الخِطَابُ الْمُحتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ- ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أُرِيدَ خِلافهُ.
وَالثانِي: مَا لَا يَكُونُ كَذلِكَ؛ وَهُوَ كَالاسمِ الْمُتَوَاطِئ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ، وَكَالاسمِ الْمُشتَرَكِ إِذَا كَانَ المُرَادُ أحَدَ مَفهُومَاتِهِ.
وَلِلأوَّلِ أَقسَامٌ:
أَحَدُهَا: تَأخِيرُ بَيَانِ التخْصِيصِ.
ثَانِيهَا: تَأخِيرُ بَيَانِ النَّسخِ.
ثَالِثُهَا: تَأخِيرُ بَيَانِ الأَسْمَاءِ الشرْعِيةِ، وَقَدْ نُقِلَتْ عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَويةِ إلى مَوضُوعَاتِهَا الشرْعِيةِ.
===
قوله: "الخطاب المُحتَاجُ إلى البيان ضربانِ: أَحدهما: ماله ظاهر، وقد أُرِيدَ خِلافهُ: الثاني: ما لا يكونُ كذلك، وهو الاسمُ المُتَوَاطِئ إذا كان المُرادُ بَعضَ أنوَاعِهِ، والاسم المُشتَرَكُ إِذا كان المُرَادُ أحَدَ مفهوماتِهِ".
ما ذكره من مثال المُشتَرَكِ حَقٌّ.
وما ذكره من مثال المتواطئ، ليس من هذا القسم، بل من القسم الأَوْلِ؛ فإنهُ من المُطلَقِ، والمُطْلَقُ إِذَا أرِيدَ به مُقَيدٌ، كان تركًا لظاهره؛ إذ مُقتَضَاهُ التَّعْيِينُ، والتقييدُ قاطِع له.
قوله: "الأول أقسام: أحدها: تأخير بيان التخصيص"، هذا؛ لما قررَ من ظُهُورِ صِيَغِ العُمُومِ في الاستغراقِ؛ فَقَصرها على بعض مُسَميَاتِهَا: تَرْكٌ للظاهر.
قوله: "وثانيها: تأخيرُ بيانِ النسخ"؛ لأن اللفْظَ المنسوخَ مقتضى حكمة الاستمرارِ، والنسخُ قَاطِعٌ له.
قوله: "وثالثها: تأخير بيان الأسماء الشرعية، وقد نقلت من موضوعاتها اللغوية"؛ لأَن استعمالها في الموضوع اللغَوي حقيقةٌ، وفي المنقولِ مجازٌ راجِح على خلاف الأصل.
[ ٢ / ٥ ]
رَابِعُهَا: تَأْخِيرُ بَيَانِ النَّكِرَةِ، إِذَا أُرِيدَ بِهَا شَيء مُعَين.
فَمَذْهَبُنَا: أنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ، في كُل هذِهِ الأقسَامِ، إلى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَأما أَبُو الْحُسَينِ الْبَصْرِيُّ: فَإِنّهُ مَنَعَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أُرِيدُ بِهِ خِلافُهُ، ثُمّ زَعَمَ: أنَّ الْبَيَانَ الإِجْمَالِيَّ كافٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْخِطَابِ: اعْلَمُوا أَن الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ، وَأن هذَا الْحُكْمَ سَيُنْسَخُ، وَأما الْبَيَانُ التفْصِيليُّ: فَإِنّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وَأَمَّا الّذِي لَا يَكُونُ لَهُ ظَاهِرٌ؛ كَالألفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ - فَقَدْ جَوزَ فِيهِ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
أمَّا أَبُو عَلِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ: فَقَدْ مَنَعَا مِنْهُ.
لَنَا وُجُوهٌ:
الأولُ -وَهُوَ الدلِيلُ الْعَامُّ-: أَنَّا بَينَّا في "عِلْمِ الْكَلامِ": أَن تَحْسِينَ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحَهُ لَا
===
قوله: "ورابعها تأخير بيانِ النكرة إذا أُرِيدَ بها شيء مُعَينٌ".
والأَوْلَى أن: يقولَ: وتقييدُ المُطْلَقِ؛ لِيَدخُلَ فيه وَصْفُ النَّكِرَةِ وَتَعَينُهَا معًا.
