الْقِياسُ: عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ مِثْلِ حُكمِ صُورَةٍ فِي صُورَةٍ أُخرَى؛ لاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُثْبِتِ.
===
الْبَابُ التَّاسِعُ فِي الْقِيَاسِ
"وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المَسْأَلَةُ الأُولَى: القياسُ عِبَارَة عن إِثبَاتِ مِثْلِ حُكمِ صُورةٍ في صورةٍ أُخرى؛ لاشتراكهما في علَّة الحُكم عند المُثْبِتِ":
اعْلَمْ أن النَّظَر في هذا الْبَاب مِنْ أَهَمِّ مقاصِدِ أُصُولِ الفِقْهِ؛ فإنه مناطُ الاجتهادِ، وأصلُ الرأي، ومنه يتشعَّب الفقه، وعلَيهِ مدارُ الفُرُوعِ وعِلْمُ الخِلاف، ومنْه يَسْتَمدُّ، وإِلَيه يَسْتَنِدُ، وبه تَعُمُّ أحكامُ الوقائِعِ التي لا نهايَةَ لها؛ فإنَّ اعتقاد المحقِّقين: أنه لا تَخْلُو واقِعَةٌ عن حُكمِ اللهِ تعالى، ومواقعُ النصوص والإِجماعات محصورةٌ؛ والمتكفِّل بتعميم الأَحْكَامِ هو القياسُ.
والقياس في اللغة: عبارةٌ عن المساواةِ والتَّقْدِيرِ؛ يقال: قِسْتُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ، وقِسْتُ
[ ٢ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَرْضَ إذا قَدَّرْتُها بشيءٍ معلومٍ، وفُلانٌ لا يقاسُ بفلانٍ، أي: لا يساويه.
وأمَّا في الاصطلاحِ فقيلَ: لا يمكنُ حَدُّه ولا رَسْمُهُ؛ لأنه يتركَّب من معلوماتٍ مختلفةِ الحَقَائِق، ووجودٍ وعدمٍ، والمختلفاتُ لا تجتمعُ في فَصْلٍ واحدٍ، ولا خاصيَّةٍ واحدةٍ، والحقُّ: أنه لا يمتنع اجتماعُ بعْضِ المختَلِفَاتِ في أمْر ما يتميَّز بخاصيَّةٍ؛ فيكونُ الاسمُ والحَدُّ مَقُولًا عليها باعتبارِ ذلك، ثُمَّ إِنَّه إذا كان القياسُ من الأُمُور الجَعْلِيَّةِ المصْطَلَح عَلَيها - فلا يمتنعُ حده، أو رسمه؛ كسائر الحقائق الشرعية الجعلية وغيرها.
وأَسَدُّ عبارة اعْتَمَدَهَا المتقدِّمون، واخْتَارَهَا المحقِّقون عبارَةُ القاضِي؛ وهي: حَمْلُ مَعْلُوم عَلَى معلوم في إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيهِ عَنْهُمَا بأَمْرٍ جَامِعٍ بَينَهُمَا مِنْ حُكمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا.
وعدل عن لفظ "شَيء" إلى "معْلوم"؛ ليحوى به الموجُودَ والمَعْدُومَ؛ فإن قياسَ الدَّلالةِ يَجْرِي في المعدوم، والتعليلُ بالمانِعِ قياسٌ في نفي مَا لَهُ عرضيَّةُ الثبوتِ، وأَشَارَ إلى أنَّه لا يتمُّ إلا بجامع؛ فإِنَّ الجَمْعَ بِغَيرِ جَامِعٍ يَجُرُّ إِلى التعْطيل والتَّشْبِيهِ، ثم فَصَّلَ الجامعَ إلى "حُكْمٍ"؛ كقولك: "نَجِسٌ، فلا يَجُوزُ بَيعُهُ"، أو "صِفَةٍ"؟ كقولك: "مُسْكِرٌ؛ فَلا يَجُوزُ شُرْبُهُ"، أَوْ "نَفْيِ حُكْمٍ"؛ كقولك: "غَيرُ مَعْصُومِ؛ فَلَا يُضْمَنُ"، أَوْ "نَفْيِ صِفَةٍ"؛ كقولك: "غَيرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ".
وأُورِدَ عَلَيهِ أسئِلَةٌ:
الأَوَّل: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُحْمَلُ إِثبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ احَدِهِما للآخَرِ، فقَوْلُهُ: "في إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا": تَكْرَارٌ، وإن أراد غيره، فلا بُدَّ من إثباته.
