أعْلَم: أَنَّ لِكُلِّ شَيءٍ مَاهِيةً وَحَقِيقَةً، فَكُل أمْرٍ: يَكُونُ المَفهُومُ مِنهُ لَيسَ عَينَ الْمَفْهُومِ مِن تِلكَ المَاهِيةِ؛ فَكَانَ مُغَايِرًا لَهَا، سَوَاء كَانَ لازِمًا لَهَا، أَو مُفَارِقًا، وَسَوَاء كَانَ إِيجَابًا أَوْ سَلْبًا.
===
اختلف الأُصوليون في عَدِّ الخصوص والعموم من أقسام الكلام فمنهم مَن عدهما منها.
قال الإِمامُ: والحق أنهما عارضان للخبر، والأمر، والنهي، وغيرِ ذلك من أقسام الكلام، لا أنهما قِسمَانِ بذاتهما.
[و] إِنما بَوَّبَ على الفَرقِ بين العام، والمطلق؛ لأَن المنطقيين يسمون المطلق عامًّا.
ويعنون بالعام: كُل حقيقة منطبقة على معدود باعتبار معنى واحدٍ. والخِلافُ راجعٌ إِلى
[ ١ / ٤٢٣ ]
[فَـ] الإِنسَانُ مِنْ حَيثُ هُوَ إِنسَان، لَيسَ إِلَّا أنَّهُ إِنسان: فَإمَّا أَنَّهُ وَاحِدٌ، أَو لَا وَاحِدٌ؛ وَهُمَا قَيدَانِ مُغَايِرَانِ لِكَوْنِهِ إِنْسَانًا، وَإِنْ كُنّا نَعْلَمُ أَن المَفهُومَ مِن كَونِهِ إِنسَانًا لَا يَنفَك عَنهُمَا معًا.
===
الاصطِلاحَ، والغرضُ ها هنا: بيان العُمُومِ الاسْتِغْراق العارض للأشخاص "المؤمنين"، "والمسلمين".
وهذا العُمُوم يَعْرِضُ للقضايا، ويستعمل في البراهين؛ كقولك: كل جسم ممكن، وكل ممكن محدث، بخلاف عموم المطلق؛ فإن معناه: أَن مفهوم اللفظ غيرُ مانع من الشركة، وهذا العمومُ يعرض للمفردات؛ ومنه النوع، والجِنس، والفصل، والخاصة، والعرض العام: وهو المستعمل في الحدود والرسوم.
والعام المستغرق يلزم مِن صدقه صدقُ الخاص، ولا ينعِكسُ، والعام الثاني يلزم من صِدق الخاص منه صدقُ العام ولا ينعكسُ.
إذا تقرر هذا فاعلم: أَن بين المطلق: كإنسان، وفرسٍ، وبين العام: كالمسلمِينَ، والمُشرِكينَ، وبين أسماء الأعداد؛ كمِائَة، وألف- اشتراكا في كثرة ما.
ويختص المطلق: بأنَّ الكثرة عارضة عليه، ويشترك العام واسمُ العدد في دخول الكثرة في ماهيتها.
[ ١ / ٤٢٧ ]
إِذَا عَرَفتَ هذَا، فَنَقُولُ: أَمَّا اللَّفْظَ الدال عَلَى الحَقِيقَةِ، مِن حَيثُ إِنهَا هِيَ هِيَ، مِنْ غَيرِ أَنْ تَكُون فِيهِ دَلالة عَلَى شَيء مِن قُيُودِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ -فهُوَ: المُطلَقُ. وَأَمَّا اللفْظُ الدال عَلَى تِلْكَ الحَقِيقَةِ مَعَ قَيدِ الكَثرَةِ: فَإن كَانَتْ تِلكَ الْكَثْرَةُ كَثْرَةً مُعَينَة؛ بِحَيثُ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَزِيدُ عَلَيهَا -فَهُوَ: اسمُ العَدَدِ، وإن لَمْ يَكُن كَذلِكَ- فَهُوَ: الْعَام؛ فَلِهذَا
===
ويختص العددُ: بأن الكثرةَ فيه مُعَينة محصورة.
ومُفْرد العام: بأن الكثرة فيه غير معينة ولا محصورة.
قولُه: "إِن كُل شَيءٍ له ماهيةٌ وحقيقةٌ؛ فكل أمر يكون المفهوم منه ليس عينَ المفهوم من تلك الماهية- كان مُغَايِرًا له، سواء كان لازمًا، أو مُفَارِقًا، وسواء كان إِيجابًا أو سلبًا":
غرضه من ذكر الشرطية: الرد على مَن أخذ الموحدة في حَدِّ المطلق، وهي عارضة له؛ فإن المطلقَ يوصف بالقلةِ، والكثرة، والوحدة، وكل ما يُوجَدُ مع المتقابلين، وليس له مِن ذاته أحدهما إلَّا أن عبارته لَا توفي بمقصوده؛ فَإن الذي أنتجه ضابطه: أَنه مغايرٌ للماهِية، وجزء الماهية مغاير لها، وداخل فيها، وليس مقصوده مطلق المغايرة، بَل مغاير هو خارجٌ، فكان حَقه أن يَقُولَ: فكل أمر يكون المفهومُ منه ليس عين المفهومِ مِن تلك الماهية، ولا جزءًا- فهو عارِضٌ عليه؛ لتتم له المؤاخذة.
قوله: "إِذا عرفت هذا، فنقول: اللفظ الدال على الحقيقة من حيث إنها هي، من غير أن يكون فيها دلالة على شيء آخر من قيود تلك الماهية- فهو اللفظ المطلق" يعني: أن المطلق هو الدال على الماهية فحسب.
قوله: "وأما الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة: فإن كانت تلك الكثرة كثرة معينة، بحيث يتناولها اللفظ، ولا يتناول الزائد عليها - فهو اسم العدد" وهذا أيضًا فيه مُؤَاخذة؛ فإِنهُ أخذ المعدود في ماهية العدد، والعدد يستلزم المعدود لا أنه يشعر به مطابقة، ولا تضمنًا؛ إِذِ العددُ عبارة عن محض الكثرة المعينة.
قوله: "فلهذا السبب قُلنا: ما يتناول الشَّيئَينِ فصاعدًا من غير حصر هو العام".
قوله: "ما يتناول الشيئين": يُخرِجُ المطلقَ.
وقوله: "مِن غَيرِ حَصر" يخرج العدد.
وعدل عن قول الغزالي وهو: "اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا"؛ لأنَّ العموم كما يعرض لِلفظِ قد يعرض لدلالة مقتضى اللفظ، ولمفهومه؛ ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد أُخِدَ عليه: تقييده له بالشيئين؛ فإن العمومَ قد يعرض للمعدومات، فإن قَولَنَا: المعدومات والمستحيلات عامة، وليست أشياء.
فالأَولى أَن يُقَال: "ما يتناول مُسَمَّيَينِ فصاعدًا مِن غير حصرٍ".
[ ١ / ٤٢٨ ]
السبَبِ قُلْنَا: الْعَامُّ مَا يَتَنَاوَلُ الشيئين فَصَاعِدًا مِنْ غَيرِ حَصْرٍ. وَبِهذَا الْبَيَانِ: ظَهَرَ خَطَأُ قَولِ مَنْ يَقُولُ: الْمُطْلَقُ: هُوَ اللفظُ الدَّالُّ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَينِهِ؛ لأن الْوَحدَةَ وَعَدَمَ التعيِينِ قَيدَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَاهِيةِ.