ.
واستدَلَّ للأولِّ -الذي هو الصحيح-: بأن وجوبَ أصلِ العبادة باقٍ، ولا يفتقرُ٤ إلى دليلٍ ثانٍ إجماعًا، ولم يتجددْ وجوبٌ، وكنسخِ سنَّتِها اتفاقًا.
_________________
(١) ١ في ش: أصل. ٢ في ش: لنسخ. ٣ المسودة ص٢١٣، وعبارة فيها: "والخلاف فيما إذا نسخ جزء من العبادة أو شرطها المتصل كالتوجه، فأما المنفصل كالوضوء فلا يكون نسخًا لها إجماعًا". ٤ في ش: ولا تفتقر.
[ ٣ / ٥٨٥ ]