لَمَّا فَرَغَ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ شَرَعَ٢ فِي بَيَانِ الطُّرُقِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِمَسَالِكِ الْعِلَّةِ.
الْمَسْلَكُ الأَوَّلُ "الإِجْمَاعُ"٣.
وَقُدِّمَ لِقُوَّتِهِ. سَوَاءٌ كَانَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَأُخِّرَ النَّصُّ لِطُولِ الْكَلامِ عَلَى تَفَاصِيلِهِ٤.
_________________
(١) ١ في د ض: العلة ستة. ٢ في ز: وشرع. ٣ انظر كلام الأصوليين على هذا المسلك في "التلويح على التوضيح ٢/٥٦٥، مفتاح الأصول ص ١٤٨، شفاء الغليل ص ١١٠، مختصر البعلي ص ١٤٥، مختصر الطوفي ص ١٥٩، روضة الناظر ص ٣٠١، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٣٣، الإحكام للآمدي ٣/٣٦٤، تيسير التحرير ٤/٣٩، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٨٣، اللمع ص ٦٢، شرح العضد ٢/٢٣٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٦٢، المستصفى ٢/٢٩٣، فواتح الرحموت ٢/٢٩٥، نشر البنود ٢/١٥٤، إرشاد الفحول ص ٢١٠، نهاية السول ٣/٤٩، مناهج العقول ٣/٤٩، الإبهاج ٣/٣٨، الفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢١٣". ٤ في ض: تفصيله.
[ ٤ / ١١٥ ]
وَالْمُرَادُ بِثُبُوتِ١ الْعِلَّةِ بِالإِجْمَاعِ: أَنْ تُجْمِعَ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عِلَّتُهُ كَذَا. كَإِجْمَاعِهِمْ٢ فِي قَوْلِهِ ﷺ "لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُ شَغْلُ الْقَلْبِ، وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ الأَخِ مِنْ الأَبَوَيْنِ فِي الإِرْثِ عَلَى الأَخِ لِلأَبِ بِامْتِزَاجِ النَّسَبَيْنِ، أَيْ وُجُودِهِمَا فِيهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ فِي وِلايَةِ النِّكَاحِ، وَصَلاةِ الْجِنَازَةِ، وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ، وَالْوَصِيَّةِ لأَقْرَبِ الأَقَارِبِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ٣.
فَإِنْ قُلْت: إذَا أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَكَيْفَ يَتَّجِهُ٤ الْخِلافُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؟
قُلْت: لَعَلَّ مَنْشَأَ الْخِلافِ التَّنَازُعُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ أَوْ فِي حُصُولِ شَرْطِهَا أَوْ مَانِعِهَا، لا فِي كَوْنِهَا عِلَّةً. قَالَهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ وَغَيْرُهُ.
وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْلِيلِ الْوِلايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ بِكَوْنِهِ٥ صَغِيرًا، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْوِلايَةُ عَلَيْهِ٦ فِي النِّكَاحِ.
_________________
(١) ١ في ض: ثبوت. ٢ في ع ز ب: فاجماعهم. ٣ ساقطة من ش. ٤ في ز: يتوجه. ٥ في ع ز ض ب: كونه. ٦ ساقطة من ش.
[ ٤ / ١١٦ ]
الْمَسْلَكُ "الثَّانِي" مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ "النَّصُّ" مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١.
"وَمِنْهُ" أَيْ مِنْ النَّصِّ مَا هُوَ "صَرِيحٌ" وَهُوَ مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ، بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلَّةِ٢.
"كَ" أَنْ يُقَالَ "لِعِلَّةِ"٣ كَذَا "أَوْ سَبَبِ" كَذَا "أَوْ أَجْلِ" كَذَا "أَوْ مِنْ أَجْلِ كَذَا"٤ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ٥ وَقَوْلِهِ ﷺ ٦ "إنَّمَا جُعِلَ٦
_________________
(١) ١ انظر "الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٨٠، المحصول ٢/٢/ ١٩٣، ارشاد الفحول ص ٢١٠، البرهان ٢/٨٠٦، اللمع ص ٦١، المسودة ص ٤٣٨، المنخول ص ٣٤٣، الفقيه والمتفقه ١/٢١٠، أصول الشاشي مع عمدة الحواشي ص ٣٢٥ وما بعدها". ٢ انظر: الإحكام للآمدي ٣/٣٦٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٠، الفقيه والمتفقه ١/٢١٠، المعتمد ٢/٧٧٥، مختصر البعلي ص ١٤٥، روضة الناظر ص ٢٩٥، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٣، مختصر الطوفي ص ١٥٧، مفتاح الوصول ص ١٤٥، شفاء الغليل ص ٢٣، تيسير التحرير ٤/٣٩، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٨١، شرح العضد ٢/٢٣٤، إرشاد الفحول ص ٢١١، نشر البنود ٢/١٥٥، نهاية السول ٣/٤١، مناهج العقول ٣/٣٩، الابهاج ٣/٣٠، المستصفى ٢/٢٨٨، فواتح الرحموت ٢/٢٩٥، حاشية البناني ٢/٢٦٣. ٣ في ع: العلة، وفي ش: لعلية. ٤ في ع ب: ونحوه نحو. ٥ الآية ٣٢ من المائدة. ٦ ساقطة من ش.
[ ٤ / ١١٧ ]
١الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه٢ِ وَقَوْلِهِ ﷺ "إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ - يَعْنِي٣ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ - مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا٤" رَوَاهُ مُسْلِمٌ٥. أَيْ ٦لأَجْلِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
وَالدَّافَّةُ: الْقَافِلَةُ السَّائِرَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدَّفِيفِ، وَهُوَ السَّيْرُ اللَّيِّنُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: دَفَّتْ عَلَيْنَا مِنْ بَنِي فُلانٍ دَافَّةٌ٧. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ٨.
"أَوْ" يُقَالَ "كَيْ" يَكُونَ كَذَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ "لا" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ ٩ أَوْ مَقْرُونَةً بِهَا نَحْوَ ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ١٠ ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١١ فَلا يَحْصُلُ لِلْفُقَرَاءِ شَيْءٌ.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ صحيح البخاري ٧/١٣٠، صحيح مسلم ٣/١٦٩٨. ٣ ساقطة من ع. ٤ في ش: واخزنوا. ٥ صحيح مسلم ٣/١٥٦١. ٦ ساقطة من ش. ٧ ساقطة من ش. ٨ الصحاح للجوهري ط/١٣٦٠. ٩ الآية ٤٠ من طه و١٣ من القصص. ١٠ الآية ٢٣ من الحديد. ١١ الآية ٧ من الحشر
[ ٤ / ١١٨ ]
"أَوْ" يُقَالَ "إذًا"، نَحْوَ١ قَوْلِهِ ﷺ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ: أَجْعَلُ لَك صَلاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: "إذًا يَغْفِرُ اللَّهُ٢ لَك ذَنْبَك كُلَّهُ" وَفِي رِوَايَةٍ "إذًا يَكْفِيَك اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ٣".
"وَكَذَا" يَكُونُ مِنْ الصَّرِيحِ "إنَّ" الْمَكْسُورَةُ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةُ النُّونِ٤ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالآمِدِيِّ٥ وَابْنِ
_________________
(١) ١ في ش: يكون من الصريح نحو. ٢ ساقطة في ش. ٣ أخرجه الترمذي وأحمد في مسنده والطبراني والحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الهيثمي عن رواية أحمد: وإسناده جيد، وعن رواية الطبراني: واسناده حسن. "انظر عارضة الأحوذي ٩/٢٨١، مسند أحمد ٥/١٣٦، مجمع الزوائد ١٠/١٦٠، جلاء الأفهام لابن القيم ص ٣٤، المستدرك ٢/٤٢١". قال ابن القيم: وسئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبي بن كعب دعاء يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﷺ: هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه ﷺ؟ فقال: "إن زدت فهو خير لك. فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير لك.. إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ أي أجعل دعائي كله صلاة عليك قال: إذًا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك"، لأن من صلى على النبي ﷺ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ومن صلى الله عليه كفاه همه، وغفر له ذنبه ". "جلاء الأفهام ص ٣٥". ٤ في ش: عن. ٥ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٦٥.
[ ٤ / ١١٩ ]
الْحَاجِبِ١ وَغَيْرِهِمْ٢، نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ لَمَّا أَلْقَى الرَّوْثَةَ أَمَا٣ "إنَّهَا رِجْسٌ٤" وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْهِرَّةِ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" مُعَلِّلًا طَهَارَتَهَا بِذَلِكَ٥.
"وَهِيَ" يَعْنِي "إنَّ" الْمُشَدَّدَةَ النُّونِ حَالَ كَوْنِهَا "مُلْحَقَةً بِالْفَاءِ آكَدُ" نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ٦ " فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا٧" وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الشُّهَدَاءِ "زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ
_________________
(١) ١ مختصر ابن الحاجب مع شرحه العضد ٢/٢٣٤. ٢ انظر روضة الناظر ص ٢٩٧، تيسير التحرير ٤/٣٩. ٣ ساقطة من ش. ٤ أخرجه البخاري "١/٤٧" والترمذي "عارضة الأحوذي ١/٤٣" والنسائي "١/٣٧" وابن ماجه "١/١١٤" وأحمد في مسنده "١/٣٨٨" عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس، واللفظ للبخاري. ولفظ الترمذي وأحمد: إنها ركس، ولفظ ابن ماجة: هي ركس، ولفظ النسائي: هذه ركس. ٥ انظر المعتمد ٢/٧٧٧. ٦ في ش: ناقته. ٧ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى والشافعي في مسنده والدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعًا. "انظر صحيح البخاري ٢٧٥، صحيح مسلم ٢/٨٦٥، عارضة الأحوذي ٤/١٧٥، بذل المجهود ١٤/٢٠٧، سنن النسائي ٥/١٥٤، مسند أحمد ١/٢١٥، سنن البيهقي ٣/٣٩٠، سنن ابن ماجة ٢/١٠٣٠، مسند الشافعي ١/٢٠٥، سنن الدارقطني ٢/٢٩٦".
[ ٤ / ١٢٠ ]
الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا١".
وَوَجْهُ كَوْنِهَا مُلْحَقَةً بِالْفَاءِ آكَدَ٢ لِدَلالَتِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا سَبَبٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَهَا.
وَعِنْدَ الْبَيْضَاوِيِّ٣ وَابْنِ السُّبْكِيّ٤ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِـ "إنَّ" مِنْ قِسْمِ٥ الظَّاهِرِ.
وَعِنْدَ ابْنِ الْبَنَّاءِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِسْمِ٦ الإِيمَاءِ.
"وَزِيدَ" أَيْ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي قِسْمِ الصَّرِيحِ "الْمَفْعُولَ لَهُ" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ٧ لأَنَّ ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ.
"وَ" مِنْ النَّصِّ أَيْضًا٨ مَا هُوَ "ظَاهِرٌ" وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ٩ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا "كَاللاَّمِ".
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي "٤/٦٥" من حديث عبد الله بن ثعلبة مرفوعًا وأحمد في مسنده "٥/٤٣١" من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا، وروى بعضه الشافعي في مسنده "١/٢٠٥" عن عبد الله بن ثعلبة مرفوعًا، وانظر ارواء الغليل ٣/١٦٨. ٢ ساقطة من ش. ٣ منهاج الوصول مع شرحه للأسنوي ٣/٤٠. ٤ الابهاج ٣/٣١، جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٢٦٥. ٥ في ع ز ب: قسيم. ٦ في ع ز: قسيم. ٧ الآية ١٩ من البقرة. ٨ ساقطة من ز. ٩ في ز ب ش: العلية.
[ ٤ / ١٢١ ]
ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ "ظَاهِرَةً"، أَيْ مَلْفُوظًا بِهَا، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْك لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ ١ ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٢ ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٣ وَهُوَ كَثِيرٌ.
"وَ" تَارَةً تَكُونُ "مُقَدَّرَةً" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٤ أَيْ: لأَنْ كَانَ.
وَمِنْهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ٥ فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ مِنْ قَوْلِ الأَنْصَارِيِّ٦ لَمَّا خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ٧ " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك!
_________________
(١) ١ الآية الأولى من سورة إبراهيم. ٢ الآية ٧٨ من الإسراء. ٣ الآية ٩٥ من المائدة. ٤ الآيتان ١٣، ١٤ من القلم. ٥ صحيح البخاري ٣/٧٦، صحيح مسلم ٤/١٨٣٠،. وفي ش: الصحيح. ٦ اختلف العلماء في الأنصاري الذي نازع الزبير في شراج الحرة فقال الداودي: كان من الأنصار نسبًا لا دينًا، لأنه كان منافقًا. وقال القرطبي: ويحتمل أن لا يكون منافقًا، لكنها بادرة وزلة من الشيطان. "إكمال إكمال المعلم ٦/١٤٦" وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات "٢/٣١٢": "قال ابن باطيش: هو حاطب بن أبي بلتعة. وقيل: ثعلبة بن حاطب. وقيل: حميد. وقوله في حاطب لا يصح، فإنه ليس أنصاريًا، وقد ثبت في صحيح البخاري أن هذا الأنصاري القائل كان بدريًا". ٧ جاء في شرح الأبي على صحيح مسلم نقلًا عن القرطبي: "الشِراج: جمع شرجة، وهو مسيل الماء إلى الشجر. والحرّة حرة المدينة، موضع معروف بها، وأضاف الشِرَاج إليها، لأن منها جاء السيل، والمخاصمة في الماء الذي كان يسيل منها". "إكمال إكمال المعلم ٦/١٤٦".
[ ٤ / ١٢٢ ]
وَكَمَا يُقَالُ فِي الْكَلامِ: أَنْ كَانَ كَذَا. فَالتَّعْلِيلُ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللاَّمِ الْمُقَدَّرَةِ لا مِنْ " أَنْ".
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا " إذَا كَانَ " الْوَاقِعُ بَعْدَ١ " أَنْ ": " كَانَ " وَحُذِفَتْ وَاسْمُهَا وَبَقِيَ خَبَرُهَا، وَعُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ " مَا " كَقَوْلِهِ٢:
أَبَا خُرَاشَةَ، أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلْهُمْ الضَّبُعُ٣
أَيْ لأَنْ كُنْت ذَا نَفَرٍ؟
وَإِنَّمَا لَمْ تُجْعَلْ اللاَّمُ وَمَا سَيَأْتِي٤ بَعْدَهَا مِنْ الصَّرِيحِ؛ لأَنَّ كُلًاّ مِنْهَا٥ لَهُ٦ مَعَانٍ غَيْرُ التَّعْلِيلِ.
_________________
(١) ١ في ش: بعده. ٢ في ض: كقول الشاعر. ٣ البيت لعباس بن مرداس السلمي الصحابي، نسبه له ابن مالك في شرح الكافية الشافية والسيوطي في شرح شواهد المغني والبغدادي في الخزانة، وهو من شواهد سيبويه والجوهري في الصحاح. وقد قاله الشاعر مع أبيات يخاطب بها خفاف بن ندبة، أبا خراشة في ملاحاة وقعت بينهما، ومعناه: يا أبا خراشة إن كنت كثير القوم، وكنت معتزًا بجماعتك، فإن قومي موفورون كثير العدد، لم تأكلهم السنة الشديدة، ولم يضعفهم الجدب، ولم تنل منهم الأزمات. "انظر خزانة الأدب ٢/٨١، شرح شواهد المغني للسيوطي ١/١١٦، شرح الكافية الشافية ١/٤١٨، الكتاب لسيبويه ١/١٤٨، أوضح المسالك ١/١٨٨، الصحاح ٣/١٠٠٤". ٤ في ع: يأتي. ٥ في ش ب ع: منهما. ٦ ساقطة من ض.
[ ٤ / ١٢٣ ]
"وَالْبَاءِ" عَطْفٌ عَلَى " كَاللاَّمِ١ " نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢ أَيْ بِسَبَبِ الرَّحْمَةِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
فَهِيَ - وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَعْنَاهَا الإِلْصَاقَ وَلَهَا مَعَانٍ غَيْرُهُ - فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي التَّعْلِيلِ.