قوله: "فمذهبنا أنه يجوزُ تأخيرُ البيانِ في كل هذه الأقسام إلى وقت الحاجَةِ": لم يَخْتَلِفوا في أَنَّ تَأخِيرَ البيانِ عن وقت الحاجة لا يجوزُ، إلَّا على تقديرِ التكليفِ بالمُحَالِ، والظاهِرُ أنه غَيرُ وَاقِع.
وأما التأخِيرُ عن مَوْرِدِ الخطاب إِلى وقت الحاجة فهو في مَحَل النزاع، والمَذَاهِب فيه كما ذَكَرَ.
قوله: "لنا وجوه: الأول: وهو الدليل العَامُّ" يعني: أنه شامِلُ لجميع المسائلِ المُتَنَازَعِ فيها.
قوله: "ما ثبت في علم الكلام، أن تحسين العقل وتقبيحه لا يجري في أفعالِ الله تعالى، ولا في أحكامِهِ، فوجب ألا يقبحَ من الله تعالى شيء":
[ ٢ / ٦ ]
يَجْرِي في أَفْعَالِ الله تَعَالى، وَفِي أَحْكَامِهِ؛ فَوَجَبَ أَلا يَقْبُحَ مِنَ الله تَعَالى شَيءٌ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] فَكَلِمَةُ "ثُم" لِلتَرَاخِي.
الثالِثُ: أَنْ نَقُولَ: الدلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ في النَّكِرَةِ: أَنَّهُ تَعَالى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِذَبْحِ بَقَرَة مَوْصُوفَة بِصِفَة مُعَينَة، ثُمّ إِنهُ تَعَالى لَمْ يُبَينْهَا لَهُمْ؛ حَتَّى سَأَلُوا سُؤَالا بَعْدَ سُؤَالٍ:
إِنما قُلْنَا: "إِن الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ بَقَرَة مَوْصُوفَةً بِصِفَةٍ مُعَينَةٍ"؛ مِنْ وَجْهَينِ:
الأوَّلُ: أَن قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وَقَوْلَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] وَقَوْلَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾
===
حاصِلُهُ أَن الخَصمَ عَوَّلَ في مَنْعِ ما له ظاهِرٌ على أنه تَجهِيل لِلْمُخَاطَبِ، وهو قُبحٌ من الحكيم، وفيما ليس له ظاهر أنه خطاب بما لا فَائِدَةَ فيه، وهو عَبَثٌ.
وكلا الدليلينِ مَبْنِي على التحسينِ والتقبيحِ العقلى، فَإِذا أَبطَلَهُ بَطَلَ مَأخَذُ الخَصْمِ، وليس فيه ما يَدُل على صحة مذهبه، وإنما هو أمر جَدَلِي في إِبطالِ ما عَولَ عليه الخَصمُ.
قوله: "الثاني يعني: من الدَّلِيلِ العَامِّ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩]: "ثُمَّ" للتراخي".
اعْترِضَ عليه: بأنهَا قد تَرِدُ لا للتراخي؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وبقول الشاعر [من الطويل]:
لَا يَكشِف الغَماءِ إلا ابْنُ وَحرَةٍ يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَذُوقهَا
وأجيب: بأن ااستعمَالهَا في ذلك مَجَازٌ، ولا يلزم تَرْكُ الحَقِيقَةِ من غير ضَرُورَة.
قوله: "الثالث: أن نقول: الدلِيلُ على أنه يَجُوزُ تَأخِيرُ البَيانِ في النكرة -يعني: إذا أريد بها المعين- أنه -تعالى- أمر بَنِي إِسرَائِيلَ بذبح بَقَرَةٍ موصوفة معينة، ثم إنه -تعالى- ما بَينَهَا حتى سألوا سُؤَالا بعد سؤال .. " إلى آخره:
الحَاصِلُ: أَن قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] يَدُل على طلب ذَبْحِ بقرة مُطْلَقَةٍ بظاهره.
ثم تَبَيَّنَ بعد المُرَاجَعَةِ أن المراد بها البَقَرَةُ. المَوصُوفَةُ بالأَوصَافِ المَذكُورَةِ.
[لا] يقال: كان الوَاجِبُ أولًا ذبحَ مُسَمى البَقَرَةِ والتقييد بالأَوْصَافِ، إنما وَجَبَ عند المُرَاجَعَةِ؛ كما نُقِلَ عن ابن عَباسٍ - ﵄ - قال: "لو أنهم عَمَدُوا إلى أَيةِ بَقَرَةٍ كانت، فَذَبَحُوهَا - لكفتهم، ولكن شَددُوا على أنفسهم، فَشددَ اللهُ عليهم":
[ ٢ / ٧ ]
[البقرة ٦٩]، وَقَولَهُ تَعَالى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١]-: يَدُل عَلَى أن مُتَعَلقَ الأمرِ الأوَّلِ- وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]- هِيَ الْبَقْرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِهذِهِ الصِّفَاتِ الْمُعَينَةِ؛ وإن هذِهِ الضمَائِرَ عَائدَة إِلَيهَما لَا إلى غَيرِهَا.
الثانِي: وَهُوَ: أن الصفَاتِ الْمذْكُورَةَ فِي الْجَوَابِ عَنِ السّؤَالِ الثانِي: إما أن يُقَال: إِنهَا صِفَاتُ الْبَقَرَةِ الّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا، أَوْ يُقَال: إِنَّهَا صِفَاتُ بَقَرَة وَجَبَتْ عَلَيهِمْ عِنْدَ ذلِكَ السؤَالِ، وَصَارَ مَا وَجَبَ عَلَيهِمْ قَبْلَ ذلِكَ مَنسُوخا بِهذَا الثانِي.
وَالأوَّلُ: هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالثانِي: يُوجِبُ أَنْ يَقَعَ الاكْتِفَاءُ بِالصفَاتِ الْمَذْكُورَة آخِرًا؛ وَألا يَجِبَ تَحْصِيلُ الصفَاتِ الْمَذكُورَةِ قَبْلَ ذلِكَ، إلا أَن هذَا بَاطِلٌ؛ وإن الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَن تَحْصِيلَ كُل تِلْكَ الصفَاتِ مُعْتَبَرٌ؛ فَعَلِمْنَا فَسَادَ هذَا الْقِسْمِ.
الْحُجةُ الرَّابِعَةُ في الْمَسْألَةِ: أَنْ نَقُولَ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأمُرَ الله تَعَالى الْمُكَلفَ بِالْفِعْلِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ ذلِكَ الْمُكَلفُ قَبلَ حُضُورِ وَقْتِ ذلِكَ الْفِعْلِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَدُل مَوْتُهُ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ مُرَادًا بِذلِكَ الْخِطَابِ؛ فَهذَا تَخْصِيصٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَانُهُ.
===
لأنا نَقُولُ: هذا لا يَصح لوجهين:
أحدهما: إِلْزَامِي، والآخر: برهَاني:
أما الإلزامي: فإنه يَلْزَمُ منه النسخ قبل الامتِثَالِ، وهم لا يَقُولُونَ به.
وأما البرهاني: فلأن الضمَائِرَ عَائِدَة إلى البقرة، فَيَدُل على أنها هي الواجبة فيجب أن يقال: إن قوله: "إنها" عائدة إلى البقرة والجوابُ: راجِعٌ إلى ما وقع عليه السؤال.
وقوله: في الثاني: "إن ذلك يُوجِبُ الاكتفاءَ بالصفَاتِ المذكورة آخرًا" غَيرُ صحيحِ؛ لأن الضميرَ يَعودُ إِلى الأقربِ:
فقوله أولًا: "مَا هِيَ" يَعُودُ إِلَى "البقرة"، وقوله ثانيًا: "مَا لَونُهَا" يَعُودُ إِلَى البقرة المَوصُوفَةِ بالوصفينِ المُتَقَدمَينِ؛ فيتعين الإتيانُ بالجميع.
لكن لِقَائِلٍ أَنْ يقولَ: لا حُجةَ في الآية؛ إذ جازَ أن تكونَ المُرَاجَعَةُ في مجلس الخطابِ تَعقُبُهُ بالبيانِ ومِثل ذلك لا يُعَدُّ تأخيرًا في العُرْفِ.
