===
البَابُ السَّابِعُ: فِي الإِجْمَاعِ
يطلق في اللغة على العَزمِ؛ قال الله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس ٧١]، وقال - ﵇ -: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ" ويطلق على الاتفاق.
ومن قال: إِن أصله من: أَجْمَعَ الرجل إذا صار ذا جَمْعٍ؛ كقولهم: أَلبَنَ الرجل إذا صار ذا لَبَنٍ، فكان لا ضرورة إليه مع جريانه على الاشتقاق.
وفي الاصْطِلاحِ: عبارة عن اتِّفَاق المجتهدين من أُمَّةِ محمد -﵇- في عَصْرٍ ما غير عصره - ﵇ - على أَمْر مِن الأمور.
[ ٢ / ٥٤ ]
احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ بِوُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء ١١٥].
===
وزاد الغزالي، وبعض الفقهاء: "الدينية"؛ لاعتقادهم عَدَمَ جريانه في العقليات، واللغات، والحروب، وقد اشتمل الحد على تَنْبِيهَاتٍ على أُمُورٍ اختلف فيها:
منها: أن قولنا: "اتفاق" يشتمل على صور الإجماع؛ سواء كانت عن دليل قَاطِع، أو اجتهاد، أو ظن غالب، فإن الصحيح جواز انعقاد الإجماع عن الرأي، كَإِمَامَةِ أبي بكر الصِّدِّيقِ - ﵁ - وكتحريم شَحْمِ الخِنْزِيرِ بالقياس على لَحْمِهِ، وسواء علم اتِّفَاقُهُمْ بِقَوْلِ الجَمِيعِ أو بِفِعْلِ الجميع، أو بقَوْلِ بَعْضٍ وفِعْلِ بَعْضٍ، أو بقول بعض وسكوت الباقين سُكُوتًا يُشعِرُ بالوفاق، أو بِفِعْلِ بَعْضٍ وسُكوتِ البَاقِينَ كذلك.
وقولنا: "الْمُجْتَهِدِينَ" يُخرِجُ العَوَامَّ؛ فإن الصَّحِيحَ أنه لا يُشتَرَطُ وفاقهم؛ لِعَدَمِ الأَهْلِيَّةِ؛ كالصِّبْيَانِ، والمَجَانِين؛ خلافًا للقاضي؛ ولأن العَامِّيَّ يجب عليه اتِّبَاعُ المُجْتَهِدِ، فكيف يحرم على الْمُجْتَهِدِ المُخَالفة لقوله؟ !
وقولنا: "من أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﵊" لأن الصحيح في أن الإِجْمَاعَ حُجَّة الاعْتِمَادُ على النصُوصِ، وهي دَالَّةٌ على تَعْظِيمِ هذه الأُمَّةِ، وإِثبَاتِ العِصْمَةِ لهم شَرْعًا، ولم يقم دَلِيلٌ لنا على أن مَنْ سِوَاهُمْ كذلك،، ومن أخذه من مسلك العادي، لزمه أن يقول: إن إِجْمَاعَ سائر الأُمَم حُجَّةٌ.
وقولنا: "في عَصْرٍ ما": احتراز من قَوْلِ أَهْلِ الظاهر: إِنَّ الإجْمَاعَ مُختَصٌّ ببعض الصَّحَابَةِ، فإن أَدِلَّتَنَا شَامِلَةٌ لسائر الأَعْصَارِ.
وينقسم إلى قطعي، وظني:
فالقَطعِيُّ: ما علم اتَّفَاقُهُمْ فيه، وكان المُجْتَهِدُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، ونقل إلينا بالتَّوَاتُرِ، ومثل ذلك عَزِيزٌ، ويصحُّ التَّمَسُّكُ به في الفِقْهِيَّاتِ، وفي المَطَالِب القَطعِيَّةِ، وفي كل ما لا يَتَوَقَّفُ إِثبَاتُهُ على المُعْجِزَة؛ لأنه دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ،، ومُسْتَنَدُ جميع الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ قَوْلُ الرَّسُولِ المُسْتَنِدِ إلى صدقه، وصدق الرسول مُتَوَقِّفٌ على المُعْجِزَةِ، فلو أثبت ما تَتَوقَّفُ عليه المُعْجِزَةُ بالإِجماعِ، لزم الدَّوْرُ.
والظني: ما عداه؛ وهو أن يُظَنَّ اتِّفَاقُهُمْ، أو يكون عَدَدُهُمْ دون عَدَدِ التَّوَاتُرِ، أو ينقل إلينا بالآحاد، ويَصِحُّ الاحْتِجَاجِ به في الفِقهِيَّاتِ، كما صح العَمْلُ بأخبار الآحَادِ.
قوله: "وفيه مَسَائِلُ: المَسْألةُ الأُولَى: إِجماع الأُمَّةِ حُجَّةٌ، خلافًا للنَّظَّام، والخوارج، واحتج الْفُقَهَاءُ بِوُجُوهٍ: الأَوَّلُ: قوله -﷾-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ الآية. [النساء ١١٥] ".
اعلم: أَنَّ النِّزَاعَ في الإِجْمَاعِ في ثَلاثةِ أَطرَافٍ: في تَصَوُّرِهِ، وتَصَوُّرِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ، وكونه حُجَّةٌ:
[ ٢ / ٥٥ ]
وَجهُ الاسْتِدْلالِ بِهِ: أَنَّهُ تَعَالى حَرَّمَ مُتَابَعَةَ غَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ، وَتَرْكُ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ مُتَابَعَةٌ لِغَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ؛ لأَنَّ مُتَابَعَةَ الْغَيرِ عِبَارَةٌ: عَنِ الإِتْيَانِ بِمِثلِ فِعْلِ، وَلَمَّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَن اتِّبَاعَ غَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ حَرَامٌ، وَثَبَتَ بِالعَقْلِ: أَنَّ تَرْكَ مُتَابَعَةِ الْمُؤمِنِينَ مُتَابَعَةٌ لِغَيرِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ-: وَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ تَرْكُ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ فَإِذَا حَرُمَ تَرْكُ مُتَابَعَتِهِمْ وَجَبَ مُتَابَعَتُهُمْ فَيَكُونُ الإِجمَاعُ حُجَّةً.
وَلقَائِلٍ أَن يَقُولَ: هذَا الدَّلِيلُ إِنَّما يَتِمُّ أَنْ لَوْ ثَبَتَ أَن مُتَابَعَةَ الْغَيرِ عِبَارَةٌ عَنِ الإِتيَانِ
===
وقد منع قوم تَصَوُّرَهُ، وقالوا: فَرْضُ الاتِّفَاقِ على رَأيٍ واحد من الأُمَّةِ؛ كَفَرْضِ الاجتماع على كَلِمَةٍ واحدة، أو على أَكْلِ طَعَامٍ واحد في وَقْتٍ واحد، والعَادَةُ تحيله.
وأجيب: بأنه لا دَاعِيَ لهم إلى الاجْتِمَاعِ على كلمة وَاحِدَةٍ، ولا على التَّغَذِّي بِنَوْعٍ وَاحِدٍ، وللمجتهدين دَاعٍ إلى الاجْتِمَاعِ على الحُكمِ الوَاحِدِ لوجود النَّصِّ القاطعِ، أو الظَّنِّ الغَالِبِ الوَاجِبِ الاتِّبَاعُ بِالقَاطِعِ.
ومنع قوم جَوَازَ العِلْمِ بوقوعه عَادَة، مع اتِّسَاع الخطَّةِ، وكثرة العُلَمَاءِ.
والدليل على جَوَازِ وُقُوعِهِ: أنا نعلم بالقَطع اتِّفَاقَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةَ على تَقدِيمِ النَّصِّ المَقْطُوعِ به من الطَّرَفَينِ على المَظْنُونِ من الطَّرَفَينِ، أو مَن أحدهما، ونعلم اتِّفَاقَ الأُمَّةِ على أن الصُّبْحَ رَكعَتَانِ، والمغرب ثَلاثُ ركعات.
وأما كونه حُجَّة، فقد أَنْكَرَهُ النَّظَّامُ، والخوارج، والشِّيعَةُ، وإِن سَلَّمُوا في الظَّاهِرِ كونه حُجَّةٌ، فهم مُنَازِعُونَ في البَاطِنِ؛ لاعْتِقَادِهِمْ أنه إنما كان حُجَّة، لاشتِمَالِهِ على قَوْلِ الإِمَامِ المَعْصُومِ، ونحن نَدَّعِي أنه حُجَّةٌ مع نَفْيِ الإِمَامِ المَعْصُومِ، فهم مُخَالِفُونَ لنا في الحَقِيقَةِ.
وقد احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عليه بالنَّصِّ، والعَقْلِ:
أما النَّصُّ: فَآيٌ، وأَخبَارٌ، فمن الآيِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ [النساء ١١٥] الآية، وقد اسْتَدَلَّ بها الشَّافِعِيُّ في "الرسالة".
وَوَجْهُ الاحتجاج بها: أن اتِّفَاقَ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، فيجب اتِّبَاعُهُ؛ لأن تَرْكَهُ اتباع لِغَيرِ سبيل المُؤمِنينَ، وإنه حَرَامٌ والدليل على أن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين وإنه حرام: أن المُتَابَعَةَ عِبَارَةٌ عن الإِتيَانِ بِمِثلِ فِعْلِ المَتْبُوعِ.
والدليل على أن مُتَابَعَة غير سَبِيلِ المُؤمِنِينَ حَرَامٌ: أن الله تعالى جمعها مع المُشَاقَّةِ للرسُولِ - ﵇ - المُحَرَّمَةِ قَطعًا-: في الوعيد، والمُبَاحُ لا يُجْمَعُ مع المُحَرَّمِ في الوَعِيدِ؛ إذ لا يَحْسُنُ أن يُقَال: من زنى وأكل الحلوى -مع أنها مباحة- فعاقبه.
وقد أَوْرَدَ ها هنا على هذه الحُجَّةِ سُؤَالينِ، وأكثر هو وَغَيرُهُ من إِيرَادِ الأَسْئِلَةِ عليها، وبعضها يَخُصُّ هذه الحُجَّةَ، وبعضها لا يَخُصُّهَا، بل يرجع إلى مُعَارَضَاتٍ وقدحٍ في أصل الإجماع؛ فَلْنُنبِّهْ على ما يَخُصُّهَا؛ وذلك من وجوه:
[ ٢ / ٥٦ ]
بِمِثلِ فِعْلِ الْغَيرِ وَذلِكَ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ أَتبَاعًا لِلْيَهُودِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا إِلهَ إلا الله بَلِ الْمُتَابَعَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الإِتيَانِ بِمِثلِ مَا فَعَلَهُ الْغَيرُ لأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ ذلِكَ الْغَيرُ فَأَمَّا لَوْ
===
الأَوَّلُ: القَوْلُ بموجبها
وبيانه من أوجه:
الأَوَّلُ: أن الآية تَدُلُّ على تَحْرِيم اتباع غير سبيل المُؤمِنينَ عند المُشَاقَّةِ، ونحن نَقُولُ به، فأين دَلِيلُ التَّحْرِيمِ مُطلَقًا؟
الثَّانِي: أنه مَشرُوطٌ بتبين الهُدَى؛ لأنه مَعْطُوفٌ على تحريم مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ بعد تبين الهُدَى، والعطف يقتضي الاشتراك، وتَبْينُ الهُدَى فيما أَجْمَعُوا عليه يَكُونُ بالوُقُوفِ على مُسْتَنَدِهِمْ، ونحن نقول به.
الثالث: ما ذكره المُصَنِّفُ أن لفظ "سبيل" مُفْرَدٌ مُضَافٌ إلى مُحَلَّى بحرف التعريف، فلا يُفِيدُ العُمُومَ، بل يكفي في العَمَلِ به تَنْزِيلُهُ على صُورَةٍ واحدة، فيحمل على السَّبِيلِ الذي صَارُوا به مُؤمِنِينَ، وهو الإِيمان.
الرابع: وإن سُلِّمَ عُمُومُ "سبيل" إلَّا أن مُقتَضَاهُ يَتَنَاوُلُ ترك كل سَبِيلِ المُؤمِنينَ، ونحن نقول به.
الخامس: أن المؤمنين كُلُّ مَنْ آمَنَ بمحمد - ﷺ - فاختِصَاصُهُ ببعض الأَعْصَارِ تَحَكُّمٌ لا ينتفع به إلَّا في الآخرة.
السؤال الثاني: سَلَّمْنَا العُمُومَ؛ إلا أنه عَامٌّ دَخَلَهُ التخصيص، والعَامُّ إذا خُصَّ صار مجملًا.
أمَّا أنه خُصَّ، فلأن عُلَمَاءَ العَصْرِ لو اتَّفَقُوا على فِعْلٍ مُبَاحٍ، لم يَجِبِ اتِّبَاعُهُمْ في فِعْلِهِ، وإِلَّا لكان المُبَاحُ وَاجِبًا. ولأنهم إذا خَاضُوا في المَسْأَلَةِ، فقد أَجْمَعُوا قبل اتِّفَاقِهِم على جَوَازِ المُخَالفَةِ فيها، فإذا اتَّفَقُوا، فقد أَجْمَعُوا على مَنْعِ المُخَالفَةِ، والعَمَلُ بهذين الإِجْمَاعَينِ يكون جَمْعًا بين النقيضين. فلا بد من تَرْكِ العَمَلِ بأحدهما.
وأما أن العَامَّ إذا خُصَّ صار مُجْمَلًا فَتَقْرِيرُهُ ما مَضَى في "باب العُمُومِ".
السؤال الثَّالِثُ: أن سَبِيلَ المُؤمِنِينَ حقيقة هو طريقهم، فحمله على طريقهم قَوْلًا وفِعْلًا يكون مَجَازًا وتأويلًا؛ فيفتقر في حَمْلِهِ عليه إلى دَلِيلٍ.
الرابع: لا نُسَلِّمُ أنه يَلْزَمُ من تَحْرِيمِ اتِّبَاعِ غَيرِ المؤمنين وُجُوبُ اتِّبَاعِ سبيل المُؤمِنِينَ؛ لأن بينهما وَاسِطَةً؛ وهو عَدَمُ اتباعهم.
وتقريره ما ذكره المصنف في الكتاب.
ثم لو سَلَّمْنَا لُزُومَهُ، فإنما يلزم من دَلِيلِ الخِطَابِ -أعني: مَفْهُومَ المُخَالفَةِ- وهو من أَضعَفِ الدَّلالاتِ، وقد مَنَعَهُ كثير من القَائِلينَ بِصِحَّةِ الإِجماع، فكيف يثبت به أَصْلٌ عَامٌّ قَاطِع في زعم مثبته مقدم على الكتاب والسُّنَّة؟ ! .
الخامس: أَنَّ الآيَةَ مُشتَرِكَةُ الدَّلالةِ، فإنها لو دَلَّت على عُمُومِ وُجُوب اتِّبَاعِ سبيل المؤمنين - لَدَلَّتْ على وُجُوبِ اتباعهم فيما هو سَبِيلُهُمْ في الحُكمِ؛ وهو الدلِيلُ التَّفْصِيلِيُّ في المسألة، لا
[ ٢ / ٥٧ ]
أَتَى بِمِثلِ فِعْلِ الْغَيرِ لَا لأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ ذلِكَ الْغَيرُ. بَل لأَنَّ الدَّلِيلَ سَاقَهُ إِلَيهِ- لَمْ يَكُنْ مُتَابِعًا لِذلِكَ الْغَيرِ.
