وَالمُختَارُ -عِندَنَا-: أَن كُلَّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ - ﵇ - وَجَبَ أَنْ نَأتِيَ بِمِثْلِهِ، إلا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلَى خِلافِهِ.
وَقَال قَومٌ: لَيسَ كَذلِكَ.
===
عُدنَا إلى المسألة، ولا بُدَّ من تنقيحِ مَحَلِّ النزاع، فنقول:
ما كان من أفعالِ الجِبِليةِ؛ كأصلِ القِيَامِ والقُعودِ، والأكل والشرب - فالاتفاقُ على أنَّه مُبَاحٌ مِنَّا ومِنهُمُ.
وما دَلَّ الدليلُ على اختصاصِهِ به - ﷺ - كوجوبِ الوتر، والتَّهَجُّدِ وغير ذلك- فالاشتراكُ فيه يُنَافِي الاختصاصَ.
وما وقع منه بيانًا: إمَّا بقولٍ؛ كقوله - ﵊ -: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي".
"أو بقرينة حالٍ؛ كما إِذا أمَرَ بِقَطع السَّارِقِ، ثُمَّ قَطَعَهُ من الكُوعِ-: فلا نزاعَ في الاقتداءِ به.
وما عُلمَت صِفَتُهُ من أفعاله- علمه الصَّلاة والسلام- من وُجُوب، أو ندب، أو إِباحة-: فالجمهورُ على وجُوبِ اتباعِهِ فيه بحسبه: إنْ وجوبًا فوجوبٌ، وإن ندبًا فندبٌ، وإنّ إباحةً فإِباحةٌ.
وقال أبو علي بن خلاد المعتزلي بذلك في العِبَادَاتِ خَاصَّة.
وقال قومٌ: حُكمُهُ حُكمُ ما لم تُعلَم صِفَتُهُ، وسنذكره إِن شاء الله تعالى.
وأمَّا ما لم يُعلَم، فهو مَحَلُّ النزاعِ.
[ ٢ / ١٨ ]
لَنَا وُجُوهٌ:
الأوَّل: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ وَظَاهِرُ الأَمرِ لِلْوُجُوبِ، وَالْمُتَابَعَةُ عِبَارَة: عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِ مَا أَتَى بِهِ المَتْبُوعُ لأَجْلِ كَوْنِهِ آتِيًا بِهِ؛ وَذلِكَ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
فَإِنْ قَالُوا: بِأَنَّ قَولَهُ تَعَالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أَمرٌ بِتَكوينِ هذِهِ الْمَاهِيَّةِ؛ فَلَا يُفِيدُ الْعُمُومُ.
قُلْنَا: الأَمْرُ بِتَكْوينِ المَاهِيَّةِ يَقتَضِي الأَمرَ بِتَكْوينِ فَرْدٍ مِنْ أَفرَادِهَا: فَإِنْ كَانَ ذلِكَ الْفَردُ مُتَعَيِّنًا بِدَلِيل مُنفَصِل، كَفَى فِي العَمَلِ بِذلِكَ الأَمْرِ الإِتْيَانُ بِذلِكَ الفَردِ. وإن لَم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، لَمْ يَكُن حَمْلُهُ عَلَى البَعضِ أَوْلَى مِن حَملِهِ عَلَى البَاقِي فإمَّا ألا يُحمَلَ عَلَى شَيء مِنهُمَا؛
===
وقدِ اختُلِفَ فيه:
فمذهبُ مالكٍ: أَنَّهُ على الإِباحة، وهو سَدِيدٌ فيما لم يكن واقعًا في محل القَرِينَةِ.
ومذهب الشَّافِعِي: أنَّه على النَّدبِ، وهو سَدِيدٌ فيما إذا كان في محل القرينةِ.
ومذهب أبي حنيفةَ، وابن سريج، والإصطخريّ، وابن خيران: أنَّه على الوجوب.
ومذهب الصَّيرفيُّ والقاضي: الوَقفُ؛ لأنَّ الفعل لا صِيغَةَ له والخُصُوصِيَّاتُ والأدِلَّةُ مُتَعَارِضَةٌ.
