اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ، وَاليَهُودُ خَالفُوهُمْ.
===
النسخ يُطْلَقُ لغةً:
[ ٢ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بمعنى الرفع والإزالة يقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ، ونَسَخَتِ الرياحُ آثارَ القومِ.
وبمعنى: النقل والتحويل؛ كَتَنَاسُخِ المَوارِيثِ، ومنه: نَسَختُ الكتابَ:
فقيل: إِنه حقيقة فيهما؛ لاستعماله فيهما، ولَيس بَينهما قَدْرٌ مُشْتركٌ، فيكون مُتَوَاطِئًا ولا علاقة؛ فيكون أحدهما مجازًا.
وقِيل: حقيقة في النقل؛ لاستلزامه الإِزالةَ.
وقِيل: حقيقة في الرفع: وهو الأظهر؛ لتبادُرِهِ إلى اللهم عند الإِطلاق.
واخْتُلِفَ في معناه وَحدِّهِ شرعًا:
[ ٢ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال القاضي: هو الخطابُ الدَّالُّ على رَفْعِ حُكمِ خِطَابٍ سابق، وارتضاه الغزاليُّ.
واعْتُرِضَ عَلَيهِ بوجوه:
الأول: أنَّ الحكم عنده قديم، والخطابُ وتَعَلُّقُهُ لنفسه، فكيف يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ؟ !
الثاني: أنه غير جامعٍ؛ فإنَّ الحكم قد يستند إلى فعلِ الرسول - ﷺ - ويكون ناسخًا ومنسوخًا.
الثالث: أن ما ذكره حَدُّ الناسخِ لا النسخِ.
وأُجِيبَ عن الأول: بأنَّ المنسوخَ تَقَرُّرُ الحُكمِ فِي الأَذهان والمُعْتَقَدَاتِ، لا في نفس الأمر؛ فإِنه قَدِيمٌ.
وعن الثاني: بأنَّ الفعلَ إنما يَدُلُّ وإسناده إلى قول: إما عامّ؛ كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام ١٥٥] وإما خَاصّ؛ كقوله -﵊ -: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي".
وأما الثالث: فلازم والأَسَدُّ فيه أنْ يُقَال: النَّسْخُ: رَفْعُ حكمٍ شرعيِّ بدليل شرعيِّ مُتَأخِّرٍ عَنْهُ، فالمعنيُّ برفع الحكم: أنَّ الشارع إذا أَمَرَنَا باستقبالِ بيت المقدس في كلِّ صلاة بغير عدد، وحكمنا بوجوب الاستقبال دائمًا، واعتقدنا دوامه، فإن وَرَدَ بعد ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة ١٤٤]-: كان زوالُ حُكمِنَا واعتقادِنا بوجوب استقبال بيتِ المقدس وارتفاعه- بسبب الخطاب؛ فَأُضِيفَ إِليه؛ كما أَنَّ مُقُتَضى البيعِ دوامُ المِلْكِ، فإِذا ورد الفَسْخُ عليه أُضِيفَ زوالُ المِلْكِ إِليه.
وتقييدُ الحكمِ المرفوعِ "بالشرعيِّ" احترازٌ من رفع حكم البراءة الأَصْلِيَّةِ، وإيجاب الصلاة والزكاة، وغير ذلك.
وتقييدُ الرافع بدليل شرعي: احترازٌ من سُقُوطِهِ بالموت، وطريان العجز مع شُمُولِهِ لجميع الأَدِلَّةِ الشرعية: القولية والفعلية.
وتقييدُه بالتأْخِيرِ: احترازٌ من تقييدِ الحُكْمِ بغاية ابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة ١٨٧].
هذا مذهب القاضي، وخالفه أبو إِسحاقَ الإسفراييني والإمام، وَردَّاهُ إلى بيانِ ظهور انتفاء شرط الاستمرار.
[ ٢ / ٣٤ ]
وَاعْلَمْ: أَنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ احْتَجُّوا عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ؛ بِأَنْ قَالُوا: ثَبَتَ الْقَوَلُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَصِحَّةُ نُبُوَّتِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى صِحَّةِ حُصُولِ النَّسْخِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ حَقًّا.