إِذَا ثَبَتَ هذَا، فَنَقُولُ: حَصَلَ بَينَ مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَينَ مُتَابَعَةِ غَيرِ سَبِيل الْمُؤْمِنِينَ وَاسِطَةٌ، وَهِيَ ألا يَتَّبعَ أحَدًا بَلْ يَتَوَقَّفُ إلى وَقتِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ. وَإِذَا حَصَلَتْ هذِهِ الْوَاسِطَةُ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَحْرِيمِ اتِّبَاعِ غَيرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وُجُوبُ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ؛ وَحِينَئِذٍ: يَسْقُطُ الاسْتِدْلالُ.
===
الحكم بمجرد اتِّفَاقِهِمْ.
السادس: المُؤمِنُونَ حَقِيقَةً من اتَّصَفَ منهم بِالإِيمَانِ؛ وذلك يَتَنَاوَلُ المَوْجُودِينَ حَال نُزُولِ الخِطَابِ، واتفاقهم في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ليس بِحُجَّةٍ، وبعد مَوْتِهِ لم يَبْقَ الجَمِيعُ؛ فاتفاق المَوْجُودِينَ بَعْدَهُ يَكُونُ اتِّفَاقَ بَعْضِ المؤمنين.
السابع: سَلَّمْنَا دَلالةَ الآية على وُجُوب اتِّبَاعِ سَبِيلِ المؤمنين، لكن بم نعلم أنهم مُؤمِنُونَ، والإِيمَانُ من فِعْلِ القَلْبِ، ولا اطِّلاع لنا عَلَيهِ؟ !
الثامن: هذه الاحْتِمَالاتُ المَذكُورَةُ، وإن لم يكن مَقطُوعًا بها؛ لكنها جَائِزَةُ الإرادة، فيكون ذلك مَانِعًا مِنَ الجَزمِ، ودَلالةُ الإِجْمَاع على زَعْمِكُمْ دَلالةٌ قاطعة يكفر جَاحِدُهَا، أو يبدع، أو يُفَسَّق، ومن مَنَعَ دلالة ظَاهِرَةً لا يُكَفَّرُ، ولا يُبَدَّعُ، ولا يُفَسَّقُ، فكيف صارت دَلالةُ الإِجْمَاع -التي هي فَرْعُ دَلَالةِ الظاهر- أَقْوَى من أَصْلِهَا؟ ! وقد اسْتَعْظَمَ الفَخر هذا السُّؤَال، وَوَافَقَ لأجله أَبَا الحُسَينِ؛ في أن دَلالةَ الإِجْمَاعِ ظَنِّيَّةٌ.
والجَوَابُ: قَوْلُهُم: إِنَّ الآية لا تَدُلُّ على تَحْرِيمِ المُخَالفَةِ مطلقًا، بل مع مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ: قلنا: مُشَاقَّةُ الرَّسُولِ مُسْتَقِلَّةٌ بالتحريم، فلو لم يَكُن اتِّبَاعُ غَيرِ سبيل المُؤمِنِينَ مُحَرَّمًا- لكان ذلك ضَمًّا لِلْمُبَاحِ إلى المُحَرَّمِ في تَرْتِيبِ الوَعِيدِ عليه؛ وإنه غَيرُ جَائِزٍ.
سَلَّمْنَا أنه مَشرُوطٌ بِمُشَاقَّةِ الرسول، لكن تَرْكَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ ومشاقتهم- مُشَاقَّةٌ لله ورسوله.
وقولهم: إن التَّحْرِيمَ مَشرُوطٌ بتبين الهُدَى، وهو الدَّلِيلُ الذي حَكَمُوا لأَجْلِه، ودليل الإشتراط قضية العَطفِ:
قلنا: لا نُسَلِّمُ أن العَطفَ يُوجِبُ الاشتراك في جَمِيعِ الوُجُوهِ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج ٣٦] والأكل مُبَاحٌ، والإِيتَاءُ والإِطعَامُ وَاجِبَانِ.
سَلَّمْنَا اقْتِضَاءَ العَطْفِ للاشتراك، لكن المَشْرُوطَ [في] تَحْرِيمِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ - ﷺ - تبين هُدًى مَخْصُوصٍ؛ وهو الدلالة على صِدْقِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أن يكون هو الشَّرْطَ في تَحْرِيمِ المُخَالفَةِ؛ عملًا بقضية العَطفِ، على ما ذَكَرْتُمْ.
قولهم: المراد بـ"السَّبِيلِ" سبيل خَاصٌّ؛ وهو السَّبِيلُ الذي كانوا به مُؤْمِنِينَ:
[ ٢ / ٥٨ ]
السُّؤَالُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ لَفْظَ السَّبِيلِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ غَيرُ مُحَلّى بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ؛ فَلَا يُفِيدُ الْعُمُومَ، بَلْ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ تَنْزِيلُهُ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي صَارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الإِيمَانُ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إِن مُتَابَعَتَهُمْ فِي سَائِرِ الأُمُورِ وَاجِبَةٌ؟ !
===
قلنا: الدليل على عُمُومه الرجوع إلى مَوَارِدِ الاسْتِعْمَالِ؛ لأنه لو قال: مَنْ دَخَل غير دَارِي، فله دِرْهَمٌ -عَمَّ الاسْتِحْقَاقُ كُلَّ دَاخِلٍ لكل دَارٍ لغيره، وهو الجواب عن قولهم: المُرَادُ به التَّارك لكل سبيل المؤمنين؛ لأن اسْتِحْقَاقَ الدِّرْهَمِ يَعُمُّ كل دَاخِلٍ بصفة الانْفِرَادِ والاجتماع.
قولهم: المُؤمِنُونَ هم المَوْجُودُونَ إلى يوم الدِّينِ:
قلنا: حَمْلُهُ على ذلك يُسْقِطُ فَائِدَتَهُ؛ فيتعين حَمْلُهُ على مؤمنين يُتَصَوَّرُ اتِّبَاعُهُمْ في دار التَّكْلِيفِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك باتباع سبيل المَوْجُودِينَ في عَصْرِهِمْ، أو مَنْ تَقَدَّمَ اتفاقهم على عَصْرِهِمْ.
قولهم: إن هذا عَامٌّ مَخْصُوصٌ، والعَامُّ إذا خُصَّ صَارَ مُجْمَلًا:
قلنا: قد أوضحنا في "باب العُمُومِ" أنه متى خُصَّ بِمَعْلُوم، كان دَلِيلًا فيما بَقِيَ.
قولهم: استعمال سَبِيلِ المُؤمِنِينَ في طريقهم قَوْلًا وفِعْلًا يكون مَجَازًا:
قلنا: وإن كان مَجَازًا في الأَصْلِ، إلَّا أنه صَارَ هُوَ المُتَبَادَرَ إلى الفَهْمِ عند الإِطْلاقِ؛ كما في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨].
قولهم: إِن بين تَرْكِ اتِّبَاعِ غير سَبِيلِ المُؤمِنِينَ، واتِّبَاعِ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ- وَاسِطَةً؛ وهو عَدَمُ الاتباع لهما:
قلنا: قد بَيَّنَّا في "باب الأَوَامِرِ والنَّوَاهِي" أن الشَّيئَينِ إِذا كَانَا على طَرَفَي النَّقِيضِ؛ كالحركة والسكون، كان الأَمْرُ بأحَدِهِمَا نَهْيًا عن الآخَرِ، والنهي عن أَحَدِهِمَا أَمْرًا بالآخر؛ ضَرُورَةَ أنه يَلْزَمُ من طَلَبِ الشَّيءِ طَلَبُ ما هو من ضَرُورَاتِهِ.
وبينا أن الترك ليس محض السَّلْبِ بل فعل الضد؛ لأن السَّلْبَ المقابل الذي هو عَدَمٌ مَحْضٌ لا يكون مَعْدُومًا، فلا يكون مَكسُوبًا، وبَيَّنَّا انْحِصَارَ التَّكْلِيفِ في المَكْسُوبِ؛ بِنَاءً على امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وعَدَمِ وُقُوعِه.
قولهم: اتباع سبيلهم: الحكم في المَسْألَةِ بالطَّرِيقِ التي حَكَمُوا بها لا بِمُجَرَّدِ اتفاقهم:
قلنا: إذا حَكَمْنَا في الوَاقِعَةِ لأَجْلِ أنهم حَكَمُوا بها، تَضَمَّنَ ذلك الحكم بما حَكَمُوا لأَجْلِهِ، وكما أن سَبِيلَهُمْ قبل الاتِّفَاقِ الحُكمُ بالدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ، فسبيلهم بَعْدَ الاتِّفَاقِ الحُكمُ به لأَجْلِ الاتفاق.
قولهم: المراد بـ"المُؤمِنِينَ" المَوْجُودُونَ حَال نُزُولِ الآية:
قلنا: "المُؤمِنُونَ" يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يُوصَفُ بالإِيمَانِ، وهم كل من يُوجَدُ في عَصْرٍ؛ ضرورة حَمْلِ الآية على مُؤمِنِينَ يُمْكِنُ اتباعهم، وإِلَّا لَكَانَ تَعْطِيلًا لِلآيَةِ.
وقولهم: "الإيمان فِعْلُ القَلْبِ، ولا اطِّلاعَ لَنَا عَلَيهِ":
[ ٢ / ٥٩ ]
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ لِلْفُقَهَاءِ: الاسْتِدْلالُ بِقَوْلهِ تَعَالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
===
قلنا: الأَحْكَامُ التي بين العِبَادِ المُرَتَّبَةُ على الإيمان مُرَتَّبَةٌ على النُّطْقِ بكلمتي الشَّهَادَةِ من حِلِّ المُنَاكَحَةِ، وَأَكْلِ الذَّبِيحَةِ، والميراث، والصلاة وراءهم وعليهم إلى غير ذلك، بِخِلافِ الأَحْكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعَبْدِ ورَبِّهِ؛ فإنه يعلم السِّرَّ وأَخفَى.
قولهم: "هذه الاحتمَالاتُ جَائِزَةُ الإِرَادَةِ، وهي مَانِعَةٌ من الجَزمِ":
قلنا: لا نُنْكِرُ أن كُلَّ لفظ احتج به على صِحّةِ الإجْمَاعِ، لو جُرِّدَ النَّظَرُ إليه من حَيثُ هو، لَتَطَرَّقَ إليه وُجُوهٌ من الاحْتِمَالاتِ، لكن مُوَافَقَةَ كُلِّ لَفْظٍ احتج به لِمَجْمُوعِ الأَلْفَاظِ مع كَثرَتِهِا، وَتَضَافُرِهِا، وتَطَابُقِ ظَوَاهِرِهَا على ذلك- يَدْفَعُ إِرَادَةَ تلك الاحْتِمَالاتِ؛ فإذن كُلُّ نَصّ منها يَصِحُّ التَّمَسُّكُ به ابتداءً؛ لإشعَارِهِ بالمَطلُوبِ الظاهر، وَدَفْعِ إِرَادَةِ مَا عَدَاهُ بانضمامه إلى الجملة، وبهذا الطَّرِيقِ يُقْطَعُ بكثيرَ من الأَحْكَامِ من وُجُوبِ الصَّلاةِ، والزكاة، وَالحَجِّ، والجِهَادِ، وَشَرْعِ أَصْلِ البَيعِ والنِّكَاحِ والإِجارة وغَيرَ ذلك، وان كان كُلُّ لَفْظٍ وَرَدَ فيها، لو نَظَرْنَا إليه من حَيثُ هو- لكان للتَّأْويل فيه مجال، لكن بالنَّظَرِ إلى ما اقترن به من التَّكْرِيرَاتِ، والتأكيدات، وقَرَائِنِ الأَحْوَالِ؛ فلا يبقى للاحتمال فيه مَجَالٌ، والله أعلم.
قوله: "الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣] وَجْهُ الاسْتِدْلالِ به أنه تعالى وصفَ مَجْمُوعَ هذه الأُمَّةِ بكونهم وَسَطًا، و"الوَسَطُ": العَدْلُ، فالمَوْصُوفُ بالعَدَالةِ إما أن يَكُونَ كل واحد من آحَادِ الأُمَّةِ؛ وهو باطل قطعًا.
[يعني: لما عُلِمَ أن الوَاقِعَ خِلافهُ [أو مجموع الأمة؛ وذلك يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هذه الأُمَّةِ مَوْصُوفِينَ بالعَدَالةِ] " يعني: إذا بَطَلَ أَن يَكُونَ المَوْصُوفُ بالعَدَالةِ كُلَّ وَاحِدٍ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بها جَمِيعَ الأُمَّةِ، وهذا على زَعْمِهِ تَقْرِير للمقدمة الأُولَى.
وأما تَقرِيرُ الثَّانِيَةِ: وهي "الوسط": العَدْلُ؛ فقوله تعالى: ﴿قَال أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أعدلهم، وقوله - ﵇ -: "خَيرُ الأُمُور أوسطها".
وقول الشاعر [من الطويل]:
هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأَنامُ بِحُكمِهِمْ إِذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ
ويقال: مِيزَانٌ وَسَطٌ؛ أي: لا مَيلَ فيه.
[ ٢ / ٦٠ ]
وَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِهِ: أَنَّهُ تَعَالى وَصَفَ مَجْمُوعَ الأُمَّةِ بِكَوْنِهِ وَسَطًا، وَالْوَسَطُ: هُوَ الْعَدْلُ؛ فَالْمَوْصُوفُ بِالْعَدَالةِ: إِمَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الأُمَّةِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطعًا، أَوْ مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، وَذلِكَ يَقتَضِي أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الأُمَّةِ مَوْصُوفًا بالْعَدَالةِ، وَكُلُّ مَنْ قَال قَوْلًا لَيسَ بِحَقٍّ كَانَ كَاذِبًا، وَالْكَاذِبُ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ؛ فَلَا يَكُونُ عَدْلًا؛ فَوَجَبَ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ مَجمُوعُ الأُمَّةِ حَقًّا.
وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ خِطَابٌ مَعَ الأَقْوَامِ الْحَاضِرِينَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ، فَهَبْ أَنَّ هذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِعَينِهِ حُجَّةٌ لَكِنَّا لَا
===
قوله: "وَكُلُّ من قَال قَوْلًا ليس بِحَقٍّ يكون كَاذِبًا"؛ لأنه أخبر بالشيء على خلاف ما هو به، يعني: بالاتفاق، أما عندنا: فَشَرْعًا، وأما عند الخُصُوم: فَعَقلًا، وشَرْعًا.
قوله: "فَوَجَبَ أَلَّا يكون عَدْلًا" يعني: على هذا التَّقْدِيرِ؛ لأنه لو لم يكن ما قَالُوهُ حَقًّا، لكَانُوا كَاذِبِينَ، ولم يَكُونُوا عُدُولًا، لكنهم عُدُولٌ بإِخبَارِ الله تعالى، فوجب أَلَّا يصدر عنهم ما يُخِلُّ بالعَدَالةِ، وأن يكونَ ما يَقُولُونهُ حقًّا وصدقًّا؛ فيجب اتباعهم.
قوله: "ولقائل أن يقول " إلى آخر الأسئلة.
الحَاصِلُ: أنه اعترض على هذه الحُجَّةِ من ثلاثة أُوْجُهٍ، ولم يُجِبْ عنها؛ لِقُوَّتِهَا على زَعْمِه، ونحن نذكر ما يَخُصُّ هذه الحُجَّةَ من الأَسْئِلَةِ، والجواب عنها إن شَاءَ اللهُ -تَعَالى- مُتَضَمِّنا لما ذكره على الوَجْهِ الجَدلي، بحيث لا يَتَضَمَّنُ مَنْعًا بعد تَسلِيمِ الأَوَّلِ:
قوله: المَوْصُوفُ بـ"الوسط" مَجمُوعُ هذه الأُمَّةِ:
قلنا: لَا نُسَلِّمُ.
قوله: إذا لم يكن المَوْصُوفُ به كُلَّ وَاحدٍ، فالمَوْصُوفُ به المَجْمُوعُ:
قلنا: لا نُسَلِّمُ تَعَيُّنَهُ، مراد الجَوَازِ إِرَادَةُ البَعْضِ؛ لتعذر إرادة ظَاهِرِهِ، وهو كُلُّ وَاحِدٍ، لكن ذلك البَعْضَ غير مُعَيَّنٍ لنا، فلا تَقُومُ به الحُجَّةُ، والإمَامِيَّةُ عَيَّنَتْ ذلك البَعْضَ بالأئمة المَعْصُومِينَ، فلم قلتم: إن هذَا غَيرُ مُرَادٍ؟ لا بد لهذا من دَليلٍ.
قوله: "والوَسَطُ: العَدْلُ":
قلنا: لا نُسَلِّمَ، والظاهر أنه غَيرُ مُرَادٍ من الآيةِ؛ لأَنَّ العَدَالةَ تَحْصُلُ بفعل الوَاجِبَاتِ، واجْتِنَاب المَنْهِيَّاتِ، وهي فعل العَبْدِ، و"الوَسَطُ" المَوْصُوفُ به في الآيَةِ فِعْلُ الله تعالى؛ لأنَّهُ جَعَلَهُ؛ بدليل قَوْلِهِ تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ وما كان فِعْلًا لله لا يَكُونُ فِعْلًا لِغَيره، فَالوَسَطُ في الآيَةِ غير العَدَالةِ.
قوله: "وَكُلُّ مَنْ قَال قَوْلًا ليس بِحَق يكون كَاذِبًا، والكَاذِبُ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ".
قلنا: الكَذِبُ لا يخلو إِمَّا أَنْ يكون عِبَارةً عن الخَبَرِ غير المطابق مع اعْتِقَادِه، أو لا مع اعتقاده؛ على ما يَقُولُهُ الجَاحِظُ: فإن عَنَيتَ به الأَوَّلَ، فلا نُسَلِّمُ أن كُلَّ كَاذِبٍ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ؛
[ ٢ / ٦١ ]
نَعْرِفُهُم بِأَعيَانِهِم، وَلَا نَعْرِفُ أيضًا ذلِكَ الوَقتَ. وَأمّا إِجْماعُ سَائِر الناسِ فِي سَائِرِ الأَوْقَاتِ فَغَيرُ دَاخِلِ تَحْتَ الآيَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَال: إنهُ لَما ثَبَتَ أَن ذلِكَ الإِجْمَاعَ حُجةٌ - وَجَبَ أن يَكُونَ سَائِر الإِجْمَاعَاتِ حُجة؛ لانْعِقَادِ الإِجمَاعِ عَلَى أَنهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. لأنا نَقُولُ: هذَا إِثْبَات لأَصْلِ الإِجْمَاعِ، بِأَضْعَفِ أَنْوَاعِ الإجمَاعَاتِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، ثُم نَقُولُ: سَلَّمْنَا كَوْنَ الأُمَةِ مَوْصُوفَة بِالعَدَالةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِن ذلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ عُدُلًا فِي كُلّ شَيء؟ !
===
لجَوَازِ الإخبَارِ به عن نِسيانٍ، أو خَطَأٍ في اجتهاد بعد بَذلِ الوُسْعِ فيه؛ فلا يَستَحِق الذمَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، ولقوله - ﵇ -: "رُفِعَ عَن أُمتِي الخَطَأُ وَالنسيَانُ"، وقوله - ﷺ -: "إِذَا اجتَهَدَ الحَاكِمُ وَأَخطَأ - فَلَهُ أَجرٌ، وإِن أَصَابَ، فَلَهُ أَجرَانِ".
وإن عنيت به الثاني، فلا نسلم أن كُل مَنْ قَال قَولا لَيس بِحَق يكون كَاذِبًا؛ لِجَوَازِ إِخبَارِهِ لا عن اعْتِقَادِه، والحَاصِلُ أن هَاتَينِ المُقَدمَتَينِ لا تَجتَمِعَانِ على الصّدقِ.
سلمنا أنه يكون كَاذِبًا، وأن الكَاذِبَ يَستَحِق الذم، لكن لِمَ قُلتُم: إن ذلك يَخْرِمُ العَدَالةَ مُطْلَقًا؛ وظاهر أنه لا يَخْرِمُ؛ لجواز أن تكون المُخَالفَةُ صَغِيَرَةَ، والصغيرة لا تَخْرِمُ العدالة، إلا مع الإِصرَارِ، أو تكونُ مما يَتضَمنُ خَسَاسَةَ النفْسِ، وَدَنَاءَةَ الهِمَّةِ؛ كَتَطْفِيفِ حَبةٍ أو اختزان كسرة وهذا معنى سؤاله.
[ ٢ / ٦٢ ]
وَتَقرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ مِنْ أَن الْوَصْفَ في جانِبِ الثبُوتِ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ ثُبُوتُهُ في صُورَةٍ واحِدَةٍ.
فأَمَّا إِذا قُلْنا: فُلانٌ عالِمٌ، فَهذا يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ كَوْنُهُ عالِمًا بِشَيءٍ واحدٍ، فأَما كَوْنُهُ عالِمًا بِكُل الأشياءِ فَغَيرُ واجِبٍ.
فَنَقُولُ: هَبْ أَنهُم عُدُول في كُل شَيءٍ، لَكِنْ لِمَ يَجُوزُ أَنْ يُقال: الْخَطأ إِذا كانَ مِنْ بابِ الصَّغائِرِ؛ فَإِنّهُ لا يقْدَحُ في الْعَدالةِ.
===
قوله: "فَوَجَبَ أن يَكُونوا عَدولًا:
قلنا: لم قلت: إنه يَلزَمُ من وَصْفِهِمْ بِالعَدالةِ أن يَكُونُوا عُدُولًا في كل شيء؟ !
وتقريره: ما ذكره أَن الوَصْفَ في جانِبِ الإِثباتِ يكفي في صِدْقِهِ ثُبُوتُهُ في صورة.
فإذا قلنا: زيد عالم، لا يَلزَمُ أن يَكُونَ عالِمًا بكُل شيء، وهذا سُؤالُهُ الثانِي.
سلمنا أنهم عُدُولٌ في كُل شَيءٍ، لكن في كُل زَمانٍ، وفي زمان الأداء؟:
الأول مَمنُوعٌ، والثاني مُسَلَّم، ونحن نَقُولُ به؛ فإنهم عُدُولٌ عند أَداءِ الشهادَةِ التي وَصَفَهُمُ الله -تَعالى- بِالوَسَطِ لأجلها، أو هي الشَّهادَة على الناس يوم القِيامَةِ للأنبياء -صَلَواتُ الله تعالى عليهم- فلم قلتم: إنهم عُدُول عند التحمل في دار الدنيا، وإنه غَيرُ لازِم؛ فإنَّه يَصِحُّ تَحَمُّلُ الفاسِقِ، والكافر، والعبد، والصبي المميز.
سَلمنا أنهم عُدُولٌ مُطلَقًا في الدنيا والآخِرَةِ، لكن مجموع الأُمَّةِ المَوْصُوفون هُمُ الموجُودُونَ عند نزولها؛ لأنَّ الخِطابَ خِطابُ المواجهة، لكن الموجودين عند نُزُولها غَيرُ مَعلُومِينَ لنا، ولا بَقِيَ الجَمِيعُ بعد مَوتِهِ، فإنَّه قد استُشهِدَ في حَياتِهِ -﵊- جَماعَةٌ من المُهاجِرِينَ والأنصارِ، وهذا معنى سُؤالِهِ الأَوْلِ؛ إلا أنَّه قال في تَقرِيرِهِ: "لكن لا نعرفهم بأَعيانِهِم، ولا نَعرِفُ أيضًا ذلك الوقت بعينه؛ وحينئذ لا يُمْكِنُنا أن نَعرِفَ الإِجماعَ الذي حَصَلَ في ذلك الوَقتِ" وفي ضمن هذا التقْرِيرِ اعتِرفٌ بِصحة صُورَةِ الإجماعِ.
وما ذَكَرناهُ من التَّقرِيرات أَقرَبُ إلى الغَرَضِ؛ فإنه لا يرد عليه ما ذكره من الدّخل الذي ذكره وأَجابَ عنه على زَعمِه؛ وهو قوله: "ولا يُمكِنُ أن يُقال: إنه لما ثَبَتَ أَن ذلك الإجماعَ حُجَّةٌ، وجب أن تكون سائِرُ الإجماعاتِ حُجًةَ؛ لانعِقادِهِ على أنَّه لا قائِلَ بِالفَرقِ؛ لأنا نقول: هذا إِثباتٌ لأصْلِ الإجماعِ بِأَضْعَفِ أنواع الإجماعات؛ وهو في غايَةِ الفَسادِ"، يعني: أنَّه استِدلالٌ بِإِجماع تَركِيبي عَلى أَصْلِ الإجماعِ، وهو مُختَلَفٌ في صِحَّتِهِ عند القائِلِينَ بأَصلِ الإِجماعِ.
سلمنا: أن كُل ما يقولونه حَقّ وصِدقٌ، لكن لم قُلتُم: إن كُل ما كان حَقًّا في نفسه يكون حُجة، يجب على المُجْتَهِدِ اتّباعُهُ؟ وظاهر أنَّه غَيرُ لازِمٍ؛ فإنه: لا يَسُوغُ لمجتهد اتّباعُ قَوْلِ مُجْتَهِدٍ
[ ٢ / ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يُخالِفُ اجتِهادَهُ، وإن قلنا: إن كل مُجتَهِدٍ نصِيبٌ. ولا يَقضِي القاضِي بِعِلْمِهِ على رأي. ولو
[ ٢ / ٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شَهِدَ عَدَدُ التوَاتُرِ من النساءِ في قِصاصٍ أو حَدّ، لم يثبت بشهادتين.
[ ٢ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والجواب:
قوله: "يَجْوزُ حَملُ الآيَةِ عَلَى بَعْضِ الأمةِ، فلم قلتم: إن ذلك غَيرُ مُرادٍ؟ ":
قلنا: يمنع من إِرادَتِهِ أن الآيةَ سِيقَت لِبَيانِ عَظِيمِ شَأنِ هذه الأمةِ، وَتَفضِيلِها على سائِرِ الأُمَمِ، فلو كان المُرادُ منها وَصْفَ بَعْضِ هذه الأُمةِ، وبعضُ كُل أُمةٍ كذلك -لم يكن لها مَزِيَّة.
لا يقال: وَصْفُ مَجْموعِ الأمة بالعَدالةِ يَستَلزِمُ وَصْفَ كُل واحِدِ؛ لامْتِناعِ قِيامِ الصفَةِ الواحِدَةِ بالمَحال المتعددة؛ كما أن وَصْفَ مَجمُوع الجواهر بالجَوازِ والحُدُوثِ يَستَلزِمُ وَصْفَ كل جَوْهَرِ بذلك، فيلزمكم ما فررْتُمْ منه:
لأنا نقول: وَصْفُ الجَواهِرِ بالجواز لِذاتِهِ، ووصفه بالحدوث لِلازِمِ ذاتِهِ، وهو بالجَوازِ والإمكانِ، وكل حُكمٍ يثبت لشيء لِذاتِهِ، أو لِلازِم ذاتِهِ؛ لا يفارقه في حالِهِ، بخلاف ما يَغرِضُ له لا لذلك؛ فإنَّه قد يثبت لِلجُمْلَةِ ما لا يَثبُت لآحادِها كعدد التَّواتُرِ المفيد لِلعِلمِ دون آحادِهِ، وكاستِلزام المُقَدِّمَتَينِ للنتيجة دون إِحْداهُما إلى نَظائِرِ ذلك، فلم قلتم: يلزم من ثُبُوتِ العِصْمَةِ لكل الأُمةِ ثُبُوتها لكل واحد، وإذا بَطَلَ أن تُحْمَلَ الآية على كُل وَاحِدٍ؛ لما علم أن الواقِعَ خِلافُهُ، وبَطَلَ أن يُحْمَلَ على بعض؛ لانتفاء المَزِيَّةِ -تَعَينَ أن تُحْمَلَ على مَجْمُوعِ الأمة، وإلا لَزِمَ التعطيل.
قوله: "لا نسلم أن الوَسَطَ في الآية العدْلُ":
[ ٢ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلنا: قد دللنا على أنَّه يُطلَقُ لذلك بالكتاب، والسنةِ، والشعرِ، والاستعمال، والاشتِراكِ. والنقلُ والمَجازُ على خلاف الأصْلِ.
قوله: "العَدالةُ فِعْلُ الواجِباتِ، وهو فعل العَبد، والوَسَطُ المَوْصُوفُ به في الآية فِعلُ الله -تعالى- فلا يَكُونُ الوَسَطُ العَدالةَ":
قلنا: لا نُسَلمُ أن العَدالةَ فِعلُ الواجِباتِ، بل ذلك من آثارِها؛ وإنما العَدالةُ عِبارَةٌ عن هَيئَةٍ راسِخَةٍ في النفسِ تحمل على مُلازَمَةِ التقوى والمروءةَ.
سلمنا أن العَدالةَ فِعلُ الطاعاتِ، لكن قد تَقَرَّرَ في عِلمِ الكَلامِ من مَذهَبِ أهل الحق أنَّ كُل واقِع من المُمكِناتِ، فإنَّه يُنسَبُ إلى الله -تعالى- خَلقًا واختِراعًا، وأنه لا يَمتَنِعُ مع ذلك نِسبَةُ بَعضها إلى العبدِ كسبًا واتصافًا ثمَّ لو سُلمَ جَدَلًا أن العَدالةَ فِعل الطاعاتِ، وأنها فِعلُ العَبدِ، لكن لا يمنع ذلك من نِسبَةِ جَعلها [إلى] الله تعالى بِخَلقِ أَسْبابِها من سَلامَةِ البنية والإِلهامِ لامتثالها والقدرة، والدَّاعِي، والإِرادَةِ، وخَلقِ بعض الألطافِ.
قوله: " [لا نسلم] أن كل من قَال قَولًا ليس بِحَقٍّ يكون كاذِبًا، وأن كُل كاذِب يستحق الذّمّ، وإنهما لا يَجتَمِعانِ على الصدْقِ":
قلنا: نحن نَدَّعِي أن لا واسِطَةَ بين الصَّدْقِ والكَذِب، على ما عُرِفَ من أصل أَهلِ الحَق، وأن كل خَبرٍ: فإما أن يكون مُطابِقًا لمخبره، أو لا، والأَول: الصدْقُ، والثاني: الكَذِبُ.
قوله: "لا نُسَلمُ أن كُل كاذِب بهذا التفسِيرِ يَستَحِق الذّمّ؛ لِجَوازِ الإخبارِ به عن خَطَأ، أو نسِيان":
قلنا: لا يمتنع استثناء الناسِي والمُخطِئِ من هذه القَضِيةِ، لكن لا يمكن دَعوَى ذلك في مسألتنا؛ لأنَّ الفَرْضَ أن المُخبِرَ بذلك مَجمُوعُ الأُمَّةِ، وهم عَدَد يزيد على عَدَدِ التواترِ، والعادَةُ تُحِيل النسيانَ على مثلهم، وكذلك الغَلَطُ والخَطأُ في الحُكمِ الشرْعِي؛ فإنهم إذا جَزَمُوا به وقَطَعُوا، فالعادَةُ تحيل الجَزمَ إلا عن قاطِع شرعي، ولا قاطع شرعيًّا سوى النقلِ المتواتر عن الرسول - ﷺ - إما بسماعهم منه؛ فَيَستَنِدُ القطعُ إلى مَحسُوس ضروري، أو بالنقل المُستَنِدِ إلى المَحسُوس. ولو جزم الغَلَط والخَطأ في مثله، للزم جَوازُ تَطَرُّقِ مِثلِهِ إلى النَّقلِ المُتَواتِرِ؛ وذلك يَقدَحُ في إِثباتِ النبُوَّةِ؛ فإن إحدى مُقَدماتِ صحتها بالنسبَةِ إلينا النَّقلُ المُتَواتِرُ، وعلى هذا التقدِيرِ قد يُمنَعُ انعِقادُ الإجماعِ عن أمارة، ولو سلم، فإنما يُتَصَوَّرُ عن ظَنَّ غالب سالِم عن المُعارضة، والعادة تحيل الخطأ فيه وفي مثله أيضًا مع كَثرَةِ عَدَدِهِمْ، ولا يَلزَمُ عليه اتفاقُ العَدَدِ الكثير على كُفرٍ، أو بِدعةٍ؛ فإن ذلك إنما يَتفِقُ عن مُصادَفَةِ نَظَرِ الأَقَل، وتَقلِيدٍ من الأكثر؛ كاتّباعِ كل مَذهَب.
أما اتِّفاقُ الجمِّ الغَفِيرِ على نَظَرٍ واستدلال في العَقلِياتِ مع تَشَعُّبِ طرقها، وتعارض الشبُهاتِ فيها، وعُسرِ الإِحاطَةِ بشرائط إنتاج براهينها وعجز مجاري العقول عن موافقها،
[ ٢ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكل ذلك لا يدركه إلا الأفرادُ في كل عَصر-: فالعادة تحيل الاتفاقَ فيه؛ ولذلك قيل: إن العقلاء لم يتفقوا على مسألة عَقلِية نَظَريَّة، سوى أن القَدِيمَ لا يعدم، وعلى هذا الحَرفِ مَنَعَ الإِمامُ كَونَ الإِجماعِ حُجة في العَقلِياتِ، وخالفَهُ الغَزالِي في "المَنخُول"، وهذا من أغمَضِ ما يبحَثُ فيه في باب الإِجماع.
قوله: "لا نُسَلِّمُ أنَّه يَلزَمُ من المُخالفَةِ خَرْمُ العَدالةِ مُطلَقًا؛ لجواز أن تَكُونَ المُخالفَةُ صَغِيرَة، وأنها لا تقدح مُطلَقًا":
قلنا: الجَوابُ عنه من وَجهَينِ:
الأَولُ: أنا فَرقنا في خَرْمِ العَدالةِ بين الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ؛ لأنَّ العَدالةَ وَصفٌ باطِنٌ غُيبَ عَنا لا اطلاعَ لنا عَلَيها، إلا بِمَظِنتِها وآثارها، ووقوع الصغيرة فلتة مع استِعْقابِها بالاستِغفارِ وعدم الإصرارِ: لا يَخرِمُ الظن بِمُراعاةِ التقوى، وإذا كان المُزَكِّي هو الله -تعالى- عالِمُ السّر والعلانية، فلا نَتَصَوَّرُ أن يَقَعَ منهم ما يُخِل بعدالتهم.
الثانِي: أن المُخالفَةَ في الفَتوَى مع العِلْمِ كَذِب على الله -تعالى- والكَذِبُ على الله تعالى كَبِيرَةٌ.
قوله: "سَلمنا أنهم عُدُول، لكن لما قُلتُم: إنهم عُدُول في كلّ شَيءٍ":
قلنا: إذا كانت العَدالةُ راجِعَة إلى هَيئَةٍ راسِخَةٍ في النفسِ تحمل على مُلازَمَةِ التقوَى والمَرُوءَةِ- لم تختلف الحالُ.
قوله: "الحكم بالعَدالةِ إنما يَحْتاجُ إليه حال الأداءِ، وهي في الآخِرَةِ لا حال التحَمّل في الدنيا؛ وهو مَحَل النزاعِ":
قلنا: لا قَيدَ في الآية في وَصفِهِم، وقَبُولُ شَهادتهم في الآخِرَةِ لا يَمنَعُ من وَصفِهِم بها في الدُّنيا، وقد وَصَفَهُمُ الله -تعالى- بذلك في مَعْرِضِ المَدْحِ تَقضِيلًا لهم على سائِرِ الأُمَمِ؛ وذلك يَدُلُّ على أن ذلك شِيمةٌ لهم؛ فإنَّه لا يحسن أن يُقال: فلان يُغِيثُ المَلهُوفَ، ويكرم الضيف؛ لِصدورِهِ منه مَرةً واحدة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولم يقل: سنجعلكم.
قوله: الآية تَخُص المَوجُودِينَ عند نُزُولها؛ لأنَّ الخِطابَ للمواجهة.
قلنا: خِطابُ الله -تعالى- على لسان نَبِيهِ - ﵇ - - لمن بلغ، وإلَّا لم نَكُن مُخاطَبِين بقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَجَاهِدُوا﴾ [الحج: ٧٨] إلى غير ذلك ولم يختلف حَمَلَةُ الشرِيعَةِ في تَناوُلِ هذا الخِطابِ لنا، وإنما اختلفوا في أنَّه يَتَناوَلُنا بِمُجَردِ اللفظِ، أو بضمنيه؟
[ ٢ / ٦٩ ]
الحُجةُ الثالِثَةُ في المسأَلَةِ: قَولُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وَجْه الاسْتِدلالِ: أَنهُمْ لَمّا أَمَرُوا بِكُل مَعْرُوفٍ، وَنَهَوْا عَنْ كُل مُنْكَرٍ -كانُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الْخَطَأ والزلَلِ؛ فَكانَ قَوْلُهُمْ حُجةً.
اعْلَمْ: أَن هذا الاسْتِدلال إِنما يَتِمُّ إِذا قُلْنا: إِن الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالألَفِ واللامِ، يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَقَد سَبَقَ الْكَلامُ فِيهِ. وَأَيضا: فَهذا خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَهَبْ أَن أُولَئِكَ الأقوامَ، كانُوا في ذلِكَ الْوَقْتِ كَذلِكَ؛ فَلِمَ قُلْتُم: "إِنهُم بَقُوا بَعْدَ ذلِكَ الْوَقْتِ عَلَى تِلْكَ الصفَةِ"؟ ! وَلِمَ قُلْتُمْ: "إِن مَنْ جاءَ بَعْدَهمْ كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكِ الصِّفَةِ"؟ !
===
قوله: "سَلَّمنا أن كل ما يَقُولُونَهُ حَق، لكن لم قُلْتُم: إن كل حَق يكون حُجة؟؟ ":
قلنا: لأَنا نَقُولُ: لا يكون حَقًّا إلا لِمُوافَقَتِهِ الشرع"، والشرعُ واجِبُ الاتباعِ.
قوله: "لا يَجِبُ على مُجْتَهِدٍ مُوافَقَةُ مجتهد خالفَهُ":
قلنا: لأنه ظَن، وظن نفسه أَقوَى عنده وأَرْجَحُ، والرَّاجِحُ واجِبُ الاتباع.
قوله: "لا يَقْضِي القاضِي بعِلْمِهِ على رأي":
قلنا: لمعارض التهْمَةِ، كما لا يَقْضِي لولده.
قوله: "لا تقبل شهادة العَدَدِ الكثير من النَّساءِ في القِصاصِ والحُدُودِ":
قلنا: للشارع تَعبدات في "باب الشهادَةِ"، ومحل التعَبّدِ لا ينقض به، ولا يُقاسُ عليه.
قوله: "الحجةُ الثالِثَةُ: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَجهُ الاستِدْلالِ بها أنهم لما أمروا بكل مَعرُوفٍ، ونهوا عن كل مُنكَرٍ -كانوا مَعْصُومِينَ من الخَطأ والزلَلِ؛ فكان قولهم حُجة":
واعلم أن تَقرِيرِ هذه الحُجةِ من هذا الوَجهِ، ضعيفٌ؛ فإنَّه رَتبَهُ على عِصمَتِهِم، ورَتبَ عِصمَتَهُم على أَنهم أمَرُوا بكل مَعرُوفٍ، ونهوا عن كُلِّ مُنكَر، مع أنا نَعلَمُ قَطعًا وَيقِينًا أن كُلَّ علماء كُلّ عَصْرٍ لم يأمروا بكل مَعرُوفٍ، ولم ينهوا عن كل مُنكَرٍ تفصيلًا، فإن الوَقائِعَ لا تَتَناهَى تَقديرًا، ولا يَقَعُ في كل عَصر إلا بَعضُها، وإنما يأمرون بما وَقَعَ واتصَلَ بهم منها. ولكن يمكن تَقرِيرُها من وَجهِ آخر؛ وهو أن كل ما أمر به عُلَماءُ كل عَصر، فهو من المَعرُوفِ، وكل ما نهوا عَنْهُ، فَهُوَ من المُتكَبر؛ لأنه -تعالى- وَصَفَهُم بذلك في مَعرِضِ المَدْحِ لهم، والتعظِيم لشأنهم، والتفضِيل لهم على من عَداهُم من الأُمَم السَّالِفَةِ؛ وذلك يَقتَضِي إِصابَتَهُم في كل ما أَمروا به، ونهوا عنه، وإلّا لم يكن لهم مَزِية؛ فإن كل الأُمَمِ تُصِيبُ في بَعضٍ، وتخطئ في بَعْضٍ.
قوله: "واعلم أن هذا الاستِدلال إِنما يَتِمُّ إذا قُلنا: إن المُفْرَدَ المعرف بالأَلِفِ واللام يُفِيدُ العُمُومَ -وأَيضا فإنَّه خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَهَب أن أولئك الأقوام كانُوا كَذلِكَ في ذلك الوَقتِ على
[ ٢ / ٧٠ ]
الْحُجةُ الرابِعَةُ: قَوْلُهُ -﵇-: "لا تَجْتَمِعُ أُمتِي عَلَى الضَّلالةِ".
وَلِقائِلِ أَنْ يَقُولَ: هذا خَبَرُ واحد؛ فَلا يُفِيدُ الْعِلْمَ؛ والْمَسْألةُ مَسْأَلَة عِلمِية. فَإنْ قالُوا: الأخبارُ الْكَثِيرَةُ وَرَدَتْ في هذا الْبابِ، وَهِيَ بِأَسْرِها دالَّةٌ عَلَى أن الإِجْماعَ حُجة؛ فَصارَتْ هذِهِ الأَخْبارُ الْكَثِيرَةُ جارِيَةً مَجْرَى الأَخْبارِ الْكَثِيرَةِ الْوارِدَةِ في شَجاعَةِ عَلِيّ -
===
تلك الصِّفَةِ- فلم قلتم: إن من جاءَ بَعْدَهُم كانوا مَوصُوفِينَ بتلك الصفة؟ ولم قلتم: إنهم يبقون بعد ذلك الوقت على تلك الصفة؟ ولم يجب عن هذه الأسئلة، والجَوابُ عنها واضح:
أما قوله: "إن هذا الاستدلال إنما يَتِمُّ إذا قُلنا: إن المفرد المعرف بالأَلِفِ واللام يُفِيدُ العُمُومَ" فالجواب عنه ما ذكرنا أن الآية سيقت للمدح، ولا يتحقق المدح والتفضيل، إلا إذا كانت تلك سَجِيتهُمْ وعادتهم؛ كما لا يحسن أن يقال: "بنو فلان يقرون الضيف" إلا إذا كانت تلك سجيتهم وهذه قرينة معينة للعموم.
قوله: "إنه خِطابُ مُشافَهَةٍ" قد تَقَدمَ الجَوابُ عنه.
قوله: "هَبْ أن أُولئك الأَقْوامَ كانُوا في ذلك الوَقْتِ كذلك -فلم قلتم: إن من جاءَ بَعدَهُم كذلك؟ ":
قلنا: قال عُلَماءُ التفسِيرِ: معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: في اللوحِ المَحفُوظِ، وهذا مَدحٌ لجميع أمَّةِ مُحَمد - ﷺ -.
وإذا كان هذا وَصفَهُم في اللوحِ المحفوظ في عِلْمِ الله -تعالى- أو في الكُتُبِ السابِقَةِ؛ فمجموع هذه الأُمةِ مَوصُوفٌ بذلك في كُل وَقْتٍ، وفي كل عَصر، وإلا لم يَكُن لهم مَزِية.
وقال الفَرَّاءُ في كتاب "مَعانِي القُرآنِ": ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم خَيرُ أمّةٍ، ودخول "كان" هَهُنا وَخُرُوجُها سواء.
قوله: "والحُجةُ الرابِعَةُ: قوله -﵇-: "لا تَجْتَمِعُ أمَّتِي على الضلالة".
هذه الحجة اختارَها الغزالي، وادَّعَى تَقرِيرَها بالضَّرُورَةِ تارة، وبالنظَرِ أُخرَى: أما طَرِيقُ الضرورَةِ فقال هو وغيره: تواتر معنى هذا الحديث بِأَلفاظٍ كَثِيرَة مختلفة مُتَضافِرَةٍ على عِصْمَةِ هذه الأُمَّةِ عن الزلَلِ والخَطأ إلى حَد العلم الضرُورِيّ بذلك؛ كالأخبارِ المَنقُولَةِ في شَجاعَةِ عليٍّ وسخاء
[ ٢ / ٧١ ]
﵁- وَسَخَاءِ حَاتِمٍ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا - وَإِنْ كَانَ مِن بَابِ الآحَادِ إلا أَنَّ مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ العِلْمَ.
فَنَقُولُ: إِمَّا أَنْ يُقَال بِأَنَّ الْقَدْرَ المُشتَرَكَ بَينَ هذِهِ الأَخبَارِ: هُوَ أَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، أَوْ الْقَدْرَ المُشتَرَكَ بَينَهُمَا شَيءٌ: يَلْزَمْ مِنْ ثُبُوتِهِ أَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، أَوْ لَا ذلِكَ وَلَا هذَا:
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ التَّوَاتُرُ في كَوْنِ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ؛ وَذلِكَ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْمُخَالِفِينَ نَازَعُوا فِيهِ، وَالْمُوَافِقِينَ إِنمَا أَثْبَتُوا كَوْنَهُ حُجَّةٌ بِالدَّلِيلِ، فَلَوْ حَصَلَ النَّقْلُ المُتَوَاتِرُ
===
حَاتِمٍ، ثم نقلوا أَحَادِيثَ مُتَضَافِرَةً:
الأول: ما ذكره المُصَنِّفُ.
الثاني: "مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فهو عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ".
الثالث: قوله - ﵇ -: "يَدُ اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ".
الرابع: قوله - ﵇ -: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالةٍ".
[ ٢ / ٧٢ ]
فِيهِ، لَكَانَ جَارِيًا مَجْرَى العِلْمِ بِشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَسَخَاءِ حَاتِمٍ؛ وَمَعْلُومْ أَنَّ ذلِكَ بَاطِلٌ.
وَبِهذَا الْحَرفِ يَظهَرُ الْفَرْقُ بَينَ هذِهِ الأَخْبَارِ وَبَينَ الأَخبَارِ الْوَارِدَةِ في شَجَاعَةِ عَلِيٍّ - ﵁ - وَسَخَاءِ حَاتِمٍ؛ لأَنَّ القَدْرَ المُشتَرَكَ بَينَ هذِهِ الأخَبَارِ هُوَ شَجَاعَةُ عَلِيٍّ
===
الخامس قوله - ﵇ - "سَأَلْتُ اللهَ أَلَّا تَجْتَمعَ أُمَّتِي على الضَّلَالةِ فَأَعْطَانِيهَا".
السادس: قوله - ﵇ -: "لم يَكُنِ اللهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ" ويروى "ولا خَطَأٍ"، وهو من مَرَاسِيلِ الحسن البَصْرِيِّ وكان يقول: إذا حَدَّثَنِي أَرْبَعَةٌ من الصحابة تَرَكتُهُمْ، وقلت: قال رَسُولُ الله - ﷺ -.
السابع: قوله - ﵇ -: "يَدُ اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ، ولا يبَالِي بِشُذُوذِ مَن شَذَّ".
الثامن: "عَلَيكُم بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ".
