"فَوَائِد"
١تَشْتَمِلُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ تُشْبِهُ الأَدِلَّةَ وَلَيْسَتْ بِأَدِلَّةٍ، لَكِنْ ثَبَتَ مَضْمُونُهَا بِالدَّلِيلِ، وَصَارَتْ يُقْضَى بِهَا فِي جُزْئِيَّاتِهَا، كَأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْئِيِّ، فَلَمَّا كَانَتْ كَذَلِكَ نَاسَبَ ذِكْرُهَا فِي بَابِ الاسْتِدْلالِ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ١ "مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ: أَنْ لا يُرْفَعَ يَقِينٌ بِشَكٍّ٢".
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الإِنْسَانَ مَتَى٣ تَحَقَّقَ شَيْئًا، ثُمَّ شَكَّ: هَلْ زَالَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُتَحَقِّقُ٤ أَمْ لا؟ الأَصْلُ بَقَاءُ٥ الْمُتَحَقِّقِ٦،
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ نصت المادة ٤ من مجلة الأحكام العدلية: "اليقين لا يزول بالشك". وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٥٠، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٦، المدخل الفقهي العام ٢/٩٦١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٩، جمع الجوامع ٢/٣٥٦، أصول السرخسي ٢/١١٦، ١١٧، تأسيس النظر ص ١٤٥. ٣ في ش ز: إذا. ٤ في ض ب ز: المحقق. ٥ في ب: بقي. ٦ في ز: المحقق.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
فَيَبْقَى الأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ مُتَحَقِّقًا؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِنِيِّ١ "شُكِيَ٢ إلَى النَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ: أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ٣: "لا يَنْصَرِفُ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٤.
وَلِمُسْلِمٍ "إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا؟ فَلا يَخْرُجَنَّ٥ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" ٦.
_________________
(١) ١ في ض ب ز: عبد الله بن زيد المازني. وهو الصحابي عبد الله بن بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، الأنصاري الخزرجي الحارثي، أبو محمد، وقيل ليس في آبائه ثعلبة، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وهو الذي أري الأذان في النوم، فأمر النبي ﷺ بلالًا أن يؤذن على ما رآه عبد الله، وذلك سنة إحدى بعد الهجرة، له عدة أحاديث، روى عنه ابن المسيب وغيره، توفي سنة ٣٢ هـ وصلى عليه عثمان ﵄. انظر ترجمته في "الإصابة ٤/٧٢، أسد الغابة ٣/٢٤٧، الخلاصة ٢/٥٨، مشاهير علماء الأمصار ص ١٩". ٢ في ب: يشكى. ٣ في ض: وكذلك. ٤ هذا لفظ مسلم، والحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد عن عبد الله بن زيد مرفوعًا. انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ١/٢٧، صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٤٩، اللؤلؤ والمرجان ١/٧٤، سنن أبي داود ١/٤٠، سنن النسائي ١/٨٣، سنن ابن ماجة ١/١٧١، مسند أحمد ٤/٣٩، ٤٠. ٥ في ش: يخرج. ٦ هذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٥١، مختصر صحيح مسلم ١/٤٨، سنن أبي داود ١/٣٩، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ١/٢٨٤، مسند أحمد ٢/٣٣٠، ٤١٤.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
فَلَوْ شَكَّ فِي امْرَأَةٍ هَلْ تَزَوَّجَهَا أَمْ لا؟ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطْؤُهَا، اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ التَّحْرِيمِ إلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ تَزَوُّجَهُ١ بِهَا اتِّفَاقًا.
وَكَذَا لَوْ٢ شَكَّ: هَلْ٣ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَمْ لا؟ لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ٤ وَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا٥ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الطَّلاقَ اسْتِصْحَابًا لِلنِّكَاحِ.
وَكَذَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَمْ٦ ثَلاثًا؟ الأَصْلُ الْحِلُّ.
وَكَذَا لَوْ تَحَقَّقَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ شَكَّ فِي زَوَالِهَا أَوْ عَكْسُهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الشَّكِّ فِيهِمَا، وَفَعَلَ فِيهِمَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا.
وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ نَجَاسَتِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُحْدِثٌ، أَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ٧ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يُحْصَرُ.
_________________
(١) ١ في ض: تزويجه. ٢ في ض: وكذلك. ٣ ساقطة من ض. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ض ب: يطأ. ٦ في ش: أو. ٧ في ض ب ز: و.