الثَّاني: قولُهُ: "في إثبات حُكْمٍ لهما": يشعر بأن الأصْلَ ثبوتُ الحكْمِ في الأصل بالقياسِ، وهو دَوْرٌ، ويشْعِرُ بأَنَّ الثابت في الفَرْعِ عينُ حُكْمِ الأَصْلِ، وإِنه محالٌ؛ لاختلافِ المتعلَّق، ولأنَّ ثبوتَ الحُكمِ في الأَصْلِ مقطوعٌ به، وفي الفَرْعِ مظنونٌ، وفي الأَصْلِ مُجْمَعٌ علَيهِ، وفي الفَرْعِ مُخْتَلَفٌ فيه، وثبوتُهُ في الأَصْلِ بالنَّصِّ والإِجماعِ، وفي الفرعِ بالعِلَّةِ، وهو في الأَصْلِ أَصْلٌ، وفي الفَرْعِ فَرْعٌ فكَيفَ يَتَّحِدُ؟ ! .
الثالِثُ: تفصيلُهُ لِلْجَامِعِ: إمَّا أن يكُونَ مفتَقِرًا إلَيهِ، أَوْ لا: فإن كان مُفتَقِرًا إِلَيه، فَهَلَّا فصلَ المَقِيسَ إلى حُكْم وصفةٍ؛ فإنَّ القياسَ يجري في الصِّفَة؛ كإثباتِ أَنَّ البَارِيَ تعالى عَالِمٌ؛ لثبوتِ العَالِمِيَّةِ لَهُ؛ قياسًا على الشَّاهِدِ؛ فَإِنَّ المُعْتَزِلِيَّ يُسَلِّم تلازُمَ العِلْمِ للعالِمِيَّةِ شِاهدًا، ويسلم ثبوت الْعَالِمِيَّةِ غائبًا؛ فيلزمُهُ ثُبُوتُ العِلْم غائبًا، وإن لم يكُنْ مفتَقرًا إلَيه، وإنما هو أَمْرٌ عَرضَيٌّ للجامع، فَكَانَ زيادةً.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الرَّابعُ: استعماله لفظة "أَوْ"، وهي ظاهرةٌ في الشك المنافِي للبَيَانِ.
الخَامِسُ: أنَّه قاصِرٌ؛ لخروجِ الفَاسِدِ مِنْه.
والجوابُ عن الأوَّل: أنَّا لا نعني بالحَمْل مجرَّدَ ثبوته أو نفيه في الفَرْع؛ ليكون تكرارًا، وإنَّما نعني به ثبوتَهُ في الفَرْعِ أو نفيَهُ تَبَعًا لثبوتِهِ في الأصل أو نَفْيِهِ، ولا يتميَّز حكم الفرع عن حكم الأَصْل إِلا بذلك؛ فاستعمالُ لفْظِ "الحَمْلِ" فيه مِنْ أَرْشَقِ العباراتِ وأَحْسَن البلاغَات؛ فكيف يُعَدُّ استدرَاكًا؟ !
وعن الثاني: أن ثبوته لَهُمَا معًا بصِفة الجمعيَّةِ من أَثَر القياسِ.
وقولُهُ: "إنه يشعر باتِّحاد حُكْمِ الأصْلِ والفَرْعِ، وإِنَّه محالٌ بالوجوه المذكورة":
قلْنا: المرادُ: اتحادُهُما بالنَّوْعِ والحقيقة، لا بالشخص، وجميعُ ما مَيَّز به أمورٌ عرضيَّةٌ معتبرةٌ في التشخيصِ.
وعن الثالث: أنَّ إثباتَ الصفَةِ بالقِيَاسِ نوْعٌ منَ الحكم.
وقولهم: "فيستغني عن تفصيل الجَامِعِ":
قلنا: الحقُّ أنَّه مستغنى عَنْه، وإنما ذَكَرهُ القاضِي -﵀- لِوَجْهَينِ:
الأَوَّل: للتفهيمِ لا للتَّتْميمِ؛ وذلك شأْنُ مَنْ يريد الإفادة والتعليم.
الثاني: أنَّ في ذلك إشارة إلى أمورٍ وقَعَ الخلافُ فيها بَينَ القائِسِينَ؛ فَنَبَّهَ على مَذهبه فيها وما هو الحقُّ فِيهَا؛ مِنْ ذلك التعليل بالأحكامِ الشرعيَّةِ؛ فأشار إِلى أنَّه يصحُّ، ومِنْ ذلك التعليلُ بالعَدَم؛ فأشار إلى أنه يصحُّ الجمْعُ به، وإِنِ امتنعَ الجَمْع به في قياسِ المعْنَى، فلا يمتنعُ في قيَاسِ الدَّلالةِ؛ فإنَّ القياس جنْسٌ يتنوَّع إلى: قياسِ عِلَّةٍ، وقياسِ دَلالةٍ؛ فإنه لا يخلُو: إما أن يَجْمَعَ القائِسُ بعَين العلَّة أو بلازِمِها، والأوَّل: قياسُ العلَّة، والثاني: قياسُ الدلالة.
ثم قياسُ العلَّة ينقسمُ إِلَى: قياسِ المَعْنَى والإِخَالةِ، وإلى القياسِ في معنَى الأَصْلِ، وإلى قياسِ الشَّبَهِ، وعند بعضِهِمْ قياسُ السَّبْر والطَّرْدِ؛ على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وعن الرَّابعِ: أنَّه الثابتُ عَلَى أحَدِ الوُجوه المذكُورةِ، وأَحَدُ الوجوهِ المذكَورة بما هو أحد الوجوه أمر واحدٌ، وأن المذكور رَسْمٌ، وكونُ الشَّيءِ ملزومًا لأَحَدِ الشيئَينِ أو الأَشيَاءِ خاصَّةً يصحُّ التمييزُ بها.
وعن الخامِسِ: أنَّ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، فهو عنده لَا يَحْتَاجُ إلى مَزِيدٍ، وإن اعتقَدَ أنَّ المصيب واحدٌ، فلا بُدَّ أن يزيد فيه "فِي ظَنِّ المُجْتَهِدِ".
وأمَّا ما ذكره المصنف في الحَدِّ، وهو: "إثباتُ حُكمِ صورةٍ في صُورَةٍ أُخرَى؛ لاشتراكهما في علَّةِ الحُكم عنْدَ المُثبِتِ"، أو قَوْلُ من قال: "إِنه إثباتُ مِثْلِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ في معلومٍ آخَرَ؛ لاشتباهِهِمَا في علَّةِ الحُكْمِ عند المُثْبِتِ" وَإِنِ احْتَرَزَ عن الأسئلة الواردة عَلَى القاضِي، إلا أنه يحتاج في تعميمه في النفْيِ إلى غَايَةٍ في حمل الإِثباتِ على الحُصُولِ الذِّهْنِيِّ، مع أنه قاصِرٌ لا
[ ٢ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يَدْخُلُ فيه قياسُ الدَّلالة إذا عَيَّنا الجامِعَ بالعلَّة.
وأَوْرَدُوا علَيهِ: أَنَّه يُشكلُ بقياسِ العَكْس والتلَازُمِ والاقترانِ، والجميعُ غير وارد:
أما قياسُ العَكسِ، فلا بُدَّ من فهمه أوَّلًا، فَاعْلَمْ أنَّ القياسَ ينقسِمُ إلى قيَاس طَرْدٍ، وقياسِ عَكْسٍ:
فقياسُ الطَّرْدِ: أن يُعَيَّنَ القائِسُ علَّيَّةَ الأَصْل المجمَع علَيه، ويُحَقِّقَ علَّتَهَا بطريقٍ ما، ثم يَطرُدَهَا في الفَرْعِ المتنازَعِ فيه؛ كقولِهِ: الشِّدَّةُ المُطْرِيَةُ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وقَدْ تَحَقَّقَتْ فِي النَّبيذِ، فَيَحْرُمُ.
وقياسُ العَكْسِ: أن يحقِّق علَّةَ الخَصْمِ أَوَّلًا في الفرعِ على زَعْمِهِ، ثم يحقِّقها في صُورَةِ إِجْماعٍ مع تخلُّف الحُكمِ عنها بِالاتِّفاق؛ فينعكسُ الأَمْرُ في جَعْلِ محلِّ الإِجماعِ فَرْعًا للعلَّة، ومَحَلِّ النزاعِ أَصْلًا؛ فيسمَّى قياسَ العَكسِ لذلك، وهو بالحقيقةِ راجِعٌ إلى إِبْطَالِ مَأخَذِ الخَصْمِ بتعيين علَّتها ونَقْضِها.