التاسع: قوله - ﵇ -: "مَنْ خَرَجَ من الجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ رِبقَة الإِسْلَامِ من عُنقِهِ".
العاشر: قوله -﵇-: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً".
الحادي عشر: قَوْلُهُ - ﵇ -: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ حتَّى
[ ٢ / ٧٣ ]
وَسَخَاءُ حَاتِمٍ؛ لأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ لَا جَرَمَ: صَارَ هذَا المَعْنَى مَعْلُومًا مُتَوَاتِرًا؛ فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ في مَسْأَلَتِنَا كَذلِكَ، لَوَجَبَ حُصُولُ التَّوَاتُرِ عَنِ الرَّسُولِ - ﷺ - فِي أَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُل بِذلِكَ.
===
يقاتلون الدجال".
الثاني عشر: قوله - ﵇ -: "لَا تَزَالُ طَائِفَة مِن أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالفَهُمْ".
الثالث عشر: قَامَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب في النَّاسِ خَطِيبًا، فقال: إن النَّبِيَّ - ﷺ - قال: "لَا تَزَالُ طَائِفَة مِن أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ تَعَالى".
الرابعِ عشر: قوله - ﵇ -: "ثَلَاثٌ لا يغل عَلَيهِنَّ قَلْبُ المُؤمِنِ: إِخلَاصُ العَمَلِ، والنُّصْحُ لأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، ولُزُومُ الجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ من وَرائِهِمْ".
[ ٢ / ٧٤ ]
أَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي -وَهُوَ ادِّعَاءُ أَنَّ هذَا الْقَدْرَ المُشْتَرَكَ، بَينَ هذِهِ الأَخْبَارِ ثُبُوتِ شَيءٍ يَلْزمُ مِنْهُ كَون الإِجْمَاعَ حُجَّةً-: فَلَا بُدَّ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَيهِ؛ لِيعْرَفَ أَنَّهُ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ.
===
الخام عشر: قوله - ﵇ -: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْكُنَ بُحْبُوحَةَ الجنّة فليلزم الجَمَاعَةَ؛ فإن الشَّيطَانَ مع الْوَاحِدِ، وهو من الاثنين أبْعَدُ".
السادس عشر: قوله - ﵇ -: "لَا تَزَالُ طَائِفَة من أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالفَهُم إِلَى أَنْ تَقُومَ القِيَامَةُ". وفي رواية: "لا يضرهم من خالفهم حتَّى يأتي أمر الله".
إلى غير ذلِكَ من الأَحَادِيثِ المُختَلِفَةِ الأَلْفَاظِ، المتفقة المعنى؛ وكلها مَرْويَّةٌ بطرق مَقْبُولَةٍ تفيد القَطْعَ ضرورة بالقدر المشترك، وهو عِصْمَةُ مَجْمُوعِ هذه الأمة.
وأما طريقة النظر: فقد قررها من وجهين:
الأول: أن هذه الأحاديث لم تَزَلْ مَشهُورَةً في عَصْرِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ - رضوان الله عليهم - متمسكين بها، ولم يظهر من أَحَدٍ نَكِيرٌ فيها، مع أن الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ على المُخَالفَةِ؛ وذلك دليل صحتها، وكونها حُجَّةٌ.
الثاني: أنهم أَثْبَتُوا بها أَصْلًا مَقْطوعًا يحْكُمُ به على الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ولا يُمْكِنُ إلَّا عند مُسْتَنَدٍ مَقطُوع به.
واعترض على الطَّرِيقِ الأُولَ بِأَوجُهٍ:
الأَوَّلُ: أن مِثلَ هذا العَدَدَ لو تَطَابَقَ على نَقلِ لَفْظٍ وَاحدٍ - لم تحل العَادَةُ اتِّفَاقَهُمْ على الكَذِبِ، فكيف يَصِحُّ دَعْوَى التَّوَاتُرِ المَعْنَويّ في مثله؟
الثاني: أنكم ادَّعَيتُمُ العِلْم الضُّرُورِيَّ، ومن خاصيته ألا يختلف فيه العُقَلَاءُ، ونحن نُخَالِفُكُمْ.
الثالث: أنكم ادَّعَيتُمُ الضَّرُورَةَ، ثم اشتغلتم بِبَيَانِ وَجْهِ الدَّلالةِ، ولا يَجْتَمِعَانِ.
واعترض على الطَّرِيقِ الثانِي بأَوْجُهٍ:
الأَوَّلُ: قولكم: "لم تَزَلِ الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ متمسكين بهذه الأَحَادِيثِ من غَيرِ نَكِير، ولا
[ ٢ / ٧٥ ]
سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْخَبَرِ؛ لَكِنَّ الضَّلَالةَ اسمٌ لِلْبَاطِلِ الَّذِي يَعْظُمُ بُطلَانَهُ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ
===
مُخَالِفٍ" - غير مسلم؛ فلعل مخالفًا خَالفَ ومُنْكِرًا أنكر، ولم يُنْقَل إلينا.
الثاني: أنكم أَثبَتُّمُ الإِجْمَاعَ بالإجماع، والشيء لا يَصِحُّ أن يكون دَلِيلَ نَفْسِهِ، ولا دليل دليل نَفْسِهِ.
والثالث: التأويل بِحَمْلِ الضَّلَالةِ على الكفر، فهذا وَجْهُ تَقرِيرِ هذه الحُجَّة، والاعْتَراضِ عليها.
وأما المُصَنِّفُ فقال: "ولقَائِل أن يقول: هذا خَبَرُ وَاحِدٍ، فلا يُفيدُ العِلْمَ، والمسألة مسألة علمية. فإن قَالُوا: الأَحَادِيثُ كَثِيرَة في هذا البَابِ، وهي بِأَسْرِهَا دَالَّة على أن الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، كالأخبار الواردة في شَجَاعَة عَلِيٍّ، وسخاء حَاتِمٍ، فنقول: إما أن يَكُونَ القَدْرُ المشترك كَوْنَ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، أو شيئًا يلزم منه كَوْنُ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، أو لا ذَا ولا ذَا:
فإن كان الأَوَّل، وَجَبَ أن يَحْصُلَ التَّوَاتُرُ فِي أَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وهذا بَاطِلٌ؛ لأن المُخَالِفِينَ نَازَعُوا فيه، والموافقين إنما أَثبَتُوا كَوْنَ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ بالدليل، فلو حصل النَّقلُ المُتَوَاتِرُ، كان ذلِكَ بَاطِلًا، وبهذا الحرفِية يظهر الفَرْقُ بين هذه الأَخبَارِ، وبين الأَخبَارِ الوَارِدَة في شجاعة عَليٍّ، وسخاء حاتم.
وإن كان القَدْرُ المُشْتَركُ شَيئًا يلزم منه كَوْنُ الإجْمَاع حُجَّةٌ - فلا بد من الإشارة إليه؛ ليعرف أنَّه حَقٌّ، أو باطل.
وأما الثالث فظاهر البُطلَانِ.
قال: سلَّمْنَا صِحَّةَ الخبَرِ، لكن الضَّلَالة: الباطل الَّذي يَعْظُمُ بطلانه؛ فلا يَلْزَمُ من نَفْي الباطل المكيف بكيفية العظم نفى أصل الباطل، والله أعلم.
والجَوَابُ:
قوله: "إنْ مِثْلَ هذَا العَدَدِ لا تحيل العَادَةُ اجْتِمَاعَهُمْ على الكَذِبِ، فلا يكون عدد التواتر":
قلنا: الحَقُّ أن عَدَدَ التَّوَاترِ لا ينضبط بكمية مَعْلُومَةٍ لنا، ولا ضابط له سوى كَوْنِه بحال يفيد العلم بمخبره، وللقرائن فيه مدخل عظيم؛ فَتَختَلِفُ باختلَافِ المُخبِرِبنَ والمُخبَرِ عنه. وعلى هذا، فاتفاق جَمَاعَةٍ من أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ؛ كعمر، وابن عمر، وأبي سعيد، وابن مَسْعودٍ، وأبي
[ ٢ / ٧٦ ]
الْبَاطِلِ المُكَيَّفِ بِكيفِيَّةِ الْعَظَمَةِ - نَفْيُ أَصْلِ الْبَاطِلِ.
===
هريرة، وأنس، وخديجة وغيرهم، والحَسَنِ البَصْرِيُّ وأكابر التَّابِعِينَ على رواية هذه
[ ٢ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأَحَادِيثِ، والاحْتِجَاجِ بها عَلَى أَمْرٍ من أَهَمْ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ يسند إليه كَثِيرٌ من قَوَاعِدِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، وينبني عليه التَّكفِيرُ، والتَّبْدِيعُ، والتَّفْسِيقُ، ويحكم به على الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وَيتَلَقَّاهُ غيرهم بالقَبُولِ من الصَّحَابَةِ والتابعين-: تحيل العَادَةُ السُّكُوت على مثله مع تَكْرِيرِه، إلا مع الاعْتِرَافِ بِصِحَّتِهِ، ومجموع ذلك تَحْصِيلُ اليَقِينِ، والجَزمِ لا محالة.
قوله: "خَاصيَّةُ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ ألا يَخْتَلِفَ فيه العُقَلَاءُ".
قلنا: تلك خَاصيَّةُ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذي لا يَتَوَقَّفُ على سَبَب؛ كَالأَوَّلِيَّاتِ التي هي نَفْسُ العقل، أو لازم العَقْلِ، أما ما يَتَوقَّفُ على سَبَبٍ؛ كالحِسَّيَّاتِ والتواتريات والتجريبيات والعاديات والحدسيات، فيمكن وُقُوعُ الخِلَافِ فيها؛ بناء على عَدَمِ المُشَارَكَةِ في السبب، والغَفْلَةِ عن القَرَائِنِ.
[ ٢ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "ادَّعَيتُمُ الضَّرْورَةَ، ثم اشْتَغَلْتُمْ ببيَانِ وَجْهِ الدَّلالةِ، ولا يجتمعان":
قلنا: ما ذَكَرُوهُ من الوَجْهَينِ في بيان وَجْهِ النَّظَرِ عند التحقيقِ يَرْجِعُ إلى تَبيينِ القَرَائِنِ، والتبيين لعدم تحقق سَبَبِ العِلْمِ الضروري، والمُسَامَحَةُ وَاقِعَةٌ في تسميته نظريًا لافْتِقَارِهِ إلى زيادة تَفَطُّن بِتَحْقِيقِ القَرَائِنِ، لا أنه نَظَرِيٌّ حَاصِل عن ترتيب مُقَدِّمَاتٍ أو وسَائط العادات. ولتوقف مثل هذا العلم الضروري على تمييز القرائن، وتحقيق مقتضيات؛ ظن قوم أن حُصُولَ العِلْمِ عن خبر التَّوَاتُرِ نَظَرِيٌّ، كيف والأئمة قد تذكر مثل هذا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ سدًّا لباب العنَاد في منع الضرورة.
قولهم: "لعل معترضًا اعْتَرَضَ ومنكرًا أَنْكَرَ، ولم ينقل":
قلنا: كيف يَنْدَرِسُ مثل هذا الإنْكَارِ لهذا الأَصْلِ العَظِيم، والأَمْرِ الجليل، ولا يَنْدَرِسُ اخْتِلافهُمْ في دِيَةِ الجَنِين، ومسألةَ الحَرَامِ، . . . . . .
[ ٢ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومِيرَاثِ الجَد والإِخْوَةِ.
[ ٢ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قولهم: "حَاصِلُهُ إِثْبَاتُ الإِجْمَاعِ بِالإِجْمَاعِ":
قلنا: نحن اسْتَدْلَلْنَا على صِحَّةِ الإِجْمَاعِ بِالأَخبَارِ، واستدللنا على صحة الأَخبَارِ بِخُلُوِّ الأَعْصَارِ عن المُرَاجعة، مع أن العَادَةَ تَقْتَضِي الإنْكَارَ ولو لم يكن مَقطُوعًا بها، والعَادَةُ مدرك من مَدَارِكِ العِلْمِ يَسْتَنِدُ إليها كَثِيرٌ من الأَحْكَامِ؛ منها دَلالةُ المُعْجِزَاتِ على صِدْقِ الرَّسُولِ، ﵇.
قولهم: "تُحملُ الأَحَاديث على امْتِنَاعِ الكُفْرِ على جملَتِهِمْ":
قلنا: قد بينا أنَّ القَدْرَ المشترك بين هذه الأَحَاديثِ عِصْمَتُهُم عن الزَّلَلِ والخَطَأ؛ فتقييده ببعض الخَطَأ تَحَكُّمٌ من غير دَلِيلٍ.
وقول المُصَنِّفِ: "هذا خبر واحد".
قلنا: قد بَيَّنَّا تَوَاتُرَ مَعْنَاهُ؛ لاعتضاده بمُوَافَقَةِ الآية التي تَقَدَّمَ الاحْتِجَاجُ بها، وبما لم يذكُرْهُ
[ ٢ / ٨٩ ]
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: قَال إِمَامُ الحَرَمَينِ -﵀-: إِن إِجْمَاعَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ عَلَى الْقَوْلِ الْوَاحِدِ، لَا يُعْقَل إِلَّا لِدَلِيلٍ قَاهِرٍ جَمَعَهُمْ عَلَيهِ. وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِإِطبَاقِ النَّصَارَى عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ، وَصَلْبِ عِيسَى، ﵇.
===
من الآيات بما احتج بها على صِحَّتِهِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. يفهم منه أن ما اتفقتم عليه فهو حق؛ وكقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] ونحو ذلك.
قوله: "المشترك بين هذه الأحاديث كون الإجماع حجة، أو شيء يلزمه، أو لا هذا ولا ذاك":
قلنا: شيء يلزمه، وهو عصمتهم عن الخطأ والزلل كما قررناه؛ ويلزم منه وجوبُ الاتباع.
قوله: "الحديث دَلَّ على امتناع الضَّلال المكيف بكيفية العظمة؛ فلا يعم":
قلنا: بعض الأحاديث مشتملة على امتناع الْخَطَأ، وهو الأعمُّ المتيقن، والقدر المشترك فيعم، والله أعلم.
قوله: "الحجة الخامسة: قال إمام الحَرَمَينِ: "إِنَّ إِجْمَاعَ الجَمْعِ العَظِيم على القَوْلِ الوَاحِدِ لا يقع إلا بدَلِيلِ قَاهرٍ جمعهم عليه":
تَقرِيرُ هذه الحُجَّةِ أن هذا الاسْتِدْلال ذَكَرَهُ الإمَامُ فَرْضًا في صورة من صُوَرِ الإِجمَاع؛ فإن مَأخَذَهُ هذا لا يَعُمُّ سَائِرَ صُوَرِ الإِجْمَاعِ؛ وبيانه أن أهْلَ الحَلِّ والعَقد إذا كَانُوا عَدَدَ التَّوَاترِ، أو يزيدون، وقَطَعُوا بالحُكْمِ في مَحَلٍّ تَتَشَعَّبُ فيه الآرَاءُ، وَتَدقُّ فيه الظُّنُونُ مع تَبَايُنِ قَرَائِحِهِمْ -فلا يُتَصَوَّرُ ذلك إلا عَنْ جَامِعٍ قَاهِرٍ، فإن فُرِضَ اجْتمَاعُهُمْ على ذلك، وهم العَدَدُ الكَثِيرُ من
[ ٢ / ٩٠ ]
فَهذِهِ الْوُجُوهُ هِيَ أَقْوَى مَا قِيلَ فِي هذَا الْبَابِ.
===
غَيرِ جَامِعٍ- لفُرِضَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ على التَّغَذِّي بِنَوْعٍ وَاحِدٍ من الطَّعَامِ، وَوَقْتٍ وَاحِدٍ، مع اختلاف الدَّوَاعِي. وإذا تَعَيَّنَ أنهم لا يَجْتَمِعُونَ إلا عن جَامِع- تَعَيَّنَ أن يَكُونَ ذلك الجَامِعُ قَاطِعًا شَرْعِيًّا؛ إذ لا مَجَال لِلْعَقْلِ في إِثبَاتِ الأَحْكَامِ الشرْعِيَّةِ عندنا.