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدِ -﵇- أَمْرٌ مُوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ النَّسْخِ؛ لأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَال: إِنَّ مُوسَى وَعِيسَى -﵉- نَصًّا عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمَا يَبْقَى إِلَى ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَكَانَ انْتِهَاءُ شرْعِهِمَا جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
===
وخالفه الفخر أيضًا، والمعتزلة، وجمهورُ الفقهاء، وَرَدُّوه إلى بيانِ أمد الحكم، ولكل منهم معتمد.
والرَّدُّ عليهم يأتي في المسألة الثانية إِن شاء الله تعالى؛ حيثُ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وكان حَقُّهُ أنْ يذكره أولًا؛ لأن البحثَ في جوازِ النسخ ووقوعه فَرْعُ تَصَوُّرِهِ.
قوله: "المسألة الأولى: اتفق المسلمون على جواز النسخ ".
نُقِلَ عن طائفة من المسلمين مَنْعُهُ، وردُّوا جميع ما يُدَّعَى أنه نسخ إلى التخصيص.
وجمهورُ اليهودِ على امتناعه عقلًا، وذهب شِرذِمَةٌ منهم إلى امتناعه سمعًا.
قوله: "واعلم أَنَّ جمهورَ المسلمين احتجوا على وقوع النسخ بأَنْ قالوا: ثبت القول بنبوة محمَّد - ﷺ - وصِحَّةُ نُبُوَّتِهِ موقوفةٌ على النسخ؛ فَوَجَبَ أَنْ يكونَ النسخ حقًّا": هذا كلامٌ ليس على ظاهره؛ فإِنَّ نُبُوَّةَ محمَّد - ﷺ - لا تتوقف إلَّا على إِثبات المُعْجِزَةِ، وإنَّما مُرَادُهُ أنَّ ثبوتَ نبوة محمَّد - ﷺ - مع كونها ناسخةً لبعض الشرائع المتقدمة - موقوفةٌ على صِحَّةِ النسخ على هذا التقدير.
واعْتُرِضَ عليه: بأَنَّ هذا لا يُفِيدُ مع اليهودِ مع تكذيبهم لنبوةِ محمَّد - ﷺ - فلا تَثْبُتُ نبوتُهُ ما لم يثبتِ النسخُ، ولا يثبتِ النسخُ ما لم تثبت نبوتُهُ؛ فيدور.
والوجه أَنْ يُحَرَّرَ إِيرادُهُ فيقالُ: وُقُوعُ الخارِقِ على وَفْقِ دعوى المُتَحَدِّي، مع العَجْزِ عن معارضته- إمَّا أَنْ يَدُلَّ على صدق المتحدي أَوْ لا:
فإنْ لم يَدُلَّ على صِدْقِ المتحدي لَزِمَ أَلَّا يُصَدْقوا موسى، - ﵇ -.
وإنْ دلَّ: لزم تصديقُ محمَّد - ﷺ -.
قوله: "ولقائِلٍ أَنْ يقول: لا نسلم أَنَّ صحةَ نبوةِ محمَّد - ﷺ - موقوفةٌ على النسخ؛ إِذْ يمكنُ أَنْ يقال: إِن موسى - ﵇ - نَصَّ على بقاءِ شَرْعِهِ إِلى ظهورِ شَرْعِ محمَّد - ﷺ - فكان انتهاءُ شَرْعِهِ جاريًا مجرى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ [البقرة ١٨٧] ":
هذا السؤال لا يمكن لليهود إيراده؛ لأَنَّ في ضمنه تصديق محمدٍ - ﷺ - وهم لا يُصَدِّقُونه؛ وإِنما هو شَكٌّ في هذه الحُجَّةِ، وقد يتمسك به مَنْ ينفي النسخ من المسلمين.
والرَّدُّ عليه بالحُجَج السمعية كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى
[ ٢ / ٣٥ ]
وَمِنَ النَّاسِ مَنِ احْتَجَّ عَلَى النَّسْخِ؛ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مَنْسُوخَةٍ.