مثالُ ذلك: قولُنَا في الخَارجِ من غَير السَّبِيلَينِ: إنه لا يَنْقُضُ الوضُوءَ مع تَسْلِيمِ الحَنَفِيِّ أنَّ قليلَهُ لا ينقُضُ الوضُوءَ، وتعليله النَّقْضَ بأنَّه خارجٌ نجسٌ؛ فحينئذ يقولُ: لو نَقَضَ كثير الخارج النجس من غير السبيلَينِ، لَنَقَضَ قليلُهُ، كالخارجِ من السبيلَينِ؛ ولا ينقض قليلهُ بالإِجماعِ؛ فلا ينقض كثيره، والحُكم في هذا النَّظمِ في الأَصْلِ في مسألة الخارج من السبيلَينِ بثبوتِ النقْضِ، وفي الفرع وهو الخارج من غير السبيلين عَدَمُ النقض؛ فمِق ها هنا كان إبطالًا لعكسِ الحَدِّ.
وجوابُه: أن هذا النظْمَ يرجِعُ إلى الشَّرْطِ المتصلِ، وقياسُ الطَّرْدِ فيه مستعملٌ لتحقيقِ القضيَّةِ الشرطيَّةِ، ثم استثْنى فيه نفْي الأَوَّلِ لنفْيِ الثاني، وهو عينُ عكسِ النقيضِ، فيجوزُ أن يكونَ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سُمِّيَ قياس العَكْسِ كذلك أيضًا، والشرطيَّانِ معًا؛ أعْني: المتَّصِلَ -كما ذَكَرَ- والمُنْفَصِلَ؛ كقولنا: لَو انْعقَدَ بيعُ الغائِبِ: فإمَّا أن ينعقِدَ جائزًا أو لازِمًا؛ والقسمَانِ باطلانِ.
والحَمْلِيُّ: كقولنا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حرامٌ، وإن كانت أدِلَّةَ، فليستْ من أنواعِ القياسِ في اصطلاح الفقهاءِ، وإنما يسمُّونها "استدلالًا"، ويخصُّون اسمَ القياسِ بِالاستدلالِ على الجزء بالجزء، وهو التمثيلُ عنْد المنطقيِّين، والمنطقيُّون يخصُّون اسمَ "القياسِ" بالاستدلال بالكُلِّي على الجزئي، ويسمُّون عكسَ هذا، وهو الاستدلالُ بالجزئِيِّ على الكلِّي - "الاستقراء"، والشرطيُّ عندهم في تقدير الحَمْلِيِّ؛ فالشرطيَّةُ هي الكبرى، والاستثنائيَّةُ الصغرَى؛ فإنك إذا قلْتَ: إن كُلَّ مَنْ صلاته صحيحةٌ، فهو متطهِّر، لكنْ صلاتُهُ صحيحةٌ - ينتج: فهو متطهِّرٌ - كان تقديره: هذا صلاتُهُ صحيحةٌ، وَكُلُّ مَنْ صحَّتْ صلاتُهُ، فهو متطهِّر ينتج: هذا متطهر.
وإذا لم تكُنْ هذه الأنواعُ من الأدلَّة قياسًا في اصطلاحِ الفقهاءِ، فلا يضرُّهم خروجُها من حَدِّهم، بل يجبُ الاحترازُ في الحد عنها؛ فلا إِشكَال في المعنى، وإنما ذلك مغالطةً بلفظ مشتَركٍ وُضِعَ باصطلاحَين، واصطلاحُ الفقهاءِ على إطلاقِ القياسِ على التمثيلِ فقَط - أقربُ إلى اللغَةِ؛ لتحقُّقِ المساواة فيه وظهورِها، وإطلاقُ المَنْطِقِيِّينَ له على الحمليِّ، وما في معناه من
[ ٢ / ٢٥٣ ]
اعْلَمْ: أَنَّ حَاصِلَ الْكَلَامِ في الْقِيَاسِ: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ: أَنَّ الْحُكمَ في مَحَلِّ الْوفَاقِ مُعَلَّلٌ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ، ثُمَّ عَلِمْنَا أوْ ظَنَنَّا: حُصولَ تِلْكَ الصِّفَةِ في صُورَة أُخرَى، فَيَغلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْحُكْمَ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يُسَاوي الحُكْمَ في الصُّورَةِ الأُولَى -: فَهذَا الظَّنِّ إِذَا حَصَلَ لِلمُجْتَهِدِ، فَهَل يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفتِيَ بِهِ غَيرهُ أَو لَا؟
فَهذَا هُوَ المُرَادُ بِقَوْلنَا: الْقِيَاسُ حُجَّةٌ أَوْ لَا؟ وَعِندَ هَذَا: يَظهَرُ أَن الْحُكْمَ أَصْلٌ في الأَصْلِ، وَفَرْعٌ في الفَرعِ، وَأَن الْعِلَّةَ فَرْعٌ في الأَصْلِ، وَأَصْل في الفَرعِ؛ لأَنَّا نَعْرِفُ الْحُكْمَ أَوَّلًا في مَحَلِّ الْوفَاقِ، ثُمَّ نُفَرِّعُ عَلَيهِ مَعْرِفَةَ العِلَّةِ، ثُمَّ إِنَّا نُثْبِتُ الْعِلَّةَ في مَحَلِّ النَّزَاع، ثُمَّ نُفَرِّعُ عَلَيهِ الْحُكمَ.