وَ٤عِنْدَ الأَصْحَابِ٥ وَغَيْرِهِمْ٦ "إنْ قَامَ دَلِيلٌ أَنَّهُ" أَيْ إنَّ٧ الْمُتَكَلِّمَ "لَمْ يَقْصِدْ" بِكَلامِهِ "التَّعْلِيلَ" فَاسْتِعْمَالُ أَدَاةِ التَّعْلِيلِ فِيمَا لا يَصْلُحُ عِلَّةً "مَجَازٌ"٨.
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صَلاحِيَّتِهِ عِلَّةً "كَ" أَنْ يُقَالَ لِفَاعِلِ شَيْءٍ٩ "لِمَ فَعَلْت؟ فَيَقُولُ: لأَنِّي أَرَدْت" فَإِنَّ هَذَا لا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الاصْطِلاحِ: هُوَ١٠ الْمُقْتَضِي
_________________
(١) ١ في ز: اللام. ٢ الآية ١٥٩ من آل عمران. ٣ الآية ٨٢ من التوبة و٩٥ من التوبة. ٤ ساقطة من ض. ٥ انظر: روضة الناظر ص ٢٩٦، مختصر البعلي ص ١٤٦، مختصر الطوفي ص ١٥٧. ٦ انظر: الإحكام للآمدي ٣/٣٦٦، المستصفى ٢/٢٨٨. ٧ ساقطة من ش. ٨ أي تكون مجازًا فيما قصد بها. "الإحكام للآمدي". ٩ في ش: شيء. ١٠ في ش: هي.
[ ٤ / ١٢٤ ]
الْخَارِجِيُّ لِلْفِعْلِ، أَيْ الْمُقْتَضِي لَهُ مِنْ خَارِجٍ. وَالإِرَادَةُ إمَّا١ مُوجِبَةٌ لِلْفِعْلِ أَوْ مُصَحِّحَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ "لأَنِّي أَرَدْت" اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ٢ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا.
"وَ" مِنْ النَّصِّ أَيْضًا "إيمَاءٌ وَتَنْبِيهٌ" يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ:
الأَوَّلُ: الصَّرِيحُ، وَالثَّانِي: الظَّاهِرُ، وَالثَّالِثُ: الإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ.
وَالإِيمَاءُ: هُوَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ - أَوْ نَظِيرُهُ - لِلتَّعْلِيلِ لَكَانَ ذَلِكَ الاقْتِرَانُ بَعِيدًا مِنْ فَصَاحَةِ كَلامِ الشَّارِعِ، وَكَانَ إتْيَانُهُ٣ بِالأَلْفَاظِ٤ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، مَعَ كَوْنِ كَلامِ الشَّارِعِ مُنَزَّهًا٥ عَنْ٦ الْحَشْوِ الَّذِي لا فَائِدَةَ فِيهِ٧.
وَيَتَنَوَّعُ الإِيمَاءُ إلَى أَنْوَاعٍ أُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
"وَمِنْ أَنْوَاعِهِ: تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ، مِنْ كَلامِ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ"٨.
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ في ض: للفظ. ٣ في ش: اثباته. ٤ في ش: الألفاظ. ٥ في ش ض ب: منزه. ٦ في ع: من. ٧ في ز: منه. ٨ انظر "مناهج العقول ٣/٤٢، نهاية السول ٣/٤٤، الابهاج ٣/٢٢، المستصفى =
[ ٤ / ١٢٥ ]
"فَإِنَّهَا" أَيْ الْفَاءَ "لِلتَّعْقِيبِ ظَاهِرًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ السَّبَبِيَّةُ" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ ١ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ٢ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٣ وَنَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ٤.
فَالْفَاءُ فِي الآيَاتِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالْحُكْمُ مُتَقَدِّمٌ، وَتَقَدُّمُ الْعِلَّةِ ثُمَّ مَجِيءُ الْحُكْمِ بِالْفَاءِ أَقْوَى٥ مِنْ عَكْسِهِ.
وَتَارَةً تَأْتِي "الْفَاءُ" فِي غَيْرِ كَلامِ الشَّارِعِ، كَقَوْلِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ٦ ﵁ سَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) = ٢/٢٩٢، فواتح الرحموت ٢/٢٩٦، الإحكام للآمدي ٣/٣٦٧، المعتمد ٢/٧٧٦، التمهيد للآسنوي ص ٤٥٦، اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص ٥٦، مختصر البعلي ص ١٤٦، روضة الناظر ص ٢٩٧، المنخول ص ٣٤٣، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٣، مختصر الطوفي ص ١٥٧، مفتاح الوصول ص ١٤٨، شفاء الغليل ص ٢٧، تيسير التحرير ٤/٣٩، اللمع ص ٦٢، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٨٣، المحصول ٢/٢/١٩٧، شرح العضد ٢/٢٣٤، ارشاد الفحول ص ٢١٢، نشر البنود ٢/١٥٦". ١ الآية ٢٢٢ من البقرة. ٢ الآية ٣٨ من المائدة. ٣ الآية ٢ من النور. ٤ في ش: ناقته. ٥ في ض: أولى. ٦ هو الصحابي الجليل عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، أبو =
[ ٤ / ١٢٦ ]
فَسَجَدَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد١ وَغَيْرُهُ٢. زَنَى مَاعِزٌ٣ فَرُجِمَ٤.
وَلا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّاوِي صَحَابِيًّا أَوْ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُمَا؛ لَكِنْ إذَا كَانَ صَحَابِيًّا٥ فَقِيهًا كَانَ أَقْوَى.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ الرَّاوِي: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ! أَوْ حَمَلَ
_________________
(١) = نُجيد، أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، وكان من فضلاء الصحابة، غزا مع النبي ﷺ غزواته، وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، ثم استقضاء عليها عبد الله بن عامر، فقضى أيامًا ثم استعفى، وكان مجاب الدعوة، توفي في البصرة سنة ٥٢هـ. "انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ٢/٣٦، طرح التثريب ١/٩٠، مشاهير علماء الأمصار ص ٣٧، المطلع للبعلي ص ٤٤٨، العقد الثمين ٦/٤٢٠، الاستيعاب ٣/١٢٠٨، أسد الغابة ٤/١٣٧، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤٤، سير أعلام النبلاء ٢/٥٠٨، شذرات الذهب ١/٥٨". ١ سنن أبي داود مع شرحه بذل المجهود ٥/٤٢٤. ٢ أخرجه أيضًا ابن خزيمة "٢/١٣٤" والبيهقي "٢/٣٥٥" والترمذي "عارضة الأحوذي ٢/١٨٦" والنسائي "٣/٢٢". ٣ هو ماعز بن مالك الأسلمي الذي اعترف بالزنا فرجم في عهد النبي ﷺ تائبًا. قال ابن عبد البر: هو معدود في المدنيين. كتب له رسول الله ﷺ كتابًا بإسلام قومه. "تهذيب الأسماء واللغات ٢/٧٥". ٤ أخرجه البخاري "٨/٢٢" ومسلم "٣/١٣١٩" وابو داود "بذل المجهود ١٧/٣٨١" عن جابر بن سمرة، وأخرجه ابن ماجة "٢/٨٥٤" وأبو داود "بذل المجهود ١٧/٣٨٥" والترمذي "عارضة الأحوذي ٦/٢٠٢" عن أبي هريرة، وقد روي أيضًا عن بريدة الأسلمي وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ونعيم بن هزال. "انظر المراجع السابقة والمستدرك ٤/٣٦٢، ٣٦٣، سنن البيهقي ٦/٨٣، مسند أحمد ٥/٢١٧، ١/٢٧٠". ٥ في ش: صحابيًا أو.
[ ٤ / ١٢٧ ]
حَدِيثًا رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، لا يُعْمَلُ بِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ. فَكَيْفَ إذَا قَالَ لِلرَّاوِي سَهَا فَسَجَدَ وَنَحْوُهُ يُعْمَلُ بِهِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ١؟!
فَالْجَوَابُ٢: أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ فَهْمِ الأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، لا أَنَّهُ٣ يَرْجِعُ لِلاجْتِهَادِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ وَنَحْوُهُ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا: يُعْمَلُ بِهِ، حَمْلًا عَلَى الرَّفْعِ، لا عَلَى الاجْتِهَادِ.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَإِذَا رَتَّبَ الشَّارِعُ حُكْمًا عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ، إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَتُفِيدُ تَعْقِيبَ٤ حُكْمِ٥ الْوَصْفِ، وَأَنَّهُ سَبَبُهُ، إذْ السَّبَبُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِبَهُ. وَلِهَذَا تُفْهَمُ السَّبَبِيَّةُ - مَعَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ كَ "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ".
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذَا نَوْعٌ٦ مِنْ الإِيمَاءِ.
وَقِيلَ: مِنْ أَقْسَامِ الصَّرِيحِ.
وَقِيلَ: مِنْ أَقْسَامِ الظَّاهِرِ.
_________________
(١) ١ في ش: اجتهاده. ٢ في ش: والجواب. ٣ في ش: لأنه. ٤ في ز: تعقب. ٥ في ش: الحكم. ٦ في ش: النوع نوع.
[ ٤ / ١٢٨ ]
"وَ" مِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ أَيْضًا "تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ".
نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ١ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ٢ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٣ أَيْ لِتَقْوَاهُ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤ "مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا - إلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ - نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ٥" وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ. فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ شَرْطَهُ وَيُلازِمُهُ، وَلا مَعْنَى لِلسَّبَبِ إلاَّ مَا يَسْتَعْقِبُ الْحُكْمَ وَيُوجَدُ بِوُجُودِهِ٦.
"وَ" مِنْ أَنْوَاعِهِ أَيْضًا "ذِكْرُ حُكْمٍ جَوَابًا لِسُؤَالٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ"
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ من الأحزاب. ٢ الآية ٣١ من الأحزاب. ٣ الآية ٢ من الطلاق. ٤ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وعبد الرزاق في مصنفه وغيرهم "انظر صحيح مسلم ٣/١٢٠٢، بذل المجهود ١٣/٩١، عارضة الأحوذي ٦/٢٨٤، سنن النسائي ٧/١٦٥، سنن ابن ماجة ٢/١٠٦٩، مصنف عبد الرزاق ١٠/٤٣٢" ٥ في ض: قيراط. ٦ انظر: المستصفى ٢/٢٩٠، المعتمد ٢/٧٧٨، مختصر البعلي ص ١٤٦، روضة الناظر ص ٢٩٨، مختصر الطوفي ص ١٥٨، ارشاد الفحول ص ٢١٣.
[ ٤ / ١٢٩ ]
السُّؤَالُ "عِلَّتَهُ١" أَيْ عِلَّةَ الْحُكْمِ٢ لَ "كَانَ اقْتِرَانُهُ" أَيْ السُّؤَالِ "بِهِ" أَيْ بِالْحُكْمِ "بَعِيدًا شَرْعًا وَلُغَةً" أَيْ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ "وَلَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ" أَيْ وَلَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ تَأْخِيرُ٣ الْبَيَانِ "عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ"٤.
"كَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ "وَاقَعْت أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً" أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ٥. وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ٦.
فَكَأَنَّهُ قِيلَ: كَفِّرْ؛ لِكَوْنِك وَاقَعْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَكَانَ الْحَذْفُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ٧ الْحُكْمُ لَفْظًا مَوْجُودًا هُنَا. فَيَكُونُ
_________________
(١) ١ في ض: علة. ٢ ساقطة من ش ز. ٣ في ش: تأخر. ٤ انظر: "الإحكام للآمدي ٣/٣٦٨، المعتمد ٢/٧٧٧، التمهيد للأسنوي ص ٤٥٨، مختصر البعلي ص ١٤٦، روضة الناظر ص ٢٩٩، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٣، مختصر الطوفي ص ١٥٨، مفتاح الوصول ص ١٤٧، شفاء الغليل ص ٣٢، تيسير التحرير ٤/٤١، المحصول ٢/٢/٢٠٤، شرح العضد ٢/٢٣٤، ارشاد الفحول ص ٢١٢، نشر البنود ٢/١٦٠، نهاية السول ٣/٤٨، مناهج العقول ٣/٤٦، الابهاج ٣/٣٥، حاشية البناني ٢/٢٦٦، فواتح الرحموت ٢/٢٩٦". ٥ انظر صحيح البخاري ٢/٢٣٦، صحيح مسلم ٢/٧٨٢، سنن أبي داود مع شرحه بذل المجهود ١١/٢٢٢، سنن الترمذي مع عارضة الأحوذي ٣/٢٥٠، سنن الدارمي ٢/١١، وانظر سنن البيهقي ٤/٢٢١، مسند أحمد ٢/٢٤١، ٥١٦، سنن الدارقطني ٢/١٩٠، الموطأ ١/٢٩٦. ٦ سنن ابن ماجة ١/٥٣٤. ٧ في ش ز ع: به. وفي ب: عنه.
[ ٤ / ١٣٠ ]
مَوْجُودًا تَقْدِيرًا.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُ خُلُوُّ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
"وَيُسَمَّى" هَذَا النَّوْعُ "إنْ حُذِفَ" مِنْهُ "بَعْضُ الأَوْصَافِ" الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْجَوَابُ؛ لِكَوْنِهِ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلَّةِ، كَكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا أَوْ زَيْدًا، وَكَوْنِ الْمُجَامَعَةِ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً، أَوْ فِي قُبُلِهَا، وَكَوْنِهِ١ شَهْرَ تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ غَيْرِهَا "تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ".
فَالتَّنْقِيحُ٢ لُغَةً: التَّخْلِيصُ٣ وَالتَّهْذِيبُ. يُقَالُ: نَقَحْت الْعَظْمَ إذَا اسْتَخْرَجْت مُخَّهُ٤.
وَالْمَنَاطُ: مَفْعَلٌ مِنْ نَاطَ نِيَاطًا٥ أَيْ عَلَّقَ٦.
٧وَالْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ.
فَمَعْنَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ: الاجْتِهَادُ٧ فِي تَحْصِيلِ الْمَنَاطِ الَّذِي رَبَطَ بِهِ الشَّارِعُ الْحُكْمَ، فَيَبْقَى مِنْ الأَوْصَافِ مَا يَصْلُحُ وَيُلْغَى مَا لا
_________________
(١) ١ في ش: وكونها. ٢ في ع: والتنقيح. ٣ في ب د ض: التلخيص. ٤ أنظر المصباح المنير ٢/٧٦٠، لسان العرب ٢/٦٢٤، الصحاح ١/٤١٣. ٥ أنظر الصحاح ٣/١١٦٥، لسان العرب ٧/٤١٨، المصباح المنير ٢/٧٧٤. ٦ ساقطة من ش. ٧ ساقطة من ش.
[ ٤ / ١٣١ ]
يَصْلُحُ١.
وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ. وَأَجْرَاهُ٢ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ، مَعَ مَنْعِهِ الْقِيَاسَ فِيهَا.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ - كَالتَّاجِ٣ السُّبْكِيّ وَالْبِرْمَاوِيِّ وَغَيْرِهِمَا - أَنَّهُ أَجْوَدُ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ بِأَنْ يُبَيِّنَ إلْغَاءَ٤ الْفَارِقِ.
"وَمِنْهَا" أَيْ وَ٥مِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ "تَقْدِيرُ الشَّارِعِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ" ذَلِكَ الْوَصْفُ "لِلتَّعْلِيلِ كَانَ" تَقْدِيرُهُ "بَعِيدًا" إذْ "لا فَائِدَةَ فِيهِ" أَيْ فِي التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ٦.