[ ٤ / ٤٤١ ]
وَلا تَخْتَصُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِالْفِقْهِ، بَلْ الأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ عَدَمُهُ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ كَمَا نَقُولُ١: الأَصْلُ انْتِفَاءُ الأَحْكَامِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ، حَتَّى يَأْتِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ، وَالأَصْلُ فِي الأَلْفَاظِ: أَنَّهَا لِلْحَقِيقَةِ وَفِي الأَوَامِرِ: أَنَّهَا لِلْوُجُوبِ وَفِي النَّوَاهِي: أَنَّهَا لِلتَّحْرِيمِ، وَالأَصْلُ: بَقَاءُ الْعُمُومِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ وُرُودُ الْمُخَصِّصِ. وَالأَصْلُ: بَقَاءُ حُكْمِ النَّصِّ حَتَّى يَرِدَ النَّاسِخُ.
وَلأَجْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: كَانَ الاسْتِصْحَابُ حُجَّةً.
وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنْ٢ لا يُطَالَبَ بِالدَّلِيلِ؛ لأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ عَلَى الاسْتِصْحَابِ٣، كَمَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي بَابِ الدَّعَاوَى لا٤ يُطَالَبُ بِحُجَّةٍ عَلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، بَلْ الْقَوْلُ فِي الإِنْكَارِ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ٥.
"وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا "زَوَالُ الضَّرَرِ بِلا ضَرَرٍ٦" يَعْنِي
_________________
(١) ١ في ض: تقول. ٢ ساقطة من ب ز. ٣ في: الأصحاب، وفي ب ض: للاستصحاب، وفي ز: إلى الاستصحاب. ٤ في ب: ولم. ٥ يعبر بعض علماء الأصول عن ذلك بقولهم: "نافي الحكم عليه الدليل"، وفي قول: "النافي لا يطالب بالدليل"، ويعتبرونه من أوجه الاستدلال، وفصل فريق ثالث بين العقليات والشرعيات، كما سيبينه المصنف فيما بعد صفحة ٤٠٨. ٦ انظر المادة ٤ من المجلة، ونصها: "الضرر يزال" ويتفرع عنها المادة ١٩ من المجلة، ونصها: "لا ضرر ولا ضرار" والمادة ٢٥ من المجلة ونصها: "الضرر =
[ ٤ / ٤٤٢ ]
أَنَّهُ١ يَجِبُ٢ إزَالَةُ الضَّرَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَ بِإِزَالَتِهِ ضَرَرٌ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ٣ ﷺ "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" ٤ وَفِي رِوَايَةٍ "وَلا إضْرَارٍ" ٥ بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَأَلِفٍ بَيْنَ الرَّاءَيْنِ٦.
وَقَدْ عَلَّلَ أَصْحَابُنَا بِذَلِكَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِيهَا مِنْ الْفِقْهِ مَا لا حَصْرَ لَهُ وَلَعَلَّهَا تَتَضَمَّنُ
_________________
(١) = لا يزال بمثله" والمادة ٣١ من المجلة ونصها: "الضرر يدفع بقدر الإمكان". وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٨٥، المدخل الفقهي العام ٢/٩٧١، جمع الجوامع ٢/٣٥٦، المحصول ٢/٣/١٤٦، ٢٤٢. ١ ساقطة من ض. ٢ في ش ض ز: تجب. ٣ في ز: قوله. ٤ هذا الحديث رواه ابن ماجة عن ابن عباس وعبادة بن الصامت، ورواه أحمد عن عبادة، ورواه الحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ورواه الدارقطني عن عائشة وابن عباس، ورواه أبو داود في المراسيل عن واسع بن حبان بزيادة "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ووصله الطبراني في "الأوسط" عن جابر، ورواه الإمام مالك في الموطأ مرسلًا، وقال النووي: حديث حسن، وله طرق يقوى بعضها ببعض. انظر: سنن ابن ماجة ٢/٧٨٤، الموطأ ص ٤٦٤، مسند أحمد ٥/٣٢٧، سنن الدارقطني ٤/٢٢٧-٢٢٨، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٣٠٥، شرح الأربعين النووية ص ٧٤، جامع العلوم والحكم ص ٢٦٥. ٥ هذه الرواية عند أحمد عن ابن عباس مرفوعًا. "انظر: مسند أحمد ١/٣١٣". ٦ في ض: راءتين.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
نِصْفَهُ. فَإِنَّ الأَحْكَامَ إمَّا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ، أَوْ لِدَفْعِ الْمَضَارِّ، فَيَدْخُلُ فِيهَا دَفْعُ الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ وَالنَّسَبِ، وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ وَتَقْرِيرِهَا١ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ أَوْ تَخْفِيفِهَا٢.
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ٣ " وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ" يَعْنِي أَنَّ وُجُودَ الضَّرَرِ يُبِيحُ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ، أَيْ الْمُحَرَّمِ، بِشَرْطِ كَوْنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ أَخَفَّ مِنْ وُجُودِ الضَّرَرِ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ - بَلْ وَجَبَ - أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَذَلِكَ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَبِالْبَوْلِ٤. وَقَتْلُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ إذَا صَالَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لا يَضْمَنُ. وَمِنْهَا٥ الْعَفْوُ عَنْ أَثَرِ الاسْتِجْمَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لا حَصْرَ لَهُ.
_________________
(١) ١ في ش: وتقديرها. ٢ انظر بحثًا مستفيضًا عن تحقيق مقاصد الشريعة في جلب المنافع ودفع المضار في "المحصول ٢/٣/١٣٣، نهاية السول ٣/١٥٢، الموافقات للشاطبي ٢/٣، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١/٥، ضوابط المصلحة ص ٧٣ وما بعدها ٧٧". في ب: تحقيقها. ٣ المادة ٢١ من المجلة، وانظر: نظرية الضرورة الشرعية ص ٦٥. ٤ في ض: والبول. ٥ في ض: ومنه.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
"وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ "الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ١" وَدَلِيلُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ - ﷾: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ٢﴾ إشَارَةً إلَى مَا خَفَّفَ٣ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ التَّشْدِيدِ عَلَى غَيْرِهِمْ، مِنْ الإِصْرِ وَنَحْوِهِ، وَمَا لَهُمْ مِنْ تَخْفِيفَاتٍ أُخَرَ، دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ ٤ وَكَذَا تَخْفِيفُ الْخَمْسِينَ صَلاةً فِي لَيْلَةِ٥ الإِسْرَاءِ إلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ٦ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَ٧قَدْ قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ﴾ ٨ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
_________________
(١) ١ المادة ١٨ من المجلة. وانظر: "جمع الجوامع ٢/٣٥٦، مرآة المجلة ١/١٥، المدخل الفقهي العام ٢/٩٨٨، أصول الفقه الإسلامي ص ٣٦٣، ٣٧٣. ٢ الآية ٧٨ من الحج. ٣ في ش: رفع. ٤ الآية ٦٦ من الأنفال. ٥ ساقطة من ب ض ز. ٦ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عن أنس بن مالك، ورواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي مرفوعًا. انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ١/٣٩١، صحيح مسلم بشرح النووي ٢/٢٢٢، جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ١/٦٢٦، سنن النسائي ١/١٨٨٠ وما بعدها، سنن ابن ماجة ١/٤٤٨، مسند أحمد ٣/١٤٩، ٥/١٤٤، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٢١. ٧ في ب: إلى. ٨ الآية ١٨٥ من البقرة، وفي ز تكملة الآية: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .
[ ٤ / ٤٤٥ ]
يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ١ وَقَالَ فِي صِفَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ٢ ﷺ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٤ وَقَالَ ﷺ "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ٥ السَّمْحَةِ٦".
وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنْوَاعٌ مِنْ الْفِقْهِ مِنْهَا فِي الْعِبَادَاتِ: التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَشَقَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَلَى حَسَبِ تَفَاصِيلِهِ
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من النساء. ٢ غير موجودة في ب ز. ٣ الآية ١٥٧ من الأعراف. ٤ الآية ٢٨٦ من البقرة. ٥ في ض ب: الحنفية. ٦ هذا جزء من حديث رواه أحمد عن أبي أمامة مرفوعًا، وأوله: "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة " "مسند أحمد ٥/٢٦٦"، ورواه أحمد عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة" "مسند أحمد ٦/١١٦، ٢٣٣"، ورواه الخطيب في "التاريخ" بسند ضعيف عن جابر، وتتمته: "ومن خالف سنتي فليس مني"، ورواه البخاري في "صحيحه" معلقًا، وفي "الأدب المفرد" موصولًا، ورواه أحمد عن ابن عباس بلفظ: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة". والمراد بالحنيفية: دين إبراهيم ﵊ بالتوحيد، قال ابن القيم: وجمع بين كونها حنيفية، وكونها سمحاء، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال". انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١/٨٦، ٨٧، مسند أحمد ١/٢٣٦، فيض القدير ٣/٢٠٣، كشف الخفا ١/٢٥١، ٣٤٠.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
فِي الْفِقْهِ، وَالْقُعُودُ فِي الصَّلاةِ عِنْدَ مَشَقَّةِ الْقِيَامِ، وَفِي النَّافِلَةِ مُطْلَقًا، وَقَصْرُ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ: رُخَصُ السَّفَرِ وَغَيْرُهَا.
وَمِنْ التَّخْفِيفَاتِ أَيْضًا: أَعْذَارُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَعْجِيلُ الزَّكَاةِ، وَالتَّخْفِيفَاتُ١ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالْجِنَايَاتِ.
وَمِنْ التَّخْفِيفَاتِ الْمُطْلَقَةِ: فُرُوضُ الْكِفَايَةِ٢ وَسُنَنُهَا، وَالْعَمَلُ بِالظُّنُونِ لِمَشَقَّةِ الاطِّلاعِ عَلَى الْيَقِينِ.
"وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ "دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ٣، وَدَفْعُ أَعْلاهَا" أَيْ أَعْلَى الْمَفَاسِدِ "بِأَدْنَاهَا٤" يَعْنِي أَنَّ الأَمْرَ إذَا دَارَ بَيْنَ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ وَجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، كَانَ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ، وَإِذَا دَارَ الأَمْرُ أَيْضًا٥ بَيْنَ دَرْءِ إحْدَى مَفْسَدَتَيْنِ، وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ
_________________
(١) ١ في ز: والتخفيف. ٢ في ب ز: الكفايات. ٣ المادة ٣٠ من المجلة. ٤ انظر: المادة ٢٨ من المجلة، ونصها: "إذا تعارض مفسدتان، روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما". ٥ ساقطة من ض، وفي ز: سقطت: أيضًا.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
فَسَادًا مِنْ الأُخْرَى، فَدَرْءُ الْعُلْيَا مِنْهُمَا أَوْلَى مِنْ دَرْءِ١ غَيْرِهَا، وَهَذَا وَاضِحٌ٢ يَقْبَلُهُ كُلُّ عَاقِلٍ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أُولُو الْعِلْمِ.
"وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا "تَحْكِيمُ الْعَادَةِ" وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ "إنَّ الْعَادَةَ مُحَكَّمَةٌ"٣ أَيْ مَعْمُولٌ بِهَا شَرْعًا؛ لِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ٤ وَهُوَ "مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ"٥ وَلِقَوْلِ٦ ابْنِ عَطِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ٧: إنَّ مَعْنَى الْعُرْفِ: كُلُّ مَا عَرَفَتْهُ النُّفُوسُ مِمَّا لا تَرُدُّهُ الشَّرِيعَةُ٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ض. ٢ في ب: أوضح. ٣ المادة ٣٦ من المجلة. وانظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٩٣، جمع الجوامع ٢/٣٥٦، رسائل ابن عابدين ١/٤٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٩. ٤ ساقطة من ش ض. ٥ حديث ابن مسعود سبق تخريجه "٢/٢٢٣". ٦ في ش: وقول. ٧ الآية ١٩٩ من الأعراف. ٨ انظر تعريف العرف وأقوال العلماء فيه مع الأدلة والأمثلة في "رسائل ابن عابدين ٢/١١٤، الموافقات ٢/٢٢٠، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٩٣، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٩، البناني على جمع الجوامع ٢/٣٥٣، إعلام الموقعين ٢/٤٤٨، المسودة ص ١٢٣ وما بعدها، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤٨، المدخل الفقهي العام ٢/٨٣٨، أصول مذهب أحمد ص ٥٢٣، العرف والعادة ص ١٠ وما بعدها، أثر الأدلة المختلف فيها ص ٢٤٢".
[ ٤ / ٤٤٨ ]
قَالَ ابْنُ ظَفَرٍ١ فِي الْيَنْبُوعِ " الْعُرْفُ " مَا عَرِفَهُ الْعُقَلاءُ٢ بِأَنَّهُ حَسَنٌ، وَأَقَرَّهُمْ الشَّارِعُ عَلَيْهِ.
وَكُلُّ مَا تَكَرَّرَ مِنْ لَفْظِ "الْمَعْرُوفِ" فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ٤ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الأَمْرِ وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٥﴾ ٦،
_________________
(١) ١ هو محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر، الصقلي، أبو عبد الله، الملقب بالحجة أو حجة الدين، مكي الأصل، مغربي المنشأ، دخل صقلية وألف فيها كتابه "سُلوان المطاع في عدوان الأتباع" ثم سكن بالشام في آخر عمره، وأقام بحماة، وأمَّه الطلاب، وصنف التصانيف الجميلة في الآداب، وفسر القرآن الكريم تفسيرًا جميلًا، وكان شاعرًا أديبًا عالمًا بالنحو واللغة، وكان فقيرًا، مات بحماة سنة ٥٦٥ هـ، وقيل سنة ٥٦٧ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في "وفيات الأعيان ٤/٢٩، إنباء الرواة ٣/٧٤، معجم الأدباء ١٩/٤٨". ٢ في ش: العلماء. ٣ الآية ١٩ من النساء. ٤ ساقطة من ش ب ز. ٥ في ض ب ز: الآية. ٦ الآية ٥٨ من النور.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
فَأَمَرَ١ بِالاسْتِئْذَانِ فِي الأَوْقَاتِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهَا بِالابْتِذَالِ٢ وَوَضْعِ الثِّيَابِ٣، فَابْتَنَى الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى٤ مَا كَانُوا يَعْتَادُونَهُ. وَمِنْهَا٥ قَوْلُهُ ﷺ لِهِنْدٍ٦ "خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدِك بِالْمَعْرُوفِ" ٧ وَقَوْلُهُ ﷺ لِحَمْنَةَ بِنْتِ
_________________
(١) ١ في ش: فالأمر. ٢ في ض: بالاستئذان. ٣ ساقطة من ب. ٤ ساقطة من ض. ٥ في ض: ومنه. ٦ هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، القرشية العبشمية، الصحابية، أم معاوية بن أبي سفيان، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وكانت ذات عقل ورأي وأنفة، شهدت أحدًا مع الكفار، وفعلت الأعاجيب، وحرضت المشركين على محاربة الإسلام والمسلمين والرسول، ثم حسن إسلامها، وناقشت رسول الله ﷺ في البيعة، وشهدت اليرموك مع زوجها، وتوفيت في اليوم الذي مات فيه والد أبي بكر الصديق في أول خلافة عمر ﵃. انظر ترجمتها في "الإصابة ٨/٢٠٦، أسد الغابة ٧/٢٩٢، وتهذيب الأسماء ٢/٣٥٧". ٧ هذا جزء من حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة مرفوعًا، والأعلى لفظ النسائي. انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي ٤/١٦٠، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٧، سنن أبي داود ٢/٢٦٠، سنن النسائي ٨/٢١٦، سنن ابن ماجة ٢/٧٦٩، السنن الكبرى للبيهقي ١٠/١٤٢.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
جَحْشٍ١ "تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى سِتًّا أَوْ سَبْعًا، كَمَا تَحِيضُ٢ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ٣ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ٤، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا ذَلِكَ فَلْتَتْرُكْ الصَّلاةَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا٥.
_________________
(١) ١ هي حمنة بنت جحش الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، وكانت حمنة زوجة مصعب بن عمير ﵁، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمدًا وعمران ابني طلحة، وكانت حمنة من المهاجرات والمبايعات، وشهدت أحدًا، وكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم، روت عدة أحاديث عن النبي ﷺ، وروى عنها عمران، وأخرج عنها البخاري في "الأدب" وأبو داود والترمذي وابن ماجة. انظر ترجمتها في "الإصابة ٨/٥٣، أسد الغابة ٧/٦٩، تهذيب الأسماء ٢/٣٣٩، الخلاصة ٣/٣٧٩". ٢ في ش: يحيض. ٣ قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، "جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٣٩٥، ٣٩٩". ٤ المستدرك ١/١٧٢. ٥ وهذا جزء من حديث طويل، رواه أيضًا أبو داود والدارقطني، وسبق تخريجه "١/١٦٦". انظر سنن أبي داود ١/٦٢، سنن النسائي ١/٩٩.
[ ٤ / ٤٥١ ]
وَمِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ الأَنْصَارِيِّ١، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْحِيطَانِ٢ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظُهَا بِاللَّيْلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ٣. وَهُوَ أَدَلُّ شَيْءٍ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَادَةِ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إذْ بَنَى النَّبِيُّ ﷺ التَّضْمِينَ٤ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَضَابِطُهُ٥ كُلُّ فِعْلٍ٦ رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَلا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلا فِي اللُّغَةِ، كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ، وَالأَكْلِ
_________________
(١) ١ هو حرام بن سعد بن مُحيِّصة بن مسعود، الأنصاري الحارثي المدني التابعي، أبو سعد، وقيل أبو سعيد، ويقال حرام بن ساعدة، وحرام بن مُحيِّصة ينسب إلى جده، كان ثقة من المتقنين، وكان قليل الحديث، روى عنه الزهري، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة، مات سنة ١١٣هـ. انظر ترجمته في "الخلاصة ١/٢٠٢، تهذيب الأسماء ١/١٥٥، مشاهير علماء الأمصار ص ٧٧". ٢ في ش ض ب ز: الحائط. ٣ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وآخرين عن حرام عن البراء متصلًا، ورواه الإمام مالك مرسلًا. انظر: سنن أبي داود ٢/٢٦٧، سنن ابن ماجة ٢/٧٨١، مسند أحمد ٥/٤٣٥، الموطأ ص ٤٦٦، تهذيب الأسماء ١/١٥٥. ٤ ساقطة من ب. ٥ في ش ب ز: وضابط. ٦ في ش: حكم.
[ ٤ / ٤٥٢ ]
مِنْ بَيْتِ الصَّدِيقِ. وَمَا يُعَدُّ قَبْضًا وَإِيدَاعًا وَإِعْطَاءً وَهَدِيَّةً وَغَصْبًا، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمُعَاشَرَةِ وَانْتِفَاعُ الْمُسْتَأْجِرِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَ١أَمْثَالُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ لا تَنْحَصِرُ٢.
وَمَأْخَذُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَوْضِعُهَا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي٣ قَوْلِهِمْ "الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ٤ قَدْ يَكُونُ عُرْفِيًّا" أَيْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُرْفِ٥ وَفِي بَابِ التَّخْصِيصِ فِي٦ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ٧.
"وَ" مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ أَيْضًا٨ "جَعْلُ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ احْتِيَاطًا" كَالْمَقْتُولِ تُورَثُ عَنْهُ الدِّيَةُ. وَإِنَّمَا تَجِبُ بِمَوْتِهِ وَلا تُورَثُ عَنْهُ٩ إلاَّ إذَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، فَيُقَدَّرُ دُخُولُهَا قَبْلَ مَوْتِهِ.
_________________
(١) ١ في ب: في. ٢ في ض: تحصر. ٣ في ش: من. ٤ ساقطة من ض. ٥ مر سابقًا "القسم الأول ج ٤". ٦ في ش: وفي. ٧ قال الحنابلة والشافعية العادة تخصص العموم خلافًا للحنفية والمالكية، وسبق تفصيل ذلك في المجلد الثالث ص ٣٨٧ وما بعدها. وانظر: أصول مذهب أحمد ص ٥٣٧. ٨ ساقطة من ش. ٩ ساقطة من ش.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
وَيَلْتَحِقُ بِمَا تَقَدَّمَ: قَاعِدَةٌ نَقَلَهَا١ الْعَلائِيُّ٢ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلاءِ. وَهِيَ أَنَّ "إدَارَةَ٣ الأُمُورِ فِي الأَحْكَامِ عَلَى قَصْدِهَا٤" وَدَلِيلُهَا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" وَرُبَّمَا أُخِذَتْ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ٥﴾؛ لأَنَّ أَفْعَالَ الْعُقَلاءِ إذَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً، فَإِنَّمَا تَكُونُ عَنْ قَصْدٍ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى
_________________
(١) ١ في ب: نقله. ٢ هو خليل بن كيكلدي بن عبد الله، الحافظ العلائي، أبو سعيد، صلاح الدين الدمشقي، قال ابن السبكي: "كان حافظًا ثبتًا ثقةً، عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون، فقيهًا متكلمًا، أديبًا شاعرًا، ناظمًا ناثرًا ، درس بدمشق، ثم ولي تدريس المدرسة الصلاحية بالقدس، فأقام بها إلى أن توفي، يصنف ويفيد وينشر العلم ويحيي السنة"، له مصنفات كثيرة، منها كتاب في الأشباه والنظائر في الفقه، وكتاب في المراسيل، وكتاب في المدلسين، وله كتاب: "تحقيق المراد بأن النهي يقتضي الفساد" في الأصول، توفي بالقدس سنة ٧٦١ هـ. انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى ١٠/٣٥، الدرر الكامنة ٢/١٧٩، ذيل تذكرة الحفاظ ص ٤٣، البدر الطالع ١/٢٤٥، البداية والنهاية ١٤/٢٦٧، شذرات الذهب ٦/١٩٠، الفتح المبين ٢/١٧٥، طبقات الشافعية للأسنوي ٢/٢٣٩". ٣ في ش ع: إرادة. ٤ انظر: المادة ٢ من المجلة ونصها: "الأمور بمقاصدها"، وانظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم ص ٣٧، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨، المدخل الفقهي العام ٢/٩٥٩. ٥ الآية ٥ من البينة.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
الْمُكَلَّفِ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ الْمُوصِلِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ﷾. فَالْقَصْدُ سَابِقٌ دَائِمًا١.
وَسَوَاءٌ فِي اعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ٢ فِي الأَفْعَالِ: الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، إلاَّ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَخْتَصُّ٣ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ٤ إلَى اللَّهِ ﷾ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ النِّيَّةُ مِنْ كَافِرٍ، بِخِلافِ نِيَّةِ الاسْتِثْنَاءِ، وَالنِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْحَافِظُ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ رَجَبٍ وَغَيْرُهُ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ كَلامًا شَافِيًا٥ مِنْهُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ٦ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ٧ مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مِنْ دَلالَةِ الْمُقْتَضَى، وَأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ لِصِحَّةِ هَذَا الْكَلامِ، وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَدَّرُ "صِحَّةُ" الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَوْ "اعْتِبَارُهَا" أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَقِيلَ: يُقَدَّرُ "كَمَالُ" الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ٨: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَلالَةِ الْمُقْتَضَى، وَإِنَّهُ لا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ أَصْلًا؛ لأَنَّ
_________________
(١) ١ سبق هذا مع مراجعه في المجلد الأول ص ٣٠٨. ٢ في ش ض ز: القصد. ٣ في ب: لا يختص. ٤ ساقطة من ب. ٥ انظر: جامع العلوم والحكم ص ٥ وما بعدها، شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٥٣. ٦ ساقطة من ش ز، وفي ب: إن. ٧ في ض: تقرير. ٨ في ش ز: كثير من.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ بِنِيَّةٍ فَهُوَ صُورَةُ عَمَلٍ لا عَمَلٌ شَرْعِيٌّ. فَصَحَّ النَّفْيُ، فَلا حَاجَةَ لِتَقْدِيرٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَمِمَّا١ تَدْخُلُ فِيهِ النِّيَّةُ الْعِبَادَاتُ جَمِيعُهَا. وَمِنْهَا: الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْغُسْلُ عِنْدَنَا وَالصَّلاةُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا، عَيْنُهَا وَكِفَايَتُهَا، وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ٢ وَالاعْتِكَافُ، وَالْحَجُّ فَرْضُ الْكُلِّ وَنَفْلُهُ وَالأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ، وَالنُّذُورُ وَالْكَفَّارَاتُ، وَالْجِهَادُ وَالْعِتْقُ، وَالتَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ، بِمَعْنَى أَنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ٣ الأَرْبَعَةِ: يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُقَالُ٤ بَلْ يَسْرِي هَذَا إلَى سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي٥ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ﷾، أَوْ التَّوَصُّلِ إلَيْهَا كَالأَكْلِ وَالنَّوْمِ، وَاكْتِسَابِ الْمَالِ، وَالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِيهِ، وَفِي الأَمَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا الإِعْفَافَ، أَوْ تَحْصِيلَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ، أَوْ تَكْثِيرَ الأُمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ في ب: فما. ٢ في ض: والصوم. ٣ ساقطة من ض ب ز. ٤ ساقطة من ش ب ز. ٥ في ش: التقوى.
[ ٤ / ٤٥٦ ]