وَاعْلَمْ: أَنَّا بَيَّنَّا فِي "التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ": أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ نَسْخٌ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّخْصِيصِ.
وَالْمُعْتَمَدُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ: الْعَقْلُ، وَالنَّقْلُ:
أمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ أَنَّ الإِيجَادَ يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ، وَالإِيجَابَ بِالْكَلامِ؛ فَكَمَا لَا يَبْعُدُ حُصُولُ الإِيجَادِ بَعْدَ الإِعْدَامِ، وَالإِعْدَامِ بَعْدَ الإِيجَادِ فَكَذلِكَ لَا يَبْعُدُ حُصُولُ الإِيجَابِ بَعْدَ الحَظْرِ، والحَظْرِ بَعْدَ الإِيجَابِ.
وَأَمَّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
===
قوله: "ومن الناس مَنِ احتج على النسخ بأن القرآن مُشتَمِلٌ على آياتٍ كثيرة منسوخةٍ" - كآية العِدَّةِ، وآية الصَّدقَةِ بين يدي النجوى، وغيرِ ذلك-: ظاهِرٌ.
قوله: "واعلم أنَّا بَيَّنَّا في "التفسير الكبير": أَنَّ أكثر ما يُدَّعَى فيه أنه نسخ؛ فإنَّهُ يَصِح حَمْلُهُ على التخصيص" يعني: فالاعتمادُ على الآية الدَّالَّةِ على النسخ من حيثُ الجملة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١"]، وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]-أولى من الاحتجاج بالآية الدالة على التفصيل.
قوله: "والمُعْتَبَرُ في جوازِ النسخِ العَقْلُ والنَّقْلُ: أما العَقْلُ: فهو أن الإِيجاد يَحْصُلُ بالقدرة، والإِيجابَ بالكلام، فكما لا يَبْعُدُ حُصُولُ الصحة بعد السقم ولا يبعد حصولُ الإِيجاب بعد الحظر والحظر بعد الإيجاب " إلى آخره:
حاصِلُ هذه الحُجَّةِ: أنه لو امتنع النَّسْخُ، فَإِمَّا أن يَمْتَنِعَ لذاته، أو لغيره:
ولا امتناعَ لذاته بالاتفاق.
ولو امتنع لغيره لكان: إِمَّا لِمَا يَلْزَمُ منه من البَدَاءِ؛ كما يَزعُمُ اليهودُ، أو للتناقُضِ؛ كما تزعم المعتزلةُ في النسخ قبل الامتثال: مِنْ أَنَّ الشيءَ الواحِدَ يكونُ مُرادًا ولا مرادًا، حسنًا قبيحًا؛ للإِجماع على أَنَّ ما عدا ذلك ليس بمانعٍ.
ولو لَزِمَ البداءُ أو التناقُضُ في الحكم، لَلَزِمَ في الفعل من تبديل الحياة بالموت، والصحةِ بالسقم، والغِنَى بالفقر، وعَكسُ ذلك، فكما لا يمتنع منه التَّصَرفُ بالفعل، ولا يلزَمُ منه البداء ولا التناقض- فكذلك لا يَمْتَنِعُ بالقول ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
قوله: "وأمّا النَّقْلُ فقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]:
لا يقال: المرادُ بالنسخ النقلُ من اللَّوْحِ المحفوظِ إِلى صُحُفِ الملائكة؛ لأنَّا نقولُ: يلزم أَنْ
[ ٢ / ٣٦ ]
احْتَجَّ الْيَهُودُ عَلَى إِنْكَارِ النَّسْخِ؛ بِوَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ مُوسَى -﵇- حِينَ نَصَّ عَلَى شَرْعِهِ: فَإِمَّا أَنْ يُقَال: إِنَّهُ نَصَّ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الدَّوَامِ، أَوْ سَكَتَ عَنِ الْقَيدَينِ:
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: كَانَ حُصُولُ عَدَمِ الدَّوَامِ يُوجِبُ كَذِبَهُ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالاتِّفَاقِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَقْلُ هذَا الْقَيدِ جَارِيًا مَجْرَى نَقْلِ أَصْلِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ هذَا الْقَيدُ حُكْمًا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَيَّنَهُ بَيَانًا ظَاهِرًا-: وَجَبَ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا؛ إِذْ لَوْ جَازَ فِي مِثْلِ هَذَا أَلَّا يُنْقَل، جَازَ -أَيضًا- أَنْ يُقَال: إِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - بَيَّنَ فِي الصَّلاةِ وَالصَّوْمٍ وَالْحَجِّ: أَنَّها سَتَصِبرُ مَنْسُوخَةً بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؛ وَعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَإِنَّهُ تَخْرُجُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ عَنِ الْوُثُوقِ بِهَا.