ولا يمكن أن يكون مُسْتَنَدُ الإِجْمَاعِ بِالإِجْمَاعِ، فإنه إِثْبَات الشيء بنفسه، ولا القياس؛ لأنه إنما وَجَبَ العَمَلُ به بالإجماع، فتعين أن يكون إجْمَاعهمْ عن نَصٍّ قَاطِعٍ بلغهم، ولم يتفق بُلُوغُهُ إلينا، فيجب العَمَلُ به؛ لاشتِمَالِهِ على النَّصِّ، فمَن أَثْبَتَ الحُكمَ في مِثلِ هذه الصُّورَةِ بالإجْمَاعِ- فقد أثْبَتَهُ بالنَّصِّ حَقِيقَةً، واتفاقهم مُعَرِّفٌ لنقله، وتسميته الإجماع مُثبتًا مَجَاز، فهذا القَطَعُ يَسْتَنِدُ إلى مَحْسُوسٍ؛ إما مُبَاشرَة، أو بواسطة مَحْسُوسٍ، فلو لم يَجِبِ العَمَلُ به، لما وَجَبَ بِخَبَرِ التواتر. وتجويز الخَطَأ عليهم كتجويزه على خبر التَّوَاتر.
ولا يلزم على هذا التَّقدِيرِ ما اعْتَرَضَ به المُصَنِّفُ من إجْمَاعِ النَّصَارَى على التَّثلِيثِ؛
[ ٢ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإنهم لم يَسْتَنِدُوا في قَطْعِهِمْ إلى مَحْسُوسٍ، فإنَّ ذلك وأَمْثَالهُ إنما يَنْشَأُ عن شُبْهَةٍ اتفقت للأقل، وتبعهم الأَكْثَرُ عن تَقْلِيدٍ. وأما اتِّفَاقُهُمْ هم واليَهُودُ على الصَّلْبِ، فإنَّه شُبِّه لهم؛ كما أخبر الله تعالى، وذلك خَرْقُ عَادَةٍ، ونحن إنما نَتَكَلَّمُ على اسْتِقْرَارِ العَادَاتِ، وإلا فيجوز أن يُخْبِرَ العَدَدُ الكَثِيرُ الذي لا يُحْصَى عن مَحْسُوسٍ، ولا يفيد العلم عَقْلًا، لكن الوَاقِعَ خِلافُهُ، وكذلك الجَزْمُ بجميع العَادِيَّاتِ.
ثمَّ يبقى وَراءَ هذه الصُّورِ صُوَرٌ من الإِجْمَاعِ، وهو أن يفرض اجتماعهم عن ظَنِّ غَالِبٍ، أو قِيَاسٍ جليٍّ خَالٍ عن المُعَارِضِ، أو عن لازِمِ نَصَّينِ، أو بأن أفتي بعضهم عن ظَاهِرٍ، وآخَرُونَ عن قِيَاسٍ، وآخَرُونَ عن خَبر وَاحِدٍ، ثمَّ وقع الاتِّفَاقُ على الحُكْم - فإنا لا نشترط في اتفَاقِهِمْ على الحُكمِ اتِّفَاقَهُمْ على المَأْخَذِ.
ومن الصُّوَرِ أيضًا أن يصرحوا بالحكم بالقياس عن بَحْثٍ ومُشَاوَرَةٍ، ثمَّ يَسْتَقِرُّ رَأْيهُمْ على حكم في مثل هذه الصور:
قال بَعْضُ الأَصْحَابِ: يَجِبُ العَمَلُ بها؛ لاسْتِنَادِهَا إلى الإِجْمَاع القَاطِعِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّصِّ، وهو إِجْمَاعُ التَّابِعِينَ على تَحْرِيمِ المُخَالفَةِ، وعلى النَّكِيرِ على كُلِّ مَنْ خَالفَ الإِجْمَاعَ، والإجماع على أَنَّ الإِنكَارَ لا يكون إلا عن نَص قَاطِعٍ؛ فإنَّه لو كان عن اجْتِهَادِ، أو قِيَاسٍ جَلِيٍّ يقتضي تَحْرِيمَ المُخَالفَةِ - لكان في مُقَابَلَتِهِ قِيَاسٌ جَلِيٌّ يقتضي حِلَّ المُخَالفَةِ، وهو أن المُجْتَهِدَ الآتي بَعْدَ عَصْرِهِمْ يَقُولُ: أنا مُشَارِكٌ لهم في خِصَالِ الاجْتِهَادِ، ولو كنت في عَصْرِهِمْ، لما انْعَقَدَ إِجْمَاعُهُمْ دوني، ولما حرمت عليَّ المُخَالفَةُ، ولا فَارِقَ سوى الزَّمَانِ، وهو طَرْدٌ مَحْضٌ بالنِّسْبَةِ إلى مَأْخَذِ أحد الأَحْكَامِ، فهذا قِيَاسٌ جَلِيٌّ يَقْتَضِي حل المُخَالفَةِ يعارض القياس المَعرُوض بتَحْرِيمِ المُخَالفَةِ.
وعند تَعَارُضِ الأَقْيسةِ الجَلِيَّةِ لا يمكن العَمَلُ بِمُوجَبِ أَحَدِهِا، إلا بعد التَّرْجِيحِ، ومَسَالِكُ التَّرْجِيحِ مما تَتَشَّعَبُ فيها الآرَاءُ، وتدقُّ فيه الظُّنُونُ، والعَادَةُ تَقْتَضِي أن العَدَدَ الكَثِيرَ لا يجمعون
[ ٢ / ٩٢ ]
وَالْمُعْتَمَدُ: أَنْ يتمسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] أَمَرَنَا بِالْكَوْنِ مَعَ الصَّادِقِينَ، فَالْمُرَادُ مِن ذلِكَ الصَّادِقِ: إِمَّا مَنْ يَكُونُ صَادِقًا فِي بَعْضِ الأُمُورِ، أَوْ مَنْ يَكُونُ صَادِقًا فِي كُلِّ الأُمُورِ؛ وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ وَإِلَّا لَكَانَ ذلِكَ أَمْرًا بِمُوَافَقَةِ كِلا الْخَصْمَينِ؛ لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَادِقٌ فِي بَعْضِ الأُمُورِ، وَلَمَّا بَطَلَ هذَا؛ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ: مَنْ كَانَ صَادِقًا فِي كُلِّ الأُمُورِ.
===
فيه إِلَّا عن نَصٍّ قَاطِعٍ؛ فَيَجِبُ العَمَلُ بإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ على تَحْرِيمِ المُخَالفَةِ؛ لتضمنه النَّصَّ، ويجب العَمَلُ بكل إِجْمَاعٍ في محلّ لا تَتَشَعَّبُ فيه الآرَاءُ وكلِّ إجماع ظَنِّي؛ لاستناده إلى إِجْمَاعِ التابعين القاطع.
والحَاصِلُ أنَّه يَجِبُ العَمَلُ بكل إِجْمَاعٍ؛ لتضمنه النَّصَّ، أو استناده إلى الإِجْمَاعِ المتضمن للنَّصِّ.
قوله: "فهذه الوُجُوهُ أَقْوَى ما ذكر في هذا البَابِ":
إنما قال "أَقْوَى"؛ لاعتقاده أن هذه الحُجَجَ ظَنِّيَّةٌ، وأن المَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ، وأشار إلى أَنَّ الأصُولِيِّينَ ربما تَمَسَّكُوا بحجج غير هذه: نَقْلِيَّةٍ أو عَقْلِيَّةٍ تركها خَشْيَةَ الإِطَالةِ.
قوله: "والمعتمد في المَسْأَلَةِ أن نَتَمَسَّكَ بقوله تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] أمرنا بالكَوْنِ مع الصَّادِقِينَ، والمُرَادُ من ذلك الصَّادِقِ من يَكُونُ صَادِقًا في بَعْضِ الأُمُورِ، أو من يَكُونُ صَادِقًا في كُلِّ الأُمُورِ: والأول بَاطِلٌ، وإلا لكان ذلِكَ أَمْرًا بموافقة كلا الفريقين؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما صَادِقٌ في بَعْضِ الأُمُورِ. . . ثمَّ نقول: ذلك الصَّادِقُ الذي تَجبُ مُتَابَعَتُهُ إما أن يَجِبَ في بعض الأُمُورِ، وهو باطل؛ لأنَّ ذلك البَعْضَ غير مُعَيَّنٍ في هذه الآية، وحينئذ يَلْزَمُ الإِجْمَالُ والتَّعْطِيلُ. أو تجب مُتَابَعَتُهُ في كل الأُمُورِ؛ وهو المطلوب ثمَّ نقول ذلك الصادق الذي تجب متابعته في كل الأمور: إِمَّا مجموع الأمة، أو بعضهم: والقِسْمُ الثَّانِي باطل؛ لأَنا لما أمرنا بالكَوْنِ معهم - وَجَبَ أن نكون قَادِرِينَ على الكَوْنِ معهم، وإنما نَقْدِرُ على الكَوْنِ مَعَهُمْ إذا عَرَفْنَاهُمْ بأعيانهم، لكنا نعلم بالضَّرُورَةِ أنا لا نعلم وَاحِدًا نَقْطَعُ فيه بأنه من الصَّادِقِينَ، وإذا كان كَذلِكَ كانت القُدْرَةُ على الكَوْنِ معهم فَائِتَةً؛ وذلك يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ من هذه الآية غَيرَ هذا القِسْمِ، وإذا بَطَلَ هذا، وَجَبَ أن يَكُونَ الصَّادِقُونَ الذين أَمَرَنَا الله تعالى بالكَوْنِ معهم: مَجْمُوعَ الأُمَّةِ، وإِلَّا لَبَقِيَتِ الآيَةُ معطلة؛ وذلك يَدُلُّ على أن الإِجْمَاعَ حجة".
حَاصِلُ دَعْوَاهُ: أن الآيَةَ تَدُلُّ على وُجُوبِ الكَوْنِ مع كل الصَّادِقِينَ من هذه الأُمَّةِ في كل الأمور في كل ما صَدَقُوا فيه عَقْدًا وقَوْلًا وَعَملًا، وتَتِمَّةُ ذلك بحملها على المَوْجُودِينَ من الصَّادِقِينَ في كل عَصْرٍ؛ لإمكان مُتَابَعَتِهِمْ، والكون معهم، وقد اعْتَمَدَ في لُزُومِ العُمُومِ في الأَحْوَالِ الثَّلاثَةِ على أَنَّ التَّخْصِيصَ والتَّقْييدَ بشيء من هذه الثَّلاثَةِ - لا دَلِيلَ عليه في الآية، فلو لم يعم، لَزِمَ: إما التَّكْلِيفُ بالمُحَالِ، أو الجمع بين النَّقِيضَينِ وغيره، أو الترجيح بلا مُرَجِّحٍ، أو الإهمال والتَّعْطِيل للآية عن الدلالة، وكل ذلك باطل، فيجب العموم.
[ ٢ / ٩٣ ]
ثُمَّ نَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي بَعْضِ الأُمُورِ؛ وَهُوَ بَاطِل؛ لأَنَّ ذلِكَ الْبَعْضَ غَيرُ مُبَيَّنٍ فِي هذِهِ الآيَةِ؛ وَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ الإِجْمَالُ وَالتَّعْطِيلُ. أَو المُرَادُ: وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ فِي كُلِّ الأُمُورِ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
===
والاعْتِرَاض عليه:
لا نسلم أنَّه يَلْزَمُ من انْتِفَاءِ دَلالةِ الآية بصريح اللَّفْظِ على التخصيص والتقييد - انْتِفَاؤُهَا مُطْلَقًا؛ لجواز أن يَدُلَّ عليه دَليلٌ منفصل، أو سيَاقُ خطاب، أو دَلالةُ حَالٍ، وقد قال عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ: الخِطَابُ في الآية لمن آمَنَ من اليَهُودِ، ومن تَخَلَّفَ عن رَسُولِ الله - ﷺ - في غزوة "تَبُوك"، أمرهم اللهُ - تَعَالى - بالكَوْنِ مع المُهَاجِرِينَ والأنصار والصادقين فيما عَاهَدُوا الله عليه من نُصْرَةِ رَسُولِهِ - ﷺ - والكون معه والثَّبَاتِ، كما وَصَفَهُمْ بذلك - ﷾ - فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ويحقق ذلك سِيَاقُ الآيَةِ بِتَوْبِيخ من تَخَلَّفَ عنه، ومَدْحِ من كَانَ مَعَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
ثمَّ لو سلم عَدَمُ الالتفات إلى السَّبَبِ، فلا مَانِعَ من حَمْلِ الآية على الأَمْرِ بالكَوْنِ مع كل من علم صدقه، أو ظن فيما يكتفي فيه بالظَّنِّ، وطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذلك مُوَافَقَتُهُ للحق؛ كما يقال: "اعْرِفِ الحَقَّ تَعْرِفْ أهله".
قوله: "واحْتجَّ المخالِفَ بوجوه: الأول: أن العِلْمَ بأَنَّ هذا القَوْلَ قَوْلٌ لكل الأمة يقتضي العِلْمَ بصفات كُلِّ الأُمَّةِ، والعلم بِصِفَاتِ الشَّيءِ مَشْرُوطٌ بالعلم بِذَاتِهِ؛ فَصَحَّ أن العِلْمَ بأن هذا القَوْلَ قَوْلٌ لكل الأُمَّةِ مَشْرُوطٌ بمعرفة أَشْخَاصِ جَمِيع الأُمَّةِ، ولما كان العِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا بِأَنَّا لا نَعْلَم أَشْخَاصَ جميع الأُمَّةِ - اسْتَحَال أن القَوْلَ المخصوص قَوْلٌ لكل الأمَّةِ، لماذا كان العِلْمُ بحصوله مُمْتَنِعًا، امتنع كَوْنُهُ حُجَّةً":
واعلم أن للرادِّينَ للإجْمَاعِ ثَلاثَةَ مَقَامَاتٍ:
المقام الأول: النِّزَاعُ في تَصَوُّرِهِ، قالوا: لا يقع الإجماع في مَوَاقِعِ النُّصُوصِ، فإن فيها غُنْيَةً عنه، ومواقع النَّظَرِ الدواعي فيها مُخْتَلِفَةٌ، وطبقات النَّاظِرِينَ فيها مُتَفَاوتَةٌ، والطباع مَجْبُولَةٌ على الْمُخَالفَةِ؛ ففرض اتفاقهم على مسألة نَظَرِيَّةٍ، كفرض اتِّفَاقِهِمْ على أَكْلِ نَوْعٍ وَاحِدٍ من الطَّعَامِ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، أو النطق بكلمة وَاحِدَةٍ.
وأُجِيبَ بأن لهم دَاعِيًا إلى الإِجْمَاعِ على الحُكْمِ، وهو النُّصُوصُ الظاهرة، والأَقْيسةُ الجَلِيَّةُ الخَالِيَةُ عن المُعَارَضَةِ، مع اعْتِقَادِ وُجُوبِ العَمَلِ بالظَّنِّ الغَالِبِ، ولا يشترط في انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ اتِّفَاقُهُمْ في وَقْتٍ وَاحِدٍ، بل الغالب في مثله ابْتِدارُ الأَذْكِيَاءِ إلَى الوُقُوفِ على المَآخِذِ، وإظْهَارِهَا، فيقف عليها مَنْ لم يَبْلُغْ طَبَقَتَهُمْ، ويتبع ذلك، وتقع المُطَابَقَةُ على تَدْرِيجٍ إلى أن يَحْصُلُ اتِّفَاقُ الجميع، كمُطَابَقَةِ شيعة كل مَذْهَبٍ لإمامهم.