وَتَحَققُ ذلِكَ: أَنَّهُ لو كان تأخيرًا لكان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة؛ لحاجتهم لفصل الخُصُومَةِ، وهو باطل بالاتفاق.
قوله: "الحجةُ الرابعة في المسألة: أجمعنا على أنه يجُوزُ أنْ يموتَ قبل حُضُورِ ذلك الوقت، وحينئذٍ: يَدُل موتُهُ على أنه ما كان مُرادا بذلك الخطابِ، وهذا تخصيص لم يَتَقَدمْ بيانُهُ":
[ ٢ / ٨ ]
احتَج المُخَالِفُ: بِأنهُ لَوْ جَازَ أن يَذكُرَ الشارعُ لَفظا، ويرِيدَ بِهِ غَيرَ ظَاهِرِهِ؛ فَحِينَئِذٍ: لَا يَبقَى لَنَا وُثُوقٌ بشَيء من الشرَائِعِ، فَلَعَلهُ تَعَالى كَلفَنَا بِالصَّلاةِ وَالمُرَادُ غَيرُهَا، فَإِذَا قَال: "صَلوا غَدًا" فَلَعَل الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: "غَدًا" -: بَعْدَ غَدٍ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ الشك في جَمِيعِ الشرَائِعِ.
الْجَوَابُ: أَنكُم وإنْ أَوجَبتُمْ حُصُولَ الْمُخَصِّصِ مَعَ حُصُولِ هذَا اللفظِ؛ إلَّا أَنهُ لَا نِزَاعَ في أَن المكَلفَ قَدْ يَسمَعُ العام، مَعَ أَنهُ لَا يَصِلُ إِلَيهِ ذلِكَ المُخَصصُ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلزَمُكُم مَا أَلزَمتُمُوهُ عَلَينَا.
وَأَيضًا: نَقُولُ: إِن مُجَردَ هذِهِ الألفَاظِ يُفِيدُ ظَنًّا غَالِبا بِأن الْمُرَادَ ظَاهِرُهَا؛ فَلَا جَرَمَ: يَحصل لَنَا هذَا الظن الغَالِبُ. فأَما القَطعُ: فَقَد بَينَا أَن اللَّفْظَ لَا يُفِيدُهُ أَلْبَتةَ؛ إلَّا إذَا حَصَلَ مَعَه قَرَائِنُ تَدُل عَلَيه.
===
والاعتراضُ عَلَيه أَن يُقَال قوله: "أجمعنا على أَن " الخَصمُ لا يُسَلم ذلك؛ فَإن التكليفَ المُعَلقَ على شرطِ يَعْلَمُ الآمِرُ أَن المُكَلفَ لا يَبلُغُهُ- يَأبَاهُ المُعتَزِلي؛ بِنَاءً على أن المأمورَ به لا بُد وأَن يَكونَ مرادًا للآمر.
ثم لو سُلِّمَ تَحقِيقُ التكليفِ بمثله، فالفَرقُ أَن المُكَلفَ به مَعلُومْ ها هنا، فَصَح اعتقادُ وُجُوبهِ والعَزمُ عليه والشرُوعُ فيه، ثم إِذا طرأ العُذرُ سَقَطَ، بخلافِ التكليف بِخِلافِ الظاهِرِ؛ فَإِنّهُ تجهيل.
وهذا البيانُ كبيانِ النسخ؛ لأنَّهُ قاطع للاستمرارِ، ومِثلُة لا يَمتَنِعُ عندهم أو يُكتَفَى فيه بالبيان الإِجمالي، وقد عُلِم من قاعدة الشرع أنَّ استمرار التكليفِ مشروطٌ بالإِمكانِ وَعَدَمِ وُرُودِ الناسخ فهو كالبيان المقَارِنِ لَفظًا.
قوله: "احتج المُخَالِفُ بأنه لو جاز أن يَذكرَ الشارعُ لفظًا، ويريدَ به غَير ظاهِرِهِ -فحينئذ لا يبقى وثوق بالشارع " إلى آخره- ظاهر.
قوله: "والجواب أنكم وإنْ أوجبتم حُصُولَ المُخَصصِ مع حُصُول هذا اللفظ إلَّا أنه لا نِزَاعَ أن المُكَلَّفَ قد يَسمَعُ العَامِ مع أَنهُ لا يَصِلُ إليه المخصص؛ وحينئذٍ يلزمكم ما ألزمتمونا":
يرد عليه: أن التقصيرَ في هذا يُنسَبُ إلى المُكَلفِ لا إلى الشارعِ، والأَولُ تجهيل.
قوله: "وأيضًا نقول: إِن مُجَرَّدَ هذه الألفاظِ يُفِيدُ ظَنًّا غالبًا بأن المُرَادَ ظاهِرُها".
هذا هو الحَق؛ فَإِنا نَعتَقِدُ عند وُرُودِ العَامِّ أَن المُرَادَ ظَاهِرُهُ إنْ لم يَرِد مُخَصصٌ عند الحاجة.
فإذا لم يَرِد بقينا على الأَصلِ، وكذلك في المُطلَقِ وَتُقَيِّدهُ الأمثلةُ المذكورة.
[ ٢ / ٩ ]
وَأَمَّا الْخِطَابُ الذِي لَا ظَاهِرَ لَهُ -وَهُوَ: الاشمُ الْمُشتَرَكُ؛ كَالقُرءِ المُشتَرَكِ بَينَ الطهْرِ وَالحَيضِ-: فَنَقُولُ: هذِهِ الألفَاظُ لَهَا ظَاهِرٌ مِن وَجهٍ دُونَ وَجهٍ: أما الْوَجْهُ الذِي تَكُونُ هذِهِ الألْفَاظُ ظَاهِرَةَ فِيهِ -فَهُوَ: أَنهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُتَكَلمَ أَرَادَ: إما الطُّهْرَ، وَإما الْحَيضَ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي تَكُونُ هذِهِ الألْفَاظُ فِيهِ غَيرَ ظَاهِرَةٍ- فَهُوَ: أنهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَن أَي الأَمْرَينِ هُوَ الْمُرَادُ.
فَنَقُولُ: الدلِيلُ عَلَى جَوَازِ وُرُودِ مِثْلِ هذَا الخِطَابِ عَارِيًا عَنِ البَيَانِ- وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَن الاسْمَ الْمُشْتَرَكَ يُفِيدُ: إما هذَا، وَإمَّا ذَاكَ، من غَيرِ تَعيِينِ؛ وَهذَا الْقَدرُ يَصْلُحُ أن يُرَادَ تَعرِيفُهُ مِن غَيرِ بَيَانِ التفصِيلِ.
الثانِي: أَنهُ يَحسُنُ مِنَ المَلِكِ أَنْ يَقُولَ لِبَعضِ خَدَمِهِ: "قَد وَليتُكَ البَلَدَ الْفُلانِي، فَاخرُجْ إِلَيهِ في الغَدِ، وَأَنا أَكتُبُ إِلَيكَ مُذَكرَة في تَفَاصِيلِ تِلْكَ الأَعمَالِ"، وَإِذَا كَانَ مِثلُ هذَا الكَلامِ حَسَنًا في الْعُرْفِ - ثَبَتَ أَنهُ عَارِ عَنْ جِهَاتِ القُبحِ.
واحتج الْمُخَالِفُ: بِأنهُ لَوْ حَسُنَ الخِطَابُ بِالاسْمِ الْمُشتَرَكِ مِنْ غَيرِ بَيَانٍ في الحَالِ- لَجَازَ خِطَابُ العَرَبِي بِالزنْجِيةِ مِنْ غَيرِ بَيَانِ في الْحَالِ.
وَالْجَوَابُ: أَن الْمُعتَبَرَ في حُسنِ الخِطَابِ: أن يَقْدِرَ السامِعُ عَلَى أن يَعرِفَ مَا هُوَ
===
قوله: "وأما الخطاب الذي لا ظاهر له، وهو الاسم المشترك، كالقرءِ المشترك بين الطهر والحيض، فنقول هذه الألفاظُ لها ظاهر .. " إلى آخره:
الحَاصِلُ: أَنَّ الاسمَ المُشتَرَكَ يُفِيدُ بيانًا إجمالِيًّا، وهو من مَقَاصِدِ المُخَاطَبِينَ.
قوله: "إنه يحسن مِنَ المَلِكِ أن يقولَ لبعض خَدَمِهِ: قد وَليتُكَ البَلَدَ الفُلانِي، فاخرج إليه من الغَدِ، وأنا أكتبُ إليك مُذكرة فيها تفاصيلُ تلك الأعمالِ، وإذا كان مِثلُ هذا حسنًا في العُرف، ثَبَتَ أنه عارٍ عن جِهَاتِ القُبحِ":
وهذا الوجه الثاني راجِع إلى بعض صُوَرِ الأَوْلِ؛ فإنهُ بيان إجمالي إلَّا أنَّهُ قصر فيه، وكان حَقهُ أن يقولَ: يأمره بأوامر جملية يحيل تفصيلها على ورود المذكرة؛ ليطابِقَ مَحَل النزاع.
قوله: "واحتج المُخَالِفُ بأنه لو حَسُنَ الخِطَابُ بالاسمِ المُشتَرَكِ من غير بيانِ في الحال- لجاز خطابُ العَرَبِي بِالزنجِية من غيرِ بيانِ في الحال".
وأجابَ بالفَرق بأن الخطابَ بمثل ذلك لا يَصِح؛ لأنه لا يُفهَمُ منه شَيءٌ، والخطابُ بالمُشتَرَكِ يُفْهَمُ منه أَن المرادَ أَحَدُ الشيئين، أو الأشياءِ.
والحَقُّ في الجوابِ أن يجوزَ ذلك أيضًا، ولا فَرْقَ بين ذلك، وبين خطابِ عُمُوم الخَلقِ الأحمر والأسودِ باللسان العَرَبِيِّ بشرط التفسير عند الحاجة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨].
[ ٢ / ١٠ ]
المَفْهُومُ مِنَ الْخِطَابِ، وَهذَا الْمَعْنَى حَاصِل عِنْدَ سَمَاعِ اللفْظِ الْمُشتَرَكِ؛ لأنهُ وُضِعَ لإِفَادَةِ أَحَدِ هَذَينِ الْمَعنَيَينِ، فَالسامِعُ فَهِمَ مِنْهُ هذَا القَدْرَ، وَهذَا الْقَدرُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ يَقتَضِي تَعْرِيفَهُ، وَذلِكَ بِخِلافِ الْعَرَبِي إِذَا خُوطِبَ بِالزنجيةِ؛ فَإِنّهُ لَا يَفْهَمُ مِنْ ذلِكَ الخِطَابِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ بِإِزَائِهِ؛ فَظَهر الْفَرقُ.
===
ومِما يَلْحَقُ بهذا البابِ:
أنه يجوزُ البيانُ بِكل دَلِيل عَقلِيٍّ، أو سَمعِيٍّ، أو حسي، أو عُرفِي، أو قرينةِ حالٍ أو فعلٍ، لكن يُشتَرَطُ في الفعل ما يُشعِرُ بكونه بيانًا من قرينة قولية، أو حالية.
ومن المَشهُورِ بين الفقهاء: أَن بيانَ الواجب واجِبٌ، وبيان المندوبِ مندوب، وهذا ليس على إطلاقِهِ؛ بل قد يكونُ بيانُ المندوبِ واجبًا على الرسُولِ؛ تبليغًا كما يجب عليه بيانُ المُبَاحِ.
ومن تمام الباب:
التنبِيهُ على أمورٍ ظَنَّ قومٌ أنها مُجْمَلَةٌ، وليست مُجْمَلَةً:
منها: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قال الكَرخِي: هي مُجْمَلَةٌ؛ لأنه أضاف التحريمَ إلى الذاتِ، وليست مُرَادَة؛ وإنما يُحَرمُ الفِعْلُ، والأفعالُ كثيرة، وليس إِضمارُ بعضِ بأولَى من بَعضٍ.
وجوابُهُ: أن العُرفَ يُعَيِّنُهُ؛ فَإِن التحريمَ إِذا أُضِيفَ إلى النساءِ، فُهِمَ منه تحريمُ الاستمتاع عرفًا، وإذا أُضِيفَ إلى الطعام والشرابِ، فُهِمَ منه تحريمُ التناوُلِ عرفًا.
ومن ذلك قوله -﵊ -: "لا عمَلَ إلا بِنِية" وقوله -عليه الصلاة
[ ٢ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والسلام- "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَم يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ".
[ ٢ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زعم أبو عبد الله البَصرِي: أنها مُجمَلَة؛ لأنَّ الذَّاتَ المَنفِيَّةَ ليست مُرَادَة، وإنَّما المرَادُ الحكمُ وهو مُتَرَدِّدٌ بين نفي الكمالِ، ونفي الإجزاءِ.
والجواب من وجهين:
الأوَّل: أنَّه إذا كان للشَّارع التعيينُ، فلا مانِعَ من إضافَةِ النَّفي إلى المُسَمَّى الشَّرعِيِّ إن أمكن.
ثم لو سُلِّمَ عَودُهُ إلى الحُكمِ فَنَفيُ الصِّحَّةِ أظهرُ، لوجهين:
أَحَدُهُما: أن مِثلَ هذا يُستَعمَلُ في العرفِ لِنفي الجَدوَى والفائدة؛ كما يقال: لا عِلْمَ إلا بِعَمَل، ولا بَلَدَ إلا بسلطانٍ، ونَفي الصِّحَّةِ أظهرُ في بيانِ نفي الفائدة.
الثَّاني: أنَّه يُشعِرُ بالنفي العامِّ، ونَفيُ الصحة أَقرَبُ إلى العُمُومِ من نفي الكمالِ؛ لأنَّ البَاطِلَ لا اعتبارَ له بوجهٍ فساوى العَدَمَ" والله ﷿ أعلم.
جَرَت عَادَةُ الأصوليينَ بتقديم مسألة على هذه المسألةِ، وهي:
[ ٢ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تَحقِيقُ عِصمَة الرُّسُلِ -﵈- لِتَوَقُّفِ الاقتداءِ بهم على نَفيِ المُخَالفَةِ منهم.
وبالجملة: فالنَّظَرُ فَي أَربَعةِ أطرافٍ:
[ ٢ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأوَّل: اتَّفَقَ العلماءُ على امتناع صُدُورِ الكُفرِ منهم إلا الفضيليةَ -وهم فِرقَة من الخوارج- فَإِنَّهُم جَوَّزُوا عليهم الذَّنبَ، وكُلُّ ذنب عندهم كُفرٌ وما نُقِلَ عن الرَّوافِضِ: أنهم يجيزون إِظهارَ الكُفُرِ؛ تَقِيَّة.
الثَّاني: ما يُبَلِّغُونَهُ عن الله تعالى، وهم معصومون فيه عن الكَذِبِ والتحريفِ عمدًا؛ فَإِنَّهُ مدلولُ المُعجِزَةِ.
واختلِفَ في جواز وُقُوعِهِ سهوًا، ولا يُقِرُّونَ عليه اتفاقًا.
الثالث: صُدورُ الكبائِرِ منهم:
قَطَعَ المُعتَزِلَة بامتناعها عقلًا؛ بِنَاءَ على التحسينِ والتقبيحِ العقليِّ؛ لما فيه من التنفيرِ عنِ المتابعة.
وقطع القاضي وأصحابُنَا بذلك سمعًا.
وَقَضَتِ الحَشَويَّة بجوازِها، وَوُقُوعِهَا.
الرابع: الصغائر:
وجُمهُورُ المُعتَزِلَةِ على جوازها عَمدًا، وسهوًا، وتأويلًا:
واختلف أَصحَابُنَا في ذلك، والأَظهَرُ عَدَمُ الوقوعِ، وتَأويلُ ما يُوهِمُ ذلك وُقُوعُهُ قبل النُّبُوَّةِ، أو تَركُ الأَولَى.
وذهبتِ الشِّيعَةُ: إِلَى امتناعِ الذَّنبِ مطلقًا عمدًا، وسهوًا، وتأويلًا، وهو اختيارُ الفَخرِ، إلا ما كان سهوًا من الصغائِرِ، وحُجَجُ ذلك مَذكُورَة في الكُتُبِ الكلامِيَّةِ.
[ ٢ / ١٧ ]