احتجَّ الفَخرُ للوجوبِ بوجوهٍ:
"الأَوَّلُ: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]: وظاهِرُ الأمرِ للوجوبِ: والمُتَابَعَةُ: عبارة عن الإِتيانِ بمثل ما أَتَى به المَتبوعُ؛ لأجلِ كونه أتَى بِهِ": وهذا احترازٌ عن مِثلِ نُطقِ اليهودِ بكلمة التوحيد كنطقنا، ولا يُعَدُّ مُتَابَعَة لنا.
واعتُرِضَ عليه: بأنَّ المتابعةَ لا تَتَحَقَّقُ إلَّا إِذا أَتَى به عَلَى الوَجهِ الَّذِي أَتَى به من فَرْض أَوْ نَقل، أو إِباحَةٍ، وذلك في المعلومِ وَصفُهُ، فنقول به، وليس هو مَحَلَّ النِّزَاعِ.
قوله: "فإن قالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أَمرٌ بتكوينِ هذه المَاهِيَّةِ ولا يفيد العمومَ- قلنا: الأمر بتكوين الماهِيَّةِ يقتضي تكوين فردٍ مِن أَفرَادِهَا؛ فَإن كان ذلك الفردُ مُعَيَّنًا بدليل مُنفَصِل، كَفَى في العَمَلِ بذلك الأمرِ الإتيانُ به وإن لم يكن مُعَيَّنًا: لم يكن حَملُهُ على بعضٍ أَوْلَى من حَملِهِ على بعضٍ: فإِمَّا [ألا] يُحَمَلَ على شيء فيقتضي تعطيلَ النَّصّ، أو يحملَ على الكُّلِّ إلا ما خَصَّهُ الدليلُ، وهو المطلوبُ".
[ ٢ / ١٩ ]
فَيَقتَضِي تَعطِيل النَّصّ، أَوْ يُحمَلَ عَلَى الكُلِّ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ وَهُوَ المَطلُوبُ.
وَأَيضًا: الأَمرُ الوَارِدُ عَقِيبَ الوَصفِ المُناسِب يَقتَضِي كَونَهُ مُعَلَّلًا بِهِ، وَمُتَابَعَتُهُ فِي الأَفعَالِ وَالتُّرُوكِ يَقتَضِي صُدُورَ الأَفعَالِ الشَّرعِيَّةِ وَالتُّرُوكِ الشَّرعِيَّةِ عَنِ المُكَلَّفِ؛ وَذلِكَ مُنَاسِبٌ لِلأَمرِ بِهِ، وإذَا كَانَ كَذلِكَ كَانَ يَقتَضِي هذَا التَّكلِيفُ نَفسَ مُتَابَعَتِهِ؛ فَوَجَبَ أَن يَعُمُّ هذَا الحُكمُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ مِن لَوَازِمِ مَحَبَّةِ الله تَعَالى، ثُمَّ إِنَّ مَحَبَّةَ الله تَعَالى لازِمَة وَاجِبَةٌ بِالإِجمَاعِ، وَلازِمُ الوَاجِبِ وَاجِبٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ - ﷺ - وَاجِبَة.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَهذَا الكَلامُ يَجرِي مَجْرَى الوَعِيدِ لِمَنْ تَرَكَ التَّأسِّيَ بِهِ، وَلَا مَعنَى لِلَتَّأسِّي بِهِ، إلا أَن يَأتِيَ الإنسَانُ بِمِثلِ مَا أَتَى بِهِ فِي الفِعلِ وَالتَّركِ.
===
والاعتراضُ عليه أن المُطلَقَ إنَّما يَدُلُّ على فرد شائع.
وقوله: "إنه يلزم من عَدَمِ التعميم الترجيحُ بلا مُرَجِّح، أو تعطيلُ اللَّفظِ"- غَيرُ لازِم؛ لعدم الحَصرِ فيهما، لإمكانِ قِسم ثالث، وهو تحصيلُ المُطلَقِ بإيقاعِ مُسَمَّاهُ كما في سَائِرِ المُطلَقَاتِ.
كيف، والمُطلَقُ يكفي العملُ به في صورة، وقد أَجمعنا على وجوب المتابعة في المعلوم وَصفُهُ، وأصل الدِّينِ؟ !