[ ٢ / ٩٤ ]
ثُمَّ نَقُولُ: ذلِكَ الصَّادِقُ الَّذِي تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ فِي كُلِّ الأُمُورِ: إِمَّا مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، أَوْ بَعْضُهُمْ:
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ تَعَالى لَمَّا أَمَرَنَا بِالْكَوْنِ مَعَهُمْ، وَجَبَ أَنَّ نَكُونَ قادِرِينَ عَلَى الْكَوْنِ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا نَقْدِرُ عَلَى الْكَوْنِ مَعَهُمْ إِذَا عَرَفْنَاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، لَكِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ: أَنَّا لَا نَعْرِفُ أَحَدًا نَقْطَعُ فِيهِ بِأَنَّهُ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذلِكَ كَانَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَوْنِ مَعَهُمْ فَائِتَةً؛ وَذلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هذِهِ الآيَةِ غَيرَ هذَا القِسْمِ، وَإِذَا بَطَلَ هذَا؛ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الصَّادِقُونَ الَّذِينَ أَمَرَنَا الله تَعَالى بِالْكَوْنِ مَعَهُمْ: مَجْمُوعَ الأُمَّةِ؛ وَإِلَّا لَبَقِيَتِ الآيَةُ مُعَطَّلَةً. وذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ.
احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِوُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ هذَا الْقَوْلَ قَوْلٌ لِكُلِّ الأُمَّةِ، يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ كُلِّ الأُمَّةِ، وَالْعِلْمُ بِصِفَةِ الشَّيءِ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ بِذَاتِهِ؛ يَنْتُجُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ هذَا الْقَوْلَ قَوْلٌ لِكُلِّ
===
قالوا ولا مَانِعَ من الاتِّفَاقِ على كَلِمَةٍ عند الدَّاعِي إليها؛ كالاتِّفَاقِ على التَّلْبيةِ بـ"عرفة"، والتكبير يوم العِيدِ.
المقام الثاني: وهو شُبْهَةُ مَنْعِ الوُقُوفِ عليه بعد تَسْلِيمِ تَصَوُّرِهِ.
قوله: "العِلْمُ بأَنَّ هذا قَوْل لكل الأُمَّةِ مَوْقُوفٌ على العِلْمِ بِصِفَاتِ الأُمَّةِ. . ." إلى آخره.
هذا السؤال أَخْيَلُ ما يُورِدُهُ مَانِعُو الإِجْمَاعِ، وقَرَّرُوهُ بأن مَعْرِفَةَ اتِّفَاقِهِمْ ليس أَمْرًا ضَرُوريًّا في العَقْلِ، ولا وجدانيًّا، وإنما طَرِيقُهُ الحِسُّ والخَبَرُ المُسْتَنِدُ إلى الحِسِّ، ومع تَفَرُّقِ العُلَمَاءِ في مَشَارِقِ الأَرْض ومغاربها وأقطارها كيف يعرف وجودهم وفَتْوَاهُمْ، حتى لا يَبْقَى مِنْهُمْ وَاحِدٌ في جزيرة، ولا أسيرٌ في مَطمُورَةٍ، ولا مُنْقَطِعٌ في جَبَلٍ بلغ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ، ثمَّ الإِخْبَارُ عنه يَتَوَقَّفُ على تصريحه وَصِدْقِهِ، ونقل طائفة يفيد العلم عن مشاهدة، ثمَّ العِلْمُ بأنّه لم يَرْجِعْ قَبْلَ اتِّفَاقِ غيره، والعَادَةُ تُحِيلُ العِلْم بجميع ذلك.
قوله: "نَعَمْ لا نِزَاعَ أنَّه قد يَحْصُلُ عند الإنْسَانِ عَدَمُ العِلْمِ بالمُخَالفَةِ، أما أن يَحْصُلَ عنده العِلْمُ بعدم المُخَالفَةِ، فلا، والمُعْتَبَرُ هو الثَّانِي لا الأَوَّلُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ من عَدَمِ عِلْمِنَا بشيء عَدَم ذلك الشَّيءِ".
يرد عليه أن الأُمُورَ الخَطِيرَة التي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهَا، إذا لم تنقل دَلَّتِ العَادَةُ على
[ ٢ / ٩٥ ]
الأُمَّةِ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ بِجَمِيعِ أَشْخَاصِ الأُمَّةِ، ولَمَّا كَانَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلًا بِأَنَّا لَا نَعْرِفُ جَمِيعَ أَشْخَاصِ الأُمّةِ - اسْتَحال أَنْ نَعْرِفَ الْقَوْلَ الْمُخْصُوصَ أَنَّهُ قَوْلٌ لِكُلِّ الأُمَّةِ، وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِحُصُولِهِ مُمْتَنِعًا، امْتَنَعَ كَوْنُهُ حُجَّةً.
نَعَمْ. . لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ عِنْدَ الإِنْسَانِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالفَةِ، أَوْ لا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْمُخَالفَةِ، وَالْمُعْتَبَرُ الثَّانِي لَا الأَوَّلُ؛ لأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ عِلْمِي بِالشَّيءِ عَدَمُ ذلِكَ الشَّيءِ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّا نَعْرِفُ أَنَّ جَمِيعَ هذِهِ الأُمَّةِ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﵇ - مُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَإِنْ كُنَّا لا نَعْرِفُ كُلَّ آحَادِ الأُمَّةِ - قُلْنَا: أُمَّةُ
===
عَدَمِهَا، ونستدل بانتفاء اللازم على انْتِفَاءِ المَلْزُومِ؛ كما نَعْلَمُ أن القُرْآنَ لم يُعَارَضْ بِمِثْلِه، وأنه لَا خَلِيفَةَ بين رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأبي بَكْرٍ.
قوله: "فَإِنْ قَالُوا: إِنَّا نَعْتَرِفُ بأن جَمِيعَ هذِهِ الأُمَّةِ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ محمد - ﷺ - ومُقِرُّونَ بوجوب الصلوات الخمس وإن كُنَّا لا نَعْرِفُ كل آحَادِ الأُمَّةِ - قلنا: أُمَّةُ محمد - ﷺ - عِبَارَةٌ عن المُقِرِّينَ بِنُبُوَّتِهِ، وكان قولنا: "الأُمَّةُ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ محمَّد" جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِنَا: كل من أَقَرَّ بنبوة محمَّد - ﵇ - فهو مُقِرٌّ بنبوة محمَّد - ﷺ -. وأَمَّا قَوْلنا: "الأمة مُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ"؛ فنقول: هَبْ أَنَّا لا نَعْلَمُ فيه مُخَالفًا وأما أن يعلم أن لا مخالف فهو بَعِيدٌ، وربما كان بَعْضُهُمْ مُقِرًّا بِنُبُوَّةِ محمَّد - ﷺ - ومع ذلك فإنَّه يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلاةِ لشبهة رَكِيكَةٍ وقعت في قلبه، وكيف لا نَقُولُ ذلك وقد رَأَينَا في كُتُبِ المَقَالاتِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنْكَرَ كَوْنَ الفاتحة من القُرْآنِ. وعن الخَوَارِجِ أنهم قَالُوا: لا تَجِبُ الصَّلاةُ إلا في طرفي النهارِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] " -:
يرد عليه: أَنَّ قوله: "أُمَّةُ مُحَمَّدٍ هم المُقِرُّونَ بنبوة مُحَمَّدٍ، فيكون الإخبار تَكْرِيرًا
[ ٢ / ٩٦ ]
مُحَمَّدٍ - ﵇ - عِبَارَةٌ عَنِ الْمُقِرِّينَ بِنُبُوَّتِهِ، فَكَانَ قَوْلُنَا: "الأُمَّةُ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﵇" جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِنَا: كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﵇ - فَهُوَ مُقِرٌّ بِنُبُوَّتِهِ.
===
للموضوع، لا إسْنَادًا" - غير صَحِيحٍ؛ لأنَّ الأُمَّة في اللُّغَةِ: الجَمَاعَةُ؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].
والإضافة لا تفيد تَخْصِيصًا، إلا في الوَجْهِ الذي وقَعَتْ فيه الإِضَافَةُ، فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ عبارة عن جَمَاعَةِ مُحَمَّدٍ، وكون أمة مُحَمَّدٍ لا يُفَارِقُهُمُ الإِقْرَارُ بِنُبُوَّتِهِ لا يمنع حَمْلَهُ عليهم؛ كما أن الثَّلاثَةَ لا تُفَارِقُهَا الفَرْدِيَّةُ، ويصح حَمْلُهَا عليها فنقول: الثلاثة فَرْدٌ، وهي قضية صَحِيحَةٌ، وكلام يَحْسُنُ السُّكُوتُ عليه، ولهذا فإن الله - تعالى - أَخْبَرَ عنهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بالله، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] والضمير في "كُنْتُمْ" إِشَارَةٌ إلى أُمَّةِ محمَّد - ﷺ -؛ فلو كان الإِيمَانُ دَاخِلًا في مُسَمَّاهم، لما حَسُنَ الحَدِيثُ به عنهم.
[ ٢ / ٩٧ ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: "الأُمَّةُ مُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ"، فَنَقُولُ: هَبْ أَنَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. فَأَمَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ فِيهِ؛ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ فَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ مُقِرًّا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - ﵇ - وَمَعَ ذلِكَ: فَإِنَّهُ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلاةِ؛ لِشُبْهَةٍ رَكِيكَةٍ وَقَعَتْ فِي قْلِبِهِ، وَكَيفَ لَا نَقُولُ ذلِكَ، وَقَدْ رَأَينَا فِي كُتُبِ الْمَقَالاتِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنْكَرَ كَوْنَ الفاتحة مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَنِ الْخَوَارِجِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَجِبُ الصَّلاةُ إِلَّا فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤].
الْحُجَّةُ الثَّانِيةُ: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الإِجْمَاعُ، لَثَبَتَ: إِمَّا بِدَليلٍ ظَنِّيٍّ، أَوْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ: وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنَ المَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمَطْلُوبِ الْقَطْعِيِّ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ؛ بَاطِلٌ؛ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ، لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَذلِكَ
===
وهذا نَقْصٌ وَاضِحٌ على قوله: "إِنَّ مَعْرِفَةَ أن هذا القَوْلَ قَوْلُ كُلِّ الأُمَّةِ يَتَوقَّفُ على مَعْرِفَةِ أشخاصهم"؛ فإنا قد عرفنا أن كلَّ واحد من أمة محمَّد - ﷺ - صدَّق بالله ورسوله، وإن لم نعرف أشخاصهم.
قوله: "ربما أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ الصلاة"، هذا لا يمنع القَطْعَ؛ لأنه احتمال لا عن مثار، وكُلُّ احتمال لا عن مثار وَهْمٌ مَحْضٌ، ولو كان قادِحًا لم يَبْقَ لنا عِلْمٌ بِشَيءٍ من العاديات.
قوله: "إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنْكَرَ كَوْنَ الفَاتِحَةِ من القُرْآنِ".
قيل: إِنَّهُ لم يَصِحَّ عنه الإِنْكَارُ، وإنما نُقِلَ عنه أنَّه لم يُثبِتْهَا في مُصْحَفِهِ، فلعل ذلك لظهورها عنده، ثمَّ لا مَانِعَ من الإِنكَارِ في ذلك الزَّمَانِ قبل اسْتِقْرَارِ التَّوَاتُرِ عنده.
ونقلُه عن بَعْضِ الخَوَارِجِ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَجِبُ إلا في طَرَفي النَّهَارِ: لا اعتبار به مَعَ قَطْعِ السَّابقِينَ لَهُمْ واللَّاحِقِينَ - بخلافه، وهو كَنَقْلِ السُّوفسطائية للعلوم البَدهيَّةِ.
قوله: الْثَّانِي: لو ثَبَتَ الإِجْمَاعُ، لثبت إمَّا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، أو قَطْعِيٍّ. . ." إلى آخره:
هذا السُّؤَالُ وما بعده من أَسْئِلَةِ المقام الثالث لِمُنْكِرِي الإِجْمَاعِ، وهي من المُعَارضات، وحَاصِلُهُ: أنَّه لو ثَبَتَ لم يَثْبُتْ بغير مُسْتَنَدٍ؛ لأنه ضَلالٌ، والمستند إما ظَنِّي فلا يفيد القَطْعَ، والإِجْمَاعُ -على زَعْمِ مُثْبِتِهِ- حُجَّةٌ قاطعة، والقَطْعِيُّ إِما عقلي، ولا مَجَال له في الأَحْكَامِ الشرعية، وإما سَمْعِيّ، وهو النَّصُّ المتواتر، ولو كان لنقل إلينا، ولعرفه الكل؛ وارْتَفَعَ الخِلافُ.
قوله: "الثالث: أن الله تعالى نهى كُلَّ الأُمَّةِ عن القَوْلِ البَاطِلِ، والفِعْلِ البَاطِلِ، فقال جَلَّ ذكره: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والنَّهْيُ عن الشَّيءِ إنما يَجوزُ عند جَوَازِ الإِتْيَانِ بهِ؛ وذلك يَدُلُّ على إِمْكَانِ إِتْيَانِ مَجْمُوع الأُمَّةِ بالباطل":
وتقريره وَاضِحٌ على اشْتِرَاطِ الإِمْكَانِ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ.
[ ٢ / ٩٨ ]
الْقَطْعِيُّ: إِمَّا الْعَقْلُ، أَو النَّقْلُ:
والأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ لَا مَجَال لِلْعَقْلِ فِي ذلِكَ.
وَالثَّانِي -أَيضًا- بَاطِلٌ؛ لأَنَّ النَّقْلَ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا إِلَّا بِشَرْطَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَلْفَاظُ دَالَّةً عَلَى هذَا الْمَعْنَى دَلالةً قَطْعِيَّةً، لَا يَبْقَى لِلاحْتِمَالِ فِيهَا مَجَالٌ.
وَلَوْ حَصَلَ مِثْلُ هذَا الدَّلِيلِ، لَعَرَفَهُ الْكُلُّ، وَلَوْ كَانَ كَذلِكَ، لارْتَفَعَ الْخِلافُ؛ وَحَيثُ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَذلِكَ، بَطَلَ الْقَوْلُ بِكَوْنِ الإِجْمَاعِ حُجَّةً.
وَالْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله تَعَالى نَهَى كُلَّ الأُمَّةِ عن القَوْلِ الْبَاطِلِ والفِعْل الْبَاطِلِ؛ فَقَال - جلَّ ذِكْرُه -: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وَقَال تَعَالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والنَّهْيُ عن الشَّيء لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ جَوَازِ الإتْيَانِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وذَلِك يَدُلُّ عَلَى جَوازِ إِتْيَانِ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ بِالبَاطِلِ.
الرَّابعُ: أَنَّهُ لَمْ يَجْر ذِكْرُ الإِجْمَاعِ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ - ﵁ - وَلَوْ كَانَ حُجَّةً، لَمَا جَازَ الإِخْلالُ بِذِكْرِهِ عِنْدَ مَسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَيهِ؛ لأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَى ذلِكَ الحُكْمِ الْمُعَيَّنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِدَلِيلٍ دَلَّهُمْ عَلَى صِحَّةِ ذلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ لأَمارَةٍ سَاقَتْهُمْ إِليهِ، أَوْ لَا لِذلِكَ وَلَا لِهَذَا:
===
قوله: "الرابع: إنه لم يَجرِ ذِكْرُ الإِجْمَاعِ في خَبَرِ مُعَاذٍ، ولو كان حُجَّةً لما جَازَ الإِخْلالُ بذكره عند مَسَاسِ الحاجة إليه لأَنَّ تَأْخِيرَ البَيَانِ عن وَقْتِ الحَاجَةِ لا يَجُوزُ": يعني بالاتفاق؛ إلَّا عند من جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بالمُحَالِ.
