الْفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ، يَقَعُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ زَائِدًا عَنِ الْوَقْتِ، وَالتَّكلِيفُ بِهِ لَا يَجُوزُ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّز تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، أَوْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إِيجَابَ الْقَضَاءِ؛ كَمَا إِذَا طَهُرَتِ الحَائِضُ أَوْ بَلَغَ الْغُلامُ، وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا لَا يَسَعُ إِلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةَ، أَوْ أَقَلَّ.
===
وإن عَنَى أنه يستحق الثوابَ وعدًا من الله فهو حق، وكذلك استحقاق العقابِ بالوعيد، وهو مُتَعَلِّقٌ عندنا بمشيئة الله تعالى، وقد ورد أنه ﷾ لا يعفو عن الكُفَّارِ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
[المسألة التاسعة]
في هذه المسألة ثلاثة أوجه: -
أحدها: أن الجميع يكون قضاء.
[ ١ / ٣٣٤ ]
ثَانِيهَا: أَلَّا يَكُونَ أَزيَدَ وَلَا أَنْقَصَ؛ وَهُوَ كَالأَمْرِ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ فَاضِلًا عَنِ الْفِعْلِ؛ وَهذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ؛ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُنم مَنْ أَنْكَرَهُ، وَمِنْهُم مَنْ جَوَّزَهُ:
أَمَّا الأَوَّلُونَ- فَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ وُجُوبَ الصَّلاةِ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ؛ فَإِذَا أَتَى بِهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ- كَانَ قَضَاءً.
===
ثانيها: أنَّ الجميع يكون أداء.
ثالثها: أنَّ ما أوقعه في الوقت أداءٌ، وما أوقعه خارج الوقت قضاءٌ.
قوله: "وثانيها أَلَّا يكون أزيد، ولا أنقص، وهو كالأمر بصوم يوم واحد".
قوله: "وثالثها أن يكون الوقت فاضلًا، وهذا هو الواجب الموسع".
ومثاله: إضافة وجوب صلاة الظهر من الزوال إلى مقدار القامة.
قوله: "واختلف الناس فيه: فمنهم من أنكره" والمنكرون له اختلفوا في تخريج ما ادعى وجوبه على التوسيع على أوجه:
قوله: "الأول: قول بعض الشافعية إنَّ وجوبَ الصلاة يختص بأول الوقت، فإذا أتى بها في آخر الوقت كان قضاء".
هذا الوجه لا يُعْرَفُ من مذهب الشافِعِيِّ -﵀- ولعلَّهُ التبس عليه بوجه الإصطخريِّ: أَن ما يُفْعَلُ فيما زاد على بيانِ جبريلَ - ﵇ - في العصر، والصبح مثلًا- يُعَدُّ
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَالثَّانِي: قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ: أَنَّ الْوُجُوبَ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ؛ فَإِذَا أَتَى بِالْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ- كَانَ ذلِكَ مُعَجَّلًا؛ كَمَا إِذَا أَدَّى الزَّكَاةَ قَبْلَ حَوَلانِ الْحَوْلِ.
وَثَالِثُهَا: مَا حُكِيَ عَنِ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ: أَنَّ الصَّلاةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَوْقُوفَةٌ: فَإِنْ أَدْرَكَ الْمُصَلِّى آخِرَ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّهُ لَيسَ عَلَى صِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ- كَانَ [مَا] فَعَلَهُ نَفْلًا، وَإِنْ أَدْرَكَهُ عَلَى صفَةِ الْمُكَلَّفِينَ- كَانَ [مَا] فَعَلَهُ وَاجِبًا.
وَأَمَّا الْمُعْتَرِفُونَ بِثُبُوتِ الوَاجِبِ الْموَسَّعِ -وَهَمُ الجُمْهُورُ- فلَهُمْ قَوْلانِ:
الأَوَّلُ: أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلَقٌ بِكُلِّ الْوَقْتِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ
===
قضاءً، وهو لا ينكر التوسعةَ، وإنما قصرها على بيانِ جبريل - ﵇ -.
قوله: "والثاني: قول بعض الحنفية: إن الوجوبَ إنما يَحْصُلُ في آخرِ الوقت، فإذا أتى المُكَلَّفُ بالفعل في أول الوقت، كان بذلك مُعَجَّلًا، كما لو أَدَّى الزكاة قبل تمام الحول".
قالوا: ووجه ذلك أن الصلاة في أول الوقت يسوغُ تركُها، وهذه حقيقة المندوبِ، أو المُسْتَعْجَلِ، وفي آخره لا يسوغ تركُها، وهذه حقيقة الواجِبِ فيتعين أن ما يفعله المكلف في أول الوقت يكون نفلًا أو استعجالًا، وهذا باطل؛ لأنه لو كان مستعجلًا لَصَحَّ بِنِيَّةِ التعجيل، ولا يصحُّ بالإجماع، وبهذا يَبْطُلُ قول مَنْ قال: إنها نَفْلٌ يدفع الفرض ولم ينفله؛ لأنها لو كانت نفلًا لصح بنية النفل.
قوله: "وثالثها ما حكى عن الكرخي أنها موقوفة، فإن أدرك آخر الوقت وليس على صفة المكلفين- كان نفلًا وإن أدركه على صفة المُكَلَّفِينَ كان واجبًا".
قال الغزالي -﵀- في "المستصفى": "وهذا باطل بالإجماع، على أَنَّ من صلَّى في أول الوقت ومات عَقِيبَهُ، فإنه يكون مُؤَدِّيًا للفرض.
قوله: وأما المعترفون بِثُبُوت الواجب المُوَسَّعِ، وهم الجمهور- فلهم قولان:
[ ١ / ٣٣٦ ]
إِلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا.
==
الأول: أَن الوجوب تعلق بكل الوقت.
ووجهوه بأن النَّبيَّ - ﷺ - وَجِبْرِيلَ - ﵇ - صَلَّيَا فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَفي آخِرِهِ، وَقَالا: "مَا بَينَ هَذَينِ وَقْتٌ".
[ ١ / ٣٣٧ ]
وَالثانِي: لَا حَاجَةَ أَلْبَتَّةَ إِلَى هَذَا الْبَدَلِ؛ وَهُوَ الْمُختَارُ.
===
قوله: إلا أنه إنما يجوز التركُ في أول الوقت إلى بَدَلٍ، وهو العَزْمُ.
هذا مذهب أكثر الفقهاء، والقاضي منا، وأبي علي، . ..
[ ١ / ٣٣٨ ]
وَأعْلَمْ: أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، يَرْجِعُ -عِنْدَ التَّحْقِيقِ- إِلَى الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ؛ فَإِنَّ الشَّارعَ إِذَا قَال: "أَفْعَلْ هَذَا الفِعْلَ: إِمَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، وَإِذَا لَم يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ إِلَّا قَدْرُ مَا لَا يَفْضُلُ عَلَيهِ، فَافْعَلْهُ لَا مَحَالةَ، وَلَا تَتْرُكْهُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ"؛ فَقَوْلُهُ: "يَجِبُ عَلَيكَ إِيقَاعُ هَذَا الفِعْلِ: إِمَّا فِي هَذَا الْوَقتِ، أَوْ فِي ذلِكَ" - يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِنَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ: "إِنَّ الْوَاجِبَ: إِمَّا هَذَا، أَوْ ذَاكَ"؛ وَكمَا أَنَّا نَصِفُهَا
===
وأبي هاشم من المعتزلة.
قوله: "والثاني: أنه لا حاجةَ إلى هذا البَدَلِ، وهو المختارُ" وهذا مذهب بعضِ الفقهاء، واختيارُ أبي الحسين من المعتزلة.
واحتجَّ مَنْ أوجب العزم: بأنه إنما يَتَمَيَّزُ تركُ الواجب في أول الوقت عن تركِ النَّفْلِ- بشرط البدل.
واحتجوا على أن البَدَلَ هو العزم، وعلى وجوبه بما تقدم في مسألة الفور.
ومَنْ لم يوجبه قال: البَدَلُ فِعْلُهُ في الوقت الثاني، والتخييرُ في صُوَرِ الصلاة المنسوبة إلى أول الوقت، ووسطه، وآخره، كالتخيير في تعيين الرقبة.
وقالوا: الواجب المُوَسَّعُ يرجِعُ حاصله إلى الواجب المُخَيَّرِ كما ذُكِرَ.
قال المصنف: "ثم إذا ضاق هذا الوقتُ، ولم يبق إلَّا مقدارُ ما يكونُ مساويًا للفعل- يضيق التكليفُ؛ فهذا هو المختارُ في هذا البابِ، وبه تزول جميع الإشكالاتُ".