قوله: "وأيضًا الأمر الوارد عَقِيبَ الوَصفِ المُنَاسِبِ يقتضي كونه مُعَلَّلًا به ومتابعته في الأفعال، والتروك " إلى آخره.
حَاصِلُهُ: التعميمُ بطريقِ القِيَاسِ والمعنى، والجامع: أَنَّ وجوبَ مُتَابَعَتِهِ في صورة ما؛ إِنما كان توقيرًا له وتعظيمًا، وهذا موجودٌ في سائِرِ الأفعالِ؛ فَوَجَبَ التعميم.
واعتُرِضَ عليه في المناسبة: بِأنا لا نسَلِّمُ أَنَّ مُتَابَعَةَ العَبدِ لِسَيِّدِهِ في جميع أَفعَالِهِ، مثلُ أَن بَجلِسَ إِذا جَلَس، ويركَبَ إِذا رَكبَ، وَيَأكُلَ إِذا أكل- تكون توقيرًا وتعظيمًا.
قوله: "الثَّاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] " إلى آخره:
يقال بِمُوجَبِهِ: فَإنَّ المُتَابَعَةَ هي الإِتيانُ به على الصِّفَةِ التِي أتَى بها: إِن وجوبًا فوجوبٌ، وإن ندبًا فندبٌ، وإن إِباحة فإباحة، وذلك في المَعرُوفِ الصِّفَةِ، ونَحنُ نقولُ به، والنزاع في الفعل المُجَرَّدِ.
قوله: "الثالث: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهذا يَجرِي مَجْرَى الوعيد لِمَنْ تَرَكَ التَّأسِّيَ، ولا معنى لِلتَّأسي إلا
[ ٢ / ٢٠ ]
فَإن قَالُوا: "إِنَّهُ بِتَقدِير أَن يَعتَقِدَ الرَّسُولُ -﵇- أَنَّ تِلْكَ الأَفعَال غَيرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الأُمَّةِ-: كَانَ اعتِقَادُ الأمَّةِ وُجُوبَهَا عَلَيهِم: مُخَالفَة لَهُ وَتَركًا لِمُتَابَعَتِهِ":
قُلْنَا: الاعتِقَادُ أَمرٌ خَفِيٌّ، وَهُوَ مُتَعَارِضٌ؛ لأَنَّهُ بِتَقدِيرِ أَنَّ يَعتَقِدَ الرَّسُولُ -﵇ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي الأَفعَالِ عَلَى الأُمَّةِ-: كَانَ اعتِقَادُهُم أَنَّهَا غَيرُ وَاجِبَةٍ: تَركًا لِمُتَابَعَتِهِ.
فَثَبَتَ: أَنَّا إِنِ اعْتَبَرنَا حَال الاعتِقَادِ جَاءَ التَّعَارُضُ؛ فَوَجَبَ طَرحُهُ وَالاقتِصَارُ عَلَى الأَفعَالِ الظَّاهِرَةِ.
الرَّابع: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَإِذَا حَمَلنَا لَفظَ "الأَمرِ" عَلَى الشَّأنِ المُطلَقِ، وَالطَّرِيقِ -دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أفعَالِهِ وَأَقوَالِهِ، وَيَجِبُ حَملُهُ عَلَى هذَا الْمَعنَى؛ لأَنَّهُ هُوَ الْقَدرُ المُشْتَرَكُ بَينَ الأَمرِ بِمَغنَى "القَولِ"، وَبَينَ الأَمْرِ بِمَعنَى "الْفِعلِ".
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]
===
أَن يَأتي بمِثلِ ما أتى بهِ في الفِعلِ، والتَّركِ": هذه الحُجَّةُ تمسَّكَ بها القائلون بالندب؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢١]: ولم يقل: عليكم، وقوله: في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] يَجرِي مجرى الوعيدِ" يعني: أَنَّ المرادَ به لِمَنْ كان يَخَافُ الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠].
فيقال له: هذا تَرْك لِلظَّاهِرِ؛ فلا بُدَّ له من دليل.
قوله: "فَإِنْ قالوا: إِنَّهُ بتقديرِ أَن يَعتَقِدَ الرسولُ أَن تلك الأفعال غيرُ واجِبَةِ على الأُمَّةِ كان اعتقادُ الأمةِ وُجُوبَهَا عليهم، مُخَالفَة
- قلنا: الاعتقادُ أَمرٌ خَفِيٌّ، ومُتَعَارِضٌ":
يعني: أَنَّ احتمال الخَطَإ فيه لا يُتَصَوَّر الاحترازُ عنه؛
فإنَّا لو اعتقدنا كونه ندبًا يحتملُ الوجوبَ أيضًا؛ كاحتمال العَكسِ فَيَتَعَيَّن الإِعرَاض عنه.
وما ذكره إنَّما يلزم من عيَّن للفعل محملًا، من ندب، أو إباحة، وأمَّا الواقفية فلا.
قوله: "الرابع: قولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] إِذا حملنا لَفظَ الأمرِ على الشَّأنِ والطَّريق- دخل فيه جميع أَقوالِهِ، وأفعالِهِ، ويجبُ حملُهُ على هذا المعنى؛ لأنَّه القَدرُ المُشتَرَكُ":
يرد عليه: أَنَّ السَّابِقَ إِلى الفهم من الأمرِ القولُ المخصوصُ، وأيضًا الإِجماعُ الذي نَقَلَهُ هو في مسألة الأوامر على أنَّهُ حقيقةٌ في القولِ، فَيَتَعَيَّنُ أن يكونَ مجازًا فيما سواه؛ دفعًا للاشتراكِ.
قوله: "الخامس: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
[ ٢ / ٢١ ]
وَإِذَا فَعَلَ شَيئًا فَقَدْ أَتَانَا بِذلِكَ الفِعْلِ؛ فَوَجَبَ عَلَى الأُمَّةِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ.
السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]؛ بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالى إِنَّمَا زَوَّجَهُ بِهَا؛ لِيَكُونَ حُكمُ أُمَّتِهِ مُسَاويًا لِحُكمِهِ في ذلِكَ؛ وَهذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاقْتِدَاءَ بِهِ وَاجِبٌ.
السَّابِعُ: أَنَّ الاقْتِدَاءَ بِهِ في بَعْضِ الأَعْمَالِ وَاجِبٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْكُلِّ وَإجِبًا؛ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ:
بَيَانُ الأَوَّلِ: قَوْلُهُ - ﵇ -: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي"، وَقَوْلُهُ -﵇-: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكُمْ".
بَيَانُ الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيهِ الاقْتِدَاءُ بِه فِي بَعْضِ التَّكَالِيفِ، وَجَبَ عَلَيهِ الاقْتِدَاءُ في سَائِرِهَا؛ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
الثَّامِن: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُشَاقَّةً لَهُ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ:
===
أَوْرَدَ عليه: منع أنَّه أتى به لنا، وإنما أَتَى به لنفسه، أو أنَّهُ محمولٌ على الأمر، لمقابلته بالنهي؛ هكذا ذكروا.
والحَقُّ: أنَّ: "آتاكم" ممدودٌ من العطاءِ، والآيةُ في النفي.
قوله: "السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧] بَيَّنَ تعالى أَنه إِنما زَوَّجَهَا منه؛ للاقتداء به؛ ليكونَ حكمُ الأُمَّةِ مساويًا لحُكمِهِ في ذلك" يعني لقوله تعالى: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب ٣٧].
يُقَالُ عليه: إنَّ ذلك قرينةٌ في التَّأسِي، ونحنُ نقولُ به.
قوله: "السابع: أَنَّ الاقتداءَ به في البَعْضِ واجبٌ؛ فيجبُ الاقتداءُ به في الكُلِّ، إلَّا ما خَصَّهُ الدليلُ".
يرد عليه: أنَّه يَنْقَلِبُ؛ فَإنَّا نقولُ: الاقتداءُ به في بعض الأحوالِ ليس بواجب بالإجماع، فَوَجَبَ أَنْ يكونَ الكُل كذلك إلا ما خَصَّهُ الدليلُ.
وجوابه: الترجيحُ بالأغلب.
قوله: "الثامن: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُشَاقَّةً لَهُ، وَمُشَاقَّةُ الرَّسُولِ: -﵊- مُحَرَّمَةٌ، وَإِنَّما قلنا: إِنْ تركَ مُتَابَعَةِ الرسولِ مُشَاقَّةٌ لَهُ؛ لأَنَّ المُشَاقَّةَ " إلى قوله: "وإنما قلنا أن مشاقة الرسول محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يشُاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنْ لَهُ الْهُدَى ﴾ الآية [النساء: ١١٥] ".
يرد عليه: أَنَّ حَملَ المُشَاقَّةِ على ما ذُكِرَ يَلْزَمُ منه أَنَّ كُلَّ مَن تركَ سُنَّةَ، أو مُبَاحًا فعله رسولُ الله - ﷺ - يكونُ مَتَوَعَّدًا بمضمونِ الآيةِ، وهو خلافُ الإِجماعِ فيتعينُ حَمْلُ المُشَاقَّةِ على
[ ٢ / ٢٢ ]
وَإِنَّمَا قُلْنَا: "إِنَّ تَرْكَ مُتَابَعَتِهِ مُشَاقَّةٌ لَهُ"؛ لأَنَّ المُشَاقَّةَ عِبَارَة: عَن كَوْنِ أَحَدِهِمَا في شِقٍّ، وَكَوْنِ الآخَرِ في شِقٍّ آخَرَ؛ فَإِذَا فَعَلَ الرَّسُولُ - ﵇ - فِعْلًا وَتَرَكَهُ غَيرُهُ، كَانَ ذَلِكَ الْغَيرُ في شِقٍّ آخَرَ مِنَ الرَّسُولِ؛ فَكَانَ مُشَاقًّا لَهُ.
وَإِنمَا قُلْنَا: "إِن مُشَاقَّةَ الرَّسُولِ مُحَرَّمَةٌ"؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥] وَالمُرَادُ مِنَ "الْهُدَى": الْمُعْجِزُ الدَّالْ عَلَى كَوْنِهِ رَسُولًا؛ لأَنَّا بَيَّنا أَن المُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالأَلِفِ وَالَّلامِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، وَالمَعْهُودُ السَّابِقُ - هَهُنَا - هُوَ مُعْجِزَاتُهُ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ -﵃- رَجَعُوا فِي تَكَالِيفِهِمْ إِلَى أَفْعَالِهِ؛ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا في الغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَينِ، رَجَعُوا فِيهِ إِلَى عَائِشَةَ - ﵂ - فَقَالت: "فَعْلتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاغْتَسَلْنَا"، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ رَجَعُوا إِلَى قَوْلِهَا.
===
المشاقة العُرفِيَّةِ: المحادة والمعاندة، أو يقالُ: الوعيدُ مُقَيَّدٌ بتبينِ الهُدَى، والنزاعُ في الفعلِ المُجَرَّدِ، وهو مجهولُ الوصف.
قوله: "المراد من الهدى: المعجزة" قلنا: تقييدٌ من غيرِ دليلٍ، وَإِنْ حُمِلَ على المعجزة، فالمرادُ من المُشَاقَّةِ: مُشَاقَّةُ الكُفَّارِ؛ ونحنُ نقول به.
قوله: "التاسع: أَنَّ الصحابةَ - رضوانُ الله عليهم - رجعوا في مَعْرِفَةِ تكاليفهم إِلى أَفعاله" هذا الدَّليلُ يُقَرِّرُونَهُ إِجماعًا بالوجوهِ التِي ذكرها، وكُلَّهَا محمولَةٌ على ما اقترن به الأمرُ بالتأسي من قوله - ﷺ -: "صَلَّوا كَمَا رَأيتُمُوْنِي أُصَلِّي"، و"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" والغسل من التقاء الختانين من أسباب الصلاة.
[ ٢ / ٢٣ ]
ثَانِيهَا: أَنَّهُمْ وَاصَلُوا الصِّيَامَ لَمَّا وَاصَلَ، وَخَلَعُوا نِعَالهُمْ في الصَّلَاةِ لَمَّا خَلَعَ، فَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - الفَرْقَ، تَرَكُوا تِلْكَ الْمُتَابَعَةَ؛ وَلَوْلَا أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الأَصْلَ وُجُوبُ مُتَابَعَتِهِ؛ وَإِلَّا لَمَا فَعَلُوا ذلِكَ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - كَانَ يُقَبِّل الحَجَرَ الأَسْوَدَ، وَيَقُولُ: "إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ؛ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يُقَبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ".
وَبِالجُمْلَةِ: فَتَمَسُّكُ الصَّحَابَةِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَجْرِي مَجْرَى التَّوَاتُرِ الظَّاهِرِ.
العَاشِرُ: الحَدِيثُ المَشهُورُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ -: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ".
وَالاسْتِدْلَالُ بِهذَا الْخَبَرِ، مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
===
قوله: "العاشر: الحديث المشهور؛ وهو قوله -﵊-: "عليكم بسنتي ":
يقال فيه: إِنَّهُ محمولٌ على ما عُرِفَ وَصْفُهُ من قولٍ، أو فعل، وهو الجوابُ عن الحادي عشر، وهو قوله -﵊-: "مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي، وعن الثاني عشر أَيضًا؛ وهو قوله -﵊-: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي"؛ وعن الثالث عشر؛ وهو قولُهُ - ﵊-: "تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ".
[ ٢ / ٢٤ ]
الأَوَّلُ: أَنَّ السُنَّةَ عِبَارَة عَنِ "الطَّرِيقَةِ" وَهِيَ تَتَنَاوَلُ: الفِعْلَ وَالْقَوْلَ وَالتَّرْكَ، وَقَوْلُهُ -﵇-: "عَلَيكُمْ" للْوُجُوبِ؛ وَهذَا يَدُل عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ في افْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَتُرُوكِهِ.
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ -﵊-: "عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ"؛ وَذلِكَ تَأكِيدٌ عَظِيمٌ لِلأَمْرِ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ -﵇-: "إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ" لَا يُرِيدُ بِهِ كُلَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ؛ فَإنَّ جَمِيعَ الأَفْعَالِ هَكَذَا، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ: مَا يَأتِي بِهِ الإِنْسَانُ مَعَ أَنَّهُ -﵇- لَمْ يَأْتِ بِمِثلِهِ، وَذلِكَ مُتَنَاولَ لِلْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ -﵇- كَانَ تَرْكُهُ بِدْعَة، وَكُلَّ مَا تَرَكَهُ الرَّسُولُ -﵇- كَانَ فِعْلُهُ بِدْعَةٍ.
فَلَمَّا حَكَمَ عَلَى البِدْعَةِ بِأنَّها ضَلَالةَ؛ عَلِلْنَا بِأَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ - ﵇ - في كُلِّ الأُمُورِ وَاجِبَةٌ؛ إِلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
الحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ - ﵇ -: "مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي، فَلَيسَ مِنِّي" وَالسُنَّةُ: الطَّرِيقَةُ؛ فَكَانَ ذلِكَ مُتَنَاولًا لِلأَقوَالِ، وَالأَفْعَالِ، وَالتُّرُوكِ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ قَال - ﵇ -: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَت عَلَى اثْنَتَينِ وَسَبعِينَ فِرْقَة، وَسَتَفتَرِقُ أُمتِي عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلا فِرْقَةً وَاحِدَةً"، فَقَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي".
وَالاسْتِدْلَالُ بِهِ: أَنَّ قَوْلَهُ - ﵇ -: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي" يَتَنَاوَلُ الأَقْوَال، وَالأَفْعَال، وَالتُّروكَ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ - ﵇ -: "لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" وَمَنْ تَرَكَ فِعْلًا فَعَلَهُ الرَّسُولُ - ﵇ - لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ هذَا الْوَعِيدِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ - ﵇ -: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤتَمْ بِهِ؛ فَلَا تَخْتَلِفُوا
===
قوله: "الرابع عشر قوله -﵊-: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا" دَلَّ الحديثُ: على أنهُ يجبُ على كُلِّ قومٍ أَنْ يأتوا
[ ٢ / ٢٥ ]
عَلَيهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا".
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ قَوْمٍ أَنْ يَأتُوا بِمِثْلِ مَا فَعَلَ إِمَامُهُمْ، وَلَمَّا أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ - ﵇ - إِمَامُ الأَئِمَّةِ بِأَسْرِهِمْ -: وَجَبَ عَلَيهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَفْعَالِهِ وَتُرُوكِهِ؛ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ: بِأنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ مَخْصُوصًا فِي تَكَالِيفِهِ وَأَفْعَالِهِ بِأُمُورِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيرُهُ.
===
بِمِثلِ ما فعل إِمامُهم، ولمَّا أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّه - ﵇ - إِمَامُ الأَئِمَّةِ بِأَسْرِهِمْ -: وَجَبَ عَلَيهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَفْعَالِهِ إلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
يرد عليه: ما تَقَدَّمَ.
قوله: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ: بِأنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ مَخْصُوصًا فِي تَكَالِيفِهِ وَأَفْعَالِهِ بِأُمُورِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيرُهُ.
هذه الحُجَّةُ للواقِفِيَّةِ، وتمامُهَا: أَنَّ الفعلَ لا صِيغَةَ له، والخصوصياتِ مُتَعَارِضَةٌ، والأَدِلَّةَ مُتَكَافِئَةٌ؛ فَيَتَعَيَّنُ الوَقْفُ إِلى البيان.
[ ٢ / ٢٦ ]
الْجَوَابُ: أَنَّ الدَّلَائِلَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: إِنْ تَرَكْنَاهَا - لَزِمَنَا صَرْفُ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ إِلَى الْمَجَازَاتِ، وَلَوْ أَبْقَينَاهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا لَزِمَنَا إِدْخَالُ التَّخْصِيصِ فِيهَا؛ وَقَدْ بَيَّنَّا في "بَابِ الْمَجَازِ": أَنَّ التَّخْصِيصَ خَيرٌ مِنَ الْمَجَازِ.
===
قوله: "الجواب أن الدلائل التي ذكرناها: إِنْ تركناها لَزِمَ صَرْفُ الظواهر إِلى المجازات"، يعني: أَنْ تُصْرَفَ الأَوامِرُ لغير الوجوب، وهو مجازٌ.
قوله: "ولو أبقيناها على ظواهرها، لزمنا إِدخالُ التخصيصِ عليها": لأنَّ الأَمْرَ بالاتباع، والتأسِّي، وغيره - مُقْتَضَاهُ التَّعْمِيمُ، وقد أَجْمَعْنَا على تَخصِيصِهِ.
قوله: "قد بَيَّنَّا في بابِ المجازاتِ أَنَّ التخصيصَ خَيرٌ من المجازِ": يعني: فيكون الاعتمادُ على، ما ذكرنا من أدلة الوجوب، أَوْلَى.
واحتجَّ لِلنَّدْبِيَّةِ بالآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ولم يقل: عليكم، وما ذكر في تقرير الندبية، يُعَارِضُهُ ما ذكر في تقرير الوجوب.
واحتجوا: بأنَّ ما فعله: إِمَّا أَنْ يكونَ راجِحَ الفعلِ، أو التَّرْكِ، أو مساويًا، ولا جَائِزٌ أَنْ يكونَ راجِحَ التركِ؛ لِمَا يلزمُ فيه من المُخَالفَةِ، وَمَنْصِبُهُ -﵊- يَجِلُّ عن ذلك، ولا مساويًا؛ لأنه عَبَثٌ؛ فيتعَيَّنُ أَنْ يكونَ راجحًا.
ولُحُوقُ العِقَابِ، أو الذَّمِّ مَشْكُوكٌ فيهما؛ فيتعين النَّدْبُ.
والاعتراضُ عليه: لا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ المساوي عَبَثٌ؛ بل إِباحة.
والظاهِرُ حَمْلُ ما كان في مَحَلِّ القربة على النَّدْبيَّةِ؛ لأنه راجِحُ الفعلِ، وهو المُتَيَقَّنُ.
وما لم يكن في محل القربة: على الإِباحَةِ، إلا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
[ ٢ / ٢٧ ]