_________________
(١) ١ أنظر معنى تنقيح المناط عند الأصوليين في "المسودة ص ٣٨٧، مفتاح الوصول ص ١٤٧، تيسير التحرير ٤/٤٢، ارشاد الفحول ص ٢٢١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٩٢، الابهاج ٣/٥٦، فواتح الرحموت ٢/٢٩٨، المحصول ٢/٢/٣١٥، التلويح على التوضيح ٢/٥٨٠، شفاء الغليل ص ٤١١، روضة الناظر ص ٢٧٧، نشر البنود ٢/٢٠٤، نهاية السول ٣/٧٤، مناهج العقول ٣/٧٣". ٢ في ش: وقد أجره. ٣ أنظر الابهاج للتاج السبكي ٣/٥٦. ٤ ساقطة من ش. ٥ شاقطة من ع. ٦ أنظر "الإحكام للآمدي ٣/٣٧٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٠، الفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢١١، المعتمد ٢/٧٧٦، ٧٧٨، مختصر البعلي ص ١٤٧، روضة الناظر ص ٢٩٩، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٤، مختصر الطوفي ص ١٥٨، مفتاح الوصول ص ١٤٦، شفاء الغليل ص ٣٩ وما بعدها، المحصول ٢/٢/٢٠٦، شرح العضد ٢/٢٣٥، البرهان ٢/٨٠٧، نشر البنود ٢/١٦١، نهاية السول ٣/٤٩، مناهج العقول ٣/٤٦، الابهاج ٣/٣٦، المستصفى ٢/٢٨٩، فواتح الرحموت ٢/٢٩٨".
[ ٤ / ١٣٢ ]
وَيَكُونُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ:
"إمَّا فِي السُّؤَالِ، كَقَوْلِهِ ﷺ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ – "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ فَنَهَى عَنْهُ" بِأَنْ قَالَ: "فَلا إذًا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد١ وَالتِّرْمِذِيُّ٢ وَالنَّسَائِيُّ٣ وَابْنُ مَاجَهْ٤ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ٥.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرُ نُقْصَانِ الرُّطَبِ بِالْجَفَافِ لأَجْلِ التَّعْلِيلِ، لَكَانَ تَقْدِيرُهُ بَعِيدًا، إذْ لا فَائِدَةَ فِيهِ، لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْجَوَابِ عَلَيْهِ.
"أَوْ" إمَّا "فِي نَظِيرِ مَحَلِّهِ" أَيْ مَحَلِّ السُّؤَالِ٦.
"كَقَوْلِهِ ﷺ لِلسَّائِلَةِ" وَهُوَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
_________________
(١) ١ سنن أبي داود مع شرحه بذل المجهود ١٥/١٧. ٢ سنن الترمذي مع شرحه عارضة ألأحوذي ٥/٢٣٣. ٣ سنن النسائي ٧/٢٣٦. ٤ سنن ابن ماجة ٢/٧٦١. ٥ المستدرك ٢/٣٨. * والحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ "٢/٦٢٤" وأحمد في مسنده "١/١٧٥" والبيهقي في السنن الكبرى "٥/٢٩٤" والشافعي في مسنده "٢/١٥٩" والرسالة ص ٣٣٢، وابن حزم في الإحكام "٧/١٠٠٨"، والخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٢١١" والدارقطني "٣/٤٩" وعبد الرزاق في مصنفه "٨/٣٢" وغيرهم، أنظر تخريج أحاديث المنهاج للعراقي ص ٣٠٥. ٦ أنظر: المستصفى ٢/٢٩٠، شرح العضد ٢/٢٣٥، شفاء الغليل ص ٤٥، روضة الناظر ص ٣٠٠.
[ ٤ / ١٣٣ ]
إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ. فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: " حُجِّي١ عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٢.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ٣: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ الْخَثْعَمِيَّةُ:
_________________
(١) ١ في د ز ب: فحجي. ٢ أخرجه البخاري "٢/٢١٨" وابن خزيمة "٤/٣٤٣" عن ابن عباس ﵁، وهو غير موجود في صحيح مسلم، وقد روى نحوه أحمد في مسنده "١/٣٤٥" والنسائي "٥/٨٧" وابن خزيمة أيضًا "٤/٣٤٦" عن ابن عباس ﵁ أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: "أرأيت لو كان على أختك دين، أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء". ٣ حديث المرأة الخثعمية رواه أصحاب الكتب الستة بغير هذا السياق الذي ذكره المصنف، ورواياتهم له لا تصلح شاهدًا لما ضربه المصنف من مثال "أنظر صحيح البخاري ٢/٢١٨، صحيح مسلم ٣/٩٧٣، عارضة الأحوذي ٤/١٥٧، بذل المجهود ٩/٢٠، سنن ابن ماجة ٢/٩٧١" ويؤكد ذلك قول الحافظ ابن كثير في كتابه تحفة الطالب بمعرفة أحاديث ابن الحاجب ص ٣٨٤ بعد أن ساق الحديث بنفس ألفاظ المصنف: "حديث الخثعمية رواه أهل الكتب الستة ولم أره في شيء منها بهذا السياق". غير أن النسائي في المجتبى روى نحوه أحاديث تصلح أمثلة وشواهد لما ذكره المؤلف: منها حديث عبد الله بن عباس أن رجلًا سأل النبي ﷺ: إن أبي أدركه الحج وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت! أفأحج عنه؟ قال: "أفرأيت لو كان عليه دين فقضيته أكان مجزئًا؟ " قال: نعم، قال: "فحج عن أبيك". "سنن النسائي ٥/٨٩، ٨/٢٠٢" وأخرج نحوه البيهقي في سننه الكبرى "٤/٣٢٩" والنسائي أيضًا "٥/٨٩" عن عبد الله بن الزبير. =
[ ٤ / ١٣٤ ]
إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُهُ١ إنْ حَجَجْت عَنْهُ؟ قَالَ: "أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ٢، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ.
فَنَظِيرُهُ فِي الْمَسْئُولِ عَنْهُ كَذَلِكَ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ الآدَمِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالْفَرْعِ وَهُوَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَالْعِلَّةِ وَهُوَ قَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ، فَقَدْ جَمَعَ فِيهِ ﷺ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ كُلَّهَا.
"وَمِنْهَا" أَيْ وَمِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ أَيْضًا "تَفْرِيقُهُ ﷺ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا" أَيْ ذِكْرِ الْحُكْمَيْنِ٣.
_________________
(١) = ومنها حديث الفضل بن العباس أنّ رجلًا قال: يا رسول الله أمّي عجوز كبيرة، إن حملتها لم تستمسك، وإن ربطتها خشيت أن أقتلها. فقال ﷺ: " أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فحج عن أمك". "سنن النسائي ٥/٩١، ٨/٢٠٢". ومنها حديث عبد الله بن عباس قال قال رجل: يا رسول الله، إنّ أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: " أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فدين الله أحق". "سنن النسائي ٥/٨٩". ١ في ش: أفينفعه. ٢ في ش: فقضيته. ٣ أنظر "الإحكام للآمدي ٣/٣٧٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٠، الفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢١٢، المعتمد ٢/٧٧٨، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٤، شفاء الغليل ص ٤٦، تيسير التحرير ٤/٤٥، المحصول ٢/٢/٢١٠، شرح العضد ٢/٢٣٥، ارشاد الفحول ص ٢١٢، نشر البنود ٢/١٦١، نهاية السول ٣/٤٩، مناهج العقول ٣/٤٧، الابهاج ٣/٣٦، حاشية البناني ٢/٢٦٧، المستصفى ٢/٢٩٠، فواتح الرحموت ٢/٢٩٧".
[ ٤ / ١٣٥ ]
"كَـ: "لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ١".
"أَوْ" مَعَ "ذِكْرِ أَحَدِهِمَا" أَيْ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ "كَ" حَدِيثِ "الْقَاتِلُ لا يَرِثُ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ٢.
"أَوْ" تَفْرِيقُهُ ﷺ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ "بِشَرْطٍ وَجَزَاءٍ٣، نَحْوَ" قَوْلِهِ ﷺ "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَوْصَافُ٤، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَدًا
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود "بذل المجهود ١٢/٣٤٠" من حديث مجمع بن جارية الأنصاري وضعّفه، وهو يفيد أن للفارس سهمين، أحدهما لفرسه والثاني له، وهو مخالف لما صح عن النبي ﷺ أن للفارس ثلاثة أسهم، إذ روى البخاري في صحيحه "٥/٧٩" عن نافع عن ابن عمر قال "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا". قال نافع: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن له فرس فله سهم، وأخرج مسلم في صحيحه "٣/١٣٨٣" والدارقطني "٤/١٠٢" وأحمد في مسنده "٢/٢" عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهمًا. وقد بينت روايات البيهقي "٦/٣٢٥" والدارقطني "٤/١٠٢" وأحمد "٢/٤١" وأبي داود "بذل المجهود ١٢/٣٣٣" وابن ماجة "٢/٩٥٢" ذلك المراد إذ جاء فيها عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان وللرجل سهم". وانظر "إرواء الغليل ٥/٦٠". ٢ سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٨/٢٥٩، وقد أخرجه أيضًا ابن ماجة "٢/٨٨٣" والبيهقي "٦/٢٢٠" والدارقطني "٤/٩٦" عن أبي هريرة مرفوعًا. ٣ أنظر "المعتمد ٢/٧٧٨، الإحكام للآمدي ٣/٣٧٤، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٤، تيسير التحرير ٤/٤٥، المحصول ٢/٢/٢١١، شرح العضد ٢/٢٣٥، نشر البنود ٢/١٦٢، نهاية السول ٣/٤٩، الابهاج ٣/٣٦، حاشية البناني ٢/٣٦٧، فواتح الرحموت ٢/٢٩٧". ٤ كذا في جميع النسخ. وهو تصحيف، والصواب ما جاء في رواية مسلم والدارقطني والبيهقي: الأصناف.
[ ٤ / ١٣٦ ]
بِيَدٍ١". "أَوْ" تَفْرِيقُ الشَّارِعِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ "بِغَايَةٍ٢ نَحْوَ" قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ٣﴾ ".
"أَوْ" تَفْرِيقُ الشَّارِعِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ "بِاسْتِثْنَاءٍ٤ نَحْوَ" قَوْله تَعَالَى: ﴿إلاَّ أَنْ يَعْفُونَ٥﴾ ".
"أَوْ" تَفْرِيقُ الشَّارِعِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ "بِاسْتِدْرَاكٍ٦ نَحْوَ" قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ ٧﴾ ".
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ مسلم والدارقطني والبيهقي عن عبادة بن الصامت مرفوعًا. "صحيح مسلم ٣/١٢١١، سنن البيهقي ٥/٢٨٢، سنن الدارقطني ٣/٢٤". ٢ انظر "نشر البنود ٢/١٦٢، نهاية السول ٣/٤٩، مناهج العقول ٣/٤٨، الابهاج ٣/٣٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٦٧، فواتح الرحموت ٢/٢٩٧، المعتمد ٢/٧٧٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٧٤، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٤، شفاء الغليل ص ٤٨، المحصول ٢/٢/٢١١، شرح العضد ٢/٢٣٥". ٣ الآية ٢٢٢ من البقرة. ٤ انظر "الإحكام للآمدي ٣/٣٧٤، فواتح الرحموت ٢/٢٩٧، المعتمد ٢/٧٧٩، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٤، شفاء الغليلص ٤٨، تيسير التحرير ٤/٤٥، المحصول ٢/٢/٢١١، شرح العضد ٢/٢٣٥، نشر البنود ٢/١٦٣، نهاية السول ٣/٤٩، مناهج العقول ٣/٤٨، الابهاج ٣/٣٦، حاشية البناني ٢/٢٦٧". ٥ الآية ٢٣٧ من البقرة. ٦ انظر "المعتمد ٢/٧٧٩، المحصول ٢/٢/٢١٢، شرح العضد ٢/٢٣٦، الإحكام للآمدي ٣/٣٧٤، نشر البنود ٢/١٦٣، مناهج العقول ٣/٤٨، الابهاج ٣/٣٦، نهاية السول ٣/٤٩، فواتح الرحموت ٢/٢٩٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٦٧". ٧ الآية ٨٩ من المائدة.
[ ٤ / ١٣٧ ]
وَوَجْهُ اسْتِفَادَةِ الْعِلَّةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّفْرِقَةَ لا بُدَّ لَهَا مِنْ فَائِدَةٍ، وَالأَصْلُ عَدَمُ غَيْرِ الْمُدَّعَى، وَهُوَ إفَادَةُ كَوْنِ ذَلِكَ عِلَّةً.
"وَمِنْهَا" أَيْ وَمِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ أَيْضًا "تَعْقِيبُ١ الْكَلامِ" أَيْ تَعْقِيبُ الشَّارِعِ٢ الْكَلامَ٣ الَّذِي أَنْشَأَهُ لِبَيَانِ حُكْمٍ "أَوْ تَضْمِينُهُ" لَهُ بِ "مَا لَوْ٤ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ" الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ "لَمْ يَنْتَظِمْ" الْكَلامُ، وَلَمْ٥ يَكُنْ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ٦.
فَالْمُتَعَقِّبُ لِلْكَلامِ "نَحْوَ" قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٧".
وَاَلَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكَلامُ نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ
_________________
(١) ١ في ض: تعقب. ٢ في ش: الكلام لشارع. ٣ في د ز: للكلام. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ع ب: ولو لم. ٦ انظر "الإحكام للآمدي ٣/٣٧٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٠، الفقيه والمتفقه ١/٢١٣، المعتمد ٢/٧٧٩، مختصر البعلي ص ١٤٧، روضة الناظر ص ٣٠٠، ارشاد الفحول ص ٢١٢، نهاية السول ٣/٤٩، مناهج العقول ٣/٤٨، الابهاج ٣/٣٧، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٦٧ وما بعدها، فواح الرحموت ٢/٢٩٦، المستصفى ٢/٢٨٩". ٧ الآية ٩ من الجمعة.
[ ٤ / ١٣٨ ]
"لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ١ بِلَفْظِ "لا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ، أَوْ لا يَقْضِي [الْقَاضِي٢] بَيْنَ اثْنَيْنِ " وَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ٣ بِلَفْظِ "لا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
فَالآيَةُ إنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ، لا لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ، فَلَوْ لَمْ يُعَلَّلْ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ بِكَوْنِهِ شَاغِلًا عَنْ السَّعْيِ لَكَانَ ذِكْرُهُ لاغِيًا، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِأَحْكَامِ الْجُمُعَةِ.
وَلَوْ لَمْ يُعَلَّلْ النَّهْيُ عَنْ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ اضْطِرَابَ الْمِزَاجِ٤ الْمُقْتَضِي تَشْوِيشَ الْفِكْرِ، الْمُفْضِيَ إلَى الْخَطَإِ فِي الْحُكْمِ غَالِبًا: لَكَانَ٥ ذِكْرُهُ لاغِيًا، إذْ الْبَيْعُ وَالْقَضَاءُ لا يُمْنَعَانِ مُطْلَقًا؛ لِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي غَيْرِ وَقْتِ النِّدَاءِ، وَالْقَضَاءِ مَعَ عَدَمِ الْغَضَبِ أَوْ مَعَ يَسِيرِهِ، فَلا بُدَّ إذًا مِنْ مَانِعٍ، وَلَيْسَ إلاَّ مَا فُهِمَ مِنْ
_________________
(١) ١ ترتيب مسند الشافعي ٢/١٧٧. ٢ زيادة من مسند الشافعي. ٣ لفظ البخاري والبيهقي: لا يقضينّ حكمُ. ولفظ مسلم والنسائي: لا يحكم أحد. ولفظ الترمذي: لا يحكم الحاكم، ولفظ الدارقطني: لا يقضين القاضي، ولفظ أبي داود: لا يقضي الحكم، ولفظ ابن ماجة ورواية للبيهقي: لا يقضي القاضي. "انظر صحيح البخاري ٨/١٠٩، صحيح مسلم ٣/١٣٤٣، سنن ابن ماجة ٢/٧٧٦، سنن الدارقطني ٤/٢٠٦، سنن النسائي ٨/٢٠٩، بذل المجهود ١٥/٢٦٦، عارضة الأحوذي ٦/٧٧، سنن البيهقي ١٠/١٠٥". ٤ في ع: المجاز. ٥ في ش: كان.
[ ٤ / ١٣٩ ]
سِيَاقِ النَّصِّ وَمَضْمُونِهِ، مِنْ شَغْلِ الْبَيْعِ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ فَتَفُوتُ وَاضْطِرَابِ الْفِكْرِ١ لأَجْلِ الْغَضَبِ فَيَقَعُ الْخَطَأُ، فَوَجَبَ إضَافَةُ النَّهْيِ إلَيْهِ.
"وَمِنْهَا" أَيْ وَمِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ أَيْضًا "اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ٢"
"كَـ "أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنْ الْجُهَّالَ" فَإِنَّ الإِكْرَامَ مُنَاسِبٌ لِلْعِلْمِ، وَالإِهَانَةَ مُنَاسِبَةٌ لِلْجَهْلِ؛ لأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلاءِ: تَرْتِيبُ الأَحْكَامِ عَلَى الأُمُورِ الْمُنَاسِبَةِ، وَالشَّرْعُ لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلاءِ، وَلأَنَّهُ قَدْ أُلِفَ مِنْ الشَّارِعِ اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَاتِ دُونَ إلْغَائِهَا. فَإِذَا قَرَنَ بِالْحُكْمِ فِي لَفْظِهِ وَصْفًا مُنَاسِبًا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اعْتِبَارُهُ.
"فَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، كَـ ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ٣﴾ صِحَّتَهُ٤" ٥أَيْ الْبَيْعِ وَهِيَ٦ "مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ
_________________
(١) ١ في ع ز ض ب: الفكرة. ٢ انظر "الإحكام للآمدي ٣/٣٧٥، التمهيد للأسنوي ص ٤٥٥، مختصر البعلي ص ١٤٧، روضة الناظر ص ٣٠٠، مختصر الطوفي ص ١٥٨، شرح العضد ٢/٢٣٦، نهاية السول ٣/٤٦، مناهج العقول ٣/٤٥". ٣ الآية ٢٧٥ من البقرة. ٤ في ع ز ب: أي صحته. ٥ ساقطة من ع ب. ٦ ساقطة من ش ز.
[ ٤ / ١٤٠ ]
حِلِّهِ١"؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حِلِّهِ صِحَّتُهُ "فَ" هُوَ "مُومًى إلَيْهِ"؛ لأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالْوَصْفِ إيمَاءٌ إلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ بِهِ.
"وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ" وَهُوَ كَوْنُ الْحُكْمِ مَذْكُورًا، وَالْوَصْفِ مُسْتَنْبَطًا، وَهَذَا جَارٍ فِي أَكْثَرِ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ "كَحُرِّمَتْ٢ الْخَمْرُ" فَ "الْوَصْفُ" هُنَا - وَهُوَ٣ الإِسْكَارُ - "مُسْتَنْبَطٌ مِنْ التَّحْرِيمِ"، وَهُوَ الْحُكْمُ، وَكَعِلَّةِ الرِّبَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِهِ.
"وَلا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٤، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُعَرِّفُ٥.
وَقِيلَ: بَلَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ.
وَاسْتُدِلَّ لِعَدَمِ الاشْتِرَاطِ٦: أَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ لَمْ يُفْهَمْ التَّعْلِيلُ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ مُنَاسِبٍ، ك " أَهِنْ الْعَالِمَ، وَأَكْرِمْ
_________________
(١) ١ في ش: حكمه. ٢ في ع: كحرمة. ٣ ساقطة من د. ٤ انظر "الإحكام للآمدي ٣/٣٧٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٠، مختصر البعلي ص ١٤٧، مختصر الطوفي ص ١٥٧، شفاء الغليل ص ٤٧، تيسير التحرير ٤/٤١، المحصول ٢/٢/٢٠٠، شرح العضد ٢/٢٣٦، ارشاد الفحول ص ٢١٣، البرهان ٢/٨١٠، نشر البنود ٢/١٦٣، نهاية السول ٣/٤٥، مناهج العقول ٣/٤٣، الإبهاج ٣/٣٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٠، فواتح الرحموت ٢/٢٩٨". ٥ في ع: العرف، وفي ز: المعرفه. ٦ في ش: بأنه.
[ ٤ / ١٤١ ]
الْجَاهِلَ "، وَلَمْ يُلَمْ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْلَكُ "الثَّالِثُ" مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ١ وَهِيَ٢ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعِلِّيَّةِ "السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ".
وَهُوَ: حَصْرُ الأَوْصَافِ" فِي الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "وَإِبْطَالُ مَا لا يَصْلُحُ" بِدَلِيلٍ "فَيَتَعَيَّنُ" أَنْ يَكُونَ "الْبَاقِي عِلَّةً"٣.
وَالسَّبْرُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الاخْتِبَارُ٤، فَالتَّسْمِيَةُ بِمَجْمُوعِ الاسْمَيْنِ وَاضِحَةٌ. وَقَدْ يُقْتَصَرُ عَلَى " السَّبْرِ " فَقَطْ.
وَالتَّقْسِيمُ مُقَدَّمٌ فِي الْوُجُودِ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ تَعْدَادُ الأَوْصَافِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ صَلاحِيَّتُهَا لِلتَّعْلِيلِ ثُمَّ يَسْبُرُهَا٥، أَيْ يَخْتَبِرُهَا٦ لِيُمَيِّزَ٧
_________________
(١) ١ ساقطة من ش. ٢ ساقطة من ش. ٣ انظر كلام الأصوليين على السبر والتقسيم في "التلويح على التوضيح ٢/٥٧٩، البرهان ٢/٨١٥، الإحكام للآمدي ٣/٣٨٠، مختصر البعلي ص ١٤٨، مختصر الطوفي ص ١٦١، المنخول ص ٣٥٠، شرح العضد ٢/٢٣٦، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٨٦، المحصول ٢/٢/٢٩٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٧، تيسير التحرير ٤/٤٦، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٠، المستصفى ٢/٢٩٥، فواتح الرحموت ٢/٢٩٩، نشر البنود ٢/١٦٤، إرشاد الفحول ص ٢١٣، نهاية السول ٣/٧١، مناهج العقول ٣/٧٠، الابهاج ٣/٥٤". ٤ انظر المصباح المنير ١/٣١٢، معجم مقاييس اللغة ٣/١٢٧، الصحاح ٢/٦٧٥. ٥ في ش: تسبرها. ٦ في ش: تختبرها. ٧ في ش: لتميز.
[ ٤ / ١٤٢ ]
الصَّالِحَ لِلتَّعْلِيلِ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ الأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: التَّقْسِيمُ وَالسَّبْرُ؛ لأَنَّ الْوَاوَ - وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ عَلَى التَّرْتِيبِ - لَكِنَّ الْبُدَاءَةَ١ بِالْمُقَدَّمِ أَجْوَدُ.
وَأُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّ السَّبْرَ - وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ التَّقْسِيمِ - فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ٢ عَلَيْهِ٣ أَيْضًا؛ لأَنَّهُ أَوَّلًا يَسْبُرُ الْمَحَلَّ، هَلْ فِيهِ أَوْصَافٌ أَمْ لا؟ ثُمَّ يُقَسِّمُ، ثُمَّ يَسْبُرُ ثَانِيًا، فَقُدِّمَ " السَّبْرُ " فِي اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ السَّبْرِ الأَوَّلِ.
وَأُجِيبُ أَيْضًا: بِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي مَعْرِفَةِ الْعِلِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ السَّبْرُ، وَأَمَّا التَّقْسِيمُ: فَإِنَّمَا هُوَ لاحْتِيَاجِ السَّبْرِ إلَى شَيْءٍ يُسْبَرُ.
وَرُبَّمَا سُمِّيَ بِ "التَّقْسِيمِ الْحَاصِرِ٤"
"وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ" فِي بَيَانِ الْحَصْرِ إذَا مُنِعَ أَنْ يَقُولَ "بَحَثْت فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ" أَيْ غَيْرَ هَذَا الْوَصْفِ "أَوْ" أَنْ يَقُولَ "الأَصْلُ عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لأَنَّهُ ثِقَةٌ٥ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ٦؛ وَلأَنَّ الأَوْصَافَ الْعَقْلِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ لَوْ كَانَتْ لَمَا خَفِيَتْ
_________________
(١) ١ في ش: البدء. ٢ في ض: مقدم. ٣ في ز: على. ٤ في ش: الخاص. ٥ في ش: ثقة من. ٦ في ش: النظر.
[ ٤ / ١٤٣ ]
عَلَى الْبَاحِثِ عَنْهَا١.
مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَوِيَّةِ: بَحَثْت عَنْ أَوْصَافِ الْبُرِّ، فَمَا وَجَدْت مَا يَصْلُحُ عِلَّةً٢ لِلرِّبَوِيَّةِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، إلاَّ الطُّعْمَ أَوْ٣ الْقُوتَ أَوْ الْكَيْلَ، لَكِنَّ الطُّعْمَ وَالْقُوتَ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، فَيَتَعَيَّنُ الْكَيْلُ٤.
أَوْ يَقُولَ: الأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا. فَإِنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ الظَّنُّ الْمَقْصُودُ٥.
"فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ" غَيْرَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ "لَزِمَ" الْمُسْتَدِلَّ "إبْطَالُهُ" إذْ لا يَثْبُتُ الْحَصْرُ الَّذِي قَدْ ادَّعَاهُ بِدُونِهِ٦.
"وَلا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ" بِإِبْدَاءِ وَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى الأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ "بَيَانُ صَلاحِيَّتِهِ" أَيْ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ "لِلتَّعْلِيلِ"
_________________
(١) ١ انظر: المسودة ص ٤٢٦، مختصر البعلي ص ١٤٨، روضة الناظر ص ٣٠٧، شرح العضد ٢/٢٣٦، تيسير التحرير ٤/٤٦، المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/٢٧١، المستصفى ٢/٢٩٦، نشر البنود ٢/١٦٦، ارشاد الفحول ص ٢١٤، مناهج العقول ٣/٧١. ٢ ساقطة من ش ع ز ب. ٣ في ض: و. ٤ شرح العضد ٢/٢٣٦. ٥ شرح العضد ٢/٢٣٦. ٦ أنظر: تيسير التحرير ٤/٤٦، فواتح الرحموت ٢/٢٩٩، شرح العضد ٢/٢٣٦، نشر البنود ٢/١٦٨.
[ ٤ / ١٤٤ ]
وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ إبْطَالُ صَلاحِيَّتِهِ لِلتَّعْلِيلِ؛ لأَنَّ دَلِيلَهُ لا يَتِمُّ إلاَّ بِذَلِكَ١.
"وَلا يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ إلاَّ بِعَجْزِهِ عَنْ إبْطَالِهِ" أَيْ إبْطَالِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ مِنْ الْوَصْفِ، لا بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُعْتَرِضِ الْوَصْفَ، وَإِلاَّ كَانَ كُلُّ مَنْعٍ قَطْعًا، وَالاتِّفَاقُ عَلَى خِلافِهِ٢.
فَإِذَا٣ أَبْطَلَ الْمُسْتَدِلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ مِنْ الْوَصْفِ بَطَلَ.
قَالَهُ٤ الْعَضُدُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ إذَا أَبْطَلَهُ فَقَدْ سَلِمَ حَصْرُهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مِمَّا عَلِمْت أَنَّهُ لا يَصْلُحُ، فَلَمْ أُدْخِلْهُ فِي حَصْرِي.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْحَصْرَ قَطْعًا. بَلْ قَالَ: إنِّي مَا٥ وَجَدْت، أَوْ٦ أَظُنُّ الْعَدَمَ، وَهُوَ فِيهِ صَادِقٌ، فَيَكُونُ كَالْمُجْتَهِدِ٧ إذَا ظَهَرَ لَهُ مَا كَانَ خَافِيًا [عَلَيْهِ] ٨، وَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ٩ اهـ.
_________________
(١) ١ أنظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧١. ٢ أنظر: شرح العضد ٢/٢٣٧، تيسير التحرير ٤/٤٦، نشر البنود ٢/١٦٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧١، فواتح الرحموت ٢/٢٩٩. ٣ في ض: فإذ. ٤ في ش: قاله. ٥ ساقطة من ع. ٦ في ش: بل. ٧ في ش: المجتهد. ٨ زيادة من شرح العضد. ٩ شرح العضد ٢/٢٣٧.
[ ٤ / ١٤٥ ]
"وَالْمُجْتَهِدُ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ" يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِظَنِّهِ، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ، وَيَكُونُ١ مُؤَاخَذًا بِمَا اقْتَضَاهُ ظَنُّهُ فَيَلْزَمُهُ الأَخْذُ بِهِ، وَلا يُكَابِرُ نَفْسَهُ.
"وَمَتَى كَانَ الْحَصْرُ"٢ أَيْ حَصْرُ الأَوْصَافِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ "وَالإِبْطَالُ" مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَرِضِ "قَطْعِيًّا فَالتَّعْلِيلُ" بِذَلِكَ "قَطْعِيٌّ" بِلا خِلافٍ، وَلَكِنَّ هَذَا قَلِيلٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَصْرُ وَالإِبْطَالُ قَطْعِيًّا، بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا ظَنِّيًّا، أَوْ كِلاهُمَا وَهُوَ الأَغْلَبُ "فَ" التَّعْلِيلُ "ظَنِّيٌّ" أَيْ لا يُفِيدُ إلاَّ الظَّنَّ، وَيُعْمَلُ بِهِ فِيمَا لا يُتَعَبَّدُ فِيهِ بِالْقَطْعِ مِنْ الْعَقَائِدِ وَنَحْوِهَا٣.
"وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ" يَعْنِي أَنَّ مِنْ طُرُقِ٤ إبْطَالِ الْمُسْتَدِلِّ لِمَا٥ يَدَّعِيهِ الْمُعْتَرِضُ مِنْ دَعْوَى وَصْفٍ يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ: بِحَذْفِهِ عَنْهُ "الإِلْغَاءُ"٦.
_________________
(١) ١ في ض: فيكون. ٢ في ض: للأوصاف. ٣ أنظر: فواتح الرحموت ٢/٣٠٠، نشر البنود ٢/١٦٦، إرشاد الفحول ص ٢١٣، نهاية السول ٣/٧١، الإبهاج ٣/٥٤. ٤ في ز ض: طرق الحذف. ٥ في ش: بما. ٦ في ش: وإلغاء.
[ ٤ / ١٤٦ ]
"وَهُوَ" أَيْ الإِلْغَاءُ "إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِ" الْوَصْفِ "الْبَاقِي فَقَطْ فِي صُورَةٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ دُونَهُ، فَيَظْهَرُ اسْتِقْلالُهُ" وَحْدَهُ. وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمَحْذُوفَ لا أَثَرَ لَهُ١.
وَقَالَ الآمِدِيُّ: لا يَكْفِي ذَلِكَ فِي اسْتِقْلالِهِ بِدُونِ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ إثْبَاتِ الْعِلَّةِ، وَإِلاَّ لَكَفَى فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي صُورَةِ الإِلْغَاءِ بِالسَّبْرِ فَالأَصْلُ الأَوَّلُ تَطْوِيلٌ بِلا فَائِدَةٍ. وَإِنْ بَيَّنَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، لَزِمَ٢ مَحْذُورٌ آخَرُ، وَهُوَ الانْتِقَالُ٣.
_________________
(١) ١ أنظر: شرح العضد ٢/٢٣٧، فواتح الرحموت ٢/٢٩٩، نشر البنود ٢/١٦٩. ٢ في ع: لزمه. ٣ الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٨٥ باختصار وتصرف. وتمام عبارة الآمدي فيه: "لكن لقائل أن يقول: دعوى استقلال الوصف المستبقى في صورة الإلغاء بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف غير صحيحه. فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافيًا في التعليل بدون ضميمة ما يدل على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيًا في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة، وكذا غيره من الطرق. فإذًا لا بد من بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة. وعند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة.، فإن بيّن الاستقلال في صورة الإلغاء بالاعتبار، وأمكن أن تكون أصلًا لعلته، وتبينا أنّ الأصل الأول لا حاجة إليه، فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلاّ بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار يكون تطويلًا بلا فائدة. وإن بين الاستقلال بطريق آخر فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر، وهو الانتقال في إثبات كون الوصف علة من طريقٍ إلى طريق آخر، وهو شنيع في مقام النظر". اهـ.
[ ٤ / ١٤٧ ]
"وَنَفْيُ الْعَكْسِ كَالإِلْغَاءِ لا عَيْنِهِ" يَعْنِي: أَنَّ نَفْيَ الْعَكْسِ يُشْبِهُ الإِلْغَاءَ. وَلَيْسَ بِإِلْغَاءٍ١؛ لأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ فِي الإِلْغَاءِ لَوْ٢ كَانَ الْمَخْذُوفُ عِلَّةً لانْتَفَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، بَلْ قَصَدَ: لَوْ٣ أَنَّ الْبَاقِيَ جُزْءُ عِلَّةٍ لَمَا اسْتَقَلَّ٤.
