قَال الأَكْثَرُونَ: الْخَبَرُ: مَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ [لذاته]. وَعِنْدِي هذَا بَاطِلٌ؛
===
[قوله: "الباب الثامن في الأخبار]
وفيه مَسَائِلُ: المَسأَلَةُ الأولى:
قال الأَكْثَرُونَ: الخَبَرُ ما يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ والتَّكْذِيبَ لذاته":
اعلم أن الخَبَرَ قسم من أَقْسَامِ الكلام، ويُطلَقُ على النَّفْسِيِّ، واللفظي؛ كلفظ الكلام، وَهَلْ هو حَقِيقَةٌ فيهما، أو [حقيقة] في النفسي، مَجَازٌ في اللفظي أو بالعكس؟ الخِلافُ فيه كالخِلافِ في الكَلامِ. ويُطلَقُ مجازًا على ما يُفِيدُ الإِعْلامَ من الدَّلائِلِ المعنوية، والإشارات الحالية؛ كقوله:
تُخَبِّرُكَ العَينَانِ ما القَلْبُ كَاتِمُ
وقول المتنبي: [من الطويل]
وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَويَّةَ تَكْذِبُ
وقوله: "قَال الأَكْثَرُونَ" إِشَارَةٌ إلى أن من النَّاسِ من حده بغير هذا.
[ ٢ / ١٢٩ ]
لأَنَّ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ هُوَ الإِخْبَارُ عَنْ كَوْنِهِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا؛ فَهذَا يَقْتَضِي تَعْرِيفَ الْخَبَرِ
===
قال القاضي، والمعتزلة، وجماعة: الخَبَرُ هو الكَلامُ الذي يَدْخُلُهُ الصَّدْقُ والكذب.
ورُدَّ بأن خَبَرَ الله -تعالى- ورسله لا يَدْخُلُهُ الكَذِبُ، وبأن خبر من أخبر عن وُقُوعِ المُسْتَحِيلاتِ لا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ، وبأنه يستحيل اجتماعهما في خَبَرٍ وَاحِدٍ.
وَأُجِيبَ عن الأَوَّلِ بأن المَحْدُودَ مُطْلَقُ الخَبَرِ، وامتناع الكَذِبِ في خَبَرِ الله -تعالى- وَرُسُلِهِ باعتبار أنه خَبَرٌ خَاصٌّ، وكذا امْتِنَاعُ الصِّدُقِ في خَبَرِ من أَخْبَرَ عن وُقُوعِ المُسْتَحِيلاتِ، وهذا حق.
وأُجِيبَ عن الثَّانِي بأن بَعْضَ الخَبَرِ؛ يَدْخُلُهُ الصَّدْقُ، وبعضه يدخله الكَذِبُ، فعمَّ، وزَعَمُوا أنه جَوَابٌ عن الأول أيضًا، ولا يَصِحَّ بِوَجْهٍ؛ فإن شرط المميز أن يُوجَدَ في جَميع أَفْرَادِ المحدود فَصْلًا كان أو خَاصَّة، وقد جعل هذا الحَادُّ المميز دُخُولَ الصِّدْقِ وَالكَذِب، ولا يَجْتَمِعانِ في خَبَرٍ مَا.
وأورد عليه أيضًا: أن قَوْلَ القَائِل: مُحَمَّدٌ - ﷺ - ومَسَيلَمَةُ صَادِقَانِ، وقول من لم يَصْدُقْ قط: خَبَرِي كله كَذِبٌ- لا يدخلها صِدْقٌ ولا كذب.
وأُجِيبَ عن الأَوَّلِ بأنه في تَقْدِيرِ خَبَرَينِ: أحدهما صدق، والآخر كذب، أو بأن الخَبَرَ عن المَجْمُوعِ بالصِّدْقِ كذب، وعن الثاني أنهما يَدْخُلانِهِ باعتبارين، والحق: أنه كَاذِبٌ.
فعدل بعضهم من أجل هذه الأسئلة عن هذا الحد وقال: هو الكلام الذي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ أو الكذب، فخرج عن هذين السؤالين الأولين، ويجيب عن الثَّانِي بما ذكر.
ونوقش في استعماله لكلمة "أوْ" فإنَّها مُمْتَنِعَةُ الاسْتِعْمَالِ في الحُدُودِ الحقيقية، فإن الشَّيءَ
الواحد لا يَقُومُ بمختلفين على البَدَلِ، مُسْتَقْبحَة في الرسمية؛ لظهورها في التَّرَدْدِ المُنَافِي لِمَقْصُودِ الحَدِّ من البَيَانِ، فعدل الأَكْثَرُونَ لأَجْلِ هذا عن هذا الحَدِّ أيضًا.
وقالوا: الخَبَرُ ما يحتمل التَّصْدِيقَ والتكذيب، ويعم، فإن مَعْنَى التَّصْدِيقِ: نِسْبَةُ المتكلم
[ ٢ / ١٣٠ ]
بِنَفْسِ الْخَبَرِ؛ وَإِنَّهُ بَاطِلٌ. وَأَيضًا: الصِّدْقُ خَبَرٌ مُطَابِقٌ، وَالْكَذِبُ خَبَرٌ مُخَالِفٌ؛ فَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُمَا إِلَّا بِالْخَبَرِ؛ فَلَوْ عَرَّفْنَا الْخَبَرَ بِهِمَا، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَقَال الْمَنْطِقِيُّونَ: إِنَّهُ الْقَوْلُ الَّذِي يُوجِبُ شَيئًا لِشَيءِ، وَيَسْلُبُ شَيئًا عَنْ شَيء.