===
الشرطَيَّينِ، وتخصيصُ اسْم القياسِ بذلك باعتبارِ أنَّ أعتقادَ النتيجةِ مساوٍ لاعتقادِ المقدِّمَات - بعيدٌ؛ فإنه يلزمُ علَيه تسميةُ كُلِّ دليل قياسًا، وإنْ كان نَصًّا أَوْ إِجماعًا كذلك.
قولُهُ: "وَاعْلمْ أنَّ حاصِلَ الكلامِ في القياسِ أنَّه إذا غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّ الْحُكْمَ في محلِّ الوفاقِ معلَّلٌ بالصفة الفلانيَّة، ثم عَلِمْنا أو ظَنَنَّا أن تلك الصفةَ في صورة أُخرَى، فَغَلَبَ على ظنِّنا أن حُكمَ اللهِ - تعالى - في الصورة الثانيَةِ مُسَاوٍ للحُكم في الصُّورة الأولَى -: فهذا الظَّنِّ إذَا حصَلَ للمجتَهِدِ، فهلْ يَجُوز له العَمَلُ به، وهل يجوزُ له أَنَّ يُفْتِيَ به " إلى قوله: "وعند هذا نقولُ: إِنَّ الحُكْمَ أصْلٌ في الأَصْلِ، فَرعٌ في الفَرْعِ؛ وَإِنَّ العلَّةَ فَرعٌ في الأَصْلِ، أصْلٌ في الفَرْعِ":
اعْلَمْ أَن أركَانَ القياسِ أربعة:
الأصْلُ: وهو اسْمٌ للصورةِ المقِيسِ عليها، المَنْطُوقِ بِحُكمِهَا أو الْمُجْمَعِ عليه.
وَالفَرْعُ: وهو اسْمٌ لصورةِ المَسْكُوتِ عنْهُ المُلْحَقِ بالمنقولِ، أو المُجْمَعِ عليه، ومن فَسَّره بمَحَلِّ النِّزَاعِ، فمرادُهُ بَينَ المُتَنَاظِرَينِ.
وَالجَامِعُ: وهو العلَّة أو لازمُها.
وَالْحُكمُ: وقد عرفتَه. هذا المشهورُ عندَ الفقهاءِ.
وقال المتكلِّمون: الأَصْلُ هو: النَّصُّ الدَّال على الحُكمِ في مَحَلِّ الوفاقِ.
وقال الفَخر: الأصْلُ: هو الحُكم الثابِتُ في مَحَلِّ الوفاقِ، أو علَّة ذلك الحُكم، قال: والحُكمُ أصْلٌ في مَحَلِّ الوفاقِ؛ يعني: لأنه مع المناسَبَةِ دليلُ العِلِّيَّةِ، وفرعٌ في مَحَلِّ النزَاع؛ لأنَّه الأَثَرُ، والعلَّةُ فَرعٌ في الأَصْلِ - لِمَا ذُكِرَ- أَصْل في الفرع؛ لأنها المعرِّفَةُ للحُكمِ فيه، والخلافُ فيه، والبَحْثُ لفظيٌّ.
والمَشهُورُ عندَ الفقَهَاءِ: أن الأَصْل عبارةٌ عن الصُّورَةِ المَقِيسِ عَلَيها على مقابَلَةِ الفَرْعِ، وإذا كان الأَصْلُ في اللُّغَةِ عبارةً عَمَّا ينبني عَلَيهِ غيرُهُ، أو مَا يَسْتَغْنِي عن غيره - فإطلاقُهُ على ما اصطَلَحَ عليه الفقهاءُ واضحٌ؛ ولا مُشَاحَّةَ في التَّسْمِيَةِ.
[ ٢ / ٢٥٤ ]