"وَمِنْهَا" أَيْ وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ "طَرْدُ الْمَحْذُوفِ مُطْلَقًا" أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ "كَطُولٍ وَقِصَرٍ" فَإِنَّهُمَا لَمْ يُعْتَبَرَا فِي الْقِصَاصِ، وَلا الْكَفَّارَةِ، وَلا الإِرْثِ، وَلا الْعِتْقِ، وَلا التَّقْدِيمِ فِي الصَّلاةِ وَلا غَيْرِهَا، فَلا يُعَلَّلُ بِهِمَا حُكْمٌ أَصْلًا.
"أَوْ" لَيْسَ مُطْلَقًا، وَلَكِنْ "بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ" وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي غَيْرِهِ "كَالذُّكُورِيَّةِ فِي" أَحْكَامِ "الْعِتْقِ" إذْ هِيَ مُلْغَاةٌ فِيهِ، مَعَ كَوْنِهَا٥ مُعْتَبَرَةً فِي الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَوِلايَةِ النِّكَاحِ وَالإِرْثِ، فَلا يُعَلَّلُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ٦.
"وَمِنْهَا" أَيْ وَمِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ "عَدَمُ ظُهُورِ مُنَاسَبَةٍ" بِأَنْ لا
_________________
(١) ١ في ش ز: بالإلغاء. ٢ في ع ض ب: ولو. ٣ في ع ز ض ب: ولو. ٤ أنظر شرح العضد ٢/٢٣٧، فواتح الرحموت ٢/٢٩٩. ٥ في ض: بكونها. ٦ أنظر: شرح العضد ٢/٢٣٨، تيسير التحرير ٤/٤٧، فواتح الرحموت ٢/٣٠٠، نشر البنود ٢/١٦٨، حاشية البناني ٢/٢٧٢.
[ ٤ / ١٤٨ ]
يَظْهَرَ لِلْوَصْفِ الْمَحْذُوفِ وَجْهُ مُنَاسَبَةٍ١
"وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ" أَنْ يَقُولَ "بَحَثْت" فَلَمْ أَجِدْ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ مُنَاسَبَةً.
"فَلَوْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: الْبَاقِي كَذَلِكَ" يَعْنِي أَنَّ الْوَصْفَ الْبَاقِيَ أَيْضًا٢ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ مُنَاسَبَةٌ. "فَإِنْ كَانَ" قَوْلُهُ٣ ذَلِكَ "بَعْدَ تَسْلِيمِ مُنَاسَبَتِهِ" أَيْ تَسْلِيمِ مُنَاسَبَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ٤ "لَمْ يُقْبَلْ" مِنْهُ ذَلِكَ.
"وَقَبْلَهُ" أَيْ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ قَبْلَ تَسْلِيمِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَ "سَبْرُ الْمُسْتَدِلِّ أَرْجَحُ" مِنْ سَبْرِ الْمُعْتَرِضِ؛ لأَنَّ سَبْرَ الْمُسْتَدِلِّ مُوَافِقٌ لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ، وَسَبْرُ الْمُعْتَرِضِ، ٥وَهُوَ قَوْلُهُ: إنِّي بَحَثْت فِي الْوَصْفِ الْمُسْتَبْقَى فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مُنَاسَبَةً قَاصِرٌ٦. وَالْعِلَّةُ الْمُتَعَدِّيَةُ أَرْجَحُ مِنْ الْقَاصِرَةِ.
"وَلَيْسَ لَهُ" أَيْ لِلْمُسْتَدِلِّ "بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ" بَيْنَ الْوَصْفِ الْبَاقِي وَالْحُكْمِ؛ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ انْتِقَالٌ مِنْ السَّبْرِ إلَى الْمُنَاسَبَةِ٧.
_________________
(١) ١ أنظر: نشر البنود ٢/١٦٩، فواتح الرحموت ٢/٣٠٠، حاشية البناني ٢/٢٧٢، شرح العضد ٢/٢٣٨. ٢ ساقطة من ز. ٣ في ش: قولك. ٤ في ش: المستدل وهو قوله إني بحثت في الوصف المستبقى فلم أجد فيه مناسبة. ٥ ساقطة من ش. ٦ ساقطة من ع. وفي ض: قاصرة. ٧ أنظر المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٢.
[ ٤ / ١٤٩ ]
"وَالسَّبْرُ الظَّنِّيُّ حُجَّةٌ مُطْلَقًا١ ٢أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ مُنَاظَرٍ٢.
"وَلَوْ أَفْسَدَ حَنْبَلِيٌّ عِلَّةَ شَافِعِيٍّ" فِي الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ "لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ" أَيْ عِلَّةِ الْحَنْبَلِيِّ، كَتَعْلِيلِ٣ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِغَيْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا الشَّافِعِيُّ وَالْحَنْبَلِيُّ.
وَلَيْسَ إجْمَاعُهُمَا دَلِيلًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمَا٤ "لَكِنَّهُ" أَيْ لَكِنَّ إفْسَادَ عِلَّةِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي هُوَ الْخَصْمُ "طَرِيقٌ لإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ، وَإِلْزَامٌ٥ لَهُ" أَيْ لِلشَّافِعِيِّ "صِحَّةَ عِلَّتِهِ" أَيْ عِلَّةَ٦ الْحَنْبَلِيِّ.
"وَلِكُلِّ حُكْمٍ عِلَّةٌ تَفَضُّلًا" عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَوُجُوبًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالسَّبْرِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ
_________________
(١) ١ أنظر كلام الأصوليين وخلافهم في حجية السبر والتقسيم الطني في "ارشاد الفحول ص ٢١٤، التلويح على التوضيح ٢/٥٧٩، مختصر البعلي ص ١٤٨، اللمع ص ٦٢، الوصول إلى مسائل الأصول ٢/٢٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٨، تيسير التحرير ٤/٤٨، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧١، المستصفى ٢/٢٩٥، فواتح الرحموت ٢/٣٠٠، نشر البنود ٢/١٦٧ وما بعدها". ٢ ساقطة من ش. وفي ع ض: أي سواء كان. وفي ز: أي سواء كان من المستدل أو المعترض. ٣ كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: لتعليل. ٤ أنظر روضة الناظر ص ٣٠٧ وما بعدها. ٥ في ع: والزمه. ٦ ساقطة من ش.
[ ٤ / ١٥٠ ]
وَغَيْرِهِمَا كَوْنُ١ الْحُكْمِ لا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ٢ لِقَوْلِهِ٣ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ: تَعْمِيمُ الرَّحْمَةِ فِي جَمِيعِ٥ مَا جَاءَ بِهِ، وَحِينَئِذٍ لَمْ تَخْلُ الأَحْكَامُ عَنْ فَائِدَةٍ، وَهِيَ الْعِلَّةُ٦.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: كُلُّهَا مُعَلَّلَةٌ وَتَخْفَى٧ نَادِرًا٨.
_________________
(١) ١ في ش: لكون. ٢ قال ابن السبكي: "إنا استقرينا أحكام الشرع فوجدناها على وفق مصالح العباد، وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه، لا بطريق الوجوب عليه، خلافًا للمعتزلة. فحيث ثبت حكم، وهناك وصف صالح لعليّة ذلك الحكم، ولم يوجد غيره، يحصل ظن أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، والعمل بالظن واجب. وقد ادّعى بعضهم الإجماع على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد. قال: وذلك إما بطريق الوجوب عند المعتزلة أو الإحسان عند الفقهاء من أهل السنة. وهذه الدعوى باطلة، لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام بالمصالح، لا بطريق الوجوب ولا الجواز، وهو اللائق بأصولهم. وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة جماهير المتكلمين، والمسألة من مسائل علمهم، وقد قالوا: لا يجوز أن تعلل أفعال الله تعالى، لأنّ من فعل فعلًا لغرضٍ، كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان ذلك الغرض يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون ناقصًا في نفسه، مستكملًا في غيره، ويتعالى الله سبحانه عن ذلك. "الإبهاج ٣/٤٣". ٣ في ع ب: كقوله. ٤ الآية ١٠٧ من الأنبياء. ٥ في ش ض: كل. ٦ قال العضد "٢/٢٣٨": "وظاهر الآية التعميم، أي يفهم منه مراعاة مصالحهم فيما شرع لهم من الأحكام كلها، إذ لو أرسل بحكم لا مصلحة لهم فيه لكان إرسالًا لغير الرحمة، لأنّه تكليف بلا فائدة، مخالف ظاهر العموم". ٧ في ش: وتختفي. ٨ أي تخفى علينا العلة في النادر منها "المسودة ص ٣٩٨".
[ ٤ / ١٥١ ]
قَالَ الْقَاضِي: التَّعْلِيلُ الأَصْلُ، وَ١تُرِكَ٢ نَادِرًا؛ لأَنَّ تَعَقُّلَ الْعِلَّةِ أَقْرَبُ إلَى الْقَبُولِ مِنْ التَّعَبُّدِ؛ وَلأَنَّهُ٣ الْمَأْلُوفُ عُرْفًا. وَالأَصْلُ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ لَهُ، فَيُحْمَلُ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْغَالِبِ٤.
"وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِيهَا" أَيْ فِي عِلَلِ الأَحْكَامِ "إجْمَاعًا"٥.
وَقِيلَ: الأَصْلُ عَدَمُ التَّعْلِيلِ؛ لأَنَّ الْمُوجِبَ الصِّيغَةُ، وَبِالتَّعْلِيلِ يَنْتَقِلُ حُكْمُهُ إلَى مَعْنَاهُ، فَهُوَ كَالْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ.
" الرَّابِعُ " مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ "الْمُنَاسَبَةُ، وَ" يُقَالُ "الإِخَالَةُ"٦.
"وَاسْتِخْرَاجُهَا" أَيْ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ بِذَلِكَ "يُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ" لِمَا فِيهِ مِنْ ابْتِدَاءِ مَا نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ، أَيْ عُلِّقَ عَلَيْهِ.
"وَهُوَ" أَيْ تَخْرِيجُ٧ الْمَنَاطِ "تَعْيِينُ٨ عِلَّةِ الأَصْلِ بِإِبْدَاءِ
_________________
(١) ١ ساقطة من ب ع ز. ٢ في د ض: تركه. ٣ في ز: ولأن. ٤ انظر المسودة ص ٣٩٨. ٥ انظر شرح العضد ٢/٢٣٨، تيسير التحرير ٤/٤٩، الإبهاج ٣/٤٣. ٦ من خالَ بمعنى ظنّ، وقد سميت مناسبة الوصف بالإخالة، لأنه بالنظر إلى ذاتها يُخال، أي يُظَنُّ عليّة الوصف للحكم. "نشر البنود ٢/١٧٠". ٧ في ع: تعيين تخريج. ٨ في ع ض: تعليل.
[ ٤ / ١٥٢ ]
الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الْوَصْفِ"١ يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الأَصْلُ مُشْتَمِلًا عَلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِلْحُكْمِ، فَيَحْكُمُ الْعَقْلُ بِوُجُودِ تِلْكَ الْمُنَاسَبَةِ: أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ كَالإِسْكَارِ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِلْقِصَاصِ.
"وَالْمُنَاسَبَةُ" هُنَا "لُغَوِيَّةٌ" بِخِلافِ الْمُعَرَّفِ٢، وَهُوَ الْمُنَاسَبَةُ، فَإِنَّهَا بِالْمَعْنَى الاصْطِلاحِيِّ، حَتَّى لا يَكُونَ تَعْرِيفًا لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
"وَالْمُنَاسِبُ: مَا تَقَعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ"٣.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَمَعْنَى الْمُنَاسِبِ أَنْ يَكُونَ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَقِبَهُ٤ مَصْلَحَةٌ٥.
_________________
(١) ١ انظر تعريفات الأصوليين لتخريج المناط في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٣، روضة الناظر ص ٢٧٨، نشر البنود ٢/١٧٠، تيسير التحرير ٤/٤٣، الابهاج ٣/٥٨، مختصر الطوفي ص ١٤٦، مناهج العقول ٣/٥٠، شرح العضد ٢/٢٣٩". ٢ في ع ز: العرف. ٣ انظر تعريف المناسب في "المحصول ٢/٢/٢١٨، نهاية السول ٣/٥٢، مناهج العقول ٢/٥٠، مختصر البعلي ص ١٤٨، الإبهاج ٣/٣٨، مفتاح الوصول ص ١٤٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٨٨، شرح العضد ٢/٢٣٩، إرشاد الفحول ص ٢١٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩١، نشر البنود ٢/١٧٣، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٤، التلويح على التوضيح ٢/٥٥٣، ٥٦٥، فواتح الرحموت ٢/٣٠١، كشف الأسرار ٣/٣٥٢". ٤ في الروضة: عقبيه. ٥ روضة النظر ص ٣٠٢.
[ ٤ / ١٥٣ ]
"وَزِيدَ لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ".
قَالَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ: الْمُنَاسِبُ: هُوَ مَا تُتَوَقَّعُ١ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ٢ لِرَابِطٍ مَا٣ عَقْلِيٍّ٤.
وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: اُخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْمُنَاسِبِ، وَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ الْمُهِمَّاتِ؛ لأَنَّ عَلَيْهِ مَدَارَ٥ الشَّرِيعَةِ، بَلْ مَدَارَ الْوُجُودِ، إذْ لا وُجُودَ إلاَّ وَهُوَ٦ عَلَى وَفْقِ الْمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنَّ أَنْوَاعَ الْمُنَاسَبَةِ تَتَفَاوَتُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالْخَفَاءِ٧، وَالظُّهُورِ، فَمَا خَفِيَتْ عَنَّا مُنَاسَبَتُهُ سُمِّيَ تَعَبُّدًا، وَمَا ظَهَرَتْ مُنَاسَبَتُهُ سُمِّيَ مُعَلَّلًا.
فَقَوْلُنَا: الْمُنَاسِبُ٨ مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِبَهُ، أَيْ إذَا وُجِدَ أَوْ إذَا سُمِعَ: أَدْرَكَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ كَوْنَ ذَلِكَ الْوَصْفِ سَبَبًا مُفْضِيًا إلَى مَصْلَحَةٍ مِنْ الْمَصَالِحِ لِرَابِطٍ٩ مَا مِنْ الرَّوَابِطِ الْعَقْلِيَّةِ١٠ بَيْنَ تِلْكَ
_________________
(١) ١ في ش ز ع ب: يتوقع. ٢ في مختصر الطوفي: عقبيه. ٣ ساقطة من ش. ٤ مختصر الطوفي ص ١٥٩. ٥ ساقطة من ض. ٦ في ع: فهو. وفي ز: هو. ٧ ساقطة من ض. ٨ في ز: المناسبة. ٩ ساقطة من ش ز. ١٠ ساقطة من ض.
[ ٤ / ١٥٤ ]
الْمَصْلَحَةِ وَذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِي " لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ ".
مِثَالُهُ: إذَا قِيلَ: الْمُسْكِرُ حَرَامٌ، أَدْرَكَ الْعَقْلُ أَنَّ تَحْرِيمَ السُّكْرِ١ مُفْضٍ إلَى مَصْلَحَةٍ٢، وَهِيَ حِفْظُ الْعَقْلِ مِنْ الاضْطِرَابِ. وَإِذَا قِيلَ: الْقِصَاصُ مَشْرُوعٌ، أَدْرَكَ الْعَقْلُ ٣أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقِصَاصِ سَبَبٌ٤ مُفْضٍ٥ إلَى مَصْلَحَةٍ، وَهِيَ حِفْظُ النُّفُوسِ.
ثُمَّ قَالَ قُلْت: لِرَابِطٍ٦ عَقْلِيٍّ، أَخْذًا مِنْ النَّسَبِ الَّذِي هُوَ الْقَرَابَةُ، فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ هُنَا٧ مُسْتَعَارٌ وَمُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَلا شَكَّ أَنَّ الْمُتَنَاسِبَيْنِ فِي بَابِ النَّسَبِ، كَالأَخَوَيْنِ وَابْنَيْ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ، إنَّمَا٨ كَانَا مُتَنَاسِبَيْنِ٩ لِمَعْنًى رَابِطٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْقَرَابَةُ. فَكَذَلِكَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ هُنَا لا بُدَّ أَنْ١٠ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ
_________________
(١) ١ في ش: المسكر. ٢ في ض ب: المصلحة. ٣ ساقطة من ض. ٤ في ض: سببًا. ٥ في ض: مفضيًا. ٦ في ش: الرابط. ٧ ساقطة من ش. وفي ض: هو. ٨ في ش: وانما. ٩ في ش: مناسبين. ١٠ في ش ز ب: وأن.
[ ٤ / ١٥٥ ]
الْمَصْلَحَةِ رَابِطٌ عَقْلِيٌّ وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ صَالِحًا لِلإِفْضَاءِ إلَى تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ اهـ.
"وَيَتَحَقَّقُ الاسْتِقْلالُ" عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي أَبْدَاهُ هُوَ الْعِلَّةُ "بِعَدَمِ مَا سِوَاهُ بِ" طَرِيقِ "السَّبْرِ" وَلا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: بَحَثْت فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ، وَإِلاَّ يَلْزَمْ الاكْتِفَاءُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَلا قَائِلَ بِهِ، بِخِلافِ مَا سَبَقَ فِي طَرِيقِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمَدَارَ١ هُنَاكَ عَلَى الْحَصْرِ، فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: بَحَثْت فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. وَهُنَا عَلَى أَنَّهُ ظَفِرَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ، فَافْتَرَقَا٢.
"وَ" الْمَعْنَى "الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ"٣:
"قَدْ يُعْلَمُ حُصُولُهُ" يَقِينًا "كَبَيْعٍ" فَإِنَّهُ إذَا كَانَ صَحِيحًا حَصَلَ مِنْهُ الْمِلْكُ٤ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ.
"أَوْ" قَدْ "يُظَنُّ، كَقِصَاصٍ" فَإِنَّ حُصُولَ الانْزِجَارِ٥ عَنْ الْقَتْلِ لَيْسَ قَطْعِيًّا، بِدَلِيلِ وُجُودِ الإِقْدَامِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ
_________________
(١) ١ في ض: الدار. ٢ انظر نشر البنود ٢/١٧٢، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٤. ٣ انظر مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم واختلافها في "الإحكام للآمدي ٣/٣٩١، شرح العضد ٢/٢٤٠، ارشاد الفحول ص ٢١٥، نشر البنود ٢/١٧٤، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٦". ٤ في ش: البيع الملك. ٥ في ش: الارجاء.
[ ٤ / ١٥٦ ]
الْقِصَاصَ مَشْرُوعٌ.
"أَوْ" قَدْ "يُشَكُّ فِيهِ" بِأَنْ يَتَسَاوَى حُصُولُ الْمَقْصُودِ وَعَدَمُ حُصُولِهِ، فَلا يُوجَدُ يَقِينٌ وَلا ظَنٌّ، بَلْ يَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ.
قَالَ صَاحِبُ١ الْبَدِيعِ: وَلا مِثَالَ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ٢.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ٣ مِنْ حَدِّ شَارِبِ الْمُسْكِرِ لِحِفْظِ الْعَقْلِ؛ فَإِنَّ الْمُقْدِمِينَ٤ كَثِيرٌ، وَالْمُجْتَنَبِينَ كَثِيرٌ، فَتَسَاوَى الْمَقْصُودُ وَعَدَمُهُ فِيهِ. وَلِهَذَا مَثَّلَهُ فِي الأَصْلِ بِقَوْلِهِ "كَحَدِّ خَمْرٍ".
_________________
(١) ١ هو أحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء البعلبكي البغدادي، مظفر الدين، أبو العباس، المعروف بابن الساعاتي لكون أبيه عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية، من كبار فقهاء الحنفية، وأحد مدرسي المستنصرية ببغداد. قال ابن الفوطي: "كان عالمًا بالفقه والأصول، عارفًا بالمنقول والمعقول". من مؤلفاته "بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام" وهو كتاب مشترك بين أصول الحنفية وأصول المتكلمين، و"مجمع البحرين ولتقى النهرين" في الفروع و"شرحه" و"نهاية الوصول إلى علم الأصول" وغيرها. توفي سنة ٦٩٤هـ "انظر ترجمته في الفوائد البهية للكنوي ص ٢٦، الجواهر المضية ١/٨٠، كشف الظنون ١/٢٣٥، هدية العارفين ١/١٠٠، الفتح المبين ٢/٩٤، تاريخ علماء المستنصرية ١/٩١، الطبقات السنية ١/٤٦٢". ٢ وقال الآمدي عنه: "فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على طريق التقريب، وذلك كشرع الحدّ على شرب الخمر لحفظ العقل، فإنّ إفضاءه إلى ذلك متردد، حيث انّا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا على وجه الترجيح والغلبة لأحد الفريقين على الآخر في العادة". "الإحكام ٣/٣٩١". ٣ مخصر ابن الحاجب مع شرحه للعضد ٢/٢٤٠. ٤ في ض: المتقدمين.
[ ٤ / ١٥٧ ]
"أَوْ" قَدْ "يُتَوَهَّمُ" حُصُولُهُ، بِأَنْ يَكُونَ عَدَمُ حُصُولِ الْمَقْصُودِ أَرْجَحَ مِنْ حُصُولِهِ "كَنِكَاحِ آيِسَةٍ" مِنْ الْحَيْضِ "لِلتَّوَالُدِ"؛ لأَنَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ عَقْلًا بَعِيدٌ عَادَةً.
وَقِيلَ: لا يُعَلَّلُ بِمَا قَدْ يُشَكُّ فِيهِ أَوْ يُتَوَهَّمُ.
وَالأَظْهَرُ: بَلَى، اتِّفَاقًا١ إنْ ظَهَرَ الْمَقْصُودُ٢. فِي غَالِبِ صُوَرِ الْجِنْسِ، وَإِلاَّ فَلا. لاحْتِمَالِ٣ التَّرَتُّبِ وَعَدَمِهِ سَوَاءً، أَوْ عَدَمُهُ أَرْجَحُ.
وَفِي الْفُنُونِ وَغَيْرِهِ: السَّفَرُ مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُهَا. وَلِذَا٤ تَحْسُنُ التَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ لِلْجَمِيعِ٥، كَالْمَرْضَى٦ بِالسَّلامَةِ.
"وَلَوْ فَاتَ" الْمَقْصُودُ "يَقِينًا، كَلُحُوقِ نَسَبِ مَشْرِقِيٍّ بِمَغْرِبِيَّةٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ٧.
_________________
(١) ١ انظر الإحكام للآمدي ٣/٣٩٢. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ع: لاحتماله. ٤ في ش: وكذا. ٥ في ش: بالجميع لقدوم الجميع. ٦ في ش: كالرضى. ٧ قال الآمدي: "لأنّ المقصود من شرع الأحكام الحِكَم، فشرع الأحكام مع انتفاء الحكمة يقينًا لا يكون مفيدًا، فلا يرد به الشرع، خلافًا لأصحاب أبي حنيفة" "الإحكام في أصول الأحكام ٣/٣٩٣" وانظر: شرح العضد ٢/٢٤٠، ارشاد الفحول ص ٢١٥، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٧٨.
[ ٤ / ١٥٨ ]
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، فَيَلْحَقُ عِنْدَهُمْ النَّسَبُ لَوْ تَزَوَّجَ بِطَرِيقِ التَّوْكِيلِ مَشْرِقِيٌّ بِمَغْرِبِيَّةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، مَعَ الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ اجْتِمَاعِهِمَا؛ لاقْتِضَاءِ الزَّوَاجِ ذَلِكَ فِي الأَغْلَبِ حِفْظًا لِلنَّسَبِ١.
"وَالْمُنَاسِبُ" ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ:
الضَّرْبُ الأَوَّلُ "دُنْيَوِيٌّ" وَيَنْقَسِمُ إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ:
الأَوَّلُ٢: "ضَرُورِيٌّ أَصْلًا، وَهُوَ أَعْلَى رُتَبِ الْمُنَاسَبَاتِ" وَهُوَ مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ٣.
وَيَتَنَوَّعُ إلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ٤ الَّتِي رُوعِيَتْ٥ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَهِيَ "حِفْظُ الدِّينِ، فَ" حِفْظُ "النَّفْسِ، فَـ٦" حِفْظُ
_________________
(١) ١ أقول: إن مذهب الحنفية إلحاق سنب الولد بوالده في حالة تزوج مشرقي بمغربية اكتفاء بقيام الفراش دون تحقق الدخول مبني عندهم على اجتماع أصلين في المسألة "أحدهما" أن الولد لصاحب الفراش للنص. "والثاني" إمكان لقائهما واحتماله بناءً على جواز وقوع خوارق العادات على سبيل الكرامات ونحوها، لا مع القطع بانتفاء اجتماع الزوجين كما عزا المصنف للحنفية! "انظر رد المحتار ٢/٦٣٠، البناية على الهداية ٤/٨١٨". ٢ في ش ز: القسم الأول. ٣ أي أنّه لا بد منه في قيام مصالح الدين والدني، بحيث اذا فقد لم تجز مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين. قاله الشاطبي "انظر الموافقات ٢/٨". ٤ في ش ز: وهي الخمسة. ٥ في ب: وعيت. ٦ في ش: و.
[ ٤ / ١٥٩ ]
"الْعَقْلِ١، فَـ" حِفْظُ "النَّسْلِ٢، فَـ" حِفْظُ "الْمَالِ، وَ٣" حِفْظُ "الْعِرْضِ"٤.
فَأَمَّا حِفْظُ الدِّينِ: فَبِقِتَالِ الْكُفَّارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ ٥ الآيَةَ " وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ" وَقَالَ ﷺ "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
_________________
(١) ١ في ع: النسل. ٢ في ع: العقل. * وهذا المقصد الضروري الرابع اختلف الأصوليون في تسميته، فسماه الغزالي في المستصفى والآمدي في الإحكام والشاطبي في الموافقات وابن الحاجب في المنتهى ومختصره والشوكاني في إرشاد الفحول: حفظ النسل. وتبعهم المصنف في تلك التسمية.. بينما سماه ابن السبكي في جمع الجوامع وابن قدامة في الروضة والطوفي في مختصره والرازي في المحصول والقرافي في تنقيح الفصول وصاحب نشر البنود والبيضاوي في المنهاج وكذا شراحه الأسنوي والبدخشي وابن السبكي: حفظ النسب. ٣ في ش ب: ف. ٤ انظر كلام الأصوليين على الضروريات الخمس ومكملاتها في " المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٨٠، ارشاد الفحول ص ٢١٦، شرح العضد ٢/٢٤٠، الموافقات ٢/٨، روضة الناظر ص ١٧٠، مختصر الطوفي ص ١٤٤، المستصفى ١/٢٨٧، مناهج العقول ٣/٥١، الإبهاج ٣/٣٨، شفاء الغليل ص ١٦٠ وما بعدها، الإحكام للآمدي ٣/٣٩٤، المحصول ٢/٢/٢٢٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩١، نشر البنود ٢/١٧٧ وما بعدها، نهاية السول ٣/٥٣، مختصر البعلي ص ١٦٣". ٥ الآية ٢٩ من التوبة
[ ٤ / ١٦٠ ]
وَأَمَّا حِفْظُ النَّفْسِ: فَبِمَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١ وَقَالَ ﷺ "يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" ٢.
وَأَمَّا حِفْظُ الْعَقْلِ: فَبِتَحْرِيمِ الْمُسْكِرَاتِ وَنَحْوِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٣ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ٤.
وَأَمَّا حِفْظُ النَّسْلِ: فَبِوُجُوبِ حَدِّ الزَّانِي٥. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
_________________
(١) ١ الآية ١٧٩ من البقرة. ٢ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده عن أنس بن مالك ﵁. "انظر صحيح البخاري ٣/١٦٩، صحيح مسلم ٣/١٣٠٢، سنن النسائي ٨/٢٤، سنن ابن ماجة ٢/٨٨٤، مسند أحمد ٣/١٢٨، ١٦٧". ٣ الآية ٩١ من المائدة. ٤ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك في الموطأ في مسنده عن عائشة ﵂، وفي الباب عن ابن مسعود ومعاوية وأبي موسى الأشعري وابن عمر وجابر وأبي هريرة وابن عباس وعمر ﵃. "انظر صحيح البخاري ٦/٢٤٢، صحيح مسلم ٣/١٥٨٥ وما بعدها، بذل المجهود ١٦/١٤ وما بعدها، عارضة الأحوذي ٨/٥٧ وما بعدها، سنن النسائي ٨/٢٦٣ وما بعدها، سنن ابن ماجة ٢/١١٢٣ وما بعدها، الموطأ ٢/٨٤٥، مسند أحمد ١/٢٧٤، ٢٨٩، ٢/١٦، ٢٩، ٣١، ٩١، ٣/٦٦، ١١٢، ٤/٤١٠، ٤١٧، ٥/٣٥٦". ٥ في ش ع: الزنا.
[ ٤ / ١٦١ ]
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١ وَقَدْ جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَجَمَ.
وَأَمَّا حِفْظُ الْمَالِ: فَبِقَطْعِ السَّارِقِ وَتَضْمِينِهِ وَتَضْمِينِ الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ٢ وَقَالَ ﷺ "٣إنَّ أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ" ٤ وَقَالَ تَعَالَى: ٥ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ .
٦وَأَمَّا حِفْظُ الْعِرْضِ٧: فَبِحَدِّ الْقَذْفِ، قَالَ ﷺ "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) ١ الآية ٢ من النور. ٢ الآية ٣٨ من المائدة. ٣ ساقطة من ز. ٤ أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة وأحمد في مسنده بلفظ "إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام" وقد رواه من الصحابة أبو بكر وأبو سعيد الخدري وابن مسعود وجابر بن عبد الله والحارث بن عمرو وأبو الغادية وغيرهم. "انظر صحيح البخاري ١/٣٥، ٢/١٩١، صحيح مسلم ٢/٨٨٩، سنن ابن ماجة ٢/١٢٩٧، ١٠١٦، ١٠٢٥، مسند أحمد ٢/٣١٣، ٣٧١، ٤٨٥، ٤/٧٦، ٣٠٦، ٥/٣٠، ٤٩، ٦٨، ٤١١، ٤١٢". ٥ الآية ١٨٨ من البقرة. ٦ ساقطة من ز. ٧ ذكر في نشر البنود "٢/١٧٨" أن العِرْضَ –بكسر العين- النفس، وجانب الرجل الذي يصونه من نفسه وحَسَبه أن ينتقص ويثلب، وسواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره مما هو موضع المدح والذّم أو ما يفتخر به من حسب وشرف، وقد يراد به الآباء والأجداد والخليقة المحمودة إلى غير ذلك.
[ ٤ / ١٦٢ ]
حَرَامٌ" ١
وَجَعَلَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٢ وَمَنْظُومَةِ الْبِرْمَاوِيِّ فِي رُتْبَةِ الْمَالِ، لِعَطْفِهِ٣ بِالْوَاوِ. وَتَابَعْنَاهُ، فَيَكُونُ مِنْ أَدْنَى الْكُلِّيَّاتِ٤.
"وَ" يَلْحَقُ بِالضَّرُورِيِّ مَا هُوَ "مُكَمِّلٌ لَهُ، كَحِفْظِ الْعَقْلِ بِالْحَدِّ بِقَلِيلٍ مُسْكِرٍ".
وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا٥ لَهُ: أَنَّهُ٦ لا يَسْتَقِلُّ ضَرُورِيًّا٧ بِنَفْسِهِ، بَلْ بِطَرِيقِ الانْضِمَامِ، فَلَهُ٨ تَأْثِيرٌ فِيهِ، لَكِنْ لا بِنَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ فِي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد في مسنده، وقد رواه من الصحابة أبو بكرة وعمرو بن الأحوص وابن عمر وابن عباس وغيرهم "انظر صحيح البخاري ١/٢٤، ٢/١٩١، صحيح مسلم ٣/١٣٠٦، عارضة الأحوذي ٩/٤، ١١/٢٢٨، سنن ابن ماجة ٢/١٠١٥، ١٠١٦، مسند أحمد ١/٢٣٠، ٤/٣٣٧، ٥/٣٧، ٣٩، ٤٠، ٧٢". ٢ جمع الجوامع بحاشية البناني ٢/٢٨٠. ٣ في ش: بعطفه. ٤ قال في نشر البنود "٢/١٧٨": وتسوية العرض والمال مذهب السبكي، لكن الظاهر أنّ يفصّل فيقال: من فوائد حفظ الأعراض صيانة الأنساب عن تطرّق الشك إليها بالقذف، فيلحق بحفظ النسب، فيكون بهذا الاعتبار أرفع من المال، فإنذ حفظهما بتحريم الزنا تارة وبتحريم القذف المفضي إلى الشك في الأنساب أخرى، وحفظ الأنساب مقدم على الأموال. ومن الأعراض ما هو دون جمع الضروريات، وهو دون الأموال لا في رتبتها". ٥ في ض: مكمل. ٦ في ش: ان. ٧ في ش: ضروري. ٨ في ع: وله.
[ ٤ / ١٦٣ ]
حُكْمِ الضَّرُورَةِ مُبَالَغَةً فِي١ مُرَاعَاتِهِ.
فَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ الْعَقْلِ: بِالْحَدِّ بِشُرْبِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ، وَتَقَدَّمَ.
وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ الدِّينِ: بِتَحْرِيمِ الْبِدْعَةِ٢ وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إلَيْهَا.
وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ النَّفْسِ: بِإِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحَاتِ.
وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ النَّسَبِ٣: ٤ِبتحْرِيمِ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ٥ وَالْخَلْوَةِ، وَالتَّعْزِيرِ عَلَيْهِ.
وَالْمُبَالَغَةِ فِي حِفْظِ الْمَالِ بِتَعْزِيرِ الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ.
وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ الْعِرْضِ٦: بِتَعْزِيرِ السَّابِّ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ: الْحَاجِيُّ٧ وَهُوَ الَّذِي
_________________
(١) ١ في ض: و. ٢ في ض: البدع. ٣ في ش: النسل. ٤ ساقطة من ش. ٥ في ع ز ض: المس. ٦ في ش: النسب. ٧ وقد سمّاه البيضاوي في المنهاج بالمصلحي، وتبعه في ذلك شراحه؛ الإسنوي في نهاية السول والبدخشي في مناهج العقول والتاج السبكي في الابهاج.
[ ٤ / ١٦٤ ]
لا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، بَلْ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ١، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَحَاجِيٌّ".
"كَبَيْعٍ وَنَحْوِهِ" كَإِجَارَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَمُسَاقَاةٍ؛ لأَنَّ مَالِكَ الشَّيْءِ قَدْ لا يَهَبُهُ، فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ، وَلا يُعِيرُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْجَارِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ذِي مَالٍ يُحْسِنُ التِّجَارَةَ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَعْمَلُ لَهُ فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكِ شَجَرٍ يُحْسِنُ الْقِيَامَ عَلَى شَجَرِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يُسَاقِيهِ عَلَيْهَا٢.
فَهَذِهِ٣ الأَشْيَاءُ وَمَا أَشْبَهَهَا لا يَلْزَمُ مِنْ فَوَاتِهَا فَوَاتُ شَيْءٍ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ.
"وَبَعْضُهَا" أَيْ وَبَعْضُ صُوَرِ الْحَاجِيِّ "أَبْلَغُ" مِنْ بَعْضٍ.
"وَقَدْ يَكُونُ" الْحَاجِيُّ "ضَرُورِيًّا" فِي بَعْضِ الصُّوَرِ "كَشِرَاءِ
_________________
(١) ١ أي أنه يُفتقَر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم يراغ دَخَل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد الواقع أو المتوقع من فوت الضروريات "انظر الموافقات ٢/١٠". ٢ انظر كلام الأصوليين على الحاجيات ومكملاتها في "ارشاد الفحول ص ٢١٦، شرح العضد ٢/٢٤١، الموافقات ٢/١٠، مختصر الطوفي ص ١٤٤، روضة الناظر ص ١٦٩، المستصفى ١/٢٨٩، مناهج العقول ٣/٥٢، نهاية السول ٣/٥٤، الابهاج ٣/٣٩، شفاء الغليل ص ١٦١، الإحكام للآمدي ٣/٣٩٤، المحصول ٢/٢/٢٢٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩١، نشر البنود ٢/١٨١، حاشية البناني ٢/٢٨١، مختصر البعلي ص ١٦٣". ٣ في ش: هذه.
[ ٤ / ١٦٥ ]
وَلِيِّ" طِفْلٍ "مَا يَحْتَاجُهُ طِفْلٌ" مِنْ مَطْعُومٍ وَمَلْبُوسٍ، حَيْثُ كَانَ فِي مَعْرِضٍ مِنْ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ "وَنَحْوِهِ" أَيْ وَنَحْوِ مَا ذُكِرَ، كَاسْتِئْجَارِ الْوَلِيِّ لِحِفْظِ الطِّفْلِ مَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، مَعَ اشْتِغَالِ الْوَلِيِّ عَنْ تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا١.
"وَمُكَمِّلٍ لَهُ" أَيْ لِلْحَاجِيِّ "كَرِعَايَةِ كَفَاءَةٍ، وَ" كَرِعَايَةِ "مَهْرِ، مِثْلٍ فِي٢ تَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ" وَكَإِثْبَاتِ خِيَارٍ فِي بَيْعٍ بِأَنْوَاعِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَوِّي، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْحَاجَةِ حَاصِلًا بِدُونِهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ: التَّحْسِينِيُّ٣، وَهُوَ مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلا حَاجِيًّا، وَلَكِنَّهُ فِي مَحَلِّ التَّحْسِينِ٤، وَهُوَ مَا أُشِيرَ
_________________
(١) ١ انظر شرح العضد ٢/٢٤١. ٢ ساقطة من ش. ٣ في ض ز: التحسين. ٤ وهو كما قال الشاطبي في الموافقات: "الأخذ بما يليق من محاسن العبادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق". وقال الغزالي في شفاء الغليل: هو "ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتوسعة والتيسير للمزايا والمراتب ورعاية أحسن المناهج في العبادات والمعاملات والحمل على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات". وقد سماه القرافي في تنقيح الفصول ب" ما هو في محلّ التتمات" وسماه صاحب نشر البنود من المالكيّة ب"التتمة" لأنه تتمة للمصالح، وذكر أنهيقال له تحسيني لأنه مستحسن عادة. انظر كلام الأصوليين على التحسينيات في "الموافقات ٢/١١، ارشاد الفحول ص ٢١٦، شرح العضد ٢/٢٤١، مختصر الطوفي ص ١٤٤، روضة الناظر ص ١٦٩، المستصفى ١/٢٩٠، مناهج العقول ٣/٥٢، نهاية السول ٣/٥٤، شفاء الغليل ص ١٦٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٩٦، المحصول ٢/٢/٢٢٢، شرح تنقيح =
[ ٤ / ١٦٦ ]
إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَتَحْسِينِيٌّ"١.
وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: "غَيْرُ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ" أَيْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
"كَتَحْرِيمِ النَّجَاسَةِ٢" فَإِنَّ نَفْرَةَ٣ الطِّبَاعِ مَعْنًى ٤يُنَاسِبُ تَحْرِيمَهَا حَتَّى٥ أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ٦ بِالنَّجَاسَةِ بِلا عُذْرٍ٧.
"وَ" كَـ "سَلْبِ الْمَرْأَةِ٨ عِبَارَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ" لاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعُقُودِ عَلَى فُرُوجِهِنَّ، لإِشْعَارِهِ بِتَوَقَانِ نُفُوسِهِنَّ إلَى
_________________
(١) = الفصول ص ٣٩١، نشر البنود ٢/١٧٧ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٨١". ١ في ض: وتحسين. ٢ أي تحريم تناولها. ٣ في ض: تفرق. ٤ في ع ب ض: مناسب لتحريمها. * وفي هذا المقام يقول السيوطي في كتابه "إتمام الدراية" ص ٢٠٣: "من وقاعد الشرع أنّ الوازع الطبيعي يغني عن الوازع الشرعي. مثاله: شرب البول حرام، وكذا الخمر، ورتب الحدّ على الثاني دون الأول لنفرة النفوس منه، فوكلت إلى طباعها. والوالد والولد مشتركان في الحقّ، وبالغ الله تعالى في كتابه العزيز في الوصية بالوالدين في مواضع دون الولد، وكولًا إلى الطبع، لأنّه يقضي بالشفقة عليه ضرورة". ٥ ساقطة من ش. ٦ في ش: الطبخ. وهو تصحيف. والتضمّخ بالشيء في اللغة معناه التلطخ به "الصحاح ١/٤٢٦". ٧ انظر الابهاج شرح المنهاج ٣/٣٩. ٨ في ش: المادة.
[ ٤ / ١٦٧ ]
الرِّجَالِ، وَهُوَ غَيْرُ لائِقٍ بِالْمُرُوءَةِ.
وَكَذَا اعْتِبَارُ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَتَمْيِيزِهِ١ عَنْ السِّفَاحِ بِالإِعْلامِ٢ وَالإِظْهَارِ.
"لا" سَلْبِ "الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ٣ عَلَى أَصْلِنَا" لِقَبُولِهَا عِنْدَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ٤.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ التَّحْسِينِيِّ٥: الْمُعَارِضُ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مُعَارِضٍ".
_________________
(١) ١ في ع: وتميزه. ٢ في ش: بالإعلان. ٣ خلافًا لما ذهب إليه كثيرٌ من الأصوليين حيث قالوا بسلب العبد أهلية الشهادة، وعدوّها من قبيل التحسيني غير المعارض للقواعد، معللين ذلك بأنّها منصب شريف والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم. قال الشوكاني في ارشاد الفحول ص ٢١٧: "وقد استشكل هذا ابن دقيق العيد، لأنّ الحكم بالحقّ بعد ظهور الشاهد وايصالهُ إلى مستحقه ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضروة لمرتبة التحسين بعيد جدًا. نعم لو وجد لفظ يستند إليه في ردّ شهادته، ويعلل بهذا التعليل لكان له وجه، فأما مع الاستقلال بهذا التعليل ففيه هذا الإشكال، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي انه لا يعلم لمن ردّ شهادة العبد مستندًا أو وجهًا". "وانظر الإحكام للآمدي ٣/٣٩٦، المحصول ٢/٢/٢٢٢، نشر البنود ٢/١٨٢، المستصفى ١/٢٩١، شرح العضد ٢/٢٤١، نهاية السول ٣/٥٤، الابهاج ٣/٤٠، شفاء الغليل ص ١٦٩، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٨٢". ٤ انظر كشاف القناع ٦/٤٢٠، شرح منتهى الإرادات ٣/٥٥٠. ٥ في ض: التحسين.
[ ٤ / ١٦٨ ]
"كَالْكِتَابَةِ" وَهِيَ بَيْعُ سَيِّدٍ رَقِيقَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ: مُبَاحٍ مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا١، أَوْ مَنْفَعَةٍ مُؤَجَّلَةٍ.
فَإِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَكْرُمَةً فِي الْقَاعِدَةِ٢ مُسْتَحْسَنَةً٣ احْتَمَلَ الشَّرْعُ فِيهَا جَزْمَ٤ قَاعِدَةٍ مُمَهِّدَةٍ، وَهِيَ امْتِنَاعُ بَيْعِ الإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ وَمُعَامَلَةِ عَبْدِهِ.
"وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بِحُجَّةٍ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٥، خِلافًا لِمَالِكٍ٦ وَبَعْضِ٧ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُسَمَّى٨ الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ٩ اهـ.
_________________
(١) ١ في ش: فأكثر. ٢ كذا في جميع النسخ. والأولى أن تكون: في العادة "انظر الابهاج ٣/٤٠". ٣ في ض: متحسنة. ٤ في ش ض: جزم. ٥ انظر "المسودة ص ٤٥٠، الإحكام للآمدي ٤/٢١٦، مختصر الطوفي ص ١٤٤، مختصر البعلي ص ١٦٣، المنخول ص ٣٦٣، فواتح الرّحموت ٢/٣٠١، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٨٤، إرشاد الفحول ص ٢١٨، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٨، نهاية السول ٣/١٣٦، مناهج العقول ٣/١٣٥، الابهاج ٣/١١٧". ٦ انظر شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٣، نشر البنود ٢/١٨٩ وما بعدها. ٧ ساقطة من ع. ٨ في ش: ويسمى. ٩ روضة الناظر ص ١٧٠.
[ ٤ / ١٦٩ ]
وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ: بِأَنَّا لا نَعْلَمُ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغُ مِمَّا شُرِعَ، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِفِعْلٍ، فَلا تَكُونُ حُجَّةً، فَإِذًا إثْبَاتُهَا حُجَّةٌ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ١.
وَاحْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَهَا بِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، لا حَصْرَ٢ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَرَائِنِ الأَحْوَالِ وَالأَمَارَاتِ.
وَسَمَّوْهَا مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بِخِلافِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لا تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ٣، وَبِأَنَّ الرُّسُلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - بُعِثُوا٤ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ،
_________________
(١) ١ روضة الناظر ص ١٧٠ ٢ في ش: حصولها. ٣ ساقطة من ز. ٤. ساقطة من ض.
[ ٤ / ١٧٠ ]
فَيُعْلَمُ١ ذَلِكَ بِالاسْتِقْرَاءِ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ فَنَعْتَبِرُهَا؛ لأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ.
"وَ" الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَضْرُبِ الْمُنَاسِبِ "أُخْرَوِيٌّ".
وَذَلِكَ "كَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ" عَنْ الرَّذَائِلِ "وَرِيَاضَتِهَا" وَتَهْذِيبِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَ٢ مَنْفَعَةِ ذَلِكَ فِي٣ سَعَادَةِ الآخِرَةِ٤.
"وَقَدْ يَتَعَلَّقُ" الْمُنَاسِبُ "بِهِمَا" أَيْ بِالدُّنْيَوِيِّ وَالأُخْرَوِيِّ٥ "كَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ" بِالْمَالِ فَتَعَلُّقُهُ الدُّنْيَوِيُّ٦: مَا يَعُودُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِالْمَالِ، وَتَعَلُّقُهُ بِالأُخْرَوِيِّ٧: مَا يَحْصُلُ لِلْمُكَفِّرِ مِنْ الثَّوَابِ٨.
"وَ" الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ أَضْرُبِ الْمُنَاسِبِ "إقْنَاعِيٌّ".
وَهُوَ مَا "يَنْتَفِي ظَنُّ مُنَاسَبَتِهِ٩ بِتَأَمُّلِهِ" وَذَلِكَ بِأَنْ يُظَنَّ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ، ثُمَّ يَزُولُ ذَلِكَ الظَّنُّ بِالتَّأَمُّلِ وَإِمْعَانِ
_________________
(١) ١ في ش: فعلم. ٢ ساقطة من ض. ٣ في ع: من. ٤ انظر الابهاج ٣/٤١. ٥ انظر الابهاج ٣/٤١. ٦ في ش: بالدنيوي. ٧ في ش: بالأخروي. ٨ في ز: بالثواب. ٩ في ز ب: مناسبة.
[ ٤ / ١٧١ ]
النَّظَرِ فِيهِ، كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْمَيْتَةِ بِنَجَاسَتِهَا، وَقِيَاسِ الْكَلْبِ عَلَيْهِ١.