ومما أُورِدَ على القول بالمُوَسَّعِ: أن المُكَلَّفَ إذا أَخَّرَ ومات في أثناء الوقت، فهل يَلْقَى الله عاصيًا أوْ لا؟ فإنْ لم يعصِ، لم يبقَ للوجوب معنى معقول، وإنْ عصى فكيف يعصى، وقد فعل ماله أَنْ يفعلَه؟
وأُجِيبَ عنه: باختيار أنه يعصى، وإنما جُوِّزَ له التأخيرُ؛ بشرط سلامة العاقبة.
[ ١ / ٣٣٩ ]
بِالْوُجُوبِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الإِخْلالُ بِجَمِيعِهَا، وَلَا يَجِبُ الإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا، وَالأَمْرُ فِي اخْتِيَارِ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، كَانَ مُفَوَّضًا إِلَى رَأْي الْمُكَلَّفِ-: فَكَذَا هَهُنَا: لَا يَجوزُ لِلْمُكَلَّفِ إِخْلاءُ جَمِيعِ أجْزَاءِ الْوَقْتِ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيهِ إِيقَاعُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ هَذَا الْوَقْتِ، وَيَجُوزُ لَهُ إِيقَاعُهُ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ هذَا الْوَقْتِ بَدَلًا عَنِ الآخَرِ، ثُمَّ إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا مِقْدَارُ مَا يَكُونُ مُسَاويًا لِلْفِعْلِ- يُضَيَّقُ التَّكْلِيفُ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي هَذَا البَابِ؛ وَبِهِ تَزُولُ جَمِيعُ الإِشْكَالاتِ.
===
وأُورِدَ عليه: أَنَّ في اشتراط سلامة العاقبة رَبْطَ التكليف بلَبْسٍ وَعَمَايَةٍ.
وأُجِيبَ عنه: بأن التكليفَ مُتَحَتَّمٌ، والمشروطَ بسلامة العاقبة جوازُ التأخير، والجواز ليس من التكليف؛ وهو كما أُبِيحَ للإمامِ، والمُؤَدِّبِ، والزوجِ- التأديبُ؛ بشرط سلامة العاقبة.
والمنقولُ في الصلاة: لا يعصى على أَصَحِّ الوجهين، وفي الحج: أنه يَعْصِي على أصح الوجهين؛ لعِظم الخطر بطول الزمان.
فرع: إِذا غَلَبَ على ظَنِّهِ أنه لو لم يفعل لفات فَأَخَّرَ- عَصى بالإجماع. فإنْ بقي وأتى به يُعَدُّ ذلك الوقتُ في وقتِ التوسعة، فهل يكونُ قضاءً أو أداءً؟
قال القاضي: يكون قضاءً؛ لأنه أَخَّرَهُ عن الوقت المعين له.
وقال الغزالي، والأكثرون: يكون أداء، والظن الكاذب لا أثرَ له، وعصيانه بالتأخر لا يخرجُه عن كونه وقتًا له، كما غلب على ظنه دخولُ الوقت المعين له، وأخره ثم تبين بقاء الوقت؛ فإنه يكون أداء بالإجماع.
وقد تقدم: أنَّ الوجوب ينقسم بالنسبة إلى المأمور به إلى مُعَيَّنٍ ومُخَيَّر، وبالنسبة إلى وقته إلى مضيق ومُوَسَّعٍ، وبالنسبة إلى المأمورين به إلى عَينٍ وكفاية، وقد مَرَّ البحثُ في القسمين الأولين.
وبقي البحث في الثالث، وهو الواجب على الكفاية ولم يذكره والحاجة ماسَّةٌ إلى تعيينه ولا شك أن الخطاب المتوجه على الجميع تارةً يتوجَّه على كُلِّ واحد، وتارة لا يتوجه على كل واحد.
والأول ينقسم إلى: ما يكون فعلُ البعض شرطًا في فعل الآخر، كصلاة الجمعة، وإلى ما [لا] يكون كذلك، كالصلوات الخمس.
والثاني: وهو المتوجه على الكل لا باعتبار كل واحد.
قال المصنف وجماعة: هو فرض الكفاية، ومثلوه بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
[ ١ / ٣٤٠ ]