قوله: "الخامس: أَنَّ إِجْمَاعَ النَّاسِ على ذلِكَ الحُكْمِ المعين، إما لدَلِيلٍ، أو لأَمَارَةٍ، أو لا لِوَاحِدٍ منهما، والأول بَاطِلٌ؛ لأنه لو كان لاشتهر؛ لأنَّ الوَاقِعَةَ العَظِيمَةَ تَتوَافَرُ الدَّوَاعي على نَقْلِ دليلها، ولو نقل لاسْتُغْنِيَ به عن الإِجْمَاعِ، فلا يَبْقَى في التَّمَسُّكِ بالإجماع فَائِدَةٌ، وإن كان إِجْمَاعُهُمْ عن أمارة فباطل أيضًا؛ لأنَّ الأَمَارَاتِ تَخْتَلِفُ باختلاف أَحْوَالِ الناظِرِينَ فيها؛ فيمتنع اتِّفَاقُ الخَلْقِ العَظِيم على مُوجبِهَا. أو لأنَّ كثيرًا من الأُمَّةِ أَنْكَرَ كَوْنَ الأَمَارَةِ حُجَّةً. وإن كان لا لِوَاحِدٍ منها، كان خَطَأً بالإِجْمَاعِ. والفرق بين هذا الوَجْهِ والثاني أن الثَّاني تقسيم في مُسْتَنَدِ صِحَّةِ الإجماع على الجُمْلَةِ، وهذا تقسيم في مستند اتِّفَاقِهِمْ على الحكم المعين، وإن كان تقرير الجميع راجعًا إلى نَفْي المدرك، وإن اختلفت العِبَارَاتُ.
[ ٢ / ٩٩ ]
فَإِنْ كَانَ الأَوَّل: فَالْوَاقِعَةُ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيهَا عُلَمَاءُ الْعَالمِ، تَكُونُ وَاقِعَةً عَظِيمَةً، وَمِثْلُ هذِهِ الْوَاقِعَةِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ دَلِيلِهَا الْقَاطِعِ؛ فَكَانَ يَجِبُ اشْتِهَارُ تِلْكَ الدَّلائِلِ وَبُلُوغُهَا إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ؛ وَحِينَئِذٍ: لَا يَبْقَى فِي التَّمَسُّكِ بِالإِجْمَاعِ فَائِدَةٌ.
وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُهُمْ لأَمارَةٍ، فَهذَا بَاطِلٌ؛ لأَنَّ الأَمَارَاتِ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وَالأُمُورُ الظَّنِّيَّةُ مِمَّا تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِيهَا؛ فَيَمْتَنِعُ اتِّفَاقُ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ عَلَى مُوجَبِهَا، وَلأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمَّةِ قَالُوا: الأَمَارَةُ لَيسَتْ بِحُجَّةٍ؛ وَحِينَئِذٍ: لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ بِالأَمَارَةِ.
فَإِنْ كَانَ ذلِكَ الإِجْمَاعُ لَا لِدَلالةٍ وَلَا أَمَارَةٍ، كَانَ ذلِكَ خَطَأ بِالإِجْمَاعِ، فَلَوْ أَجْمَعُوا عَلَيهِ، لَكَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الْخَطَأ؛ وَذلِكَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِجْمَاعِ.
السَّادِسُ: أَنْ نَقُولَ: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذلِكَ الحُكْمِ: إِنْ كَانَ لَا عَنْ دَلِيلٍ، كَانَ ذلِكَ بَاطِلًا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الإِجْمَاعِ حُجَّةً.
وَإِنْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ، كَانَ ذلِكَ الدَّلِيلُ شَيئًا سِوَى الإِجْمَاعِ؛ لأَنْ الإِجْمَاعَ يَحْصُلُ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلَى الْحُكْمِ؛ وَالدَّلِيلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ؛ فَهذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ إِنَّمَا أُمِرُوا بِذلِكَ الْحُكْمِ لِدَلِيلٍ آخَرَ سِوَى الإِجْمَاعِ، فَلَوْ كَانَ الإِجْمَاعُ حُجَّةً - وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى ذلِكَ الحُكْمِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَى الإِجْمَاعِ - فَحِينَئِذٍ: يَلْزَمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَينَا إِثْبَاتُ هذَا الحُكْمِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَى الإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَذلِكَ؛ فَحِينَئِذٍ: يَصِيرُ الإِجْمَاعُ ضَائِعًا؛ فَثَبَتَ: أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الإِجْمَاعِ حُجَّةً - يُفْضِي ثُبُوتُهُ إِلَى عَدَمِهِ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ بَاطِلًا.
السَّابعُ: أَنَّ الْمُجْمِعِينَ إِنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى ذلِكَ الْحُكْمِ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَهُمْ عَلَى صِحَّةِ ذلِكَ الحُكْمِ، وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى ذلِكَ الدَّلِيلِ، كَانُوا مُجَوِّزِينَ لِثُبُوتِ ذلِكَ الحُكْمِ وَلِعَدَمِهِ، فَهذَا
===
قوله: "السادس. . ." حَاصِلُهُ: أن مُسْتَنَدَ الحكم المُجْمَعِ عَلَيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غير الإِجْمَاعِ؛ لأنَّ الإِجْمَاعَ عليه فَرْعُ ثُبُوتِهِ، وإذا وَجَبَ أن يكون غيره كَانَ الإِجْمَاعُ ضائعًا؛ فالقول بأنه حُجَّةٌ يفضي ثُبُوته إلى عَدَمِهِ. وهذا الوَجْهُ قريب من الخامس.
قوله: "السَّابعُ: أنهم إنما أَجْمَعُوا لدليلٍ وَقَبْلَ وُصُولِهِمْ إلى ذلك الدَّلِيلِ كَانُوا مُسَوِّغِينَ لِلأَخْذِ بِخِلافِ مَا دَلَّ عَلَيهِ، وبعد الوُقُوفِ عَلَيهِ صَارُوا مَانِعِينَ لذلك، فلو كان إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً مَانِعَةً من المُخَالفَةِ، لَلَزِمَ تَنَاقُضُ الإِجْمَاعَينِ.
لا يقال: الإجْمَاعُ الأَوَّلُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الثاني؛ لأنه يَلْزَمُ مِثْلُهُ في كُلِّ إِجْمَاعٍ؛ فيقال: هو حُجَّةٌ بِشَرْطِ ألَّا يَظْهَرَ دَلِيلٌ على نَقِيضِهِ أَقْوَى منه":
[ ٢ / ١٠٠ ]
يَقْتَضِي انْعِقَادَ الإِجْمَاعِ بَينَهُمْ قَبْلَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِ ذلِكَ الحُكْمِ. عَلَى أَنَّهُ كَمَا جَازَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ هذَا الحُكْمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقَوْلُ بِعَدَمِهِ، فَلَوْ صَارَ هذَا الإِجْمَاعُ مَانِعًا مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يُخَالِفُ ذلِكَ الْحُكْمِ - لَزِمَ تَنَاقُضُ الإِجْمَاعَينِ؛ وَذلِكَ يُوجِبُ بُطْلانَ الإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قَالُوا: لِمَ يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّ الإِجْمَاعَ الأَوَّلَ كَانَ مَشْرُوطًا بَأَلَّا يُوجَدَ دَلِيلٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ، فَلَمَّا وُجِدَ الإِجْمَاعُ الثَّانِي، وَجَبَ الْقَطْعُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ، لَا جَرَمَ: زَال شَرْطُ الإِجْمَاعِ الأَوَّلِ؛ فَزَال بِزَوَالِ شَرْطِهِ.
قُلْنَا: إِذَا جَوَّزْتُمْ كَوْنَ الإِجْمَاعِ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي هذَا الإِجْمَاعِ الثَّانِي أَنْ يُقَال: إِنَّمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِثُبُوتِ هذَا الْحُكْمِ بِعَينِهِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَإِذَا وُجِدَ ذلِكَ الْمُعَارِضُ، لَمْ يَبْقَ هذَا الإِجْمَاعُ مُعْتَبَرًا؛ وعَلَى هذَا التَّقْدِيرِ: فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ شَيءٌ مِنَ الإِجْمَاعَاتِ؛ وَخَرَجَ الْكُلُّ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً.
الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الأُمَّةِ مُمْكِنَةٌ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ؛ فَلِهذَا قَال أَهْلُ الظَّاهِرِ: إِنَّهُ لَا حُجَّةَ إلا فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمَكِنُ مَعْرِفَةُ حُصُولِ الإِجْمَاعِ إلا فِي ذلِكَ الزَّمَانِ؛ وَهذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا.
===
وهذه الأَسْئِلَةُ وَاضِحَةُ التقرير، وإنما ذَكَرْنَاهَا لإِكْمَالِ البَحْثِ في تحقيق أَجْوبَتِهِا إن شاء اللهُ تعالى.
قوله: "وَالجَوَابُ عن الأَوْلِ: أن مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الأُمَّةِ كانت مُمْكِنَةً في زَمَنِ الصَّحَابَةِ؛ ولهذا قال أَهْلُ الظَّاهر: إنه لا يُمْكنُ حُصُولُ الإِجْمَاعِ، إلا في ذلِكَ الزَّمَانِ":
والحق أننا لا نُنْكِرُ عُسْرَ الاطِّلاعِ عليه مع اتِّسَاعِ الخطة، لكنا مع ذلك نَعْلَمُ اتِّفَاقَ الأُمَّةِ في كل عَصْرٍ على أن الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ، والمغرب ثلاث، وعلى تَقْدِيمِ النص المَقْطُوعِ به من الطَّرَفَينِ على المَظْنُونِ، كما أَجْمَعَ الصحابة على جَمْعِ القرآن، وتدوين الجَيشِ، وأجمع السَّلَفُ في كل عَصْرٍ على جَوَازِ تَدْوينِ مَسَائِلِ الفِقْهِ، وَجَمْعِ الأَحَادِيثِ.
قوله: "وهذا هو المُخْتَارُ عِنْدَنَا":
إن عنى به أن أَدِلَّةَ الإِجْمَاع قاصرة على عَصْرِ الصَّحَابَةِ؛ كما زعم أَهْلُ الظَّاهِرِ؛ بِنَاءً على أن المُؤْمِنِينَ في الآية حَقِيقَةٌ تَتَنَاوَلُ الموجودينَ، وأن الخِطَابَ خِطَابُ مُوَاجَهَةٍ - فقد بَيَّنَّا أَنَّ الآيَة عَامَّةٌ، وإن عسر الاطلاع، مع أنَّه لو وَقَفَ عليه، لكان حُجَّةً في نَفْسِ الأَمْرِ، فالأمر كذلك.
[ ٢ / ١٠١ ]
وعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ الإِجْمَاعُ بِدَلائِلَ ظَنِّيَّةٍ، وَهذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا لَيسَتْ مِنَ الْقَطْعِيَّاتِ، بَلْ مِنَ الاجْتِهَادِيَّاتِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: ذلِكَ النَّهْيُ لَيسَ خِطَابًا مَعَ الْكُلِّ، بَلْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْفَرْقُ بَينَ الكُلِّ وَبَينَ كُلِّ وَاحِدٍ- مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَدَّعِي عِصْمَةَ الكُلِّ، لَا عِصْمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ.
وَعَنِ الرَّابعِ: أَنَّهُ -﵇- إِنَّمَا تَرَكَ حُكْمَ الإِجْمَاعِ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ - ﵁ - لأَنَّ الإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ حُجَّةَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ، ﵇.
وَعَنِ الخَّامِسِ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَال: إِنَّ إِجْمَاعَهُمْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ، لَكِنَّهُمْ مَا نَقَلُوهُ
===
قوله: "وعن الثَّانِي: أَنَّا نُثبِتُ الإِجْمَاعَ بدليل ظَنِّيٍّ، وهذه المَسْأَلَةُ عندنا لَيسَتْ من القَطْعِيَّاتِ، بل من المجتهدات":
هذا الاخْتِيَارُ مَذْهَبُ أبي الحُسَينِ من المعتزلة، وقد تَقَدَّمَ أَن مَذْهَبَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ أن المسألة قَطْعِيَّةُ، وأدلتها قَاطِعَةٌ، وأن مُعْتَمَدَهُمْ في القَطْعِ. إما التَّمَسُّكُ بالنصوص، ورَدُّ تَأْويلِهِ بِمُعَاضَدَةِ بعضها إلى بعض، وتَضَافُر فَحْوَاهَا، وإما الأخبار المُتَوَاتِرَةُ المعنى، وإما التَّمَسُّكُ بالمَسْلَكِ العادي الذي ذَكَرَهُ الإِمَامُ، وقد تقدم ذِكْرُ الجميع.
ثم الإِجْمَاعُ بعد ذلك يَنْقَسِمُ إلى مَقْطُوعٍ، ومَظْنُونٍ: فالمَقْطُوعُ: ما يكون عَدَدُ المُجْمِعِينَ فيه عَدَدَ التَّوَاتُرِ، والمحل المُجْمع عليه مما تَتَشْعَّبُ فيه الآرَاءُ، وتدقُّ الظُّنُونُ، وينقل عنهم بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، فهذا مقطوع المَتْنِ والنَّقْلِ.
والمظنون: يَنْقَسِمُ إلى مَظْنُونٍ من الطَّرفَينِ، أو أحدهما، فيجب العَمَلُ به؛ لاسْتِنَادِهِ إلى الإِجْمَاعِ القَاطِعِ، ومحلُّ اسْتِعْمَالِهِ الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كأخبار الآحَادِ.
قوله: "وعن الثَّالِثِ: لم لا يَجُوزُ أَنَّ ذلك النَّهْيَ ليس خِطابًا مع الكل، بل مع كل واحد؟ والفَرْقُ بينهما مَعْلُومٌ بالضرورة" وهذا وَاضِحٌ. ولو سلم أن النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ الكُلَّ لم يَضُرَّ؛ لأن شرْطَ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ الجَوَازُ العَقْلِي، ولا يمنع نفي الوُقُوعِ بالسَّمْعِ؛ فإنَّا لا نَدَّعِي عِصْمَتَهُمْ عَقْلًا، وإنما نَدَّعِيهَا سَمْعًا، أو عَادَةً.
قوله: "وعن الرَّابعِ: أنه -﵇- إنما ترك الإِجْمَاعَ في خبر مُعَاذٍ؛ لأن الإِجْمَاعَ لا يكون حُجَّةً في زَمَنِ النبي - ﷺ -:
يعني: لأن إجماعهم دُونَهُ - ﵇ - لا عِبْرَةَ به، ومع قَوْلِهِ لا حَاجَةَ إليهم.
قوله: "وعن الخَامِسِ: لم لا يَجُوزُ أن يُقَال: إِجْمَاعُهُمْ كان عن دَلِيل، لكنه ما نُقِلَ عنهم؛ لحصول الإِجْمَاعِ؛ فإنه مَتَى حَصَلَ الثَّانِي، كان الأَوَّلُ لَغْوًا" هذا تَجَوَّرٌ في العِبَارَةِ، ومقصوده: أن الأَدِلَّةَ إنما تُورد لإثبات الحُكْمِ، فإذا حَصَلَ استغنى بنقله، وقولهم: "إنه لا يَنْعَقِدُ عن أَمَارَةٍ
[ ٢ / ١٠٢ ]
إِلَينَا؛ اكْتِفَاءً مِنْهُمْ بِحُصُولِ الإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّهُ مَتَى حَصَلَ الدَّلِيلُ ألثَّانِي كَانَ الْبَاقِي لَغْوًا.
وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ بِطَرِيقٍ، لَا يَمْنَعُ إِثْبَاتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ.