الأُولَى "الْمَنَاطُ": وَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ نَاطَ نِيَاطًا١، أَيْ عَلَّقَ، فَهُوَ٢ مَا نِيطَ٣ بِهِ الْحُكْمُ٤، أَيْ عُلِّقَ بِهِ، وَهُوَ٥ الْعِلَّةُ الَّتِي رُتِّبَ٦ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الأَصْلِ. يُقَالُ: نُطْت الْحَبْلَ بِالْوَتَدِ أَنُوطُهُ نَوْطًا: إذَا عَلَّقْته٧، وَمِنْهُ: " ذَاتُ أَنْوَاطٍ "، شَجَرَةٌ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَلِّقُونَ٨ فِيهَا سِلاحَهُمْ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ٩.
_________________
(١) ١ في ش: نوطًا. وفي ب: يناط. ٢ ساقطة من ع. ٣ في ش: منوط، وفي ع: ما ينوط. ٤ في ع: فهو الحكم. ٥ في ش: وهي. ٦ في ش ض: ترتب. ٧ انظر الصحاح للجوهري ٣/١١٦٥، لسان العرب ٧/٤١٨. ٨ في ش: يعقلون. ٩ حيث روى الترمذي في سننه وأحمد في مسنده عن أبي واقد الليثي أنّ رسول الله ﷺ لما خرج إلى خيبر مرّ بشجرة للمشركين يقال لها "ذات أنواط" يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال ﷺ: "سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. "انظر عارضة الأحوذي ٩/٢٧، مسند أحمد ٥/٢١٨".
[ ٤ / ١٩٩ ]
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالْمَنَاطُ "مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ"١.
وَتَنْقِيحُهُ: تَخْلِيصُهُ وَتَهْذِيبُهُ، يُقَالُ: نَقَّحْت الْعَظْمَ: إذَا اسْتَخْرَجْت مُخَّهُ٢.
وَتَخْرِيجُهُ: اسْتِنْبَاطُهُ، أَيْ اسْتِخْرَاجُ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ. وَهُوَ إضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّرْعُ لِعِلَّتِهِ إلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ٣ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ٤ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ.
"وَتَحْقِيقُهُ": أَيْ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ "إثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ صُوَرِهَا" بِالنَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِهَا فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا.
"فَإِنْ عُلِمَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ" كَجِهَةِ الْقِبْلَةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهَا الْمُشَارِ إلَيْهِ. بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
_________________
(١) ١ قال الشوكاني في ارشاد الفحول ص ٢٢١: "المناط: هو العلة. قال ابن دقيق العيد: وتعبيرهم عن العلة بالمناط من باب المجاز اللغوي، لأنّ الحكم لمّا علِّق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلّق بغيره، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الإطلاق غيره" أهـ. وانظر معنى المناط في نشر البنود ٢/١٧١، المستصفى ٢/٢٣٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٨. ٢ انظر الصحاح ١/٤١٣، لسان العرب ٢/٦٢٤. ٣ في ش: يناسب. ٤ في ض: مجتهد.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
شَطْرَهُ﴾ ١ وَكَالإِشْهَادِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢ "أَوْ" عُلِمَتْ الْعِلَّةُ بِـ "إجْمَاعٍ" كَتَحْقِيقِ الْمِثْلِ٣ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ٤ النَّعَمِ﴾ ٥ فَجِهَةُ الْقِبْلَةِ: مَنَاطُ وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهَا وَمَعْرِفَتُهَا عِنْدَ الاشْتِبَاهِ: مَظْنُونٌ، وَالْعَدَالَةُ: مَنَاطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَمَعْرِفَتُهَا فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ: مَظْنُونَةٌ، وَكَالْمِثْلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، أَوْ اسْتِنْبَاطٍ كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ "اُحْتُجَّ بِهِ".
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَلا نَعْرِفُ خِلافًا فِي صِحَّةِ الاحْتِجَاجِ بِهِ، إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَعْلُومَةً بِالنَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ، إنَّمَا الْخِلافُ فِيمَا إذَا كَانَ مَدْرَكُ٦ مَعْرِفَتِهَا الاسْتِنْبَاطَ٧.
وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ وَالْفَخْرُ وَالطُّوفِيُّ مِنْ جُمْلَةِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ: اعْتِبَارَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي أَمَاكِنِهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ" فَيُعْتَبَرُ الأَمْرُ فِي كُلِّ طَائِفٍ٨.
_________________
(١) ١ الآية ١٤٤ من البقرة. ٢ الآية ٢ من الطلاق. ٣ في ز: المثله. ٤ في ش: عن. ٥ الآية ٩٥ من المائدة. ٦ في ض: مركز. ٧ انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/٤٣٥ وما بعدها. ٨ انظر روضة الناظر ص ٢٧٧، مختصر الطوفي ص ١٤٥.
[ ٤ / ٢٠١ ]
قَالَ الْمُوَفَّقُ١: وَهُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، أَقَرَّ بِهِ جَمَاعَةٌ [مِمَّنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ٢] .
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ قِيَاسًا لِلاتِّفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ٣.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: نَعَمْ، هَلْ يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. أَمْ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ. ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا شَرْعِيًّا، فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ. أَوْ حَقِيقِيًّا أَوْ٤ عُرْفِيًّا فَيُشْتَرَطَ الْقَطْعُ بِوُجُودِهِ.
قَالَ: وَهَذَا أَعْدَلُ الأَقْوَالِ اهـ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَتَخْرِيجُ٥ الْمَنَاطِ: اسْتِخْرَاجُ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عِلَّةُ ذَلِكَ الْحُكْمِ٦.
_________________
(١) ١ روضة الناظر ص ٢٧٧. ٢ زيادة من كلام الموفق في الروضة يقتضيها السياق. ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ع. ٥ في ش: فتحرير. ٦ انظر تعريفات الأصوليين لتخريج المناط في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٣، روضة الناظر ص ٢٧٨، نشر البنود ٢/١٧٠، تيسير التحرير ٤/٤٣، الابهاج ٣/٥٨، مختصر الطوفي ص ١٤٦، مناهج العقول ٣/٥٠، شرح العضد ٢/٢٣٩، نهاية السول ٣/٧٤، الإحكام للآمدي =
[ ٤ / ٢٠٢ ]
وَتَنْقِيحُهُ: أَنْ يَبْقَى مِنْ الأَوْصَافِ١ مَا يَصْلُحُ، وَيُلْغَى بِالدَّلِيلِ٢ مَا لا يَصْلُحُ٣.
وَتَحْقِيقُهُ: أَنْ يَجِيءَ إلَى وَصْفٍ دَلَّ عَلَى عِلِّيَّتِهِ٤ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الطُّرُقِ، وَلَكِنْ يَقَعُ الاخْتِلافُ فِي وُجُودِهِ فِي صُورَةِ٥ النِّزَاعِ فَيُحَقَّقُ٦ وُجُودُهَا فِيهِ٧.
وَمُنَاسَبَةُ التَّسْمِيَةِ فِي الثَّلاثَةِ ظَاهِرَةٌ؛ لأَنَّهُ أَوَّلًا اسْتَخْرَجَهَا مِنْ
_________________
(١) = ٣/٤٣٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٩، الموافقات ٤/٩٦، المستصفى ٢/٢٣٣". ١ في ش: الأحكام. ٢ في ض ب: من الدليل. ٣ انظر تعريفات الأصوليين لتنقيح المناط في "روضة الناظر ص٢٧٧، مختصر الطوفي ص ١٤٦، المحصوص ٢/٢/٣١٥، التلويح على التوضيح ٢/٥٨٠، مفتاح الوصول ص ١٤٧، المسودة ص ٣٨٧، تيسير التحرير ٤/٤٢، مناهج العقول ٣/٧٣، نهاية السول ٣/٧٤، الابهاج ٣/٥٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٩٢، شفاء الغليل ص ٤١٢، الإحكام للآمدي ٣/٤٣٦، نشر البنود ٢/٢٠٤، ارشاد الفحول ص ٢٢١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٩، ٣٩٨، الموافقات ٤/٩٥، المستصفى ٢/٢٣١". ٤ في ض: علية. ٥ في ض: صور. ٦ في ش ض: فيتحقق. ٧ انظر تعريفات الأصوليين لتحقيق المناط في "نهاية السول ٣/٧٤، الابهاج ٣/٥٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٩٣، روضة الناظر ص ٢٧٧، الموافقات ٤/٩٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨٩، مختصر الطوفي ص ١٤٥، الإحكام للآمدي ٣/٤٣٥، نشر البنود ٢/٢٠٧ وما بعدها، ارشاد الفحول ص ٢٢٢".
[ ٤ / ٢٠٣ ]
مَنْصُوصٍ فِي حُكْمٍ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ عَلَى عِلَّتِهِ، ثُمَّ١ جَاءَ فِي أَوْصَافٍ قَدْ ذُكِرَتْ فِي التَّعْلِيلِ فَنَقَّحَ النَّصَّ، وَنَحْوَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً، وَأَلْغَى غَيْرَهُ. ثُمَّ لَمَّا نُوزِعَ فِي كَوْنِ الْعِلَّةِ لَيْسَتْ فِي الْمَحَلِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بَيَّنَ أَنَّهَا فِيهِ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
"وَمَدَارُ الْحُكْمِ: مُوجِبُهُ، أَوْ مُتَعَلِّقُهُ٢"
"وَلازِمُهُ": أَيْ لازِمُ الْحُكْمِ "مَا لا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ عَدَمِهِ"٣.
فَيَكُونُ لازِمُ الْحُكْمِ أَعَمَّ مِنْ الشَّرْطِ؛ لِدُخُولِ٤ الشَّرْطِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ من الدوران، وهو لغة: الطواف حول الشيء. واصطلاحًا: هو ترتب الشيء على الشيء الذي له صلوح العليّة. كترتب الاسهال على شرب السقمونيا. ويسمى الشيء الأول المترتب: دائرًا. والثاني المترتب عليه: مدارًا، وهو على ثلاثة أقسام "الأول" أن يكون المدار مدارًا للدائر وجودًا لا عدمًا، كشرب السقمونيا للإسهال. فإنه إذا وجِد وجد الإسهال، وأما إذا عدم فلا يلزم عدم الإسهال، لجواز حصوله بأمر آخر، "والثاني" أن يكون المدار مدارًا للدائر عدمًا لا وجودًا، كالحياة للعلم في أنها إذا لم توجد لم يوجد العلم، وأما إذا وجدت فلا يلزم أن يوجد العلم. "والثالث" أن يكون المدار مدارًا للدائر وجودًا وعدمًا كالزنا الصادر عن المحصن لوجوب الرجم عليه، فإنه كلما وجد وجب الرجم، وكلما لم يوجد لم يجب. قاله الجرجاني في التعريفات ص ٥٦ وأبو البقاء الكفوي في الكليات ٢/٣٣٦. ٣ قال أبو البقاء الكفوي: "وفرق بين اللازم من الشيء ولازم الشيء بأنّ أحدهما علة الآخر في الأول بخلاف الثاني". "الكليات ٤/١٦٨". وانظر تفصيل الكلام على الملازمة وأقسامها في التعريفات للجرجاني ص ١٢٠، وعلى اللزوم وأنواعه واللازم وأقسامه في الكليات ٤/١٦٩. ٤ في ش: فدخول.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وَالْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَجُزْئِهِ وَمَحَلِّ الْحُكْمِ فِيهِ.
"وَمَلْزُومُهُ" أَيْ مَلْزُومُ١ الْحُكْمِ "مَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ" أَيْ وُجُودُ الْمَلْزُومِ "وُجُودَ الْحُكْمِ"٢.
قَالَهُ٣ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِي الإِيضَاحِ فِي الْجَدَلِ. وَيُقَالُ: "مَدَارُ الْحُكْمِ عَلَى كَذَا"، أَيْ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى وُجُودِ كَذَا.
_________________
(١) ١ في ع ض ب: ما يلزم ٢ من الاستلزام الذي هو عبارة عن امتناع الانفكاك، حيث يمتنع فيه وجود الملزوم بدون اللازم. " الكليات ١/٢٥٨". ٣. في ش ز ب: قاله
[ ٤ / ٢٠٥ ]