"وَإِذَا اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَمْ تَنْجَرَّ٢ مُنَاسَبَتُهُ" عَلَى الأَرْجَحِ٣ "وَلِلْمُعَلِّلِ تَرْجِيحُ وَصْفِهِ بِطَرِيقٍ تَفْصِيلِيٍّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الْمَسَائِلِ، وَإِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ ثَبَتَ الْحُكْمُ تَعَبُّدًا" وَهُوَ عَلَى٤ خِلافِ الأَصْلِ؛ لأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الأَحْكَامِ التَّعَقُّلُ٥ دُونَ التَّعَبُّدِ؛ وَلأَنَّهُ إذَا كَانَ
_________________
(١) ١ قال الغزالي في شفاء الغليل ص ١٧٤: "ووجه المناسبة في النجاسة أنّ حكم الشرع بنجاسته –أي الكلب- أمرٌ باجتنابه وإشارة إلى استقذاره والتجنب في مخالطته، ففي الإقدام على بيعه ومقابلته بالمال وإيجاب الضمان على متلفه إقامة وزن له يناقض ما علم من خسّته بتنجيس الشرع إيّاه إلى أن قال: إنّ الحاذق يسلط البحث على هذا الكلام فيقول: هذه ألفاظ جميلة ركبت، وخيّل في مجموعها مناسبة، وإذ جرد النظر إلى المعنى في حقيقته وإلى الحكم انتفت المناسبة، إذ معنى نجاسته أنّ الصلاة لا تصحّ معه، لا المنع من استعماله لنجاسته والكف عن مخامرته، فالانتفاع بالنجاسات جائز بالاتفاق، ومعنى البيع نقل الاختصاص ببدل، ولا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه وبين المنع من بيعه، فبهذا ينكشف الغطاء وتنقطع المناسبة، ولا تزال تزداد المناسبة خفاءً واندراسًا بالبحث". وانظر الابهاج ٣/٤١، نهاية السول ٣/٥٤. ٢ في ش: تنجز. ٣ انظر خلاف الأصوليين في هذه القضية في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٨٦، مختصر البعلي ص ١٤٩، شرح العضد ٢/٢٤١، ارشاد الفحول ص ٢١٨ وما بعدها، المحصول ٢/٢/٢٣٢ وما بعدها، الابهاج ٣/٤٥، نهاية السول ٣/٦١، مناهج العقول ٣/٥٩، الإحكام للآمدي ٣/٣٩٦، نشر البنود ٢/١٩١". ٤ ساقطة من ض. ٥ في ض: التعلل.
[ ٤ / ١٧٢ ]
الْحُكْمُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى كَانَ أَقْرَبَ وَأَدْعَى إلَى الْقَبُولِ وَالانْقِيَادِ لَهُ.
"وَالْمُنَاسِبُ" هُوَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ، وَلا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ الشَّارِعِ الْتِفَاتٌ إلَيْهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِتَقْسِيمِ الْمُنَاسِبِ. وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
مُؤَثِّرٌ.
وَمُلائِمٌ.
وَغَرِيبٌ.
وَمُرْسَلٌ. وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: مُرْسَلٌ مُلائِمٌ، وَمُرْسَلٌ غَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ؛ لأَنَّ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أَلْغَاهُ، أَوْ لا يُعْلَمَ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ وَلا أَلْغَاهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا:
فَالْقِسْمُ الأَوَّلُ: "مُؤَثِّرٌ إنْ اُعْتُبِرَ" مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ "بِنَصٍّ" كَتَعْلِيلِ الْحَدَثِ بِمَسِّ الذَّكَرِ "أَوْ" اُعْتُبِرَ بِ "إجْمَاعٍ" كَتَعْلِيلِ وِلايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ.
فَالأَوَّلُ: اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَدَثُ، لِحَدِيثِ١ "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ".
_________________
(١) ١ في ش: كحديث.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ عَيْنُ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ الْوِلايَةِ فِي الْمَالِ بِالإِجْمَاعِ.
وَسُمِّيَ١ هَذَا الْقِسْمُ مُؤَثِّرًا؛ لِحُصُولِ التَّأْثِيرِ فِيهِ عَيْنًا وَجِنْسًا، فَظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ.
"وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: "مُلائِمٌ إنْ اُعْتُبِرَ بِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَقَطْ، إنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ".
وَسُمِّيَ مُلائِمًا لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا اعْتَبَرَهُ٢ الشَّارِعُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ.
مِثَالُ مَا اعْتَبَرَ٣ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ مِنْ الْمُلائِمِ: امْتِزَاجُ النَّسَبَيْنِ فِي الأَخِ مِنْ الأَبَوَيْنِ، اعْتَبَرَ تَقْدِيمَهُ عَلَى الأَخِ مِنْ الأَبِ فِي الإِرْثِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِ تَقْدِيمَهُ فِي وِلايَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ الأَحْكَامِ الَّتِي٤ قُدِّمَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ - وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأَحْكَامِ - لَكِنْ اعْتَبَرَهُ فِي جِنْسِهَا، وَهُوَ التَّقَدُّمُ فِي الْجُمْلَةِ.
_________________
(١) ١ في ض: ويسمى. ٢ في ع ب: الشرع. ٣ في ع: ما اعتبره. ٤ في ز: الذي.
[ ٤ / ١٧٤ ]
وَمِثَالُ مَا اعْتَبَرَ فِيهِ جِنْسَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ: مِنْهُ١ الْمَشَقَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي عَيْنِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، فَسَقَطَ بِهَا الْقَضَاءُ فِي صَلاةِ الْحَائِضِ قِيَاسًا.
وَإِنَّمَا جُعِلَ الْوَصْفُ هُنَا جِنْسًا، وَالإِسْقَاطُ نَوْعًا؛ لأَنَّ مَشَقَّةَ السَّفَرِ نَوْعٌ مُخَالِفٌ لِمَشَقَّةِ الْحَيْضِ. وَأَمَّا السُّقُوطُ: فَأَمْرٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ٢ مَحَالُّهُ٣.
وَمِثَالُ مَا اُعْتُبِرَ جِنْسُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ مِنْهُ: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِي٤ أَيْ الْقَاذِفَ.
_________________
(١) ١ أي من الملائم. وفي ع ب: من. وفي ش: صفة. ٢ في ز ع ب ض: اختلف. ٣ في ز: محله. ٤ أخرجه الدارقطني في سننه والشافعي في مسنده ومالك في الموطأ، وفيها أن عمر بن الخطاب استشاره في الخمر يشربها الرجل، فقال علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. "انزر سنن الدارقطني ٣/١٥٧، الموطأ ٢/٨٤٢، مسند الشافعي ٢/٩٠، التلخيص الحبير ٤/٧٥". وقد روى ابن حزم هذا الأثر م نطرق مختلفة وبألفاظ متقاربة ع نعلي ﵁ لا عن عمر، وناقش تلك المرويات بتوسع وردّها وقال: "كل ما ورد في ذلك قد تقصيناه، وكله ساقط لا حجة فيه، مضطرب ينقض بعضه بعضًا" "انظر الإحكام لابن حزم ٧/١٠١١ وما بعدها".
[ ٤ / ١٧٥ ]
وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبُوا حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الشَّارِبِ، لا لِكَوْنِهِ شَرِبَ١، بَلْ لِكَوْنِ الشُّرْبِ مَظِنَّةَ الْقَذْفِ، فَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْقَذْفِ قِيَاسًا عَلَى إقَامَةِ الْخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي التَّحْرِيمِ، لِكَوْنِ الْخَلْوَةِ مَظِنَّةً لَهُ، فَظَهَرَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْمَظِنَّةَ الَّتِي هِيَ جِنْسٌ لِمَظِنَّةِ الْوَطْءِ، وَمَظِنَّةِ الْقَذْفِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ جِنْسٌ لإِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ وَحُرْمَةِ الْوَطْءِ.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: الأَوَّلُ كَالتَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ فِي قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلايَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلايَةِ الْمَالِ بِهِ، مُنَبِّهًا عَلَى الصِّغَرِ، وَثَبَتَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلايَةِ إجْمَاعًا.
وَالثَّانِي: كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي قِيَاسِ الْحَضَرِ٢ بِعُذْرِ٣ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمْعِ. فَجِنْسُ الْحَرَجِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ إجْمَاعًا.
وَالثَّالِثُ: كَالتَّعْلِيلِ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي قِيَاسِ الْمُثْقَلِ٤ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي الْقِصَاصِ، فَجِنْسُ الْجِنَايَةِ مُعْتَبَرٌ٥ فِي
_________________
(١) ١ في ش: شربًا. ٢ في ع ب: الحظر. ٣ في ب: بعد. ٤ في ز: كالمحدد. ٥ في ع ز ب ض: معتبرة.
[ ٤ / ١٧٦ ]
جِنْسِ قِصَاصِ النَّفْسِ؛ لاشْتِمَالِهِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا كَالأَطْرَافِ اهـ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْغَرِيبُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِلاَّ فَغَرِيبٌ" يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، فَيُسَمَّى غَرِيبًا.
مِثَالُ ذَلِكَ: التَّعْلِيلُ بِالإِسْكَارِ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ نَصٍّ بِعِلِّيَّةِ الإِسْكَارِ، فَعَيْنُ الإِسْكَارِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ التَّحْرِيمِ بِتَرْتِيبِ١ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَقَطْ، كَاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي جِنْسِ التَّخْفِيفِ.
وَهَذَا الْمِثَالُ دُونَ مَا قَبْلَهُ؛ لِرُجْحَانِ النَّظَرِ بِاعْتِبَارِ الْخُصُوصِ، لِكَثْرَةِ مَا بِهِ الاخْتِصَاصُ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَالأَصْفَهَانِيّ.
وَسُمِّيَ غَرِيبًا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ غَيْرُ أَصْلِهِ بِالاعْتِبَارِ، كَالطُّعْمِ فِي الرِّبَا، فَإِنَّ نَوْعَ الطُّعْمِ مُؤَثِّرٌ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا، وَلَيْسَ جِنْسُهُ مُؤَثِّرًا فِي جِنْسِهِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَهَذَا التَّشْبِيهُ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوَاعِدِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الطُّعْمُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ في ز ض: بترتب.
[ ٤ / ١٧٧ ]
"وَكُلُّ" قِسْمٍ "مِنْ١" هَؤُلاءِ الأَقْسَامِ "الثَّلاثَةِ٢ حُجَّةٌ"٣.
وَمَنَعَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ٤ كَوْنَ الْغَرِيبِ حُجَّةً.
"وَإِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ" أَيْ جِنْسَ الْوَصْفِ "الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَ "مُرْسَلٌ مُلائِمٌ".
مِثَالُ ذَلِكَ: تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا. فَجِنْسُهُ الْبَعِيدُ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، كَتَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا.
"وَلَيْسَ" الْمُرْسَلُ الْمُلائِمُ "بِحُجَّةٍ"٥.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الشَّارِعُ٦ جِنْسَ الْوَصْفِ الْبَعِيدِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَنَوْعَانِ:
_________________
(١) ١ في ش: قسم. ٢ في ش: من الثلاثة. ٣ انظر "الإحكام للآمدي ٣/٤٠٧، نشر البنود ٢/١٨٤، مختصر الطوفي ص ١٦٠، مفتاح الوصول ص ١٤٩، روضة الناظر ص ٣٠٢، شفاء الغليل ص ١٤٤-١٥٨، المستصفى ٢/٢٩٧ وما بعدها، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/٢٨٢، شرح العضد ٢/٢٤٢، ارشاد الفحول ص ٢١٧، التلويح على التوضيح ٢/٥٧٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٣، المحصول ٢/٢/٢٢٦، الابهاج ٣/٤٥، نهاية السول ٣/٥٧". ٤ انظر: المغني للخبازي ص ٣٠٦، كشف الأسرار ٣/٣٥٣، فتح الغفار ٣/٢١، تيسير التحرير ٤/٥٥. ٥ في ش: حجة. ٦ في ع ز ب: الشارع جنسه البعيد.
[ ٤ / ١٧٨ ]
أَحَدُهُمَا: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "فَمُرْسَلٌ غَرِيبٌ".
مِثَالُ ذَلِكَ: التَّعْلِيلُ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي قِيَاسِ بَاتِّ الطَّلاقِ فِي مَرَضِهِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، فَصَارَ١ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ٢ الْقَاتِلِ.
وَإِنَّمَا كَانَ "غَرِيبًا مُرْسَلًا"؛ لأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الشَّارِعُ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي عَيْنِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ٣، ٤بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ وَلا جِنْسِهِ فِي عَيْنِهَا، وَلا جِنْسِهِ فِي جِنْسِهَا.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ٥.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مُرْسَلٌ ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ" وَهُوَ الَّذِي عُلِمَ مِنْ الشَّارِعِ إلْغَاؤُهُ، مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحِيلُ الْمُنَاسَبَةِ.
وَلا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ٦ بِهِ٧.
_________________
(١) ١ كذا في د. وفي ع ز ض ب: وصار. وهي ساقطة من ش. ٢ في ش: لحرمان. ٣ في ز: مقصوده. ٤ ساقطة من ش. ٥ انظر: مفتاح الوصول للتلمساني ص ١٥٠، شفاء الغليل ص ١٨٨، شرح العضد ٢/٢٤٢، ارشاد الفحول ص ٢١٨، التلويح على الوضيح ٢/٥٦٩. ٦ في ع: التعديل. ٧ انظر ردّ الأصوليين للعمل بالمرسل الملغي في "المحلي على جمع الجوامع وحاشية =
[ ٤ / ١٧٩ ]
وَذَلِكَ كَإِيجَابِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ، أَوْ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ اللَّيْثِيُّ١ صَاحِبُ الإِمَامِ مَالِكٍ إمَامُ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ٢ الأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ الأُمَوِيَّ، الْمَعْرُوفَ بِالْمُرْتَضَى صَاحِبَ الأَنْدَلُسِ٣.
_________________
(١) = البناني عليه ٢/٢٨٤، شرح العضد ٢/٢٤٢، ارشاد الفحول ص ٢١٨، التلويح على التوضيح ٢/٥٦٩، المحصول ٢/٢/٢٢٩، الابهاج ٣/٤٤، نهاية السول ٣/٥٦، مناهج العقول ٣/٥٦، الإحكام للآمدي ٣/٤١٠، نشر البنود ٢/١٨٨، مختصر الطوفي ص ١٤٤، مفتاح الوصول ص ١٥٠، روضة الناظر ص ١٦٩، مختصر البعلي ص ١٦٢". ١ في ع: الليث. ٢ هو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس الليثي مولاهم، البربري المصمودي الأندلسي القرطبي المالكي، أبو محمد، الإمام الحجة الثبت عالم الأندلس وفقيهها. قال ابن الفرضي: كان إمام وقته وواحد بلده، توفي سنة ٢٣٤هـ، "انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٠/٥١٩، تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ٢/١٧٩، وفيات الأعيان ٦/١٤٣، الفكر السامي ٢/٩٦، شرف الطالب لابن منقذ ص ٤٢، شذرات الذهب ٢/٨٢، تهذيب التهذيب ١١/٣٠٠، طرح التثريب ١/١٢٧، شجرة النور الزكيّة ص ٦٣، الديباج المذهب ٢/٣٥٢، ترتيب المدارك ٢/٥٣٤". ٣ إذ روي أن عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس نظر إلى جارية له في رمضان نهارًا، فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم وطلب الفقهاء، وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى: صم شهرين متتابعين. فسكت العلماء. فلمّا خرجوا قالوا ليحيى: مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنّه مخيّر بين العتق والصوم والإطعام؟ قال: لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن كلّ يومٍ ويعتق رقبة. فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود. والأمير عبد الرحمن بن الحكم ولد بطليطلة سنة ١٧٦هـ وتوفي بقرطبة سنة ٢٣٨هـ. "انظر ترجمته وقصته مع يحيى بن يحيى في سير أعلام النبلاء ٨/٢٦٠، =
[ ٤ / ١٨٠ ]
"وَهُمَا" أَيْ الْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ١، وَالْمُرْسَلُ الَّذِي ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ "مَرْدُودَانِ" أَمَّا الأَوَّلُ: فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَبِالاتِّفَاقِ.
_________________
(١) = ١٠/٥٢١، ترتيب المدارك ٢/٥٤٢، وفيات الأعيان ٦/١٤٥، العقد الفريد ٤/٤٩٣، نهاية السول ٣/٥٧، جذوة المقتبس ص ١٠، نفح الطيب ١/٣٤٤، حاشية البناني ٢/٢٨٤، نشر البنود ٢/١٨٨". ١ في ع: والغريب.
[ ٤ / ١٨١ ]