الأَمْرُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، عَلَى سَبِيلِ الاسْتِعْلاءِ.
وَهذَا التَّعْرِيفُ يَشْتَمِلُ عَلَى قُيُودٍ:
الْقَيدُ الأَوَّلُ: قَوْلُنَا: "اللَّفْظُ الدَّالُّ" فَالْفَائِدَةُ فِيهِ: أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الألْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى هذَا الْمَعْنَى، بِأَيِّ لُغَةٍ كَانَتْ.
===
الأَمْرُ والنَّهْيُ قِسْمَانِ من أَقسَامِ الكلام؛ كالْخَبَرِ، والاسْتِخبَارِ، والوَعْدِ والوعيد، والتَّرَجِّي والتَّمَنِّي، والدعاء، والنِّدَاءِ، وغير ذلك مما ذكر، والْحَصْرُ اسْتِقرَائِيٌّ.
والْكَلامُ يُطلَقُ على مَعَانٍ ما بين حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، فَيُطْلَقُ على المَعْنَى القائم بالنَّفْسِ، وعلى اللَّفْظِ مُسْتَعْمَلًا كان [أَو مُهْمَلًا]، مُؤَلَّفًا كان أو غير مؤلف.
وعلى الجُمْلَةِ التَّامَّةِ في اصْطِلاحَ النُّحَاةِ، وعلى الكناية، وعلى الإشارة، وعلى دلالة الحال؛ كقوله [من الرجز]:
امْتَلأَ الحَوْضُ
وقال بعضهم: ولا خِلافَ أن إطْلاقَهُ على الكِنَايَةِ، وَالإِشَارَةِ، ودَلالةِ الحَالِ -مجاز، وأن إِطْلاقَهُ على الجُمْلَةِ التَّامَّةِ في اصْطِلاحَ النُّحَاةِ- حَقِيقةٌ عرفية خَاصَّةٌ.
[ ١ / ٢٣٤ ]
الْقَيدُ الثَّانِي: قَوْلُنَا: "عَلَى طَلَبِ الْفعْلِ"؛ فَنَقُولُ: إِنَّ مَاهِيَّةَ الطَّلَبِ مُتَصَوَّرَةٌ لِكُلِّ العُقَلاءِ تَصَوُّرًا بَدَهِيًّا؛ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ شَيئًا مِنَ الصَّنَائِعِ الْعِلْمِيَّةِ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْحُدُودَ وَالرُّسُومَ -فَإِنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ الْبَدَهِيَّةَ بَينَ طَلَبِ الفِعْلِ، وَبَينَ طَلَبِ التَّرْكِ،
===
وأما إِطْلاقُهُ على المَعْنَى القَائِمِ بالنَّفْسِ: فَحَقِيقَةٌ عند الأَشْعَرِيِّ، وأما إِطْلاقُهُ على اللَّفْظ: فقد تَرَدَّدَ الأَشْعَرِيُّ في أنه حقيقة أو مجاز، والمَشْهُورُ عنه: أنه مجاز.
وقال في جواب "المَسَائل البَصْرِيَّةِ": إنه حَقِيقَةٌ، فيكون مشتركًا.
وزعمت المُعْتَزِلَةُ: أنه حَقِيقَةٌ في اللفظ؛ لمُبَادَرَتِهِ إلى الفَهْمِ، ولأنه لو علقَ عليه طَلاقًا لم يَحْنَث بما في النَّفْسِ، وإنما يَحْنَث باللفظ.
وإذا انْقَسَمَ الكَلامُ إلى النَّفْسي واللفظي، فالأمر، والنهي، والخبر ينقسم إلى ذلك، ونحتاج في تَمْيِيزِ كُل وَاحِدٍ منها إلى حَدٍّ؛ لامتناع اجتماع المتخالفات في حَدٍّ واحد، أو رَسْمٍ وَاحِدٍ.
وقد اختلف الناسُ في حد الأمر اللفظي:
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَبَينَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَبَينَ الْمَفْهُومِ مِنَ الْخَبَرِ، وَيَعْلَمُونَ بِالْبَدِيهَةِ: أَنَّ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لأَحَدِهِمَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنِ الثَّانِي.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وَكُلْ ذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هذِهِ الْمَاهِيَّةَ مُتَصَوَّرَةٌ تَصَوُّرًا بَدهِيًّا.
===
فقال القاضي ابنُ البَاقِلانيّ: هو القولُ المقتضى طاعةَ المأمُورِ بفعل المأمورية.
وضُعِّفَ من أَوْجُهٍ:
الأول: أَنَّ القول كما يُطْلَقُ على اللفظ، يُطلَقُ على ما في النفس؛ فيكون مشتركًا، والحُدُودُ تصار على الألفاظ المشتركة.
الثَّانِي: أَن قولَه: المأمور، والمأمورِ به مشتقانِ مِنَ الأَمْر، فَمَنْ جَهِلَ الأمرَ جهل كُلَّ ما يشتقُّ منه، فتعريفهُ به يلزمُ منه الدّور، وتعريفُ الأَجْلَى بالأَخْفَى.
[ ١ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثالث: أَنَّ الطاعة عنده موافقةُ الأَمْر، فيلزم المحذور المذكور.
وقال أوائل المعتزلة: الأمر قول القائل لمن دونه: "افعلْ"، أَوْ مَا يقوم مقامه.
وأُورِدَ عليهم: أَنها قد تَرِدُ من النائم، والهَاذِي، ولا تكون أمرًا.
فقالوا: مع إرادة إِحْدَاث الصيغة أمرًا.
فورد عليهم: أَنَّها ترد لِلتَّهْدِيدِ، والإِباحة.
فقالوا: وإرادَةُ جعل الصيغة أمرًا.
فورد عليهم: أنَّها قد ترد مِنَ الحَاكِي، والمُبَلِّغِ، وليسا بآمرين.
فقالوا: مع إرادة المأمور به.
واكتفى الكَعْبِيُّ بإرادة المَأمُورِ بِهِ عن إرادة جعلها أمرًا، لاستلزامها، فقال: هي تابعة للحدوث.
واعْتُرِضَ عليهم: بأنَّ تقييدَهُ عن دُونِه يمنع طرده؛ فقد قال فِرْعَوْنُ لقومه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف ١١٠].
وقال عمرو بن العاص لمعاوية [من الطويل]:
[ ١ / ٢٣٨ ]
الْقَيدُ الثَّالِثُ: قَوْلُنَا: "عَلَى سَبِيلِ الاسْتِعْلاءِ" فَالْفَائِدَةُ فِيهِ: أَنَّهُ لَوْ طُلِبَ ذَلِكَ الْفِعْلُ عَلَى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ -سُمِّيَ ذلِكَ الطَّلَبُ دُعَاءً وَالْتِمَاسًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى أَمْرًا: إِذَا حَصَلَ ذلِكَ
===
أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا فَعَصَيتَنِي وَكَانَ منَ التَّوْفِيقِ قَتْلُ ابْنِ هَاشِمِ
وقد اعتذروا: بأَنَّ هذا الإِطلاق مجازٌ، وحسَّنه تنزيلُه نفسَهُ منزلةَ الملتزم إشارته.
فلمَّا استشعر المصنِّفُ هذه الاعْتراضَاتِ على الحدين أراد حده بما يسلم من ذلك كُلِّه، فقال هو: "اللَّفْظُ الدَّالُّ على طَلَبِ الفِعْل عَلَى سَبِيل الاسْتِعْلاء".
فاستعمل "اللفظ" بدل "القول"؛ ليحترز عن الاشتراك، وقولُه: "الدال" احترازٌ من المُهْمَلِ، وقوله: "على طلب"، احْتِرَازٌ مِنَ الخَبَرِ، وقولُه: "الفعل" احترازٌ من النهي والاسْتفهام،، وقولُه: "على سَبِيل الاسْتِعْلاء" ليدخل فيه مثل قول عمرو:
أَمَرْتُكَ أَمْرًا حَازِمًا البيت
ويخرج منه الالتماسُ، والدعاء.
قوله: "والقيدُ الثَّاني: طلب الفِعْل، فنقول: مَاهِيَّةُ الطلب متصورة لِكُلِّ العقلاء تصورًا بَدَهِيًّا " إلى آخره.
لم يختلف العقلاءُ في أنَّ الآمر حالة أمره، يجدُ في نفسه مِعنى ما يُعَبِّرُ عنه بالصِّيغَةِ.
لكن اخْتَلَفُوا في تَعْيِين ذلك المعْنَى، فزعمت الأَشْعَرِيَّةُ: أَنَّهُ اقتضاءٌ واستدعاء مغاير لماهية الإرادة.
وأنكرتِ المعتزلةُ ذلك، وقالوا: ليس في النفس إلَّا الإِرادة، فتنحل من هذا: أَنَّ وجْدَانَ أصل المعنى ضَرُورِيٌّ، وتصوره نظري، ولا يلزم مِنْ عِلْمنا بوجُودِ الشَّيءِ بالضرورة -أن نتَصوره ضرورة؛ فإنا نعلم وجود أَرْوَاحِنا بالضرورة، ولا نتصورها بالضرورة.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الطَّلَبُ مَعَ الاسْتِعْلاءِ؛ وَإِنَّمَا شَرَطنَا الاسْتِعْلاءَ لَا الْعُلُوَّ؛ لأَنَّ مَنْ قَال لِغَيرِهِ: "افْعَلْ" عَلَى
===
وكذلك نعلمُ بالضرورة اختصاصَ حجر المِغنَاطِيس بخاصَّةِ جَذْبِ الحَدِيد، ولا نتصورها.
فدعْوَى المُصَنِّفِ: أن تصور ماهيته بَدَهِيَّة- غير صحيح.
واحْتجاجُه على أنه بَدَهِيٌّ بأَنَّ مَنْ لم يمارس شَيئًا من الصنائع العلمية، ولم يعرف الحدود، والرسوم بأمرٍ ونَهْي ".
يرد عليه: أَنَّ ذلك يستدعي وُجُودَ الشعور به، لَا تَصوّر ماهيته.
قولُه: "ويدرك التفرقة بين طلب الفعل، وطلب الترك": يعني بين الأمر، والنهي.
وقولُه: "وبين كُلِّ واحدٍ منهما"، يعني: بين الأمر، والنهي، وبين الخبر- يرد عليه: أَنَّ الفرق بين الشيئين، وتمايزهما لا يتوقفُ على فهم حقيقتهما ولا بُدَّ؛ فإنا كما نفرق بين الشيئين بتباينهما في شَيءٍ من الأَوْصاف الذاتية، فقد نفرِّقُ بينهما بتباينهما في الخواص، وبأَن يعرض لأحدهما ما لا يعرض للآخر:
مثال الافتراق بالخواص في مسألتنا، أَنْ نقول: من خَاصِّيةِ الأمر تعلقه بفعل الغير، ومن خاصيَّةِ الإرادة التي تخصص أن تتعلق بفعل المريد.
وأَيضًا فإنَّ الآمر قد يأمر بما يعجز عنه؛ كالعاجز عن القيام بَأَمْر غيره، بخلاف المريد.
ومثال افتراقها بالعارض: وجودُ أَحَدِهما بدون الآخر، وقد ذكر الأصحابُ له أَمْثلةٌ:
أحدها: أَنَّ الله تعالى أمر الكُفَّارَ والعُصَاةَ، ولم يرد إِيمانهم وطاعتهم؛ لأنه لو أراد ذلك - لوقع.
والثَّانِي: أنه لو حلف ليقضِيَنَّ غريمهُ دَينَه غدًا، إِنْ شاء الله تعالى، فلم يقضهِ في الغد مع التمكن- فإِنَّه لا يَحْنَثُ مع وجود الأمر.
الثالث: السيد المُعَاقَب من جِهة السلطان على ضَرْب عَبْدِه إذا اعتذر بأنه يُخَالِفُه، وأراد تَحْقِيقَ عُذْرِه بأمره بحَضْرةِ الملك، فإِنَّه يأمره، ولا يريد امتثالهُ.
وَاعْتُرِضَ على هذا الوجْهِ: بأنَّ الوارد منه -والحالة هذه- ليس حقيقةَ الأَمْر، وإِنَّما هو إرادة الأمر، وإِظهاره، وعذره يتمهد مع التلبيس.
قالوا: ومثله واردٌ عليكم في الطلب النفسي.
الرابع: قصة إبراهيم - ﵇ - فإِنَّه أُمِرَ بذبح ولده، ثم نسِخَ عنه قبل الامتثالِ، ولو
[ ١ / ٢٤٠ ]
سَبِيلِ التَّضَرُّعِ إِلَيهِ-: لَا يُقَالُ: "إِنَّهُ أَمَرَهُ" وَإِنْ كَانَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ، وَمَنْ قَال لِغَيرِهِ: "افْعَل، عَلَى سَبِيلِ الاسْتِعْلَاءِ؛ يُقَالُ: "إِنَّهُ أَمَرَهُ" وَإِنْ كَانَ أَدْنَى رُتبَةً مِنْهُ؛ وَلذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَ مَنْ هَذَا شَأنُهُ بِالجَهْلِ وَالحُمْقِ؛ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ أَمَرَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ رُتبَةً.