وَهذَا أَيضا ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ السَّلْبَ وَالإِيجَابَ نَوْعَانِ لِلْخَبَرِ، وَالنَّوْعُ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ إِلَّا بِالْجِنْسِ، فَلَوْ عَرَّفْنَا الْجِنْسَ بِالنَّوْعِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَأَيضًا: إِسْنَادُ أَمْرٍ إِلَى أَمْرٍ قَدْ يَكْونُ عَلَى سَبِيلِ الإِخْبَارِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْوَصْفِ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ فِي حَدِّ الْخَبَرِ وَجَبَ دُخُولُ الْوَصْفِ فِيهِ.
===
إلى الصِّدْقِ ولا يمتنع نِسْبَتُهُ إلى الصدق، وإن كان كاذبًا، ومعنى التَّكْذِيبِ: نِسْبَتُهُ إلى الكَذِبِ، ولا يمتنع نِسْبَتُهُ إليه، وإن كان صَادِقًا.
قوله: "وهذا عِنْدِي بَاطِلٌ؛ لأن التَّصْدِيقِ والتكذيب هو الإِخْبَارُ عن كونه كَذِبًا أو صِدْقًا، فقد اقتضى تَعْرِيفَ الخَبَرِ بنفس الخَبَرِ، وأنه باطل، وأيضًا الصدق خَبَرٌ مُطَابِقٌ، والكذب خَبَرٌ مُخَالِفٌ، فالصدق والكذب لا يمكن تعريفهما [إلا] بالخَبَرِ، فلو عرفنا الخَبَرَ بهما، لَزِمَ الدَّوْرُ":
ويرد عليه: أنا لا نُسَلِّمُ أن الصِّدْقَ هو الخبر المطابق بل مُطْلَقُ المطابقة؛ ولذلك يُوصَفُ به العَقْدُ والظن، فيقال: هذا عَقْدٌ صِدْقٌ، وهذا ظَنٌّ صِدْقٌ، وكذلك الكَذِبُ، وإذا لم يتوقف فهمهما على فَهمِ الخبر، فيصح أن يميزهما عن سَائِرِ أَقْسَامِ الكلام من الأَمْرِ، والنهي، والاستفهام، والتنبيه وغير ذلك.
قوله: "وقال المَنْطِقِيُّونَ: هو القَوْلُ الذي يُوجِبُ شيئًا لشيء، أو يسلب شَيئًا عن شَيء".
وقد زاد أبو الحُسَينِ فيه قَيدًا، فقال: الخَبَرُ كَلامٌ يفيد بِنَفْسِهِ إضافة أَمْرٍ إلى أَمْرٍ بنفي، أو إثبات، وإنما قَيَّدَهُ بنفسه؛ لأن الكلمة عنده كَلامٌ، فلو اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ: إِنه كلامٌ يفيد إِضَافَةً على الوجه المذكور، للزمه أن يكون مثل: "قَائِم" خبرًا؛ لأنه كلام عنده، وقد أفاد نسبة القيام، إلا أنه لم يُوضَعْ لِلدَّلالةِ على النِّسْبَةِ، لكن لِذِي النِّسْبَةِ؛ فإشعاره بها بالتضمن لا بنفس الوَضْعِ.
قوله: "وهذا أَيضًا ضَعِيفٌ؛ لأن السَّلْبَ والإيجَابَ نَوْعَانِ للخبر، والنوع لا يمكن تَعْرِيفُهُ إلا بِالجِنْسِ، فلو عرفنا الجِنْسَ بالنَّوْعِ، للزم الدَّوْرُ":
ويقال له: لا نُسَلِّمُ أن السَّلْبَ والإِيجَابَ نَوْعَانِ للخبر، بل بهما يَتَنَوَّعُ الخَبَرُ، ومفهوم السَّلْبِ والإيجاب بَدهِيٌّ لا يَتَوَقَّفُ على فَهمِ الخَبَرِ؛ فصح أخذهما في تَعْرِيفِه.
وَقَوْلُهُ: "وأيضًا إسناد أَمْرٍ إلى أَمْرٍ قد يَكُونُ على سَبِيلِ الإخبار، وقد يكون على سبيل الوَصْفِ" يعني: كقولك في حَدِ الإِنْسَانِ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، تال: فما ذكره في حَدِّ الخَبَرِ يُوجِبُ دخُولَ الوَصْفِ فيه.
وإذا قيل: الخَبَرُ كَلامٌ وُضِعَ لإِفَادَةِ نسبة أَمْرٍ إلى أَمْرٍ بنفي أو إثبات، وفسر الكلام بالجُمْلَةِ المُفِيدَةِ، فلا يَرِدُ عليه الوَصْفُ؛ فإن الصِّفَةَ والمَوْصُوفَ في تقدير المفرد، وإنما ورد ما ذَكَرَهُ؛
[ ٢ / ١٣١ ]
وَالْمُختَارُ -عِنْدَنَا-: أَن تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ تَصَوُّرٌ بَدَهِيٌّ؛
وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ: أَنَّ كُلَّ مَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ صِدْقٌ، كَقَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الاثْنَينِ، وَهذَا خَبَرٌ خَاصٌّ، وَتَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ أَصْلِ الْخَبَرِ؛ فَلَمَّا كَانَ تَصَوُّرُ الْخَبَرِ بَدَهِيًّا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ أَصْلِ الْخَبَرِ بَدَهِيًّا.