===
يكون القرَآنُ كُلُّهُ منسوخًا، ولا يبقى لقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]- فَائِدَةٌ.
قوله: "واحتج اليهود بوجهين" وجوابهما واضح.
[قوله]: "قال أكثرُ الفقهاءِ: النسخ عبارة عن انتهاءِ مُدَّةِ الحكم، وهو المختار": صَوَابُهُ أَنْ يُقَال: عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الحُكْمِ مَعَ تَرَاخِيهِ. وإِلَّا لَزِمَ أَنْ يكونَ البيانُ بالتعيين بزمان مُتَّصِلٍ نسخًا.
قوله: "وقال القاضي: النسخ رَفْعُ الحُكْمِ بعد ثُبُوتِهِ" لا بُدَّ من تقييدِهِ بخطابٍ مُتَراخٍ؛ احترازًا من الرفع بالعجز والموت.
قوله: "والدليل على صحة الأول أنَّ طَرَيَانَ الطَارِئِ مشروطٌ بزوال الأَوَّلِ " إلى آخر المسألة:
نقولُ: قد خَالفَ القاضِيَ جَمَاعَةٌ من الفقهاء، وجُمْلَةُ المعتزلة، وأبو إِسحاقَ الإسفرايينيُّ، والإِمامُ، والمُصَنِّفُ من الأُصولِيِّينَ؛ ولِكُلِّ مُعْتَمَدٌ:
أمَّا الفقهاءُ فقالوا: الحُكْمُ خطابُ الله تعالى، وخطابُهُ كلامُهُ، وكلامه قديمٌ، وَتَعَلُّقُهُ بنفسه: فالرفع: إمَّا أَنْ يرجع إِلى الكلام، أو إِلى تَعَلُّقِهِ، وهما قديمانِ عنده، والقديمُ لا يَقبَلُ الرفعَ.
ورُدَّ عليهم: بأَنَّ ما فَرَضْتُمْ منه يلزمكم فيما صِرْتُم إِليه؛ حيثُ قُلْتُم: إِنه بيانُ أَمَدِ الحكم، وكما أَنَّ القديمَ لا يَقْبَلُ الرَّفْعَ لا يَقْبَلُ التقييدَ بالزمان ولا يعني بقاءَهُ.
وأمَّا المعتزلَةُ فقالوا: الشيءُ إنما يُؤْمَرُ به؛ لِحُسْنِهِ واشتماله على مَصْلَحَةِ، وإنَّمَا يُنْهَى عنه؛ لِقُبْحِهِ، واشتمالِهِ على مَفْسَدَةٍ، ولو أمر بالحكم الواحد ثُمَّ نَهَى عنه، لكان حَسَنًا قبيحًا، مَصْلَحَةً
[ ٢ / ٣٧ ]
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ -وَهُوَ أَنْ يُقَال: إِنَّ مُوسَى -﵇- بَيَّنَ شَرِيعَتَهُ، وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ الدَّوَامِ وَعَدَمِ الدَّوَامِ-: فَهذَا -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ مِثْلَ هذَا التَّكْلِيفِ لَا يُوجِبُ العَمَلَ إلا مَرَّةَ وَاحِدَةً؛ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ الأَمْرَ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ، لَمَا كَانَت شَرِيعَتُهُ بَاقِيَةً فِي تِلْكَ المُدَّةِ الطَّويلَةِ؛
فَثَبَتَ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ النَّسْخُ، لَكَانَتْ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ وَاقِعَةً عَلَى وَاحدٍ مِنْ هذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، وَثَبَتَ: أَنَّهَا بِأَسْرِهَا بَاطِلَةٌ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ بِحُصُولِ النَّسْخِ بَاطِلًا.
الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ -عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا- يَنْقُلونَ عَنْ مُوسَى -﵇- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ شَرِيعَتِي بَاقِيَةٌ غَيرُ مَنْسُوخَةٍ، وَنَصَّ فِي "التَّوْرَاةِ" عَلَى قَوْلِهِ: "تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتِ السَّمَواتُ وَالأرْضُ":
فَإِمَّا أَنْ يُكَذَّبَ هذَا النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْقَدْحَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.
وَإِمَّا أَنْ يُعْتَرَفَ بِأَن مُوسَى -﵇- قَال ذلِكَ؛ إِلَّا أَنَّهُ كَذَبَ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمينَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا صَادِقَ الْقَوْلِ.
وَإِمَّا أَنْ يُصَدَّقَ بِحُصُولِ هذَا الْخَبَرِ، وَيَصْدُقَ مُوسَى -﵇- فِي هَذَا الْخَبَرِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ طَرَيَانِ النَّسْخِ عَلَى شَرْعِهِ.
===
مفسدةً، مرادًا لا مرادًا؛ وهو جَمْعٌ بين النقيضين، أو يَلْزَمُ منه البَدَاءُ، وهو مُحَالٌ؛
فقالوا بِنَاءً على ذلك: النسخ: رَفعُ مِثْلِ الحكمِ بخطابٍ متراخٍ.
وَرُدَّ عليهم: بأنَّ شَرطَ النسخِ التراخي، ولا تناقُضَ مع تَعَدُّدِ الزَّمَانِ، ولا مَانِعَ من كونِ الشيءِ مَصْلَحَة في وقتٍ، مَفْسَدَةً في وقتٍ آخرَ، كأمرِ الحكيمِ بِشُرْبِ الدواءِ في وقتٍ، ونهيهِ عنه في غيرِهِ.
وقولهم: إنَّ المرفوع مثل الحكم.
يقال لهم: الخطابُ الأَوَّلُ لا يخلو: إمَّا أَنْ يتناوَلَ الحكمَ وقتَ الخطابِ الثاني أَوْ لَا:
فإنْ تناوله فالمحذورُ الَّذي فَرَرْتُم منه لازِمٌ لكم، وإن لم يتناوله فلا رَفْعَ.
وأمَّا المُصَنِّفُ: فقدِ اعتقد أنَّ بين الأمرِ والنهي تضادًّا، أو أنَّ رفع أحدهما بالآخر يستلزم إِعدامَ الضِّدِّ بالضِّدِّ، فهو كقول المعتزلة له: إِنَّ البياضَ إذا تام بالمَحَلِّ يَصِحُّ بقاؤُهُ، وانعدامه بطريان ضَدِّ من سوادٍ، أو غيرِهِ.
وقد رَدَّ القاضي عليهم دعوى الإِعدام بالضد بوجهين فاعتمد المُصَنِّفُ في الرَّدِّ على القاضي
[ ٢ / ٣٨ ]
الْجَوَابُ عَنِ الأَوَّلِ: أَنْ نَقُولَ: لَعَل مُوسَى -﵇- بَيَّنَ أَنَّ شَرِيعَتَهُ غَيرُ دَائمَةٍ؛ إلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا بَيَّنَ ذلِكَ بِطَرِيقٍ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ؟ فَلَا جَرَمَ: لَمْ يُنْقَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ قَلَّ عَدَدُهُمْ فِي زَمَانِ بُخْتَنَصَّرَ- وَبَلَغُوا في الْقِلَّةِ إِلَى حَيثُ لَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِقَوْلِهِمْ.